Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨١
أبواب الطهارة عن رسول الله وَلهو / باب مَا جَاءَ فِي التَّمندُل بَعْدَ الوُضوء
٤٠- باب مَا جَاءَ في التَّمندُلِ بَعْدَ الوُضوء [ت٤٠، ٤٠٢]
[٥٣] (٥٣) حدثنا سُفْيانُ بنُ وَكيع بنِ الجرَّاحِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بنِ وَهْبٍ، عَن
زَيْدٍ بن حُبَابٍ، عَن أبي مُعَاذٍ، عنِ الزّهْريِّ، عَن عُرْوَةَ، عَن عائشة، قَالَت: كَانَ
لَرَسُولِ اللهِ وَ لِهِ خِرْقَةٌ يُنَشِّفُ بهَا بعدَ الوُضُوءِ. [ضعيف الإسناد].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: حديثُ عَائِشَةَ لَيْسَ بِالقَائِم، ولا يَصِحُ عنِ النَّبِيِّ وََّ فِي هَذَا
البابِ شيءٌ. وَأَبُو مُعَاذٍ يَقُولُونَ: هو: سُلَيْمَانُ بْنُ أرْقَمَ، وَهُوَ ضَعِيفٌ عِنْدَ أهْلٍ
الحَديثِ.
٤٠- بابُ: مَا جَاءَ في المِنْديل بَعْدَ الوضُوءِ
قال في ((القاموس)): المِنديلُ؛ بالكسر والفتح، وكـ ((مِنْبَر)): الذي يتمسَّح به، وتَمَنْدَلَ به
وَتَمَنْدَلَ: تمسح. انتهى. أي: باب استعمال المنديل بعد الوضوء لتنشيف الماء.
[٥٣] قوله: (حدّثنا سفيان بن وكيع بن الجراح) أبو محمَّد الرؤاسي الكوفي، كان
صدوقًا إلَّا أنه ابتلي بوَرَّاقه، فأدخل عليه ما ليس من حديثه، فنُصح فلم يقبل فَسَقَطَ حديثه؛
كذا في ((التقريب)).
(عن أبي معاذ) اسمه: سليمان بن أرقم، وهو ضعيف عند أهل الحديث، كما صرح به
الترمذي فيما بعده.
قوله: (كانت لرسول الله ﴿ خرقة ينشِّف بها بعد الوضوء): من التنشيف، قال الجزريُّ
في ((النهاية)): أصل النَّشْف: دخول الماء في الأرض والثَّوب، يقال: نَشِفَتِ الأرضُ المَاءَ
تَنْشَفُهُ نَشْفًا: شَربته، ونَشَفَ الثَّبُ العَرَقَ وَتَنْشَفُهُ، وأرضٌ نَشِفَةٌ، ومنه الحديث: ((كَانَ
لَرَسُولِ اللهِ وَّ نَشَّافَةٌ يُنَشِّفُ بِهَا غُسَالَةَ وَجْهِهِ) يعني: منديلًا يمسح بها وضوءه. انتهى.
وقال في ((القاموس)): نَشَّفَ الثَّوبُ العَرَقَ كـ ((سمع))، و((نصر)) شربه، والحَوضُ الماءَ؛
شربه كـ (تنشفه))، وقال فيه: نشَّف الماءَ تنشيفًا: أخذه بِخرْقَةٍ ونَحوها. انتهى.
والحديث: دليل على جواز التنشيف بعد الوضوء؛ لكنه حديث ضعيف.
قوله: (حديث عائشة ليس بالقائم) وصحَّحه الحاكم، والحق: أنه ضعيفٌ.
قوله: (وأبو معاذ يقولون: هو سليمان بن أرقم، وهو ضعيف عند أهل الحديث) قال
الخزرجيُّ في ((الخلاصة)): سليمان بن أرقَمَ البصريُّ، أبو معاذ، عن: الحسن، وعطاء،

١٨٢
أبواب الطهارة عن رسول الله بَّه / باب مَا جَاءَ فِي التَّمندُل بَعْدَ الوُضوء
قَالَ: وفي البابِ عَن مُعَاذٍ بِنِ جَبَلٍ .
وعنه: الثوري، ويحيى بن حمزة، قال الترمذي: متروك. انتهى.
وقال الذهبي في ((الميزان)) قال خ: هو مولى قريظة أو النضير، روى عن: الحسن،
والزهري، تركوه، وقال أحمد: لا يروى عنه، وقال عباس وعثمان عن ابن معين: ليس
بشيء، وقال الجُوزَجَاني: ساقط، وقال أبو داود والدارقطني: متروك، وقال أبو زرعة:
ذاهب الحديث، وقال محمد بن عبد الله الأنصاريُّ: كُنَّا نُنهَى عن مجالسة سليمان بن أرقم،
فذکر منه أمرًا عظيمًا. انتهى.
قوله: (وفي الباب عن معاذ بن جبل)؛ أخرجه الترمذي في هذا الباب.
قلت: وفي الباب أحاديثُ أخرى، فمنها حديثُ الوَضين بن عطاء، أخرجه ابن ماجه(١)
عن محفوظ بن علقمة عن سَلمَان: ((أن النبيَّ وَّ تَوَضَّأَ فَقَلَبَ جُبَّة صُوفٍ كَانَت عَلَيْهِ فَمَسَحَ
بها وَجْهَهُ»، وهذا ضعيفٌ عند جماعة.
ومنها: حديثُ أبي بكر: ((كَانَت للنَّبِيِّ وَلَّ خِرْقَةٌ يَتَنَشَّفُ بِهَا بَعْد الوضوء)»، أخرجه
البيهقي(٢)، وقال: إسناده غير قوي.
ومنها: حديث أنس مثله، وأعلَّه.
ومنها: حديث أبي مريم إياس بن جعفر، عن فلان - رجل من الصحابة - أنَّ النَّبيَّ وَيه
كان لَهُ مِنْدِيلٌ أو خِرْقَةٌ يَمْسَحُ بِهَا وَجْهَهُ إذَا تَوَضَّأ، أَخْرَجَهُ النسائي في ((الكُنى))(٣) بسند
صحيح.
ومنها: حديث منيب بن مدرك المكيّ الأزدي، قال: ((رأيت جاريةً تحملُ وضوءًا
ومنديلا، فأخذ ◌ََّ المَاءَ فتوضَّأَ ومسح بالمنديل وَجْهَهُ))؛ أسنده الإمام مُغَلْطَاي في
((شرحه)) (٤)؛ كذا في ((عمدة القاري شرح البخاري)) للعيني.
قلت: هذه الأحاديثُ كُلُّها ضعيفةٌ إلَّا حديث أبي مَرْيَمَ عن رجل من الصحابة، فقال
العيني: أخرجه النسائي في ((الكنى)) بسند صحيح، وإني لم أقف على سَنده، ولم أظفر بـ
((كتاب الكُنَى)) للنسائي.
(١) كتاب الطهارة وسننها. حديث (٤٦٨).
(٢) البيهقي في ((الكبرى)). حديث (٨٤٢).
(٣) النسائي في ((الكبرى)). حديث (٨٤٢).
(٤) شرح سنن ابن ماجه، لمغلطاي (٣٨٢/١) ط/ دار الباز.

١٨٣
أبواب الطهارة عن رسول الله وَّ / باب مَا جَاءَ فِي التَّمندُل بَعْدَ الوُضوء
[٥٤] (٥٤) حدثنا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا رِشْدينُ بنُ سَعْدٍ، عَن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ زِیادِ بْنِ
أنْعُمِ، عَن عُتْبَةَ بنِ حُمَيْدٍ، عَن عُبادةَ بنِ نُسَيٍّ، عَن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمِ، عَن
مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَ: رَأيْتُ النَّبِيَّ وَلِهِ إِذَا تَوَضَّأَ مَسَحَ وَجهَهُ بِطَرَفِ ثَوْبِهِ. [ضعيف
الإسناد] .
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَإِسنَادُهُ ضَعِيفٌ، وَرِشْدِينُ بنُ سَعْدٍ
وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ زِياد بنِ أنْعُمِ الإِفْرِيقِيُّ يُضَعَّفَانِ فِي الحَدِيثِ.
وقد رَأَخَّصَ قَوْمٌ من أهلِ العِلْمِ مِن أصْحَابِ النَّبِيِّ وَّهِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ فِي التَّمَنْدُلِ
بَعْدَ الوُضوءِ.
[٥٤] قوله: (حدّثنا رشدين بن سعد) بكسر الراء وسكون الشين المعجمة؛ على وزن
((مِسْكِين)) قال الحافظ: ضعيف، ورجّح أبو حاتم عليه ابْنَ لَهِيعَة.
وقال ابن يونس: كان صالحًا في دينه، فأدركته غفلة الصالحين، فخلّط في الحديث. انتهى.
وقال الذهبي في ((الميزان)): كان صالحًا عابدًا سيء الحفظ غير معتمد. انتهى.
(عن عبد الرحمن بن زياد بن أنْعُم) بفتح أوله وسكون النون وضم العين المهملة،
الإفريقي، قال الحافظ: ضعيف في حفظه، وكان رجلاً صالحًا. انتهى.
قلت: هو - مع ضعفه - مدلِّس أيضًا، صرَّح به الحافظ في ((طبقات المدلسين)).
(عن عتبة بن حُمَيْد) الضبي البصري، يكنى: أبا معاذ، وثقه ابن حبَّان، وضعَّفه أحمد.
وقال أبو حاتم: صالح، كذا في ((الخلاصة))، وقال في ((التقريب)): صدوق له أوهام.
(عن عُبَادة بن نُسَيٍّ) بضم النون وفتح المهملة وشدة التحتانية الخفيفة، الكنديِّ، قاضي
طَبَرِيَّة، ثقة، فاضل، من الثالثة؛ قاله الحافظ، (عن عبد الرحمن بن غَنْم) بفتح المعجمة
وسكون النون، الأشعري، مختلفٌ في صحبته، وذكره العِجْليُّ في ((كبار ثقات التابعين))؛ قاله
الحافظ .
قوله: (إذا توضأ مسح وجهه بطرف ثوبه) أي: نشف به بعد الوضوء، وهذا الحديثُ
أيضًا دليلٌ على جواز التنشيف، لكن هذا الحديث أيضًا ضعيف.
قوله: (وقد رخص قوم من أهل العلم من أصحاب رسول الله وَّ﴿ ومَن بعدهم في
المنديل بعد الوضوء) قال ابن المنذر: كره المنديلَ بعد الوضوء: عثمانُ، والحسنُ بن عليٍّ،

