Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١
كتاب السلام / باب تحريم الخلوة بالأجنبية والدخول عليها
( .. ) وَحَدَّثَنِى أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْب، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ وَاللَيْث
ابْنِ سَعْدٍ وَحَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ وَغَيْرِهِمْ؛ أَنَّ يَزِيدَ بْنَ أَبِى حَبِيبٍ حَدَّثَهُمْ ، بِهَذَا الإِسْنَاد ، مثلهُ.
٢١ - ( .. ) وَحَدَّثَنِى أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْب، قَالَ: وَسَمِعْتُ الليْثَ بْنَ سَعْد
يَقُولُ: الحَمْوُ أَخُ الزوْجِ، وَمَا أَشْبَهَهُ مِنْ أَقَارِبِ الزَّوْجِ، أَبْنُ العَمِّ وَنَخَوَهُ .
٢٢ _ (٢١٧٣) حَدَّثَنَا هَرُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ وَهْب ، أَخْبَرَنِى عَمْرُو.
ح وَحَدَّثَنِى أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَّهْبٍ، عَنْ عَمْرَو بْنِ الْحَارِث؛ أَنَّ بَكْرَ بْنَ
سَوَادَةَ حَدَّثَهُ؛ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ جُبَيْرٍ حَدَثَهُ؛ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمَّرِو بْنَ الَعَاصِ حَدَّثَّهُ ؛
أَنَّ نَفَرًا مِنْ بَنِى هَاشِمِ دَخَلوا عَلَى أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْس، فَدَخَلَ أَبُو بَكْرِ الصِّدِّيقُ - وَهِىَ
تَحْتَهُ يَوْمَئذٍ - فَرَآهُمْ، فَكَرِهَ ذَلِكَ. فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولَ اللهِ عَّهَ وَقَالَ: "لَمْ أَرَ إِلَا خَيْرًا.
فَقَالَ - رَسُولُ اللهِعَُّ -: ((إِنَّ اللهَ قَدْ بَرَّأَهَا مِنْ ذَلِكَ)). ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ عَلَى الِنْبَرِ
فَقَالَ: (( لا يَدْخُلَنَّ رَجُلٌ بَعْدَ يَوْمِى هَذَا - عَلَى مُغِيَةٍ، إِلا وَمَعَهُ رَجُلٌ أَوِ اثْنَانِ)) .
أهل المرأة ، والأصهار يقع عليهما ويقال : هذا حم. فى الانفراد إذا لم يضف ، ويقال فى
أم زوج المرأة : هذه حماتها لا غير .
وقوله: ((الحمو الموت))، قال الإمام : قال أبو عبيد: يقال : فلتمت ولا تفعل هذا،
فإذا كان ذلك فى أبى الزوج وهو محرم فكيف بالغريب (١) ؟ قال ابن الأعرابى: هى كلمة
تقولها العرب كما تقول : الأسد الموت ، أى لقاؤه مثل الموت .
قال القاضى : يريد فى هذا لما فيه من الغرر (٢) المؤدى إلى الموت ، فكذلك الخلو
بالأحماء مؤد إلى الفتنة والهلاك فى الدين ، فجعله كهلاك الموت ، فأورد هذا الكلام مورد
التغليظ والتشديد. والأشبه أنه فى غير أبى الزوج ومن عدا المحارم منهم - والله أعلم -
بدليل قوله فى الحديث المتقدم: (( إلا أن يكون ناكحاً أو ذا محرم)) ، فقد فسر أن الحرج
والمنع إنما هو لغير ذوى المحارم .
وقوله: ((لا يدخل رجل على امرأة مغيبة إلا معه رجل أو اثنان)»: هذا لئلا يحصل
الخلو معها ، فإذا كانوا جماعة ارتفعت التهمة وما وقع بالنفس وهذا فى ذلك [ الذين ](٣)
(١) انظر: غريب الحديث ٢ / ٨٥ .
(٣) فى ح : الزمان .
(٢) فى ح : التغرير.

٦٢
كتاب السلام / باب تحريم الخلوة بالأجنبية والدخول عليها
وصلاح العامة والخاصة واستتار من عساه يلم بأمر عن غيره ، فأما فى الأزمنة الفاسدة فلا
يجب أن يخلو بالمرأة لا واحد ولا أكثر للحقوق المظنة بهم ، إلا أن يكون الجماعة الكثيرة
أو يكون فيها قوم صالحون ، ومن يعرف أنه لا يتواطأ على ريبة فتزول المظنة بحضوره .
والمغيبة ، بضم الميم وكسر الغين : هى التى غاب عنها زوجها. وسواء كان مغيبة عن
البلد أو المنزل بدليل هذا الحديث الذى فى الكتاب، وأن القصة التى قال فيها - عليه السلام -
إنما كان أبو بكر غائبا عن منزله لا فى سفر ، فأنكر دخول من دخل منزله فى غيبته وذكر
ذلك للنبى عَّه، وقال: لم أرَ إلا خيرًا .

