Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٫٠١
أبواب الطهارة عن رسول اللّه ◌َ﴿ / باب مَا جَاءَ فِي الوُضُوءُ مِنَ القَيْء وَالرُّعَافِ
عَن حُسَيْنِ المُعَلِّم، عَن يَحْيَى بْنِ أبي كَثِيرٍ قَالَ: حَدَثَني عَبدُ الرَّحْمنِ بن عَمرٍو
الأَوْزَاعِيُّ، عَن يَعيشَ بن الوَليدِ المَخْزُومِيِّ، عَن أبيهِ، عَن مَعْدَانَ بن أبي طَلْحَةً،
عَن أبي الدَّرْدَاءِ: أنَّ رَسُوْلَ اللهِّهِ قَاءَ فَأَفْطَرَ فَتَوَضاً، فَلَقِيْتُ ثَوْبَانَ فِي مَسْجِدٍ
دِمَشْقَ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ له، فَقَالَ: صَدَقَ، أنَا صَبَيْتُ له وَضُوءُهُ. [د: ٢٣٨١، حم: ٢١٨٧٦،
مي: ١٧٢٨] .
ثقة ثبت، وقال الحافظ الذهبي: أجمع المسلمون على الاحتجاج به، قال ابن سعد: توفي
سنة (١٨٠) ثمانين ومئة، (عن حسين المعلُّم) هو: الحُسين بن ذَكْوَان المعلمُ المُكْتِب العَوْذيُّ
البصريُّ، ثقة، ربما وَهم؛ قاله الحافظ، (عَن يعيش بن الوليد المخزومي) الأمويّ المُعَيْطِيّ
روى عن: أبيه، ومعاوية، وعنه: يحيى بن أبي كثير، والأوزاعي، وثّقه النسائي، (عن أبيه)
هو: الوليد بن هشام بن معاوية بن هشام بن عقبة بن أبي مُعَيْطٍ، بالتصغير، الأمويّ أبو يعيشَ
المُعيطيُّ، ثقة، من السادسة، (عن مَعْدَان بن أبي طلحة)، ويقال: ابن طلحة اليعمريُّ،
شامي، ثقة؛ قاله الحافظ.
قوله: (قاء فتوضأ) قال أبو الطيب السندي في ((شرح الترمذي)): الفاء تدلُّ على أن
الوضوء كان مرتبًا على القَيء وبسببه، وهو المطلوب، فتكونُ هي للسببية؛ فيندفعُ به ما
أجابَ به القائلون بعدم النقض من أنه لا دلالةَ في الحديث على أن القيءَ ناقضٌ للوضوء؛
لجواز أن يكون الوضوء بعد القيء على وجه الاستحباب، أو على وجه الاتفاق. انتهى.
قلت: قوله: ((قَاءَ فَتَوضَّأ)) ليس نصًّا صريحًا في أن القيءَ ناقضٌ للوضوءَ، لاحتمال أن
تكون ((الفاء)) للتعقيب، من دون أن تكون للسببية، قال الطحاوي في ((شرح الآثار)(١): وليس
في هذين الحديثين - يعني: في حديث أبي الدرداء وثوبان، بلفظ: ((قاءَ فأفْطَر)) - دلالةٌ على
أن القيء كان مفطرًا له، إنما فيه: قاء فأفطر بعد ذلك. انتهى.
(فلقيت ثوبان) قائله: مَعدانَ بن أبي طلحة، (فذكرت ذلك له) أي: فذكرتُ لثوبان أن
أبا الدرداء حدَّثني أنَّ رسولَ اللهِ وَّه قاءَ فَتَوَضَّأ، (فقال) أي: ثوبان: (صدق) أي:
أبو الدرداء، (أنا صببتُ له) وَّهِ (وَضُوءُهُ) بفتح الواو، أي: ماءَ وضُوئِهِ.
(١) الطحاوي في ((معاني الآثار)) تحت الحديث (٣١٦٠).

٣٠٢
أبواب الطهارة عن رسول الله وَلَه / باب مَا جَاءَ فِي الوُضُوء مِنَ القَيْء وَالرُّعَافِ
قَالَ أَبُو عيسى: وقَال إسْحَاقُ بنُ مَنْصُورٍ: مَعْدَانُ بن طَلْحَةَ.
قَالَ أبو عيسى: وابن أبي طلحةَ أصَحُّ.
قَالَ أَبُو عيسى: وَقَدْ رأى غَيْرُ وَاحِدٍ مِن أهْلِ العلمِ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ وَّ
وَغيْرِهِمْ منَ التّابعينَ: الوُضُوءَ مِنَ القَيْءِ وَالرُّعَافِ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوريِّ، وابنٍ
المُبَاركِ، وأحْمَدَ، وإِسْحَاقَ.
قوله: (وقال إسحاق بن منصور: معدان بن طلحة) بحذف لفظ ((أبي))، (وابن أبي طلحة
صحُ) بزيادة لفظ ((أبي))، كما في رواية أبي عُبيدةً.
--
قوله: (وقد رأى غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي وَّر وغيرهم من التابعين
الوضُوءَ مِنَ القيء والرعاف، وهو قول سفيان الثوري، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق)
وهو: قول الزهري، وعلقمة، والأسود، وعامر الشعبي، وعروة بن الزبير، والنخعي،
وقتادة، والحكم بن عيينة، وحماد، والثوري، والحسن بن صالح بن حُيَي، وعبيد الله بن
الحسين، والأوزاعي، كذا ذكره ابن عبد البر، واستدل لهم بحديث الباب.
قلت: الاستدلال بحديث الباب موقوف على أمرين :
الأول: أن تكون الفاءُ في: ((فَتَوضَّأ)) للسببية، وهو ممنوع كما عرفت.
والثاني: أن يكون لفظ: ((فَتَوضَّأ)» بعد لفظ ((قاء)) محفوظًا، وهو محلُّ تأمل:
فإنه روى أبو داود (١) هذا الحديث بلفظ: ((قَاءَ فَأَقْطَرَ))، وبهذا اللفظ ذكر الترمذي في
(كتاب الصيام)) حيث قال: وروي عن أبي الدرداء وثوبان وفَضَالة بن عُبيد، أن النبيَّ مَِّ قَاءَ
فَأَقْطَرَ، قال: وإنما معنى هذا الحديث، أن النبيَّ ◌ََّ كان صائمًا فقَاءَ فَضَعُفَ فَأَفَطَر لذلك.
هكذا روي في بعض الحديث مفسَّرًا. انتهى.
وأورده الشيخ ولي الدين محمد بن عبد الله في ((المشكاة)) بلفظ: ((قَاء فَأَقْطَرَ))، وقال:
رواه أبو داود والترمذي والدارمي (٢). انتهى.
(١) أبو داود، كتاب الصوم. حديث (٢٣٨١)، والترمذي - حديث الباب - والدارمي، كتاب الصوم. حديث
(١٧٢٨).
(٢) أبو داود، كتاب الصوم. حديث (٢٣٨١)، والترمذي - حديث الباب - والدارمي، كتاب الصوم. حديث
(١٧٢٨).

٣٠٣
أبواب الطهارة عن رسول الله رَّةَ / باب مَا جَاءَ فِي الوُضُوء مِنَ القَيْءَ وَالرُّعَافِ
وقال بعْضُ أهلِ العِلْم: لَيْسَ فِي القَيْءِ والرُّعَافِ وُضُوءٌ، وَهُوَ قَولُ مَالِكٍ
والشَّافِعِيِّ.
وأورده الحافظ في ((التلخيص)) بهذا اللفظ حيثُ قال: حديثُ أبي الدرداءِ: ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ
وَلِّ قَاءَ فَأَفْطَرَ)) رواه أحمد وأصحاب السنن الثلاثة وابن الجارود وابن حبان والدارقطني
والبيهقي والطبراني وابن مَنْدَه والحاكم(١) من حديث مَعدان بن أبي طلحة عن أبي الدرداء؛
((أنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ قَاءَ فَأَفْطَرَ))، قال مَعدان: ((فلقيتُ ثوبان في مسجد دمشق .... )) إلخ،
ورواه الطحاوي بهذا اللفظ في ((شرح الآثار))، فمن يروم الاستدلال بحديث الباب على أن
القيء ناقضٌ للوضوء؛ لا بدَّ له من أن يثبت أن لفظ: ((توضّأ)) بعد لفظ: ((قاء)) محفوظُ، فما
لم يثبت هذان الأمران لا يتمُّ الاستدلال.
واستدلَّ لهم أيضًا: بحديث عائشة، أنَّ رسولَ اللهِ وََّ قال: ((مَن أصَابهُ قِيءٌ أو رُعافٌ أو
قلسٌ أو مذيٌّ؛ فليَنْصِرِف فليَتَوَضَّأ، ثُمَّ لِيَبْنِ على صلاتهِ، وهو في ذَلكِ لا يَتَكَلَّم)) أخرجه ابن
ماجه(٢) .
قلت: هذا حديث ضعيفٌ، فإنه من رواية إسماعيل بن عيَّاش عن ابن جُريج، وهو
حجازي، ورواية إسماعيل عن الحجازيين ضعيفةٌ، ثم الصوابُ أنه مُرسَلٌ.
واستدل لهم أيضًا بأحاديث أخرى ذكرها الزيلعيُّ في ((نصب الراية))، والحافظ في
((الدراية))، وكلها ضعيفة لا يصلُح واحدٌ منها للاستدلال، مَن شاء الوقوفَ عليها وعلى ما
فيها من الكلام فليرجع إلى هذين الكتابينٍ، قال النووي في ((الخلاصة)): ليس في نقض
الوضوء وعَدَم نقضه بالدَّم والقيءٍ والضَّجكِ في الصلاة حديثٌ صحيحٌ. انتهى. كذا في
((نصب الراية)) ص ٢٣.
(وقال بعض أهل العلم: ليس في القيء والرعاف وضوءٌ، وهو قول مالك والشافعي)،
فعند مالك: لا يتوضَّأ من رُعَافٍ ولا قَيءٍ ولا قَيحِ يسيلُ من الجسد، ولا يجبُ الوضوء إلَّا
من حَدَثٍ يخرجُ من ذكرٍ أو دُبُرٍ، وقيلَ: ومن نوم، وعليه جماعةُ أصحابه، وكذلك الدمُ عنده
(١) ابن الجارود. حديث (٨)، وابن حبان. حديث (١٠٩٧)، والطبراني في ((الأوسط)). حديث (٣٧٠٢)،
والدارقطني (١٥٨/١). حديث (٣٦)، والبيهقي في ((الكبرى)). حديث (٦٥٤)، والحاكم (١٥٥٣) وقال: على
شرط الشيخين.
(٢) ابن ماجه، كتاب الصلاة. حديث (١٢٢١)، وفي إسناده: إسماعيل بن عياش وهو ضعيف الحديث فيما روى
عن أهل الحجاز، وهذا منها .

