Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
أبواب الطهارة عن رسول الله وَاهِ / باب مَا جَاءَ فِي الوُضُوءِ مِنَ الرِّيحِ
فَلا يَخْرُجْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتاً أوْ يَجِدَ رِيحاً)). [م: ٣٦٢، د: ١٧٧، حم: ١٠٠٩٤، مي: ٧٢١].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وهو قَوْلُ العُلَماءِ: أنْ لا يجِبَ عَلَيْهِ الوُضُوءُ إلَّا مِن حَدَثٍ: يَسْمَعُ صوتاً أوْ
يَجِدُ رِيحاً. وَقَالَ عَبْدُ الله بنُ المُبارَكِ: إِذَا شَكَّ في الحَدَثِ فَإِنَّهُ لا يَجِبُ عَلَيْهِ
الوُضُوءُ حتَّى يَسْتَيْقِنَ اسْتِيقاناً يَقْدِرُ أن يَحْلِفَ عَلَيْهِ، وَقَالَ: إذَا خَرَجَ مِن قُبُلِ المرأةِ
الرِّيحُ وَجَبَ عَلَيْها الوُضُوءُ، وهو قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَإِسْحَاقَ.
الأليةُ: العجزة أو ما ركب العجز من لحم أو شحم، وفي رواية مسلم(١): ((إِذَا وَجَدَ أحَدُكُم
في بَطنِهِ شيئًا فأشْكَلَ عَلَيه، أَخَرَجَ مِنْهُ شيءٌ أم لا؟) (فلا يَخرج) من المسجد للتوضُّؤْ (حـ
يسمع صوتًا) أي: صوتَ ريح خرج منه، (أو يجد ريحًا) أي: يجد رائحة ريح خرجت منه؛
قال في ((شرح السنة)) معناه: حتَّى يتيقن الحدث، لا أنَّ سماع الصوت أو وجدان الريح
شرط؛ إذ قد يكون أصمَّ فلا يسمع الصوت؛ وقد یکون أخشم، فلا يجد الريح، وينتقض
طهره إذا تيقّن الحدث، قال الإمام: في الحديث دليلٌ على أن الريح الخارجةَ من أحد
السبيلَين توجبُ الوضوء، وقال أصحابُ أبي حنيفة: خروجُ الريح من القبل لا يوجب
الوضوءُ، وفيه دليلٌ على أن اليقين لا يزولُ بالشَّكِّ في شيء من أمر الشرع، وهو قول عامة
أهل العلم. انتهى.
وقال النووي: هذا الحديث أصلٌ من أصول الحديث وقاعدةٌ عظيمة من قواعد الدِّين،
وهي أن الأشياء يُحكَمُ ببقائها على أصولها حتى يتيقَّن خلافُ ذلك، ولا يضرُّ الشك الطارئ
عليها، فمن ذلك: مسألةُ الباب التي وَرَدَ فيها الحديثُ، وهي أنَّ من تيقَّن الطهارة، وشكَّ في
الحَدَث حكم ببقائه على الطهارة، ولا فرق بين حصول هذا الشك في نَفسِ الصلاة وحصوله
خارج الصلاة، هذا مذهبُنا ومذهبُ جماهير العلماء من السَّلف والخَلَف، قال أصحابنا: ولا
فرق في شكه بين أن يستوي الاحتمالان في وقوع الحَدَث وعدمه، أو يترجَّح أحدهما ويغلب
في ظنّه؛ فلا وضوء عليه في كل حال، أمَّا إذا تيقّن الحدث وشكّ في الطهارة، فإنه يلزمه
الوضوء بإجماع المسلمين. انتهى.
والحديثُ لم يحكُم عليه الترمذيُّ بشيء من الصحّة والضَّعف(٢)، وهو حديث صحيح؛
وأخرجه مسلم.
(١) مسلم، كتاب الحيض. حديث (٣٦٢).
(٢) بل قال: حديث حسن صحيح. والله أعلم.

٢٦٢
أبواب الطهارة عن رسول الله وَّر / باب مَا جَاءَ فِي الوُضُوءِ مِنَ الرِّيحِ
[٧٦] (٧٦) حدثنا مَحْمُودُ بنُ غَيْلانَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَن
هَمَّامِ بنِ مُنَبِّهِ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، عنِ النَّبِيِّ وَ قَالَ: ((إِنَّ الله لا يَقْبَلُ صَلاةَ أحدكُمْ إذا
أحْدَثَ حَتَّى يَتَوضَّأَ)). [خ: ١٣٥، م: ٢٢٥، د: ٦٠، حم: ٨٠١٧].
قال أبو عيسى: هذا حَدِيثٌ [غريبٌ] حَسَنٌ صَحِيحٌ.
قَالَ: وفي البابِ: عَن عَبْدِ الله بن زَيْدٍ، وَعَلِيٍّ بنِ طَلْقٍ، وَعائِشةَ، وابنِ عبَّاسٍ،
وَابْنِ مَسْعُودٍ، وأبي سَعِيدٍ.
[٧٦] قوله: (إن الله لا يقبل صلاة أحدكم) قال القاري في ((المرقاة)) أي: قبولَ إجابة
وإثابة بخلاف المسبل والآبق؛ فإن صلاتهما لا تُقْبَل أيضًا، لكنها لا تقبلُ بترك الإثابة،
وتقبلُ إجابة، فلا يرد ما قيل من أنه لا يلزمُ من عَدَم القبول عدمُ الجواز والصحة، مع أن
الطهارة شرط الصحة. انتهى.
وقال الحافظ في ((فتح الباري)): والمراد بـ ((القبول)) هاهنا: ما يرادف الصحة، وهو
الإجزاءُ، وحقيقةُ القبول: ثمرة وقوع الطاعةِ مجزئة رافعة لما في الذُّمَّة، ولمَّا كان الإتيان
بشروطها مَظنَّة الإجزاء الذي القبولُ ثمرتُهُ، عَبَّر عنه بالقبول مجازًا .
وأما القبول المنفيُّ في مثل قوله بَّه: ((مَن أتَى عَرَّافًا لَمْ تُقْبَل لهُ صَلاةٌ)) فهو الحقيقيُّ؛
لأنه قد يصح العمل، ويتخلَّف القبول لمانع؛ ولهذا كان بعض السلف يقول: ((لأن تُقبَلَ لِي
صلاةٌ واحدةٌ أحبُّ إليَّ مِن جميع الدنيا))؛ قاله ابن عمر؛ قال: لأن الله تعالى قال: ﴿إِنَّمَا
يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُنَّفِينَ﴾ [المائدة: ٢٧]. انتهى.
(إذا أحدث) أي: صار ذا حَدثٍ قبل الصلاة، أو: في أثنائها، (حتى يتوضأ) أي: بالماء
أو ما يقوم مقامه، وقد روى النسائي (١) بإسنادٍ قويٍّ عن أبي ذرِّ مرفوعًا: ((الصعيد الطيب
وضوء المسلم))، فأطلق الشارع على التيمم أنه وضوء؛ لكونه قام مقامه، ود يخفى أن المراد
بقبُولِ صلاةٍ من كان محدثًا فتوضَّأ، أي: مع بَاقِي شُرُوط الصلاة؛ كذا في ((فتح الباري)).
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان وغيرهما .
قوله: (وفي الباب: عن عبد الله بن زيد، وعلي بن طلق، وعائشة، وابن عباس، وأبي سعيد):
(١) النسائي، كتاب الطهارة. حديث (٣٢٢).