٦٣
كتاب السلام / باب بيان أنه يستحب لمن رؤى خاليا بامرأة ... إلخ
(٩) باب بيان أنه يستحب لمن رؤى خاليا بامرأة ،
و کانت زوجته أو محرما له ، أن يقول :
هذه فلانة ليدفع ظن السوء به
٢٣ - (٢١٧٤) حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ مَسْلِمَةَ بْنِ قِعْتَب، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلمَةَ، عَنْ
ثَابِتِ البُنَانِىِّ، عَنْ أَنَسِ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ◌َ كَانَ مَعَ إِحْدَى نِسَائِهِ، فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ فَدَعَاهُ، فَجَاءَ .
فَقَالَ: ((يَا فُلانُ، هَذهَ زَوْجَتِىَ فُلانَةُ)) . فَقَالَ: يَا رَسُوَلَ اللهِ، مَنْ كُنْتُ أَظُنُّ بِهِ، فَلَمْ أَكُنْ
أَظُنُّبِكَ. فَقَالَ رَسُولَّ اللهِ عَهُ: ((إِنَّالشَّيِّطَانَ يَجْرِى مِنَ الإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ)) .
٢٤ - (٢١٧٥) وَحَدَّثْنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ - وَتَقَارَبَا فِى اللفْظ - قَالا:
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزََّقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ عَلَىِّ بْنْ حُسَيْنِ، عَنْ صَفَيَّةً بِنْت
حُبِىٌّ، قَالتْ: كَانَ النَّبِىُّ ◌َهُ مُعْتَكَفًا، فَأَتَيْتُهُ أَزُورُهُ لَيْلاً، فَحَدََّتُهُ، ثُمَّ قُمْتُ لأَتْقَلَبَ ،
فَقَامَ مَعِىَ لَيَقْلَنِى، وَكَانَ مَسْكَنُهَا فِى دَارِ أُسَامَةَ بْنِ زَيّدٍ . فَمَرَّ رَجُلانِ مِنَ الأَنْصَارِ، فَلَمَّا
رَأَيَا النَّبِىَّ ◌ََّ أَسْرَعَا، فَقَالَ النَّبِىُّ عَّهِ: ((عَلَى رَسْلَكُمَاَ، إِنَّهَا صَفيَّةُ بَنْتُ حُبَىٌّ)) . فَقَالا:
سُبْحَانَ اللهِ، يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ : ((إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِى مِنَ الإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ ، وَإِّى
خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِى قُلُوبِكُمَا شَرًا)) أَوْ قَالَ: (( شَيْئًا)) .
وقوله للذين رأيا معه صفية: ((إنها صفية)) وقوله: ((إن الشيطان يجرى من ابن
آدم مجرى الدم، وإنى خشيت أن يلقى فى قلوبكما شيئًا)) زاد فى غير مسلم ((فتهلكا))(١):
هو إشفاق منه على أمته ، فقد كان بالمؤمنين رؤوفا رحيمًا ، وخشيته من ظنهم به شيئًا
فيهلكوا ، كما قال - عليه السلام - إذا ظن السوء بالأنبياء كفر ، والكبائر غير جائزة عليهم
بإجماع عند الجميع ، ومن مقتضى دليل المعجزة عند الأستاذ أبى إسحق الإسفرايينى. وقد
كشفنا هذا الباب غاية الكشف فى كتاب الشفا(٢).
وفى هذا الحديث من الفقه: من قال فى النبى عَُّ شيئا من هذا أو جوزه عليه فهو
كافر مباح الدم .
(١) هذه زيادة لم نعثر عليها، وقد ذكرها القرطبى فى المفهم ١٨٣/٣ .
(٢) تكلم القاضى عن عصمة الأنبياء من الكبائر فى هذا الكتاب ١٤٣/٢ - ١٤٥.

كتاب السلام/ باب بيان أنه يستحب لمن رؤى خاليا بامرأة ... إلخ
٦٤
٢٥ _ ( ... ) وَحَدَّثَنِيه عَبْدُ الله بْنُ عَبد الرَّحْمَنِ الدَّارِمِىُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو اليَمَان، أَخَبْرَنَا
شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، أَخْبَنَا عَلَىُّ بْنُ حُّسَيْنٍ ؛ أَنَّ صَفِيَّةَ زَوْجَ النَّبِّ ◌َ أَخَْتَهُ؛ أَنَّهَا
جَاءَتْ إِلى النَّبِىِّ ◌َّهُ تَزُورُهُ، فِى اعْتِكَافِهِ فِى الْمَسْجِدِ، فِى العَشْرِ الأَوَخِرِ مِنْ رَمَضَانَ .
وقوله: ((يقذف)) : أى يلقى. وفيه جواز زيارة النساء المعتكف له فى معتكفه،
وتحدثهن معه ، وأن ذلك غير مفسد لاعتكافه ، لكنه يُكره كثرة مجالسته لهن خوف
١٨٣ / ب الذريعة، وأما الممنوع فاستلذاذه بهن/ كيف كان، من قليل أو كثير، ليلاً أو نهارًا، فى المسجد
أو غيره. وفيه ما يجب على المسلم من التحرز من الناس من سوء الظن ، وطلب السلامة
من الناس ، والتحفظ من صغير الذنب . وقد مر من هذا فى الاعتكاف .
وقولها: ((ثم قمت لأنقلب فقام معى ليقلبنى)»: بفتح الباء ، أى ليصرفنى ويشيعنى.
ظاهر هذا جوازه للمعتكف ما لم يخرج من المسجد ؛ ولذلك ترجم عليه البخارى: (( خروج
المعتكف لحوائجه إلى باب المسجد))(١) لأنه فى هذا الحديث إنما بلغ معها باب المسجد ، فمر
رجلان من الأنصار - وذكر الحديث. فليس فيه أنه شيعها خارج المسجد ، وكان بيت صفية
خارج المسجد .
ولم يختلف العلماء فى جواز خروجه خارج المسجد لما لا غنى له عنه ؛ من وضوء ،
وغسل جنابة ، أو غائط، وبول وشبهه، إذ لم يمر تحت سقف(٢). [واختلفوا إذا دخل تحت
سقف ](٣) واختلف قول مالك فى خروجه لشراء، حاجته (٤) ، على ما قدمناه فى الاعتكاف.
ولم يختلفوا أنه لا يفسد اعتكافه خروجه إلى باب المسجد أو مشيه فى المسجد للإمامة
والأذان وشبهه ، وإن اختلفوا فى كراهة تصرفه لغير ضرورة ؛ كزيارة مريض فيه ، أو
صلاة على جنازة ، أو الصعود إلى المنار للأذان ، أو الجلوس إلى قوم ليصلح بينهم. وكره
مالك ذلك كله أن يفعله. واختلف قوله فى صعوده للمنار وقد تقدم [ هذا ](٥) كله .
وقوله: ((على رسلكما )) بكسر الراء ، الرسل والترسل : السكون والسير اللين ،
وحكى فيه فتح الراء أيضا ، وكل شىء هيّن رسل .
وقولهما له: (( سبحان الله)): فيه جواز مثل هذا عند تعظيم الأمر والتعجب ، قال
(١) البخارى، ك صلاة التراويح، ب الاعتكاف: هل يخرج المعتكف لحوائجه إلى باب المسجد؟ ٢٥٧/٢.
(٢) قال ابن المنذر : هذا إجماع من أهل العلم. انظر : الإجماع ص ٥٤ .
(٣) سقط من الأصل ، والمثبت من ح .
(٤) المدونة ٢٨٨/١ .
(٥) ساقطة من الأصل ، والمثبت من ح .