٣٠٤
أبواب الطهارة عن رسول الله وَ ﴿ / باب مَا جَاءَ فِي الوُضُوء مِنَ القَيْء وَالرُّعَافِ
يخرجُ من الدبر: لا وضوءَ فيه؛ لأنه يشترط الخروجَ المعتاد، وقول الشافعيّ في الرُّعاف
وسائر الدماء الخارجة، كقوله إلَّا ما يخرج من المخْرَجينِ، سواءٌ كان دمًا أو حصاةً أو دودًا
أو غيرَ ذلك، وممَّن كانَ لا يَرَى في الدماء الخارجة من غيرِ المَخْرَجَيْنِ الوضوءَ: طاوسٌ
ويحيى بن سعيد الأنصاريُّ وربيعةُ بن عبد الرحمن وأبو ثور، كذا قال ابن عبد البر في
((الاستذكار))، وقال البخاريُّ في ((صحيحه)) (١): وقال الحسن: ما زال المسلمونَ يُصَلُّونَ في
جراحاتهم، وقال طاوسٍ، ومحمَّد بن عليٍّ، وعطاء، وأهل الحجاز: ليس في الدم وضوءٌ.
انتهى. قال الحافظ في ((الفتح)): قوله: ((وأهل الحجاز)) هو من عَطف العامٌّ على الخاصِّ؛
لأن الثلاثة المذكورين قبلُ حجازيُّونَ، وقد رواه عبد الرزاق من طريق أبي هريرة وسعيد بن
جبير، وأخرجه ابن أبي شيبة من طريق ابن عمر وسعيد بن المسيِّب، وأخرجه إسماعيل
القاضي من طريق أبي الزناد عن الفقهاء السبعة من أهل المدينة، وهو قول مالك والشافعي؛
قال: وقد صحَّ أن عمر صلَّى وجرحه ينبعُ. انتهى كلام الحافظ.
قلت: أثر عُمَرَ هذا رواه مالك في ((الموطأ))(٢) وفيه: ((فَصلَّى عُمَر وجُرحُهُ يَثْعَبُ دمًا))،
قال الزرقاني: بمثلثة ثم عين مفتوحة، قال ابن الأثير: أي: يجري. انتهى.
واحتج لمالك والشافعيِّ ومَن تبعهما بما في ((صحيح البخاري)) تعليقًا عن جابر، أن
النبي ◌َ﴿ كان في غزوة ذات الرقاع، فَرُمِيَ رجلٌ بسهم، فنزفه الدَّمُ فَرَكَعَ وسَجَدَ وَمَضَى في
صلاته. انتهى.
أجاب عنه الشيخُ عبد الحق الدهلويُّ في ((اللمعات)): بأنه إنما ينتهضُ حُجَّةً، إذا ثبت
اطلاع النبي ◌َّةِ، على صلاة ذلك الرجل، وقال الخطّابي: ولستُ أدري كيفَ يصحُ
الاستدلال من الخبر، والدمُ إذا سال أصابَ بدنه وجلده وربما أصابَ ثيابه، ومع إصابة شيءٍ
من ذلك - وإن كان يسيرًا - لا تصحُّ صلاة عند الشافعي إلَّا أن يقال: إن الدم كان يجري من
الجراحة على سبيل الدَّفق، حتى لم يُصب شيئًا من ظاهر بدنه، وإن كان كذلك، فهو أمر
عجبٌ. كذا ذكره الُّمُنيُّ. انتهى كلام الشيخ.
قلتُ: حديث جابر المذكورُ صحيحٌ، قال الحافظ في ((فتح الباري)): أخرجه أحمد
(١) البخاري، تعليقًا، كتاب الوضوء. باب من لم ير الوضوء إلا من المخرجين.
(٢) مالك. حديث (٨٤).

٣٠٥
أبواب الطهارة عن رسول الله وَله / باب مَا جَاءَ فِي الوُضُوء مِنَ القَيْء وَالرُّعَافِ
وَقَدْ جَوَّدَ حُسَيْنٌ المُعَلِّمُ هذا الحَدِيثَ. وَحَديثُ حُسَيْنٍ أصَحُّ شَيْءٍ في هذا
الباب. وَرَوَى مَعْمَرٌ هذا الحَدِيثَ عَنِ يَحْيَى بن أبي كَثِيرٍ فَأَخْطَأَ فِيهِ، فقال: عَن
يَعِيشَ بنِ الوَليدِ، عَن خَالِد بْنِ مَعْدَانَ، عَن أبي الدَّرْدَاءِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ الأوزَاعِيَّ،
وقَال: عَن خَالِدِ بن مَعْدَانَ، وَإِنَّمَا هُوَ: مَعْدَانُ بنُ أبي طَلْحَةَ.
وأبو داود والدارقطني، وصحَّحه ابن خزيمة وابن حبَّان والحاكم(١). انتهى. والظاهر: هو
اطلاعُ النبيِّ وَّرِ على صلاة ذلك الرجُلِ؛ فإن صلاته تلك كانت في حالة الحِراسَةِ بأمر النبيِّ
وَ ﴿، وذكر العلّامة العينيّ حديثَ جابرٍ هذا في ((شرح الهداية)) من رواية سنن أبي داود
وصحيح ابن حبَّان والدارقطني والبيهقي، قال: وزاد: ((فبلغ ذلكَ رَسُولَ اللهِ وَِّ، فَدَعَا لَهُمَا))
قال: ولم يأمره بالوضوء، ولا بإعادة الصلاة. انتهى. فإن كان الأمرُ كما قال العينيُّ:
فاطلاعه وَّ﴿ على صلاة ذلكَ الرجُل ثابتٌ، وأما قول الخطابيِّ: ولست أدري كيفَ يصحُّ
الاستدلال .... إلخ، فقال الحافظ ابن حجر بعد ذكره: ويحتمل أن يكون الدَّمُ أصاب
الثوبَ فقط، فنزعه، ولم يسِل على جسمه إلَّا قَدرٌ يسير معفوٌّ عنه، ثم الحجة قائمةٌ به على
كون خروج الدم لا ينقضُ؛ ولو لم يظهر الجوابُ عن كون الدَّم أصابه. انتهى.
وأجاب هؤلاء عما تمسَّك به الأولون: بأن حديثَ أبي الدرداء المذكور في الباب بلفظ: ((إنَّ
رسولَ اللهِ وَ لِقَاءَ فَتَوضأ)» ليسَ بنصِّ صريح في أن القيء ناقضٌ للوضوء كما عرفت، ثم هو مرويٌّ
بهذا اللفظ، وقد روي بلفظ: ((قَاءَ فَأْفطَرَ))، قال الشوكاني في ((النيل)): الحديث عند أحمد
وأصحاب السنن الثلاث وابن الجارود وابن حبَّان والدارقطني والبيهقي والطبراني وابن منده
والحاكم، بلفظ: ((إنَّ رَسُولَ اللهِقَاءَ فَأَقْطَرَ، قال معدان: فَلَقِيتُ ثَوبانَ في مَسْجِدٍ دمشقَ ....
)) الحديث، وبأن حديث عائشة المذكورَ ضعيفٌ لا يصلُحُ للاحتجاج؛ فإنه من رواية إسماعيل بن
عيَّاش عن ابن جريج، وهو حجازي، ورواية إسماعيل عن الحجازيين ضعيفةٌ.
قوله: (وحديث حسين أصح شيء في هذا الباب)، قال ابن منده: إسناده صحيح
متصل، وتركه الشيخان، لاختلاف في سنده، قال الترمذي: جوَّده حُسَيْن، وكذا قال أحمد،
وفيه اختلاف كثير، ذكره الطبراني وغيره؛ كذا في ((النيل)).
(١) أحمد. حديث (١٤٢٨٣)، وأبو داود، كتاب الطهارة. حديث (١٩٨)، وابن خزيمة (٣٦)، والبيهقي في
((الكبرى)). حديث (٦٤٧)، وابن حبان. حديث (١٠٩٦)، والحاكم (٥٥٧) وقال: صحيح الإسناد، ووافقه
الذهبي.