٢٦٣
أبواب الطهارة عن رسول الله بَّةٍ / باب مَا جَاءَ فِي الوُضُوءِ مِنَ الرِّيح
قَالَ أبُو عِيْسَى:
أما حديث عبد الله بن زيد: فأخرجه الشيخان(١) وغيرهما، ففي ((صحيح البخاري)) عن
عباد بن تميم عن عمه: ((أَنَّه شَكًا إلى رَسُولِ اللهِ نَّهِ الرَّجُلَ الذي يُخَيَّل إليهِ أنَّه يَجِدُ الشَّيء
في الصلاةٍ، فقال: لا ينفَتِل أوْ لا ينصَرِف حتَّى يَسْمعَ صَوتًا أو يَجدَ رِيحًا))، قال الحافظ في
((الفتح)). قوله: ((عن عَمِّه)) هو عبد الله بن زيد بن عاصم المازنيُّ الأنصاريُّ، سمَّاه مسلم
وغيره في روايتهم لهذا الحديث من طريق ابن عيينة. انتهى.
وأما حديث عليٍّ بن طلقٍ: فأخرجه أبو داود والترمذي(٢).
وأما حديث عائشة: فأخرجه أحمد والبزار والطبراني في ((الكبير))(٣)، وفيه: ((أنَّ
رسولَ اللهِ وَ ﴿ أَمَرَ المُسْلِمِينَ إذا خَرَجَ مِن أحَدِهمُ الريحُ أن يَتَوضَّأ)».
قال الهيثمي: رجال أحمد رجال الصحيح، إلَّا أن فيه محمد بن إسحاق، وقد قال:
حدَّثني هِشَام بن عُرْوَة.
وأما حديث ابن عباس: فأخرجه البزَّار والبيهقيُّ (٤): ((إنَّ النبيَّ وَّرَ سُئل عن الرجُلِ يُخيَّلُ
إليهِ في صلاتهِ أنَّهُ أحْدَثَ، ولم يُحْدِث، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: إِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْتِي أَحَدَكُم وهُو
في صلاتِهِ، حتَّى يَفْتَحَ مَفْعَدَتَهُ، فَيُخَيَّلُ إليه أنَّهُ أَحْدَثَ وَلَم يُحْدِثْ، فإذَا وَجَدَ أحَدُكُمْ ذَلك فلا
يَنْصَرِف حتَّى يَسْمَعَ صوت ذلكَ بأذُنِهِ، أو يَجِدَ ريحَ ذلكَ بِأنفِهِ))، قال الهيثمي في ((مجمع
الزوائد»: رجاله رجال الصحيح. انتهى.
وأما حديث أبي سعيد: فأخرجه أبو يعلى (٥) عنه، أن النبيَّ ◌َِّ قال: ((إنَّ الشَّيطانَ يَأْتِي
أحَدَكُم وهو فِي صلاتهِ، فيمُدُّ شَعْرَةً (٦) مِن دُبُرهِ، فَيَرَى أَنَّه قَد أحْدَثَ، فلا يَنْصَرِف حتَّى يَسْمَعَ
صوتًا أو يجدَ ريحًا))؛ ورواه ابن ماجه باختصار، وفيه علي بن زيد، واختلف في الاحتجاج
به، كذا في («مجمع الزوائد)).
(١) البخاري، كتاب الوضوء. حديث (١٣٧)، ومسلم، كتاب الحيض. حديث (٣٦١).
(٢) أبو داود، كتاب الطهارة. حديث (٢٠٥)، والترمذي، كتاب الرضاع. حديث (١١٦٤).
(٣) أحمد. حديث (٢٥٨٠٧)، والبزار (١٤٦/١ - كشف). حديث (٢٨٠)، والطبراني في ((الكبير)) (٣٠١/٢٤).
حدیث (٧٦٥).
(٤) البزار (١٤٧/١- كشف). حديث (٢٨١)، والبيهقي في ((الكبرى)). حديث (٣١٩٣).
(٥) أبو يعلى. حديث (١٢٤٩)، وابن ماجه، كتاب الطهارة وسننها. حديث (٥١٤).
(٦) في الأصل: شعره، والمثبت من مسند أبي يعلى (٤٤٣/٢). حديث (١٢٤٩).

٢٦٤
أبواب الطهارة عن رسول الله وَّ / باب مَا جَاءَ فِي الوُضُوءِ مِنَ الرِّيحِ
هَذَا حَدِيثٌ [غَرِيبٌ] حَسَنٌ صَحِيحٌ.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) كذا في النسخ الموجودة، وهو كالتكرار.
قوله: (وقال) أي: ابن المبارك (إذا خرج من قبل المرأة الريح، وجب عليها الوضوء،
وهو قول الشافعي وإسحاق) وقال أصحاب أبي حنيفة: خُرُوجُ الرِّيح من القُبُل لا يوجبُ
الوضوء، قال القاري في ((المرقاة)): توجيهُ قول الحنفية: أنه نادرٌ؛ فلا يشمله النصّ؛ كذا
قیل.
والصحيح ما قاله ابن الهُمَام من أن الريحَ الخارج من الذِّكرِ اختلاجُ لا ريحٌ، فلا ينقض
كالريح الخارجة من جراحةٍ في البطن. انتهى.
وقال بعض العلماء الحنفية في ((شرحه لشرح الوقاية)): اتفق أصحابنا على أن الريح
الخارجَة من الدبر ناقضةٌ، واختلفوا في الخارجةِ من الذّكرِ وقُبُلِ المرأة.
فروى القدوريُّ عن محمَّد: أنه يوجبُ الوضوء، وبه أخذ بعضُ المشايخ، وقال
أبو الحسن: لا وضوء فيهما إلَّا أن تكون المرأةُ مُفْضَاة، والمُفْضَاةُ: هي التي اختلَطَ
سَبِيلَاهَا: القُبُلُ والدُّبُر، وقيل: مسلك البولِ والحيضٍ، فيستحبُّ لها الوضوء، وكان الشيخ
أبو حَفْصٍ الكبيرُ يقول: إذا كانت المرأة مُفضَاةً يجبُ عليها الوضوءُ، وإن لم تكُن مفضاة لا
یجب .
وهكذا ذکر هشام في «نوادره)) عن محمد.
ومن المشايخ من قال في المُفضَاة: إذا كان الريحُ مُنتًا يجبُ الوضوء، وما لا فلا؛ كذا
في ((الذخيرة)).
وبه علمْتَ أن الاختلاف في الرِّيحِ الخارجةِ مِنْهُما على قولين:
الأول: أنه يوجبُ الوضوء؛ ودليله عموم ما ورد في الحديث؛ أن الحَدَثَ: ما خرج من
أحد السبيلينٍ؛ فإنَّ العبرة لعموم اللفظِ لا لخصوص السَّببِ. وبه قال الشافعي؛ كذا في
((البناية)) .
والثاني: أنه لا يوجبُ، وإليه مال صاحب ((الهداية))، وعلَّل بأنها لا تنبعثُ عن مَحَلِّ
النجاسة؛ وهو مبني على أن عين الريح ليست بنجسة، وإنما يتنجَّس بمرورها على محلّ
النجاسة، وهذا لا يتمشى على قول من قال من المشايخ: بتنجُّس عَين الريح.
والأولى في التعليل: ما ذكره غيره أنها اختلاجُ لا ريحٌ، وليس بشيءٍ خارج، لكن هذا

٢٦٥
أبواب الطهارة عن رسول الله وَ ◌ّه / باب مَا جَاءَ فِي الوضُوءِ مِنَ الَّوْمِ
٥٧- باب مَا جَاءَ في الوضُوءِ مِنَ النَّوْمِ [ت٥٧، ٥٧٢]
[٧٧] (٧٧) حدثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُوسَى - كُوفِيٍّ - وَهَنَّادٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْد
المُحَارِبِيُّ - المَعنَى وَاحِدٌ - قَالُوا: حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلامِ بْنُ حَرْبِ المُلائِيُّ، عَن
أبِي خَالِدِ الدَّالانيِّ، عَن قَتَادَةَ، عَن أَبِي العَالِيةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ رَأى النَّبِيَّ ◌َه
نَامَ وَهُوَ سَاجِدٌ، حَتَّى غَطَّ أوْ نَفَخَ، ثُمَّ قَامَ يُصلِّي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، إنَّكَ قَدْ
نِمْتَ؟ قَالَ: ((إنَّ الوُضُوءَ لا يَجِبُ إلَّا عَلَى مَن نَامَ مُضْطَجِعاً، فَإِنَّهُ إذَا اضْطَجَعَ
اسْتَرْخَتْ مَفَاصِلُهُ)). [فيه ضعف: أبو خالد، مدلِّس، يخطئ كثيراً، د: ٢٠٢، حم: ٢٣١٣].
أيضًا قاصرٌ، فإنه لا يتمشَى في ما إذا وجدت النَّتن أو سمعَت الصوتَ من القُبُلِ أو الذكر؛
فإن هناك لا شكَّ في خروج شيء.
وممن اختار هذا القول: قاضي خان في ((فتاواه)) وصاحب ((مراقي الفلاح))، وقال: هو
الأصح؛ لأنه اختلاج لا ريح، وإن كان ريحًا فلا نجاسة فيه، وريحُ الدُّبُرِ ناقضةٌ لمرورها
بالنجاسة، وصاحب ((التنوير)) وصاحب ((الدر المختار)) وغيرهم من المتأخرين.
ولا يخفَى عليك أن الموافِقَ للأحاديثِ هو القولُ الأول؛ فليكن هو المعوَّلَ. انتهى.
٥٧- باب مَا جَاءَ في الوضُوءِ مِنَ النَّومِ
[٧٧] قوله: (المعنى واحد) أي: معنى أحاديث إسماعيل، وهناد، ومحمد واحد، وفي
ألفاظها اختلاف.
قوله: (نام وهو ساجد) أي: نام في حالة السجدة (حتى غط) قال في ((القاموس)): غط
النائمُ: صَاتَ. انتهى، والمعنى: نام ◌َِّهِ في حالة السجدَةِ حتَّى سُمِع غَطِيطُهُ، وهو صوتٌ
يَخْرُجُ مِع نَفَسِ النائم، (أو نفخ): شَكٍّ من الراوي، قال في ((مجمع البحار)): حتَّى نفخ،
أي: تنفّس بصوتٍ حتى يسمع منه صوت النفخ؛ كما يسمع من النائم، (ثم قام يصلي) أي:
من غير أن يتوضَّأ وضوءًا جديدًا، (إلَّا على من نام مضطجعًا) أي: واضعًا جنبه على
الأرض، قال في ((القاموس): ضَجَعَ كَمَنَعَ: وضع جنبه بالأرض؛ کَأَضْجَعَ واضْطَجَعَ،
(استرخت) أي: فترت وضَعفتْ (مفاصله) جمع مفصل، وهو رؤوس العظام والعروق.