١٨٤
أبواب الطهارة عن رسول الله وَ لخير / باب مَا جَاءَ فِي التَّمندُل بَعْدَ الوُضوء
وَمَنْ كَرِهَهُ إِنَّمَا كَرِهَهُ مِن قِبَلِ أَنَّهُ قِيلَ: إنَّ الوُضُوءَ يُوزَنُ، وَرُوِي ذَلِكَ عَن سَعِيدِ بْنِ
المُسَيَّبِ وَالزُّهْرِيِّ.
وأنس، وبشير بن أبي مسعود، ورخَّص فيه: الحسن، وابن سيرين، وعلقمة، والأسود،
ومسروق، والضحاك؛ وكان مالك، والثوري، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي: لا
يرون به بأسًا، كذا في ((عمدة القاري))، واحتج المرخّصون بأحاديث الباب، وبحديث أم
هانئ عند الشيخين (١): ((قَامَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ إلى غُسْلِهِ، فَسَتَرَت عَلَيهِ فَاطِمَةُ، ثُمَّ أَخَذَ ثَوبَهُ
فَالتَحَفَ بهِ))، قال العيني: هذا ظاهرٌ في التنشيف بحديث قيس بن سعد، رواه أبو داود(٢):
((أَتَانَا النَّبِيُّ ◌َهِ فَوَضَعْنَا له ماءً، فاغتسل، ثم أتيناه بِمِلحَفَةٍ وَرْسِيَّة، فاشتمل بها، فكأني أنظرُ
إلى أثر الوَرْسِ عليه)).
قلت: في الاستدلال بهذينِ الحديثينِ على جواز التنشيف بعد الوضوء تأمُّلٌ؛ كما لا
يخفى على المتأمِّل.
(ومن كرهه إنما كره من قِبَلِ أنه قيل: إن الوضوء يُوزنُ): أي: من جهة أن ماء الوضوء
يُوزَنُ، فیکره إزالته بالتنشيف.
وفيه: أن الظاهر أن المراد ما استعمل في الوضوء يُوزَنُ لا الباقي على الأعضاء.
وقيل: لأن ماء الوضوء نورٌ يوم القيامة.
وفيه: مثلُ ما في ما قبله.
وقيل: لأنه إزالةٌ لأثر العبادة.
وفيه: أنه قد ثَبَتَ نَفْضُهُ بَّهِ يَدَيْهِ بعد الغسلِ، قال ابن دقيق العيد: نفضه الماء بيده يَدُلُّ
على أن لا كراهَةَ في التنشيف؛ لأن كُلَّ منهما إزالة. انتهى.
وقيل: لأن الماء يسبِّح ما دام على أعضاء الوضوء.
وفيه: ما قال القاري: من أن عَدمَ تسبيح ماء الوضوء إذا نشف، يحتاج إلى نَقْلٍ صحيح.
انتھی .
قلت: قد كره التنشيفَ: عبد الرحمن بن أبي ليلى، والنخعي، وابن المسيِّب، ومجاهد،
(١) البخاري، كتاب الغسل. حديث (٢٨٠)، ومسلم، كتاب الحيض. حديث (٣٣٦).
(٢) أبو داود، كتاب الأدب. حديث (٥١٨٥).

١٨٥
أبواب الطهارة عن رسول الله وَله / باب مَا جَاءَ فِي التَّمندُل بَعْدَ الوُضوء
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدِ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ قَالَ: حَدَّثَنِيهِ عَلِيُّ بنُ مُجَاهِدٍ عَنِّي
وأبو العالية؛ كما ذكره العيني، واحتجوا بما ذكر، وقد عَرَفت ما فيه، واحتجُوا بحديث أنس
(أنَّ رَسُولَ اللهِ وَلَه لَمْ يَكِن يَمْسِحُ وَجْهَهُ بالمَنْدِيلِ بِعْدَ الوضُوءِ، ولا أَبُو بَكْرٍ وَلا عُمَرُ ولا ابنُ
مَسْعُودٍ))، أخرجه ابن شاهين في ((الناسخ والمنسوخ))(١).
وفيه: إن هذا الحديثَ ضعيفٌ؛ صرَّح به الحافظ في ((التلخيص))، فلا يصلُحُ
للاستدلال، وبحديث ميمونة في غُسْلِ النبيِّ بَّة، وفيه: ((فناولته ثوبًا، فلم يأخذه، فانطلقَ
وهو يَنْفُضُ يديه))؛ أخرجه البخاري(٢)، قالوا: هذا الحديث يدلُّ على كراهة التنشيف بعد
الغُسْل، فيثبت به كراهته بعد الوضوء أيضًا .
وفيه: ما قال الحافظ من أنه لا حُجَّة فيه؛ لأنها واقعةُ حالٍ يتطرّق إليه الاحتمال؛ فيجوز
أن يكون عدمُ الأخذ لأمرٍ آخرَ، لا يتعلَّق بكراهة التنشيف، بل لأمر يتعلَّق بالخِرقة أو لكونه
كان مستعجلًا أو غير ذلك، قال المهلب: يحتملُ تركه الثوبَ؛ لإبقاء بركة الماء، أو
للتواضع، أو لشيء آخر رآه في الثوب من حَریرٍ أو وَسَخٍ، وقد وقع عند أحمد والإسماعيلي
من رواية أبي عوانة في هذا الحديث عن الأعمش، قال: فذكرت ذلك لإبراهيم النخعي،
فقال: لا بأسَ بالمنديل، وإنما رَدَّهُ مخافة أن يصير عادة.
وقال التيمي في ((شرحه)): في هذا الحديث دليلٌ على أنه كان يُنَشِّفُ، ولولا ذلك لم تأته
بالمنْدیلِ.
وقال ابن دقيق العيد: نَفْضُهُ الماء بيده: يدل على أن لا كراهة في التنشيف؛ لأنَّ كُلَّا
منهما إزالة. انتهى كلام الحافظ.
والقول الراجحُ عندي: هو قول من قال بجواز التنشيف، والله تعالى أعلم.
قوله: (حدثنا محمد بن حميد) بن حيَّن الرازي، حافظ، ضعيف، وكان ابن معينٍ حَسَنَ
الرأي فيه، (قال: حدثنا جرير) هو ابن عبد الحميد بن قُرْطِ الضبي الكوفي، نزيل الرَّي
وقاضيها، ثقة، صحيح الكتاب، قيل: كان في آخر عمره يَهِمُ من حفظه، (حدثنيه علي بن
مجاهد) بن مسلم القاضي الگابُلُّ - بضم الموحدة وتخفيف اللام - متروك، وليس في شيوخ
أحمد أضعفُ منه، (عنِّي) كان جريرٌ حدَّث به أولًا عليَّ بن مجاهدٍ، ثم نَسِيَ جريرٌ، فأخبره
(١) ابن شاهين في ((الناسخ والمنسوخ)). حديث (١٥٢).
(٢) البخاري، كتاب الغسل. حديث (٢٧٦).

