Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
مقدمة الشّارح
أحدهما: أن يقال: بأن المراد بـ الشيخ الثقة الأمين هو: أبو العباس الذي تلميذهُ
أبو محمد عبد الجبَّار، والمعنى ـ على هذا الوجه -: أن القاضي الزاهد أبا عامر أو الشيخ
أبا نصر أو الشيخ بكرٍ الذين هم تلامذة أبي محمَّد عبد الجَبَّار، قد سأل أستاذ أستاذه،
أعني: أبا العباس، عن أنك أخبرت تلميذَكَ أبا عبد الجبّار بهذا الكتاب، فأقر به، أي:
بالإخبار بهذا الكتاب أبو العباس، وأجاب بإقرار الإخبار.
وثانيهما: أن يراد بـ الشيخ الثقة الأمين أبو محمَّد عبد الجبار، ويكون المعنى على هذا:
أنه سأله أحدُ تلامذته، وهم: القاضي الزاهد أبو عامر، وأبو نصر، وأبو بكر، عن أنك
أخبرَك شيخُك أبو العبَّاس، فأقر به أبو محمَّد عبد الجبَّار بأخذ هذا الكتاب من شيخه
أبي العباس، هذا هو الوجه الثاني.
فعلى كلا الوجهين: الضميرُ في قوله به راجعٌ إلى الإخبار بهذا الكتاب الذي يفهم
ضمنًا، وفاعل قوله ((أقر)) المعبر عنه بـ الشيخ الثقة الأمين: إما أبو العباس، وإما أبو محمد
عبد الجبار. انتهى كلامه.
قلت: هذا التوجيه أيضًا ليس بشيء؛ فإنَّ في كلا الوجهين من هذا التوجيه نظرًا.
أما الوجه الأول: فلأَنَّ مبناه على أن أحدًا من تلامذة أبي محمد عبد الجبار المذكورين
قد لقي أستاذ أستاذه، أعني: أبا العباس، وهذا ادعاء محض، فلا بد لهذا البعض أن يثبت
أولًا لقاءه منه، ثم بعد ذلك يتوجّه إلى هذا الوجه، ودونه خَرْطُ القَتادِ.
وأما الوجه الثاني: ففيه أن أبا محمد عبد الجبار، ولما حَدَّثَ تلامذته المذكورين بلفظ:
((أخبرنا أبو العباس)) فبعد سماعهم هذا اللفظ منه؛ لا معنى لسؤال أحد تلامذته عن أنك
أخبرك شيخك أبو العباس، فتفكّر.
تنبيه آخر: قال صاحب ((الطيب الشذي)) في توجيه الجملة المذكورة ما لفظه: الظاهر أن
المراد بـ ((الشيخ الثقة)): أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي، فقائل هذا القول هو:
أبو محمد عبد الجبار الجَرَّاحي، فالمعنى: أن تلامذة أبي العباس لما قرؤوا الكتاب على
أستاذهم أبي العباس، فقال لهم: نعم هكذا كنت قرأت عليكم. انتهى كلامه.
قلت: هذا التوجيهُ أيضًا باطلٌ ظاهرُ البطلان، فإن تلامذة أبي العباس: إما كانوا قرؤوا
الكتاب على أستاذهم أبي العباس، وكان هو ساكتًا مصغيًا لقراءتهم، أو كان هو القارئَ، وهم
كانوا ساكتين مصغين لقراءته؛ فعلى التقدير الأول: لا معنى لقوله، فقال لهم: نعم؛ هكذا كنت
قرأت عليكم، وعلى التقدير الثاني: لا معنى لقوله: لما قرؤوا الكتاب، فتفكر.

٢٢
مقدمة الشّارح
ثم قال: ويمكن أن يكون المراد من ((الثقة الأمين)) هو: عبد الجبار، وقائل قوله: ((فأقر
به)) أيضًا: عبد الجبار، فالمعنى: أن تلامذة عبد الجبار قالوا له: أخبرك أبو العباس؟ فقال:
نعم! أخبرني أستاذي أبو العباس، فهذا معنى قوله: ((فأقر به الشيخ الثقة الأمين)). انتهى.
قلت: قد أخذ هذا صاحبُ ((الطيب الشذي)) من الوجه الثاني من الوجهين المذكورين
لبعضهم، ولكنه قد تَخَبَّطَ في قوله، ((وقائل قوله أقرَّ به أيضًا عبد الجبَّار))!
قوله: (أخبرني أبو عيسى محمد بن عيسى بن سَوْرَة) بفتح السين وسكون الواو
(الترمذي) بكسر التاء والميم وبضمهما، وبفتح التاء وكسر الميم، مع الذال المعجمة، نسبة
إلى مدينة قديمة على طرق جَيحون: نهر بلْخ، (الحافظ): تقدَّم حدُّ الحافظ في المقدمة،
وتقدّم فيها أيضًا ترجمة أبي عيسى الترمذي، وما يتعلَّق بكنيته.

٢٣
أبواب الطهارة عن رسول الله ﴾و
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَيمِ
قَالَ: أخبرني أبو عِيسَى محمَّدُ بنُ عيسى بنِ سَورةَ بنِ موسَى التِّرمذيُّ الحافِظُ
قال :
(١) أبواب الطهارة عن رسول الله
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَةِ
أبوابُ الطَّهَارة [عن رسول الله
قوله: (أبواب الطهارة عن رسول الله وَ (38) أبواب: جمع ((باب))، وهو حقيقةٌ لما كان
حسيًّا يدخل منه إلى غيره، ومجاز لعنوان جملة من المسائل المتناسبة.
واعلم: أنه قد جرت عادة أكثر المصنّفين من الفقهاء أنهم يذكرون مقاصدهم بعنوان
((الكتاب)) و((الباب)) و((الفصل))، فالكتاب عندهم : عبارةٌ عن طائفة من المسائل اعتبرت
مستقلةً شملت أنواعًا أو لم تشمل؛ فإن كان تحته أنواع؛ فكل نوع يسمى بـ ((الباب))،
والأشخاص المندرجة تحت النوع تسمَّى بـ ((الفصول)).
وقال السيد نور الدين في ((فروق اللغات)): الكتاب: هو الجامِعُ لمسائلَ متَّحِدَة في
الچِنسِ مختلفةٍ في النوع، والفصل: هو الجامع لمسائل متحدة في النوع، مختلفة في
الصِّنفِ، والفصل: هو الجامعُ لمسائل متحدة في الصنف مختلفة في الشخص. انتهى.
وهكذا جرت عادة أكثر المحدِّثين: أنهم يذكرون الأحاديث والآثار في كتبهم على
طريقة الفقهاء بعنوان ((الكتاب)) و((الباب))؛ لكن الترمذي يذكر مكان ((الكتاب)) لفظ
(الأبواب))؛ فيقول: أبواب الطهارة، وأبواب الصلاة، وأبوابُ الزكاة، وهكذا.
ثم يزيدُ بعد الأبواب لفظ: عن رسول الله وَله، مثلًا يقول: ((أبواب الطهارة عن رسول الله
وَ﴿، وأبواب الصلاة عن رسول الله وَليو))، قال بعض العلماء في توجيه هذه الزيادة ما لفظه:
فائدة ذكره؛ أي: ذكر ((عن رسول الله وَ ظله) هو الإشارة إلى أن الأحاديث الواردة فيها مرفوعاتٌ
لا موقوفاتٌ؛ ذلك لأن قبل زمان الترمذي وطبقته كانت العادةُ أنهم كانوا يخلطون الأحاديث
والآثار، كما يفصحُ عنه ((موطأ مالك)) و((مغازي موسى بن عقبة))، وغيرهما، ثم جاء البخاري
والترمذي وأقرانهما، فميزوا الأحاديث المرفوعة عن الآثار. انتهى.

