Indexed OCR Text

Pages 401-420

٤٠١
أبواب الطهارة عن رسول الله وَّه / باب مَا جَاءَ فِي المَرأةِ تَرَى فِي المَنَامِ مِثْلَ مَا يَرَى الرَّجُلُ
إنَّ الله لا يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ، فَهَلْ عَلَى المَرأةِ - تَعْنِي غُسْلًا - إِذَا هِيَ رأتْ فِي المَنَامِ
مِثْلَ مَا يَرَى الرَّجُلُ؟ قَالَ: ((نَعَم، إذَا هِيَ رأْتِ المَاءَ فَلْتَغْتَسِلْ)) قَالَت أُمُّ سَلمَةَ: قُلْتُ
لَهَا: فَضَحْتِ النِّسَاءَ يَا أَمَّ سُلَيْم! [خ بنحوه: ١٣٠، م: ٣١٣، ن: ١٩٧، جه: ٦٠٠، حم: ٢٦٠٧٣،
طا: ١١٨، مي: ٧٦٤].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وهو قَوْلُ عَامَّةِ الفُقَهَاءِ: أنَّ المَرأةَ
فولدت له أنسًا، ثم قتل عنها مشركًا فأسلمتْ، فخطبها أبو طلحة، وهو مشركٌ، فأبت ودَعَتْهُ
إلى الإسلام، فأسلم، وقالت: إنِّي أتزوَّجكَ، ولا آخذ منك صداقًا لإسلامك، فتزوَّجها
أبو طلحة، روى عنها خلق كثير، (إن الله لا يستحيي من الحق) قدَّمت هذا القول، تمهيدًا
لعذرها في ذكر ما يُسْتَحْيَى منه، والمراد بـ ((الحياء)) - هنا - معناه اللغوي؛ إذ الحياء الشرعي
خَيرٌ كله، والحياءُ لغةً: تغير وانكسار، وهو مستحيلٌ في حق الله تعالى: فيحمل - هنا - على أن
المراد أن الله لا يأمر بالحياء في الحقِّ، أو لا يمنع من ذِكْرِ الحق، وقد يقال: إنما يحتاج إلى
التأويل في الإثبات، ولا يشترط في النفي: أن يكون ممكنًا، لكن لما كان المفهوم يقتضي أنه
يستحيي من غير الحقِّ عاد إلى جانب الإثبات، فاحتيج إلى تأويله؛ قاله ابن دقيق العيد؛ كذا
في ((الفتح))، (فهل على المرأة - تعني: غسلًا - إذا هي رأت في المنام مثلَ ما يَرَى الرَّجل؟)
وفي رواية أحمد(١) من حديث أم سُليم: ((أنَّها قالت: يا رسُولَ اللهِ، إذا رأت المرأةُ أنَّ زوجَها
يُجَامِعها في المنام، أَتَغْتَسِلُ؟)) (قالَ: نعَم، إذا هيَ رأت الماء) أي: المنيَّ بعد الاستيقاظ،
(فلتغتسل) فيه دليلٌ على وجوب الغُسل على المرأة بالإنزال، وكأن أم سُليم لم تسمع حديث:
((المَاءُ منَ المَاءِ»، أو سمعته وقام عندها ما يوهمُ خروج المرأة عن ذلك، وهو ندورُ بروز الماءِ
منها، وقد روى أحمد من حديث أم سليم هذه القصة: ((أن أم سَلَمَة قالت: يا رَسُولَ اللهِ،
وهَل للمرأةِ ماءٌ؟ فقال: هن شقائقُ الرِّجَالِ)) وروى من حديث خولة بنت حكيم في نحو هذه
القصة: ((ليسَ عليها غُسلٌ حتَّى تُنزل كما يُنزِلُ الرَّجلُ))، (فضحت النساء يا أم سليم) إذ حَكيتٍ
عنهن ما يدلُّ على كثرة شهوتهن؛ قاله في ((مجمع البحار))، وقال الحافظ: هذا يدلُّ على أن
كتمان مثل ذلك من عَادتهنَّ؛ لأنه يدل على شدة شهوتهن للرجال.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان.
(١) أحمد. حديث (٢٦٥٧٧).

٤٠٢
أبواب الطهارة عن رسول الله وَعليه / باب مَا جَاءَ فِي الرَّجُلِ يَسْتَدْفِئُ بِالمَرأةِ بَعْدَ الغُسْلِ
إذَا رَأْتْ فِي المَنَامِ مِثْلَ مَا يَرَى الرَّجُلُ فَأَنْزَلَتْ: أنَّ عَلَيْهَا الغُسْلَ، وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ
الثَّوْرِيُّ، والشَّافِعِيُّ.
قَالَ: وَفِي الْبَابِ عَن أُمُّ سُلْم، وخَوْلَةَ، وَعَائِشَةَ، وَأَنَسٍ.
٩١ - باب مَا جَاءَ في الزَّجُلِ يَسْتَدْفِىُّ بِالمرأةِ بَعْدَ الغُسْلِ [ت٩١، ٩١٢]
[١٢٣] (١٢٣) حدثنا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَن حُرَيْثٍ، عَن الشَّعْبِيِّ، عَن
مَسْرُوقٍ، عَن عَائِشَةَ، قَالَت: رُبَّمَا اغْتَسَلَ النَّبِيُّ وَّهِ مِنَ الجَنَابَةِ، ثُمَّ جَاءَ فَاسْتَدْفَأْ
بِي، فَضَمَمْتُهُ إليَّ وَلَمْ أَغْتَسِلْ. [ضعيف: جه بنحوه: ٥٨٠، حريث بن أبي مطر، ضعيف].
قوله: (وفي الباب: عن أمِّ سُلَيْم، وخولة، وعائشة، وأنس):
أما حديث أم سليم: فأخرجه مسلم (١)، وأما حديث خولة: فأخرجه النسائي وأحمد(٢)،
وأما حديث عائشة: فأخرجه مسلم(٣)، وأما حديث أنس: فأخرجه أيضًا مسلم(٤).
٩١ - باب في الرَّجُلِ يَسْتَدَفِىُّ بالمَرْأَةِ بَعْدَ الغُسْلِ
أي: يطلب الدَّفاءَةَ، بفتحتين والمد، وهي: الحرارة؛ بأن يضع أعضاءهُ على أعضائها .
[١٢٣] قوله: (ثم جاء فاستدفأ بي) أي: طلب الحرارة مني بأن وَضَعَ أعضاءه الشريفَةَ
على أعضائي من غير حائل، وجعلني مكان الثَّوب الذي يُستدفَأ به؛ ليجدَ السخونةَ من بدني؛
كذا في ((اللمعات))، وفي ((المرقاة)): قاله السيد جمال الدين، أي: يطلب منِّ الحرارةَ، ومنه
قوله تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾ [النحل: ٥] أي: ما تَسْتَدفئُونَ به، وفيه أن بَشَرَة الجُنُبِ
طاهرةٌ؛ لأن الاستدفاء إنما يحصُلُ من مَسِّ البَشرةِ؛ كذا في الطيبي، وفيه بحث. انتهى، قال
القاري: ولعله أراد أن الاستدفاء يمكنُ مع الثوب أيضًا، (فضممته إليَّ ولم أغتسل)
والحديث رواه ابن ماجه، ولفظه: ((كان رسول الله وَّهِ يغتسلُ من الجنابة، ثم يستدفئ بي قبلَ
أن أغتسل))، قال القاري في ((المرقاة)»: سنده حسن.
(١) مسلم، كتاب الحيض. حديث (٣١١).
(٢) أحمد. حديث (٢٦٧٦٧)، والنسائي، كتاب الطهارة. حديث (١٩٨).
(٣) مسلم، كتاب الحيض. حديث (٣١٤).
(٤) مسلم، كتاب الحيض. حديث (٣١٢).

٤٠٣
أبواب الطهارة عن رسول الله وَله / باب مَا جَاءَ فِي التََّمُمِ لِلْجُنُبِ إِذَا لَمْ يَجِدِ المَاءَ
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذَا حَدِيثٌ لَيْسَ بِإِسْنَادِهِ بَأُسٌ. وهو قَوْلُ غَيْرِ وَاحِدٍ مِن أهْلِ
العِلم مِن أصْحَابِ النَّبِيّ ◌َهِ وَالتَّابِعِينَ: أنَّ الرَّجُلَ إِذَا اغْتَسَلَ فَلا بَأْسَ بِأَنْ يَسْتَدْفِئَ
بامْرأَتِهِ وَيَنَامَ مَعَهَا قَبْلَ أنْ تَغْتَسِلَ المرأةُ، وَبِهِ يَقُولُ: سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ،
وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ.
٩٢ - باب مَا جَاءَ في التَّيَمُّمِ لِلْجُنُّب إذَا لَمْ يَجِدِ المَاءَ [ت٩٢، ٩٢٢]
[١٢٤] (١٢٤) حدثنا مُحَمَّدُ بن بَشَّارٍ وَمَحْمُودُ بنُ غَيْلان قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو أحْمَدَ
الزُّبَيْرِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَن خَالِدِ الحَذَّاءِ، عن أبي قلابة، عن عَمْرِو بِنِ بُجْدَانَ،
عَن أبِي ذَرٍّ، أنَّ رَسُولَ الله ◌ِّهِ قَالَ: ((إنَّ الصَّعِيدَ الظَيِّبَ طَهُورُ المُسْلِمِ، وَإِنْ لَمْ يَجِدٍ
المَاءَ عَشْرَ سنِينَ،
قوله: (هذا الحديث ليس بإسناده بأس) وأخرجه ابن ماجه(١)، وتقدم لفظه آنفًا .
٩٢ - باب مَا جَاءَ في التُّّم للجُنبِ إِذَا لَم يَجِدِ المَاءَ
[١٢٤] قوله: (حدَّثنا سفيان) هو: الثوري (عن خالد الحَذَّاءِ) بفتح المهملة وتشديد
الذال المعجمة؛ وخالد هذا هو: ابن مهرَانَ أبو المُنَازِل البصري، ثقة، من رجال الستة،
وقيل له: الحذاء؛ لأنه كان يجلس عندهم، وقيل: لأنه كان يقول: احْذُ على هذا النحو،
(عن أبي قلابة) بكسر القاف، اسمه: عبد الله بن زيد بن عمرو، أو عامر، الجرمي البصري،
ثقة، فاضل، كثير الإرسال، مات سنة أربع ومئة، وقيل: سنة ست، وقيل: سنة سبع، (عن
عمرو بن بُجدَان) بضم الموحدة، وسكون الجيم، العامري البصري، تفرد عنه أبو قلابة، لا
يعرف حاله؛ قاله الحافظ في ((التقريب))، وقال الخزرجي في ((الخلاصة)): وثقه ابن حبَّان،
ووثقه العِجلي أيضًا كما ستقف.
قوله: (إن الصعيد الطيب)، أي الطاهر المطهّر، قال في ((القاموس)): الصعيد: التراب
أو وجه الأرض، (طهور المسلم)، وفي رواية أبي داود: ((وضُوءُ المُسلم))، (وإن لم يجد
الماءَ عشرَ سنينَ) كلمة ((إن)): للوصل، والمراد من ((عشر سنين)): الكثرة، لا المدة المقدَّرة،
قال القاري: وفيه دلالة على أنَّ خروج الوقت، غير ناقض للتيمم؛ بل حكمه حكم الوضوء،
(١) ابن ماجه، كتاب الطهارة وسننها. حديث (٥٧٤).