١٨٦
أبواب الطهارة عن رسول الله وَلّهِ / باب فيمَا يُقَالُ بَعْدَ الوضُوء
- وَهُوَ عِنْدِي ثِقَة - عَن ثَعْلَبَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: إِنَّمَا كُرِهَ المِنْدِيلُ بَعْدَ الوُضُوءِ؛ لأنَّ
الوُضوءَ یُوزَنُ.
٤١- باب فيمَا يُقَالُ بَعْدَ الوضُوء [ت٤١، ٤١٢]
[٥٥] (٥٥) حدثنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِمْرَانَ الثَّعْلَبِيُّ الكُوفِيُّ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ
حُبَابٍ، عَن معَاوِيَةَ بنِ صَالِحٍ، عَن رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ الدِّمَشْقِيِّ،
عليُّ بن مجاهد بأنك حدَّثْتَنِي به عَن ثَعْلَبة، فرواه جريرٌ بعد ما نَسِيَ، وقال: حدثنيه علي بن
مجاهد عني؛ قال ابن الصلاح: وَقَد رَوَى كثير من الأكابر أحاديثَ نَسُوها بعد ما حَدَّثوا بها،
وكان أحدُهُم يقول: حدثني فلانٌ عَنِّي عن فلان بكذا، وصنَّف في ذلك الخطيبُ ((أخبارَ مَن
حَدَّثَ وَنَسِيَ))؛ وكذلك الدار قطني.
(وهو عندي ثقة) هذا قول جرير، (عن ثعلبة) بن سُهَيْل التميميِّ الظُّهَوِيِّ الكوفيِّ، كان
يسكن بالرَّيِّ، وكان متطبًّا، روى عن: الزهري وغيره، وعنه جرير بن عبد الحميد، وغيره.
قال الحافظ في ((تهذيب التهذيب)): روى له الترمذيُّ أثرًا موقوفًا في الوضوء. انتهى.
قلت: أشار الحافظ إلى أثر الزهريِّ هذا .
٤١- بَابٌ: فيمَا يُقَالُ بَعْدَ الوضُوءِ
[٥٥] قوله: (حدثنا جعفر بن محمد بن عمران الثعلبي) بالمثلثة ثم المهملة وفتح اللام
وقد ينسب إلى جَدِّهِ، صدوق، روى عن: وَكِيعٍ، ويحيى بن سُلَيْم، وعنه: أبو داود،
والترمذي، والنسائي؛ قال أبو حاتم: صدوق، قال الذهبي: توفي بعد الأربعين ومئتين.
(عن معاوية بن صالح) ابن حُدَير الحضرميِّ، أحد الأعلام، وقاضي الأندلس، وثَّقه
أحمد وابن معين، روى عن: مكحول، وربيعة بن يزيد، وخلق، وعنه: الثوري، واللیث،
وابن وهب، وخلق.
قال ابن عدي: هو عندي ثقة إلَّا أنه يَقَعُ في حديثه إفرادات، مات سنة (١٥٨) ثمان
وخمسين ومئة.
(عن ربيعة بن يزيد الدمشقي) قال الحافظ: ثقة عابد، وقال في ((الخلاصة)): أحد
الأعلام، روى عن واثلة، وعبد الله بن الديلمي، وجبير بن نُفَيْر، وعنه جعفر بن ربيعة،
وحيوة بن شُرَيْح والأوزاعي، وثَّقه النسائي، قتل سنة (١٢٣) ثلاث وعشرين ومئة.

١٨٧
أبواب الطهارة عن رسول الله وَل﴿و / باب فيمَا يُقَالُ بَعْدَ الوضُوء
عَن أبِي إذْرِيسَ الخَوْلانِيِّ، وأبِي عُثْمانَ، عَن عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله
وَه : ((مَن توَضَّأَ فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ، ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أنْ لا إلهَ إلَّا الله وَحْدَهُ لا شَرِيكَ
لَهُ، وأَشْهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبْدُهُ ورَسُولُهُ،
(عن أبي إدريس الخولاني): اسمه عائذ الله بن عبد الله، ولد في حياة النبي ◌َّ يوم
حُنَيْنٍ، وسمع من كبار الصحابة، ومات سنة (٨٠) ثمانين، قال سعيد بن عبد العزيز: كان
عالم الشام بعد أبي الدرداء، (وأبي عثمان) قال في ((التقريب)): أبو عثمان شيخٌ لربيعة بن
يزيد الدمشقيّ: قيل: هو سعيد بن هانئ الخولاني.
وقيل: جرير بن عثمان؛ وإلا فمجهول.
قلت: قال أبو داود في ((سننه)) (١): حدثنا أحمد بن سعيد، عن ابن وهب، عن معاوية بن
صالح، عن أبي عثمان - وأظنه: سعيد بن هانئ - عن جُبَيْر بن نُفَيْر، عن عقبة، قال معاوية:
((وحدثني ربيعة بن يزيد عن أبي إدريس، عن عقبة ..... )) إلخ، فرواية أبي داود هذه تؤيّد أن
أبا عثمان هو: سعيد بن هانئ، وأيضًا تدلُّ على أن قوله: ((وأبي عثمان)) في رواية الترمذي
معطوف على ((ربيعة)).
تنبيه: اعلم، أن حديث الباب قد أخرجه مسلمٌ بدون زيادة: ((اللهمَّ، اجْعَلني من
التَّابينَ .... )) إلخ، بإسنادين، أحدهما: عن شيخه محمد بن حاتم، قال: نا عبد الرحمن بن
مهدي، قال: نا معاوية بن صالح، عن ربيعة -: يعني ابن يزيد - عن أبي إدريس الخولاني،
عن عقبة بن عامر، قال: وحدثني أبو عثمان عن جُبَيْر بن نُفَيْر، عن عقبة بن عامر، وثانيهما:
روى عن شيخه أبي بكر بن أبي شيبة، قال: نا زيد بن الحُبَاب، قال: نا معاوية بن صالح،
عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني وأبي عثمان، عن جُبَيْر بن نُفَيْر بن مالك
الحضرمي، عن عقبة بن عامر.
وحقَّق النووي في ((شرح مسلم)) أن قائل: ((وحدثني أبو عثمان)) في السند الأول: هو
معاوية بن صالح، وأن قوله: ((وأبي عثمان)) في السند الثاني معطوف على ((ربيعة))، وأطنب
في تصويبه؛ نقلاً عن أبي علي الغَسَّانِي الجَيَّانِيِّ.
ثم قال النووي: قال أبو عَلِيٍّ: وقد خرَّج أبو عيسى الترمذيُّ في ((مُصَنَّفه)) هذا الحديث
(١) أبو داود، كتاب الطهارة. حديث (١٦٩).

١٨٨
أبواب الطهارة عن رسول الله وَّه / باب فيمَا يُقَالُ بَعْدَ الوضُوءِ
اللَّهمَّ اجْعَلني مِنَ التَّوَّابينَ، وَاجْعَلْنِي مِنَ المتَطَهِّرِينَ: فُتِحَتْ لَهُ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابِ الجَنَّةِ
يَدْخُلُ مِن أيِّهَا شَاءَ)). [ن مختصراً: ١٤٨، جه مختصراً: ٤٧٠].
قَالَ أبُو عيسى: وفِي البَابِ عَن أَنَسٍ، وعُقْبَةَ بنِ عَامٍ .
قَالَ أبُو عِيْسَى: حَدِيثُ عُمَرَ قَدْ خُولِفَ زَيْدُ بنُ حُبابٍ في هذَا الحَدِيثِ. قَالَ:
وَرَوَى عَبْدُ الله بنُ صالِحٍ وغَيْرُهُ عَن مُعَاوِيَةَ بنِ صالِحٍ، عَن رَبِيعَةَ بنِ يَزِيدَ، عَن
أبي إذْرِيسَ، عَن عُقْبَةَ بنِ عَامر، عَن عُمَرَ، وعَن رَبِيعَةَ، عَن أبي عُثمَانَ، عَن جُبَيْرِ بنِ
نُفَيْرٍ، عَن عُمَرَ. وهَذَا حَدِيثٌ فِي إسنَادِهِ اضْطِرَابٌ، ولا يَصِحُّ عَنِ النَّبِيِّ وََّ فِي هذَا
البَابِ كَبِيرُ شَيْءٍ. قَالَ مُحَمَّدٌ: وأبُو إدْرِيسَ لَمْ يَسْمَعْ مِن عُمَرَ شَيْئاً.
من طريق زيد بن الحُبَاب، عن شيخ له لم يقم إسناده عن زيد، وحمل أبو عيسى في ذلك
على زيد بن الحُبَاب، وزيدٌ بريء من هذه العهدة، والوَهمُ في ذلك من أبي عيسى أو من
شيخه الذي حدَّثه به؛ لأنا قدَّمنا من رواية أئمةٍ حفاظٍ، عن زيد بن الحباب: ما خالف ما
ذكره أبو عیسى. انتهى.
قلت: قوله: ((وحمل أبو عيسى في ذلك على زيد بن الحباب .... )) إلخ. يشير به إلى
قول أبي عيسى فيما بعد: ((قد خولف زيد بن الحُبَاب في هذا الحديث)) إلخ.
قوله: (اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين): جمع بينهما، إلمامًا بقوله
تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّبِينَ وَيُحِبُّ الُْطَهِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] ولما كانت التوبة طهارة الباطن عن
أدران الذنوب، والوضوء طهارة الظاهر عن الأحداث المانعة عن التقرُّب إليه تعالى، ناسب
الجَمْعُ بينهما .
قوله: (وفي الباب، عن أنس، وعقبة بن عامر): وأما حديث أنس: فأخرجه ابن
ماجه(١)، وأما حديث عقبة بن عامر، فأخرجه مسلم(٢).
قوله: (خولف زيد بن الحباب في هذا الحديث) خالفه عبد الله بن صالح وغيره، وبَيّن
...... )) إلخ.
الترمذي صورة المخالفة بقوله: ((روی عبد الله بن صالح وغيره.
قوله: (هذا حديث في إسناده اضطراب، ولا يصح عن النبي ◌َّ في هذا الباب كبير شيء).
(١) ابن ماجه، كتاب الطهارة وسننها. حديث (٤٦٩).
(٢) مسلم، كتاب الطهارة. حديث (٢٣٤).