٢٤
أبواب الطهارة عن رسول الله وَ﴿ / بَاب مَا جَاءَ لا تُقْبَلُ صَلاةٌ بِغَيْرِ ظُهُور
١- بَاب مَا جَاءَ لا تُقْبَلُ صَلاةٌ بِغَيْرٍ طُهُور [١٥، ١٢]
[١] (١) حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أبُو عَوَانَة، عَن سِمَاكِ بن حَرْپٍ ح،
والمراد من ((الطهارة)): الطهارة من الحَدَثِ والخَبَث؛ وأصلها: النظافة والنزاهة من كل
عَيْب حسِّيٍّ أو معنويٍّ، ومنه: قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسَُّ يَطَهَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٨٢]، والطهارة -
لما كانت مفتاح الصلاة: التي هي عماد الدين - افتتح المؤلِّفون بها مؤلّفاتهم.
١ - باب: ما جاء لا تُقبَلُ صلاةٌ بغير طُهُورٍ
بضم الطاء وفتحها .
[١] قوله: (حدثنا قتيبة) بضم القاف وفتح المثناة الفوقانية (ابن سعيد) الثقفي مولاهم
أبو رجاء البَغْلاني، محدِّث خراسان، ولد سنة (١٤٩) تسع وأربعين ومئة، وسمع من مالك،
والليث، وابن لَهِيعَة، وشريك، وطبقتهم، وعنه: الجماعة، سوى ابن ماجه، وكان ثقةً عالمًا
صاحبَ حديث ورحلاتٍ، وكان غنيًّا متمولًا، قال ابن معين: ثقة، وقال النسائي: ثقة
مأمون، مات سنة (٢٤٠) أربعين ومئتين، عن إحدى وتسعين سنة؛ كذا في ((تذكرة الحفاظ)).
(أبو عوانة) اسمه: الوضاح بن عبد الله اليشكري الواسطي البزاز أحد الأعلام، روى عن
قتادة، وابن المنكدر، وخلق، وعنه: قتيبة، ومسدَّد، وخلائق، ثقة ثَبتُ، مات سنة (١٧٦)
ست وسبعين ومئة.
فائدة: قال النووي: جرت عادة أهل الحديث بحذف ((قال)) ونحوه، فيما بين رجال
الإسناد في الخط، وينبغي للقارئ أن يلفظ بها. انتهى.
قلت: فينبغي للقارئ أن يقرأ هذا السند هكذا: ((قال)) حدّثنا قتيبة بن سعيد، قال: أخبرنا
أبو عوانة، بذكر لفظ (قال) قبل ((حدثنا قتيبة))، وقبل ((أخبرنا أبو عوانة))، (عن سِمَاك) بكسر
السين المهملة وتخفيف الميم (ابن حرب) بن أوس بن خالد الذّهليّ البكري الكوفي،
صدوق، وروايته عن عكرمة خاصة مضطربةٌ، وقد تغير بأخَرةٍ، فكان ربما يلقَّن، كذا في
((التقريب))، وقال في ((الخلاصة)): أحد الأعلام التابعين، عن جابر بن سَمُرةَ، والنعمان بن
بشير، ثم عن: علقمة بن وائل، ومصعب بن سعد، وغيرهم، وعنه: الأعمش، وشعبة،
وإسرائيل، وزائدة، وأبو عوانة، وخلق، قال ابن المديني: له نحو مئتي حديث، وقال
أحمد: أصح حديثًا من عبد الملك بن عمرو، وثّقه: أبو حاتم، وابن معين في رواية ابن

٢٥
أبواب الطهارة عن رسول اللّه ◌َاهـ / بَاب مَا جَاءَ لا تُقْبَلُ صَلاةٌ بِغَيْرِ ظُهُور
وَحَدَّثَنَا هَنَّادٌ،
أبي خيثمة، وابن أبي مريم، وقال أبو طالب، عن أحمد: مضطرب الحديث. قلت: عن
عكرمة فقط، مات سنة (١٢٣) ثلاث وعشرين ومئة. انتهى.
(ح): اعلم أنه إذا كان للحديث إسنادان أو أكثر؛ كتبوا عند الانتقال من إسناد إلى
إسناد: ((ح)) وهي: حاء مهملة مفردة، والمختار: أنها مأخوذة من التحوُّل، لتحوله من إسناد
إلى إسناد، وأنه يقول القارئ إذا انتهى إليها ((ح)) ويستمر في قراءة ما بعدها، وقيل: إنها من
حال الشَّيء يَحُولُ: إذا حجز: لكونها حالت بين الإسنادين، وأنه لا يلفظ عند الانتهاء إليها
بشيء، وليست من الرواية، وقيل: إنها رمز إلى قوله الحديث، وأن أهل المغرب كلهم
يقولون إذا وصلوا إليها: ((الحديث)) ؛ قاله النووي.
(قال: ونا هناد) أي: قال أبو عيسى الترمذي: ((وحدثنا هناد))، وهو ابن السريِّ بن
مصعب الحافظ القدوة الزاهد، شيخ الكوفة، أبو السري التميمي الدارمي، روى عن:
أبي الأحوص سلام، وشريك بن عبد الله، وإسماعيل بن عياش، وطبقتهم، وعنه: الجماعة
سوى البخاري وخلق، سئل أحمد بن حنبل: عمن نكتب بالكوفة؟ قال: عليكم بهنَّادٍ، قال
قتيبة: ما رأيت وكيعًا يعظّم أحدًا تعظيمه هنَّادًا، ثم يسأله عن الأهل، وقال النسائي: ثقة،
توفي سنة (٢٤٣) ثلاث وأربعين ومئتين، عن إحدى وتسعين سنة، وما تزوج قَطُ ولا تَسَرَّى،
وكان يقال له: راهب الكوفة، وله مصنَّف كبير في الزهد؛ كذا في ((تذكرة الحفاظ)).
تنبيه: قال صاحب ((العرف الشذي)) ما لفظه: ربما تجد في كتب الصحاح وغيرها: أنهم
يبدؤون السند من الأول - أي: الأعلى - بالعنعنة، ثم في الأسفل بالإخبار والتحديث؛ لأن
التدليس لم يكن في السلف، وحَدَثَ في المتأخرين، فاحتاج المحدِّثون إلى التصريح
بالسماع. انتھی.
قلت: قوله: ((التدليس لم يكن في السلف، وحَدَثَ في المتأخرين)) مبنيٌّ على غفلته عن
أسماء الرجال، فقد كان التدليسُ في السلف، وكان كثير من التابعين وأتباعهم مدلِّسين،
وهذا أمر جليٍّ عند من طالع كتب أسماء الرجال والكتبَ المؤلّفة في المدلِّسين، ومن التابعين
الذين كانوا موصوفين بالتدليس معروفين به: قتادة، وأبو الزُّبير المكيُّ، وحُمَيْدٌ الطّويلُ،
وعمرو بن عبد الله السبيعي، والزهري، والحسن البصري، وحبيب بن أبي ثابت الكوفي،
وابن ◌ُجُرَيج المكي، وسليمان التيمي، وسليمان بن مهران الأعمش، ومحمد بن عَجلانَ

٢٦
أبواب الطهارة عن رسول الله وَّه / بَاب مَا جَاءَ لا تُقْبَلُ صَلاةٌ بِغَيْرٍ ◌ُهُور
حَدَّثَنَا وَكِيمٌ،
المدني، وعبد الملك بن عمير القبطي الكوفي، وعطية بن سعيد العوفي وغيرهم، فهؤلاء
كلُّهم من التابعين موصوفون بالتدليس.
فقول هذا القائل: ((التدليس لم يكُن في السلف، وحَدَثَ في المتأخرين)) باطل بلا
مرية؛ بل الأمر بالعكس؛ قال الفاضل اللكنوي في (ظَفَر الأماني)) ص ٢١٣: قال الحلبي في
((التبيين)): التدليسُ بعد سنة ثلاث مئة يقلُّ جدًّا، قال الحاكم: لا أعرف في المتأخرين يذكر
به إلَّا أبا بكر محمد بن محمد بن سليمان البَاغَنْديَّ. انتهى.
تنبيه آخر: وقال هذا القائل: ((قال شعبة: إن التدليس حرامٌ، والمدلِّس ساقط العدالة،
ومن ثَمَّ قالوا: السند الذي فيه شُعْبَةُ بريء من التدليس، وإن كان بالعنعنة)). انتهى.
قلت: لم يقل أحد من أئمة الحديث: إن السند الذي فيه شعبة بريء من التدليس، بل
قالوا: إن شعبة لا يروي عن شيوخه المدلِّسين إلَّا ما هو مسموعٌ لهم، صرَّح به الحافظ في
((الفتح))، وقال البيهقي في ((المعرفة)) (١): روينا عن شعبة قال: كُنْت أتفقَّد فَمَ قتادة، فإذا
قال: ((ثنا)) و((سمعت)) حفظته، وإذا قال: ((حدث فلان)) تركته، وقال: روينا عن شعبة أنه
قال: كفيتكم تدليسَ ثلاثة: الأعمش، وأبي إسحاق، وقتادة، قال الحافظ في كتابه ((تعريف
أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس)) بعد ذكر كلام البيهقي هذا ما لفظه: فهذه قاعدة
جيّدة في أحاديث هؤلاء الثلاثة: أنها إذا جاءت من طريق شعبة دلّت على السماع، ولو كانت
معنعنةً. انتهى.
وأما القول بأن السند الذي فيه شعبة بريءٌ من التدليس؛ فلم يقل بهذا الإطلاق أحد،
فتفكّر.
(نا وكيع) هو: ابن الجَرَّاح بن مليح الرؤاسي الكوفي محدِّث العراق، ولد سنة تسع
وعشرين ومئة، سمع: هشام بن عروة، والأعمش، وابن عون، وابن جُريْج، وسفيان،
وخلائق، وعنهُ: ابن المبارك، مع تقدُّمه، وأحمد، وابن المديني، ويحيى، وإسحاق، وزهير،
وأمم سواهم، وكان أبوه على بيت المال، وأراد الرشيد أن يولي وكيعًا قضاءَ الكوفة، فامتنع،
وقال أحمد: ما رأيتُ أوعى للعلم ولا أحفَظَ من وكيع، توفي سنة (١٩٧) سبع وتسعين ومئة
يوم عاشوراء؛ كذا في ((تذكرة الحفاظ))، وقال الحافظ في ((التقريب)): ثقة حافظ.
(١) انظر ((معرفة السنن والآثار)) تحت رقم (٢٩).