٤٠٤
أبواب الطهارة عن رسول الله وَّيه / باب مَا جَاءَ فِي التَّيَّهُمِ لِلْجُنُبِ إِذَا لَمْ يَجِدِ المَاءَ
فَإِذَا وَجَدَ المَاءَ فَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ، فَإِنَّ ذلِكَ خَيْرٌ)). [ر: ٣٣٢، ن مختصراً: ٣٢١، حم: ٢١٠٥٨].
وَقَالَ مَحْمُودٌ فِي حَدِيثِهِ: ((إنَّ الصَّعِيدَ الطِيِّبَ وَضُوءُ المُسْلِم)). قَالَ: وفي البابِ
عَن أَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَبْدِ الله بنِ عَمْرٍو، وَعِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ .
قَالَ أبُو عِيْسَى: وَهكَذَا رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ عَن خَالِدِ الحَذَّاءِ، عَن أبِي قِلابَةَ، عَن
عَمْرٍو بن بُجْدَانَ، عَن أبِي ذَرٍّ.
كما هو مذهبنا - يعني: الحنفية - قال: وما صح عن ابن عمر؛ أنه يتيمَّم لكل صلاة، وإن لم
يُحدِث؛ محمولٌ على الاستحباب، انتهى.
قلت: الأمر كما قال القاري، (فإذا وَجَدَ المَاءَ فليمِسَّهُ) بضم الياء وكسر الميم من
((الإمْسَاس)) (بَشَرَته) بفتحتين: ظاهر الجلد، أي: فليوصل الماء إلى بَشَرَتِهِ وجلدِه؛ (فإنَّ
ذلك)، أي: الإمساس، (خير): أي: من الخُيُورِ، وليس معناه: أن كليهما جائزٌ عند وجود
الماء، لكن الوضوء خَير، بل المراد: أن الوضوء واجبٌ عند وجود الماء، ونظيره قوله
تعالى: ﴿أَصْحَبُ الْجَنَّةِ يَوْمَيِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤]، مع أنه لا خَيرَ ولا
أحسنيَّة لمستقرّ أهل النار.
قوله: (وفي الباب: عن أبي هريرة، وعبد الله بن عمرو، وعمران بن حصين):
أما حديث أبي هريرة: فأخرجه البزار(١) عنه، قال: قال رَسُولُ اللهِ إِلهِ: ((الصَّعِيدُ وَضُوءُ
المُسلم، وإن لم يَجِدِ المَاءَ عَشرَ سِنِينَ، فإذَا وَجَدَ المَاءَ فَلَيتَّقِ اللهَ وليُمِسَّهُ بَشَرَهُ؛ فإنَّ ذَلِكَ
خَيرٌ))؛ قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد))(٢): رجاله رجال الصحيح، وأما حديث عبد الله بن
عمرو: فأخرجه أحمد(٣) عنه، قال: ((جَاءَ رَجُل [إلى] رَسُولِ اللهِ نَّهِ فقال: يا رَسُولَ اللهِ،
الرَّجُلُ يَغِيبُ لا يقدرُ علَى المَاءِ، أيجَامعُ أهلهُ؟ قالَ: نَعَم))، قال الهيثمي: فيه الحجاج بن
أرطاة؛ وفيه ضعف، ولا يتعمَّد الكذب، وأما حديث عمران بن حصين: فأخرجه الشيخان (٤)
عنه، قال: كنَّا مع رَسُولِ اللهِ وَّهِ في سفرٍ، فصلَّى بالنَّاس، فإذا هُو برجُل مُعْتزلٍ، فقال: مَا
مَنَعَك أن تُصَلَِّ؟ قال: أصَابَتْنِي جَنَابَةٌ، ولا مَاءَ، قال: عَلَيكَ بالصَّعِيدِ، فإنَّه يَكفيكَ)).
(١) البزار. حديث (٣٣٦٩ - زخار)، قال الهيثمي (٢٦١/١): ورجاله رجال الصحيح.
(٢) («مجمع الزوائد» (٢٦١/١).
(٣) أحمد. حديث (٧٠٥٧).
(٤) البخاري، كتاب التيمم. حديث (٣٤٤)، ومسلم، كتاب المساجد. حديث (٦٨٢).

٤٠٥
أبواب الطهارة عن رسول الله وَله / باب مَا جَاءَ فِي التَّيَهُمِ لِلْجُنُبِ إِذَا لَمْ يَجِدِ المَاءَ
وقد رَوَى هذا الحَدِيثَ أيُّوبُ، عَن أبي قِلابَةَ، عَن رَجُلٍ مِن بَنِي عَامِرٍ، عَن أبِي ذَرِّ
وَلَمْ يُسمِّهِ. قَالَ: وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَهُو قَولُ عَامَّةِ الفُقَهَاءِ: أنَّ الجُنُبَ وَالحَائِضَ
إِذَا لَمْ يَجِدَا الماءَ تَيَمَّما وَصَلَّيًا. وَيُرْوَى عَن ابن مَسْعُودٍ: أَنَّهُ كَانَ لا يَرى التََّهُّمَ
لِلْجُنُبِ، وَإِنْ لَمْ يَجد الماءَ. وَيُرْوَى عَنه: أنَّه رَجَعَ عَن قولِهِ، فقال: يَتَيَمَّمُ إِذَا لَمْ
يَجدِ الماءَ. وَبِه يَقولُ سُفْيانُ الثورِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإسحاق.
قوله: (وقد روى هذا الحديث أيوبُ، عن أبي قلابة، عن رجل من بني عامر، عن
أبي ذر، ولم يسمِّه) رواه أبو داود في ((سننه)) من طريق موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن
أيوب، إلخ، قال المنذري في ((تلخيصه)): وهذا الرجل الذي من بني عامر هو عَمْرُو بن
بُجدَان المتقدِّم في الحديث قبله، سماه خالدٌ الحذاء عن أبي قلابة، وسماه سفيانُ الثوريُّ عن
أيوب څے. انتھی.
قوله: (وهذا حديث حسن)؛ وأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه، وقال الشوكاني في
((النيل)): ورواه ابن حبان والحاكم والدارقطني(١) وصححه أبو حاتم؛ وعمرو بن بُجدَان: قد
وثقه العجلي، قال الحافظ: وغفل ابن القطّان، فقال: إنه مجهول. انتهى ما في ((النيل)).
قلت: وقد غفل الحافظُ أيضًا، فإنه قال في ((التقريب)): لا يعرف حاله.
تنبيه: قد اختلفت نسخ الترمذي ـ هاهنا - فوقع في النسخ الموجودة عندنا: ((هذا حديث
حسن))، وقال المنذري في ((تلخيص السنن)): قال الترمذي: حديث حسن صحيح. انتهى،
وقال ابن تيمية في ((المنتقى)) بعد ذكر هذا الحديث: رواه أحمد والترمذي وصحَّحه. انتهى.
قوله: (وهو قول عامة الفقهاء؛ إن الجنب والحائض إذا لم يجد الماء) أي: كل واحد
منهما، وفي نسخة قلمية عتيقة: ((إذا لم يَجدا المَاء)) بصيغة التثنية، وهو الظاهر، (تيمما
وصليا .. إلخ).
قال الشوكاني في ((النيل)): وقد أجمع على ذلك العلماء، ولم يخالف فيه أحد من
السلف والخلف، إلّا ما جاء عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود، وحُكيَ مثله عن
إبراهيم النخعي من عدم جوازه للجنب، وقيل: إن عمر وعبد الله رجعا عن ذلك، وقد جاءت
(١) ابن حبان. حديث (١٣١٢)، والحاكم. حديث (٦٢٧) وقال: حديث صحيح، ووافقه الذهبي، والدارقطني
(١٨٧/١). حديث (٢).