١٨٩
أبواب الطهارة عن رسول الله وَ له / باب فيمَا يُقَالُ بَعْدَ الوضُوء
اعلم: أن حديث عمر هذا، أخرجه مسلم في ((صحيحه)) من وجه آخر بدون زيادة:
((اللَّهِم اجْعَلِي مِن الَّوابِيْنَ وَاجْعَنِي مِنَ المتطَهِّرِينَ)) فهو صحيح سالمٌ من الاضطراب.
قال الحافظ في ((التلخيص)) بعد ذكر كلام الترمذي هذا ما لفظه: لكن رواية مسلم سالمةٌ
من هذا الاعتراض، والزيادة التي عنده رواها البزَّار والطبرانيُّ في ((الأوسط)) من طريق
ثوبان، ولفظه: ((مَن دَعَا بِوَضُوءٍ فَتَوضَّأ فَسَاعَة فَرَغَ مِن وضُوئِهِ يَقُولُ: أشهدُ أن لا إله إلَّا اللهُ،
وأشهد أن محمَّدًا رَسُولُ الله، اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوابينَ، وَاجْعَلنِي مِنَ المُتَطَهِّرِينَ .... ))
الحديث، ورواه ابن ماجه(١) من حديث أنس. انتهى ما في ((التلخيص)).
ثم اعلم: أنه لم يصح في هذا الباب غير حديث عمر الذي رواه مُسْلِم، وقد جاء في
هذا الباب أحاديثُ ضِعَافٌ.
منها: حديث أبي سعيد بلفظ: ((مَن تَوَضَّأ فَقَالَ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدكَ، أشهدُ أن لا
إله إلّا أنتَ، أستغفركَ، وأتوبُ إليكَ؛ كُتِبَ في رَقُّ ثمَّ طُبعَ بطَابِعٍ، فلَم يُكْسَر إلى يوم
القيامةِ))(٢)، واختلف في رفعه ووقفه، والمرفوع ضعيف، وأما الموقوف: فهو صحيح؛ كما
حقق ذلك الحافظ في ((التلخيص)).
ثم اعلم: أن ما ذكره الحنفية والشافعية وغيرهم في كتبهم من الدعاء عند كُلِّ عضوٍ،
كقولهم: يقال عند غسل الوجه: «اللَّهُمَّ بَيِّض وَجْهِي، يَومَ تَبْيَضُ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ، وَعِنْدَ
غَسْلِ اليَدِ اليُمْنَى اللَّهَمَّ، أعطِنِي كِتَابِي بِيَمِينِ وَحَاسِبْنِي حِسَابًا يَسيرًا ... )) إلخ؛ فلم يثبت فيه
حدیث .
قال الحافظ في ((التلخيص)): قال الرافعيُّ ورد بها الأثرُ عن الصالحين؛ قال النووي في
((الروضة)): هذا الدعاء لا أصلَ له، وقال ابن الصلاح: لم يصح فيه حديث.
قال الحافظ: روي فيه عن عَلِيٍّ من طرق ضعيفة جدًّا، أوردها المستغفريُّ في
((الدعوات))، وابن عساكر في ((أماليه)). انتهى.
وقال ابن القيم في ((الهدي)): ولم يحفظ عنه أنه كان يقولُ على وضوئه شيئًا غير
التسمية، وكل حديث في أذكار الوضوء الذي يقالُ عليه؛ فكذِبٌ مختلقٌ لم يقُل رَسُولُ اللهِ
(١) ابن ماجه، كتاب الطهارة، وسننها. حديث (٤٦٣).
(٢) النسائي في ((الكبرى)). حديث (٩٩٠٩).

١٩٠
أبواب الطهارة عن رسول الله وَله / باب فِي الوُضُوءِ بالمُدِّ
٤٢- باب في الوُضُوءِ بالُدِّ [ت٤٢، م٤٢]
[٥٦] (٥٦) حدثنا أحْمَدُ بنُ مَنِيع وعَليُّ بنُ حُجرٍ قالا: حَدَّثَنَا إسْمَاعيلُ ابنُ
عُلَيَّةَ، عَن أبي رَيْحَانَةَ، عَن سَفِينَةَ: أنَّ النَّبِيَّ وَلِهِ كَانَ يَتَوَضَّأُ بالمُدِّ، وَيَغْتَسِلُ
بالصَّاعِ. [م: ٣٢٥، ن: ٣٤٦، جه: ٢٦٧، حم بنحوه: ٢١٤٢٣، مي: ٦٨٨].
وَلِّ شيئًا منه ولا علَّمَه لأمته، ولا ثبت عنه غير التسمية في أوله، وقوله: ((أشْهد أن لا إلهَ
إلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وأشهدُ أنَّ محمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهِمَّ اجعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ
واجْعلنِي مِنَ المُتَطَّهِرِينَ)) في آخره. انتهى.
٤٢- بَابٌ: في الوضُوءِ بِالْمُدِّ
[٥٦] قوله: (قالا: حدثنا إسماعيل ابن علية) هو: إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم
الأسدي مولاهم، أبو بشر المعروف بابن علية، ثقة حافظ، من الثامنة، (عن أبي ريحانة)
اسمه: عبد الله بن مَطَرِ البصري، مشهور بكنيته، صدوقٌ تغيَّر بأخرةٍ، من الثالثة، (عن سَفِينَةَ)
هو: مولى رسول الله وَله، يكنى أبا عبد الرحمن، يقال: كان اسمه مِهْرَان أو غير ذلك،
فَلُقِّب ((سفينة))؛ لكونه حمل شيئًا كبيرًا في السفر، مشهورٌ، له أحاديث.
قوله: (كان يتوضأ بالمد، ويغتسل بالصاع) قال الحافظ في ((فتح الباري)): المُدُّ بضم
الميم وتشديد الدال: إناء يَسَعُ رَظْلًا وثلثًا بالبغدادي؛ قاله جمهور أهل العلم، وخالفَ بعضُ
الحنفية، فقالوا: المُدُّ رطلان. انتهى. وقال العيني في ((عمدة القاري)): وهو - أي: المد -
رطلانِ، عند أبي حنيفة، وعند الشافعي: رطل وثلث بالعراقي، وأما الصاع فعند أبي يوسف:
خمسة أرطال وثلث رطل عراقية؛ وبه قال مالك والشافعي وأحمد، وقال أبو حنيفة ومحمَّد:
الصاع: ثمانية أرطال. انتهى.
وقال العيني معترضًا على الحافظ ما لفظه: مذهب أبي حنيفة أن المُدَّ رطلان، وما
خالف أبو حنيفة أصلًا؛ لأنه يستدلُّ في ذلك بما رواه جابر؛ قال: ((كان النبيُّمَّه يتوضَّأ
بالمُدِّ رطلين، ويغتسل بالصاع ثمانية أرطال)): أخرجه ابن عدي(١)، وبما رواه أنس قال:
(كَانَ رَسُولُ اللهِ وَ لِّ يتوضَّأ بالمد رطلين، ويغتسل بالصاع ثمانية أرطال))؛ أخرجه
الدار قطني(٢). انتهى كلام العيني.
(١) ابن عَدي في ((الكامل)) (١٢/٥).
(٢) الدارقطني في ((سننه)) (١٥٤/٢). حديث (٧٣).