٢٦٦
أبواب الطهارة عن رسول الله وَّ / باب مَا جَاءَ فِي الوضُوءِ مِنَ النَّوْمِ
قَالَ أبُو عِيْسَى: وَأبو خَالِدِ اسْمُهُ: يَزِيدُ بنُ عبد الرَّحْمَنِ. قَالَ: وَفِي البَابِ عَن
عَائِشَةَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ.
قوله: (وفي الباب: عن عائشة، وابن مسعود، وأبي هريرة) :
أما حديث عائشة: فأخرجه ابن ماجه(١)، عنها، قالت: ((كَانَ رَسُولُ اللهِ وَلَهِ يَنَامُ حتَّى
ينفخ، ثم يَقومُ فَيُصَلِّي وَلا يَتَوضَّأ)) ؛ قال الطنافسي: قال وكيع: تعني: وهو ساجد.
وأما حديث ابن مسعود: فأخرجه أيضًا ابن ماجه (٢) عنه: ((أنَّ رَسُولَ اللهِ وَّ نَامَ حتَّى
نَفَخَ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى)).
وأما حديث أبي هريرة: فأخرجه البيهقي (٣) بلفظ: ((مَنِ استحقَّ النَّومَ وَجَبَ عَليْهِ
الوضُوءُ))، وقال بعده: لا يصحُّ رَفْعُهُ، وروي موقوفًا، وإسناده صحيح، ورواه في
((الخلافيات)) من طريق آخر، عن أبي هريرة، وأعله بالربيع بن بدر، عن ابن عدي؛ وكذا قال
الدارقطني في ((العلل)): إنَّ وقفه أصحُّ؛ كذا في ((التلخيص)).
واعلم: أن الترمذي لم يحكُم على حديث ابن عبَّاسِ المذكور بشيء من الصحة أو
الضعف هاهنا، وقد تكلّم عليه في ((علله المفرد)»، وقد تكلّم عليه غيره من أئمة الحديث،
قال الحافظ في ((التلخيص)): مداره على يزيد أبي خالد الدالاني، وعليه اختلف في ألفاظه
وضعف الحديث من أصله أحمد والبخاري، فيما نقله الترمذي في ((العلل المفرد))، وأبو داود
في ((السنن)) والترمذي، وإبراهيم الحربي في ((علله)) وغيرهم، وقال البيهقي في ((الخلافيات)):
تفرَّد به أبو خالد الدالاني، وأنكره عليه جميعُ أئمة الحديث، وقال في ((السنن)): أنكره عليه
جميعُ الحُفَّاظ، وأنكروا سماعه من قتادة، وقال الترمذي: رواه سعيد بن أبي عروبة، عن
قتادة، عن ابن عباس، قولَهُ، ولم يذكر فيه أبا العالية، ولم يرفعه. انتهى.
(١) ابن ماجه، كتاب الطهارة. حديث (٤٧٤).
(٢) ابن ماجه، كتاب الطهارة. حديث (٤٧٥)، وقال الهيثمي: رجاله ثقات، إلا أن فيه حجَّاجًا وهو ابن أرطاة كان
یدلس.
(٣) البيهقي في ((الكبرى)). حديث (٥٨٠).

٢٦٧
أبواب الطهارة عن رسول الله وَلغيره / باب مَا جَاءَ فِي الوضُوءِ مِنَ النَّوْمِ
[٧٨] (٧٨) حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ، عَن شُعْبَةَ، عَن
قَتَادَةَ، عَن أنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ وَّهِ: يَنَامُونَ، ثُمَّ يَقُومُونَ
فَيُصَلُّونَ، وَلا يَتَوَضَّؤُونَ. [م: ٣٧٦، د: ٢٠٠، حم: ١٣٥٢٩].
قَالَ أبو عيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. قَالَ: وَسَمِعْتُ صَالِحَ بْنَ عَبْدِ الله
يَقُولُ: سَأَلْتُ عَبْدَ الله بْنَ المَبَارَكِ عَمَّنْ نَامَ قَاعِداً مُعْتَمِداً؟ فَقَالَ: لا وُضُوءَ عَلَيْهِ.
قَالَ أبو عِيسَى: وقَدْ رَوَى حَدِيث ابْنِ عَبَّاس سَعِيدُ بْنُ أبِي عَرُوبَةَ، عَن قَتَادَةَ،
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ أبَا العالِيَةِ، وَلَمْ يَرْفَعْهُ. وَاخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي
الوُضُوءِ مِنَ النَّوْمِ: فَرَأى أكْثَرُهُمْ أنه لا يَجِبَ عَلَيْهِ الوُضُوءُ إِذَا نَامَ قَاعِداً أَوْ قَائِماً
حَتَّى يَنَامَ مُضْطَجِعاً، وبهِ يقولُ الثَّوْرِيُّ وَابْنُ المُبَارَكِ وَأَحْمَدُ.
[٧٨] قوله: (كان أصحابُ رسول الله وَطُ ور ينامون، ثم يقومون فيصلون، ولا يتوضؤون)
وفي رواية أبي داود(١): ((كَانَ أصْحَابُ رَسُولِ اللهِ وَّهِ يَنْتَظُرُونَ العشاءَ الآخرةَ حتَّى تَخْفِقَ
رُؤُوسُم، ثُمَّ يُصَلَّونَ ولا يتوضؤون))، فظهر من هذه الرواية: أن المراد من قوله: ((يَنَامُونَ)):
أنهم كانوا ينامون قعودًا، وكان نومهم هذا في انتظار العشاء الآخرة، قال في ((القاموس)):
خَفَقَ فلانٌ: حَرَّك رَأسه إذا نَعَسَ، وقال الخطّابي: معناه تسقط أذقانهم على صدورهم.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه مسلم وأبو داود.
قوله: (سمعت صالح بن عبد الله) بن ذَكوَانَ البَاهِلِيّ الترمذي، نزيل بغداد، عن: مالك،
وشريك، وابن المبارك، وخلق، وعنه: الترمذي، وأبو حاتم، وقال: صدوق، مات سنة
(٢٣٩) تسع وثلاثين ومئتين، (فقال: لا وضوء عليه) أي: لا يجبُ عليه الوضوءُ.
قوله: (واختلف العلماء في الوضوء من النوم، فرأى أكثرهم: أنه لا يجب عليه الوضوء
إذا نام قاعدًا أو قائمًا حتى ينام مضطجعًا؛ وبه يقول الثوري، وابن المبارك، وأحمد)،
واستدلوا على ذلك: بحديث ابن عباس المذكور، وقد عرفْتَ ما فيه من المقال، لكن قال
الشوكاني في ((النيل)): ((والمقال الذي فيه مُنْجَبِرٌ بما له من الطرق والشواهد))، ورجّح هذا
المذهب.
قلت: هذا المذهب هو أرجَحُ المذاهب عندي، والله تعالى أعلم، وهو مذهبُ عمر
(١) أبو داود، كتاب الطهارة. حديث (٢٠٠).