٤٠٦
أبواب الطهارة عن رسول الله ◌َفيِ / باب مَا جَاءَ في المسْتَحَاضَةِ
٩٣ - باب مَا جَاءَ في المسْتَحَاضَةِ [ت٩٣، ٩٣٢]
[١٢٥] (١٢٥) حدثنا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ وَعَبْدةُ وأبو مُعاوِيةَ، عَن هِشَامِ بنِ
عُرْوَةَ، عَن أبيه، عَن عَائِشَةَ، قَالَت: جَاءتْ فَاطِمَةُ ابْنَةُ أبي حُبَيْشٍ إلى النَّبِيِّ ◌َِه
فَقَالَت: يَا رَسُولَ الله، إنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحاضُ فَلا أَظْهُرُ، أفَأَدَعُ الصَّلاةَ؟ قَالَ: ((لا،
إِنمَا ذلِكِ عِرْقٌ، وَلَيْسَتْ بِالحيضَةِ،
بجوازه للجنب الأحاديث الصحيحة، وإذا صلَّى الجنُبُ بالتَّيمُّم، ثم وَجَدَ الماء، وجَبَ عليه
الاغتسالُ بإجماع العلماءِ، إلَّا ما يُحكى عن أبي سلمة بن عبد الرحمن الإمام التابعيّ؛ أنه
قال: لا يلزمه، وهو مذهبٌ متروكٌ بإجماع مَن بعده ومن قبله، وبالأحاديث الصحيحة
المشهورةِ في أمرهٍ ◌ّوَ للجنُبِ بغسلٍ بدنه، إذا وجد الماء. انتهى.
٩٣ - باب في المُسْتَحاضَةِ
الاستحاضة: جريان الدم من فَرج المرأة في غير أوانه، وأنه يخرج من عِرقٍ، يقال له
العاذِلُ بعين مهملة وذال معجمة؛ يقالَ: استُحيضَتِ المرأةُ: إذا استمرَّ بها الدمُ بعد أيامها
المعتادةِ، فهي مستحاضةٌ؛ كذا في ((الفتح)).
[١٢٥] قوله: (جاءت فاطمة ابنة أبي حُبَيْش) بضم الحاء المهملة وفتح الموحدة وسكون
المثناة التحتية، قال الحافظ في ((التقريب)): صحابية لها حديثٌ في الاستحاضة، (إني امرأة
أستحاض) بصيغة المجهول، (فلا أطهر) أي: لا ينقطع عني الدم، (أفأدع الصلاة؟) كانت قد
علمت أن الحائض لا تصلِّي، فظنَّت أن ذلك الحكم مقترنٌ بجريان الدم من الفرج، فأرادت
تحقيق ذلك، فقالت: أفأدع الصلاة، أي: أتركها، والعطف على مقدَّر بعد الهمزة؛ لأن لها
صدر الكلام، أي: أيكون لي حكمُ الحائض، فأترك الصلاة؟ (قال: لا) أي: لا تدعي
الصلاة، (إنما ذلكِ) بكسر الكاف، أي: الذي تشتكينه (عرق) بكسر العين المهملة، أي: دَمُ
عرقٍ انشقَّ وانفجَرَ منه الدم؛ أو إنما سببها عرقٌ منها في أدنى الرَّحم، (وليست) أي: العلة
التي تشتكينها، وفي رواية الشيخين على ما في ((المشكاة)): ((لَيْسَ))؛ وهو الظاهر، (بالحيضة)
قال الحافظ: بفتح الحاء؛ كما نقله الخطابيُّ عن أكثر المحدِّثين أو كلهم، وإن كان قد اختار
الكسر على إرادة الحالة، لكن الفَتح هنا أظهر؛ وقال النووي: وهو متعيِّن أو قريب من
المتعيِّن؛ لأنه ◌َ ﴿ أراد إثباتَ الاستحاضة ونفيَ الحيض، وأما قوله: ((فَإِذا أقبلتِ الحَيضَة))

٤٠٧
أبواب الطهارة عن رسول الله وَّر / باب مَا جَاءَ في المسْتَحَاضَةِ
فَإِذَا أقْبَلَتِ الحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلاةَ، وَإِذا أدْبَرَتْ فَاغْسِلي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي)).
قَالَ أبو معاوِيةَ في حديثِه: ((وَقال: تَوَضَّئي لِكلِّ صَلاةٍ حتَّى يَجِيءَ ذلِك
الوقْتُ)). [خ: ٢٢٨، م: ٣٣٣، ن: ٢١٧، د: ٢٨٢، جه: ٦٢١، حم: ٢٥٠٩٤، طا: ١٣٧، مي: ٧٧٤].
فيجوز فيه الوجهان معًا جوازًا حسنًا. انتهى كلامه، قال الحافظ: والذي في روايتنا بفتح
الحاء في الموضعين، (فإذا أقبلت الحيضة) قال القاري: بالكسر اسم للحيض؛ ويؤيده رواية
الفتح، وقيل: المراد بها الحالة التي كانت تحيضُ فيها، وهي تعرفها، فيكون ردًّا إلى العادة،
وقيل: المراد بها الحالة التي تكون للحيضِ من قُوَّة الدم في اللون والقوام؛ ويؤيده حديث
عروة الذي يتلوه. وهي لم تعرف أيامها، فيكون ردًّا إلى التمييز؛ قال الطيبي: وقد اختلف
العلماء فيه، فأبو حنيفة منع اعتبار التمييز مطلقًا، والباقون عملوا بالتمييز في حقِّ المبتدأة،
واختلفوا فيما إذا تعارضتِ العادة والتمييز؛ فاعتبر مالك وأحمد وأكثر أصحابنا: التمييز، ولم
ينظروا إلى العادة، وعكس ابن خَيْرَان. انتهى.
قلت: أراد بحديث عروة الذي رواه عروة عن فاطمة بنت أبي حُبيش؛ أنها كانت
تُستحاضُ، فقال لها النبي ◌َّ: ((إذَا كان دَمُ الحيضِ، فإنَّه دَمٌّ أسود يعرفُ، فإذَا كان ذَلِكَ
فَأَمْسِكِي عن الصَّلاةِ، فإذَا كان الآخرُ فَتَوَضَّئِي، وصلِّي فإنَّما هو عِرقٌ))؛ رواه أبو داود
والنسائي(١)، (فاغسلي عنك الدم وصلي) أي: بعد الاغتسال، وفي رواية للبخاري(٢): (ثُمَّ
اغْتَسِلِي وصَلِّي)».
قوله: (قال أبو معاوية في حديثه: ((وقال: توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت)))
قال بعضهم: إن هذا مُدرجٌ، وقد ردًّ الحافظ في ((الفتح)) عليه، وجزم بعضهم أنه موقوفٌ على
عروة، وقد ردَّ الحافظ عليه أيضًا وقال: ولم ينفرد أبو معاوية بذلك؛ فقد رواه النسائي من
طريق حمَّاد بن زيد عن هشام، وادعى أن حمَّادًا تفرد بهذه الزيادة، وأومأ مسلم أيضًا إلى
ذلك، وليس كذلك، فقد رواها الدارميُّ من طريق حمَّاد بن سلمة والسِّراج من طريق يحيى بن
سليم كلاهما عن هشام. انتهى. وفي الحديث دليل على أن المرأة إذا ميَّزت دم الحيضٍ من دم
الاستحاضة تعتبرُ دم الحيض، وتعمل على إقباله وإدباره، فإذا انقضی قدره اغتسلت عنه، ثم
صار حكم دم الاستحاضة حكم الحدث، فتتوضَّأ لكل صلاة، لكنها لا تصلي بذلك الوضوء
(١) أبو داود، كتاب الطهارة. حديث (٣٠٤)، والنسائي، كتاب الحيض والاستحاضة. حديث (٣٦٣).
(٢) البخاري، كتاب الحيض. حديث (٣٢٥).

٤٠٨
أبواب الطهارة عن رسول الله وَ ﴿ / باب مَا جَاءَ في المسْتَحَاضَةِ
قَالَ: وفي الباب عَن أُمِّ سَلمَةَ. قَالَ أَبُو عِيْسَى:
أكثرَ من فريضة واحدة مؤدَّة أو مقضية؛ لظاهر قوله: ((ثم تَوَضَّئي لكل صلاة)) وبهذا قال
الجمهور، وعند الحنفية: أن الوضوء متعلِّق بوقت الصلاة، فلها أن تصلِّ به الفريضة
الحاضرة، وما شاءت من الفوائت، ما لم يخرج وقت الحاضرة، وعلى قولهم المراد بقوله:
((توضَّئي لكل صلاةٍ)) أي: لوقت كل صلاة؛ ففيه مجاز الحذف، ويحتاج إلى دليل، وعند
المالكية: يستحبُّ له الوضوء لكل صلاة، ولا يجبُ، إلَّا بحدث آخر، وقال أحمد وإسحاق:
إن اغتسلت لكل فرضٍ فهو أحوط؛ قاله الحافظ في ((الفتح))، وقال ابن عبد البر: ليس في
حديث مالكٍ ذكر الوضوء لكل صلاة على المستحاضة، وذكر في حديث غيره، فلذا كان مالكٌ
يستحبه لها ولا يوجبه؛ كما لا يوجبه على صاحب السَّلسِ؛ قاله الحافظ في ((الفتح)).
فإن قلت: قال في ((الهداية)): لنا قوله عليه السلام: ((المُسْتَحاضةُ تَتَوضَّأُ لوقتٍ كُلِّ صلاةٍ)).
قلت: قال الحافظ الزيلعي في ((تخريج الهداية)): غريب جدًّا، وقال الحافظ في
((الدراية)): لم أجده هكذا، وإنما في حديث أم سلمة: ((تَتَوضَّأ لكلِّ صلاةٍ)).
فإن قلت: قال ابن الهمام في ((فتح القدير)) نقلا عن ((شرح مختصر الطحاوي)): روى
أبو حنيفة عن هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة؛ أن النبيَّ بَّه قال لفاطمة بنتِ أبي حُبيشٍ:
(تَوَضَّنِي لوقتٍ كُلِّ صلاةٍ)، فهذه الروايةَ بلفظ: ((تَوَضَّئِي لوقتِ كُلِّ صلاةٍ) تدلُّ على أن المراد
بقوله: ((تَوَضَّئي لكلِّ صلاةٍ)) أي: لوقت كل صلاة.
قلت: نعم، لو كان هذا اللفظ في هذا الطريق محفوظًا، لكان دليلاً على المطلوب؛
لكنَّ في كونه محفوظًا كلامًا؛ فإن الطرق الصحيحة كلها قد وردت بلفظ: ((توضئي لكل
صلاة))، وأما هذا اللفظ، فلم يقع في واحد منها، وقد تفرَّد به الإمام أبو حنيفة، وهو سيِّئ
الحفظ؛ كما صرَّح به الحافظ ابن عبد البر، والله تعالى أعلم.
قوله: (وفي الباب: عن أم سلمة) أخرجه الخمسة إلَّ الترمذي(١)؛ كذا في ((المنتقى))
ولفظه: ((أنَّها استفتت رسولَ اللهِنَّهَ فِي امْرَأَةٍ تهراقُ الدَّمَ، فقال: لتَنْظر قدرَ اللَّيالي والأَيَّامِ
التي كانت تَحِيضُهُنَّ وقدرهنَّ من الشهرِ فتدعُ الصَّلاة، ثُمَّ لتغتسِل ولتَسْتثفر ثُمَّ تُصَلي)).
(١) مالك. حديث (١٣٨)، وأحمد. حديث (٢٦٠٠)، والدارمي (٧٨٠)، وأبو داود، كتاب الطهارة. حديث
(٢٧٤)، والنسائي، كتاب الحيض والاستحاضة. حديث (٣٥٥)، وابن ماجه، كتاب الطهارة وسننها. حديث
(٦٢٣) وهو صحيح.

