Indexed OCR Text
Pages 341-360
٣٤١ أبواب الطهارة عن رسول الله وَلجه / باب مَا جَاءَ فِي المَسْحِ عَلَى الخُفَّيْن ظَاهِرِ هِمَا الثَّورِي، وَأَحْمَدُ. قَالَ مُحمدٌ: وَكَانَ مَالِك بن أنَسِ يُشِيرُ بِعَبْدِ الرَّحمنِ بن أبي الزِّنَادِ. أبو حنيفة ومن تبعه وإسحاق وداود، وهو قول علي بن أبي طالب وقيس بن سعد بن عبادة، والحسن البصريِّ وعروة بن الزبير، وعطاء بن أبي رباح، وجماعةٍ، كذا في ((الاستذكار)). والحجة لهم حديثُ المغيرة المذكورُ في هذا الباب، وحديثُ عليٍّ الذي ذكرناه، وحديثُ عمر الذي عند ابن أبي شيبة والبيهقي، قال الشوكانيُّ في ((النيل)): ليس بين الحديثَين تعارُض، غايةُ الأمرِ أن النبيَّ ◌َلِّ مسح تارةً على باطن الخف وظاهره، وتارة اقتَصَرَ على ظاهرهٍ، ولم يروَ عنه ما يقضي بالمنع من إحدى الصِّفتينِ؛ فكان جميعُ ذلك جائزًا وسنة. انتهى كلام الشوكاني. قلت: نعم، ليس بين الحديثين تعارضٌ، ولم يرو عنه ما يقضي بالمنْعِ من إحدَى الصِّفَتَيْنِ، لكن لا شكَّ في أن حديث المَسْحِ على ظاهر الخفَّين حديثٌ صحيحٌ، وأما حديث المَسْحِ على ظاهرهما وباطنهما، فَقَد عرفتَ ما فيه من الكلام؛ فالعملُ بحديثِ المسحِ على ظاهر الخفين هو الراجحُ المتعيِّن؛ هذا ما عندي، والله أعلم. قوله: (وكان مالك يشير بعبد الرحمن بن أبي الزناد) أي: يضعِّفه؛ قال الحافظ في ((تهذيب التهذيب)): وتكلم فيه مالك؛ لروايته عن أبيه كتابَ السَّبعةِ - يعني: الفقهاء - وقال: أين كنا عن هذا؟ انتهى. قلت: قد تكلّم فيه غيرُ واحدٍ من أئمة الحديث، ففي هذا الكتاب: وقال ابن محرز، عن يحيى بن معين: ليس مما يحتجُّ به أصحابُ الحديث، ليس بشيء، وقال معاوية بن صالح وغيره عن ابن معين: ضعيف، وقال الدوريُّ عن ابن معين: لا يحتجُّ بحديثه، وهو دون الدراوردي، وقال صالح بن أحمد عن أبيه: مضطربُ الحديث، وقال محمد بن عثمان عن ابن المديني: كان عند أصحابنا ضعيفًا، وقال عبد الله بن علي بن المديني عن أبيه: ما حدَّث بالمدينة فهو صحيحٌ، وما حدث ببغداد أفسده البغداديون، وفيه: وقال الترمذيُّ والعجليُّ : ثقة، وصحّح الترمذي عدة من أحاديثه، وقال في ((اللباس)): ثقة، حافظ. انتهى. ٣٤٢ أبواب الطهارة عن رسول الله وَله / باب مَا جَاءَ فِي المَسْحِ عَلَى الجَوْرَبَيْنِ وَالتَّعْلَيْن ٧٤- باب مَا جَاءَ في المسْحِ عَلَى الجَوْرَبَيْنِ وَالنَّعْلَيْن [ت٧٤، ٧٤٠] [٩٩] (٩٩) حدثنا هَنَّادٌ ومَحمُودُ بنُ غَيْلانَ قالا: حَدَّثَنَا وَكِيعُ، عَن سفْيانَ، عَن أبي قَيْسٍ، عَن هُزَيْلٍ بن شُرَحْبِيلَ، عَن المُغيرةِ بن شُعْبَةَ، قَالَ: تَوَضَّأَ النَّبِيُّ ◌َِّه وَمَسَحَ عَلَى الجَوْرَبَيْنِ وَالنَّعْلَينِ. [د: ١٥٩، ن: ١٢٥، جه: ٥٥٩، حم: ١٧٧٤١]. ٧٤ - باب مَا جَاءَ في المَسْحِ عَلَى الجَورَبَيْنِ وَ النَّعَلَيْنِ [٩٩] قوله: (عن سفيان) هو: الثوري، وقد وقع في بعض نسخ أبي داود: ((عن سُفْيَان الثوريِّ))؛ وكذا وقع في رواية الطحاوي، (عن أبي قيس) اسمه: عبد الرحمن بن ثَروَان الأوديُّ، مشهور بكنيته، وثقه ابن معين والعجلي والدارقطني، وقال أحمد: يُخَالفُ في أحاديثه، وقال أبو حاتم: ليس بالقوي، وقال النسائي: ليس به بأسٌ؛ كذا في ((مقدمة فتح الباري))، وقال في ((التقريب)): صدوق، ربَّما خالف، (عن هزيل) بالتصغير (ابن شُرحبِيل) بضم المعجمة وفتح الراء المهملة وسكون الحاء المهملة بعدها باء موحدة، الكوفي، ثقة، مخضرم. قوله: (توضأ النبي ◌َّ﴿ ومسح على الجورَبَيْن) تثنية الجورَب، قال في ((القاموس)): الجورب: لُفَافة الرِّجلِ، ج: جواربة وجوارب، وتَجَورَبَ: لبسه، وجوربته: ألبسته، وقال القاضي أبو بكر بن العربي في ((شرح الترمذي)): الجورب: غشاء للقدَم من صُوف يتخذ للدفءِ، وهو التَّسْخانُ، وفي تفسير الجورب أقوالٌ أخرى، وستقفُ عليها . (النعلين) تثنية النَّعْل، قال في ((القاموس)): النعل: ما وقيت به القدم من الأرض كـ ((النَّعلة)) مؤنثة، ج: نعال بالكسر. انتهى، وقال الجزري في ((النهاية)): النعل مؤنثةٌ، وهي التي تلبسُ في المشي، تُسمَّى - الآن - تَاسُومَة. انتهى. قال الطيبي: معنى قوله: ((والنعلين)) هو: أن يكون قد لبس النَّعليْنِ فوق الجوربين، وكذا قال الخطابي في ((المعالم))، قلت: هذا المعنى هو الظاهر، قال الطحاوي(١) في ((شرح الآثار)) في ((باب المسح على النعلين)): مسح على نعلين تحتهما جوربان، وكان قاصدًا بمسحه ذلك إلى جورَبَيْه لا [إلى] نعليه، وجورباه مما لو كانا عليه بلا نعلَيْن، جاز له أن يمسح عليهما، فكان مَسحه ذلك مسحًا أراد به الجوربين، فأتى ذلك على الجَورَبَين والنعلَينِ؛ فكان مسحه على الجوربين هو الذي تطهر به، ومسحه على النعلين فضل. انتهى كلام الطحاوي. (١) الطحاوي ((شرح معاني الآثار)) رقم (٥٧٩). ٣٤٣ أبواب الطهارة عن رسول الله وََّ / باب مَا جَاءَ فِي المَسْحِ عَلَى الجَوْرَبَيْنِ وَالتَّعْلَيْنِ قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحِيحٌ. وهو قَوْلُ غَيرٍ وَاحِدٍ مِن أَهْلِ العلمِ، وأما قول ابن ملك في شرح قوله: ((والنعلين)) أي: ونعليهما؛ فيجوز المسحُ على الجورَبَيْن بحيث يمكنُ متابعةُ المشي عليهما. انتهى. وكذا قول أبي الوليد: إن معنى الحديث أنه مَسَحَ على جوربين مُتَغَّلين لا أنه جوربٌ على الانفراد، ونعلٌ على الانفراد. انتهى؛ فبعيدٌ؛ قال الحافظ ابن القيِّم في ((تهذيب السنن)) بعد ذكر قول أبي الوليد هذا ما لفظه: هذا التأويلُ مبنيٌّ على أنه يستحبُّ مسح أعلى الخُفِّ وأسفلِهِ، والظاهر: أنه مَسَحَ على الجوربين، المَلْبُوسِ عليهما نعلانِ مُنفَصلانٍ، هذا هو المفهومُ منه؛ فإنه فصل بينهما وجعلهما شيئين، ولو كانا جورَبَيْنَ منعَّلين؛ لقال: ((مَسَحَ على الجوربين المنعَّلين))، وأيضًا، فإن الجلد في أسفل الجورب لا يسمَّى نعلًا في لغة العرب، ولا أطلق عليه أحد هذا الاسم، وأيضًا، المنقولُ عن عمر بن الخطّاب في ذلك: أنه مَسَحَ على سُيُورِ النَّعلِ التي على ظاهر القدم مع الجورب، فأما أسفله وعقبه؛ فلا. انتهى كلام ابن القيم . قوله: (هذا حديث حسن صحيح)، وضعَّفه كثيرٌ من أئمة الحديث؛ كما ستقفُ علیه، والحديثُ أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبَّان في ((صحيحه))، (وهو قول غير واحد من أهل العلم) من أصحاب النبيِّ ◌َّ وغيرهم، قال أبو داود في ((سننه))(١): ومسح