٦٥
كتاب السلام / باب بيان أنه يستحب لمن رؤى خاليا بامرأة ... إلخ
فَتَحَدَّنَتْ عِنْدَهُ سَاعَةً ، ثُمَّ قَامَتْ تَنْقَلِبُ ، وَقَامَ النَّبِىُّ ◌َّهِ يَقْلِبُهَا. ثُمَّ ذَكَرَ بِمَعْنَى حَديث
مَعْمَرٍ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَقَالَ النَِّىُّ ◌َّةِ: (( إِنَّ الشَّيْطَانَ يَبْلِغُ مِنَ الإِنْسَانِ مَبِّلِغَ الدَِّ ) وَلَمْ يَقُلْ:َ
«یَجْرِی)».
الله تعالى: ﴿وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَك﴾(١).
وقوله: ((إن الشيطان يجرى من [ الإنسان ](٢) مجرى الدم)): قيل: هو على
ظاهره ، فإن الله جعل له قوة وقدرة فى الجرى فى باطن الإنسان فى مجارى دمه ، وقيل :
هذا على الاستعارة لكثرة إغوائه ووسوسته ، فكأنه لا يفارق الإنسان كما لا يفارقه دمه .
(١) النور : ١٦ .
(٢) فى الأصل : ابن آدم ، والمثبت من ح والمطبوعة ، وقد أتت هذه اللفظة فى البخارى ، ك الأحكام ، ب
موعظة الإمام للخصوم .

٦٦
كتاب السلام/ باب من أتى مجلسا فوجد فرجة ... إلخ
(١٠) باب من أتى مجلسا فوجد فرجة
فجلس فيها ، وإلا وراءهم
٢٦ _ (٢١٧٦) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعيد، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسِ - فِيمَا قُرِئْ عَليْه - عَنْ
إِسْحَقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِى طَلِحَةَ؛ أَنَّ أَبَا مُّرَّةٌ - مَوْلِى عَقِيَلٍ بَنِ أَبِىّ طَالِبِ - أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِى
وَقدِ الليْثِيِّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِلَّهُ بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ فِى الَسْجِدِ وَالنَّاسُ مَّعَهُ ، إِذْ أَقْبَلَ نَفَرٌ
ثَلاثَةٌ . فَقْبَلَ اثْنَانِ إِلَى رَسُولِ اللهِ عَّهُ وَذَهَبَ وَاحِدٌ. قَالَ: فَوَقَفَا عَلَى رَسُولِ الله ◌ٍَِّ .
فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَرَأَى فُرْجَةً فى الخَلقَةِ فَجَلسَ فِيهَا ، وَأَمَّ الآخَرُ فَجَلسَ خَلفَهُمْ، وَأَمَّ الثّالثُ
فَأَدْبَرَ ذَاهِبًا. فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ قَالَ: ((أَلا أُخْبِرُكُمْ عَنِ النَّفَرِ الثَّلاثَةِ؟ أَمَّا أَحَدَّهُمْ
فَأَوَى إلى الله، فَاوَهُ اللهُ. وَأَمَّا الآخَرُ فَاسْتَحْيَا، فَاسْتَحْيَا اللهُ مِنْهُ. وَأَمَّ الآخَرُ فَأَعْرَضَ ،
فَأَعْرَضَ اللهُ عَنَّهُ » .
وقوله فى حديث الثلاثة: (( فأما أحدهم فأوى إلى الله فآواه الله ، وأما الآخر
فاستحيا فاستحيا الله منه، وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه)): هذا من تحسين الكلام
ومقابلته بالمماثلة فى اللفظ، كما قال: ﴿ مُسْتَهْزِئُونَ. اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِم﴾(١)، ﴿ وَمَكَرُوا
وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ (٢)، أى جازاهم على فعلهم، فسمى مجازاتهم مثل أسماء أفعالهم واستعار لها ألقابها.
وقوله: ((أما أحدهما فأوى إلى الله فآواه الله)): الأول مقصور ثلاثى غير متعد ،
والثانى ممدود رباعى مُعدّى، وهو قول الأصمعى. وهذه لغة القرآن، قال الله تعالى: ﴿إِذْ
أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْف﴾(٣). وقال فى الثانى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَأَوَى﴾ (٤)، وقد حكى
بعض [ أهل ](٥) اللغة فيها جميعًا اللغتين : المد والقصر ، قالوا : وسواء قوله : أويت
إلى الرجل ، وأويته بمعنى : نزلت ، وآويت الرجل : أدخلته منزلى وأنزلته ، والأشهر
فى اللازم القصر .
ومعنى ((أوى إلى)) : أى لجأ إليه ، ومعناه عندى هنا : دخل مجلس ذكر الله ، أو
دخل مكان رسوله ومجمع أوليائه ، وانضم إليه لدخوله الحلقة ، وقربه من نبيه ، يقال :
(١) البقرة : ١٤، ١٥.
(٣) الكهف : ١٠ .
(٥) ساقطة من الأصل ، والمثبت من الهامش .
(٢) آل عمران : ٥٤ .
(٤) الضحى : ٦ .