٢٧
أبواب الطهارة عن رسول الله وَ﴿ / بَاب مَا جَاءَ لا تُقْبَلُ صَلاةٌ بِغَيْرِ ظُهُور
عَنِ إِسْرَائِيلَ، عَن سِمَاكِ،
تنبيه: قال بعض الحنفية: إن وكيع بنَ الجَرَّاح كان يفتي بقول أبي حنيفة، وكان قد سمع
منه شيئًا كثيرًا. انتهى، وزعم بعضهم أنه كان حنفيًّا يفتي بقول أبي حنيفة ويقلِّده.
قلت: القولُ بأن وكيعًا كان حنفيًّا يقلِّد أبا حنيفة؛ باطل جدًّا؛ ألا ترى أن الترمذيَّ قال في
((جامعه)) هذا في ((باب إشعار البُدْنِ)»: سمعتُ يوسف بن عيسى يقول: سمعت وكيعًا يقول، حين
روى هذا الحديث - يعني : - ((حديث ابن عبَّاس؛ أن النبيِ نَّهِ قَلَّدَ النَّعَلَيْن، وأشعَرَ الهَدْيَ))(١)،
فقال: لا تنظروا إلى قول أهل الرأي في الإشعار؛ فإن الإشعار سُنَّة، وقولهم بدعة، وسمعت
أبا السائب يقول: كنا عند وَكيع فقال رجلٌ ممن ينظر في الرأي: أشعَرَ رسولُ الله ◌َلتِ، ويقول
أبو حنيفة: هو مُثْلَةٌ، قال الرجل: فإنه قد روي عن إبراهيم النخعي أنه قال: الإشْعارُ مُئلَةٌ، قال:
فرأيت وكيعًا غضب غضبًا شديدًا وقال: أقول لك: قال رسول الله وَّه، وتقول: قال إبراهيم،
ما أحقك بأن تحبس، ثم لا تخرج؛ حتى تنزع عن قولك هذا. انتهى.
فقول وكيع هذا من أوله إلى آخره ينادي بأعلى نداء: أنه لم يكن مقلدًا لأبي حنيفة ولا
لغيره، بل كان متبعًا للسُّنة منكرًا أشد الإنكار على من يخالف السنة، وعلى من يذكر عنده
قول رسول الله وَ له، فيذكر هو قول أحدٍ من النَّاس مخالفًا لقوله وَّهِ، وأما من قال: إن وكيعًا
كان يفتي بقول أبي حنيفة؛ فليسَ مراده: أنه كان يفتي بقوله في جميع المسائل، بل مراده:
أنه كان يفتي بقوله في بعض المسائل، ثم لم يكن إفتاؤه في بعضها تقليدًا لأبي حنيفة، بل
كان اجتهادًا منه، فوافق قولُه قولَهُ؛ فظن أنه كان يفتي بقوله، والدليل على هذا كله: قول
وکيع المذكور.
ثم الظاهر: أن المسألة التي يفتي فيها وكيعٌ بقول أبي حنيفة هي: شُرْب نَبيذِ الکوفیین،
قال الحافظ الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) في ترجمته: ما فيه إلَّا شُربُهُ لنبيذِ الكوفيين وملازمتُهُ
له؛ جاء ذلك من غير وجه عنه. انتهى.
(عن إسرائيل) هو ابن يونس بن أبي إسحاق السبيعي الكوفي، قال أحمد: ثقة، ثبتٌ،
وقال أبو حاتم: صدوق مِن أتقن أصحاب إسحاق، قال الحافظ في ((التقريب)): ثقة تُكُلِّمَ فيه
بلا حجة.
(١) مسلم، كتاب الحج. حديث (١٢٤٣)، والترمذي، كتاب الحج. حديث (٩٠٦)، والنسائي، مناسك الحج.
حديث (٢٧٧٤)، وابن ماجه كتاب المناسك. حديث (٣٠٩٧)، وأحمد (١٨٥٨).

٢٨
أبواب الطهارة عن رسول الله وَ ﴿ / بَاب مَا جَاءَ لا تُقْبَلُ صَلاةٌ بِغَيْرِ ظُهُور
عَنْ مُصْعَبٍ بن سَعْدٍ، عَن ابنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ وَّرِ قَالَ: ((لا تُقْبَلُ صَلاةٌ بِغَيْرِ ظُهُورٍ،
(عن مصعب بن سعد) بن أبي وقاص الزهري المدني، ثقة من أوساط التابعين، أرسل.
عن عكرمة بن أبي جهل، مات سنة (١٠٣) ثلاث ومئة.
(عن ابن عمر) هو عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي، أبو عبد الرحمن، ولد بعد
المبعث بيسير، واستصغر يوم أحد، وهو: ابن أربع عشرة سنة، وهو أحد المكثرين من
الصحابة والعَبَادلَة، وكان من أشدِّ الناس اتباعًا للأثر، مات سنة (٧٣) ثلاث وسبعين في
آخرها أو أول التي تليها؛ كذا في ((التقريب)).
قوله: (لا تقبل صلاة بغير طهور) بضم الطاء، والمراد به: ما هو أعم من الوضوء
والغسل، قال النووي: قال جمهور أهل اللغة: يقال: الظُّهور والوضُوء؛ بضم أولهما: إذا
أريد به الفعل الذي هو المصدرُ، ويقال: الطّهور والوَضُوء، بفتح أولهما: إذا أريد به الماءُ
الذي يتطهّر به؛ هكذا نقله ابن الأنباري وجماعاتٌ من أهل اللغة وغيرهم، عن أكثر أهل
اللغة، وذهب الخليل والأصمعي وأبو حاتم السجستاني وجماعة: إلى أنه بالفتح فيهما.
انتھی.
والمراد بالقَبُول هنا: ما يرادف الصحة، وهو الإجزاء، وحقيقة القبول: ثمرة وقوع
الطاعة مجزئةً رافعة لما في الذمة، ولما كان الإتيان بشروطها مظنة الإجزاء الذي القبولُ
ثمرتُهُ؛ عبَّر عنه بـ ((القبول)) مجازًا؛ وأما القبول المنفيُّ في مثل قوله وَاهِ: ((مَن أتَى عَرَّافًا لَم
تُقْبَل لَهُ صَلاةٌ)) (١). فهو: الحقيقي؛ لأنه قد يصح العملُ ويتخلّف القبول لمانع، ولهذا كان
بعض السلف يقولُ: لأن تقبل لي صلاةٌ واحدةٌ أحب إليَّ من جميع الدنيا؛ قاله ابن عمر،
قال: لأن الله تعالى قال: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اَللَّهُ مِنَ الْمُنَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧]؛ كذا في ((فتح الباري)).
والحديث نص في وجوب الطهارة للصلاة، وقد أجمعتِ الأمة على أن الطهارة شرطً
في صحة الصلاة، وأجمعت على تحريم الصلاة بغير طهارة من ماء أو تراب، ولا فرق بين
الصلاة المفروضة والنافلة، والحديث دليل على وجوب الطهارة لصلاة الجنازة أيضًا لأنها
صلاة، قال النبي ◌َّهِ: (مَن صلَّى على الجَنَازة .... ))(٢) وقال: (صلُّوا عَلَى صَاحِكُم)) (٣)
(١) أحمد. حديث (١٦٢٠٢)، ومسلم، كتاب السلام. حديث (٢٢٣٠).
(٢) الترمذي، كتاب الجنائز. حديث (١٠٤٠).
(٣) أحمد. حديث (١٣٣٢٥)، وأبو يعلى. حديث (٤٣٠٦)، وقال الهيثمي (٤٢/٣): رواه أبو يعلى ورجاله رجال
الصحيح.
=