على الجورَبَيْن: عليّ بن أبي طالب، وابن مسعود، والبراء بن عازب، وأنس بن مالك، وأبو أمامة، وسهل بن سعد، وعمرو بن حُرَيْثٍ، ورُوِي ذلك: عن عمر بن الخطاب، وابن عباس. انتھی. وقال الحافظ ابن القيِّم في ((تهذيب السنن)): قال ابن المنذر: يُروى المَسحُ على الجورَبَيْن عن تسعة من أصحاب النبيِّ وَيّر: علي، وعمار، وأبي مسعود الأنصاري، وأنس، وابن عمر، والبراء، وبلال، وعبد الله بن أبي أوفى، وسهل بن سعد، وزاد أبو داود: وأبو أمامة، وعمرو بن حُريث، وعمرو بن عباس؛ فهؤلاء ثلاثة عشر صحابيًّا. انتهى كلام ابن القيم. قلت: قد تتبعتُ كتب الحديثِ؛ لأقفَ على أسانيد جميع هذه الآثار وألفاظها؛ فلم أقف إلَّا على بعضها، فأقول: أما أثر عليٍّ فأخرجه عبد الرزاق في ((مصنفه))(٢)؛ أخبرني الثوريُّ؛ (١) أبو داود، كتاب الطهارة. تحت حديث (١٥٩). (٢) عبد الرزاق في ((المصنف)) (٧٧٣). ٣٤٤ أبواب الطهارة عن رسول اللّه وَير / باب مَا جَاءَ فِي المِسْحِ عَلَى الجَوْرَبَيْنِ وَالتَّعْلَيْنِ وَبِهِ يَقولُ: سفْيَانُ الثوْرِيُّ، وَابنُ المُبَارَكِ، وَالشَّافعيُّ، وَأحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ قالُوا: يَمْسَحُ عَلَى الجَوْرَبَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَعْلَيْنِ، إِذَا كَانَا تَخِينَيْنِ. عن زبرقان، عن كعب بن عبد الله، قال: ((رأيتُ عليًّا بال، فمسح على جَورَبيهِ ونعليه، ثم قام يصلي))، وأما أثر ابن مسعود: فأخرجه أيضًا عبد الرزاق في ((مصنفه))(١). أخبرنا معمر، عن الأعمش، عن إبراهيم؛ ((أن ابن مسعود كان يَمْسحُ على خفيه، ويمسح على جَورَبَيْهِ))، وسنده صحيح، أما أثر البراء بن عازب، فأخرجه أيضًا عبد الرزّاق(٢): أخبرنا الثوري، عن الأعمش، عن إسماعيل بن رجاء، عن أبيه، قال: ((رأيتُ البراء بن عازب يَمْسَحُ على جوربيه ونعليه))، وأما أثر أنس: فأخرجه أيضًا عبد الرزّاق(٣): أخبرنا معمر، عن قتادة، عن أنس بن مالك، ((أنه كان يمسح على الجوربين)) وأما أثر أبي مسعود: فأخرجه عبد الرزّاق(٤): أخبرنا الثوري، عن منصور، عن خالد بن سعد، قال: ((كان أبو مسعود الأنصاريُّ يمسح على جورَبَيْنِ له من شعْرٍ ونعليه)). وسنده صحيح، وأما أثر ابن عمر: فأخرجه أيضًا عبد الرزّاق(٥): أخبرنا الثوري، عن يحيى بن أبي حية، عن أبي الخلاس، عن ابن عمر، ((أنه كان يَمْسَح على جوربيه ونعليه)) كذا ذكر الحافظ الزيلعي أسانيد هذه الآثار وألفاظها؛ ولم أقف على أسانيد بقية الآثار، والله تعالى أعلم. (وبه يقول سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق قالوا: يمسح على الجورَبَيْنِ، وإن لم يكن نعلين) أي: وإن لم يكن كل واحد من الجوربين نعلين، أي: منعَّلين، وفي بعض النسخ: ((وإن لم يكُونَا نَعْلينٍ))، وهو الظاهر، والظاهر: أن الترمذي أراد بقوله: ((نعلين)) منعَّلين، وقد وقع في بعض النسخ: ((مُنَّلينٍ)) على ما ذكره الشيخ سراج أحمد في ((شرح الترمذي))، والمنعَّل: من التنعيل، وهو: ما وضع الجلد على أسفله، (إذا كانا ثخينين) أي: غليظين، قال في ((القاموس)): ثَخُنَ كـ«كرمَ)) ثخونةً وثخنًا كـ((عنبٍ)) غَلُظَ وصلُب. انتهى، وقال في ((منتهى الأرب)): ثوب ثخينُ النسج جامة سطيرياف ثخن ككرم تُخونةً وثخانةً، وثخنًا كعنبٍ سطبر وسخت كرديد ثخين كامين نعت است أزان. انتهى. (١) عبد الرزاق (٧٨١). (٢) عبد الرزاق في ((المصنف)) (٧٧٨). (٣) عبد الرزاق (٧٧٩). (٤) عبد الرزاق (٧٧٤). (٥) عبد الرزاق (٧٧٦). ٣٤٥ أبواب الطهارة عن رسول الله وَل ◌َو / باب مَا جَاءَ فِي المِسْحِ عَلَى الجَوْرَبَيْنِ وَالتَّعْلَيْن قَالَ: وَفِي البَابِ عَن أبي مُوسَى. وعلم من هذا القيد: أن الجوربَيْن إذا كانا رقيقينٍ لا يجوزُ المسح عليهما عند هؤلاء الأئمة؛ وبقولهم: قال صاحبا أبي حنيفة: أبو يوسف، ومحمَّد. وقوله: (وفي الباب: عن أبي موسى) وأخرجه ابن ماجه والطحاوي(١) وغيرهما، وسيأتي الكلام على هذا الحديث. وهاهنا مباحثُ عديدة متعلّقة بحديث الباب؛ نذكرها إفادة للطلاب: المبحث الأول: اعلم أن الترمذيَّ حسَّن حديث الباب وصحَّحه، ولكنَّ كثيرًا من أئمة الحديث ضعَّفوهُ؛ قال النسائي في ((سننه الكبرى))(٢): لا نعلم أحدًا تابع أبا قيسٍ على هذه الرواية، والصحيحُ عن المغيرة؛ أنه - عليه السلام - مسَحَ على الخفين. انتهى. وقال أبو داود في ((سننه)): كان عبد الرحمن بن مهديٍّ لا يحدِّث بهذا الحديث؛ لأن المعروفَ عن المغيرة؛ أن النبيَّ وَّهِ مسح على الخفَّينِ، قال: وروى أبو موسى الأشعريُّ - أيضًا - عن النبيِّ وَلِّ أنه مسح على الجوربين، وليس بالمتصلٍ ولا بالقويِّ، وذكر البيهقي حديث المغيرة هذا، وقال: إنه حديث منكر؛ ضعَّفه: سفيان الثوريُّ، وعبد الرحمن بن مهديٍّ، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، ومسلم بن الحجاج، والمعروفُ عن المغيرة: حديثُ المسح على الخفَّين، ويروى عن جماعة أنهم فعلُوه. قال النوويُّ: كل واحد من هؤلاء لو انفرد قُدِّم على الترمذيِّ، مع أن الجَرحَ مقدَّم على التعديل، قال: واتفق الحفاظ على تضعيفه، ولا يقبل قولُ الترمذيِّ: إنه حسن صحيح. انتهى، وقال الشيخ تقي الدين في ((الإمام)): أبو قيس الأوديُّ اسمه: عبد الرحمن بن ثروان، احتجَّ به البخاريُّ في ((صحيحه))، وذكر البيهقي في ((سننه)) أن أبا محمَّد يحيى بن منصور قال: رأيتُ مسلم بن الحجّاج ضعَّف هذا الخبر، وقال: أبو قيس الأوديُّ وهُزيل بن شُرحبيل لا يحتملان، وخُصوصًا مع مخالفتهما الأجلَّة الذين رَوَوا هذا الخبر عن المغيرة، فقالوا: مسح على الخفَّين، وقالوا: لا يترك ظاهر القُرآنِ بمثل أبي قيس وهُزيل، قال: فذكرتُ هذه الحكاية عن مُسلم لأبي العباس محمد بن عبد الرحمن الدغولي، فسمعتُه يقول: سمعتُ عليّ بن محمد بن شيبانَ يقولُ: سمعت أبا قدامة السرخسي يقول: قال عبد الرحمن بن مهدي: قلتُ لسفيان الثوري: لو (١) ابن ماجه، كتاب الطهارة. حديث (٥٦٠)، والطحاوي في ((معاني الآثار)) (٥٨٠) وفي إسنادهما عيسى بن سنان، وهو لین الحديث. (٢) ((السنن الكبرى)) للنسائي. تحت الحديث (١٣٠). ٣٤٦ أبواب الطهارة عن رسول الله وَلجر / باب مَا جَاءَ فِي المُسْحِ عَلَى الجَوْرَبَيْنِ وَالتَّعْلَيْنِ قَالَ أَبُو عِيْسَى: سَمِعْتُ صَالِحَ بنَ محمدِ التِّرْمِذِيَّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُقَاتِلٍ السَّمَرْ قَنْدِيَّ يَقولُ: دَخَلْتُ عَلَى أبي حنِيفَةَ في مَرَضِهِ الَّدِي مَاتَ فِيهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ وَعَلَيْهِ جَوْرَبَانٍ، فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا، ثُمَّ قَالَ: فَعَلْتُ اليَوْمَ شَيْئاً لَمْ أكُنْ أَفْعَلُهُ: مَسَحْتُ عَلَى الجَوْرِبَيْنِ وَهُمَا غَيرُ مُتَعَّلَيْنِ. حدثتني بحديث أبى قيس عن هُزيل ما قبلتُهُ منك، فقال سفيان: الحديثُ ضعيفٌ، ثم أسند البيهقي عن أحمد بن حنبل قال: ليس يُروى هذا الحديثُ إلَّا من رواية أبي قيس الأودي، وأبى عبد الرحمن بنُ مهدي أن يحدِّث بهذا الحديث، وقال: هو منكر، وأسند البيهقي أيضًا عن علي بن المديني قال: حديثُ المغيرة بن شعبة في المَسح، رواه عن المغيرة أهلُ المدينة وأهل الكوفة وأهل البصرة، ورواه هُزيل بن شُرحبيل عن المغيرة، إلَّا أنه قال: ((ومَسَحَ على الجَورَبَيْنِ))، فخالف الناس، وأسند أيضًا عن يحيى بن معين، قال: الناسُ كلُّهم يروونه: ((على الخفّين)) غيرَ أبي قيس، قال الشيخ: ومن يصحِّحه يعتمد بعد تعديل أبي قيس على كونه ليس مخالفًا لرواية الجمهور مخالفةً معارضة، بل هو أمر زائدٌ على ما رَوَوهُ، ولا يعارضه، ولا سيَّما وهو طريق مستقلٌّ برواية هزيل عن المغيرة، لم يشارك المشهوراتِ في سندها. انتھی، کذا في «نصب الراية) ص ٥٧ ج ١. قلت: قوله: ((بل هو أمر زائد على ما رَوَوهُ .... )) إلخ، فيه نظر؛ فإن الناس كلَّهم رَوَوا عن المغيرة بلفظ: (مَسَحَ على الخُفَّيْن))، وأبو قيس يخالفهم جميعًا، فيروي عن هُزيل عن المغيرة بلفظ: ((مَسَحَ على الجورَبَيْنِ والنَّعلينِ)). فلم يزد على ما رووا، بل خالفَ ما رَوَوا، نعم، لو روى بلفظ: ((مَسَحَ على الخفَّيْنِ والجورَبَين والنَّعْلَيْنِ)) - لصحَّ أن يقال: إنه روى أمرًا زائدًا على ما رَوَوهُ، وإذ ليسَ؛ فليس، فتفكّر. فإذا عرفتَ هذا كلَّه: ظهر لك أن أكثر الأئمة من أهل الحديث حَكَموا على هذا الحديث بأنه ضعيف، مع أنهم لم يكونوا غافلينَ عَن مسألة زيادة الثقة، فحكمهم عندي - والله تعالى أعلم - مقدم علی حکم الترمذي؛ بأنه حسن صحيح. وفي الباب حديثان آخران: حديث ابن مسعود(١) وحديثُ بلالٍ (٢)، وهما أيضًا ضعيفانِ لا يصلحان للاحتجاج. (١) عبد الرزاق (٧٧٧)، والطبراني في ((الكبير)) (٩٢٣٩). (٢) الطبراني في ((الكبير)) (١٠٦٣). ٣٤٧ أبواب الطهارة عن رسول الله وَّه / باب مَا جَاءَ فِي المَسْحِ عَلَى الجَوْرَبَيْنِ وَالنَّعْلَيْنِ أما حديث أبي موسى: فأخرجه الطحاوي في ((شرح الآثار)) (١) من طريق أبي سنان عن الضحاك بن عبد الرحمن عن أبي موسى؛ ((أن رَسُولَ اللهِ وَلَّ مَسَحَ عَلَى جَورَبَيْهِ وَنَعْلَيْهِ)) وأخرجه أيضًا ابن ماجه والبيهقي (٢) من طريق عيسى بن سنان عن الضحاك بن عبد الرحمن عن أبي موسى، وقد تقدَّم: أن أبا داود، حكم على هذا الحديث بأنه ليس بالمثَّصل ولا بالقويِّ، وقال البيهقي بعد رواية الحديث: له علتان، إحداهما: أن الضحاك بن عبد الرحمن لم يثبت سماعه من أبي موسى، والثانية: أن عيسى بن سنان ضعيف. انتهى. قلت: أبو سنان الذي وقع في سند الطحاوي هو عيسى بن سنان، قال الحافظ في ((تهذيب التهذيب)) في ترجمته: قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: أبو سنانٍ عيسى بن سنان، فضعَّفه، قال يعقوب بن شيبة، عن ابن معين: لين الحديث، وقال جماعة، عن ابن معين: ضعيف الحديث، وقال أبو زرعة: مخلِّط ضعيفُ الحديث، وقال أبو حاتم: ليس بقوي في الحديث، وقال العِجليُّ: لا بأس به، وقال النسائي: ضعيف، وقال ابن خراش: صدوق، وقال مرة: في حديثه نُكرة، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال الكناني، عن أبي حازم: یکتب حديثه ولا يحتجُّ به. انتهى كلام الحافظ. فإن قلت: قال الشيخ علاء الدين المارديني: إن التضعيفَ بعدمِ ثبوتِ سَماعٍ عيسى بن سنان عن أبي موسى، وهو على مذهب مَن يشترط للاتصال ثبوتَ السماع، قال: ثُمَّ هو معارض بما ذكره عبد الغنيّ؛ فإنه قال في ((الكمال)): سمع الضَّحَّاك من أبي موسى، قال: وابن سنان وثّقه ابن معين، وضعفه غيره، وقد أخرج الترمذي في ((الجنائز)) حديثًا في سنده عيسى بن سنان هذا، وحسَّنه انتهى. كذا نقل بعض مجوِّزي المَسْح على الجَوربِ مطلقًا في رسالته وأقرَّه، فالظاهر: أن حديث أبي موسى حسنٌ صالح للاحتجاج. قلت: ذكر أبو داود وغيره أن في حديث أبي موسى المذكور علَّتين لضعفه؛ الأولى: الانقطاع، والثانية: ضعف عيسى بن سنان، فإن ثبت سماعُ الضحاك من أبي موسى ترتفع العلة الأولى وتبقى الثانية، وهي كافيةٌ لضعف حديث أبي موسى المشهور، وأما قول المارديني: ((وابن سنان وثّقه ابن معين وضعَّفه غيره))، ففيه: أن ابن معين أيضًا ضعَّفه، قال (١) الطحاوي في ((معاني الآثار)) (٥٨٠). (٢) ابن ماجه، كتاب الطهارة وسننها. حديث (٥٦٠)، والبيهقي في ((الكبرى)). حديث (١٢٦٣). ٣٤٨ أبواب الطهارة عن رسول الله وَّهه / باب مَا جَاءَ فِي المسْحِ عَلَى الجَوْرَبَيْنِ وَالنَّعْلَيْنِ الذهبي في ((الميزان)): ((ضعفه أحمد وابن معين، وهو ممن يكتب على لينه ... )) إلخ، وقال الحافظ في ((تهذيب التهذيب)): قال يعقوب بن شيبة، عن ابن معين: لين الحديث، وقال جماعة، عن ابن معين: ضعيف الحديث؛ كما عرفت آنفًا . قلت: ولضعف هذا الحديث علَّةٌ ثالثة، وهي أن عيسى بن سنان مخلِّط، قال الحافظ أبو زرعة: مخلِّط ضعيفُ الحديث، كما عرفت آنفًا في كلام الحافظ. وأما قول المارديني: وقد أخرج الترمذي في ((الجنائز)) حديثًا في سنده عيسى بن سنان وحسنه؛ فممَّا لا يصغى إليه؛ فإن الترمذي قد يحسِّن الحديث مع تصريحه بالانقطاع، وكذا مع تصريحه بضعف بعض رواته، ثم تساهُلُ الترمذي مشهورٌ. وأما حديثُ بلالٍ: فهو أيضًا ضعيف؛ قال الزيلعيُّ: رواه الطبراني في ((معجمه)) من طريق ابن أبي شيبة، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عُجرَة، عن بلال، قال: ((كان رسولُ اللهِ وَّهِ ... )) نَحْوَهُ، ويزيد بن أبي زياد وابن أبي ليلى مستضعفان مع نسبتهما إلى الصِّدق. انتهى كلام الزيلعي. قلت: في سنده الأول الأعمشُ، وهو مدلِّس، ورواه عن الحكم بالعنعنة، ولم يذكر سماعه منه، قال الذهبي في ((الميزان)) في ترجمة الأعمش: ربما دلَّس عن ضعيف لا يدري به؛ فإن قال: ((حدَّثنا)) فلا كلام، وإن قال: ((عن)) تطرَّق إليه الاحتمال، إلَّ في شيوخ أَكْثَرَ عنهم؛ كإبراهيم [وابن] أبي وائلٍ، وأبي صالحِ السَّمان؛ فإن روايته عن هذا الصنف محمولة على الاتصال. انتهى. وفي سنده الثاني: يزيد بن أبي زياد؛ وهو ضعيف؛ قال الحافظ في ((التقريب)) في ترجمته: ضعيفٌ، كبُرَ فَتَغَيَّرَ، وصار يتلقَّن، وكان شيعيًّا. انتهى. فإن قلت: كيفَ قلتُم: إن حديث بلال ضعيفٌ؛ وقد قال الحافظ في ((الدراية)): وفي الباب: عن بلال؛ أخرجه الطبراني بسندينٍ رجال أحدهما ثقات. انتهى، وأراد برجال أحدهما: رجال السند الأول؛ فإنهم كلهم ثقات. قلت: لا شكّ في أن رجال السند الأول من حديث بلال كلَّهم ثقات، ولكن: فيهم الأعمشُ، وقد عرفتَ أنه مدلِّس، ورواه عن الحكم بالعنعنة، وعنعنةُ المدِّس غير مقبولة، وقد تقرَّر أنه لا يلزم من كون رجال السند ثقاتٍ صحةُ الحديثِ؛ لجواز أن يكون فيه ثقة ٣٤٩ أبواب الطهارة عن رسول الله وَّه / باب مَا جَاءَ فِي المِسْحِ عَلَى الجَوْرَبَيْنِ وَالتَّعْلَيْنِ مدلِّس، ورواه عن شيخه الثقة بالعنعنة، أو يكون فيه علة أخرى؛ ألا ترى أن الحافظ ذكر في ((التلخيص)) حديث ((العينَة)) الذي رواه الطبراني من طريق: الأعمش عن عطاء عن ابن عمر، وذكر أن ابن القطّان صحَّحه، ثم قال ما لفظه: وعندي أن الإسنادَ الذي صحَّحه ابن القطّان معلولٌ؛ لأنه لا يلزم من كون رجاله ثقاتٍ أن يكون صحيحًا؛ لأن الأعمش مدلِّس، ولم يذكر سماعه من عطاء. انتهى كلام الحافظ، وقال الزيلعي في ((نصب الراية)) في ((بحث الجهر بالبسملة)) نقلًا عن ابن الهادي: ولو فرض ثقة الرجال، لم يلزم منه صحةُ الحديث، حتى ينتفي منه الشذوذُ. والحاصل: إنه ليس في باب المسحِ على الجوربينِ حديثٌ مرفوعٌ صحيحٌ خالٍ عن الكلام؛ هذا ما عندي، والله تعالى أعلم. المبحث الثاني: في تفسير ((الجورب)) وبيان ما وقع فيه من الاختلاف: قال مجد الدين الفيروز آبادي في ((القاموس)): الجوربُ: لُفافة الرِّجْلِ. انتهى، وقال أبو الفيضٍ مرتضى الزبيديُّ في ((تاج العروس)): الجورَبُ: لُفافة الرِّجل، وهو بالفارسية: ((كورب))، وأصله: ((كوربا))، ومعناه: قَبْرُ الرِّجْلِ. انتهى، وقال الطيبي: الجورب: لفافة الجِلد، وهو خُفِّ معروف من نحو الساق. انتهى، وكذلك في ((مجمع البحار))، وقال الشوكاني في ((النيل)): الخفُّ: نعلٌ من أدَم، يغطّي القَدَمين، والجُرمُوقُ: أكبر منه، والجورب: أكبر من الجُرموقِ، وقال الشيخ عبد الحق الدهلوي في ((اللمعات)): الجورب: خُفٍّ يلبس على الخف إلى الكَعْب للبردِ، ولصيانة الخف الأسفل من الدَّرنِ والغُسالة. انتهى، وقال القاضي أبو بكر بن العربي في ((عارضة الأحوذي)): الجورب: غشاء للقدم من صُوفٍ يتخذ للدفء. انتهى، وقال الحافظ ابن تيمية في ((فتاواه)): الفرق بين الجوربين والنعلين؛ إنَّما هو من كون هذا من صُوفٍ، وهذا من جلود. انتهى، وقال العيني: الجوربُ: هو الذي يلبسه أهلُ البلاد الشامية، الشديدة البرد، وهو يتخذُّ من غزلِ الصوفِ المفتولِ، يلبس في القدم إلى ما فوق الكعب. انتهى. قلت: ويتخذ منَ الشَّعر أيضًا كما تقدم أن أبا مسعود كان يمسح على جوربينٍ له من شعرٍ (١)، فتفسير المجد الفيروز آباديِّ عامُّ يشملُ كل ما يصدق عليه: أنه لفافة الرجل، سواء (١) عبد الرزاق في ((المصنف)) (٧٧٤). ٣٥٠ أبواب الطهارة عن رسول الله وَّر / باب مَا جَاءَ فِي المسْحِ عَلَى الجَوْرَبَيْنِ وَالتَّعْلَيْنِ كان من الجلد أو الصوف أو الشعر أو غير ذلك، وسواء كان ثخينًا أو رقيقًا، بل هو شاملٌ للمخيطِ وغيره، قال في ((غنية المستملي، شرح منية المصلي)) بعد ذكر تفسير المجدِ ما لفظه: كأن تفسيره باعتبار اللغة، لكن العُرف خصَّ اللفافة بما ليس بمخيطٍ، والجورب بالمخيط ونحوه الذي يلبس، كما يلبس الخُفّ. انتهى، وتفسير الطيبيِّ والشوكاني والشيخ عبد الحق: يدلُّ على أن الجورب يتخذ من الجلدِ، وأنه نوعٌ من الخف، وأنه يكون أكبرَ منه، وتفسير ابن العربي وابن تيميَّة والعينيّ: يدلُّ على أنه يتخذُّ من الصوف، وقال شمس الأئمة الحلواني - وهو من الأئمة الحنفية -: الجوربُ: خمسة أنواع: من المرعزي، ومن الغزل، والشعر، والجلد الرقيق، والكِرْبَاس؛ ذكره نجم الدين الزاهدي، عنه؛ كما في ((حاشية البحر الرائق))، وفيها: أن المرعزي: الزغب الذي تحت شعر العَنز. والغزل: ما تُزل من الصوف، والكرباسُ: ما نسجَ من مَغزُول القطن، قال الحلبي: ويلحق بالكربَاسِ: كل ما كان من نوع الخيطِ؛ كالكتان والإبريسم، أي: الحرير. انتهى ما في ((حاشية البحر)). فالاختلاف في تفسير الجورب من جهتين: من جهة ما يتخذ منه، ومن جهة مقداره، قال العلامة أبو الطيب شمس الحق في ((غاية المقصود)) بعد ذكر هذين النوعين من الاختلاف ما لفظه: فهذا الاختلاف - والله أعلم - إما لأن أهل اللغة قد اختلفوا في تفسيره، وإما لكون الجورب مختلفُ الهيئة والصنعة في البلاد المتفرِّقة، ففي بعض الأماكن: يصنع من الأدیم، وفي بعضها: من صوفٍ، وفي بعضها: من كل الأنواع، فكل من فسره: إنما فسَّره على هيئة بلاده، ومنهم من فسره بكل ما يوجد في البلاد، بأي نوع كان. انتهى كلامه. قلت: يمكن أن يجمع بين هذه التفاسير المختلفةِ: بأن الجوربَ هو لفافةُ الرجل؛ كما قاله صاحب ((القاموس))، من أي شيء كان، وأما تقييدُهُم بالجلد والصوف والشعر أو غير ذلك؛ فعلى حسبٍ صنعةٍ بلادهم، والله تعالى أعلم. المبحثُ الثالِثُ: في تحرير المذاهب في المَسْحِ على الجَورَبَيْن، وبيان ما هو الراجحُ عندي : قال الطحاويُّ في ((شرح الآثار))(١) ص ٥٩ ج ١: إنا لا نَرَى بأسًا بالمسح على الجوربين، إذا كانا صفيقَينِ، قد قال به أبو يوسُفَ ومحمَّد، وأما أبو حنيفة: فإنه كان لا يَرَى ذلك حتى يكونا صفيقَيْنِ، ويكونا مجلَّدين؛ فيكونا كالخُقَّين. انتهى، وفي ((شرح الوقاية)) من (١) الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) تحت الرقم (٥٨٢). ٣٥١ أبواب الطهارة عن رسول الله وَلَه / باب مَا جَاءَ فِي المَسْحِ عَلَى الجَوْرَبَيْنِ وَالتَّعْلَيْن كتب الحنفية: أو جورَبَيهِ الثخينين، أي: بحيث يستمسكان على السَّاق بلا شدِّ، منعَّلين أو مجلَّدين؛ حتى إذا كانا ثخينين غير منعَّلين أو مجلَّدين، لا يجوز عند أبي حنيفة خلافًا لهما، وعنه: أنه رَجَعَ إلى قولهما، وبه يفتي. انتهى ما في ((شرح الوقاية))، والمُنعل؛ من التَّنعِيل: ما وضعَ الجلد على أسفله