٢٦٨
أبواب الطهارة عن رسول الله وَّو / باب مَا جَاءَ فِي الوضُوءِ مِنَ الثَّوْمِ
قَالَ: وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِذَا نَامَ حَتَّى غُلِبَ عَلَى عَقْلِهِ وجَبَ عَلَيْهِ الوُضُوءُ، وبهِ يقولُ
إِسْحَاقُ.
وأبي هريرة ﴿ًّا، فروى الإمام مالك في ((الموطأ))(١)، عن زيد بن أسلم؛ أن عمر بن
الخطاب قال: ((إذا نام أحدكم مضطجعًا، فليتوضأ)).
وروى البيهقي (٢) من طريق يزيد بن قُسَيْط، عن أبي هريرة؛ أنه سَمعهُ يَقولُ: ((ليسَ على
المُحتَبِي النَّائمِ، ولا على القَائِمِ النَّائمِ وضوءُ حتَّى يَضْطَجعَ))؛ قال الحافظ: إسناده جيد،
ومن المؤيِّداتَ لهذا المذهب؛ حَديث أَنس المذكور.
قال الشوكاني: والأحاديثُ المطلقة في النوم تُحْمَلُ على المقيَّدة بالاضطجاع، قال:
ومن المؤيدات لهذا الجمع: ما رواه مسلم (٣) عن ابن عباس، بلفظ: ((إذَا أَغْفَيْتُ يأخُذُ
بشَحمةِ أذُنِي))، وحديث: ((إذَا نَامَ العَبْدُ في صلاتهِ بَاهَى اللهُ بهِ مَلائِكَتَهُ)) أخرجه الدار قطني
وابن شاهين(٤) من حديث أبي هُريرةَ، والبيهقي(٥) من حديث أنس، وابن شاهين(٦) أيضًا من
حديث أبي سعيد، وفي جميع طُرُقِهِ مقالٌ.
وحديثُ: ((مَن اسْتَحقَّ النَّوَمَ، وَجَبَ عَليْهِ الوضُوءُ))، عند البيهقي(٧)، من حديث
أبي هريرة بإسناد صحيح، ولكن قال البيهقي: روي ذلك مرفوعًا، ولا يصحُّ، وقال
الدار قطني: وَقِفُهُ أصحُ، وقد فسر استحقاق النوم بوضع الجنب، انتهى كلام الشوكاني.
(وقال بعضهم: إذا نام حتى غُلب على عقله، وجب عليه الوضوء؛ وبه يقول إسحاق)،
وعن إسحاق قولٌ آخر، وهو: أن النوم حَدَثٌ ينقض قليله وكثيره.
قال الحافظ في ((الفتح)): نقل ابن المنذر وغيره عن بعض الصحابة والتابعين المصيرَ إلى
أن النوم حدثٌ ينقضُ قليله وكثيره، وهو: قول أبي عُبيدَة وإسحاق بن راهويهِ، قال ابن
المنذر: وبه أقولُ، لعموم حديث صفوان بن عَسَّال(٨) - يعني: الذي صحَّحه ابن خُزيمة
(١) مالك، كتاب الطهارة. حديث(٤٠).
(٢) البيهقي في ((الكبرى)). حديث (٥٩٨).
(٣) مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها. حديث (٧٦٣).
(٤) الدارقطني في ((العلل)) (٢٤٨/٨ -٢٤٩)، وابن شاهين، تحت الحديث (٢٠٢).
(٥) البيهقي في ((الخلافيات)) كما في ((التلخيص)) (١/ ١٢٠)، وضعفه الحافظ بداود بن الزبرقان.
(٦) ابن شاهين. حديث (٢٠٢).
(٧) البيهقي في ((الكبرى)). حديث (٥٨٠).
(٨) انظر الترمذي، كتاب الطهارة. حديث (٩٦).

٢٦٩
أبواب الطهارة عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاءَ فِي الوُضُوءِ مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ
وَقَالَ الشافِعِيُّ: مَن نَامَ قَاعِداً فَرَأى رُؤْيَا أوْ زَالَتْ مَفْعَدَتُهُ لِوَسَنِ النَّوْمِ: فَعَليْهِ
الوُضُوءُ.
٥٨ - باب مَا جَاءَ في الوُضُوءِ مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ [ت٥٨، ٥٨٢]
[٧٩] (٧٩) حدثنا ابْنُ أبِي عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَن مُحَمَّدٍ بْن
عَمْرٍو، عَن أَبِي سَلَمَةَ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهى: ((الوُضُوءُ مِمَّا
مَسَّتِ النَّارُ، وَلَوْ مِن ثَوْرٍ أَقِطِ)). [م: ٣٥٢، ن مختصراً: ١٧١، د مختصراً: ١٩٤، جه مختصراً:
٤٨٥، حم: ١٠١٦٤، مي مختصراً: ٧٢٦].
وغيره - ففيه: ((إلَّا من غَائِطِ أو بَولٍ أو نَوم))؛ فسوَّى بينهما في الحكم، والمراد بـ ((قليله
وكثيره)): طول زمانه وقصره، لا مباديه. انتهى كلام الحافظ.
قلت: وأما قولُ إسحاق الذي ذكره الترمذي؛ فمبنيٌّ على أن النوم ليس بحَدَثٍ، بل هو
مظنَّةُ الحَدَثِ.
(وقال الشافعي: من نام قاعدًا فرأى رؤيا، أو زالت مقعدته لوسن النوم؛ فعليه الوضوء)
الوَسَنُ: أول النوم، وقد وسَنَ يَوسَنُ سِنةً فهو وَسِنٌّ وَوَسنَان، والهاء في ((السِّنَة))؛ عوض من
الواو المحذوفة؛ قاله الجزري في ((النهاية)).
واعلم: أن للشافعيِّ في انتقاض الوضوء من النوم أقوالًا :
قا !. الحافظ في ((الفتح)): وقيل: لا ينقض نوم غير القاعد مطلقًا، وهو قول الشافعيٍّ في
القديم؛ وعنه: التفصيل بين خارج الصلاة فينقض، أو داخلها فلا، وفصّل في الجديد بين
القاعد المتمگّن فلا ینقض، وبين غيره فینقض.
وفي ((المهذب)): وإن وجد منه النوم - وهو قاعد، ومحلُّ الحدث منه متمگّن بالأرض -
فالمنصوص أنه لا ينقضُ وضوؤه، وقال البويطي: ينقض؛ وهو اختيار المزني. انتهى.
وتعقب: بأن لفظ البويطي ليس صريحًا في ذلك؛ فإنه قال: ومَن نام جالسًا أو قائمًا،
فرأى رؤيا؛ وجب عليه الوضوء؛ قال النووي: هذا قابلٌ للتأويل. انتهى ما في ((الفتح)).
٥٨- باب مَا جَاءَ في الوضُوءِ ممَّا غَيَّرتِ النَّارُ
[٧٩] قوله: (الوضوء مما مست النار)، وفي رواية مسلم: ((تَوضَّؤوا ممَّا مَسَّتِ النَّار))،
(ولو من ثور أقط) بفتح الهمزة وكسر القاف، وهو: لبن مجفف مستحجر، والثور: قطعة

٢٧٠
أبواب الطهارة عن رسول الله وَّه / باب مَا جَاءَ فِي الوُضُوءِ مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ
قَالَ: فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاس: يَا أبَا هُرَيْرَةَ، أَنَتَوَضَّأُ مِنَ الدُّهْنِ؟ أنَتَوَضَأُ مِنَ الحَمِيم؟
قَالَ: فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: يَا ابْنَ أخي، إذَا سَمِعْتَ حَدِيثاً عَن رَسُولِ اللهِ وَّهِ فَلا تَضْرِبْ
لَهُ مَثَلًا. [جه: ٤٨٥].
قَالَ: وَفِي البَابِ عَن أُمِّ حَبِيبةَ، وَأُمِّ سَلَمَةَ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَأبِي طَلْحَةَ،
وَأَبِي أَيُّوبَ، وَأپِي مُوسَى.
منه؛ والحديث دليلٌ على وجوب الوضوء مما مسَّت النار، وبه قال بعض أهل العلم،
والأكثر: على أنه منسوخ؛ كما ستعرف.
(أنتوضأ من الدهن) أي: الذي مسته النار، (أنتوضأ من الحميم) وهو: الماء الحارُّ بالنار،
إذا سمعت حديثًا عن النبي وَ لّ فلا تضرب له مثلًا) بل اعمل به، واسكت عن ضَربِ المثل له.
قوله: (وفي الباب: عن أم حبيبة، وأم سلمة، وزيد بن ثابت، وأبي طلحة، وأبي أيوب،
وأبي موسى):
أما حديث أم حبيبة: فأخرجه الطحاوي وأحمد وأبو داود والنسائي(١) ولفظه: ((تَوَضَّؤوا
ممَّا مسَّتِ النَّارُ)).
وأما حديث زيد بن ثابت: فأخرجه مسلم (٢) بلفظ: ((تَوَضَّؤُوا ممَّا مَسَّتِ النَّارُ)).
وأما حديث أبي طلحة: فأخرجه الطحاوي والطبراني في ((الكبير))(٣)، عنه، عن النبيِّ
وَِّ أَنَّه أكَلَ ثَورَ أقطِ، فَتَوضَّأ .
وأما حديث أبي أيوب: فأخرجه الطبراني في ((الكبير)) (٤) بلفظ: ((إنَّ النَّبيَّ ◌َ كان إذَا
أكَلَ ممَّا غَيَّرت النَّارُ تَوَضَّأ))؛ قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)): رجاله رجال الصحيح.
وأما حديث أبي موسى: فأخرجه أحمد والطبراني في «الأوسط))(٥) بلفظ: (تَوَضَّؤُوا ممَّا
غَيَّرَتِ النَّار لَونَهُ»، قال الهيثمي في («مجمع الزوائد»: رجاله موثقون.
(١) أحمد. حديث (٢٦٢٣٣)، وأبو داود، كتاب الطهارة. حديث (١٩٥)، والنسائي، كتاب الطهارة. حديث
(١٨١)، والطحاوي في ((معاني الآثار)). حديث (٣٤٢).
(٢) مسلم، كتاب الحيض. حديث (٣٥١).
(٣) الطبراني في ((الكبير)). حديث (٤٧٣٤)، والطحاوي في ((معاني الآثار)). حديث (٣٣٧).
(٤) الطبراني في ((الكبير)). حديث (٣٩٢٩).
(٥) أحمد. حديث (١٩٠٥٨)، والطبراني في «الأوسط)). حديث (٢٧٤٠).
وأما حديث أم سلمة فأخرجه أحمد في ((مسنده)). حديث (٢٦١٨٤).