٣٠٦
أبواب الطهارة عن رسول الله وَّر / باب مَا جَاءَ فِي الوُضُوءِ بالنَّبيدِ
٦٥ - باب مَا جَاءَ في الوُضُوءِ بِالنَّبيذِ [ت٦٥، م٦٥]
[٨٨] (٨٨) حدثنا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا شَرِيكُ، عَن أبي فَزَارَةَ، عَن أبي زَيْدٍ، عَن
عَبْدِ الله بنِ مَسْعودٍ، قَالَ: سأَلْنِي النَّبِيُّلَّه: ((مَا فِي إِدَاوتِكَ؟)) فَقُلْتُ: نَبِيذٌ، فَقَالَ:
(«تَمْرَةٌ طَيِّبَةٌ وَمَاءٌ طَهُورٌ)) قَالَ: فَتَوَضَّأَ مِنْهُ. [ضعيف: د: ٨٤، جه: ٣٨٤، حم: ٣٨٠٠].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: وَإِنَّمَا رُوِي هذا الحَديثُ عَن أبي زَيْدٍ عَن عَبْدِ الله، عَن النبي
وَلَ﴿ وَأبو زَيْدٍ رَجُلٌ مَجْهولٌ عِنْدَ أهْلِ الحَديثِ، لا تعْرَفُ لَهُ روايَةٌ غَيْرُ هَذَا
٦٥ - باب الوضُوءِ بِالنَّبيدِ
بفتح النون وكسر الباء: ما يُعملُ من الأشربة من التمر والزبيب والعسل والحنطة
والشعير، نبذتُ التمرَ والعنبَ: إذا تركتُ عليه الماء؛ ليصير نبيذًا، وأنبذته: اتخذته نبيذًا،
سواءٌ كان مسكرًا أم لا، ويقال للخمر المعتصر من العنب: نبيذ؛ كما يقال للنبيذ: خَمْرٌ؛
قاله ابن الأثير في ((النهاية)).
[٨٨] قوله: (نا شريك) هو شَريكُ بن عبد الله النخعيُّ الكوفي، (عن أبي فزارة) اسمه:
راشد بن كيسان الكوفي، ثقة من الخامسة، (عن أبي زيد) مجهولٌ ليس يُدرى مَن هو، ولا
يُعرفُ أبوه ولا بلده.
قوله: (سألني النبيُّ نَّهِ: ما في إداوتك؟) بكسر الهمزة: إناء صغير من جلدٍ يُتَّخَذُ للماء،
وفي رواية أبي داود(١) ((أنَّ النبي ◌ََّ قالَ لهُ ليلةَ الجنِّ: ما فِي إِدَاوَتِكَ؟)) (فقال) أي: النبيُّ
وَدجلة: (تمرة طيبة، وماء طهور) بفتح الطاء، أي: النبيذ ليس إلَّا تمرة وهي طيبة، وماء وهو
طهور؛ فليس فيه ما يَمْنَعُ التوصُّؤَ.
قوله: (وإنما رُوي هذا الحديث عن أبي زيد عن عبد الله عن النبي وَّر، وأبو زيد رجل
مجهول عند أهل الحديث) قال الحافظ الزيلعيُّ في ((نصب الراية)): قال ابن حبَّان في ((كتاب
الضعفاء»: أبو زيد: شيخٌ يروي عن ابن مسعود، ليس يدرى من هو ولا أبوه ولا بلده، ومَن
كان بهذا النعت، ثم لم يرو إلَّا خبرًا واحدًا خالفَ فيه الكتابَ والسنَّةَ والإجماعَ والقياسَ؛
استحقَّ مجانبة ما رواه. انتهى.
(١) أبو داود، كتاب الطهارة. حديث (٨٤).

٣٠٧
أبواب الطهارة عن رسول الله وَلَه / باب مَا جَاءَ فِي الوُضُوءِ بالنَّبيذِ
الحَديثِ. وَقَدْ رأى بَعْضُ أهلِ العلمِ الوُضُوءَ بِالنَّبِيذِ، مِنْهُمْ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وغَيْرُهُ.
٠٠
وقال ابن أبي حاتم في كتابه ((العلل)): سَمِعْتُ أبا زُرْعَة يقُولُ: حديث أبي فَزَارَةَ بالنَّبيذِ
ليس بصحيح، وأبو زيد مجهول، وذكر ابن عديٍّ عن البخاريِّ قال: أبو زيد الذي رَوى
حديث ابن مسعود في الوضوء بالنبيذ مجهولٌ لا يعرفُ بصحبة عبد الله، ولا يصحُّ هذا
الحديث عن النبيِّ وَّ وهو خلاف القرآن. انتهى.
قال القاري في ((المرقاة)): قال السيد جمال: أجمع المحدِّثون على أن هذا الحديث
ضعيفٌ. انتهى.
وقال الحافظ في ((فتح الباري)): هذا الحديثُ أطبقَ علماءُ السَّلفِ على تضعيفه. انتهى.
وقال الطحاويُّ في (معاني الآثار))(١): إن حديث ابن مسعود رُوي من طرق لا تقُومُ
بمثلها حجة. انتهى.
والحدیثُ أخرجه أبو داود وابن ماجه.
قوله: (وقد رأى بعض أهل العلم الوضُوءَ بالنبيذ، منهم: سفيان وغيره) ومنهم أبو حنيفة.
قال في ((شرح الوقاية)): فإن عَدِمَ الماء إلَّا نبيذَ الثَّمرِ، قال أبو حنيفة بالوضوء به فقط،
وأبو يوسف بالتيمم فَحَسب، ومحمَّد بهما. انتهى.
واستدلَّ لهم بحديث عبد الله بن مسعود المذكور في الباب، وقد عَرَفتَ أنه ضعيف لا
يصلح للاحتجاج.
ورُويَ أن الإمام أبا حنيفة رَجَعَ إلى قول أبي يوسف، قال القاري في ((المرقاة)): وفي
((خزانة الأكمل)) قال: التوضؤ بنبيذ التمرِ جائزٌ من بين سائر الأشربة عند عدم الماء، ويتيمَّم
معه عند أبي حنيفة، وبه أخذ محمَّد، وفي رواية عنه: ((يَتَوضَّأ ولا يَتَيَمَّم))، وفي رواية:
(يَتَيَمَّم ولا يَتَوَضَّأ))؛ وبه أخذ أبو يوسف، وروى نُوحٌ الجامعُ أن أبا حنيفة رَجَعَ إلى هذا
القول. انتهى.
وقال العيني في ((شرح البخاري)) ص ٩٤٨ ج ١ ما لفظه: وفي ((أحكام القرآن)) لأبي بكر
الرازي: عن أبي حنيفة في ذلك ثلاث روايات:
إحداها: يتوضأُ به، ويشترط فيه النيةُ، ولا يتِيمَّم، وهذه هي المشهورة.
(١) انظر ((شرح معاني الآثار)) (٥٧٢).