كالنَّعل للقدم، والمجلَّد؛ من التجليد: ما وضِعَ الجلدُ على أعلاه وأسفلهِ كِلَيْهِمَا، وحاصلُ مذهب الحنفية: إن الجورَبَين، إن كان منعَّلين أو مجلَّدين؛ يجوزُ المَسْحُ عليهما باتفاقهم، وإن لم يكونا منعَّلين أو مجلَّدين: اختلفوا فيه؛ فمنعه أبو حنيفة في قوله القديم؛ مستدلًا بأنه لا يمكنُ مواظبةُ المشْي فيه إلَّا إذا كان منعَّلًا أو مجلّدًا. فلم يكن في معنى الخُفِّ، وجوَّزه صاحباه؛ بناء عَلَى أنه إذا كان ثخينًا يمكنُ فيه تتابُعُ المشي؛ فشابه الخفّ، فإن لم يكونا ثخينَيْنِ أيضًا لا يجوز المسح عليهما اتفاقًا؛ كذا في ((عمدة الرعاية))، وأما مذهب مالك: فكمذهب أبي حنيفة القديم، وأما مذهب الشافعي وأحمد: فقد ذكره الترمذي، وهو: أنه يجوز المسح عليهما إذا كانا ثخينَيْنِ، وإن لم يكونا منعَّلين، وعلى هذا: فقولُ أبي حنيفة الجديدُ، وقول صاحبَيْهِ، وقول الشافعيّ وأحمد واحدٌ، وهو جواز المسح على الجوربين إذا كانا ثخينين، ونقل عن الشافعي كقول أبي حنيفة القديم، قال ابن قدامة في ((المغني)): وقال أبو حنيفة ومالك والأوزاعي ومجاهد وعمرو بن دينار والحسن بن مسلم والشافعي: لا يجوزُ المسحُ عليهما إلَّا أن يُنَّلا؛ لأنه لا يمكن متابعةُ المشي فيهما، فلم يَجُز المسحُ عليهما كالرقيقَين. انتهى، وقال ابن العربي في ((العارضة)): اختلف العلماء في المسح على الجوربين على ثلاثة أقوال؛ الأول: أنه يمسح عليهما إذا كانا مجلَّدين إلى الكعبين؛ قال به الشافعي وبعضُ أصحابنا، الثاني: إن كان صفيقًا جاز المسح عليه، وإن لم يكن مجلَّدًا، إذا كان له نعل؛ وبه فسر بعضُ أصحاب الشافعي مذهبه، وبه قال أبو حنيفة، وحكاه أصحابُ الشافعي عن مالكٍ، الثالث: أنه يجوز المسحُ عليه، وإن لم يكن له نَعْلٌ ولا تجليدٌ؛ قاله أحمد بن حنبل، قال: وجه الأول: أن الحديثَ ضعيفٌ كلُّه، فإن كانا مجلَّدين رجعا خفَّين ودَخَلا تحتَ أحاديث الخف، ووجه الثاني: أنه ملبوسٌ في الرِّجْل يسترها إلى الكعبِ يمكنُ متابعة المشي عليه؛ فجاز المسح، ووجه الثالث: ظاهرُ الحديث، ولو كان صحيحًا لكان أصلًا. انتهى كلام ابن العربي. وقال ابن رسلان في ((شرح سنن أبي داود)): نصَّ الشافعي في ((الأم)) على أنه يجوز المسح على الجوربين بشرط أن يكون صفيقًا منقَّلًا، وقَطَعَ به جماعة من الشافعية، ونقل ٣٥٢ أبواب الطهارة عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاءَ فِي المَسْحِ عَلَى الجَوْرَبَيْنِ وَالتَّعْلَيْن المزنيُّ أنه لا يمسحُ على الجوربين مجلَّدي القدمين، قال القاضي أبو الطيب: لا يجوز المسحُ على الجَوربينِ إلّا أن يكون ساترًا لمحلِّ الفرض ويمكن متابعةُ المشي عليه، هذا هو الصحيح في المذهب. انتهى كلام ابن رسلان. فإن قلت: قد وقع في أحاديث الباب لفظُ: ((الجوربين)) مطلقًا غير مقيَّد بشيء من هذه القيود التي قيَّدهما بها هؤلاءِ الأئمةُ، فما بالُهم قَيَّدوهما بها، واشترطوا جواز المسح عليهما بتلك القيود: فبعضهم بالتجليد، وبعضهم بالتنعيل، وبعضهم بالصفاقة والثخونة؟! قلت: الأصل هو غسلُ الرِّجلينِ؛ كما هو ظاهر القرآن، والعُدُولُ عنه لا يجوز إلَّا بأحاديثَ صحيحةٍ اتفقَ على صحتها أئمةُ الحديث، كأحاديث المسح على الخُفينِ، فجاز العدول عن غسل القدمين إلى المسح على الخفين بلا خلاف، وأما أحاديث المسح على الجوربين: ففي صحتها كلامٌ عند أئمة الفنِّ، كما عرفتَ، فكيف يجوز العدول عن غسل القدمين إلى المسح على الجوربين مطلقًا، وإلى هذا أشار مسلم بقوله: ((لا يترك ظاهر القرآن بمثل أبي قَيْسٍ وهزيل)). انتهى. فلأجل ذلك: اشترطوا جواز المَسْحِ على الجورَبَيْنِ بتلك القيود، ليكونا في معنى الخفين، ويدخلا تحت أحاديث الخفين؛ فرأى بعضهم: أن الجوربَيْن إذا كانا مجلَّدين كانا في معنى الخفَّين، ورأى بعُضُهم أنهما إذا كان منعَّلينٍ كانا في معناهما، وعند بعضهم: أنهما إذا كانا صفيقينٍ ثخينين كانا في معناهما، وإن لم يكونا مجلدين ولا منعَّلين، والله تعالى أعلم. فإن قلت: قد ضعَّف الإمام أحمد حديثَ المسحِ على الجوربين، ومَعَ تضعيفه: قد قال بجواز المسح على الجوربينِ ولم يقيِّدها بشيء من هذه القيود؛ كما يظهر من كلام ابن العربي . قلت: قد قيدهما الإمام أحمد أيضًا بقيد الثخونة، كما صرَّح به الترمذي، وقال ابن قدامة في ((المغني)): قد قال أحمد في موضع: لا يجزيه المسحُ على الجورب، حتى يكون جوربًا صفيقًا يقوم قائمًا في رجله لا ينكسر مثل الخفين؛ إنما مسح القوم على الجوربين؛ لأنه كان عندهم بمنزلة الخف في رجلِ الرَّجل يذهب فيه الرجلُ ويجيء. انتهى كلامه. وقد قال قَبْلَ هذا: سئل أحمدُ عنِ جورب الخِرَقِ، يُمْسَحُ عليه، فكرِهَ الخرقَ، ولعل أحمد كرهها؛ لأنَّ الغالب عليها الخفَّةُ، وأنَّها لا تثبت بأنفسها؛ فإن كانت مثل جورب ٣٥٣ أبواب الطهارة عن رسول الله وَّه / باب مَا جَاءَ فِي المَسْحِ عَلَى الجَوْرَبَيْنِ وَالنَّعْلَيْنِ الصُّوف في الصَّفاقة والثُّبوتِ، فلا فرق. انتهى كلامه، على أنه لم يعتمد على حديث الجورَبَيْن، بل اعتمَدَ على آثار الصحابة ﴿ه، قال الحافظ ابن القيم في ((تلخيص السنن)): قد نصَّ أحمدُ على جواز المَسْح على الجَورَبَين، وعلَّل رواية أبي قيس، وهذا من إنصافه وعدله - رحمه الله - وإنما عمدته: هؤلاء الصحابةُ وصريحُ القياس، فإنه لا يظهر بين الجوربين والُقَّينِ فرقٌ مؤثِّر يصحُّ أن یحال الحكم عليه، انتهى كلام ابن القيم. وأما قوله: ((لا يظهر بين الجوربين والخفين فرق مؤثر ... إلخ)) ففيه أن الجَورَبَيْنِ إذا كانا من غيرِ الجلدِ، وكانا ثخينينٍ صفيقينٍ، بحيث يستمسكان على القدَمَيْن بلا شدٍّ ويمكن تتابع المشي فيهما، فلا شك في أنه ليس بين هذين الجورَبَيْنِ والخفَّينِ فرقٌ مؤثِّر؛ لأنهما في معنى الخفَّين، وأما إذا كانا رقيقَين، بحيث لا يستمسكان على القدمين بلا شدٍّ، ولا يمكن تتابع المشي فيهما فهما ليسا في معنى الخفَّين؛ فلا شك في أن بينهما وبين الخفَّين فرقًا مؤثرًا، ألا ترَى أن الخفَّين بمنزلة النعلَيْنِ عند عَدَمِ وجدانهما يذهب الرجُلُ فيهما ويجيءُ ويَمشي أينما شاء، فلابسُ الخفين لا يحتاجُ إلى نَزْعِهِمَا عِنْدِ المَشْي، فلا ينزعهما يومًا وليلة بلِ أيامًا وليالي، فهذا يشق عليه نزعهما عند كل وضوء بخلاف لابس الجوربينِ الرقيقينٍ، فإنه كُلَّما أراد أن يمشي يحتاجُ إلى