٢٩
أبواب الطهارة عن رسول الله وَ﴿ / بَاب مَا جَاءَ لا تُقْبَلُ صَلاةٌ بِغَيْرِ ظُهُور
وَلا صَدَقَةٌ مِن غُلُولٍ)). [م: ٢٢٤، ن: ١٣٩، د: ٥٩، جه: ٢٧٣، حم: ٤٦٨٦، مي: ٦٨٦].
قَالَ هَنَّدٌ فِي حَدِيثِهِ: ((إلَّا بِظُهور)). [جه: ٢٧٢].
وقال: ((صلُّوا على النجاشيّ))(١)، قال الإمام البخاري: سمّاها صلاة، وليس فيها ركوعٌ ولا
سجود ولا يتكلّم فيها، وفيها تكبير وتسليم، وكان ابن عمر لا يصلّي عليها إلَّا طاهرًا، انتهى.
قال الحافظ: ونقل ابن عبد البر الاتفاق على اشتراط الطهارة لها، يعني: لصلاة
الجنازة إلَّا عن الشعبي، قال: ووافقه إبراهيم بن عليّة، ونقل غيره أن ابن جرير الطبري
وافقهما على ذلك، وهو مذهب شاذّ. انتهى كلام الحافظ.
قلت: والحق أن الطهارة شَرْطٌ في صحة صلاة الجنازة ولا التفات إلى ما نُقِلَ عن
الشعبي وغيره.
فائدة: قال البخاريُّ في ((صحيحه)): إذا أحدث يوم العيد أو عند الجنازة يَطلبُ الماء ولا
يتيمم. انتهى. قال الحافظ في ((الفتح)): وقد ذهب جَمْعٌ من السلف إلى أنه يجزئ لها التيُّم
لمن خاف فواتها - يعني: فوات صلاة الجنازة - لو تشاغل بالوضوء، وحكاه ابن المنذر: عن
عطاء، وسالم، والزهري، والنخعي، وربيعة، والليث، والكوفيين، وهي رواية عن أحمد،
وفيه حديثٌ مرفوعٌ عن ابن عباس رواه ابن عدي، وإسناده ضعيف. انتهى.
(ولا صدقة من غلول) بضم الغين، والغلول: الخيانة، وأصله: السرقة من مال الغنيمة
قبل القسمة؛ قاله النووي، وقال القاضي أبو بكر بن العربي: الغلول: الخيانة خُفْيةً، فالصدقة
من مال حرام في عدم القبول واستحقاق العقاب؛ كالصلاة بغير طهور في ذلك. انتهى.
قوله: (قال هناد في حديثه: إلَّا بطهور) أي: مكان بغير طهور، ومقصود الترمذي بهذا
إظهار الفرق بين حديث قتيبة وحديث هَنَّاد، فقال قتيبة في حديثه: ((لا تُقْبَلُ صَلاةٌ بِغَيرِ
◌ُهُورٍ)) (٢)، وقال هناد في حديثه: ((لا تُقْبَلُ صلاةٌ إلَّا بِظُهُورٍ))(٣).
= وأصل القصة في البخاري، كتاب الجنائز. حديث (١٣٥٦)، وأبي داود، كتاب الجنائز. حديث (٣٠٩٥)،
وابن حبان. حدیث (٢٩٦٠).
(١) مسلم، كتاب الجنائز. حديث (٩٥٣)، والترمذي، كتاب الجنائز. حديث (١٠٣٩)، والنسائي، كتاب
الجنائز. حديث (١٩٤٦)، وابن ماجه، كتاب ما جاء في الجنائز. حديث (١٥٣٥).
(٢) مسلم، كتاب الطهارة. حديث (٢٢٤)، الترمذي، كتاب الطهارة، حديث (١).
(٣) الترمذي، كتاب الطهارة. حديث (١).

٣٠
أبواب الطهارة عن رسول الله وَه / بَاب مَا جَاءَ لا تُقْبَلُ صَلاةٌ بِغَيْرِ ظُهُور
قالَ أبُو عِيْسَى: [هَذَا الحَدِيثُ أصَحُّ شَيْءٍ في هذا الباب وَأحْسَنُ]. وفِي الباب
عَنْ أَبِي المَلِيحِ، عَن أَبِيهِ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَنَس.
قوله: (هذا الحديث أصح شيء في هذا الباب وأحسن) والحديث أخرجه الجماعة إلَّا
البخاري؛ كذا في ((المنتقى))، ورواه الطبراني في ((الأوسط))(١) بلفظ: ((لا صَلاةَ لِمَن لا ظُهُورَ لهُ)).
(وفي الباب عن أبي المليح عن أبيه، وأبي هريرة، وأنس) أما حديث أبي المَليح، عن أبيه؛
فأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه(٢)، ولفظه: ((لا يَقْبَلُ اللهُ صَدَقَةً من غُلُولٍ، ولا صلاةً بِغَيْرِ
طُهُورٍ))، والحديث سكت عنه أبو داود ثم المنذري، وأما حديث أبي هريرة؛ فأخرجه
الشيخان(٣) بلفظ: ((لا يَقْبلُ اللهُ صلاةَ أحدِكُم إذا أحدَثَ حتى يَتَوضَّأ ..... )) الحديث.
وأما حديث أنس، فأخرجه ابن ماجه(٤) بلفظ: ((لا يَقْبلُ الله صلاةٌ بِغَيرٍ ظُهُورٍ، وَلا
صَدَقَةً مِن غُلُولٍ)).
قال الحافظ في ((التلخيص)): وفي الباب: عن والد أبي المَليحِ وأبي هريرة وأنس
وأبي بكرة وأبي بكر الصديق والزبير بن العوام وأبي سعيد الخدري وغيرهم، وقد أوضحْتُ
طرقه وألفاظه في الكلام على أوائل الترمذي. انتهى.
قلت: وفي الباب أيضًا: عن عمران بن حصين(٥) وأبي سبرة (٦) وأبي الدرداء(٧)
وعبد الله بن مسعود(٨) ورباح بن عبد الرحمن بن حُويطب عن جدته(٩)
(١) الطبراني في «الكبير» (٢٠٢/١١)، و((الأوسط)). حديث (٨٠٨٠).
(٢) أبو داود، كتاب الطهارة. حديث (٥٩)، والنسائي، كتاب الطهارة. حديث (١٣٩)، وابن ماجه، كتاب
الطهارة وسننها. حديث (٢٧١).
(٣) البخاري، كتاب الحيل. حديث (٦٩٥٤)، ومسلم، كتاب الطهارة. حديث (٢٢٥).
(٤) ابن ماجه، كتاب الطهارة وسننها. حديث (٢٧٣).
(٥) الطبراني في «الكبير» (٢٠٦/١٨). حديث (٥٠٩)، وقال الهيثمي (٢٢٨/١): ورجاله رجال الصحيح.
(٦) الطبراني في «الكبير» (٢٩٦/٢٢). حديث (٧٥٥)، وقال الهيثمي (٢٢٨/١): وفيه يحيى بن أبي يزيد بن
عبد الله بن أنيس ولم أر من ترجمه.
(٧) ذكره الهيثمي في ((المجمع)) (١/ ٥٢٦). وعزاه للطبراني في ((الكبير)). وقال: رجاله موثقون، إلا أني لا أعرف
شيخ الطبراني ثابت بن نعيم الهوجي.
(٨) الطبراني في ((الكبير)). حديث (١٠٢٠٥)، وقال الهيثمي (٢٢٧/١): وفيه عباد بن أحمد العرزمي وهو متروك.
(٩) أحمد. حديث (١٦٢١٥)، والترمذي، كتاب الطهارة. حديث (٢٥)، وابن ماجه، كتاب الطهارة وسننها.
حديث (٣٩٨).