كتاب السلام / باب من أتى مجلسا فوجد فرجة ... إلخ
٦٧
( ... ) وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا حَرْبٌ - وَهُوَ ابْنُ شَدَّاد .
أويت إلى منزلى ، والمأوى : المنزل ، أى أدخلته ، وأويت الرجل : أدخلته منزلى
وضممته إليه، وأنزلته. (( فآواه الله)) [ أى قبله وقربه وأجاب رغبته ، وقيل : رحمه،
وقد يكون ](١) آواه إلى جنته ، وكله بمعنى متقارب .
وقوله فى الذى جلس خلف الحلقة: (( وأما الآخر فاستحيا )): أى ترك المزاحمة
والتخطى كما فعل الآخر حياءً من النبى وممن حضر ، أو استحيا من النبى أن يُعرض
ويذهب كما فعل الآخر. واستحياء الله منه : أى فرحمه ولم يعذبه وترك معاقبته على ما
تقدم له من ذنب وغفر له. قال بعضهم : أى جازاه على فعله ولم يلحقه بدرجة / صاحبه ١٨٤ / أ
من قبوله وبره بإيوائه إليه ، وتقريبه منه .
وأما قوله: ((وأما الآخر فأعرض ، فأعرض الله عنه)): أى لم يرحمه وسخط عليه،
وهو معنى الإعراض من الله تعالى ؛ لأن من أعرض عن نبيه وزهد فيه فليس بمؤمن ، وإن
كان هذا مؤمنا وذهب لحاجة من حوائج الدنيا وضرورة دعته إلى ذلك ، فيكون إعراض الله -
تعالى - عنه ترك رحمته وعفوه ، وتقريبه وقبوله الذى أعطاها صاحبيه ، فلم يثبت له حسنة
ولا نفى عنه سيئة ؛ إذ لم يكن منه ما يثاب بذلك .
وفى هذا الحديث أبواب من الفقه والعلم منها : أولا : قوله فى الحديث : فأقبل اثنان
إلى رسول الله عَّه [فسلما عليه ](٢) تسليم الوارد على القوم ، وأنه ابتدأهم بالسلام وتسليم
القائم على القاعد ، ولم يذكر فى الحديث رد السلام عليهما اكتفاء بشهرة الأمر ، وكذلك
لم يذكر أنهما حييا المسجد بالركوع، ولا أن النبى ◌َّه أمرهما بذلك. يحتمل أن إتيانهم
كان من جانب المسجد، أو كانوا على طهارة ، أو فى غير وقت ركوع أو قبل شرع الركوع،
أو أنهما ركعا فلم يذكر ذلك الراوى ، أو لأنه ليس بواجب ، وقد سبق تعليم النبى له
ولم يلزم أمرهم به .
وفيه أدب مجالسة العالم ، والحرص على القُرب منه ، وجواز التخطى إلى فرجة فى
الحلقة إن كانت [ فيها ](٣) كما فعل الأول ، والجلوس حيث انتهى به المجلس كما فعل
الثانى ، والاقتداء بالله فى إيواء من آوى إليه ، والتفسح لقاصد المجلس ، وجواز الإخبار
(١) سقط من الأصل ، والمثبت من ح .
(٢) هذه اللفظة لم ترد فى مسلم ، ولعلها فى النسخ التى فى يد القاضى ولم تصل إلينا ، وكذلك لم ترد فى
البخارى ، ووردت فى الترمذى ، ك الاستئذان ٦٨/٥ .
(٣) ساقطة من الأصل ، والمثبت من ح .

كتاب السلام / باب من أتى مجلسا فوجد فرجة ... إلخ
٦٨
ح وَحَدَّثَنِى إِسْحَقُ بْنُ مَنْصُور، أَخْبَرَنَا حَبَّنُ، حَدَّثَنَا أَبَانٌ، قَالا جَميعًا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ
أَبِى كَثِيرِ ؛ أَنَّ إِسْحَقَ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَّبِى طَلحَةَ حَدَّثَهُ فِى هَذَا الإِسْنَادِ . بِمِثْلِهِ، فِى الْمَعْنَى.
عن أهل المعاصى والتعريف بأحوالهم وبواطنهم ، وإن كان الثالث منافقاً أو كافراً ، وأن
ذلك ليس بغيبة فى مثله وإن كان مؤمنا ، إنما فعل ذلك لضرورة ، فليس فى ذلك إخبار
عن شىء لم يعرفه الحاضرون ، وإنما أخبر عن خيبته من الأجر الذى حصل لصاحبيه
والثواب الذى حصلاه دونه . وفيه الثناء على الحياء والحض على تعليم العلم .