٤٠٩
أبواب الطهارة عن رسول الله وَهِ / باب مَا جَاءَ أنَّ المستَحَاضَةَ تَتَوَضَّأُ لكلِّ صَلاةٍ
حديثُ عَائِشَةَ: [جَاءتْ فَاطِمَةُ] حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
وهو قَوْلُ غَيْرٍ واحدٍ من أهلِ العِلْمِ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ نَّهِ وَالتَّابعينَ. وبه يقولُ
سفيانُ الثوريُّ، ومالك، وابن المبارك، والشافعيُّ: أنَّ المستحاضة إذا جَاوزتْ أيام
أقرَائِهَا اغْتَسَلَتْ وَتَوَضَّأَتْ لكلِّ صَلاةٍ.
٩٤ - باب مَا جَاءَ أنَّ المستَحَاضَةَ تَتَوَضَّأَ لكلِّ صَلاةٍ [ت٩٤، ٩٤٢]
[١٢٦] (١٢٦) حدثنا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَن أبي اليَفْظَانِ، عَن عَديٍّ بن
ثَابِتٍ، عَن أبيه، عَنِ جِدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ بَِّ أَنَّهُ قَالَ في المُسْتَحَاضَةِ: ((تَدعُ الصَّلاةَ أيامَ
أَقْرَائِهَا الَّتِي كَانَت تَحِيضُ فيهَا، ثُمَّ تَغْتَسِلُ وَتَتَوَضّأُ عِنْدَ كلِّ صَلاةٍ، وَتَصُومُ
وَتُصَلِّي)) .. [٥: ٢٩٧، جه: ٩٢٥، مي: ٧٩٣].
قوله: (حديث عائشة: حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان.
٩٤ - باب مَا جَاءَ أنَّ المُستحَاضَةَ تتوَضَّأُ لِكُلِّ صَلاةٍ
[١٢٦] قوله: (عن أبي اليقظان) اسمه: عثمان بن عُمَيْر بالتصغير، ويقال: ابن قيس،
والصواب: أن قيسًا جدُّ أبيه، وهو عثمان بن أبي حُمَيْد أيضًا البَجَليّ أبو اليقظان الكوفي
الأعمى، ضعيف، واختلط، وكان يدلِّس، ويغلو في التشيع؛ كذا في ((التقريب))، وقال في
((الخلاصة)»: ضعَّفه أحمد وغيره، وتركه ابن مهدي، (عن عدي بن ثابت) الأنصاري الكوفي،
ثقة، رمي بالتشيع، من رجال الستة، (عن أبيه) هو ثابت، قال الحافظ في ((التقريب)): ثابت
الأنصاري والد عديٍّ، قيل: هو ابن قيس بن الخَطِيم، هو جدُّ عدي لا أبوه، وقيل: اسم
أبيه، دينار، وقيل: عمرو بن أخْطَب، وقيل: عبيد بن عازب، فهو مجهول الحال. انتهى،
قلت: قد أطال الحافظ الكلامَ في ترجمة ثابتٍ الأنصاريِّ في ((تهذيب التهذيب))، من يشاء
الوقوف على ذلك، فليرجع إليه، (عن جده) أي: جد عدي.
قوله: (قال في المستحاضة) أي: في شأنها: (تدع الصلاة أيام أقرائها) جمع قُرْءٍ، وهو
مشتركٌ بين الحيض والطهر، والمراد به - هاهنا -: الحيض؛ للسباق واللحاق؛ قاله القاري،
(التي كانت تحيض فيها) أي: قبل الاستحاضة، (ثم) أي: بعد فراغ زمن حيضها باعتبار
العادة، (تغتسل) أي: مرة، (وتتوضأ عند كل صلاة) قوله: ((عند كل صلاة)) متعلِّق بـ ((تتوضأ))

٤١٠
أبواب الطهارة عن رسول الله وَه / باب مَا جَاءَ أنَّ المستَحَاضَةَ تَتَوَضَّأُ لكلِّ صَلاةٍ
[١٢٧] (١٢٧) حدثنا عَلِيُّ بن حُجْرٍ، أَخْبَرَنَا شَرِيكٌ، نَحْوَهُ بمعْناهُ.
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديث قَدْ تَفَرَّدَ بهِ شَرِيكٌ عَن أبي اليَقْظَانِ. قَالَ: وَسَأَلْتُ
مُحمداً عَنِ هذَا الحَديثِ، فقُلْت: عَدِيُّ بنُ ثَابِتٍ، عَن أبيهِ، عَن جَدِّهِ، جَدُّ عَدِيّ مَا
اسْمُهُ؟ فَلَمْ يَعْرِفْ محمَّدٌ اسْمَهُ، وَذَكَرْتُ لمُحَمَّدٍ قَوْلَ يَحْيَى بن مَعِين أنَّ اسْمَهُ:
دِينَارٌ، فَلَمْ يَعْبَأْ بِهِ. وَقَالَ أحْمُدُ، وَإِسْحاقُ فِي المُسْتَحَاضَةِ: إن اغْتَسَلَتْ لكلِّ صَلاةٍ
هُوَ أحوطُ لَهَا، وَإِنْ تَوَضَّأَتْ لكلِّ صَلاةٍ أجْزَأَهَا، وَإِنْ جَمَعَتْ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ بِغُسْلٍ
وَاحِدٍ أجْزَأَهَا .
لا بـ ((تغتسل))، وفيه دليلٌ على أن المستحاضة تتوضأ عند كل صلاة، والحديث ضعيف، لكن
له شواهد ذكرها الحافظ الزيلعي والحافظ ابن حجر في تخريجهما، ومنها: حديث عائشة
المذكور في الباب المتقدِّم.
[١٢٧] قوله: (هذا حديث قد تفرَّد به شريك عن أبي اليقظان) وأخرجه أبو داود،
وضعفه، وأخرجه ابن ماجه أيضًا، (وسألت محمدًا عن هذا الحديث، فقلت: عدي بن ثابت
عن أبيه عن جده، جد عدي ما اسمه؟ فلم يعرف محمَّد اسمه، وذكرت لمحمَّد قول يحيى بن
معين؛ إنَّ اسمه دينار، فلم يعبأ به) قال المنذري بعد نقل كلام الترمذي هذا ما لفظه: وقد
قيل: إنه جده أبو أمه عبد الله بن يزيد الخَطْمِيّ، قال الدارقطني: ولا يصحُّ من هذا كله
شيء، وقال أبو نعيم: وقال غير يحيى اسمه: قيس الخطمي، هذا آخر كلامه، وقيل: لا
يعلم جده، وكلامُ الأئمة يدلُّ على ذلك، وشريك: هو ابن عبد الله النخعي، قاضي الكوفة،
تكلّم فيه غير واحد، وأبو اليقظان هذا: هو عثمانُ بن عُمَيرٍ الكوفيُّ؛ ولا يحتجُّ بحديثه.
انتھی کلام المنذري.
قوله: (وقال أحمد وإسحاق في المستحاضة: إن اغتسلت لكلِّ صلاة هو أحوط لها،
وإن توضأت لكل صلاة أجزأها، وإن جمعت بين الصلاتين بغسل أجزأها) فالاغتسال لكل
صلاة ليس بواجب على المستحاضة عند أحمد وإسحاق، وهو قول الجمهور، وروي عن
بعض الصحابة: أنهم قالوا: يجب عليها أن تغتسلَ لكلِّ صلاة، والقولُ الراجح المعوَّل عليه
هو قولُ الجمهور، وسيجيء الكلامُ فيه في («باب ما جاء في المستحاضة أنَّها تغتسلُ عندَ كل
صلاة)).