١٩١
أبواب الطهارة عن رسول الله وَلا / باب فِي الوُضُوءِ بالمُدِّ
قلت: هذان الحديثان ضعيفان؛ لا تقومُ بهما الحُجَّة، أما حديث جابر: فأخرجه ابن
عدي في ((الكامل)) عن عمر بن موسى بن وجيه الوجيهي، عن عمرو بن دينار، عنه، وضعَّف
عمر بن موسى هنا عن البخاري والنسائي وابن معين، ووافقهم، وقال: إنه في عداد من يَضَعُ
الحديث؛ كذا في ((نصب الراية))، وقال الحافظ في ((الدراية)): فيه عمر بن موسى، وهو
هالك. انتهى.
وأما حديث أنس: فقال الحافظ في ((الدراية)) بعد ذكره: هو من رواية ابن أبي ليلى، عن
عبد الكريم، عن أنس، وإسناده ضعيف، وأخرجه أيضًا من طريق أخرى، وفيه ((موسى بن
نصر))؛ وهو ضعيف جدًّا، والحديث في ((الصحيحين)) (١) عن أنس، ليس فيه ذكر الوزن.
انتهى كلام الحافظ.
وقال الزيلعي في ((نصب الراية)): أخرجه الدارقطني في ((سننه))(٢) من ثلاثة طرق، ثم
ذكرها، ثم قال: وضعف البيهقي هذه الأسانيد الثلاثة.
وقال: الصحيح عن أنس بن مالك: أن رَسُولَ اللهِ وَّ كان يتوضَّأ بالمد، ويغتسل
بالصاع إلى خمسة أمداد. انتهى كلام الزيلعي.
والعجَبُ من العيني: أنه استدل لأبي حنيفة بهذين الحديثين الضعيفين، ولم يذكر ما
فيهما من المقال الذي يسقطهما عن الاحتجاج.
واستدلَّ لأبي حنيفة بما رواه الدارقطني، عن صالح بن موسى الطلحي: حدَّثنَا منصور بن
المعتمر، عن إبراهيم، [عن الأسود](٣) عن عائشة، قالتْ: ((جَرَت السنةُ من رسول اللهِ وَيه
في الغُسْل من الجنابة: صَاعٌ من ثمانية أرطال، وفي الوضوء رطلان)). وهذا الحديث أيضًا
ضعيف، قال الدارقطني - بعد روايته -: لم يروه عن منصور غيرُ صالح، وهو ضعيف
الحديث. انتهى.
والحاصل: أنه لم يقم دليلٌ صحيحٌ على ما ذهب إليه أبو حنيفة من أن المُدَّ رطلان؛
لذلك ترك الإمام أبو يوسف مذهبه، واختار ما ذهب إليه جمهور أهل العلم؛ أن المد رطل
(١) البخاري، كتاب الوضوء. حديث (٢٠١)، ومسلم، كتاب الحيض. حديث (٣٢٥).
(٢) الدارقطني (٩٤/١). حديث (٣)، (١٥٣/٢). حديث (٧٢).
(٣) ليست في بعض النسخ، واستدركت من ((سنن الدارقطني)) (١٥٣/٢). حديث (٧١).

١٩٢
أبواب الطهارة عن رسول الله رَّ / باب فِي الوُضُوءِ بالمُدِّ
وثلث رطل. قال البخاري في ((صحيحه))(١): ((باب: صَاعُ المَدِينَةِ، ومُدُّ النَّبِيِّ وَّهِ، وبَرَكَته،
ومَا تَوارَثَ أَهْلُ المدينةِ من ذَلكَ قَرنَا بَعْدَ قَرْنٍ)). انتهى.
قال العيني في (عمدة القاري)): قوله: ((وما توارث أهل المدينة)) أي: في بيان ما توارَثَ
أهل المدينة قرنًا، أي: جيلاً بعد جيل على ذلك، ولم يتغيّر إلى زمنه، ألا تَرَى أن أبا يوسف
لمَّا اجتمع مع مالك في المدينة، فوقعت بينهما المناظرةُ في قدْرِ الصاع؛ فزعم أبو يوسُف أنه
ثمانيةُ أرطال، وقام مالكٌ، ودخل بيته، وأخرج صاعًا، وقال: هذا صاع النبيِّ وَّ، قال
أبو يوسف: فوجدته خمسة أرطال وثلثًا، فرجع أبو يوسف إلى قول مالك، وخالف صاحبيهِ
في هذا. انتهى كلام العيني.
وأخرج الطحاويُّ في ((شرح الآثار))(٢)، قال: حدثنا ابن أبي عمران، قال: أخبرنا علي بن
صالح وبشر بن الوليد جميعًا، عن أبي يوسف، قال: قدِمْتُ المدينة، فأخرج إليَّ مَن أثِقُ به
صاعًا، فقال: هذا صاعُ النبيِّ بَّهَ، فقدرته فوجدته خمسة أرطال وثلُثَ رطل، وسمعتُ ابن
أبي عمران يقول: يقال: إن الذي أخرج هذا لأبي يوسف، هو مالك بن أنس. انتهى.
وقال الحافظ في ((التلخيص الحبير)): قوله: والدليل على أن الصاع خمسةُ أرطال وثلثٌ
فقظٌ، بنقل أهل المدينة خلفًا عن سلفٍ، ولمالك مع أبي يوسف فيه قصةٌ مشهورة، والقصةُ
رواها البيهقي (٣) بإسناد جيد، وأخرج ابنُ خُزِيمَة والحاكم (٤) من طريق عروة، عن أسماء بنت
أبي بكر أُمِّه؛ ((أنهم كانوا يُخرجُونَ زكاة الفطرِ في عهدِ رَسُولِ اللهِ وََّ بِالمُدِّ الذي يقْتَاتُ به
أهلُ المدينة))، وللبخاري(٥): عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، ((أنَّه كان يُعْطِي زكاةَ
رَمَضَانَ على عَهِد النبيِّ نَّر بالمد الأول)). انتهى ما في ((التلخيص)).
وقال الزيلعي في ((نصب الراية)): والمشهورُ ما أخرجه البيهقيّ(٦) عن الحُسيْن بن الوليد
القرشيِّ، وهو ثقة، قال: قدم علينا أبو يوسف من الحَجِّ فقال: إني أريدُ أن أفتح عَليْكُمْ بابًا
(١) انظر ((فتح الباري)) (٤٥٩/١٣).
(٢) الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)). حديث (٢٩١٧).
(٣) البيهقي في ((الكبرى)) رقم (٧٥٠٩).
(٤) ابن خزيمة. حديث (٢٤٠١)، والحاكم. حديث (١٤٩٩) وقال: على شرط الشيخين.
(٥) البخاري، كتاب كفارات الأيمان. حديث (٦٧١٣).
(٦) البيهقي في ((الكبرى)). حديث (٧٥١٠).

١٩٣
أبواب الطهارة عن رسول الله ◌ٌَّ / باب فِي الوُضُوءِ بالمُدِّ
قَالَ: وفي البابِ عَن عَائِشَةَ، وجَابٍ، وأنَسٍ بنِ مَالكٍ.
من العلم، أهمَّني، فَفَحَصتُ عنه، فَقَدِمْتُ المدينة، فسألتُ عن الصاع، فقالوا: صاعُنا هذا
صاعُ رسَولِ اللهِ وَّةِ، قُلتُ لهم: ما حُجَّتكم في ذلك؟ فقالوا: نأتيكَ بالحُجَّة غدًا، فلما
أصبحتُ أتاني نحوٌّ من خمسين شيخًا من أبناء المهاجرين والأنصار، مع كل رجلٍ منهم
الصاعُ، تحت ردائه، كل رجلٍ منهم يُخْبِرُ عن أبيه وأهل بيته؛ أن هذا صاعُ رَسُولِ اللهِ يَّى،
فنظرتُ، فإذا هي سواء، قال: فعيرته فإذا هو خمسةُ أرطالٍ وثلثٌ بنقصان يسيرٍ، فرأيتُ أمرًا
قويًّا؛ فتركتُ قول أبي حنيفة رعَُّته في الصاع، وأخذت بقول أهل المدينة؛ هذا هو المشهور
من قول أبي يوسف.
وقد روي أن مالكًا رَُه ناظره، واستدلّ عليه بالصّيعَانِ التي جاء بها أولئكّ الرهط؛
فرجع أبو يوسف إلى قوله، وقال عثمان بن سعيد الدارمي: سمعتُ علي بن المديني يقول:
عيّرت صاع النبي ◌َّر، فوجدته خمسة أرطالٍ وثلثّ رطلٍ بالثمر. انتهى ما في («نصب الراية)).
وروى البخاريُّ في (صحيحه)) (١) ص ٢٨٠ ح ٧ بإسناده عن السائب بن يزيد؛ أنه كان
على عهد النبي ◌َّةِ مُدَّا وثلثًا بمُدِّكم اليومَ، فزيد فيه في زمنٍ عمر بن عبدِ العَزِيزِ.
قال الحافظ في ((الفتح)): قال ابن بَطَّال: هذا يدلُّ على أن مُدَّهُم - حين حَدَّث به
السائبُ - كان أربعةٌ أرطالٍ، فإذا زيد عليه ثلثه، وهو رطلٌ وثلث، قام منه خمسة أرطال
وثلث، وهو: الصاع، بدليل أن مده وَّهِ رطلٌ وثلثٌ، وصاعه أربعة أمداد. انتهى.
ثم روى البخاريُّ عن نافع، قال: كان ابن عمر يُعْطِي زكاةَ رمضانَ بعُدِّ النَّبي ◌َّةِ المُدَّ
الأولَ، وفي كفارة اليمين بمُّدِّ النبيِّ ◌َّرَ. قال أبو قتيبة: قال لنا مالك: مُدُّنا أعظمُ من
مُدِّكُم، ولا نرى الفَضْلَ إلَّا فِي مُدِّ النبيِّ نَّهِ، وقال لي مالك: لو جاءَّكُم أميرٌ، فَضَرَبَ مُدَّا
أصغرَ من مدِّ النبيِّ وَّر، بأي شيء كنتم تُعْعُون، قلت: كنا نُعْطِي بِمُد النبيِّ وَّرَ، قال: أفلا
تَرَى أن الأمر إنما يعودُ إلى مُد النبيِّ مَّة. انتهى.
ويأتي باقي الكلام فيما يتعلَّق بالمُدِّ والصاع في ((باب صدقة الفطر)).
قوله: (وفي الباب: عن عائشة، وجابر، وأنس بن مالك): أما حديث عائشة: فأخرجه
الشیخان(٢)؛ قالت: «گُنْتُ اغتیل أنا وَرّسُولُ اللهِ ◌ّ مِن إِنّاءٍ واحدٍ مِن قَدّحِ، پقالُ له:
(١) البخاري، كتاب كفارات الأيمان. حديث (٦٧١٢).
(٢) البخاري، كتاب الغسل. حديث (٢٥٠)، ومسلم، كتاب الحيض. حديث (٣١٩).