٣٠٨
أبواب الطهارة عن رسول الله نَّه / باب مَا جَاءَ فِي الوُضُوءِ بالنَّبِيدِ
وَقَالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: لا يُتَوَضّأُ بِالنَّبِيذِ، وهو قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ.
وقَالَ إِسْحَاق: إن ابْتُلِيَ رَجُلٌ بِهِذَا فَتَوَضأَ بِالنَّبيذِ وَتَيَمَّمَ أحَبُّ إِلَيّ.
قَالَ أبُو عِيْسَى: وَقَوْلُ مَن يَقولُ: لا يُتَوَضَّأُ بِالنَّبِيذِ، أقْرَبُ إلى الكتَابِ وَأَشْبَهُ،
لأَنَّ الله تَعَالى قَالَ: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءُ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦].
وقال قاضيخان: هو قوله الأول، وبه قال زُفَرُ.
والثانية: يتيمَّم ولا يتوضأُ؛ رواها عنه نُوحُ بن أبي مريم، وأسد بن عمر، والحسن بن زياد.
قال قاضيخان: وهو الصحيح عنه، والذي رَجَعَ إليها، وبها قال أبو يوسف وأكثر
العلماء، واختار الطحاوي هذا.
والثالثة: روي عنه الجَمْعُ بينهما، وهذا قول محمَّد. انتهى.
(وقال بعض أهل العلم: لا يتوضأ بالنبيذ، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق)، وبه
قال أكثر العلماء وجمهورهم، ودليلهم: أن النبيذ ليس بماءٍ، وقال الله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ
مَآءُ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦] وأجابوا عن حديث الباب: بأنه ضعيفٌ لا يصلحُ
للاحتجاج، وضعَّف الطحاوي أيضًا حديث عبد الله بن مسعود، واختار أنه لا يجوزُ بالنبيذ
الوضوءُ في سفرٍ ولا في حضرٍ .
وقال: إن حديث ابن مسعود رُوي من طُرُقٍ لا تقومُ بمثلها حُجَّةٌ، وقد قال عبد الله بن
مسعود: إني لم أكن ليلة الجنِّ مع النبيِّ ◌ََّ، ووددتُ أني ◌ُنْتُ معه(١).
وسئل أبو عُبيدَةً، هل كان أبوك ليلةَ الجنِّ مع النبيِّ وَّل، فقال: لا (٢)، مع أن فيه
انقطاعًا؛ لأن أبا عبيدة لم يسمَع من أبيه، ولم نَعْتَبر فيه اتصالًا ولا انقطاعًا، ولكنا احْتَجَجْنَا
بكلام أبي عُبَيْدة؛ لأن مثله في تقدُّمه في العلم ومكانه من أمره لا يخفى عليه مثلُ هذا،
فجعلنا قوله حُجَّةً فیه. انتهى.
(وقول من قال: لا يتوضَّأ بالنبيذ أقرب إلى الكتاب وأشبه؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَلَمْ
تَجِدُواْ مَآءٍ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيًِّا﴾ [المائدة: ٦]) أي: والنبيذُ ليس بماءٍ.
قال ابن العربي في ((العارضة)): والماء يكون في تصفيته ولَونِهِ وَطعْمِهِ، فإذا خَرَجَ عَن
إحداها لم يكن ماء.
(١) سيأتي في ((سنن الترمذي))، كتاب تفسير القرآن. حديث (٣٢٥٨).
(٢) الدارقطني (٧٧/١). حديث (١٣).

٣٠٩
أبواب الطهارة عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاءَ فِي الوُضُوءِ بالنَّبِيدِ
وقال: فلم يجعل بين الماء والتيعُم واسطةً، وهذه زيادة على ما في كتاب الله عزَّ وجلَّ،
والزيادة عندهم على النَّص نسخٌ، ونسخُ القرآنِ - عندهم - لا يجوزُ إلَّا بقرآنٍ مثلهِ أو بخبَرٍ
متواترٍ، ولا يَنْسَخُ الخَبَرُ الواحدُ إذا صحَّ، فكيف إذا كان ضعيفًا مطعونًا فيه. انتهى.
تنبيه: قال صاحب ((العرف الشذي)): وأما قوله: إنه يلزم الزيادة على القاطع بخبر الواحد.
فالجواب: أنه وإن كان الماء المنبذ مقيدًا في بادئ الرأي، إلَّا أن العرب يستعملون
النبيذ موضِعَ الماء المطلق، فلم يكُن على طريق التفُّه، بَل يكون مثل الماء المخلُوطِ بالثلج
المستَعْمَلِ في زماننا؛ فإنه لا يقولُ أحد: بأنه ماء مقيد. انتهى.
قلت: هذا الجوابُ واهٍ جدًّا؛ فإن النبيذ لو كانَ مثل الماءِ المخلوطِ بالثلج؛ لم يقع
الاختلافُ في جواز التوضُّؤْ به عند عَدِم الماء، بل يجوزُ الوضوءُ به عند وجود الماء أيضًا،
كما يجوز الوضوء بالماء المخلوط بالثلج عند وجود الماء الخالِص بالاتفاقِ.
والعجبُ كُلَّ العَجَب أنه كيف تفوَّه بأن النبيذ مثلُ الماء المخلوطِ بالثلج، ومعلومٌ أن
الثلج نوعٌ من أنواع المياهِ الصِّرفةِ، فالماء المخلوطُ به ماءٌ صِرْفٌ، وأما النبيذ: فليس بماء
صرف بل هو ماءٌ اختلطَ به أجزاءُ ما أُلقِيَ فيه من التمر وغيره، وصار طعمه حُلوًا بحيثُ زال
عنه اسمُ الماء؛ ألا ترى أنه وَقَعَ في بعض الرواياتِ، أنه وَّ سأل ابنَ مَسْعُودٍ: ((هل مَعَكَ
ماءٌ؟)) فقال: لا، مع أنه كان معهُ النبيذ.
قال الزيلعيُّ في ((نصب الراية)): إنه - عليه السلام - قال: ((هَل معكَ مَاءٌ؟)) قالَ: لا؛ فدلَّ
على أن الماء استحال في الثَّمر؛ حتى سلب عنه اسمَ الماء؛ وإلا لما صحَّ نفيه عنه. انتهى.
وأما قوله: ((إن العرب يستعملون النبيذ موضع الماء المُطلقِ ... )) إلخ: فلا يجدي نفعًا؛
فإن باستعمالهم شيئًا غير الماء مكانَ الماء المطلق؛ لا يكون ذلك الشيء عند الشرع ماءً
مطلقًا وفي حکمه.
واعلم: أن هذا الإشكال الذي ذكره القاضي أبو بكر بن العربيِّ عسيرٌ جدًّا على الحنفية
لا يمكنُ منهم دفعه، ولو كان بعضُهُم لبعض ظھیرًا .
وأما ما قيل من أن حديث النبيذِ مشهورٌ يزاد بمثله على الكتاب؛ فهو مما لا يلتفَتُ إليه؛
فإن شُرَّاح ((الهداية)) قد بيَّنوا أن هذا الحديث ليس مشهورًا بالشهرة الاصطلاحية الذي تجوزُ
به الزيادة، نَعَمْ: له شهرة عُرفيَّةٌ ولغويةٌ؛ كما ذكره صاحب ((السعاية)) وقال الزيلعي في ((نصب
الراية)»: أما كونه مشهورًا؛ فليس يريدُ الاصطلاحيَّ. انتهى.

٣١٠
أبواب الطهارة عن رسول الله وَ لّ / باب في المَضمَضةِ مِنَ اللَّبَن
٦٦ - باب في المَضمَضةِ مِنَ اللَّبَن [ت٦٦، م٦٦]
[٨٩] (٨٩) حدثنا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَن عُقَيلِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَن عُبَيْدِ الله بن
عَبْدِ الله، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أنَّ النَّبِيَّ وَ شَرِبَ لَبَناً، فَدَعَا بِمَاءٍ فَمَضْمضَ، وقال: ((إنَّ
لَهُ دَسَماً)). [خ: ٢١١، م: ٣٥٨، ن: ١٨٧، د: ١٩٦، جه: ٤٩٨، حم: ١٩٥٢].
وأما قول صاحب ((بذل المجهود)): قال به جماعةٌ من كبراء الصحابة، منهم: علي،
وابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس ◌ِّه، فتبين أن الحديث وَرَدَ مورد الشهرة
والاستفاضة، حيث عمل به الصحابة وتَلَّقوه بالقبول، ومثله مما يُنسخُ به الكتاب.
فمَبْنِيٌّ على قلة اطلاعه؛ فإنه لم يثبت بسند صحيح عن أحد من الصحابة التوضُّؤُ بالنبيذ،
قال الحافظ في ((الدراية)): قوله: و((الحديثُ مشهورٌ عمل به الصحابة))، أما الشهرة فليست
الاصطلاحية؛ وإنما يريد شهرته بين الناس، وأما عمل الصحابة: فلم يثبت عن أحد منهم؛
فقد أخرج الدارقطني (١) ذلك من وجْهينٍ ضعيفَين عن علي، ومن وجه آخر أضعَفَ منهما عن
ابن عباس(٢)، ومن طريق أخرى عن ابن عباس مرفوعًا: ((إِذَا لَم يَجِد أحَدُكُم مَاءً ووَجَدَ
النَّبيذَ، فليتَوَضَّأ به))(٣)، وأخرجه من وجه آخر نحوه، وقال: الصواب موقوفٌ على عكرمة،
قال البيهقي (٤): رواه هقلٌ والوليد عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن عكرمة، من
قوله، وکذا قال شيبان وعليُّ بن المبارك عن يحيى. انتهى.
٦٦ - باب مَا جَاءَ في الْمَضْمَضَةِ مِنَ اللَّبَنِ
[٨٩] قوله: (عن عُقَيل) بضم العين مصغرًا هو: ابن خالد بن عقيل، بالفتح، الأيلي،
أبو خالد مولى عثمان، روى عن: القاسم، وسالم، والزهري، وخلق، وعنه: أيوب بن
أيوب، والليث، وثَّقه أحمد، قال أبو حاتم: أثبت من مَعْمَرٍ، مات سنة (١٤١) إحدى
وأربعين ومئة.
قوله: (إن له دسمًا) منصوب على أنه اسم ((إن))، وقدم عليه خبره، والدَّسَمُ بفتحتين:
(١) الدارقطني (٧٨/١) (٢٠)، (٧٩/١) (٢١).
(٢) الدار قطني (٧٦/١) (٨).
(٣) الدار قطني (٧٦/١) (٩).
(٤) انظر ((السنن الكبرى)) للبيهقي (٣٣).