٢٧١
أبواب الطهارة عن رسول الله وَّه / باب مَا جَاءَ فِي تَرْكِ الوُضُوءِ مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ
قَالَ أَبُو عِيْسَى: وَقَدْ رأى بَعْضُ أهْلِ العِلْم الوُضُوءَ مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ، وَأكْثَرُ أهْلِ
العِلمِ مِن أصْحَابِ النَّبِّ بَّهِ وَالتَّابِعِينَ ومَنْ بَعْدَهُمْ: عَلَى تَرْكِ الوُضُوءِ مِمَّا غَيَّرتِ النَّارُ.
٥٩- باب مَا جَاءَ في تَرْكِ الوُضُوءِ مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ [ت٥٩، ٥٩٢]
[٨٠] (٨٠) حدثنا ابنُ أبي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بن عُيَيْنَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن
مُحمَّدٍ بْنِ عَقِيلٍ سَمِعَ جَابِراً - قَالَ سُفْيَانُ: وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُنْكَدِرِ، عَن جَابِرٍ -
قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ الله ◌َّهِ وَأَنَا مَعَهُ، فَدَخَلَ عَلَى امْرَأَةٍ مِنَ الأنْصَارِ، فَذَبَحَتْ لَهُ شَاةً
فَأَكَلَ، وَأَتَتْهُ بِقِنَاعِ مِن رَُبٍ فَأَكلَ مِنْهِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ للظُهر وَصَلَّى، ثُمَّ انْصَرَفَ،
قوله: (وقد رأى بعض أهل العلم الوضوء مما غيرت النار، وأكثر أهل العلم من
أصحاب النبي وَّيه والتابعين ومَن بعدهم: على ترك الوضوء مما غيرت النار) قال الحازميُّ
في (كتاب الاعتبار)): قد اختلف أهلُ العِلم في هذا الباب:
فبعضهم ذهب إلى الوضوء ممَّا مَسَّتِ النار؛ وممن ذهب إلى ذلك: ابن عمر،
وأبو طلحة، وأنس بن مالك، وأبو موسى، وعائشة، وزيد بن ثابت، وأبو هريرة، وأبو عزة
الهذلي، وعمر بن عبد العزيز، وأبو مجلز لاحق بن حميد، وأبو قلابة، ويحيى بن يعمر،
والحسن البصري، والزهري.
وذهب أكثر أهل العلم وفقهاء الأمصار: إلى ترك الوضوء مما مسَّت النار، ورأَوهُ آخر
الأمرين من فِعْلِ رسول الله وَله .
وممن لم ير منه الوضوء: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وابن عباس،
وعامر بن ربيعة [وأبي بن كعب]، وأبو أمامة، [وأبو الدرداء]، والمغيرة بن شعبة، وجابر بن
عبد الله رضوان الله تعالى عليهم أجمعين.
ومن التابعين: عَبيدةُ السَّلماني، وسالم بن عبد الله، والقاسم بن محمد، ومن معهم من
فقهاء أهل المدينة، ومالك بن أنس، والشافعي وأصحابه، وأهل الحجاز، وعامتهم، وسفيان
الثوري، وأبو حنيفة وأهل الكوفة، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق. انتهى كلام الحازمي.
قلت: والظاهر الراجح: ما ذهب إليه أكثر أهل العلم، والله تعالى أعلم.
٥٩ - باب [مَا جَاءَ في] تَركِ الوضُوءِ ممَّا غَيَّرتِ النَّارُ
[٨٠] قوله: (وأتته بقناع) بكسر القاف؛ قال الجزري في ((النهاية)): القناع: هو الطَّبقُ

٢٧٢
أبواب الطهارة عن رسول الله وَ له / باب مَا جَاءَ فِي تَرْكِ الوُضُوءِ مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ
فأتَتْهُ بِعُلالَةٍ مِن عُلالةِ الشَّاةِ، فأكل، ثُمَّ صَلَّى العَصْرَ وَلَمْ يَتَوَضَّأ. [ دبنحوه: ١٩١،
حم بنحوه: ١٤٠٤٤، طا بنحوه: ٥٧].
قَالَ: وَفِي البَابِ عَن أبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ، وابنٍ عَبَّاسٍ، وأبي هريرةَ، وابْنِ
مَسْعُود، وأبِي رَافعٍ، وَأُمِّ الحَكْمِ، وَعَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ، وَأُمِّ عَامِرٍ، وَسُوَيدِ بن النُّعْمَانِ،
وَأُمِّ سَلَمَةَ.
الذي يؤكل عليه، (فأتته بعُلالة) بضم العين، وهي: البقية من كل شيء، (فأكل ثم صلى
العصر، ولم يتوضأ)؛ هذا دليل على أن الوضوء مما مسَّت النارُ ليس بواجب.
قوله: (وفي الباب: عن أبي بكر الصديق) قال: ((إنَّ النَّبيَّ ◌ِ نَهَشَ من ◌َتِفٍ، ثُم صلَّى
ولَم يَتَوَضَّأ))؛ أخرجه أبو يعلى والبزار(١)، وفيه حُسام بن مِصَك، وقد أجمعوا على ضعفه؛
كذا في («مجمع الزوائد))، (ولا يصح حديث أبي بكر في هذا من قِبَلِ إسناده، إنما رواه
حُسام بن مِصَكٌ) بكسر الميم وفتح المهملة بعدها كاف مثقلة، الأزدي، أبو سهل البصري،
ضعيف، يكاد أن يترك.
قوله: (وفي الباب: عن أبي هريرة، وابن مسعود، وأبي رافع، وأم الحكم، وعمرو بن
أمية، وأم عامر، وسويد بن النعمان، وأم سلمة):
أما حديث أبي هريرة: فأخرجه البزار (٢) بلفظ: ((إنَّ رَسُولَ اللهِ لَّهِ تَوَضَّأ من أثوارٍ أَقِطِ،
ثُمَّ أكلَ كَتِفَ شاة، ثم صلَّى ولَم يَتَوَضَّأ)».
قال في ((مجمع الزوائد)): هو في الصحيح، خلا قوله: (ثُمَّ أكَلَ كَتِفَ شَاةٍ، ثُمَّ صَلَّى
ولَم يَتَوضَّأ)»، ورجاله رجال الصحيح، خلا شيخ البزَّار. انتهى.
وعن أبي هريرة أيضًا قال: نشلتُ لِرَسُولِ اللهِ وَّةِ كتفًا من قِدْرِ العبَّاس، فَأْكَلَهَا وَقَامَ
يُصَلِّي وَلم يَتَوضَّأ؛ أخرجه أبو يعلى(٣)، قال في ((مجمع الزوائد)): فيه محمد بن عمرو، عن
أبي سلمة، وهو حديث حسن. انتهى.
وأما حديث ابن مسعود: فأخرجه أحمد وأبو يعلى(٤)، عنه؛ أنَّ النَّبيَّ ◌َِّ كان يأكُلُ
اللَّحْمَ ثُمَّ يقُومُ إلى الصَّلاةِ وَلا يَمَسُّ مَاءً. قال في ((مجمع الزوائد)»: رجاله موثّقون.
(١) أبو يعلى. حديث (٢٤)، والبزار (١٥١/١ - ((كشف))). حديث (٢٩٢).
(٢) البزار (١٥٣/١- ((كشف))). حديث (٢٩٧).
(٣) أبو يعلى. حديث (٥٩٨٦).
(٤) أحمد. حديث (٣٧٨٣)، وأبو يعلى. حديث (٥٢٧٤).