٣١
أبواب الطهارة عن رسول الله وَ ﴿ / باب مَا جَاءَ فِي فَضْلِ الظُّهُور
وَأَبُو المَلِيحِ بْنُ أسَامَةَ اسْمُهُ: عَامِرٌ، ويقال: زَيْدُ بنُ أُسَامَةَ بنِ عُمَيْرِ الهُذَلِيُّ.
٢- باب مَا جَاءَ فيٍ فَضْلِ الطُّهُورِ [ت٢، ٢٢]
[٢] (٢) حدثنا إسحاقُ بْنُ مُوسَى الأنْصَارِيُّ،
، الحافظُ الهيثميُّ في ((مجمع الزوائد»،
وسعد بن عمارة(١)، ذكر حديث هؤلاء الصحابة
في ((باب فرض الوضوء)) مع الكلام عليها، فمن شاء الوقوف عليها؛ فليرجع إليه.
تنبيهان: الأول: أن قول الترمذي: ((هذا الحديث)) يعني: ((حديث ابن عمر أصحّ شيءٍ
في هذا الباب)) فيه نظر، بل أصحُّ شيء في هذا الباب هو حديث أبي هريرة الذي أشار إليه
الترمذي وذكرنا لفظه؛ فإنه متفق عليه.
الثاني: قد جَرَت عادة الترمذيِّ في هذا الجامع، أنه يقول بعد ذكر أحاديث الأبواب:
(وفي الباب: عن فلان وفلان): فإنه لا يريد ذلك الحديثَ بعينه، بل يريد أحاديثَ أُخَرَ يصحُ
أن تكتب في الباب، قال الحافظ العراقي: وهو عمل صحيحٌ، إلّا أن كثيرًا من الناس
يفهمون من ذلك أن من سمي من الصحابة يروون ذلك الحدیث بعينه، ولیس کذلك؛ بل قد
يكون كذلك، وقد يكون حديثًا آخر يصح إيراده في ذلك الباب، وقد تقدَّم ما يتعلَّق به في
المقدمة؛ فتذگّر.
قوله (وأبو المليح) بفتح الميم وكسر اللام (ابن أسامة اسمه: عامر) قال الحافظ في
((التقريب)): أبو المليح بن أسامة بن عمير - أو عامر - بن حنيف بن ناجية الهذلي، اسمه:
عامر، وقيل: زيد، وقيل: زياد، ثقة، من الثالثة.
٢ - باب: ما جاء في فضل الطُّهور
بضم الطاء، وقد تقدَّم قولُ أكثر أهْلِ اللغة: أنه يقال الظُهور؛ بالضم: إذا أريد به
الفعل، ويقال بالفتح: إذا أريد به الماء، والمراد هنا: الفعل.
[٢] قوله: (حدثنا إسحاق بن موسى الأنصاري) الخَطميُّ المديني الفقيه، الحافظ
الثَّبتُ، أبو موسى، قاضي نيسابور، سمع: سفيان بن عيينة، وعبد السلام بن حرب، ومعن
ابن عيسى، وكان من أئمة الحديث، صاحبَ سُنَّة، ذكره أبو حاتم، فأطنب في الثناء عليه،
وقال النسائي: ثقة، حدَّث عنه مسلم، والترمذي، والنسائي، وآخرون، قيل: إنه توفي
(١) الطبراني في ((الكبير)). حديث (٥٤٥٩)، وقال الهيثمي (٢٣٦/١٠): ورجاله ثقات.

٣٢
أبواب الطهارة عن رسول الله وَ ﴿ / باب مَا جَاءَ فِي فَضْلِ الظُّهُور
حَدَّثَنَا مَعْنُ بنُ عِيسَى [القَزَّازٌ]،
بـ ((جوسيَّة)) بُلَيْدَة من أعمال حِمْص، في سنة أربع وأربعين ومائتين؛ كذا في ((تذكرة
الحفاظ))، وقال في ((التقريب)): ثقة متقن.
فائدة: قال الحافظ الذهبيُّ في ((الميزان)): إذا قال الترمذي: ابن الأنصاري، فيعني به:
إسحاق بن موسى الأنصاري. انتهى.
قلت: الأمر كما قال الذهبيُّ، لكن يقول الترمذي: الأنصاري لا ابن الأنصاري؛ كما
قال في ((باب ماء البحر أنه طهور)): حدثنا قتيبة عن مالك ح وحدثنا الأنصاري قال: حدثنا
معن ... إلخ، وكما قال في ((باب التغليس بالفجر)): حدثنا قتيبة عن مالك بن أنس ح. قال:
ونا الأنصاري نا معن .... إلخ، ثم قال: قال الأنصاري: فمرت النساء متلفِّفات
بمروطهن .... إلخ؛ فالحاصل: أن الترمذي، إذا قال في شيوخه: ((الأنصاري))؛ فيعني به:
إسحاق بن موسى الأنصاري لا غير، فاحفَظ هذا؛ فإنه نافع.
تنبيه: قد غفل صاحب ((الطيب الشذي)) عما ذكرنا آنفًا من أن الترمذيَّ إذ يقول:
((الأنصاري)) فيعني به: إسحاق بن موسى الأنصاري؛ فلذلك قد وقع في مَغْلَطَّةٍ عظيمة؛
وهي: أنه قال في ((باب ماء البحر؛ أنه طهور)) ما لفظه: قوله: ((الأنصاري)) هو: يحيى بن
سعيد الأنصاري؛ كما يظهر من تصريح الحافظ في ((التلخيص))، كما سيأتي في تصحيح
الحدیث، انتھی.
قلت: العجب أنه مع هذه الغفلة الشديدة، كيف جوَّز أن ((الأنصاري)) هذا هو يحيى بن
سعيد الأنصاريّ، والأنصاري هذا: هو شيخ الترمذيِّ فإنه قال: حدَّثنا الأنصاريُّ، ويحيى بن
سعيد الأنصاري من صغار التابعين، فبين الترمذي وبينه مفاوزُ تنقطعُ فيها أعناقُ المطايا، فهل
يمكنُ أن يقول الترمذيُّ: حدّثنا يحيى بن سعيد الأنصاري، كلََّّ ثم كلَّا، ثم العَجَبُ على
العجب: أنه قال: كما يظهرُ من تَصريحِ الحافظ في ((التلخيص))، ولم يصرِّح الحافظ في
((التلخيص)) أنَّ الأنصاري هذا هو يحيى بن سعيد الأنصاري، ولا يظهر هذا من كلامه البتة،
وقد وقع هو في هذا في مَغْلَطةٍ أخرى، والأصل: أن الرجل إذا تكلّم في غير فَتِّهِ يأتي بمثل
هذه العجائب.
(نا معن بن عيسى) أبو يحيى المدني ((القزاز)) الأشجعي مولاهم، أخذ عن: ابن
أبي ذئب، ومعاوية بن صالح، ومالك، وطبقتهم، وهو من كبار أصحاب مالك ومتقنیهم،

٣٣
أبواب الطهارة عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاءَ فِي فَضْلِ الظُّهُور
حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، ح وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، عَن مَالِكٍ، عَن سُهَيْلٍ بْنِ أبِي صَالِحٍ، عَن
أبيه، عَن أبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((إِذَا تَوَضَّأَ العَبْدُ المُسْلِمُ، أوِ المُؤْمِنُ،
روى عنه: ابن أبي خيثمة، وهارون الجَمَّال، وخلق، وقال أبو حاتم: هم أحبُّ إلي من ابن
وهب، وهو أثبت أصحاب مالك، توفي في شوال سنة (١٩٨) ثمان وتسعين ومئة، كذا في
((تذكرة الحفاظ))، وقال في ((التقريب)): ثقة ثَبْتُ.
(نا مالك بن أنس) هو مالك بن أنس بن مالك الأصْبَحِيُّ المدني، إمام دار الهجرة،
رأس المتقنين، وكبير المثبتين، تقدمت ترجمته في ((المقدمة)).
(عن سهيل بن أبي صالح) المدني، صدوق، تغير حفظه بأخرة، روى له البخاريُّ
مقرونًا، وتعليقًا، من السادسة، مات في خلافة المنصور، كذا في ((التقريب)).
قلت: قال الذهبي في ((الميزان)) وقال غيره - أي: غير ابن معين -: إنما أخذ عنه مالكٌ
قبل التغيُّر، وقال الحاكم: روى له مسلم الكثير، وأكثرها في الشواهد. انتهى.
(عن أبيه) أي: أبي صالح، واسمه: ذكوان، كما صرح به الترمذي في هذا الباب، قال
الحافظ في ((التقريب)). ذكوان أبو صالح السَّمَّان الزيَّات المدنيُّ ثقة تَبْتُ، وكان يجلب الزيت
إلى الكوفة، من الثالثة، مات سنة (١٠١) إحدى ومئة.
تنبيه: اعلم أنَّ أبا صالح والد سهيل هو: أبو صالح السَّمَّان، واسمه: ذكوان، وهذا
ظاهر لمن له أدنى مناسبة بفن الحديث، وقد صرَّح به الترمذي في هذا الباب، وقد وقع
صاحب ((الطيب الشذي)) هاهنا في مغلطة عظيمة، فظن أن أبا صالح والد سهيل هذا: هو
أبو صالح الذي اسمه ((مينا))؛ حيث قال: قوله ((عن أبيه)) مولى ضُبّاعة، لين الحديث، من
الثالثة، واسمه «مينا)) بکسر الميم. انتهى.
والعجب كل العجب: أنه كيف وقع في هذه المغلطة، مع أن الترمذي قد صرَّح في هذا
الباب: بأن أبا صالح والد سهيل هو أبو صالح السمَّان، واسمه: ذكوان.
ثم قد حكم الترمذي بأن هذا الحديث حسنٌ صحيح، فكيف ظن أن أبا صالح والد
سهيل هو أبو صالح الذي اسمه مِينًا، وهو لين الحديث.
قوله: (إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن) هذا شكٌّ من الراوي، وكذا قوله: ((مع الماء
أو مع آخر قطر الماء)»؛ قاله النووي وغيره.