٣١١
أبواب الطهارة عن رسول الله وَّهَ / باب في المَضمَضةِ مِنَ اللَّبَنِ
قَالَ: وفي البابِ: عَن سَهْلِ بْنِ سعد الساعِدِيِّ، وَأُمِّ سَلَمَةَ.
قَالَ أَبُو عِيْسَى: وهذَا حَدِيثٌ حسن صَحِيحٌ. وَقَدْ رأى بَعْضُ أهلِ العلم
المَضْمَضَةَ مِنَ اللَّبَنِ، وَهَذَا عِنْدِنَا عَلَى الاسْتِحْبَابِ، وَلَمْ يَرَ بَعْضُهُمُ المَضْمَضَةَ مِنَ
اللَّنِ.
الشيء الذي يظهر على اللبن من الدهن، وهو بيان لعلَّة المضمضة من اللبن؛ فيدلُّ على
استحبابها من كل شيء دسم، ويستنبط منه استحبابُ غَسْل اليدين للتنظيف؛ قاله الحافظ
وغيره.
قوله: (وفي الباب: عن سهل بن سعد(١)، وأم سلمة(٢)): أخرج حديثهما ابن ماجه؛
قال الحافظ في ((الفتح)): وإسناد كل منهما حسن.
قوله: (وهذا حديث حسن صحيح) هذا أحدُ الأحاديث التي أخْرَجَها الأئمة الخمسة،
وهم: الشيخان، وأبو داود، والنسائي، والترمذي، عن شيخ واحد، وهو قتيبة؛ قاله
الحافظ .
قوله: (وهذا عندنا على الاستحباب).
فإن قلت: روى ابن ماجه(٣) هذا الحديثَ من طريق الوليد بن مسلم، قال: حدثنا
الأوزاعي، فذكره بصيغة الأمر: ((مَضْمِضُوا مِنَ اللَّبن .. )) الحديث، ورواه ابن ماجه من
حديث أم سلمة وسهل بن سعد مثله، وأصل الأمر: الوجوبُ.
قلت: نعم الأصل في الأمر الوجوب؛ لكن إذا وجد دليلُ الاستحباب يُحْمَل عليه،
وهاهنا: دليلُ الاستحباب موجودٌ؛ قال الحافظ في ((الفتح)): والدليل على أن الأمر فيه
للاستحباب ما رواه الشافعيُّ(٤) عن ابن عباس راوي الحديث: ((أَنَّه شَرِبَ لبنًا فَمَضْمَضَ، ثُمَّ
قالَ: لَو لم أَتَمَضْمَض مَا بَالَيْتُ))، وروى أبو داود(٥) بإسناد حسن عن أنسٍ، أن النبيَّ ◌َل
شَرِبَ لبنًا فلم يَتَمضْمَضْ، ولم يَتَوَضَّأ. انتهى كلام الحافظ.
(١) ابن ماجه كتاب الطهارة وسننها حديث (٥٠٠) وفي إسناده عبد المهيمن بن عباس. قال البخاري: منكر
الحديث. لذا فتصحيح الحافظ فيه ما فيه.
(٢) ابن ماجه، كتاب الطهارة وسننها. حديث (٤٩٩).
(٣) ابن ماجه، كتاب الطهارة وسننها. حديث (٤٩٣).
(٤) الشافعي. حديث (٧٢٠).
(٥) أبو داود، كتاب الطهارة. حديث (١٩٧).

٣١٢
أبواب الطهارة عن رسول الله وَلاغير / باب فِي كَرَاهَةٍ رَدِّ السَّلامِ غَيْرَ مُتَوَضِّئٍ
٦٧- باب في كَرَاهَةِ رَدِّ السَّلامِ غَيْرَ مُتَوَضِّئ [ت٦٧، ٦٧٢]
[٩٠] (٩٠) حدثنا نَصْرُ بن عَلِيّ ومُحَمَّدُ بنُ بَشَّار قَالا: حَدَّثَنَا أبو أحْمَد
مُحَمَّد بنُ عَبْدِ الله الزُّبَيْرِيُّ، عَن سُفْيَانَ، عَن الضّخَّاكِ بن عُثمَانَ، عَن نَافعِ، عنِ ابْنِ
عُمَرَ: أَنَّ رَجلًا سَلَّم عَلَى النَّبِيِّ وَّهِ وَهُو يَبُول، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ. [م: ٣٧٠، ن: ٣٧، د:
١٦، جه: ٣٥٣، مي: ٢٦٤١].
فإن قلت: ادعى ابن شاهين أن حديثَ أنسٍ ناسخٌ لحديث ابن عباس.
قلت: لم يقُل به أحدٌ، ومن قال فيه بالوجوب؛ حتَّى يحتاج إلى دعوى النسخ؟! قاله
العيني.
٦٧ - باب في كَرَاهِيَةٍ رَدِّ السَّلامِ غَيْرَ مُتَوَضِّئ
[٩٠] قوله: (قالا: نا أبو أحمد) اسمه: محمد بن عبد الله بن الزُّبَيْر بن عمرو بن درهم
الأسدي الزبيري الكوفي، ثقة ثَبْتُ إلَّا أنه قد يخطئُ في حديث الثوريِّ، من التاسعة، مات
سنة (٢٠٣) ثلاث ومئتين؛ كذا في ((التقريب))، (عن سفيان) هو: الثوري، (عن الضحاك بن
عثمان) بن عبد الله بن خالد بن حزام الأسدي الحِزَاميّ المدني، روى عن: زيد بن أسلم،
ونافع، وخلق، وعنه: الثوري، وابن وهب، ويحيى القطان، وخلق، وثّقه ابن معين،
وأبو داود، وابن سعد، وقال: توفي بالمدينة سنة (١٥٣) ثلاث وخمسين ومئة، وقال أبو
زرعة: ليس بقوي؛ كذا في ((الخلاصة))، وقال في ((التقريب)): صدوق يَهِمُ.
قوله: (فلم يردَّ عليه) في هذا دلالةٌ على أن المُسلِّم في هذه الحالة لا يستحقُّ جوابًا،
وهذا مُتَّفقٌ عليه بين العلماء، بل قالوا: يكره أن يسلّم على المشتغل بقضاء حاجة البول
والغائطِ، فإن سلَّم كره له ردُّ السلام، ويكره للقاعدِ لقضاء الحاجة أن يَذْكرَ اللهَ تعالى بشيء
من الأذكار، فلا يرد السلام ولا يشمِّت العاطس ولا يَحْمَدِ الله تعالى إذا عَطَسَ، وفي حديث
جابر بن عبد الله عند ابن ماجه(١): ((أنَّ رَجُلًا مَرَّ على النَّبِيِّ نَّهِ وهُوَ يَبُولُ، فَسَلَّم عَلَيه، فَقَالَ
لهُ رَسُولُ اللهِ وََّ: إِذَا رَأيْتَني على مِثلِ هذهِ الحالةِ، فَلا تُسلِّم عَلَيَّ؛ فإنَّك إن فَعَلتَ ذلكَ لم
أَرُدَّ عليكَ)) .