النزع، فينزعهما في اليوم والليلة مرَّاتٍ عديدةٍ، وهذا لا يشقُّ عليه نزعُهُما عند كل وضوء، وهذا الفرقُ: يقتضي أن يرخصَ للابِسِ الخفّين دون لابسٍ الجورَبَينِ الرقيقَينِ، فقياس هذا على ذلك قياسٌ مع الفارق، فعدم ظهورِ الفرق المؤثر بينهما وبين الخُفَّين؛ ممنوعٌ، ولو سُلِّم: أنه لا يظهر الفرقُ بينهما وبَيْنَ الخفَّين فلا شك في أن الجوربين الرقيقين ليسًا داخلَينِ تحت أحاديث الخفين؛ لأن الجورب ليس من أفراد الخفِّ؛ فلا وجه لجواز المسح عليهما إلَّا مجرَّد القياس، ولا يترك ظاهر القرآن بمجرَّد القياس البتة. فإن قلت: قد أجاب الحافظ ابن القيِّم عن قول مُسْلِم: ((لا يترك ظاهر القرآن بمثل أبي قيس وهزيل))؛ فقال: جوابه من وجهين؛ أحدهما: أن ظاهر القرآن لا يَنْفِي المسحَ على الجوربَيْنِ إلَّا كما ينفي المسح على الخفَّين، وما كان الجوابَ عن موارد الإجماع، فهو الجوابُ عن مسألة النزاع. الثاني: الذين سمعوا القرآن من النبيِّ وَّهِ وعرفُوا تأويله، مَسَحُوا على الجوربَيْنِ، وهم أعلم الأمة بظاهر القرآن، ومراد الله منه. انتهى. قلت: في كلا الوجهين من الجوابِ نظرٌ، أما الوجه الأول: ففيه أنه قد ورد في المسح على الخفين أحاديثُ كثيرةٌ، قد أجمع على صحتها أئمة الحديث، فلأجل هذه الأحاديث ٣٥٤ أبواب الطهارة عن رسول الله وَّيه / باب مَا جَاءَ فِي المَسْحِ عَلَى الجَوْرَبَيْنِ وَالتَّعْلَيْن الصحيحة تركوا ظاهر القرآن وعملوا بها، وأما المسحُ على الجَورَبَين فلم يرد فيه حديثٌ أجمعَ على صحته وما وَرَدَ فيه، فقد عرفتَ ما فيه من المقال؛ فكيف يترك ظاهر القرآن ويعمل به. وأما الوجه الثاني: ففيه أنه لم يثبت أن الجواربة التي كان الصحابة ظّ يمَسحونَ عليها كانت رقائقَ بحيثُ لا تستمسك على الأقدام، ولا يمكنُ لهم تتابعُ المشي فيها، فيحتمل: أنها كانت صفيقةً تخينةً، فرأوا أنها في معنى الخِفافِ، وأنها داخلةٌ تحتَ أحاديث المسح على الخفين، وهذا الاحتمالُ هو الظاهر عندي، وقد عرفتَ قول الإمام أحمد: إنما مَسَحَ القوم على الجوربين؛ لأنه كان عندهم بمنزلة الخُفِّ ... إلخ، فلا يلزم من مسح الصحابة على الجواربة التي كانوا يمسحون عليها جوازُ المسحِ على الجوربَيْنِ مطلقًا، ثخينين كانا أو رقیقین؛ فتفكّر. والراجح عندي: أن الجوربين إذا كانا صفيقَيْن ثخينين، فهما في معنى الخفَّيْن: يجوزُ المسح عليهما، وأما إذا كانا رقيقَين بحيث لا يستمسكانِ على القدمَيْن بلا شدِّ، ولا يمكن المشي فيهما فهما ليسَا في معنى الخفَّيْن، وفي جواز المَسْح عليهما عندي تأمُّل، والله تعالى أعلم. تنبيه: اعلم أن العلامة أبا الطيب شمسَ الحق - رحمه الله تعالى - قد اختار قولَ من اشترط في جواز المسح على الجوربين التجليد، حيث قال في ((غاية المقصود)» - بعد ذكر المذاهب المذكورة - ماً لفظه: وأنت خبيرٌ أن الجوربَ يُتَّخَذُ من الأديم، وكذا من الصوف، وكذا من القطن، ويقال لكل واحد من هذا: إنه جورب، ومن المعلوم: أن هذه الرخصة بهذا العموم التي ذهبت إليها تلك الجماعة؛ لا تثبت إلَّا بعد أن يَثْبُتَ أن الجوربَيْنِ اللذين مَسَحَ عليهما النبي ◌َّيِ كانا من صوفٍ، سواءٌ كانا منعَّلين أو ثخينينٍ فقط، ولم يثبت هذا قظُ، فمن أينَ علم جواز المسح على الجوربين غير المُجلَّدين، بل يقال: إن المسحِ يتعيَّن على الجوربَيْن المُجلَّدين لا غيرهما؛ لأنهما في معنى الخُف، والخفُّ لا يكون إلَّا من أدِیم، نعم: إن كان الحديثُ قوليًّا بأن قال النبيُّ نَّهِ: ((امسحوا على الجوربين)) كان يمكّن الاستدلال بعمومه على كل أنواع الجورب، وإذ ليس فليس، فإن قلتَ: لما كان الجوربُ من الصُّوف أيضًا احتمل أن الجوربينِ، اللذين مسح عليهما النبي ◌َّ ارَ كانا من صُوف، أو قُطن، إذا لم يبين الراوي، قلت: نعم، الاحتمالُ في كل جانب سواء، يحتمل كونهما: من صوف، ٣٥٥ أبواب الطهارة عن رسول الله رَّه / باب مَا جَاءَ فِي المسْحِ عَلَى الجَوْرَبَيْنِ وَالتَّعْلَيْنِ وكذا من قطن، لكن ترجّح الجانب الواحد وهو كونه من أديم؛ لأنه يكون حينئذ في معنى الخُفِّ ويجوزُ المسح عليه قطعًا، وأما المسح على غير الأديم فثبت بالاحتمالات التي لم تطمئنَّ النفس بها، وقد قال النبيُّ ◌َّهِ: ((دَع ما يَرِيبُك إلى مَا لا يَرْبُك))(١) انتهى كلامه. قلت: كلامه هذا حسنٌ طيبٌ، لكن فيه أن لقائلٍ: أن يقولَ: إن هذا القولَ لا يثبتُ إلَّا بعد أن يثبتَ أن الجَوربَيْنِ اللذين مَسَحَ عليهما النبيُّ ◌َّهِ كانا مجلَّدين، ولم يثبت هذا قطُ، فمن أين علم جواز المسح على الجوربين المجلَّدين، وأما قوله: ((إن الجوربين المجلدين في معنى الخف)) فلا يجدي نفعًا، فإن القائلين بجواز المسح على الجوربين الثخينين فقط يقولون أيضًا: إنهما لثخونتهما وصفاقتهما في معنى الخف، فتفكّر. تنبيه: قد استدلَّ بعض مجوِّزي المسح على الجوربين مطلقًا، ثخينًا كان أو رقيقًا، بما رواه الإمام أحمد في ((مسنده)) قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن ثور، عن راشد بن سعد، عن ثوبان، قال: ((بعث رسول الله رَّه سريّة فأصابهم البردُ، فلما قدمُوا على النبيِّ وَطِّ شكَوا إليهِ مَا أصابهم منَ البردِ، فأمرهم أن يَمْسَحوا على العصائِبِ والتَّساخين))، ورواه أبو داود في ((سننه)) (٢)، وقال ابن الأثير في ((النهاية)): العصائبُ: هي العمائم؛ لأن الرأس يعصب بها، والتساخين: كل ما يسخن به القدم من خُفِّ وجوربٍ ونحوهما، ولا واحد لها من لفظها، قال: ورجالُ هذا الحديث ثقاتٌ مرضيّون. انتهى. قلت: هذا الحديثُ لا يصلحُ للاستدلال؛ فإنه منقطع؛ فإن راشد بن سعد لم يَسْمَع من ثوبان، قال الحافظ ابن أبي حاتم في ((كتاب المراسيل)) ص ٢٢: أنبأ عبد الله بن أحمد بن حنبل فيما كتب إلي قال: قال أحمد - يعني: ابن حنبل -: راشد بن سعد لم يسمع من ثوبان. انتھی. وقال الحافظ ابن حجر في ((تهذيب التهذيب)): قال أبو حاتم والحربي: لم يسمع من ثوبان، وقال الخلال، عن أحمد: لا ينبغي أن یکون سَمِعَ منه. انتهى. على أن ((التساخين)) قد فسَّرها أهل اللغة بـ ((الخفاف))، قال ابن الأثير في ((النهاية)) في (١) أحمد. حديث (٢٧٨١٩)، والدارمي (٢٥٣٢)، والترمذي كتاب صفة القيامة والرقائق والورع. حديث (٢٥١٨)، والنسائي كتاب الأشربة. حديث (٥٧١١). (٢) أحمد. حديث (٢١٨٧٨)، وأبو داود كتاب الطهارة. حديث (١٤٦). ٣٥٦ أبواب الطهارة عن