٣٤
أبواب الطهارة عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاءَ فِي فَضْلِ الظُّهُور
فَغَسَلَ وَجْهَهُ خَرَجَتْ مِن وَجْهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ إِلَيْهَا بِعَيْنَيْهِ مَعَ المَاءِ، أَوْ مَعَ آخِرِ فَظْرٍ
المَاءِ - أوْ نَحْوَ هَذَا - وَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَتْ مِن يَدَيْهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ
(فغسل وجهه) عطف على ((توضأ)) عطف تفسير، أو المراد: إذا أراد الوضوء، وهو
الأوجه، (خرجت من وجهه) جواب ((إذا)) (كل خطيئة نظر إليها) أي: إلى الخطيئة، يعني:
إلى سببها إطلاقًا لاسم المسبّب على السبب مبالغة، (بعينيه) قال الطيبي: تأكيد (مع الماء)
أي: مع انفصاله (أو مع آخر قطر الماء، أو نحو هذا) قيل: ((أو)) لشك الراوي، وقيل لأحد
الأمرين، والقطر: إجراءُ الماء وإنزالُ قطره؛ كذا في ((المرقاة)).
قلت: (أو) هاهنا للشك لا لأحد الأمرين، يدلُّ عليه قوله: (أو نحو هذا)، قال
القاضي: المراد بخروجها مع الماء المجازُ والاستعارة في غفرانها؛ لأنها ليست بأجسام،
فتخرج حقيقة، وقال ابن العربي في ((عارضة الأحوذي)): قوله: ((خرجت الخطايا)) يعني:
غفرت؛ لأن الخطايا هي أفعال وأعراضٌ لا تبقى، فكيف توصف بدخول أو بخروج، لكن
البارئ لما أوقف المغفرةَ على الطّهارة الكاملة في العضو ضَرَبَ لذلك مثلًا بالخروج.
انتھی.
قال السيوطي في ((قوت المغتذي)) بعد نقل كلام ابن العربيّ هذا ما لفظه: بل الظاهرُ
حمله على الحقيقة، وذلك أن الخطايا تُورِثُ في الباطن والظاهر سوادًا. يطلع عليه أربابُ
الأحوال والمكاشفاتِ، والطهارةُ تزيله، وشاهدُ ذلك: ما أخرجه المصنِّف والنسائي وابن
ماجه والحاكم(١)، عن أبي هريرة، عن النبي ◌َّه قال: ((إنَّ العَبدَ إذا أُذْنبَ ذَنبَا نُكِتَت في قلبِهِ
نُكتَةٌ سَودَاء، فإن تَابَ وَنَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ صُقِلَ قَلْبُهُ، وإن عَادَ زَادَتِ حَتَّى تَعلُوَ قَلبَهُ)) وذلك الرَّان
الذي ذكره الله في القرآن: ﴿كَلَّا بَلٌّ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤]، وأخرج أحمد
وابن خُزيمة(٢)، عن ابن عباس قال: قال رَسولُ اللهِ وَله: ((الحَجَرَ الأسْودُ يَاقُوتَةٌ بَيضَاء مِنَ
الجَنَّةِ، وَكَانَ أشَدَّ بَيَاضًا مِنَ الثَّلج، وإنَّما سَوَّدَتْهُ خَطَايا المُشركِين))، قال السُّيوطي: فإذا
أَثَّرتِ الخطايا في الحجر، ففي جَسدٍ فاعلها أولى، فإما أن يُقدَّر: خرج مِن وجهه أثرُ
خطيئته، أو السوادُ الذي أحدثته، وإما أن يقال: إن الخطيئة نَفسَها تتعلَّق بالبدن على أنها
(١) النسائي في ((الكبرى)). حديث (١١٦٥٨)، وابن ماجه، كتاب الزهد. حديث (٤٢٤٤)، والحاكم. حديث
(٣٩٠٨) وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.
(٢) أحمد. حديث (٢٧٩٢)، وابن خزيمة. حديث (٢٧٣٤) واللفظ له.

٣٥
أبواب الطهارة عن رسول الله وَليه / باب مَا جَاءَ فِي فَضْلِ الُهُور
بَطَشَتْهَا يَدَاهُ مَعَ المَاءِ، أوْ مَعَ آخِرٍ فَظْرِ المَاءِ، حَتَّى يَخْرُجَ نَقِيًّا مِنَ الذُّنُوبِ)).
[م: ٢٤٤، حم: ٧٩٦٠، طا: ٦٣، مي: ٧١٨].
جسم لا عَرَضٌ بناءً على إثبات عالَم المِثالِ، وأن كل ما هو في هذا العالم عَرَضٌ، له صورةٌ
في عالم المثال، ولهذا: صح عَرَضُ الأعراض على آدم - عليه السلام - ثم الملائكة، وقيل
لهم: ﴿أَنْتُونِ بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءٍ﴾ [البقرة: ٣١]؛ وإلا؛ فكيف يتصوَّر عَرْضُ الأعراض لو لم يكن
لها صورة تشخص بها، قال: وقد حقَّقتُ ذلك في تأليف مستقل، وأشرت إليه في حاشيتي
التي علَّقتها على ((تفسير البيضاوي))، ومن شواهده في الخطايا: ما أخرجه البيهقي في
((سُنَنِهِ))(١) عن ابن عمر قال: سمعت رَسُولَ اللهِ وَليهِ يقولُ: ((إنَّ العَبْدَ إذا قامَ يُصلِّي، أتِيَ
بِذنوبهِ فَجُعِلَت على رأسِهِ وعاتِقِهِ، فَكلَّما رَكَعَ وَسَجَدَ، تَسَاقطت عنه)). وأخرج البزار
والطبراني(٢) عن سلمان قال: قال رَسُولُ اللهِ وَيِ: ((المُسْلِمُ يُصلِّي وَخَطَايَاهُ مَرْفوعَة عَلَى
رأسِهِ، كلَّما سَجَدَ تَحَاتَّت عَنْهُ)). انتهى كلام السيوطي.
قلت: لا شكّ في أن الظاهر هو حمله على الحقيقة، وأما إثبات عَالَمِ المِثالِ، فعندي
فيه نظر؛ فتفكّر.
قوله: (بطشتها) أي أخذتها، (حتى يخرج نَقِيًّا من الذنوب) قال ابن الملك: أي حتى
يفرغ المتوضئ من وضوئه طاهرًا من الذنوب، أي: التي اكتسبها بهذه الأعضاء، أو من
جميع الذنوب من الصغائر، وقيل: حتى يخرج المتوضئ إلى الصلاة طاهرًا من الذنوب، قال
أبو الطيب السندي في ((شرح الترمذي)): قوله: ((حتى يخرج)) مترتِّب على تمام الوضوء؛ لأن
تقديره: ((وهكذا باقي أعضاء الوضوء))، كما يفيده رواية مسلم: ((فَإذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ .... ))
الحدیث وروايات غيره. انتهى.
قلت: الأمر كما قال السندي، فروى مالك والنسائي (٣) عن عبد الله الصُّنابِحيِّ مرفوعًا:
((إذا تَوَضَّأ العَبْدُ المُؤمِنُ فَمَضمَضَ، خَرَجَتِ الخَطَايَا مِن فيهِ، وإذا اسْتَنْثَرَ خَرَجَتِ الخَطَايَا مِن
أَنْفِهِ، وإِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ خَرَجَتِ الخَطَايَا مِنْ وَجْهِهِ حتَّى تَخْرُجَ مِن تَحْتِ أَشْفَارِ عَيْنَيْهِ، فَإِذَا
غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَتِ الخَطَايَا مِن يَدَيْهِ حتَّى تَخرُجَ مِن تَحْتِ أظْفَارٍ يَدِيْهِ، فَإِذَا مَسَحَ بِرَأْسِهِ
(١) البيهقي في ((الكبرى)). حديث (٤٤٧٣).
(٢) البزار. حديث (٢١٩٣- زخار)، والطبراني في ((الكبير)). حديث (٦١٢٥).
(٣) مالك. حديث (٦٢)، والنسائي، كتاب الطهارة. حديث (١٠٣).