١٩٤
أبواب الطهارة عن رسول الله وَ اه / باب فِي الوُضُوءِ بالمُدِّ
قَالَ أَبُو عِيْسَى: حَدِيثُ سَفِينَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وأبُو رَيْحَانَةَ اسْمُهُ:
عَبْدُ الله بنُ مَطَرٍ. وَهكَذَا رأى بَعْضُ أهلِ العِلْم الوُضُوءَ بالمُدِّ، والغُسْلَ بِالصَّاعِ.
وقالَ الشَّافِعِيُّ وَأحْمَدُ وَإِسْحَاقُ: لَيْسَ مَعْنى هذَا الحَدِيثِ عَلَى التَّوقِيتِ: أنَّهُ لا
يَجُوزُ أكثَرُ مِنْهُ ولا أقَلُّ مِنْهُ: وَهُوَ قَدْرُ مَا يَكْفِي.
الفَرَقُ))، ولها رواياتٌ أخرى: ففي بعضها: ((كَانَ يَغْتَسِلُ بِخَمْسٍ مَكَاكِيك، ويَتَوضَّأ بمَأُوٍ))
وفي أخرى: ((يُغَسِّلُهُ الصَّاعُ، ويُوضِّتْهُ المُدُّ».
وأما حديث جابر: فأخرجه أحمد (١) والأثرم قال: قال رَسُولُ اللهِ وَلَهُ: ((يجْزئُ مِنَ
الغُسْلِ: الصَّاعُ، وَمِنَ الوضُوءِ: المُدُّ»، كذا في ((المنتقى))، وقال الشوكاني: وأخرجه أبو
داود وابن خُزَيْمَة وابن ماجه(٢) بنحوه؛ وصححه ابن القطّان.
وأما حديث أنس: فأخرجه الشيخان(٣)، قال: ((كان النبيُّ وَّهِ يَغْتَسلُ بِالصَّاعِ إلى خَمْسَة
أمدادٍ، ويَتوضَّأ بِالمُدِّ)).
قوله: (حديثُ سَفِينةَ حديثٌ حسن صحيح)؛ وأخرجه أحمد ومسلم وابن ماجه، كذا في
((المنتقى)).
قوله: (هكذا رأى بعضُ أهل العلم الوضُوء بالمد، والغسلَ بالصاع) أي: بالتوقيت
والتحديد، (وقال الشافعي وأحمد وإسحاق: ليس معنى هذا الحديث على التوقيت ... )
إلخ، هذا القول هو الراجحُ المعوَّل عليه، قال ابن حجر: قد روى مسلم من حديث عائشة
وَّا («أنها كَانَت تَغْتَسلُ هيَ والنبيُّ وَّهِ مِن إناءٍ واحدٍ هو الفَرَقُ)).
قال ابن عيينة والشافعيُّ وغيرهما: هو ثلاثة آصُع، وروى مسلم (٤) أيضًا من حديثها ((أنَّه
وَ﴿ كان يَغْتَسِلُ مِن إناءٍ يَسَعُ ثلاثةَ أمدادٍ))؛ فهذا يدلُّ على اختلاف الحالِ في ذلك بقدرٍ
الحاجة، وفيه ردٌّ على من قدر الوضوء والغُسْل بما ذكر في حديث الباب؛ كابن شعبان من
المالكية، وكذا من قال به من الحنفية، مع مخالفتهم له في مِقْدارِ المُدِّ والصاع، وحمله
(١) أحمد. حديث (١٤٥٥٨)، والبخاري، كتاب الغسل. حديث (٢٥٢)، ومسلم، كتاب الحيض. حديث
(٣٢٨).
(٢) أبو داود، كتاب الطهارة. حديث (٩٣)، وابن خزيمة. حديث (١١٧)، وابن ماجه (٩٣).
(٣) البخاري، كتاب الوضوء. حديث (٢٠١)، ومسلم، كتاب الحيض. حديث (٣٢٥).
(٤) مسلم، كتاب الحيض. حديث (٣٢١).

١٩٥
أبواب الطهارة عن رسول الله وَيه / باب فِي الوُضُوءِ بالمُدِّ
الجمهور على الاستحباب؛ لأن أكثر مَن قدر وضُوءه وغُسْله وَله من الصحابة قدَّرهما بذلك؛
ففي مسلم: عن سَفِينَةَ مثله، ولأحمد وأبي داود بإسناد صحيح عن جابر مثلُهُ.
وفي الباب: عن عائشة(١)، وأم سلمة(٢)، وابن عباس(٣)، وابن عمر(٤) وغيرهم، وهذا
إذا لم تَدْعُ الحاجةُ إلى الزيادة، وهو أيضًا في حَقِّ مَن يكون خلقه معتدلاً. انتهى كلام
الحافظ .
واعترض العيني على قوله: ((فيه رَدٌّ على من قَدَّرَ الوضوء والغسل بما ذكر ... )) إلخ:
بأنه لا رَدَّ فيه على مَن قال به من الحنفية؛ لأنه لم يقُل ذلك بطريق الوجوبٍ؛ كما قال ابن
شعبان بطريق الوجوب؛ فإنه قال: لا يجزئ أقلُّ من ذلك، وأما من قال به من الحنفية: فهو
محمد بن الحسن؛ فإنه رُوِيَ عنه أنه قال: إن المُغْتسِل لا يُمْكِنُ أن يَعُمَّ جَسَدهُ بأقلَّ مِن مُّدٍّ،
وهذا يختلفُ باختلاف أجساد الأشخاص. انتهى كلام العيني.
قلت: قولُ مُحمَّد بن الحسن المذكورُ يدلُّ دلالةً ظاهرةً على أنه قال ذلك بطريق
الوجوب، فإنه إذا لم يمكن عنده أن يَعُمَّ المغتسِلُ جسدَهُ بأقلَّ من مُدِّ، وجب أن يكون الماءُ
مُدَّا أو أكثر، ولا يجزئُّ أقلُّ من ذلك.
وأما قول العيني: وهذا يختلف باختلاف أجساد الأشخاص؛ فلا يجدي نفعًا؛ لأن
محمد بن الحسن لم يخصَّ مغتسِلًا عن مغتسلٍ، فتفكّر، ثم قال العيني. إن الروايات مختلفةٌ
في هذا الباب؛ ففي رواية أبي داود(٥): من حديث عائشة؛ ((أنَّ النبيَّ وَّلِ كان يَغْتسِل بالصَّاع
ويتوضَّأ بالمدّ)، وفي حديث أم عمارة؛ ((أن النبيَّ وَِّ توضَّأ، فأَتِيَ بإناءٍ فيه ماءٌ قَدْر ثُلُثَي
المد)»(٦)، وفي رواية ابن خُزَيْمَة وابن حبَّان في ((صحيحيهما)) والحاكم في ((مستدركه))(٧) من
(١) النسائي، كتاب الطهارة. حديث (٢٢٦).
(٢) انظر ((فتح الباري)) (١/ ٤٠٧).
(٣) الطبراني في ((الأوسط)). حديث (٧٥٥٥).
(٤) الطبراني في «الأوسط)). حديث (٣٤٦٧).
(٥) أبو داود، كتاب الطهارة. حديث (٩٢).
(٦) أبو داود، كتاب الطهارة. حديث (٩٤)، والنسائي، كتاب الطهارة. حديث (٧٤).
(٧) ابن خزيمة. حديث (١١٨)، وابن حبان. حديث (١٠٨٣)، والحاكم (٥٠٩) وقال: على شرط الشيخين،
ووافقه الذهبي.