٤١١
أبواب الطهارة عن رسول الله وَّه / باب مَا جَاءَ فِي المسْتَحَاضَةِ: أنَّهَا تَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلاَيْنِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ
٩٥ - باب مَا جَاءَ في المسْتَحَاضَةِ:
أنَّهَا تَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ [ت٩٥، ٩٥٢]
[١٢٨] (١٢٨) حدثنا محمَّدُ بن بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا أبو عَامِر العَقَدِيُّ، حَدَّثَنَا زهَيْرُ بنُ
محمّدٍ، عَن عَبْد الله بن محمّدٍ بن عقِيلٍ، عَن إِبْراهِيم بن محمّدٍ بن طَلْحَة، عَن عَمِّهِ
عِمْرَانَ بن طَلْحَةَ، عَن أُمِّهِ حَمْنَةَ بنْتِ جَحْشٍ، قَالَت: كُنْت أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً كَثِيرَةً
شَديدةً، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ بَّهِ أَسْتَفْتِيهِ وَأُخْبِرُهُ، فَوَجَدْتُهُ فِي بَيْتِ أُخْتِي زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ،
فَقُلْتُ: يا رسول الله! إنِّي أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً كَثِيرَةً شَديدةً، فَمَا تَأْمُرُنِي فيها،
٩٥- بَابُ مَا جَاءَ في الْمُسْتَحَاضَةِ: أنَّهَا تَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلاتيْنِ بِغُسلٍ وَاحِدٍ
[١٢٨] قوله: (حدَّثنا أبو عامر العقدي) بفتح المهملة والقاف، اسمه: عبد الملك بن
عمرو القيسي البصري، ثقة، من رجال الستة، قال النسائي: ثقة مأمون، مات سنة أربع
ومئتين، (نا زهير بن محمد) التميمي، أبو المنذر الخراساني، سكن الشام، ثم الحجاز،
رواية أهل الشام عنه غيرُ مستقيمة؛ فضعف بسببها، قال البخاري عن أحمد: كان زهير الذي
يَروي عنه الشاميون آخر، وقال أبو حاتم: حدَّث بالشام من حفظه، فكثر غلطُهُ؛ كذا في
((التقريب))، وقال في ((الخلاصة)): قال البخاري: للشاميين عنه مناكير، وهو ثقة، ليس به
بأس، (عن إبراهيم بن محمد بن طلحة) التيمي المدني، ثقة، وكان يسمى أسد قريش، (عن
عمه عمران بن طلحة) بن عبيد الله التيمي المدني، له رؤية، ذكره العِجليُّ في ((ثقات
التابعين))، (عن أمه حَمْنَة) بفتح المهملة وسكون الميم وبالنون، (بنت جحش) بفتح الجيم
وسكون الحاء المهملة وبالشين المعجمة، هي أخت زينب أم المؤمنين، وامرأة طلحة بن
عبيد الله.
قوله: (كنت أستحاض حيضة) بفتح الحاء، وهو مصدر أُسْتَحاضُ على حدٍّ أنبتهُ اللهُ
نباتًا، ولا يضره الفرقُ في اصطلاح العلماء بين الحَيض والاستحاضة؛ إذ الكلام وارد على
أصل اللغة، (كبيرة)، وفي بعض النسخ: ((كثيرة)) وكذا في رواية أبي داود، (شديدة) قال
القاري: كثيرة في الكمية، شديدة في الكيفية، (أستفتيه وأخبره) الواو لمطلق الجمع؛ وإلا؛
كان حقها أن تقول: أخبره وأستفتيه، (فوجدته في بيت أختي زينب بنت جحش) أم
المؤمنين، (فما تأمرني) ما استفهامية، (فيها) أي: في الحيضة، يعني: في حال وجودها،

٤١٢
أبواب الطهارة عن رسول الله وَّهِ / باب مَا جَاءَ فِي المسْتَحَاضَةِ: أنَّهَا تَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ
فَقَدْ مَنَعَتْنِي الصِّيَامَ وَالصَّلاةَ؟ قَالَ: ((أَنْعَتُ لَكِ الْكُرْسُفَ، فَإِنَّهُ يُذْهِبُ الدَّمَ)) قَالَت:
هو أكْثَرُ مِن ذلِكَ، قَالَ: (فَتَلَجَّمِي)) قَالَت: هُوَ أكْثَرُ مِن ذلِكَ؟ قَالَ: ((فَاتَّخِذِي ثَوْباً))
قَالَت: هُو أكْثَرُ مِن ذلِكَ، إِنَّمَا أتُجُّ ثَجَّا؟ فَقَالَ النّبِيُّ ◌َله: ((سَآَمُرُكِ بِأَمْرَيْنِ: أيَّهمَا
صَنَعْتِ أجْزَاً عَنْكِ، فإنْ قَوِيتِ عَلَيْهِمَا فَأَنْتِ أعْلَمُ)) فَقَالَ: ((إنّمَا هِيَ رَكْضَةٌ منَ
الشَّيْطَانِ، فَتَخَيَّضِي سِتَّةَ أيَّامٍ أوْ سبعةَ أيَّامٍ
(فقد منعتني الصيام والصلاة) أي: على زعمها، (أنعت) أي: أصف (الكرسف) بضم الكاف
وسكون الراء وضم السين، أي: القطن، (فإنه) أي: الكرسف، (يذهب الدم) من الإذهاب،
أي: يمنع خروجه إلى ظاهر الفرج، أو معناه: فاستعمليه لعلَّ دمك ينقطع، (هو أكثر من
ذلك) أي: الدم أكثر من أن ينقطع بالكرسف، (قال: فتلجمي) أي: شُدِّي اللجام، يعني:
خرقة على هيئة اللجام كالاستثفار.
(قال: فاتخذي ثوبًا) أي: تحت اللجام، وقال القاري: أي: مطبقًا، (إنما أثج) بضم
المثلثة وتشديد الجيم، (ثَجّا): من ثَجَّ الماءُ والدَّمُ؛ لازم ومتعدٍّ، أي: أنصبُّ أو أَصُبُّه،
فعلى الثاني تقديره أَنُجُّ الدَّمَ، وعلى الأول: إسناد الثَّج إلى نفسها؛ للمبالغة، على معنى أن
النفس جعلَت كأن كلَّها دمٌ تَجَّاجٌ، وهذا أبلغ في المعنى، (سآمرك) السين للتأكيد (بأمرين)
أي: بحكمين أو صنفين، (أيهما صنعت) قال أبو البقاء في إعرابه: ((إنها بالنصب لا غير،
والناصب لها صَنَعتِ))؛ كذا في ((قوت المغتذي))، (وإن قويت) أي: قدرت (فأنت أعلم) بما
تختارينه منهما، فاختاري أيهما شئت.
(فقال: إنما هي) أي: الثجة أو العلَّة، (ركضة من الشيطان)، قال الجزري في ((النهاية)):
أصل الركض الضربُ بالرِّجل، والإصابة بها؛ كما تركُضُ الدابة وتُصابُ بالرِّجل، أراد
الإضرار بها والإيذاءَ، المعنى: أن الشيطان قد وجد بذلك طريقًا إلى التلبيس عليها في أمر
دينها وطُهرها وصلاتها، حتَّى أنساها ذلك عادتها، وصارَ في التقدير كأنه ركضةٌ بآلة من
ركضاته. انتهى، (فَتَحَيَّضِي) أي: اجعلي نفسك حائضًا، يقال: تَحَيَّضَتِ المرأة، أي: قعدَت
أيام حيْضِها من الصلاة والصوم، (ستة أيام أو سبعة أيام) قال الخطابي: يشبه أن يكون ذلك
منه رَّ على غير وجه التحديد من الستة والسبعة؛ لكن على معنى اعتبار حالها بحال مَن هي
مثلُها، وفي مثل سنِّها من نساء أهل بيتها، فإن كانت عادةُ مثلها أن تقعد ستًّا، قعدت ستًّا،
وإن سبعًا، فسبعًا، وفيه وجه آخر: وذلك أنه قد يحتملُ أن تكون هذه المرأة قد ثَبتَ لها فيما

٤١٣
أبواب الطهارة عن رسول الله وَّة / باب مَا جَاءَ فِي المسْتَحَاضَةِ: أنَّهَا تَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلاَتَيْنِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ
في عِلْم الله، ثُمَّ اغْتَسلِي، فَإِذَا رأيْتِ أنّكِ قَدْ طَهُرْتٍ وَاستَنقأتِ، فَصَلِّي أَرْبَعاً
وَعِشِرِينَ لَيْلةً، أوْ ثلاثاً وَعِشْرِينَ
تقدَّم أيام ستة أو سبعة، إلا أنها قد نَسِيتها؛ فلا تدري أيتهما كانت، فأمرها أن تتحرَّى
وتجتهد وتبنيَ أمرها على ما تَيَقَّنَتْهُ من أحد العدَدينِ، ومن ذهب إلى هذا: استدلَّ بقوله: ((في
علم الله)) أي: فيما عَلِمَ الله من أمرك ستّةً أو سبعةً، انتهى. (في علم الله) أي: في علم الله
من أمرك من الست أو السبع، أي: هذا شيءٌ بينك وبين الله، فإنه يعلم ما تفعلينَ من الإتيان
بما أمرتُكِ به أو تركه، وقيل: في علم الله، أي: حُكم الله تعالى، أي: ما أمرتك به فهو
حُكم الله تعالى، وقيل: في علم الله، أي: أعلَمَك اللهُ مَن عادة النساء من الست أو السبع؛
قاله ابن رسلان، قال القاري في ((المرقاة)) قيل: ((أو)) للشك من الراوي، وقد ذكر أحَدَ
العددين اعتبارًا بالغالب من حال نساء قَومِها، وقيل: للتخيير بَيْنَ كل واحدٍ من العَدَدَيْن؛ لأنه
العرف الظاهر والغالب من أحوال النساء، وقال النووي: ((أو)) للتقسيم، أي: ستة إن
اعتادتها، أو سبعة إن اعتادتها، إن كانت معتادةً لا مبتدأةً، أو لعلَّها شكَّت هل عادتها ستة أو
سبعة؟ فقال لها: ستة إن لم تذكُري عادَتكِ، أو سبعةٌ إن ذكرتِ أنها عادتُكِ، أو لعلَّ عادتها
كانَت مختلفة فيهما، فقال: ستة في شهر الستة، وسبعة في شهر السبعة. انتهى، وقيل : - وهو
الظاهر -: إنها كانت معتادةً، ونَسِيَت أن عادتها كانت ستًّا أو سبعًا، فذكر القاري مثل ما
ذكره الخطّابيُّ بقوله: ((وفيه وجه آخر ... )) إلخ، ثم قال القاري: ومعناه أي: معنى قوله:
((في عِلمِ الله)): على قولٍ: الشكُّ في علمِهِ الذي بَيَّنَهُ وشرعه لنا؛ كما يقال: في حكم الله،
وفي كتاب الله، وقيل: فيما أعلمَكِ الله من عادات النساءِ من الست أو السبع، وفي قولٍ:
التخييرُ فيما علم اللهُ من ستة أو سبعة. انتهى ما في ((المرقاة)).
(ثم اغتسلي) أي: بعد الستة أو السبعة من الحَيضِ، (فإذا رأيت) أي: علمتِ (أنك قد
طهرت واستنقأت) قال أبو البقاء: كذا وقع في هذه الرواية بالألف، والصواب:
((واستنقيت))؛ لأنه من نقى الشيء، وأنقيته: إذا نظّفته، ولا وجهَ فيه للألف ولا الهمزة.
انتهى، وقال القاري في ((المرقاة)): قال في ((المغرب)): الاستنقاءُ مبالغةٌ في تنقية البدنِ،
قياس، ومنه قوله: ((إذا رأيتِ أنَّك طَهُرتِ واستنقيتٍ))، الهمزة فيه خطأ. انتهى، قال: وهو
في النسخ كلها - يعني: نسخ ((المشكاة)) - بالهمز مضبوط؛ فيكون جرأةً عظيمةً من صاحب
((المُغْرِبِ)) بالنسبة إلى العدول الضابطينَ الحافظينَ مع إمكان حملِهِ على الشذوذ؛ إذ الياءُ من
أحرف الإبدال، وقد جاء ((شِئْمَة)) مهموزًا؛ بدلًا من ((شِيمَة)) شاذًّا على ما في ((الشافية)»،
(فصلي أربعًا وعشرين ليلة) يعني: وأيامها، إن كانت مدةُ الحيضة ستةً، (أو ثلاثًا وعشرين