٣٦
أبواب الطهارة عن رسول الله وَاه / باب مَا جَاءَ فِي فَضْلِ الظُّهُور
قَالَ أَبُو عيسى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَهُوَ حَدِيثُ مَالِكٍ، عَن سُهَيْلٍ، عَن
أبيه، عَن أبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبُو صَالحٍ: والِدُ سُهَيْلِ هُوَ: أَبُو صالح السَّمَّانُ وَاسْمُهُ:
ذَكْوَانُ ،
خَرَجَتِ الخَطايَا مِن رَأْسِهِ حتى تَخْرُجَ من أُذُنَيْهِ، فَإذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ خَرَجَتِ الخَطَايا من رِجْلَيهِ،
حتَّى تَخْرُجَ من أَظْفَارِ رِجْلَيهِ، ثمَّ كَانَ مَشْيُهُ إلى المَسجِدِ وَصَلاتُهُ نَافِلةً له)» ؛ كذا في
(المشكاة))، قال الطيبي: فإن قيل: ذكر لكلِّ عضو ما يخصُّ به من الذنوب، وما يزيلها عن
ذلك، والوجْهُ مشتملٌ على العين والأنف والأذن؛ فلم خصت العين بالذكر ؟! أجيب بأن
العين طليعةُ القَلْب ورائده، فإذا ذُكرت أغنَت عن سائرها. انتهى.
قال ابن حجر المكي؛ معترضًا على الطيبي: كون العَيْن طليعةً كما ذكره لا ينتجُ الجوابَ
عن تخصيص خطيئتها بالمغفرة؛ كما هو جلي، بل الذي يتَّجِهُ في الجواب عن ذلك؛ أن
سبب التخصيص هو أن كُلَّا من الفم والأنف والأذن له طهارةٌ مخصوصةٌ خارجة عن طهارة
الوجه، فكانت متكفِّلة بإخراج خطاياه، بخلاف العين، فإنه ليس لها طهارةٌ إلَّا في غسل
الوجه؛ فخصت خطيئتها بالخروج عند غسله دون غيرها مما ذكر، ذكره القاري في ((المرقاة))
ص ٦٤ ج ٢. انتهى.
قلت: الأمر كما قال ابن حجر، يدلُّ عليه رواية مالك والنسائيّ المذكورة؛ قال ابن
العربي في ((العارضة)): الخطايا المحكُوم بمغفرتها هي الصغائرُ دون الكبائر، لقول النَّبيِّ:
وَله: ((الصَّلوَاتُ الخمس والجُمعَة إلى الجُمعَة كَفَّارَةٌ لِمَا بَينهُنَّ مَا اجْتَتِبَتِ الكَبائِرِ))(١). فإذا
كانت الصلاة مقرونةً بالوضوء، لا تكفر الكبائر، فانفراد الوضوء بالتكفير عن ذلك أحرى،
قال: وهذا التكفيرُ إنما هو للذنوب المتعلّقة بحقوق الله سبحانه، وأما المتعلقة بحقوق
الآدميين، فإنما يقع النظر فيها بالمقاصَّة مع الحسنات والسيئات.
قوله: (وهذا حديث حسن صحيح)، وأخرجه مسلم في ((صحيحه))(٢)، وتقدّم في
(المقدّمة)) حد الحسن والصحيح مفضّلًا .
، قوله: (وأبو صالح والد سهيل هو: أبو صالح السَّمَّان) بشدة الميم، أي: بائع السمن،
وكان يجلب الزيتَ والسَّمْن إلى الكوفة، (واسمه: ذكوان) المدني، مولى جويرية الغطفانية،
(١) يأتي عند الترمذي برقم (٢١٤)، من كتاب الصلاة، باب فضل الصلوات الخمس.
(٢) مسلم، كتاب الطهارة. حديث (٢٤٤).

٣٧
أبواب الطهارة عن رسول الله وَي / باب مَا جَاءَ فِي فَضْلِ الظُهُور
وَأَبُو هُرَيْرَةَ اخْتُلِفَ في اسْمِهِ، فَقَالُوا: عَبْدُ شَمْسٍ وَقَالُوا: عَبْدُ الله بْنُ عَمْرٍو وَهَكَذَا
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، وَهُوَ الأَصَُّ.
شهد الدار، وحصار عثمان، وسأل سعد بن أبي وقاص، وسمع: أبا هريرة، وعائشة، وعدة
من الصحابة، وعنه: ابنه سُهَيْل، والأعمش، وطائفة، ذكره أحمد، فقال: ثقة من أجلِّ
الناس وأوثقهم، قال الأعمش: سمعت من أبي صالح ألفَ حديثٍ، توفي سنة إحدى ومئة.
قوله: (وأبو هريرة اختلف في اسمه، فقالوا: عبد شمس، وقالوا: عبد الله بن عمرو
وهكذا قال محمد بن إسماعيل، وهو الأصح)، قال الحافظ ابن حجر في ((التقريب)):
أبو هريرة الدَّوسيُّ الصحابي الجليل، حافظ الصحابة، اختُلِفَ في اسمه واسم أبيه، قيل:
عبد الرّحمن بن صخر، وقيل: ابن غنم .... إلى أن ذكر تسعةَ عَشَرَ قولًا، ثم قال: هذا
الذي وقفنا عليه من الاختلاف، واختلف في أيها أرجحُ، فذهب الأكثرون إلى الأول، أي:
عبد الرحمن بن صخر، وذهب جمع من النَّسَّابين إلى عمرو بن عامر. انتهى.
وفي ((المرقاة، شرح المشكاة)): قال الحاكم أبو أحمد: أصح شيء - عندنا - في اسم
أبي هريرة: عبد الرحمن بن صخر، وغلبت عليه كنيته، فهو كمن لا اسم له، أسلَمَ عام
خيبر، وشهدها مع النبي ◌َّو، ثم لزمه، وواظب عليه راغبًا في العلم راضيًا بشبع بطنه، وكان
يدور معه حيثما دار، وقال البخاري: روى عنه أكثرُ من ثمان مئة رجلٍ، فمنهم: ابن عباس،
وابن عمرو، وجابر، وأنس، قيل: سبب تلقيبه بذلك ما رواه ابن عبد البر عنه؛ أنه قال:
كُنْتُ أحمِلُ يومًا هِرَّةً في كمِّي، فرآني رسولُ اللهِوَ ﴿ فقال: ما هَذهِ؟ فقُلْتُ: هِرَّة، فقال:
يا أبَا هُرَيرة. انتهى ما في ((المرقاة)».
وذكر الحافظ الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) أنه قال: كنَّانِي أبي بـ ((أبي هريرة؛ لأني كنت
أرعَى غنمًا، فوجدت أولادَ هِرَّةٍ وحشيةٍ، فلما أبصَرَهُنَّ وسَمِعَ أصواتهن، أخبرته فقال: أنت
أبو هِرٍّ، وکان اسمي عبد شمس. انتھی.
قلت: روى الترمذيُ(١) في هذا الكتاب في مناقب أبي هريرة بسنده عن عبد الله بن
أبي رافع قال: ((قلت لأبي هريرة: لِمَ كُنيتَ أبا هريرة؟ قال: أما تَقْرقُ مني؟! قلت: بلى
والله، إني لأهَابُكَ، قال: كُنتُ أرعَى غنمَ أهلي، وكانت لِي هريرةٌ صغيرةٌ، فكنت أضعها
بالليلِ في شَجرةٍ، فإذا كان النهارُ ذَهَبتُ بها معي، فلعبتُ بها، فكنوني أبا هريرةَ»، هذا
حديث حسن غريب.
(١) الترمذي، كتاب المناقب. حديث (٣٨٤٠).

٣٨
أبواب الطهارة عن رسول الله وَل﴿ / باب مَا جَاءَ فِي فَضْلِ الظُّهُور
فائدة: اختلف في صرف ((أبي هريرة)) ومنعه: قال القاري في ((المرقاة)): جر ((هريرة)) هو
الأصل، وصوَّبه جماعة؛ لأنه جزءُ عَلَم، واختار آخرون مَنعَ صرفه؛ كما هو الشائع على
ألسنة العلماء من المحدِّثين وغيرهم؛ لأن الكل صار كالكلمة الواحدة. انتهى.
قلت: وقد صرَّح غير واحد من أهل العلم أن منعه من الصرف هو الجاري على ألسنة
أهل الحديث؛ فالراجح هو منعه من الصرف، وكان هو الجاريَ على ألسنة جميع شُيُوخِنا
- غفر الله لهم، وأدخلهم جنة الفردوس الأعلى - ويؤيد مَنْعَ صرفِهِ: مَنْعُ صَرْفِ ((ابْنِ دَايَةَ))
عَلَمَا للغراب؛ قال قيس بن مُلَوَّحِ المجنُونُ: [من الطويل]
أقولُ وَقد صاحَ ابنُ دايةَ غُدْوةً
بِبُعدِ النَّوى لا أخطَأَتْكَ الشَّبائِكُ
قال القاضي البيضاوي في تفسيره المسمى بـ ((أنوار التنزيل)) في تفسير قوله تعالى: ﴿شَهْرُ
رَمَضَانَ الَّذِىّ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ﴾ [البقرة: ١٨٥] رَمَضَانُ: مَصْدَرُ رمَضَ إذا احترق، فأضيف إليه
الشهُر، وجعل عَلَمًا، ومنع من الصرف، للعلمية والألف والنون، كما منع ((داية)) في ((ابن
داية)) علمًا للغراب؛ للعلمية والتأنيث. انتهى.
فائدة: قد تفوّه بعض الفقهاء الحنفية بأن ((أبا هريرة)) لم يكن فقيهًا، وقولهم هذا باطلٌ
مردودٌ عليهم، وقد صرَّح أجلة العلماء الحنفية بأنه نظر ته كان فقيهًا، قال صاحب ((السِّعاية
شرح شرح الوقاية)) - وهو من العلماء الحنفية؛ ردًّا على من قال منهم: إن أبا هريرة كان غير
فقيه - ما لفظه: كون أبي هريرة غَيرَ فقيه؛ غير صحيح؛ بل الصحيح أنه من الفقهاء الذين
كانوا يفتون في زمان النبي ◌ّ( كما صرَّح به ابن الهمام في ((تحرير الأصول))، وابن حجر في
((الإصابة في أحوال الصحابة)). انتهى.
وفي بعض حواشي ((نور الأنوار)) أن أبا هريرة كان فقيهًا، صرَّح به ابن الهمام في
((التحرير))، كيف وهو لا يعمل بفتوَى غيره، وكان يفتي بزمن الصحابة - رضوان الله تعالى
عليهم - وكان يعارض أجلَّة الصحابة؛ كابن عباس؛ فإنه قال: إن عدة الحامل المتوفَّى عنها
زوجها أبعد الأجلَين، فرده أبو هريرة، وأفتى بأن عدَّتها وضع الحمل؛ كذا قيل. انتهى.
قلت: كان أبو هريرة رضُبه من فقهاء الصحابة ومِن كبار أئمة الفتوى؛ قال الحافظ الذهبي
في ((تذكرة الحفاظ)): أبو هريرة الدوسيُّ اليمانيُّ الحافظُ الفقيهُ، صاحب رسول اللهِ وَّه
كان من أوعية العلم، ومن كبار أئمة الفتوى، مع الجلالة والعبادة والتواضع. انتهى.