٣١٣
أبواب الطهارة عن رسول الله وَليه / باب فِي كَرَاهَةِ رَدِّ السَّلامِ غَيْرَ مُتَوَضِّئٍ
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَإِنّمَا يُكْرَهُ هذَا عِنْدِنَا إذا كانَ عَلَى
الغَائِطِ وَالبَوْلِ، وَقَدْ فَسَّرَ بَعْضُ أهْلِ العلم ذلِكَ. وَهذَا أحْسنُ شَيْءٍ رُوِي في هذَا
الباب.
قَالَ أَبُو عيسى: وفي البابِ عَن المُهَاجرِ بن قُنْفُذٍ، وعبدِ الله بن حِنْظَلَةَ،
وعَلْقَمَةَ بن الفغْوَاء، وجَابٍ، والبَراءِ.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) أخرجه الجماعة إلَّا البخاريُّ.
قوله: (وإنما يكره هذا) أي: رد السلام، (إذا كان) أي: الذي سُلِّم عليه (على الغائط
والبول)، أما إذا فرغ وقام، فلا كراهة في ردِّ السلام، وعلى هذا فلا مطابقة بين الحديثِ
والباب؛ إذ الحديثُ خاصٌّ والبابُ عامٌّ.
قوله: (وفي الباب: عن المهاجر بن قنفذ، وعبد الله بن حنظلة، وعلقمة بن الفغواء،
وجابر، والبراء):
أما حديثُ المهاجر بن قنفذ: فأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه (١) بلفظ: ((إنَّه سَلَّم
على النَّبِيِّ وَّهِ وَهُوَ يَتَوِضَّأُ، فَلَم يَرُدَّ عَلَيْهِ حتَّى فَرَغَ من وضُوئِهِ، فَرَدَّ عَليْهِ، وقال: إنَّه لَم
يَمْنَعْني أن أرُدَّ عَليْكَ إلَّا أنَّ كَرِهْتُ أن أَذْكُرَ الله إلَّا على طهارةٍ))، ولفظ أبي داود: ((وَهُوَ
يُبُولُ))، وأما حديث عبد الله بن حنظلة: فأخرجه أحمد (٢) بلفظ: ((إنَّ رجُلًا سَلَّمَ على النَّبيِّ
﴿ِّ وَقَد بَالَ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْه النَّبيُّ ◌َهِ حَتَّى قَالَ بِيَدِهِ إلَى الحَائِطِ)) يَعْنِي: ((أنَّه تَيَمَّمَ)). قال
الهيثمي في ((مجمع الزوائد)): فيهِ رجل لم يُسَمَّ. انتهى، وأما حديث علقمة بن الفَغْواءِ:
فأخرجه الطبراني في ((الكبير))(٣) بلفظ: قالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ بَّهِ إِذَا أَهْرَقَ المَاءَ، نُكَلِّمُهُ فَلا
يُكَلِّمِنَا حتَّى يَأْتِيَ مَنْزِلُهُ، فَيَتَوضَّأ وضُوءَهُ الصَّلاة، قُلنَا: يَا رَسُولَ الله، نُكلِمُك فَلا تُكلِّمنا،
ونُسَلِّمُ عليك فَلا تردُّ عَلَيْنَا، حتَّى نَزِلَت آيَةُ الرُّخْصَة: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى
الصَّلَوَةِ﴾ [المائدة: ٦] الآية، قال الهيثمي: وفيه جابر الجعفيُّ، وهو ضعيف. انتهى، وأما
حديث جابر، وهو ابن عبد الله: فأخرجه ابن ماجه(٤)، وقد تقدَّم لفظه، وفي الباب: عن
(١) أبو داود، كتاب الطهارة. حديث (١٧)، والنسائي، كتاب الطهارة. حديث (٣٨)، وابن ماجه، كتاب
الطهارة. حديث (٣٥٠).
(٢) أحمد. حديث (٢١٤٥٢).
(٣) الطبراني في ((الكبير)) (٦/١٨).
(٤) ابن ماجه، كتاب الطهارة وسننها. حديث (٣٥٢).

٣١٤
أبواب الطهارة عن رسول الله وَله / باب مَا جَاءَ فِي سُؤْرِ الكلْبِ
٦٨ - باب مَا جَاءَ في سُؤَّرِ الكلْبِ [ت٦٨، ٦٨٢]
[٩١] (٩١) حدثنا سَوَّارُ بنُ عبدِ الله العَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا المعْتَمِرُ بنُ سليمانَ، قَالَ:
سَمِعْتُ أيُّوبَ يحَدِّثُ، عَن محمدِ بنِ سيرينَ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َّ أنَّهُ
قَالَ: ((يُغْسَلُ الإناءُ إذَا ولغَ فيهِ الكَلْبُ سَبَع مراتٍ:
جابر بن سمرة أيضًا، قال: ((دَخَلتُ على رَسُولِ اللهِ وَّةِ وهو يَبُولُ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْه، فَلَم يَرُدَّ
عليَّ ثُمَّ دَخَلَ بَيْتَه فَتَوضَّأ، ثُمَّ خَرَجَ، فقالَ: وَعَلَيْكُمُ السَّلامُ)) ؛ أخرجه الطبراني(١) في
((الكبير)) و((الأوسط)) وقال: تفرَّد به الفضلُ بن أبي حسان، قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)):
لم أجد مَن ذكره، وأما حديث البراء، وهو ابن عازب: فأخرجه الطبراني (٢) في ((الأوسط))
بلفظ: ((إنَّه سَلّمَ على النَّبِّ ◌َِّ وهو يَبُولُ، فَلم يَرُدَّ عليه السلام حتَّى فَرَغَ»، قال الهيثمي: فيه
مَن لم أعرفه. انتهى.
٦٨ - باب مَا جَاءَ في سُؤْرِ الكَلْبِ
[٩١] قوله: (حدّثنا سَوّار) بفتح السين وتشديد الواو، (ابن عبد الله العنبري) التميميُّ
البصري، قاضي الرصافة وغيرها، ثقة، من العاشرة، غَلِطَ مَن تَكلّم فيه؛ قاله الحافظ، روى
عن: معتمر بن سليمان، ويزيد بن زُرَيع، وغيرهما، وعنه: أبو داود، والترمذي، والنسائي
ووثَّقه، قال ابن حبَّان في ((الثقات)): مات سنة (٢٤٥) خمس وأربعين ومئتين، (نا المعتمر
بن سليمان) التيميُّ أبو محمد البصري، أحد الأعلام، يلقَّب بـ ((الظُّفيلِ)) ثقة، مات سنة
(١٨٧) سبع وثمانين ومئة، (قال: سمعت أيوب) بن أبي تميمة كيسان السختيانيّ البصريّ،
الفقيه، أحد الأئمة الأعلام، ثقة، ثَبت، حجة، من كبار الفقهاء، مات سنة (١٣١) إحدى
وثلاثين ومئة، وله خمس وستون، [روى] عن: محمد بن سيرين الأنصاري البصري، ثقة،
ثبت، عابد، كبير القدر، كان لا يرى الرواية بالمعنى، من الثالثة، مات سنة (١١٠) عشرة
ومئة.
قوله: (إذا ولغ) يقال: وَلَغَ يَلَغُ، بالفتح فيهما: إذا شَرِبَ بطرف لسانه، أو أدخل لسانه
فيه فحرَّكه، وقال ثعلب: هو أن يدخل لسانه في الماء وغيره، من کل مائع فیحرِّكه، زاد ابن
(١) الطبراني في ((الكبير)) (٦/١٨). حديث (٣).
(٢) الطبراني في «الأوسط)). حديث (٧٧٠٦).

٣١٥
أبواب الطهارة عن رسول الله وَّر / باب مَا جَاءَ فِي سُؤْرِ الكلْبِ
أولاُهُنّ، أو أُخْرَاهُنَّ بالترابِ، وإذَا وَلغتْ فيهِ الهِرَّةُ غُسلَ مرةً)). [خ مختصراً: ١٧٢،
م: ٢٧٩، ن مختصراً: ٦٣، د: ٧١، جه مختصراً: ٣٦٣، حم بنحوه: ٩٢٢٧، طا مختصراً: ٦٧، كلهم رووه
بلفظ: ((أولاهن بالتراب)) بدل: ((أولاهن أو أخراهن بالتراب)) ودون ذكر الهرة] .
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وهو قَوْلُ الشّافِعيِّ وأحمدَ
وَإِسْحَاقَ.
دَرَستويهِ: شرب أو لم يَشْربْ؛ كذا في ((الفتح))، (أولاهن أو أخراهن بالتراب) كذا في رواية
الترمذي، وفي رواية مسلم وغيره من طريق هشام بن حسَّان عن ابن سيرين: ((أولاهُنَّ)).
قال الحافظ في ((الفتح)): هي رواية الأكثر عن ابن سيرين، ثم ذكر الروايات المختلفة في
محلِّ غَسلَةِ التَّتريبِ، ثم قال: ورواية ((أولاهُنَّ)) أرجحُ من حيث الأكثريةُ والأحفظيةُ، ومن
حيث المعنى أيضًا؛ لأن تتريب الأخيرة يقتضي الاحتياج إلى غسلة أخرى لتنظيفه. انتهى.
فقوله: ((أولاهنَّ أو أخراهنَّ بالتُّرابِ)) في رواية الترمذي: إن كانت كلمة ((أو)) فيه للشكِّ
من الراوي؛ فيرجع إلى الترجيحِ، وقد عَرَفتَ أن روايَة أولاهنَّ أرجح، وإن كانَت من كلامٍ
النبيِّ مَلَّ؛ فهو تخييرٌ منه.
قوله: (وإذا ولغت فيه الهرة غسل مرة) هذه الجملةُ ليست من الحديث المرفوعِ، بل هي
مدرجةٌ، وسيجيء تحقيقُهُ.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح)؛ وأخرجه مالك وأحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه.
قوله: (وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق) قال الشوكانيُّ في ((النيل)): والحديث يدل
على وجوب الغسلات السبع من ولوغ الكلب.
وإليه ذهب: ابن عباس، وعروة بن الزبير، ومحمد بن سيرين، وطاوس، وعمرو بن
دينار، والأوزاعي، ومالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو عبيد،
وداود. انتھی.
وقال النووي: فيه وجوبُ غَسلِ نجاسة ولوغِ الكلب سَبْعَ مراتٍ، وهذا مذهبنا ومذهبُ
مالك والجماهير، وقال أبو حنيفة: يكفي غسله ثلاث مرَّات. انتهى.
وقال الحافظ في ((الفتح)): أما الحنفية فلم يقولُوا بوجوب السَّبع، ولا التتريب، واعتذر
الطحاويُّ وغيره عنهم بأمور:

٣١٦
أبواب الطهارة عن رسول الله وَّه/ باب مَا جَاءَ فِي سُؤْرِ الكلْبِ
منها : كون أبو هريرة راويه أفتى بثلاث غسلات، فَثَبتَ بذلك نَسْخُ السبع.
وتعقب بأنه يحتمل أن يكون أفتى بذلك؛ لاعتقاده ندبية السبع لا وجوبها، أو كان نَسِيَ
ما رواه ومع الاحتمال، لا يثبت النسْخُ.
وأيضًا: فقد ثبت أنه أفتى بالغسل سبعًا، ورواية من روى عنه موافقة فتياه لروايته أرجح
من رواية من روى عنه مخالفتها من حيث الإسنادُ ومِن حَيثُ النَّظَرُ.
أما النظر: فظاهر.
وأما الإسناد؛ فالموافقة: وردت من رواية حمّاد بن زيد عن أيُّوب عن ابن سيرين، عنه،
وهذا من أصح الأسانيد.
وأما المخالفة: فمن رواية عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عنه، وهو دون الأوَّل
في القُوَّة بكثير.
ومنها: أن العذرة أشدُّ في النجاسة من سُؤر الكلب، ولم يقيَّد بالسبع؛ فيكون الولوغ
کذلك من باب الأولى.
وأجيب: بأنه لا يلزمُ من كونها أشَدَّ منه في الاستقذارِ ألا يكونَ أشدَّ منها في تغليظ
الحكم، وبأنه قياسٌ في مقابلة النَّصِّ؛ وهو فاسد الاعتبار.
ومنها: دعوى أن الأمر بذلك كان عِنْدَ الأمر بقتل الكِلَابِ، فلما نهي عن قتلها نسخ
الأمر بالغسل. وتعقّب: بأن الأمر بقتلها كان في أوائل الهجرة، والأمر بالغسلِ متأخرٌ جدًّا؛
لأنه من رواية أبي هريرة وعبد الله بن مغفَّل، وقد ذكر ابن مغفَّل أنه سمع النبيَّ بَّ يأمر
بالغسلِ، وكان إسلامه سنة سَبْع كأبي هريرة، بل سياقُ مُسْلِمٍ ظاهر في أن الأمر بالغَسْلِ كان
بعد الأمر بقتلِ الكلاب. انتهى كلام الحافظ.
تنبيه: ذكر النيمويُّ فعل أبي هريرة عن عطاء عن أبي هريرة؛ أنه قال: ((إِذَا ولغَ الكلبُ
في الإناء، غَسَلهُ ثلاثَ مَرَّاتٍ)) قال: رواه الدار قطني وآخرون، وإسناده صحيح، ثم ذكر قول
أبي هريرة عن عطاء عن أبي هريرة، قال: ((إذا ولغ الكلبُ في الإناء، فأهْرقهُ، ثُمَّ اغسلهُ
ثَلاثَ مرات)) قال: رواه الدارقطني والطحاوي، وإسناده صحيح (١). انتهى.
(١) الدار قطني (١ / ٦٦).

٣١٧
أبواب الطهارة عن رسول الله وَ ﴿/ باب مَا جَاءَ فِي سُؤْرِ الكلْبِ
قلت: مدار فعل أبي هريرة وقوله على عبد الملك بن أبي سليمان، لم يروهما غيره،
وهو - وإن كان ثقة - لكن كان له أوهامٌ، وكان يخطئ.
قال الحافظ في ((التقريب)): صدوق له أوهام.
وقال الخزرجيُّ في ((الخلاصة)): قال أحمد: ثقة يخطئ.
قال الدار قطنيُّ - بعد روايته - هذا موقوف، ولم يروه هكذا غيرُ عبد الملك عن عطاء. اهـ.
قال البيهقي: تفرَّد به عبد الملك من أصحاب عطاء، ثم عطاءٌ من أصحاب أبي هريرة،
والحُفَّاظ الثقاتُ من أصحاب عطاءٍ وأصحابٍ أبي هريرة يَرْوونَ سبع مرات، وفي ذلك دلالةٌ
على خطأ رواية عبد الملك بن أبي سليمان عَن عطاء عن أبي هريرة في الثلاث، وعبدُ المَلِكِ
لا يُقْبَل منه ما يخالفُ الثقات؛ [و] لمخالفته أهل الحفظ والثقة في بعض رواياته: تركه
شعبة بن الحجّاج، ولم يحتج به البخاري في ((صحیحه)). انتهى.
كذا ذكر العيني كلام البيهقيِّ في ((شرح البخاري))، ولم يتكلّم عليه إلَّا أنه نَقَلَ عن أحمد
والثوري، أنه من الحُفَّاظ، وعن الثوريِّ: هو ثقة فقيه متقنٌ، وعن أحمد بن عبد الله: ثقة
ثبتٌ في الحديث.
وقد عرفت أنه ثقةٌ يخطئ وله أوهامٌ، ولم يحتج به البخاريُّ في ((صحيحه))، فكيف ما
رواه مخالفًا، وقد ثَبتَ عن أبي هريرة بإسناد أصحّ من هذا؛ أنه أفتَى بِغَسْلِ الإناءِ سَبْعَ مراتٍ
موافقًا لحديثه المرفوع، ففي ((سنن الدارقطني)) (١) ص ٣٣: حدثنا المحاملي، نا حجاج بن
الشاعر، نا عارم، نا حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد، عن أبي هريرة في الكَلب يلغُ في
الإناء، قال: ((يُهْراقُ ويُغْسَلُ سَبْعَ مرَّاتٍ))، قال الدارقطني: صحيح موقوف. انتهى.
وقول أبي هريرة هذا أرجحُ وأقوَى إسنادًا من قوله وفعله المذكورينِ المخالفينِ لحديثه
المرفوع؛ كما عرفتَ في كلام الحافظ، فقوله الموافقُ لحديثه المرفوع؛ يقدَّمُ على قوله وفعله
المذكورينِ، وأما قول النيمويُّ في التعليق: ولم يرو أحد من أصحابه - يعني أصحاب
أبي هريرة - أثرًا من قوله أو فعله خلاف ما رواه عنه عطاء إلَّا ابنُ سيرينَ في رواية عند
البيهقيِّ (٢)، قال في ((المعرفة)): وروينا عن حمَّاد بن زيد ومعتمر بن سليمان عن أيوب عن
(١) الدار قطني (٦٤/١) (٣).
(٢) ((معرفة السنن والآثار)) تحت رقم (٤٧٠).

٣١٨
أبواب الطهارة عن رسول الله رَ ◌ّد / باب مَا جَاءَ فِي سُؤْرِ الكلْبِ
محمد بن سيرين عن أبي هريرة من قوله، نحوَ روايته عن النبيِّ بَّه، قال: ولم يذكر السَّندَ
حتَّى ينظر فيه. انتهى. فمبنيٌّ على قصور نظره أو على فرطِ تعصبه؛ فإن البيهقيَّ؛ وإن لم
یذکر سنده، فالدارقطنيُّ ذكره في ((سننه))، وقال - بعد روايته ـ: صحيح موقوف، وقد صرَّح
الحافظ في ((الفتح)): بأنَّ سنده أرجحُ وأقوى من سند قوله المخالف لحديثهِ.
والعجبُ من النيموي أنه رأى في ((سنن الدارقطني)) قول أبي هريرة المخالفَ لروايته
ونقله منه، ولم ير فيه قولهُ الموافق لحديثه؛ وكلاهما مذكوران في صفحةٍ واحدةٍ.
تنبيه آخر: قال صاحب ((العرف الشذي)): وجوابُ الحديث من قِبَلنَا: أن التَّسبيعَ
مستحبُّ عندنا؛ كما صرَّح به الزيلعيُّ شارحُ ((الكنز))، ثم وجدته مرويًّا عن أبي حنيفة في
((تحرير ابن الهُمَام)). انتهى.
قلت: فبطل بهذا قولُكُم بادعاءِ نَسْخِ التَّسْبيع يا معشرَ الحنفية، ثم حملُ الأمر بالتسبيع
على الاستحباب ينافيه قولُهُ بَّه: ((طُهُور إناءِ أحَدِكم .... )) الحديث.
ثم قال: ولو كان التسبيعُ واجبًا، كيف اكتفى بالتثليث؟ قلتُ: تقدَّم جوابه في كلام
الحافظ .
ثم قال: وفتوى التَّثليثِ مرفوعةٌ في ((كامل ابن عدي)) عن الكرابيسيِّ وهو: حسين بن
علي تلميذُ الشافعيّ، وهو حافظ إمامٌ، فالحديث حسنٌ أو صحيحٌ.
قلت: تفرَّد برفعها الكرابيسيُّ، ولم يتابعه على ذلك أحدٌ، وقد صرَّح ابن عدي في
((الكامل)) بأن المرفوع منكرٌ، قال الحافظ في ((لسان الميزان)) ما لفظه: قال - يعني: ابن
عدي(١) -: حدثنا أحمد بن الحسن، ثنا الكرابيسي، ثنا إسحاق الأزرق، ثنا عبد الملك، عن
عطاء، عن الزهري، رفعه: ((إذَا وَلَغَ الكَلبُ في إناءِ أحَدِكُم، فَلْيُهْرِقْهُ ولَيَغْسِلْهُ ثَلاثَ مَرَّاتٍ))،
ثم أخرجه ابن عدي، من طريق عمر بن شبّة، عن إسحاق موقوفًا، ثم قال: تفرَّد الكرابيسي
برفعه، وللكرابيسي كتب مصنَّفة ذكر فيها الاختلاف، وكان حافظًا لها، ولم أجد له منكرًا
غير ما ذكرتُ. انتهى ما في ((اللسان)).
فقول صاحب ((العرف الشذي)): فالحديث حسنٌ أو صحيحٌ ليس مما يلتفتُ إليه.
تنبيه آخر: للعيني تعقّباتٌ على كلام الحافظ الذي نقلناهُ عن ((الفتح))، كلُّها مخدوشة
(١) ابن عَدي في ((الكامل)) (٣٦٦/٢).