١٩٦
أبواب الطهارة عن رسول الله وَليهِ / باب مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ الإِسْرَافِ فِي الوُضُوءِ بِالمَاءِ
٤٣- باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَةِ الإسْرَافِ في الوُضُوءِ بِالمَاء [ت٤٣، ٤٣٢]
[٥٧] (٥٧) حدثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاودَ الطَّيَالِسِيُّ، حَدَّثَنَا خَارِجَةُ بنُ
مُصْعَبٍ، عَن يُونُسَ بنِ عُبَيْدٍ، عَنِ الحَسَنِ، عَن عُتَيِّ بنِ ضَمْرَةَ السَّعْدِيِّ، عَن أَبَيِّ بنِ
كَعْبٍ، عَنِ النَّبِيِّ نَِّ قَالَ: ((إنَّ لِلْوُضُوءِ شَيْطَاناً يُقالُ لَهُ: الوَلَهَانُ،
حديث عبد الله بن زيد؛ ((أن النبيَّ وَّلِ أُتِي بِثُلُثَي مُدِّ من ماءٍ، فتوضأ، فجعل يَدْلُكُ ذراعيه))،
وقال الحاكم: هذا حديثٌ صحيحٌ على شرط الشيخين، وذكر روايات كثيرةً؛ مختلفة؛ ثم
قال: قال النووي: قال الشافعيُّ وغيره من العلماء: الجمع بين هذه الروايات أنها كانتٍ
اغتسالاتٍ في أحوالٍ وجِدَ فيها أكثرُ ما استعمله وأقلُّهُ، فدل على أنه لا حدَّ في قدر ماء
الطهارة يجبُ استفاؤه، ثم قال: الإجماع قائمٌ علی ذلك. انتهى.
قلت: في دعوى الإجماع كلام، كيف وقد عرفت مذهب ابن شعبان وبعض الحنفية.
٤٣- بَابُ مَا جَاء في كَرَاهِيَة الإسْرافِ في الوضُوءِ بالمَاءِ
[٥٧] قوله: (حدثنا أبو داود) هو: الطيالسي، واسمه سليمان بن داود بن الجارود
الفارسيُّ مولى الزبير، الطيَّالسيُّ البصري، أحد الأعلام الحفاظ، روى عن ابن عَون
وهشام بن أبي عبد الله، وخلائق، وعنه: أحمد، وابن المديني، وابن بشار، وخلق، قال ابن
مهدي: أبو داود أصدقُ الناس، وقال أحمد: ثقة يحتملُ خطؤه، وقال وكيع: جبل العلم،
مات سنة (٢٠٤) أربع ومئتين عن إحدى وسبعين؛ كذا في ((الخلاصة))، وقال في ((التقريب)):
ثقة، حافظ، غَلط في أحاديث.
(حدَّثنا خارجة بن مُصعَب) أبو الحَجَّاج السرخسي، متروكٌ، وكان يدلِّس عن الكذَّابين،
ويقال: إن ابن معين كذّبه؛ قاله الحافظ؛ (عن يونس بن عبيد) العبدي مولاهم، أبو عبد الله
البصري، أحد الأئمة، وثقه أحمد وأبو حاتم، (عن الحسن) هو: البصري، (عن عُتَيِّ) بضم
أوّله مصغرًا ثقة، من الثالثة.
قوله: (إن للوضوء شيطانًا) أي: للوسوسة فيها، (يقال له: الوَلهَان) بفتحتين: مصدرُ وَلِهَ
يَولَهُ وَلَهَانّا، وهو: ذهاب العقل والتحيُّرُ من شدة الوَجْد وغَايَة العشق، فَسُمِّي بِهِ شيطانٌ
الوضوء؛ إما لشدة حرصه على طلب الوسوسة في الوضوء، وإما لإلقائه الناسَ بالوسوسة في
مَهْوَاةِ الحيرة حَتَّى يُرَى صاحبُهُ حيرانَ ذاهبَ العقل، لا يَدْري كيفَ يلعبُ به الشيطانُ، ولم

١٩٧
أبواب الطهارة عن رسول الله ﴿﴿ / باب مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ الإِسْرَافِ فِي الوُضُوءِ بِالمَاء
فَاتَّقُوا وَسْوَاسَ المَاءِ)). [ضعيف الإسناد، جه: ٤٢١، حم: ٢٠٧٣٢].
قَالَ: وفي البابِ عَن عَبْدِ الله بنِ عَمْرٍو، وَعَبْدِ الله بنِ مُغَفَّلٍ .
قَالَ أَبُو عِيْسَى: حدِيثُ أُبَيِّ بن كَعْبٍ حديثٌ غَرِيبٌ، ولَيْسَ إِسْنَادُهُ بِالقَوِيِّ
والصَّحِيحِ عِنْدَ أهْلِ الحَديثِ، لأنَّا لا نَعْلَمُ أحداً أسْنَدَهُ غَيْرَ خَارِجَةَ. وقَدْ رُوِيَ هَذَا
الحَدِيثُ مِن غَيْرِ وجْهٍ عَنِ الحَسَنِ: قَوْلَهُ. ولا يَصِحُّ فِي هَذَا البَابِ عنِ النَّبِيِّ ﴿.
شَيْءٌ، وخَارِجَةُ لَيْسَ بِالقَوِيِّ عِنْدَ أصحابِنا،
يَعْلم هل وَصَلَ الماءُ إلى العضو أم لا؟ وكم مرة غسله؛ فهو بمعنى اسم الفاعل، أو باقٍ على
مصدريته؛ للمبالغة؛ كـ ((رَجُلٍ عَدْلٍ))؛ قاله القاري.
(فاتقوا وسواس الماء) قال الطيبيُّ: أي: وسواسه، هل وصَلَ الماءُ إلى أعضاء الوضوء
أم لا؟ وهل غسل مرتين أو مرة؟ وهل هو طاهر أو نجس؟ أو بلغ قلتين أو لا ؟ وقال ابن
الملك ـ وتبعه ابن حجر -: أي وسواس الوَلْهَان، وضع ((الماء)» موضع («ضميره))؛ مبالغةً في
كمال الوسواس في شأن الماء، أو لشدة ملازمته له؛ كذا في ((المرقاة)).
والحديث يدلُّ على كراهية الإسراف في الماء للوضوء، وقد أجمع العلماءُ على النهي
عن الإسراف في الماء، ولو على شاطئ النهر.
قوله: (وفي الباب: عن عبد الله بن عمرو، وعبد الله بن مغفل):
أما حديث عبد الله بن عمرو: فأخرجه النسائي وابن ماجه(١)، ولفظه: قال: ((جاء
أعرابيٌّ إلى النبي وَ ل﴿ يسأله عن الوضوء، فأراه ثلاثًا ثلاثًا، ثم قال: هَكَذَا الوضُوءُ، فَمَن زَادَ
عَلَى هَذَا، فَقَد أسَاءَ وتَعَدَّی وظَلَم))، وأما حديث عبد الله بن مغفل، فأخرجه أبو داود وابن
ماجه(٢)، ولفظه: ((سَيَكُونُ فِي هذِهِ الأمَّةِ قومٌ يعتدونَ في الظُّهُورِ والدُّعَاء)).
قوله: (حديث أبي بن كعب حديثٌ غريب) وأخرجه ابن ماجه.
(لأنَّا لا نعلم أحدًا أسنده) أي: رواه مرفوعًا، (وخارجة ليس بالقوي عند أصحابنا) أي:
أهل الحديث؛ قاله الطيبي، كذا في ((المرقاة).
(١) النسائي، كتاب الطهارة. حديث (١٤٠)، وابن ماجه، كتاب الطهارة وسننها. حديث (٤٢٢).
(٢) أحمد. حديث (١٦٣٥٩)، وأبو داود، كتاب الطهارة. حديث (٩٦)، وابن ماجه، كتاب الدعاء. حديث
(٣٨٦٤).

١٩٨
أبواب الطهارة عن رسول الله وَلجه / باب مَا جَاءَ فِي الوُضُوءِ لِكلِّ صَلاةٍ
وضَعَّفَهُ ابنُ المبارك.
٤٤- باب مَا جَاءَ في الوُضُوءِ لِكلِّ صَلاةٍ [ت٤٤، ٤٤٢]
[٥٨] (٥٨) حدثنا مُحَمَّدُ بنُ حُمَيْدِ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بنُ الفَضْلِ، عَن
مُحَمَّدٍ بنِ إِسْحَاقَ، عَن حُمَيْدٍ، عَن أَنَسٍ:
قلت: الأمر كما قال الطيبيُّ، وقد تقدم في المقدِّمة تحقيق ذلك، (وضعفه ابن المبارك)،
قال الذهبي في ((الميزان)): وهَّاه أحمد، وقال ابن معين: ليس بثقة، وقال أيضًا: كذاب،
وقال البخاري: تركه ابن المبارك ووكيعٌ، وقال الدارقطني وغيره: ضعيف، وقال ابن عدي:
هو ممن يكتب حديثه، قال الذهبي: انفرد بخبر: ((إنَّ للوضُوءِ شَيْطَانًا يُقَالُ له الوَلهَانُ» مات
سنة (١٦٨) ثمان وستين ومئة، وكان له جلالة بخراسان. انتهى.
٤٤ - بابُ: مَا جَاءَ في الوضوءِ لِكلِّ صَلَاةٍ
[٥٨] قوله: (حدّثنا محمد بن حميد الرازي) بن حيَّان الرازي، حافظ ضعيف، وكان ابن
معين حَسَنَ الرأي فيه، من العاشرة، روى عن يعقوب بن عبد الله القُمِّيِّ، وجرير بن
عبد الحميد، وسلمة بن الفضل، وغيرهم، وعنه: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وأحمد
ابن حنبل، ويحيى بن معين، وغيرهم، كذا في ((التقريب)) ((وتهذيب التهذيب))، وقال في
((الخلاصة)): وقال ابن معين: ثقة كَيِّس، وقال البخاري: فيه نظر، وكذّبه الكوسج وأبو زرعة
وصالح بن محمد وابن خِرَاش، مات سنة (٢٤٨) ثمان وأربعين ومئتين، (نا سلمة بن الفضل)
الأبرش بالمعجمة، مولى الأنصار، قاضي الري، صدوق، كثير الخطأ، من التاسعة؛ قاله
الحافظ، روى عن ابن إسحاق وحجاج بن أرطاة، وعنه: عثمان بن أبي شيبة، وابن معين،
ووثقه، وقال مرة: ليس به بأس، يتشيّع، قال البخاري: عنده مناكير، وقال أبو حاتم: محله
الصدق، وقال ابن سعد: كان ثقة صدوقًا وهو صاحبُ مغازي ابن إسحاق، وقال النسائي:
ضعيف، كذا في ((الخلاصة)) وهامشها .
قوله: (عن حميد) هو: حميد بن أبي حُمَيْد الطويل البصري، ثقة مدلِّس، روى عن
أنس، والحسن، وعكرمة، وعنه: شعبة، ومالك والسفيانان، والحمادان، وخلق، قال
القطان: مات حميد وهو قائم يصلّي، قال شعبة: لم يسمع حُمَيْد من أنس إلَّا أربعةً وعشرين
حديثًا، مات سنة (١٤٢) ثنتين وأربعين ومئة.