٣٩
أبواب الطهارة عن رسول الله وَّ / باب مَا جَاءَ فِي فَضْلِ الظُّهُور
قَالَ أبو عيسى: وَفِي البَابِ عَن عُثمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَثَوْبَانَ، وَالصُّنَابِحِيِّ،
وَعَمْرو بْنِ عَبَسَةَ، وَسَلْمَانَ،
وقال الحافظ ابن القيم في ((إعلام الموقعين)): ثم قام بالفتوى بعده - أي: بعد رسول الله
وَ * - بركة الإسلام وعصابة الإيمان وعسكر القرآن وجُندُ الرحمن، أولئك أصحابِهِ وَّل،
وكانوا بين مُكْثرٍ منها ومقلٍّ ومتوسّط، وكان المكثرون منهم سبعة: عمر بن الخطاب،
وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعائشة أم المؤمنين، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن
عباس، وعبد الله بن عمر، والمتوسِّطون منهم فيما رُويّ عنهم من الفتيا: أبو بكر الصديق،
وأم سلمة، وأنس بن مالك، وأبو سعيد الخدري، وأبو هريرة .... إلخ، فلا شك في أن
أبا هريرة - رَُّبه - كان فقيهًا من فقهاء الصحابة، ومن كبار أئمة الفتوى.
فإن قيل: قد قال إبراهيمُ النخعيُّ أيضًا: إن أبا هريرة لم يكن فقيهًا، والنَّخعيُّ من فقهاء
التابعين.
قلت: قد نُقِمَ على إبراهيمَ النخعيِّ؛ لقوله: إن أبا هريرة لم يكن فقيهًا، قال الحافظ
الذهبي في ((الميزان)) في ترجمته: وكان لا يُحكِمُ العربيّة، ربَّما لحن، ونقموا عليه قوله: ((لم
یکن أبو هريرة فقيهًا)). انتهى.
عبرة: قال القاضي أبو بكر بن العربيِّ في ((عارضة الأحوذي)) في بحث حديث المُصرَّاة
المرويِّ عن أبي هريرة وابن عمر ◌ًّا: قال بعضهم: هذا الحديث لا يُقْبِلُ؛ لأنه يرويه
أبو هريرة وابن عمر، ولم يكونا فقيهَين، وإنما كانا صالحين، فروايتهما إنما تقبل في
المواعظ لا في الأحكام، وهذه جرأة على الله واستهزاء في الدين عند ذهاب حملته وفقد
نصرته؛ ومن أفقه من أبي هريرة وابن عمر؟! ومن أحفظ منهما خصوصًا من أبي هريرة، وقد
بسط رِدَاءَهُ، وجَمعَهُ النبي ◌َّهُ وضَّه إلى صدره، فما نسيَ شيئًا أبدًا، ونسأل الله المعافاة مِن
مذهب لا يثبُتُ إلَّا بالطعن على الصحابة ظَه، ولقد كنتُ في جامع المنصور من مدينة
السلام في مَجْلِسٍ عليٍّ بن محمد الدَّامِغَانيّ قاضي القضاة، فأخبرني به بعضُ أصحابنا، وقد
جَرَى ذِكرُ هذه المسألة أنه تكلّم فيها بعضهم يومًا وذكر هذا الطعن في أبي هريرة، فسقط من
السقف حَيَّةٌ عظيمةٌ في وسط المسجد، فأخذت في سَمْتِ المتكلِّم بالطعن، ونَفّرَ الناسُ
وارتفعوا، وأخذَتِ الحيَّةُ تحت السواري، فلم يدر أين ذهبتْ، فارعوى مِن بعد ذلك مِنْ
الترسُّل في هذا القدح. انتهى.
قوله: (وفي الباب: عن عثمان، وثوبان، والصنابحي، وعمرو بن عَبَسَة، وسلمان،

٤٠
أبواب الطهارة عن رسول الله ﴿﴿ / باب مَا جَاءَ فِي فَضْلِ الظُّهُور
وَعَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو.
وعبد الله بن عمرو)، أما حديث عثمان: فأخرجه الشيخان(١) بلفظ: قَالَ: قالَ رسول الله
وَه: ((مَن تَوَضَّأ فَأَحْسَنَ الوضُوءَ خَرَجَت خَطَايَاهُ مِن جَسَدِهِ حتَّى تَخرُجَ مِن تحتِ أظْفَارِ»،
وأما حديث ثوبان: فأخرجه مالك وأحمد وابن ماجه والدارمي(٢). وأما حديث الصنابحي:
فأخرجه مالك والنسائي وابن ماجه والحاكم (٣)، وقال: صحيح على شرطهما ولا علَّة له،
والصنابحي: صحابي مشهور، كذا في ((الترغيب)) للمنذري.
وأما حديث عمرو بن عَبَسَة فأخرجه مسلم (٤)، وأما حديث سلمان، فأخرجه البيهقي (٥)
في ((شعب الإيمان)) بلفظ: ((إِذَا تَوضَّأ العَبْدُ تَحَاتَّت عَنْهُ ذُنُوبُهُ كما تَحَاتُ وَرَقُ هَذه الشَّجرَةِ)).
وأما حديث عبد الله بن عمرو: فلم أقف عليه(٦).
وفي الباب: عن عدة من أصحاب النبي ◌َّ و، سوى المذكورين، ذكر أحاديثهم المنذري
في ((الترغيب))، والهيثمي في ((مجمع الزوائد)).
قوله: (والصنابحي هذا الذي روى عن النبي 9َّ في فضل الطهور: هو عبد الله
الصنابحي) هذه العبارة ليست في النسخ المطبوعة، إنما هي في بعض النسخ القلمية
الصحيحة، وحديث عبد الله الصنابحيّ هذا، أخرجه مالك في ((الموطأ))(٧) عن زيد بن أسلم،
عن عطاء بن يسار، عن عبد الله الصنابحي؛ أن رسول الله وَّل ﴿ه قال: ((إذَا تَوَضَّأ العَبْدُ المُؤمِنُ
فَمَضْمَضَ، خَرَجَت خَطَايَاهُ مِن فِيه .... )) الحديث. قال الحافظ ابن عبد البر: قد اختلف
على عطاءٍ فيه، قال بعضهم: عن عبد الله الصنابحي، وقال بعضهم: عن أبي عبد الله
الصنابحي، وهو: الصَّحيح؛ كذا في ((المُحَلَّى))، وقال البخاري: وَهِمَ مالك في قوله عبد الله
الصنابحي، وإنما هو أبو عبد الله؛ كذا في ((إسعاف المبطأ)).
(١) مسلم، كتاب الطهارة. حديث (٢٤٥).
(٢) أحمد. حديث (٢١٩٢٧)، وابن ماجه، كتاب الطهارة وسننها. حديث (٢٧٧)، والدارمي. حديث (٦٥٥).
(٣) مالك. حديث (٦٢)، والنسائي، كتاب الطهارة. حديث (١٠٣)، وابن ماجه، كتاب الطهارة وسننها. حديث
(٢٨٢)، والحاكم (٤٤٦).
(٤) مسلم، كتاب صلاة المسافرين. حديث (٨٣٢).
(٥) البيهقي في ((شعب الإيمان)). حديث (٢٧٣٧).
(٦) رواه ابن ماجه، كتاب الطهارة وسننها. حديث (٢٧٨).
٠
(٧) مالك. حديث (٦٢).