رسول الله وَّر / باب مَا جَاءَ فِي المِسْحِ عَلَى الجَوْرَبَيْنِ وَالتَّعْلَيْنِ حرف التاء ما لفظه: أمرهم أن يمسحُوا على التَّساخينَ، هي الخفاف، ولا واحد لها من لفظهَا، وقيل: واحدها تسخَانَ وتَسْخينَ، والتاء فيها زائدة، ذكرناها هنا حملًا على ظاهر لفظها، قال حمزة الأصفهاني: أما التَّسخان: فتعريبُ ((تَشْكن)) وهو: اسم غطاء من أغطية الرأس، كان العلماء والمَوابِذَة يأخذونه على رؤوسهم خاصَّة، وجاء في الحديث ذكرُ العمائِم والتَّساخِينِ، فقال من تعاطى تفسيره: هو الخُفُّ حيث لم يعرف فارسيته. انتهى. وقال في حرف السين: إنه أمرهم أن يمسحوا على المَشَاوِذِ والتَّساخِينِ، التَّساخِينُ: الخِفافُ ولا واحد لها من لفظها، وقيل: واحدها تَسْخَان وتَسْخِين، هكذا في شرح كتب اللغة والغريب، وقال حمزة الأصفهاني في ((كتاب الموازنة)): التَّسخانُ، تعريب ((تشكن)) ... إلى آخر ما ذكر في حرف التاء، وكذا في ((مجمع البحار))، فلما ثبت أن التَّساخين - عند أهل اللغة والغريب ـ هي: الخفافُ، فالاستدلال بهذا الحديث على جواز المسح على الجوربين مطلقًا، ثخينين كانا أو رقيقين، غير صحيح. ولو سلم: أن التَّساخين - عند بعض أهل اللغة - هي: كل ما يسخن به القدم من خُفٍّ وجورب ونحوهما، فعند بعضهم: التَّسخان: تعريبُ ((تشكن)) وهو اسم غطاء من أغطية الرأس؛ كما عرفت، وفي ((الدر المنثور)) للسيوطي: قال حمزة: التسخان: معرَّب ((تشكن))، وهو اسمُ غطاءٍ من أغطية الرأس، كان العلماء والقُضاةُ يأخذونه على رؤوسهم خاصَّة، ووَهِمَ من فسَّرَه بالخف. انتهى. فحَصَلَ للتساخين ثلاثةُ تفاسير: الأولُ: أنها هي الخفاف، والثاني: أنها هي كل ما يسخن به القدم، الثالث: أنها هي تعريب ((تشكن)) وهو اسم غطاء من أغطية الرأس، فمن ادعى أن المراد بها في حديث ثوبان المذكورُ: كل ما يسخن به القدم دون غيره، فعليه بيانٌ الدليل الصحيح، ودونه خرطُ القَتَادِ. تنبيه آخر: قال الحافظ ابن تيميَّة في ((فتاواه)) ما لفظه: يجوزُ المسحُ على الجوربينِ، إذا كان يمشي فيهما، سواء كانت مجلّدة أو لم تكن، في أصح قولي العلماء، ففي ((السنن)): ((أن النبيَّ رَّ مَسَحَ عَلَى جَورَبَيْهِ ونَعْلَيْهِ))، وهذا الحديث إذا لم يثبت، فالقياسُ يقتضي ذلك؛ فإن الفرق بين الجَورَبَيْنِ والنَّعلين: إنما هو كون هذا من صُوف وهذا من جُلُود، ومعلوم أن مثل هذا الفرق غير مؤثر في الشريعة، فلا فرقَ بين أن يكون جلودًا أو قطنًا أو كتانًا أو صوفًا؛ كما لم يفرق بين سواد اللباس في الإحرام وبياضه، وغايته: أن الجلد أبقى من ٣٥٧ أبواب الطهارة عن رسول الله وَّه / باب مَا جَاءَ فِي المسْحِ عَلَى الجوربين والعِمَامَةِ ٧٥ - باب مَا جَاءَ في المسْحِ عَلَى الجوربين والعِمَامَةِ [ت٧٥، ٧٥٢] [١٠٠] (١٠٠) حدثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بنُ سَعيدِ القَطانُ، عَن سُلَيْمانَ التَّيْمِيِّ، عَن بَكْرِ بن عَبْدِ الله المُزنِيِّ، عنِ الحَسَنِ، عنِ ابن المُغيرةِ بن شُعْبَةَ، عَن أبيه، قَالَ: الصُّوفِ، وهذا لا تأثير له كما لا تأثير لكونِ الجلد قويًّا، بل يجوزُ المسح على ما يَبقى وما لا يبقى، وأيضًا: فمن المعلوم أن الحاجة إلى المسح على هذا كالحاجة إلى المسح على هذا سواء، ومع التساوي في الحكمة والحاجة: يكون التفريق بينهما تفريقًا بين المتماثلين، وهذا خلاف العدلِ والاعتبار الصحيح الذي جاء به الكتابُ والسُّنة، وما أنزل الله به كتبه وأرسل به رسله. انتهى كلامه. قلت: كلام الحافظ ابن تيميَّة هذا ليس مخالفًا لما اخترنا من أن الجوربين: إذا كانا تخينَيْن صَفِيقينٍ يمكن تتابعُ المشي فيهما؛ يجوز المسحُ عليهما؛ فإنهما في معنى الخُفَّين، فإنه رحمه الله قيد جواز المسح على الجوربين بقوله: ((إذا كان يمشي فيهما))، وظاهرٌ أن تتابع المشي فيهما لا يمكن فيهما إلّا إذا كانا ثخينينٍ، وأما قوله: ومع التساوي في الحكمة والحاجة: يكون التفريق بينهما تفريقًا بين المتماثلين، فإنما يستقيمُ إذا كان الجوربانِ ثخينينٍ، بحيث يمكن تتابعُ المشي فيهما، وأما إذا كانا رقيقينٍ بحيث لا يمكنُ تتابع المشي فيهما فلا، كما عرفت فيما تقدَّم، فقياس الجوربينِ الرقيقينِ على الخُفَّين قياسٌ مع الفارق؛ هذا ما عندي. والله تعالى أعلم. ٧٥- باب مَا جَاءَ في المَسْحِ عَلَى الجَورَبيْن والعِمَامَةِ في نسخة قلمية عتيقة: ((باب مَا جَاءَ في المَسْحِ على العمامة)) وليس فيها لفظ: ((الجوربين))، وهو الظاهر. [١٠٠] قوله: (عن بكر بن عبد الله المزني) البصري، ثقة من أوساط التابعين، الحسن) هو: الحسن البصري، (عن ابن المغيرة بن شعبة) اسم ابن المغيرة هذا حَمْزة، وللمغيرة ابنان: حمزة، وعروة، والحديثُ مزويٌّ عنهما جميعًا، لكن رواية بكر بن عبد الله المزني إنما هي: ((عن حمزة بن المغيرة))، وعن ((ابن المغيرة)) غير مسمى، ولا يقول: ((بكر ابن عروة))، ومن قال: عروة، عنه فقد وَهِمَ؛ قاله النووي في ((شرح مسلم))، وحمزة بن المغيرة هذا: ثقة، من أوساط التابعين. ٣٥٨ أبواب الطهارة عن رسول الله وَّةٍ / باب مَا جَاءَ فِي المَسْحِ عَلَى الجوربين والعِمَامَةِ ((توَضَّأَ النَّبِيُّ وَِّلّهِ وَمَسَحَ عَلَى الخُفَّيْنِ وَالعِمَامَةِ)). [م: ٢٧٤، د بنحوه: ١٥٠، ن: ١٠٨، جه: ٥٦٢، حم: ١٧١٦٤، مي: ٧١٠]. قَالَ بَكْرٌ: وَقَدْ سَمِعْتُ مِنِ ابنِ المُغيرةِ. قَالَ: وَذَكَرَ محمَّدُ بنُ بَشَّارٍ في هذَا الحَدِيثِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: أنَّهُ مَسَحَ عَلَى نَاصِيَتِهِ وَعِمَامَتِهِ. وَقَدْ روِي هذَا الحَدِيثُ مِن غَيْرِ وَجْهِ عنِ المُغيرةِ بن شُعْبَةَ: ذَكَرَ بَعْضُهُم: المَسْحَ عَلَى النَّاصِيَةِ وَالعِمَامَةِ، وَلَمْ يَذْكُرْ بَعضُهُمُ: النَّاصِيَةَ. وَسَمِعْتُ أحْمَدَ بن الحَسَنِ يَقول: سَمِعْتُ أحْمَدَ بنَ حِنْبَلٍ يَقولُ: مَا رأيتُ بِعَيْنِي مِثْلَ يَحْيَى بن سعيدِ القَطَّانِ. قَالَ: قوله: (ومسح على الخفين والعمامة) بكسر العين، وجمعه: العمائم، (قال بكر: وقد سمعته من ابن المغيرة) أي: بلا واسطة الحسن، (وذكر محمد بن بشار في هذا الحديث في موضع آخر، أنه مسح على ناصيته وعمامته) الناصية: مقدَّم الرأس، وقد وقع في رواية المسلم(١): ((مَسَحَ على الخُفَّيْنِ ومقدَّم رأسهِ، وعلى عمامتِه)) (وذكر بعضهم المسح على الناصية والعمامة، ولم يذكر