١٩٩
أبواب الطهارة عن رسول الله وَّهه / باب مَا جَاءَ فِي الوُضُوءِ لِكلِّ صَلاةٍ
أَنَّ النَّبِيَّ وَّهِ كَانَ يَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلاةٍ: طاهِراً أوْ غَيْرَ طَاهِرٍ، قَالَ: قُلْتُ لأَنَسٍ:
فَكَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ أَنْتُمْ؟ قَالَ: كُنَّا نَتَوَضَّأُ وُضُوءاً واحِداً. [ضعيف].
قَالَ أبُو عِيْسَى: وحدِيثُ حُمَيْدٍ، عَن أنَسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِن هَذَا الوَجْهِ،
وَالمَشْهُورُ عِنْدَ أهْلِ الحَديثِ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ عَامِرِ الأنْصَارِيِّ، عَن أَنَسٍ. وَقَدْ كانَ
بَعْضُ أهلِ العِلْمِ يَرَى الوُضُوءَ لِكَلِّ صَلاةٍ اسْتِحْبَاباً، لا عَلَى الوُجُوبِ.
قوله: (كان يتوضأ لكل صلاة) أي: مفروضة، (كنا نتوضأ وضوءًا واحدًا) أي: كنا
نصلي الصلواتِ بوضوءٍ واحد ما لم نحدث؛ كما في الرواية الآتية.
قوله: (حديث أنس حديث حسن غريب) تفرَّد به محمد بن إسحاق، وهو مدلِّس، ورواه
عن حُمَيْد معنعنًا .
قوله: (وقد كان بعض أهل العلم یری الوضوء لکلِّ صلاة استحبابًا لا على الوجوب) بل
كان أكثر أهل العلم يَرَونَ الوضوء لكل صلاة استحبابًا لا على الوجوب، قال الطحاوي في
((شرح الآثار)): ذهب قوم إلى أن الحاضرينَ يجبُ عليهم أن يتوضَّؤوا لكلِّ صلاة، واحتجُوا
في ذلك بهذا الحديث. أي: بحديث سليمان عن أبيه عن النبي وََّ: ((كَانَ يَتَوَضَّأُ لِكُلٌ
صَلاةٍ) (١)، وخالفهم في ذلك أكثر العلماء، فقالوا: لا يجبُ الوضوء إلَّا من حَدَث. انتهى.
وقال الحافظ في ((الفتح)): اختلف السلف في معنى قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ
فَأَغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، الآية فقال الأكثرون: التقدير: إذا قمتم إلى الصلاة مُحْدثينَ،
واستدلَّ الدارميُّ في («مسنده))(٢) على ذلك بقوله وَّ: ((لا وضُوء إلَّا لِمَن أَحْدَثَ)). ومن
العلماء مَن حمله على ظاهره، وقال: كان الوضوءُ لكل صلاة واجبًا، ثم اختلفوا هل نُسِخَ أو
استمر حكمه؟ ويدلُّ على النسخ، ما أخرجه أبو داود، وصحَّحه ابن خزيمة(٣) من حديث
عبد الله بن حنظلة؛ ((أن النَّبيَّ نَّهِ أُمِرَ بِالوضوءِ لِكلِّ صَلاةٍ، فلمَّا شَقَّ عَلَيه أُمِرَ بالسِّواكِ)).
وذهب إلى استمرار الوجوب قومٌ، كما جزم به الطحاوي، ونقله ابن عبد البر عن عكرمة
وابن سيرين وغيرهما، واستبعده النووي، وجنح إلى تأويل ذلك إن ثَبَت عنهم.
وجزمنا بأن الإجماع استقرَّ على عدم الوجوب، ويمكن حمل الآية على ظاهرها من غير
(١) سيأتي تخريجه عند الحديث (٦١).
(٢) الدارمي. حديث (٦٥٩).
(٣) أبو داود، كتاب الطهارة. حديث (٤٨)، وابن خزيمة. حديث (١٣٨).

٢٠٠
أبواب الطهارة عن رسول الله وَهـ / باب مَا جَاءَ فِي الوُضُوءِ لِكلِّ صَلاةٍ
[٥٩] (٥٩) وقد رُويَ فِي حَدِيثٍ عَنِ ابْنِ عُمَر، عَنِ النَّبِيِّ بَّهِ أَنَّهُ قَالَ: ((مَن
تَوَضَّأَ عَلَى طُهْرٍ كَتَبَ الله لَهُ بِهِ عَشْرَ حَسَنَاتٍ)). [ضعيف: د: ٦٢، جه مطولاً: ٥١٢].
قَالَ: وَرَوَى هذا الحَدِيثَ الإفْرِيقِيُّ عَن أبِي غُطَيفٍ، عَن ابن عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ
وَّهِ، حَدَّثَنَا بِذَلِكَ الحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثِ المَرْوزِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الوَاسِطِيُّ،
عَنِ الإفْرِيقِيِّ، وَهُوَ إِسْنَادٌ ضَعِيفٌ.
قَالَ علي بن المَدِينِيِّ: قَالَ يَحْيَى بن سعيدِ القظَّانُ: ذُكِرَ لِهِشَام بن عُروةَ هَذَا
نسخ، ويكون الأمر في حَقِّ المُحْدِثِينَ على الوجُوبِ وفي حقِّ غيرهم على الندب، وحصل
بيان ذلك بالسنة. انتهى كلام الحافظ.
[٥٩] قوله: (من توضأ على طهر) أي: مع كونه طاهرًا، (كتب الله له به عشر حسنات)،
قال ابن رسلان: أن يكون المرادُ: كتب الله له به عَشْرَة وضُوءَاتٍ، فإن أقل ما وعد به من
الأضعاف: ((الحَسَنَة بِعَشرِ أَمْثَالها))، وقد وعد بالواحدة سبع مئة، ووعد ثوابًا بغير حساب، قال
في ((شرح السنة)): تجديد الوضوءِ مستحبٌّ إذا كان قد صلَّى بالوضوء الأول صلاةً، وكرهه قوم
إذا لم يُصلِّ بالأول صلاة، ذكره الطيبي، قال القاري: ولعل سبَبَ الكراهة هو الإسرافُ.
فائدة: قال الحافظ المنذري في ((الترغيب))(١): وأما الحديث الذي يُروى عن النَّبِي ◌َّ
أنه قال: ((الوضُوءُ عَلَى الوضُوءِ نُورٌ عَلَى نُورٍ)» فلا يحضرني له أصلٌ من حديث النبي ◌َّه
ولعله من كلام بعض السلف.
قوله: (روى هذا الحديث الإفريقي) هو: عبد الرحمن بن زياد بن أنْعُم الإفريقي، وهو
ضعيف، (عن أبي غطيف) بالتصغير، الهذلي، قال الحافظ: مجهول، (حدثنا بذلك
الحسين بن حريث المروزي) ثقة، من العاشرة، (حدثنا محمد بن يزيد الواسطي)، أصله
شاميٍّ، ثقة تَبْتُ، عابد من كبار التاسعة.
قوله: (وهو إسناد ضعيف)، لأن الإفريقي ضعيف، وأبا غُطَيفٍ مجهولٌ، والحديث
أخرجه أبو داود وابن ماجه أيضًا .
قوله: (قال علي) هو: علي بن عبد الله بن جعفر بن نَجِيح السعديُّ، مولاهم،
(١) حديث (٣١٥) ط/ دار ابن حجر، بدمشق، بتحقيقي. والحديث لا أصل له كما قال العراقي وغيره من
العلماء، وقال ابن حجر: حديث ضعيف، وزاد الحافظَ السخاوي عنه: رواه رزين في مسنده.