٤١٤
أبواب الطهارة عن رسول الله وَّه / باب مَا جَاءَ فِي المَسْتَحَاضَةِ: أنَّهَا تَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلاَتَيْنِ بِغُسْلِ وَاحِدٍ
ليْلةً وَأيَّامَها، وَصُومِي وَصَلِّي، فإنَّ ذلِكَ، يُجزئُكِ، وَكَذلِكِ فأفعَلِي، كَمَا تَحِيضُ
النِّسَاءُ وَكَمَا يَظْهُرْنَ لمِيقَاتٍ حَيْضِهِنَّ وَطُهْرِهنَّ، فإنْ قَويتِ عَلَى أنْ تُؤَخِّري الظُّهْرَ
وَتُعَجِّلي العَصْرَ، ثُمَّ تَغْتَسِلينَ حينَ تَظْهُرينَ وتُصَلِّينَ الظهر والعصرَ جَمِيعًا، ثُمَّ
تُؤَخِّرِينَ المَغْرِبَ، وَتُعَجِّينَ العِشاءَ، ثُمَّ تَغْتَسِلِينَ، وَتَجْمَعِينَ بَيْنَ الصَّلاَتَيْنِ، فافْعِلِي،
وَتَغْتَسِلِينَ مَعَ الصُّبْحِ وتُصَلِّينَ، وكَذلِك فافْعلي، وصُومِي إنْ قَويتٍ عَلَى ذلِك)) فَقَالَ
رسول الله وَّه: ((وَهو أعْجَبُ الأمْرَيْنِ إلَيّ)). [ د: ٢٨٧، جه: ٦٢٧، حم: ٢٦٩٢٨].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ. وَرَوَاهُ عُبَيْدُ الله بن عَمْرٍو الرَّقِيُّ،
ليلة وأيامها) إن كانت مدةُ الحيض سبعةً، (فإن ذلك يجزئك) أي: يكفيك؛ يقال: أجزأني
الشيء، أي: كفاني، (فإن قويت على أن تؤخِّري الظهر، وتُعجِّلي العصر، ثم تغتسلين، حين
تطهرين، وتصلين الظهر والعصر جميعًا) وفي بعض النسخ: (ثُمَّ تَغْتَسِلِي وتُصَلِّي)) بحذف
النون، وهو الظاهر، وهذا هو الأمر الثاني بدليل قوله: ((وهو أعجبُ الأمرينِ إليَّ))، وأما
الأمر الأول: فقال صاحب ((سبل السلام)): هو الوضوءُ لكل صلاةٍ بعد الاغتسالِ عن الخَيض
بمُرور الستة أو السبعة الأيام، فإن في صدر الحديث: ((سآمُرُك بأمْرَينٍ)) ثم ذكر لها الأمر
الأول؛ أنها تحيض سنًّا أو سبعًا، ثم تغتسلُ وتصلِّي، وقد علم أنها تتوضَّأَ لكل صلاة؛ لأن
استمرار الدم ناقضٌ، فلم يذكره في هذه الرواية، وقد ذكره في غيرها، ثم ذكر الأمر الثاني
من جمعِ الصلاتين. انتهى. وقال القاري وغيره: الأمرُ الأول هو الاغتسالُ لكل صلاة.
قلت: لم يصرِّح بالأمر الأول في هذا الحديث، وهو: إما الوضوء لكل صلاة، أو
الاغتسال لكل صلاة لا غيرهما، وأعجبهما إليَّ هو الثاني، والله تعالى أعلم.
(ثم تؤخرين المغرب، وتعجلين العشاء، ثم تغتسلين، وتجمعين بين الصلاتين؛ فافعَلِي)
وفي بعض النسخ بحذف النون في جميع هذه الكلمات، وهو الظاهر، وكذلك: ((فافعَلِي))،
(وصومي) أي: في هذه المدة التي تصلي، (إن قويت على ذلك) بدل من الشرط الأول،
(وهو أعجب الأمرين إليّ) أي: الجمع بين الصلاتين بغسل واحد أحبُّ الأمرين إليَّ، والأمر
الأول هو الاغتسالُ لكلِّ صلاةٍ، أو الوضوءُ؛ لكل صلاة؛ كما تقدَّم.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أبو داود وأحمد وابن ماجه والدارقطني
والحاكم (١)، قال المنذريُّ في ((تلخيصه)): قال الخطّابيُّ: قد ترك بعضُ العلماء القولَ بهذا
(١) الدارقطني (٢١٤/١). حديث (٤٨)، والحاكم. حديث (٦١٥).

أبواب الطهارة عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاءَ فِي المسْتَحَاضَةِ: أنَّهَا تَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ ٤١٥
وَابن جُرَيْجِ، وَشَرِيكٌ: عَن عبدِ الله بن محمدٍ بْنِ عَقِيلٍ، عَن إِبْراهِيمَ بْنِ مُحمّدٍ بن
طَلْحَةَ، عَنْ عَمِّه ◌ِمْرَانَ، عَن أُمِّهِ حَمْنَةَ، إلَّا أنَّ ابنَ جُريْج يقول: عُمَرُ بن طَلْحَةَ،
وَالصَّحِيحُ عِمْرَانُ بْنُ طَلْحَةَ. قَالَ: وَسأَلْتُ مُحمَّداً عَن هذا الحديثِ؟ فقالَ: هوَ
حديثٌ حسنٌّ. وهَكَذا قَالَ أحْمَدُ بن حنْبَلِ: هوَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وقال أحْمَدُ،
وَإِسْحَاقُ في المسْتَحَاضَةِ: إذَا كَانتْ تَعْرِفُ حِيْضَهَا بِقْبَالِ الدَّمَ وَإِذْبَارِهِ، فَإِقْبَالهُ أنْ
يَكُونَ أسْودَ، وَإِذْبَارُهُ أن يَتَغَيَّرَ إلى الصُّفْرَةِ: فا"حُكْمُ لَهَا عَلَى حديثٍ فاطِمَةَ بِنْتِ
أبي حُبَيْشٍ، وَإِنْ كَانتِ المُسْتَحَاضَةُ لَها أيَّامٌ مَعْرُوفةٌ قَبْلَ أنْ تُسْتَحَاضَ: فإنَّها تَدَعُ
الحديث؛ لأن ابن عقيلٍ راويَهُ ليس بذاك، وقال أبو بكر البيهقي: تفرَّد به عبد الله بن محمد بن
عقيل، وهو مختلف في الاحتجاج به، هذا آخر كلامه، وقد أخرجه الترمذيُّ وابن ماجه،
وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وقال أيضًا: وسألت محمدًا - يعني: البخاري -
عن هذا الحديث، فقال: هو حديث حسن، وقال أحمد: هو حديثٌ حسن صحيح. انتهى،
قال صاحب ((سبل السلام)) بعد نقل كلام المنذري هذا: فعرفت أن القول بأنه حديثٌ غيرُ
صحيح؛ غير صحيح؛ بل قد صحَّحه الأئمة. انتهى.
قلت: عبد الله بن محمَّد بن عقيل متكلَّم فيه، وقد تقدَّم في ((باب: مفتاحُ الصَّلاةِ
الظهورُ)) أن الترمذيَّ قال: سمعتُ محمَّد بن إسماعيل - يعني: البخاري - يقول: كان أحمد بن
حنبل وإسحاق بن إبراهيم والحُميديُّ يحتجُّون بحديث عبد الله بن محمد بن عقيل، قال
محمَّد: هو مقارب الحديث. انتهى كلام الترمذي، وقال الحافظ الذهبي في ترجمته بعد ذكر
أقوال الجارحين والمعدِّلين: حديثه في مرتبة الحسن. انتهى.
قوله: (وقال أحمد وإسحاق في المستحاضة: إذا كانت تعرفُ حيضها بإقبال الدم
وإدباره، فإقباله) وفي بعض النسخ: ((وإِقْبَالُهُ)) بالواو، وهو الظاهر: (أن يكون أسود، وإدباره
أن يتغيّر إلى الصفرة) كما يدلُّ عليه قوله وَلَ﴿ في حديث فاطمة بنت أبي حُبَيْش: ((إذَا كان دَمُ
الخَيْضَةِ، فإنَّهُ أسودُ يعرفُ ... )) إلخ، وقد تقدم تخريجه ولفظه، (فالحكم لها على حديث
فاطمة بنت أبي حبيش) أي: الذي تقدَّم في ((باب المستحاضة))، وقد عرفتَ هناك أن فيه
دلالةٌ على أن المرأة إذا ميَّزت دم الحيض من دم الاستحاضة؛ تعتبرُ دَمَ الحيض، وتعملُ على
إقباله وإدباره، فإذا انقضى قدره اغتسلت منه.
(وإن كانت المستحاضة لها أيامٌّ معروفة قبل أن تستحاض: فإنها تدع