٦٩
كتاب السلام / باب تحريم إقامة الإنسان من موضعه ... إلخ
(١١) باب تحريم إقامة الإنسان من موضعه المباح
الذى سبق إليه
٢٧ - (٢١٧٧) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعيد، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ رُمْح بْنِ
الْمُهَاجِرِ، أَخْبَرَنَا اللَيْثُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِّ ◌َِّ قَالَ: ((لا يُقِيمَنَّ أَحَدَكُمُ
الرَّجُلَّ مِنْ مَجْلِسِهِ، ثُمَّ يَجْلِسُ فِيهِ)) .
٢٨ - ( ... ) حَدَّثْنَا يَحْيَى بْنُ يَحْنَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الله بْنُ نُمَيْرٍ- ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَّيْرِ،
حَدَّثْنَا أَبِى. ح وَحَدَّثْنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ، حَدَّثَنَا يَحْنَى - وَهُوَ القَطَّنُّ. ح وَحَدَّثْنَا ابْنُ الْمُتَّى،
حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ - يَعْنِى النَّقَفِىَّ- كُلُهُمْ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى
شَيْبَةَ - وَاللفْظُ لهُ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرِ وَأَبُو أُسَامَةَ وَأَبْنُ نُمَيْرٍ ، قَالُوا: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله ،
عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَِّىِّ ◌َثَهُ قَالَ: (( لا يُقِيمُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ مِنْ مَقْعَدِهِ ثُمَّ
يَجْلِسُ فِيهِ ، وَلَكِنْ تَفَسَّحُوا وَتَوَسَّعُوا)) .
( ... ) وَحَدَثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ وَأَبُو كَامِلِ، قَالا: حَدَّثَنَا حَمَّدٌ ، حَدَّثَنَا أُوبُ. ح وَحَدَّثَنِى
يَحَْى بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ. ح وَحَدِّثْنِى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، كلاهُمَا
عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ حَ وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى فُدَيْك، أَخْبَرَنَا الضَّحَّكُ - يَعْنى
ابْنَ عُثْمَانَ - كُلُهُمْ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِىِّ مَّهُ. بِمِثْلِ حَدِيثِ الليْثِ ، وَلَمْ
يَذْكُرُوا فِى الحَديث: (( وَلَكِنْ تَفَسَّحُوا وَتَوَسَّعُوا)) وَزَادَ فِى حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ : قُلتُ :
فِى يَوْمِ الْجُمُعَةِ؟ قَالَ : فِى يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا .
وقوله : (( لا يقيمن الرجلُ الرجلَ من مجلسه ثم يجلس فيه، لكن تفسحوا وتوسعوا ))
زاد فى بعضها: ((يوم الجمعة)) وفى حديث ابن جريج: ((فى الجمعة وغيرها))، وذكر
أن ابن عمر كان إذا قام له الرجل من مجلسه لم يجلس فيه ، وقد قال الله تعالى : ﴿إِذَا
قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَفْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ ﴾(١).
(١) المجادلة : ١١ .

٧٠
كتاب السلام / باب تحريم إقامة الإنسان من موضعه ... إلخ
٢٩ - ( ... ) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةً، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلِى، عَنْ مَعْمَر، عَن
الزُّهْرِىِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ◌َّهُ قَالَ: (( لا يُقِيمَنَّ أَحَدُكُمْ أَخَهُ ثُمَّ
يَجْلِسُ فِى مَجْلِسِهِ))، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ، إِذَا قَامَ لَهُ رَجُلٌ عَنْ مَجْلِسِهِ ، لَمْ يَجْلِسْ فِيهِ .
( ... ) وَحَدَّثَنَاهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْد، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلُهُ.
٬٬٬٬٬٠٠ وره
٣٠ _ (٢١٧٨) وَحَدَّثَنَا سَلمَةُ بْنُ شَبيب، حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا مَعْقُلٌ -
وَهُوَ ابْنُ عُبَيْدِ الله - عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِىِّ ◌َّهُ قَالَ: (( لا يُقْيمَنَّ أَحَدُكُمْ
أَخَاهُ يَوْمَ الجُمُعَةِ، ثُمَّ لُيُخَلِفْ إِلى مَفْعَدِهِ فَقْعُّدُ فِيهِ، وَلَكِنْ يَقُولُ: افْسَحُوا)) .
اختلف أهل العلم فى معنى الآية ، فقيل: هو مجلس النبى عَّه خاصة ، كانوا
يتنافسون فيه ، فإذا رأوه أتى تضايقوا حرصاً على القرب من النبى - عليه السلام . وقيل :
المراد بذلك مجلس القتال. وقيل : الآية على العموم فى كل مجلس من مجالس النبى - عليه
السلام - والحرب والذكر. والمراد بالمجلس هنا: المجالس، اسم للجنس(١). واختلف الناس
فى تأويل هذا الحديث - أيضا - فتأوله قوم على الوجوب ، وقالوا : هو حق بمجلسه ما دام
فيه .
(١) انظر: جامع البيان ١٧/١٤، الجامع لأحكام القرآن ٢٩٦/١٧، تفسير ابن كثير ٣٢٧/٤.
٠

٧١
.كتاب السلام/ باب إذا قام من مجلسه ثم عاد ، فهو أحق به
(١٢) باب إذا قام من مجلسه ثم عاد ، فهو أحق به
٣١ - (٢١٧٩) وَحَدَّثْنَا قُتَيْيَةُ بْنُ سَعيد، أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ. وَقَالَ قُتَيْبَةُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا
عَبْدُ العَزيز - يَعْنِى ابْنَ مُحَمَّد - كلاهُمَا عَنْ سُهْيَل، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ؛ أَنَّ رَسُولَ
الله عَّهُ قَالَ: ((إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ)). وَفِى حَدِيثِ أَبِى عَوَانَةَ: (( مَنْ قَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ رَجَعَ
إليَّهِ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ » .
وقد ذكر مسلم عن أبى هريرة عن النبى معَّه: ((إذا قام أحدكم من مجلسه ثم رجع
إليه فهو أحق به)): وإذا كان هذا بعد قيامه فما لم يقم منه أولى . وذهب آخرون أنه على
الندب ، قالوا : وهو موضع غير متملك لأحد قبل الجلوس فكذلك بعده ، والأول أظهر .
وكذلك اختلفوا فى معنى حديث أبى هريرة إذا قام منه وأنه أحق به .
وأما معنى القيام المذكور ، فذهب مالك إلى أن ذلك على الندب وذلك إذا كانت
أوبته قريبة، وإن بعد ذلك حتى يذهب ويبعد فلا أرى ذلك، وأنه لحسن من محاسن الأخلاق.
١٨٥ / أ
وقال محمد بن مسلمة : معنى الحديث فى مجلس / العالم هو أولى به إذا قام لحاجة،
فإذا قام تاركا له فليس هو بأولى. وعلى هذا اختلف العلماء فيمن ترسم من العلماء والقراء
بموضع من المساجد للتدريس والفتيا ، فحكى عن مالك أنه أحق به إذا عرف به. والذى
عليه الجمهور أن هذا استحسان وليس بحق واجب ، ولعله مراد مالك(١).
وكذلك قالوا فيمن قعد من الباعة فى موضع من أفنية الطريق وأقضية البلاد غير
المتملكة وأصحاب الحوائج والمرافق ، فهو أحق به ما دام به جالسًا ، فإذا قام منه ونيته
الرجوع إليه من عنده(٢) بمتاعه، واختلفوا فقيل : هو أحق به حتى يتم غرضه ، وحكاه
الماوردى عن مالك قطعًا للتنازع(٣)، وقيل: هو وغيره فيه بعد قيامه سواء والسابق يعد
أحق به ، وهو قول الجمهور .
(١) انظر: المغنى ٢/ ٢٠٥ .
(٢) فى ح : غده .
(٣) انظر: الأحكام السلطانية، ب فى الحمى والأرفاق ص ١٨٨ .

٧٢
كتاب السلام / باب منع المخنث من الدخول على النساء الأجانب
(١٣) باب منع المخنث من الدخول على النساء الأجانب
٣٢ _ (٢١٨٠) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيّب، قَالا: حَدَّثْنَا وَكِيعٌ .
ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرِيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ،
كُلُهُمْ عَنْ هِشَامٍ. ح وَحَدَّثْنَا أَبُو كُرَيْبِ أَيْضًا - وَاللفْظُ هَذَا - حَدَّثْنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ،
عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ؛ أَنَّ مُخَتََّا كَانَ عِنْدَهَا وَّرَسُولُ اللهِعَهُ
فِى الَبَيْتِ. فَقَالَ لأَخِى أُمَّ سَلَمَةَ: يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِى أُمَّةَ، إِنْ فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمُ الطَّائِفَ خَدًا،
فَإِنِّى أَدُلِكَ عَلَى بِنْتِ غَيْلانَ، فَإِنَّهَا تُقْبِلُ بِأَرْبَعِ وَتُدْبِرُ بِثَمَان. قَالَ فَسَمعَهُ رَسُولُ اللهِعَُّ
فَقَالَ: (( لا يَدْخُلَ هَؤُلاءِ عَلَيْكُمْ)) .
٣٣ _ (٢١٨١) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْد، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرِ ، عَنِ
الزُّهْرِىِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائشَةَ، قَالتْ: كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَزْوَاجِ النَّبِىِّ ◌َّهُ مُخَنَّهُ،
فَكَانُوا يَعُدُّونَهُ مِنْ غَيْرِ أُولِى الإِرْبَةِ. قَالَ: فَدَخَلَ النَّبِىُّ ◌َّهُ يَوْمًا وَهُوَ عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ،
وَهُوَ يَنْعَتُ امْرَأَةً. قَالَ : إِذَا أَقْبَلتْ أَقْبَلتْ بِأَرْبَعِ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ أَدْبَرَتْ بِثَمَان. فَقَالَ النَّبِىُّ
◌َُّ: ((أَا أَرَى هَذَا يَعْرِفُ مَا هَهُنَا، لا يَدْخُّلنَّ عَلَيْكُنَّ)). قَالتْ: فَحَجَبُوهُ.
---
وقوله فى حديث المخنث: ((أدلك على بنت غيلان، فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان))،
وقوله - عليه السلام -: (( ألا أرى هذا يعرف ما ها هنا لا يدخل هؤلاء عليكم )) فحجبوه ،
قال الإمام : قال أبو عبيد : يعنى أربع كن (١) تقبل بهن ولهن أطراف أربعة من كل
جانب فتصير ثمانية تدبر بهن، وإنما أنث فقال: ((بثمان)) ولم يقل: ((بثمانية))،
وواحد الأطراف طرف ، وهو مذكر : لأنه لم يذكرها ، ولو ذكر الأطراف لم يجد بدًا من
التذكير، وهذا كقولهم : هذا الثوب سبع فى ثمان ، والثمان يراد بها الأشبار ، فلم يذكرها
لما لم يأت بذكر الأشبار ، والسبع إنما يقع على الأذرع ، فلذلك أنّث ، والذراع أنثى (٢).
ووجه دخول المخنث على أزواج النبى معَّه: أنه يمكن أن يكون عند النبى معَّه من
غير أولى الإربة ، فلما وصف هذا علم ◌َّ أنه ليس من أولئك فأمر - عليه السلام -
(١) العكن والأعكان: الإطواء فى البطن من السمن وجاريه علياء ومعكنة: ذات عكن. انظر : اللسان،
مادة (( عكن )).
(٢) انظر: غريب الحديث لأبى عبيد ١٠/ ٣٥٠.