٢٧٣
أبواب الطهارة عن رسول الله وَ ﴿ / باب مَا جَاءَ فِي تَرْكِ الوُضُوءِ مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ
قَالَ أَبُو عيسى: وَلا يَصِحُّ حديثُ أبي بَكْر في هذَا البابِ من قِبَلِ إِسْنَادِهِ، إِنَّمَا
رَوَاهُ حُسامُ بْنُ مِصَكٍّ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَن أبي بَكْرِ الصِّدِّيقِ، عَنِ
النَّبِيِّ ◌َّهِ، وَالصَّحيح إِنَّمَا هُوَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ بَّهِ: هَكَذَا رَوَى الحُفَّافُ،
وَرُوِي مِن غَيْرِ وَجْهٍ عَنِ ابْنِ سِيرِين، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِّ وَّهِ، وَرَوَاهُ عَطَاءُ بن
يَسَارِ، وَعِكْرمَةُ، وَمُحمَّدُ بن عَمْرٍو بن عَطَاءٍ، وَعَلِيُّ بن عَبْدِ الله بن عبَّاسٍ وَغَيْرُ
وَاحِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ بَهِ، وَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ: عَن أبي بَكْرِ الصِّدِّيقِ، وَهَذَا
أُصَحُّ.
قَالَ أبُو عِيْسَى: والعَمَلُ عَلَى هذَا عِنْدَ أكْثَرِ أهْلِ العِلم من أصحَابِ النَّبِيِّ وَل
وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، مِثْلٍ: سفْيان الثَّوْرِيِّ، وابْنِ المُبارَكِ، وَالشَّافِعِيِّ، وأحْمَدَ،
وأما حديث أبي رافع: فأخرجه مسلم(١) بلفظ: ((قَالَ: أشهدُ، لقَد كُنْتُ أشْوِي لرسُولِ اللهِ
وَ﴿ بَظْنَ الشَّاةِ، ثم صلَّى وَلم يَتَوضَّأ)»، وله حديث آخر في هذا الباب أخرجه أحمد(٢) ذكره
صاحب ((المشكاة)).
وأما حديث أم الحكم: فلم أقف عليه(٣)، وأما حديث عمرو بن أمية: فأخرجه
الشيخان(٤)، وأما حديث أم عامر فأخرجه الطبراني في ((الكبير))(٥)، وأما حديث سويد بن
النعمان: فأخرجه البخاري(٦)، وأما حديثُ أم سلمة: فأخرجه أحمد(٧)؛ بلفظ: ((إنَّها قالَتْ:
قَرَّبْتُ إلى النَّبِي ◌َّهِ جَنْبًا مَشْويًّا، فَأَكلَ مِنْهُ، ثم قَامَ إلى الصَّلاةِ، ولم يَتَوضَّأ)).
قوله: (والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبيِّ وَّ والتابعين ومن
بعدهم .... ) إلخ، وعليه كان عمل الخلفاء الراشدين
، قال البخاريُّ في
لَحمًا؛ فلم يتوضؤوا .
((صحيحه)) (٨): وأكل أبو بكر وعمر وعثمان
(١) مسلم، كتاب الحيض. حديث (٣٥٧).
(٢) انظر مسند الإمام أحمد. حديث (٢٣٣٤٣).
(٣) أخرجه ابن أبي عاصم في ((الآحاد والمثاني)). حديث (٣١٦٢)، والحاكم في ((المستدرك)). حديث (٦٩٢٢).
(٤) البخاري، كتاب الوضوء. حديث (٢٠٨)، ومسلم، كتاب الطهارة. حديث (٣٥٥).
(٥) الطبراني في ((الكبير)) (١٤٨/٢٥). حديث (٢١٤٧٥).
(٦) البخاري، كتاب الوضوء. حديث (٢٠٩).
(٧) أحمد. حديث (٢٦٠٨٢)، وأخرجه أبو داود (٢٣٠٤)، والترمذي (١٨٢٩)، والنسائي (١٨٢)، وابن ماجه (٤٩١).
(٨) قبل الحديث (٢٠٧).

٢٧٤
أبواب الطهارة عن رسول الله وَّه / باب مَا جَاءَ فِي تَرْكِ الوُضُوءِ مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ
وَإِسْحَاقَ: رأوْا تَرْكَ الوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ.
وَهذَا آخِرُ الأمْرَيْنِ من رسول الله وَّهِ، وَكَأَنَّ هذَا الحَديثَ نَاسِخٌ لِلْحَديثِ
الأوَّلِ: حَديثِ الوضوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ. (ن: ١٨٥].
قال الحافظ في ((الفتح)): وصله الطبراني في ((مسند الشاميين)) (١) بإسناد حسن، من طريق
سليم بن عامر، قال: رأيتُ أبا بكر وعمر وعثمان أكَلُوا ممَّا مَسَّتْهُ النار، ولم يتوضؤوا،
ورويناه من طرق كثيرة عن جابر، مرفوعًا، وموقوفًا، على الثلاثة، مفرّقًا ومجموعًا.
قوله: (رأوا ترك الوضوء مما مست النار) أي: اعتقدوه، (وهذا آخر الأمرين من
رسول الله وَّ*، وكأنَّ) - بتشديد النون: من الحروف المشبَّهة بالفعل - (هذا الحديث ناسِخٌ
للحديث الأول: حديثِ الوضوء مما مسَّت النار).
قوله: (حديثُ الوضوء مما مسَّت النار): بدلٌ من قوله: ((الحديث الأول)).
وكان الزهري يرى أن الأمر بالوضوء مما مسَّتِ النارُ ناسخ لأحاديث الإباحة؛ لأن
الإباحة سابقة.
واعترض عليه بحديث جابر، قال: ((كان آخرُ الأمْرَينِ من رَسُولِ اللهِ وَّهِ تَركَ الوضُوءِ
ممَّا مَسَّتِ النَّارُ)) رواه أبو داود والنسائي وغيرهما، وصحَّحه ابن خزيمة وابن حبَّان(٢)
وغيرهما. لكن قال أبو داود وغيره: إن المراد بـ ((الأمر)) - هنا -: الشأن والقصة لا مقابل
النهي، وأن هذا اللفظ مختصر من حديث جابر المشهور في قصة المرأة التي صنعت للنبيِّ
وَ شاةً، فَأكل منها، ثم توضأ وصلى الظهر، ثم أكل منها وصلى العصر، ولم يتوضأ؛
فيحتملُ: أن تكون هذه القصة وقعت قبل الأمر بالوضوء ممَّا مست النار، وأن وضوءه لصلاة
الظهر كان عن حدث لا بسبب الأكل من الشاة.
وحكى البيهقي (٣) عن عثمان الدارمي؛ أنه قال: لما اختلفت أحاديثُ الباب، ولم يتبيَّن
الراجحُ منها؛ نظرنا إلى ما عمل به الخلفاءُ الراشدون بعد النبيِّ وَّ، فَرَجَّحنا به أحَدَ
الجانبَيْن، وارتضى النوويُّ بهذا في ((شرح المهذب))، وبهذا تظهر حكمةُ تصدير البخاريِّ
(١) الطبراني في ((مسند الشاميين)). حديث (٢٢٦٢).
(٢) أبو داود، كتاب الطهارة. حديث (١٩٢)، والنسائي، كتاب الطهارة أيضًا. حديث (١٨٥)، وابن خزيمة.
حديث (٤٣)، وابن حبان. حديث (١١٣٤).
(٣) انظر ((السنن الكبرى)) للبيهقي. تحت رقم (٧٠٤).

٢٧٥
أبواب الطهارة عن رسول الله وَله / باب مَا جَاءَ فِي تَرْكِ الوُضُوءِ مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ
حديث الباب - يعني: حديث ابن عباس؛ ((أنَّ رَسُولَ اللهِ ﴿ أَكَلَ كَتِفَ شاةٍ ثُمَّ صَلَّى وَلَم
يَتَوضَّأ))(١) - بالأثر المنقول عن الخلفاء الثلاثة، قال النووي: كان الخلاف فيه معروفًا بين
الصحابة والتابعين، ثم استقرَّ الإجماع على أنه لا وضوءَ مما مسَّتِ النارُ إلَّا ما تقدَّم استثناؤه
من لُحُوم الإبل.
وجمع الخطّابي بوجه آخر، وهو أن أحاديث الأمر محمولةٌ على الاستحباب لا على
الوجوب؛ كذا في ((الفتح)).
قلت: واختاره صاحب ((المنتقى))، فقال: هذه النصوصُ - يعني: التي فيها تركُ الوضوءِ
مما مسَّتِ النارُ - إنما تنفي الإيجابَ لا الاستحباب، ولهذا قال الذي سأله: ((أنَتَوَضَّأ من
لُحُوم الغنَم؟ قالَ: إن شِئْت فَتَوضَّأ وإن شئتَ فلا تَتَوضَّأ))(٢)، ولولا أن الوضوء من ذلك
مُسْتحبٌّ، لما أَذِنَ فيه؛ لأنه إسراف وتضييعٌ للماء بغير فائدة. انتهى.
واختار الشوكاني: أن حديث الأمر بالوضوء مما مَسَّتِ النار ليس بمنسوخ، فقال في
((النيل)): وأجاب الأولون - يعني: الذين قالوا بترك الوضوءِ مما مَسَّت النار - عن ذلك -
يعني: عن حديث الأمر بالوضوء مما مست النار- بجوابين:
الأول: إنه منسوخ بحديث جابر.
الثاني: إن المراد بالوضوء غسلُ الفم والكفين.
قال: ولا يخفاك: أن الجواب الأوَّل إنما يتمُّ بعد تسليم أن فعله ◌َِّ يعارضُ القول
الخاصَّ بنا وينسخه؛ والمتقرر في الأصول: خلافه.
وأما الجواب الثاني: فقد تقرَّر أن الحقائق الشرعيَّة مقدَّمة على غيرها، وحقيقة الوضوء
الشرعية هي غسلُ جميع الأعضاء التي تغسل للوضوء؛ فلا تُخَالَفُ هذه الحقيقة إلَّا لدليل.
وأما دعوى الإجماع: فهي من الدعاوى التي لا يهابها طَالِبُ الحقِّ ولا يحول بينه وبين
مراده منه؛ نعم: الأحاديثُ الواردة في ترك الوضوء من لحوم الغنم مخصصة لعموم الأمر
بالوضوء مما مست النار، وما عدا لحومَ الغنمِ داخلٌ تحت ذلك العموم. انتهى كلام
الشوكاني.
(١) البخاري، كتاب الوضوء. حديث (٢٠٧)، ومسلم، كتاب الحيض. حديث (٣٥٤).
(٢) مسلم، كتاب الحيض. حديث (٣٦٠).