٣١٩
أبواب الطهارة عن رسول الله وَّه / باب مَا جَاءَ فِي سُؤْرِ الكلْبِ
واهية؛ لا حاجة إلى نقلها ثم دفعها؛ لكن: لما ذكرها صاحب ((بذل المجهود)» وصاحب
((الطيب الشذي)) وغيرهما، واعتمدوا عليها، فعلينا أن نذكُرها ونظهر ما فيها من الخدشات.
قال العيني: كون الأمر بقتل الكلابِ في أوائل الهجرة يحتاجُ إلى دليلٍ قطعيٍّ، ولئن
سلمنا ذلك، فكان يمكنُ أن يكون أبو هريرة وابن المغفَّل قد سمعًا ذلك من صحابيٍّ آخر،
فأخبرا عن النبيِّ وَ لَ لاعتمادهما صدق الراوي عنه؛ لأن الصحابة كلهم عدول. انتهى.
قلتُ: قد ردَّ هذا التعقُّب المولويُّ عبد الحي اللكنوي في ((السعاية)) ردًّا حسنًا، فقال:
وهذا تعقُّب غير مرضيٍّ عندي؛ فإن كون رواية أبي هريرة وابن المغفَّل بواسطة صحابيّ آخر،
احتمال مردودٌ؛ لورود سماع أبي هريرة عن النبيِّ ◌َّر وشهادته على أبلغ وجه بسماعه،
أخرجه ابن ماجه(١) عن أبي رزينٍ، قال: رأيتُ أبا هُريرة يضربُ جبهته بيدهٍ، ويقول: يا أهلَ
العراقٍ، أنتم تزعمونَ أني أكذبُ على رَسُولِ اللهِ وَّةِ، ليكونَ لكُم الهَنَاءُ وعليَّ الإِثْمُ، أشهدُ
لسمعتُ رسولَ اللهِ وَّهِ يقولُ: ((إِذَا وَلَغَ الكلبُ في إناءِ أحدِكُم، فَلْيغسلهُ سبعَ مراتٍ))، وكذا
ابن المغفل سمعَ أمر قتلِ الكلاب؛ كما أخرجه الترمذيُّ عنه وحسَّنه قال: إِنِّي لممَّن يرفع
أغصان الشجرة عن وجهِ رسولِ اللهِ وَّهِ، وهو يخطبُ، فقالَ: ((لولا أنَّ الكلابَ أمَّةٌ منَ
الأُمم، لأمرتُ بقتلها، فاقتلُوا منها كُل أسودَ بهيم، وما من أهل بيتٍ يرتبطونَ كلبًا إلَّا نقصَ
من عَمَلهِم كُلَّ يومٍ قيراطٌ، إلَّا كلبَ صيدٍ أو كلبَ حرثٍ أو كلبَ غنم)).
فهذا يدلُّ على أنه سمع بلا واسطةٍ نسخَ عُمُومِ القَتْلِ والرُّخْصَةَ في كَلْبِ الصيد ونحوه،
وظاهرُ سياق مُسلِم عنه: أن الأمر بالغسل سبعًا وقَعَ بعد ذلك، ويدلُّ عليه صريحًا روايةٌ
الطحاويِّ(٢) في ((شرح معاني الآثار)) عنه، قال: ((إن النبيَّ ◌َّ أمر بقتلِ الكلاب))، ثم قال:
((ما لي وللكلاب))، ثم قال: ((إذَا وَلَغَ الكَلْبُ في إناءِ أحَدِكُمْ، فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ، وعَفِّرُوهُ
الثَّامنة بالتُّرَابِ))، فدلَّ ذلك صريحًا على أن الأمر بالغسلِ سبعًا كان بَعْدَ نَسْخِ الأمر بقتلٍ
الكلاب لا في ابتداء الإسلام، انتهى ما في ((السعاية)).
قال العيني - بعد ذكر احتمال اعتقادِ النَّدب والنسيان -: هذا إساءةُ الظَّنِّ بأبي هريرة،
فالاحتمالُ الناشئ من غَيْرِ دليلٍ لا يُسْمَعُ. انتهى.
(١) ابن ماجه، كتاب الطهارة وسننها. حديث (٣٦٣)، وأخرجه أحمد. حديث (٢٧٩٢٨)، وابن أبي شيبة في
«المصنف» (١٨٢٩).
(٢) الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٢٣/١) (٧١).

٣٢٠
أبواب الطهارة عن رسول الله وَّ / باب مَا جَاءَ فِي سُؤْرِ الكلْبِ
قلت: قد ردَّه صاحب ((السعاية)) فقال: إن احتمال النسيانِ، واعتقاد النَّدبِ ليس بإساءةٍ
ظنٌّ، وليس فيه قَدْحُ بوجه من الوجوه. انتهى.
قلت: وفي احتمال اعتقاد الندب، كيف يكونُ إساءة الظنِّ، وقد قال صاحب ((العرف
الشذي)): وجوابُ الحديث من قبلنَا: أن التسبيعَ مستحبُّ عندنا؛ كما صرَّح به الزيلعيُّ
وصاحب ((الكنز))، ثم وجدته مرويًّا عن أبي حنيفة في ((تحرير ابن الهمام)). انتهى.
قال العينيُّ - بعد ما ذكر أن قياسَ سُؤر الكلبِ على العَذرَةِ قياسٌ في مقابلة النصِّ، وهو
فاسد الاعتبار - ما لفظه: ليس هو قياسًا في مقابلة النصّ، بل هو من باب ثبوت الحُكمِ
بدلالة النصِّ. انتهى.
قلتُ: قد ردَّه صاحبُ ((السعاية))، فقال: هذا لو تمَّ لدلَّ على تطهير الإناءِ من سؤر
الكلب واحدًا أو ثلاثًا، بدلالة النصّ، وأحاديثُ السَّبع دالَّةٌ بعبارتها على اشتراط السَّبعِ، وقد
تقرَّر في الأصول أن العبارة مقدَّمة على الدلالة، قالَ: وأيضًا هذا منقوضٌ بنقضٍ الوضوء
بالقهقهة في الصلاة مع عدم نقضِهِ بسبِّ المُسلِمِ في الصلاة، وهو أشدُّ منه؛ فالجوابُ
الجواب. انتھی.
وإن شئتَ الوقوفَ على ما بَقِيَ من تعقُّباته مع بيانِ ما فيها من الخدشاتِ؛ فارجع إلى
((السعاية)).
تنبيه: اعلم: أن الشيخ ابن الهُمامِ قد تصدَّى لإثباتِ نسخ أحاديث السَّبع، فذكر فيه
تقريرات في ((فتح القدير))، وقد ردَّ تلكَ التقريرات صاحبُ ((السعاية)) ردًّا حسنًا، وقال في
أول كلامه عليها ما لفظه: وفيه على ما أقولُ خدشاتٌ تُنَبِّهُكَ على أن تقريره كله من خرافة
ناشئ عن عصبية مذهبية، وقال في آخر كلامه عليها ما لفظه: فتأمَّل في هذا المَقَامِ، فإن
المقامَ من مَزَالٌ الأقدامِ؛ حتى زلَّ قدمُ الهُمام بن الهُمامِ. انتهى.
ولعلَّ صاحب ((بذل المجهود)) عن هذا غافلٌ، فذكر تلك التقريراتِ المردودةَ، وكذا ذكر
تعقبات العيني المردُودة، واعتمد عليهما واغْتَنَمَهُما.
وكذلك يأتي في أمثال هذه المباحث بالتقريراتِ المخدُوشة، ولا يظهرُ ما فيها من
الخدشات، ولا يشير إلى من رَدَّها، فلا أدري: إنه يأتي بها مع الوقوفِ على ردِّها أو مع
الغفلة عن ذلك، فالله تعالى أعلم: [من الطويل]