٧٣
كتاب السلام/ باب منع المخنث من الدخول على النساء الأجانب
بإخراجه ، ألا تراه يقول: ((ألا أرى هذا يعرف ما هاهنا)).
قال القاضى : فى هذا الحديث من الفقه : منع المخنثين من الدخول على النساء
ومحادثتهن ، ومنع وصف محاسن المرأة بحضرة الرجال ، ومنع انكشاف النساء عليهم ،
وتحريم نظرهم إلى ما لا يحل للأجانب النظر إليه منهن وكذلك الخصيان الأحرار. واختلف
فى المماليك منهم إذا لم يكن وغداً أو كان وغداً ملكا لغيرهن ، هل يدخل عليهن ويرى
شعورهن وما يرى [ منهن ](١) ذوو المحارم(٢).
واختلف فى اسم هذا المخنث، والأشهر أن اسمه: (( هيت)) بياء ساكنة باثنتين تحتها
وآخره تاء باثنتين فوقها، وقيل: صوابه: (( هنب)» بالنون والباء بواحدة أخرى ، قاله
ابن درستويه ، وقال : إن غير هذا تصحيف، قال : والهنب : الأحمق ، حكاه لنا أستاذنا
أبو عبد الله بن سليمان النحوى .
وجاء فى خبر آخر أن قائل هذا ((ماتع)) مولى فاختة المخزومية [وهو بتاء باثنتين ](٣)
فوقها ، قال: وكان هو وهيت فى بيوت النبى عَّه، وكان النبى لا يرى أنه يفطن لشىء
من أمر النساء، وذكر له قصة ابنة غيلان بنحو حديث هيت المتقدم، وفيه زيادة (( وشعر))(٤)،
وذكر قول النبى عَّ فيه كما هنا، وأنه [ غربهما ](٥) معًا إلى الحمى ، ذكر ذلك
الواقدى. وذكر أبو منصور الباوردى نحو [ الحكاية ](٦) عن مخنث ، كان بالمدينة يقال له:
((أنة)) ولم يسم ابنه غيلان ولا [ عبد الله ](٧) بن أبى أمية فى حديثه ، وذكر أن النبى -
عليه السلام - نفاه إلى حمراء الأسد(٨)، والمحفوظ أنه لهيت(٩).
وقد استدل بهذا الحديث بعضهم على جواز دخول المخنثين على النساء إذا كانوا ممن لا
إرب له فيهن ، وأنهم من غير أولى الإربة ، وكالخصيان وشبههم وممن لا يفرق بين الحسنة
والقبيحة / وقد قال ذلك فى تأويل الآية فى أولى الإربة عكرمة وغيره، وأنه المخنث الذى ١٨٥ / ب
(١) ساقطة من الأصل ، والمثبت من ح .
(٢) انظر: تفسير القرطبى ١٢/ ٢٣٤، المغنى ٧ / ٤٥٧ .
(٣) سقط من الأصل .
(٤) انظر: الواقدى فى المغازى والسير ٩٣٣/٣.
والحديث هذا رواه البيهقى فى السنن ، ك : الحدود ، ب : ما جاء فى نفى المخنثين ٨/ ٢٢٤.
(٥) فى الأصل : غيربهما ، وهو تصحيف .
(٦) فى ز : أى كأنه ، والمثبت من ح .
(٧) فى ز: عبد الرحمن ، والصواب : عبد الله، كما فى متن الحديث رقم (٣٢).
(٨) موضع على بعد ثمانية أميال من المدينة إليه انتهى الرسول - عليه السلام - يوم أحد فى طلب المشركين .
معجم البلدان ٣٠١/٢ .
(٩) فى ز: أهنت، وهو تصحيف، والمثبت من ح. نقله النووى فى شرح مسلم ١٤/ ١٦٣، والعراقى فى
طرح التثريب ١١٣/٨ عن القاضى .

٧٤
كتاب السلام/ باب منع المخنث من الدخول على النساء الأجانب
لا إرب له فى النساء . قالوا : ولهذا لم ينكر النبى - عليه السلام - أولاً دخوله بعد الحجاب
على أزواجه، ولم يحكم له بحكم الرجال فى هذا حتى سمعه يصف ما وصف فقال: (([ ألا
أرى ](١) تعرف ما ها هنا)»، فأخرجه ونفاه عن المدينة إلى الحمى .
وفيه جواز النفى ، وحجة لكافة العلماء القائلين به وقد تقدم ، واستدل به أيضا أن
المخنث الذى هو خلقة لا حرج عليه ولا عقوبة عليه ؛ إذ لا اكتساب له فيه وإذ لم ينكر
النبى - عليه السلام - أولاً أمره، وأن الذى لعنه فى الحديث الآخر من المخنثين من الرجال(٢)
إنما [ عنى بهم ](٣) المتشبهين بالنساء المستعملين ذلك، وأما من خلق خلقهُ فلا ؛ إذ لا
يقدر على تغيير خلقه وطبعه الذى طبعه الله عليه ، ولو كان كل مخنث ملعوناً من النبى
كان خلقة أو تخلقا لما شرع النبى بقاء(٤) هذا أولاً فى المدينة ، ولا أخرجه لأول وهلة .
قالوا : وإخراج النبى له لثلاثة معان :
أحدها : المعنى المتقدم ؛ أنه كان [ يحسبه من ](٥) غير أولى الإربة ، فظهر له من
يفطنه لما تتفطن إليه الرجال أنه صار منهم .
الثانى : وصف النساء ومحاسنهن وعوراتهن بحضرة الرجال ، وقد نهى النبى - عليه
السلام - المرأة أن تصف لزوجها جارتها حتى كأنه يراها ، فكيف الرجل ؟
الثالث : أنه إن كشف له منه أنه كان يطلع من النساء وأجسامهن وعوراتهن على ما لا
يطلع عليه كثير من النساء ، فكيف الرجال ، لا سيما فى الزيادة فى غير الأم من أوصافها
فى الحديث: (( حتى وصف ما بين رجليها)) يريد عورتها ؛ ولهذا قال - عليه السلام -
[ حينئذ] (٦): ((لقد غلغلت النظر، أى عدو الله)) (٧) .
وفى قوله: ((لا يدخل هؤلاء عليكم)) (٨): عموم فى المخنثين ، وإشارة إلى الجنس،
لما انكشف له من هذا [ ما انكشف ](٩) اطلاعهم على أجساد النساء وعوراتهن ووصفهن
للرجال .
(١) فى ز : تراك ، والمثبت من ح والصحيحة المطبوعة.
(٢) انظر : البخارى، ك اللباس، ب إخراج المتشبهين بالنساء من البيوت ٧/ ٥٥ .
(٣) من ح ، وفى ز : أعيانهم .
(٤) فى ز: بقى ، والمثبت من ح .
(٥) فى ز : نحسبه أن ، والمثبت من ح .
(٦) ساقطة من الأصل .
(٧) انظر: القرطبى فى المفهم ٣/ ١٨٥، ابن حجر فى الفتح ٣٦/٨
(٨) حديث رقم (٣٢) بالباب .
(٩) سقط من الأصل ، والمثبت من ح.