بعضهم الناصية) والذاكرون ثقاتٌ حفاظً، فزيادة ((الناصية)) مقبولةٌ بلا شك، قال النوويُّ في ((شرح مسلم)): قوله: ((ومسح بناصيته وعلى العمامة)) هذا مما احتجَّ به أصحابنا على أن مَسْحَ بعض الرأس يَكفِي، ولا يشترطُ الجميعُ؛ لأنه لو وجب الجميعُ لما اكتفى بالعمامة عن الباقي، فإن الجَمْعَ بين الأصل والبدل في عضوٍ واحد لا يجوزُ، كما لو مسح على خُفٍّ واحد، وغسل الرِّجل الأخرى، وأما التَّتْمِيمُ بالعمامة: فهو عند الشافعي وجماعةٍ على الاستحباب؛ لتكون الطهارةُ على جميع الرأس، ولا فرق بين أن يكون لُبس العمامة على ظُهرٍ أو على حَدَثٍ، وكذا لو كان على رأسه قَلَنْسُوةٌ، ولم ينزعها مسح بناصيته، ويستحبُّ أن يُتَمَّ على القلَنْسُوةِ كالعِمَامَةِ، ولو اقتصر على العِمَامة ولم يَمْسَح شيئًا من الرأس، لم يجزه ذلك ــ عندنا - بلا خلاف، وهو مذهبُ مالكٍ وأبي حنيفه وأكثر العلماء، وذهب أحمد بن حنبل رحمه الله إلى جواز الاقتصار، ووافقهُ عليه جماعة من السلف، انتھی کلام النووي. قلت: والمرجَّح - عندي - هو: ما ذهب إليه أحمدُ بن حنبل؛ لأحاديث الباب، والله °م تعالى أعلم. (١) مسلم، كتاب الطهارة. حديث (٢٧٤). ٣٥٩ أبواب الطهارة عن رسول الله وَلي / باب مَا جَاءَ فِي المَسْحِ عَلَى الجوربين والعِمَامَّةِ وفي البابِ: عَن عَمْرٍو بن أُمَيَّةَ، وَسلْمَانَ، وَثَوْبَانَ، وَأبي أُمَامةَ. قوله: (وفي الباب: عن عمرو بن أمية، وسلمان، وثوبان، وأبي أمامة): أما حديث عمرو بن أمية: فأخرجه أحمد والبخاري وابن ماجه (١)، عنه، قال: ((رأيتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَمْسِحُ على عمامتِهِ وخُقَّيهِ))، وأما حديث سلمان: فأخرجه أحمد(٢)، عنهُ: ((أنَّه رَأَى رَجُلًا قَد أحدَث وهُوَ يُريدُ أن يَخْلَعَ خُقَّيهِ، فأمرَهُ سلمانُ أن يَمْسَحَ على خُفَّيهِ، وعلى عِمَامَتِهِ، وقالَ: رأيتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَمْسَحُ على خُفَّيهِ وعلى خِمَارِهِ»، وحديث سلمان هذا أخرجه أيضًا الترمذي في ((العلل))، ولكنه قال مكان: ((وعلى خماره)): ((وعلى ناصِيَتِهِ))، وفي إسناده: أبو شُريح، قال الترمذي: سألتُ محمد بن إسماعيل عنهُ ما اسمه، فقال: لا أدري، لا أعرف اسمه، وفي إسناده أيضًا: أبو مسلم مولى زيد بن صُوحان، وهو مجهول، قال الترمذيُّ: لا أعرف اسمه، ولا أعرف له غيرَ هذا الحديث. وأما حديث ثوبان: فأخرجه أحمد وأبو داود(٣) عنه، قال: ((بَعَثَ رَسُول اللهِوَّهِ سريةً، فأصابهم البرد، فلما قدمُوا على النبي وَّ شكّوا إليه ما أصابهم من البردِ، فأمرهم أن يمسحوا على العصائب والتساخين))، قال صاحب ((المنتقى)): العصائبُ، والعمائم، والتساخين: الخفافُ، قال الشوكاني في ((النيل)): في إسناده راشد بن سعد عن ثوبان، قال الخلَّال في ((عِلَلِهِ»: إن أحمد قال: لا ينبغي أن يكون راشد بن سعد سمع من ثوبان؛ لأنه مات قدیمًا. انتھی. وأما حديث أبي أمامة: فأخرجه الطبراني(٤) بلفظ: ((مسح رسول الله وَّل على الخفين والعمامة في غزوة تبوك)). وفي الباب أيضًا عن خزيمة بن ثابت؛ أخرجه الطبرانيُّ(٥) ((أن النبيَّ ◌َّ كان يمسح على الخفين والخمار))، وعن أبي طلحة؛ ((أن النبي وَّ﴾ توضَّأ فمسح على الخُفَّين والخمارِ))؛ (١) أحمد. حديث (١٧١٦٤)، والبخاري، كتاب الوضوء. حديث (٢٠٤)، وابن ماجه، كتاب الطهارة وسننها. حديث (٥٦٢). (٢) أحمد. حديث (٢٣٢٠٥)، والترمذي في ((العلل)) (٤٦). (٣) أحمد. حديث (٢١٨٧٨)، وأبو داود، كتاب الطهارة. حديث (١٤٦). (٤) الطبراني في «الكبير)). حديث (٧٧١٠)، و((الأوسط)). حديث (١٠٩٩)، وقال الهيثمي (٢٥٧/١): وفيه عفير بن معدان وهو ضعيف. (٥) الطبراني في «الأوسط)). حديث (١٤٣٢)، وقال الهيثمي (٢٥٦/١): وإسناده حسن. ٣٦٠ أبواب الطهارة عن رسول الله وَلِفِ / باب مَا جَاءَ فِي المَسْحِ عَلَى الجوربين والعِمَامَةِ قَالَ أَبُو عِيْسَى: حديثُ المُغيرةِ بن شُعْبَةَ حدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وهو قَوْلُ غَيْرِ وَاحدٍ من أهْلِ العِلم من أصحَابِ النَّبِيِّ وَِّيَةِ، مِنْهُمْ: أبو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَأَنَسُ، وبهِ يَقولُ الأوْزَاعِيُّ، وَأحْمَد، وَإِسْحَاقُ، قَالُوا: يَمْسَحُ عَلَى الْعِمَامَةِ. أخرجه الطبراني في ((معجمه الصغير)) (١)، وعن أنس بن مالك؛ ((أن رَسُولَ اللهِ وَ ل﴿ كان يمسح على المُوقَين والخمار)) أخرجه البيهقي في ((سننه))(٢)، وعن أبي ذر قال: ((رأيت رسول الله وَل﴿ يمسح على الموقين والخمار)) أخرجه الطبراني في ((معجمه الأوسط))(٣). وفي الباب أحاديث أخرى ذكرها الزيلعي في ((نصب الراية))، من شاء الوقوف عليها فليرجع إليه. قوله: (حديث المغيرة بن شعبة حديث حسن صحيح)، وأخرجه مسلم بلفظ: ((فمسح بناصيته، وعلى العمامة، وعلى الخفين))، ولم يخرجه البخاري، وقال الحافظ: وقد وهم المنذري فعزاه إلى المُتَّفق عليه، وتبع في ذلك ابن الجوزيِّ فوهمَ، وقد تعقَّبه ابن عبد الهادي، وصرَّح عبد الحق في ((الجمع بين الصحيحَين)) أنه من أفراد مُسلمٍ. قوله: (وهو قول غير واحد من أهل العلم من أصحاب رسول الله وَّلتر، منهم: أبو بكر، وعمر، وأنس، وبه يقول الأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، قالوا: يمسح على العمامة) قال الحافظ في ((الفتح)): وإلى هذا ذهب: الأوزاعي، والثوري في رواية عنه، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، والطبري، وابن خزيمة، وابن المنذر، وغيرهم، وقال ابن المنذر: ثَبَتَ ذلك عن أبي بكر وعمر، وقد صحَّ أن النبي وَ ل ◌َ قال: ((إن يطع الناسُ أبا بكر وعمر، یرشدوا)). انتھی. قال الشوكاني في ((النيل)): قال الشافعي: إن صحَّ الخبر عن رسول الله وَّةِ، فبه أقول: انتھی . وقال فيه: ورواه - أي: المسح على العمامة - ابن رسلان: عن أبي أمامة، وسعد بن مالك، وأبي الدرداء، وعمر بن عبد العزيز، والحسن، وقتادة، ومكحول، وروى الخلَّال بإسناده عن عمر، أنه قال: من لم يطهِّره المَسْحُ على العمامة، فلا طهَّره الله. انتهى. وقال الحافظ ابن القيِّم في ((زاد المعاد)): ومسح على العمامَةِ مقتصرًا عليها ومع (١) الطبراني في ((الصغير)) (١٠٣١)، وقال الهيثمي (٢٥٥/١-٢٥٦): ورجاله موثوقون. (٢) البيهقي في ((الكبرى)). حديث (١٢٧٧). (٣) الطبراني في ((الأوسط)). حديث (٦٢٢٠).