٤١٦
أبواب الطهارة عن رسول الله وَّةِ / باب مَا جَاءَ فِي المَسْتَحَاضَةِ: أنَّهَا تَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ
الصَّلاةَ أيَّامَ أقْرَائِها ثمَّ تَغْتَسِلُ وتَتَوَضَّأُ لكلِّ صَلاةٍ وَتُصَلِّي، وَإِذَا اسْتَمَرَّ بها الدَّمُ وَلَمْ
يَكُنْ لَهَا أَيَّامٌ مَعْرُوفَةٌ وَلَمْ تَعْرِفِ الخَيْضَ بإقْبالِ الدَّمِ وَإِذْبارِهِ: فالحُكْمُ لَهَا عَلَى
حديثٍ حَمْنَةَ بْنتِ جَحْشٍ. وكَذَلِكَ قَالَ أبو عُبَيْدٍ.
الصلاة أيام أقرائها، ثم تغتسل وتتوضأ لكل صلاة وتُصلِّي) كما يدلُّ عليه حديث عديٍّ بن
ثابت عن أبيه عن جدِّه الذي تقدَّم في باب ما جاء أن المستحاضة تتوضَّأ لكل صلاة؛ وكذا
يدلُّ عليه حديث أم سلمة الذي ذكرنا تخريجهُ ولفظه في ((باب المستحاضة))، ويدلُّ عليه أيضًا
حديث عائشة عن أم حبيبة بنت جحش، وفيه: ((امكُّثي قَدرَ ما كانَت تَحْبِسكِ حيَضَتُكِ ثُمَّ
اغتسلي)) رواه مسلم(١).
(وإذا استمرَّ بها الدم، ولم يكن لها أيامٌ معروفة) بأن كانت مبتدأة غير معتادةٍ، (ولم
تعرف الحيض بإقبال الدم وإدباره؛ فالحكم لها على حديث حمنة بنت جحش) فترجعُ إلى
حال من هي مثلُها، وفي مثل سنِّها من نساء أهل بيتها؛ فإن كانت عادةً مثلها أن تَقعُدَ سنًّا
قعدت ستًّا، وإن سبعًا فسبعًا؛ كما قال الخطابي، أو ترجع إلى الحالة الغالبة في النساء؛ كما
قال غيره، فحمل الإمام أحمد وإسحاق حديث حمنة بنت جحش على عَدَم معرفتها لعادتها
وعدم التمييز بصفات الدم، ومُحصَّلُ ما قال الإمامُ أحمدُ وإسحاق في ((المستحاضة)): أنها إن
كانت معتادةً ترجع إلى عادتها المعروفة، سواءٌ كانت مميزة أو غير مميزة؛ لحديث عائشة عن
أمِّ حبيبة، وإن كانت غيرَ معتادةٍ، وهي مميّزة - أعني: تعرف حيضها بإقبالِ الدم وإدباره -
تعتبر دم الحيض، وتعمل على إقباله وإدباره؛ لحديث فاطمة بنت أبي حبيش، وإن كانت
مبتدأة غير مميزة لا عادة لها ولا تمييز؛ ترجع إلى الحالة الغالبة في النساء سنًّا أو سبعًا،
لحديث حمنة بنت جحش، وهذا الجمعُ بين هذه الأحاديث هو جمعٌ حسنٌ، والله تعالى
أعلم.
قال الطيبي: قد اختلف العلماء فيه - يعني: في اعتبار التمييز - فأبو حنيفة منع اعتبار
التمييز مطلقًا، والباقون: عملوا بالتمييز في حق المبتدأة، واختلفوا فيما إذا تعارضت العادة
والتمييز: فاعتبر مالكٌ وأحمد وأكثر أصحابنا التمييزَ، ولم ينظروا إلى العادةِ، وعكس ابن
خَيْرَان. انتهى كلام الطيبي.
(١) مسلم، كتاب الحيض. حديث (٣٣٤).

٤١٧
أبواب الطهارة عن رسول الله وَّةٍ / باب مَا جَاءَ فِي المَسْتَحَاضَةِ: أنَّهَا تَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ
وَقَال الشَّافِعِيُّ: المُسْتَحَاضَةُ إِذَا اسْتَمَرَّ بِها الدَّمُ في أولِ مَا رَأْتْ فَدَامَتْ عَلَى ذَلِكَ،
فإِنَّهَا تَدَعُ الصَّلاةَ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْماً، فإذَا طَهُرَتْ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْماً
أوْ قَبْلَ ذَلِكَ: فإنَّهَا أيّامُ حيْضٍ، فإذا رأتِ الدَّمَ أكْثَرَ من خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْماً: فإنَّهَا
تَقْضِي صَلاةَ أرْبعَةَ عَشَرَ يَوْماً، ثمَّ تَدَعُ الصَّلاةَ بَعْدَ ذلِكَ أقَلَّ مَا تَحِيضُ النِّساءُ، وهو
يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ.
قَالَ أبُو عِيْسَى: وَاخْتَلَفَ أهلُ العِلْم في أقَلِّ الحَيْضِ وَأكْثِرِهِ: فقال بَعْضُ أهلِ
العِلْمِ: أقَلُّ الحَيْضِ ثَلاثةٌ، وَأكْثِرُهُ عِشَرَةٌ. وهو قَوْلُ سفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَأهلِ الكُوفةِ،
وَبِهِ يَأْخُذُّ ابنِ المُبَارَكِ، وَرُوِيَ عَنْهِ خِلافُ هذَا.
(وقال الشافعي: المستحاضة إذا استمرَّ بها الدم في أول ما رأت، فدامت على ذلك؛
فإنها تدع الصلاة ما بينها وبين خمسة عشر يومًا، فإذا طهُرت في خمسة عشر يومًا أو قبل
ذلك فإنها أيام حيض) بشرط أن يكون طهارتها بعد يوم وليلة؛ فإنها إذا طهرت قبل يوم
وليلة؛ لا يكون ذلك الدم حيضًا عند الشافعي، (فإذا رأت الدم أكثر من خمسة عشر يومًا،
فإنها تقضي صلاة أربعة عشر يومًا)؛ وذلك لأن أقل مدة الحيض عنده يوم وليلة، وأكثرها
خمسة عشر يومًا، فلما رأت مبتدأة الدم: فما لم يزد على خمسة عشر يومًا، فكله حيض،
ومتى زاد على خمسة عشر، فالزائد دُ الاستحاضة البتة، ووقع به الشكُّ في خمسة عشر
أيضًا لاحتمال أن يكون انقطاعُ الحيض بعد يوم وليلة من أول ما رأت أو بعد يومين أو ثلاث
إلى خمسة عشر يومًا، فبنى الأمر على اليقين وطرحَ الشك، والله تعالى أعلم؛ كذا في بعض
الحواشي.
واعلم: أن قول الشافعي هذا في المستحاضة المبتدأة التي لا تمييز لها، وأما إذا كانت
ذات تمييزٍ، بأن ترى في بعض الأيام دمًا أسودَ، وفي بعضها دمًا أحمرَ أو أصفرَ: فالدم
الأسود خَيض بشرط ألا ينقص على يوم وليلة، ولا يزيد على خمسة عشر يومًا، كذا حرره
الشافعي؛ كذا في ((المرقاة)).
قوله: (فاختلف أهلُ العلم في أقلِّ الحيض وأكثره؛ فقال بعض أهل العلم: أقل
الحيض ثلاثٌ، وأكثره عشرة؛ وهو قول سفيان الثوري وأهل الكوفة، وبه يأخذ ابن المبارك)
قال ابن قدامة في ((المغني)): قال الثوري وأبو حنيفة وصاحباه: أقله ثلاثة أيام، وأكثره