٢٧٦
أبواب الطهارة عن رسول الله وَّه / باب مَا جَاءَ فِي الوُضُوء مِن لُحُوم الإبلِ
٦٠- باب مَا جَاءَ في الوُضُوء مِن ◌ُحُومِ الإبلِ [ت٦٠، م٦٠]
[٨١] (٨١) حدثنا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا أبو مُعَاوِيَةَ، عنِ الأعمَشِ، عَن عَبْدِ الله بن
عَبْدِ اللهِ الرَّازِي، عَن عَبْد الرَّحْمَنِ بنِ أبي لَيْلَى، عَنِ البَرَاءِ بن عَازِبٍ، قَالَ: سُئِلَ
رَسُولُ اللهِ وَّةَ عَنِ الوُضُوء مِن لُحُوم الإبلِ؟ فَقَالَ: (تَوَضَّؤْوا مِنْهَا))، وَسُئِلَ عَنِ
الوُضُوءِ مِن لُحُومِ الغَنَم؟ فَقَالَ: ((لا تَتَوَضؤوا مِنْهَا)). [د: ١٨٤، جه: ٤٩٤، حم: ١٨٠٦٧].
٦٠ - باب الوضُوءِ من تُحُومِ الإبلِ
[٨١] قوله: (نا أبُو مُعَاوِيَةَ) هو: محمد بن خَازِم الضرير، أحد الأئمة، ثقة، (عن
عبد الله بن عبد الله) الهاشميّ مولاهم، الرازي، الكوفي، القاضي، عن: جابر بن سمرة،
وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعنه: الأعمش، وحجاج بن أرطاة، وثقَّه أحمد بن حنبل، (عن
عبد الرحمن بن أبي ليلى)، الأنصاري، المدني ثم الكوفي، ثقة من الثانية، اختلف في
سماعه من عُمَرَ؛ قاله الحافظ في ((التقريب)).
وقال الخزرجي في ((الخلاصة)): روى عن: عمر، ومعاذ، وبلال، وأبي ذر، وأدرك مئة
وعشرين من الصحابة الأنصاريِّين.
وعنه: ابنه عيسى، ومجاهد، وعمرو بن ميمون أكبر منه، والمنهال بن عمرو، وخلق،
وثقه ابن معين، مات سنة (٨٣) ثلاث وثمانين. انتهى.
قوله: (فقال: توضؤوا منها) فيه دليلٌ على أن أكل لحوم الإبل، ناقضٌ للوضوء؛ قال
النووي: اختلف العلماء في أكل لحوم الجزور؛ فذهب الأكثرون: إلى أنه لا ينقض الوضوء،
وممن ذهب إليه الخلفاء الأربعة الراشدون: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود،
وأُبَيُّ بن كعب، وابن عباس، وأبو الدرداء، وأبو طلحة، وعامر بن ربيعة، وأبو أمامة،
وجماهير التابعين، ومالك، وأبو حنيفة، والشافعي، وأصحابهم، وذهب إلى انتقاض الوضوء
به: أحمد بن حنبل، وإِسْحَاق بن راهويه، ويحيى بن يحيى، وأبو بكر بن المنذر، وابن
خزيمة، واختاره الحافظ أبو بكر البيهقي.
وحُكِيَ عن أصحاب الحديث مطلقًا، وحُكِيَ عن جماعة من الصحابة.
واحتج هؤلاءِ بحديث جَابِرِ بن سَمُرَةَ الذي رواه مُسْلِم؛ قال أحمد بن حنبل، وإسْحَاق بن
راهويه: صحَّ عن النبي ◌َّ﴾ في هذا حديثان: حديث جابر، وحديث البراء، وهذا المذهب
أقوی دلیلًا، وإن كان الجمهور على خلافه.

٢٧٧
أبواب الطهارة عن رسول الله وَّه / باب مَا جَاءَ فِي الوُضُوء مِن لُحُوم الإبلِ
وقد أجاب الجمهور عن هذا الحديث: بحديث جابر: ((كان آخرُ الأَمْرَيْنِ من رَسُولِ اللهِ
وَ﴿ تَرْكَ الوضُوءِ ممَّا مَسَّتِ النَّارُ)) (١)، ولكن هذا الحديث عامٌّ، وحديث الوضوء من لحوم
الإبل خَاصٌّ، والخاصُّ مقدَّم على العام. انتهى.
قال الحافظ في ((التلخيص)): قال البيهقي: حكى بعضُ أصحابنا عن الشافعي، قال: إن
صحّ الحديث في لحوم الإبل قلت به.
قال البيهقي: قد صَحَّ فيه حديثان: حديث جابر بن سَمُرَة، وحديث البراء؛ قاله أحمد بن
حنبل، وإسحاق بن راهويه. انتهى، وقال الدُّمَيريُّ: وأنه المختار المنصور من جهة الدليل.
انتھی .
قال بعض علماء الحنفية في تعليقه على ((الموطأ)) للإمام محمَّد: ولاختلافِ الأخبارِ في
هذا الباب - أي: الوضوء ممَّا مَسَّتِ النار - اختلف العلماءُ فيه؛ فمنهم: من جعله ناقضًا، بل
جعله الزهريُّ ناسخًا لعدم النَّقض.
ومنهم: من لم يجعله ناقضًا، وعليه الأكثر.
ومنهم من قال: مَن أكل لحم الإبل خاصَّة، وجب عليه الوضوء، وليس عليه الوضوء في
غيره؛ أخذًا من حديث البراء وغيره، وبه قال: أحمد، وإسحاق، وطائفة من أهل الحديث،
وهو مذهب قوي من حيث الدليل قد رجَّحه النووي وغيره. انتهى.
وأما قول من قال: إن المراد من قوله: ((تَوَضَّؤُوا مِنْهَا)): غَسْلُ اليدَيْن والفَم، لما في
لحم الإبل من رائحةٍ كريهةٍ ودسومةٍ غليظةٍ بخلاف لحم الغنم؛ فهو بعيد؛ لأن الظاهر منه هو
الوضوءُ الشرعيُّ لا اللغوي، وحمل الألفاظ الشرعية على معانيها الشرعية واجبٌ.
وأما قول من قال: إن حديث البَرَاءِ وما في معناه منسوخ، فهو - أيضًا - بعيد؛ فإنَّ النسخ
لا يثبت بالاحتمال، وقد ذكر العلامة الموفَّق ابن قدامة في ((المغني)) في هذا البحث كلامًا
حسنًا مفيدًا، قال: إن أكل لحم الإبل، ينقض الوضوء على كل حال، نيئًا، ومطبوخًا، عالمًا
کان أو جاهلاً.
وبهذا قال جابر بن سَمُرَةَ، ومحمَّد بن إسحاق، وإسحاق، وأبو خَيْئَمَة، ويحيى بن
يحيى، وابن المنذر، وهو أحد قَولَي الشافعيِّ.
(١) أبو داود، كتاب الطهارة. حديث (١٩٢)، والنسائي أيضًا (١٨٥)، والترمذي (٨٠)، وابن ماجه (٤٨٩).