٤١٨
أبواب الطهارة عن رسول الله وَ ﴿/ باب مَا جَاءَ فِي المسْتَحَاضَةِ: أنَّهَا تَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلاَتَيْنِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ
وَقَالَ بَعْضُ أهلِ العِلْمِ، مِنْهُمْ عَطاءُ بْنُ أبي رَبَاحِ: أقَلُّ الحَيْضِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَأكْثَرُهُ
خَمْسةَ عشَرَ يَوْماً. وهو قَوْلُ مَالِكِ، وَالأوْزاعيِّ، والشَّافعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ،
وَأبي عُبَيْدٍ.
عشر؛ لما روى واثلة بن الأسقع؛ أن النبيَّ وَلِّ قال: ((أقلُّ الحيضِ ثلاثةُ أيَّام، وأكثرُهُ
عَشَرَةٌ)) (١)، وقال أنس: قرء المرأة: ثلاثٌ أربعٌ خمسٌ ستٌّ سبعٌ ثمانٍ تسعٌ عشرَةٍ (٢)، ولا
يقول أنس ذلك إلَّا توقيفًا .
ثم قال ابن قدامة مجيبًا عن حديث واثلة وأثر أنس ما لفظه: وحديثُ واثلة يرويه
محمَّد بن أحمد الشاميُّ، وهو ضعيف، عن حمَّاد بن المِنهَالِ، وهو مجهول، وحديث أنس
يرويه الجلدُ بن أيوب؛ وهو ضعيف، قال ابن عيينة: هو مُحدَثٌ لا أصل له، وقال أحمد في
حديث أنس: ليس هو شيئًا، هذا من قبل الجلد بن أيوب، قيل: إن أحمد بن إسحاق رواه،
وقال: ما أراه سمعه إلَّا من الحسن بن دينار، وضعَّفه جدًّا، قال: وقال يزيد بن زُريع: ذاك
أبو حنيفة لم يحتجَّ إلَّا بالجلد بن أيوب، وحديث الجلد قد رُوي عن عليٍّ ما يعارضه؛ فإنه
قال: ((ما زاد على خمسة عشر استحاضةٌ، وأقلُّ الحيض يومٌ وليلة)). انتهى ما في ((المغني)).
واستدلَّ لهم - أيضًا - بحديث أبي أمامة أن النبيَّ وَِّ قال: ((أقلُّ الحَيضِ للجاريَةِ البِكْر
والثَّيبِ ثلاثٌ، وأكثرُ ما يكُون عَشْرَةُ أيَّام، فإذا زَادَ فهي مُستَحَاضةٌ)) ؛ رواه الطبراني
والدارقطني (٣) في ((سننه)) من طريق عبد الملك، عن العلاء بن كثيرٍ، عن مكحول، عنه،
وعبد الملك مجهولٌ، والعلاء بن كثير ضعيف الحديث، ومكحولٌ لم يسمع من أبي أمامة،
وفي الباب أحاديث أخرى كلَّها ضعيفة؛ ذكرها الحافظ الزيلعي في ((نصب الراية)) والحافظ
ابن حجر في ((الدراية))، مع بيان ضعفها، (وقال بعض أهل العلم، منهم عطاء بن أبي رباح:
أقل الحيض يوم وليلة، وأكثره خمسة عشر، وهو: قول الأوزاعي ومالك والشافعي وأحمد
وأبي عبيدة)، واستدلَّ على هذا بما روي أنه وَلَمٍ قال: ((تَمكثُ إحداكُنَّ شطرَ دَهرها لا
تُصلِّي))، قال الحافظ في ((التلخيص)): لا أصل له بهذا اللفظ، قال الحافظ أبو عبد الله بن
(١) الدار قطني (٢١٩/١). حديث (٦١).
(٢) أخرجه البيهقي في ((الكبرى)). حديث (١٤٣٨)، وقال ابن الجوزي في ((العلل المتناهية)) (٦٤١): حديث لا
يصح عن رسول الله له.
(٣) الطبراني في ((الكبير)). حديث (٧٥٨٦)، والدار قطني (٢١٨/١). حديث (٦٠).

٤١٩
أبواب الطهارة عن رسول الله ◌َّه / باب مَا جَاءَ فِي المَسْتَحَاضَةِ: أنَّهَا تَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ
مَنْدَه فيما حكاه ابن دقيق العيد، في ((الإلمام)) عنه: ذكر بعضهم: هذا الحديث لا يثبتُ بوجه
من الوجوه، وقال البيهقي في ((المعرفة)): هذا الحديث يذكُرُهُ بعضُ فقهائنا، وقد طلبته كثيرًا،
فلم أجدهُ في شيء من كتب الحديث، أو: ولم أجد له إسنادًا، وقال ابن الجوزيِّ في
((التحقيق)): هذا لفظً يذكره أصحابنا ولا أعرفه، وقال الشيخ أبو إسحاق في ((المهذِّب)): لم
أجده بهذا اللفظ إلَّا في كتب الفقهاء، وقال النوويُّ في ((شرحه)): باطل لا يعرف، انتهى ما
في ((التلخيص)) بقدر الحاجة.
قلت: لم أجد حديثًا لا صحيحًا ولا ضعيفًا يدلُّ على أن أقلَّ الحيض يوم وليلة، وأكثره
خمسة عشر يومًا إلَّا هذا الحديث، وقد عرفتَ أنه لا أصل له، بل هو باطلٌ، وأما ما ذَهَبَ
إليه سفيانُ الثوريُّ وأهل الكوفة، فإنه يدل عليه عدةُ أحاديث، لكنها كلها ضعيفة، كما
عرفت.
تنبيه: قال ابن قدامة في ((المغني)): أقلُّ الحيض يومٌ وليلة، وأكثره خمسة عَشَرَ يومًا، ثم
قال مستدلا على هذا ما لفظه: ولنا أنه وَرَدَ في الشرع مطلقًا من غير تحديدٍ، ولا حدَّ له في
اللغة ولا في الشريعة؛ فيجبُ الرجوعُ فيه إلى العُرفِ والعادة؛ كما في القبض، والإحراز،
والتفرُّق، وأشباهها، وقد وجد حيضٌ معتاد يومًا، وقال عطاء: رأيتُ من النساءِ مَن تَحيض
يومًا، ومن تحيضُ خمسة عشر، وقال أحمد: حدثني يحيى بن آدم، قال: سمعتُ شريكًا
يقول: عندنا امرأةٌ تحيضُ كلَّ شهر خمسة عَشَرَ يومًا حيضًا مستقيمًا، وقال ابن المنذر: قال
الأوزاعيُّ: عندنا امرأة تحيضُ غُدوة، وتَطهر عشيًّا، يرونَ أنه حيضٌ تدع له الصلاة، وقال
الشافعي: رأيتُ امرأة أُثبتَ لي عنها أنها لم تَزَل تحيضُ يومًا لا تزيدُ عليه، وأثبتَ لي عن
نساءٍ أنهنَّ لم يزلنَ يحضنَ أقل من ثلاثة أيام، وذَكَرَ إسحاق بن راهويه، عن بكر بن عبد الله
المزنيّ أنه قال: تحيض امرأتي يومين، وقال إسحاق: قالت امرأة من أهلنا معروفةٌ: لم أفطِر
منذ عشرين سنة في شهر رمضان إلَّا يومين، وقولهن يجبُ الرجوع إليه؛ لقول الله تعالى:
﴿وَلَا يَحِلُ لَنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِىّ أَزْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] فلولا أنَّ قولهن مقبول؛ ما حَرُمَ
عليهن الكتمان، وجرى ذلك مجرى قوله: ﴿وَلَا تَكْتُمُواْ الشَّهَدِدَةَ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، ولم يوجد
حيض أقل من ذلك عادةً مستمرةً في عصرٍ من الأعصار، فلا يكونُ حيضًا بحال. انتهى ما
في ((المغني)).
قلت: كلام ابن قدامة هذا يدلُّ صراحة على أنه من قال: إن أقلَّ الحيض يومٌ وليلة، أو

٤٢٠
أبواب الطهارة عن رسول الله نَّه / باب مَا جَاءَ في المُسْتَحَاضَةِ: أنَّهَا تَغْتَسِلُ عِنْدَ كلّ صَلاةٍ
٩٦ - باب مَا جَاءَ في الْمُسْتَحَاضَةِ: أنَّهَا تَغْتَسِلُ عِنْدَ كلّ صَلاةٍ [ت٩٦، م٩٦]
[١٢٩] (١٢٩) حدثنا قُتَيْبةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَن عُرْوةَ، عَن
عَائِشَةَ، أنَّهَا قَالَت: اسْتَفْتَتْ أُمُّ حبِيبَةَ ابنةُ جَحْشٍ رَسُولَ اللهِ وَّةَ، فَقَالَت: إنِّي
أُسْتَحَاضُ فَلا أظْهُرُ، أفأَدَعُ الصَّلاةَ؟ فَقَالَ: ((لا، إنَّمَا ذلِكِ عِرْقٌ، فاغْتَسِلِي، ثُمَّ
صَلِّي»
أكثره خمسة عشر يومًا، ليس له دليلٌ من الكتاب والسنة، وإنَّما اعتماده على العُرفِ والعادةِ،
وهي مختلفة، حتى قال الأوزاعي: عندنا امرأة تحيضُ غُدوةً، وتطهر عشيًّا؛ فتفكّر.
٩٦ - باب مَا جَاءَ في الْمُسْتَحَاضَةِ: أنَّهَا تَغْتَسِلُ عِنْدَ كُلِّ صَلاةٍ
[١٢٩] قوله: (استفتت أم حبيبة ابنة جحش) بتقديم الجيم المفتوحة على الحاء الساكنة
بعدها شين معجمة، وهي أختُ حمنة بنت جحش، قال في ((سبل السلام)»: أم حبيبة كانت
تحت عبد الرحمن بن عوف، وبناتُ جحشٍ ثلاث: زينبُ أم المؤمنين، وحمنةُ، وأم حبيبة،
قيل: إنهنَّ كن مستحاضات كلهنَّ، وقد ذكر البخاريُّ ما يدلُّ على أن بعض أمهات المؤمنين
كانت مستحاضةً، فإن صح أن الثلاث مستحاضاتٌ فهي زينبُ، وقد عدَّ العلماء
المستحاضات في عصره وَّر، فبلغنَ عشرَ نسوة، انتهى.
(فقالت: إني أستحاض) بهمزة مضمومة وفتح تاء، وهذه الكلمة تردُ على بناء المفعول،
يقال: استُحيضتِ المرأة، فهي مستحاضةٌ: إذا استمر بها الدم بعد أيام حَيضِها ونفَاسِها، (فلا
أطهر) أي: مدة مديدة، (أفأدع الصلاة ؟) بهمزة الاستفهام، أي: أفأتركها ما دامت
الاستحاضةُ معي، ولو طالت المدة، (فقال: لا) أي: لا تدعيها؛ (إنما ذلك) بكسر الكاف:
خطاب لها، وتفتحُ، على خطاب العامِّ، أي: الذي تشتكينه، (عرق) بكسر العين وسكون
الراء، أي: دمُ عرقٍ انشق وانفجر منه الدم، أو: إنما سببها عرق فَمُه في أدنى الرحم،
(فاغتسلي وصلي) أي: إذا أقبلت حيضتك، فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلِّي،
يدلُّ عليه ما رواه الشيخان(١)، عن عائشة، قالت: ((جاءَت فاطمةُ بنتُ أبِي حُبيش إلى النَّبِيِّ
وَّ فقالتْ: يا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي امرأة أستحاضُ، فلا أطهُر، أفادَعَ الصَّلاة؟ فقَالَ: ((لا، إنَّما
(١) البخاري، كتاب الوضوء. حديث (٢٢٨)، ومسلم، كتاب الحيض. حديث (٣٣٣).