٢٧٨
أبواب الطهارة عن رسول الله وَ لجزر / باب مَا جَاءَ فِي الوُضُوءُ مِن لُحُومِ الإبلِ
قال الخطابيُّ: ذهب إلى هذا عامَّة أصحابِ الحديثِ.
وقال الثوري، ومالك، والشافعي، وأصحاب الرأي: لا ينقضُ الوضوء بحال؛ لأنه
روي عن ابن عبَّاس عن النبي ◌َِّ؛ أنه قال: ((الوضوء مما يَخْرُجُ لا ممَّا يَدْخُلُ)) وروي عن
جابر، قال: ((كان آخِرُ الأمْرَيْنِ، تَرْكَ الوضُوءِ ممَّا مَسَّتِ النَّار)). رواه أبو داود، ولنا: ما
روى البَرَاءُ بن عَازبٍ، قال: سُئلَ رَسُولُ اللهِ وَلَةِ عن لُحُوم الإبلِ، فَقَالَ: ((تَوَضَّؤُوا مِنْهَا))،
وسُئِلَ عَن لُحُومِ الغَنمِ، فقالَ: ((لا يُتَوَضَّأْ مِنها))، رواه مسلم وأبو داود(١).
وروى جابر بن سمرة، عن النَّبِيِّ ◌َِّ، مثله؛ أخرجه مسلم(٢).
وروى الإمام أحمد(٣) بإسناده، عن أُسَيْد بن حُضَيْرِ، قال: قال رَسُولُ اللهِ وَِّ: (تَوَضَّؤُوا
من لُحُومِ الإِبِلِ، ولا تَتَوضَّؤوا من لُحُومِ الغَنَم)).
وروى ابن ماجه (٤) عن عبد الله بن عمر، عن النبي ◌َّ، مثل ذلك.
قال أحمد وإسحاق بن راهويه: فيه حديثان صَحِيحَان عن النَّبِيِّ وَلَ: حَديثُ البراء،
وحديث جابر بن سَمُرةَ، وحديثهم عن ابن عباس، لا أصل له؛ وإنما هو من قول ابن عباس
موقوفًا عليه، ولو صحَّ؛ لوجب تقديمُ حديثنا عليه؛ لكونه أصحَّ منه وأخصَّ، والخاصُّ يقدَّم
على العامِّ، وحديث جابر لا يعارضُ حديثنا أيضًا لصحّته وخصوصهِ.
فإن قيل: فحديثُ جابر متأخِّر، فيكون ناسخًا، قلنا: لا يصحُّ النسخ به؛ لوجوه أربعة:
أحدها: أن الأمر بالوضوء من لحوم الإبلِ متأخرٌ عن نسخ الوضوء ممَّا مَسَّتِ النَّار، أو
مقارِنٌ له؛ بدليل: أنه قرن الأمر بالوضوء من لحوم الإبل بالنهي عن الوضوء من لحوم الغنم،
وهي مما مَسَّتِ النارُ.
فإما أن يكون النسخ حصل بهذا النهي، وإما أن يكون بشيء قَبْلَهُ: فإن كان به فالأمر
بالوضوء من لحوم الإبل مُقارنٌ لنسخ الوضوء مما غَيَّرَتِ النار، فكيف يجُوزُ أن يكون
منسوخًا به، ومن شرط الناسخ تأخّره، وإن كان النسخ قبله، لم يَجُز أن ينسخ بما قبله.
(١) مسلم، كتاب الحيض. حديث (٣٦٠) من حديث جابر بن سمرة، وأبو داود من حديث البراء، كتاب الطهارة.
حدیث (١٨٤).
(٢) مسلم، كتاب الحيض. حديث (٣٦٠).
(٣) أحمد. حديث (١٨٦١٧).
(٤) ابن ماجه، كتاب الطهارة. حديث (٤٩٧).

٢٧٩
أبواب الطهارة عن رسول الله وَّ / باب مَا جَاءَ فِي الوُضُوء مِن لُحُومِ الإبلِ
الثاني: أن أكل لحوم الإبل: إنما نقض؛ لكونه من لحوم الإبل، لا لكونه مما مسَّتِ
النار. ولهذا ينقض، وإن كان نيئًا، فتَسخُ إحدى الجهتين لا يَثْبُتُ به نَسْخُ الجهة الأخرى؛
كما لو حرمت المرأة للرضاع، ولكونها ربيبة، فنسخ التحريم بالرضاع، ولم يكن نسخًا
لتحريم الربيبة .
الثالث: أن خبرهم عامّ، وخبرنا خاصٌّ، والعامُّ لا ينسخ به الخاصُّ؛ لأن من شرط النسخ
تعذّر الجمع، والجمعُ بين العامِّ والخاصِّ ممكنٌ؛ بتنزيل العامٌّ على ما عدا محلِّ التخصيص.
الرابع: أن خبرنا صحيحٌ مستفيضٌ ثبتَت له قوة الصحّة والاستفاضة والخُصُوص،
وخبرهم ضعيفٌ لعدم هذه الوجوه الثلاثة فيه؛ لا يجوز أن يكون ناسخًا له.
فإن قيل: الأمر بالوضُوءِ في خَبَرِكُم يحتملُ الاستحباب؛ فنحمله عليه، ويحتمل أنه أراد
بالوضوء غَسْلَ اليدين؛ لأن الوضوء إذا أضيفَ إلى الطّعام؛ اقتضى غسل اليد، كما كان عليه
السلام يأمر بالوضوءِ قَبْلَ الطعام وبعده، وخصَّ ذلك بلحم الإبل؛ لأن فيه من الحرارة
والزهومة ما ليس في غيره.
قلنا: أما الأول، فمخالف للظاهر من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن مقتضى الأمرِ الوجوبُ.
الثاني: أن النبي ◌َّ سُئلَ عن حُكم هذا اللحم، فأجاب بالأمرِ بالوضوء منه، فلا يجوزُ
حمله على غير الوجوب؛ لأنه يكون تلبيسًا على السائل لا جوابًا .
الثالث: أنه عليه السلام قرنه بالنَّهي عن الوضوء من لُحُوم الغَنَم، والمراد بالنهي هاهنا :
نفي الإيجاب لا التحريم؛ فيتعيَّن: حمل الأمر على الإيجاب؛ ليحصل الفَرق.
وأما الثاني: فلا يصح لوجوه أربعة:
أحدها: أنه يلزم منه حملُ الأمر على الاستحباب، فإن غسل اليد بمفرده غیرُ واجبٍ،
وقد بيَّنا فساده.
الثاني: أن الوضوء إذا جاء في لِسَان الشارع، وجب حمله على الوضوءِ الشرعيِّ دون
اللغوي؛ لأن الظاهر منه: أنه إنما يتكلّم بموضوعاته.
الثالث: أنه يخرج جوابًا لسؤال السائلِ عن حُكم الوضوء من لحومها، والصلاة في
مباركها؛ فلا يفهم من ذلك سوى الوضوءِ المرادِ للصلاة ...

٢٨٠
أبواب الطهارة عن رسول الله وَيْهِ / باب مَا جَاءَ فِي الوُضُوء مِن لُحُومِ الإبلِ
الرابع: أنه لو أراد غسلَ اليد، لما فرَّق بينه وبَيْنَ لَحم الغَثَم؛ فإنَّ غَسْلَ اليد منها
مستحبُّ؛ ولهذا، قال: ((مَن بَاتَ وفي يَدهِ رِيح غمر فأصَابُهُ شيءٌ، فَلا يَلومَنَّ إلَّا نفسَهُ))، وما
ذكروه من زيادة الزهومة فأمر يسيرٌ لا يقتضي التفريق، والله أعلم.
ثم لا بد من دليل نصرفُ به اللفظ عن ظاهره، ويجبُ أن يكون الدليلُ له مِنَ القُوَّةِ بِقَدْر
قوة الظواهر المتروكة، وأقوى منها، وليس لهم دليلٌ. انتهى كلام ابن قدامة.
تنبيه: قال صاحب ((بذل المجهود)): أخرج ابن ماجه عن أُسَيْد بن حُضَيْر (١)، وعبد الله بن
عمر (٢)، ويرفعانه: ((تَوَضَّؤْوا من ألبَانِ الإبلِ))؛ وهذا محمولٌ عند جميع الأمة على شربها
بأن يستحبَّ له أن يمضمض، ويزيل الدسومة عن فمه، كذلك يستحبُّ له إذا أكل لحمَ
الجزورِ أن يغسلَ يدَهُ وَفَمَهُ، وينفي الدسومة والزهومة. انتهى كلامه.
قلت: قوله: ((هذا محمولٌ عند جميع الأمة على شربها، بأن يستحبَّ له .... )) إلخ،
مبنيٌّ على غفلته عن مذاهب الأمة.
قال ابن قدامة: وفي شُرْب لبن الإبل روايتان؛ إحداهما: ينقض الوضوء؛ لما روى
◌ُسَيْد بن حُضَيْر.
الثانية: لا وضوء فيه؛ لأن الحديث إنما وَرَدَ في اللحم، وقولهم: فيه حديثان
صحيحان، يدلُّ على أن لا صحيح فيه سواهما، والحكم هاهنا غير معقول، فيجبُ الاقتصار
على مورد النصٍّ. انتهى كلام ابن قدامة.
على أن استحباب المضمضة من شُرب لبن الإبل، ليس لحديث أُسَيْد وعبد الله بن
عمرو، بل لحديث ابن عباس؛ أن رسولَ اللهِ وَ ﴿ِ شرب لبنًا، فمضمض، وقال: ((إنَّ لهُ
دَسَمًا)).
قال الحافظ في ((الفتح)): فيه بيان لعلَّة المضمضة من اللبن؛ فيدلُّ على استحبابها من كل
شيء دَسِمٍ، ويستنبط منه استحبابُ غسل اليدين للتنظيف. انتهى.
وأما حديث أسيد بن حضير، وحديث عبد الله بن عمرو؛ فضعيفان، لا يصلحان
للاحتجاج؛ قال صاحب ((الشرح الكبير)) المسمى بـ ((الشافي شرح المقنع)): حديث أسيد بن
(١) ابن ماجه، كتاب الطهارة وسننها. حديث (٤٩٦).
(٢) ابن ماجه، كتاب الطهارة وسننها. حديث (٤٩٧).