٧٥
كتاب السلام/ باب جواز إرداف المرأة الأجنبية ... إلخ
(١٤) باب جواز إرداف المرأة الأجنبية
إذا أعيت فى الطريق
٣٤ - (٢١٨٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ، أَبُو كُرَيْب الهَمْدَانِىُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةً ،
عَنْ هِشَامٍ ، أَخْبَرَنِى أَبِى عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِى بَكْرٍ، قَالتْ: تَزَوَّجَنِى الزُّبَيْرُ وَمَا لَهُ فِى
الأَرْضِ مِنْ مَالٍ وَلَا مَمْلُوكُ وَلَا شَىْءٍ ، غَيْرَ فَرَسه . قَالتْ: فَكُنْتُ أَعْلِفُ فَرَسَهُ، وَأَكْفيه
مُؤْنُهُ، وَأَسُوسُهُ ، وَأَدُقُّ النَّوَّى لِنَاضِحِّهِ، وَأَعْلِفُهُ، وَأَسْتَقِى الَاءَ، وَأَخْرِّزُ غَرْبَهُ، وَأَعْجِنَّ،
وَلَمْ أَكُنْ أُحْسِنُ أَخْبِزُ، وَكَانَ يَخْبِزُ لِى جَارَاتٌ مِنَ الأَنْصَارِ، وَكُنَّ نِسْوَةَ صدْق . قَالتْ:
وَكُنْتُ أَنْقُلُ النَّوَى مِنْ أَرْضِ الزَّبَيْرِ - التى أَقْطَعَهُ رَسُولُ اللهِ يَُّ - عَلَى رَأْسِى، وَهِىَ عَلَى
تُلْثَىْ فَرْسَخِ. قَالتْ: فَجِئْتُ يَوْمًا وَالنَّوَى عَلَى رَآسى. فَلَقِيتُ رَسُولَ اللهِعٍَّ وَمَعَهُ نَفَرٌ
مِنْ أَصْحَابِهِ، فَدَعَانِى ثُمَّ قَالَ: ((إِخْ، إِخْ)) لِيَحْمِلِنِى خَلفَهُ. قَالتْ: فَاسْتَحْيَيْتُ وَعَرَفْتُ
غَيْرَتَكَ. فَقَالَ: وَالله لَحَمْلك النَّوَى عَلَى رَأسك أَشَدُّ مِنْ رَكُوبِك مَعَهُ قَالتْ: حَتَّى أَرْسَلَ
إِلىَّأَبُو بَكْرٍ ، بَعْدَ ذَلِكَ، بِخَادِمِ، فَكَفَتِى سَيَّاسَةَ الفَرَسَِ، فَكَأَنَّمَا أَعْقَنِى.
٣٥ - ( ... ) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ الغُبَرِىُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ
ابْنِ أَبِى مُلْيُكَةَ ؛ أَنَّ أَسْمَاءَ قَالتْ: كُنْتُ أَخْدُمُ الزُّبَيْرَ خِدْمَةَ البَيْت ، وَكَانَ لَهُ فَرَسٌّ، وَكُنْتُ
أَسُوسُهُ، فَلَمْ يَكُنْ مِنَ الخِدْمَةِ شَىْءٌ أَشَدَّ عَلَىَّ مِنْ سِيَاسَةِ الفَرَسِ. كُنْتُ أَحْتَشَرُّ لُهُ وَأَقُومُ
وقولها فى حديث أسماء والزبير: (( كنت أخدم الزبير خدمة [ البيت](١))) ((وكنت
أعلف فرسه(٢) وأسوس فرسه))، فى الرواية الأخرى، أى أقوم عليه وأخدمه (( وأخرز
غربه)) أى الدلو الذى يسقى به فى أرضه. والغرب: الدلو الكبيرة(٣). وذكر الحديث،
وفيه: ((وأعجن وأنقل النوى من أرضه)) : فيه معونة المرأة زوجها فى الخدمة ، فأما ما هو
خارج بيتها مثل خدمة الفرس ونقل النوى فلا يلزمها بإجماع (٤) ، إلا أن تتطوع بذلك
معونة له، وحسناً لصحبته .
(١) فى ز : أربت ، والمثبت من ح .
(٣) هذا الكلام ذكره أبو عبيد فى غريب الحديث ٥١٩/٢ .
(٤) المغنى ٨ /١٣٠.
(٢) فى ز : ناضحه .

كتاب السلام / باب جواز إرداف المرأة الأجنبية ... إلخ
٧٦
عَلَيْهِ وَأَسُوسُهُ. قَالَ: ثُمَّ إِنَّهَا أَصَابَتْ خَادِمًا. جَاءَ النَّبِىَّ ◌َّهِ سَبْىٌّ فَأَعْطَاهَا خَادِمًا . قَالتْ:
كَفَتَِّى سِيَاسَةَ الفَرَسِ ، فَأَلّقَتْ عَنِّى مَؤْنَتَهُ .
وأما خدمة البيت كالعجن والكنس والطبخ فعلى العوائد ومقادير النساء واليسار . قال
بعض شيوخنا : على كل امرأة (١) من خدمة بيتها بقدرها وخدمة مثلها حتى على الشريفة
من ذلك الأمر والنهى للخدم بذلك ، وليس بواجب عليها عند مالك إلا أن تطوع(٢). قال
فى المبسوط : إلا (٣) لمثل أصحاب الصفة (٤). قال بعض أصحابنا : وليس عليها إلا أن
تمكن من نفسها ، وفى كتاب ابن حبيب : عليها فى العسر الخدمة الباطنة كما هى على
الدنيئة ونحوه لربيعة .
وقولها: ((وأنقل النوى من أرض الزبير التى أقطعه رسول الله عَ)): [ هذه الأرض
التى أقطع رسول الله عَّ﴾ ](٥) الزبير قيل : من موات البقيع ، أقطعه من ذلك ركض فرسه
فأجراه ، ثم رمى بسوطه رغبة فى الزيادة فأعطاه ذلك كله(٦). وفى البخارى عن عروة :
أقطع النبى - عليه السلام - أرضا من أموال بنى النضير(٧). والأشبه فى هذا الحديث ما تقدم.
وقد جاء فى حديث أسماء: ((وهى منى على ثلثى فرسخ)): يريد من مسكنها بالمدينة.
وفى هذا جواز الإقطاع ولكن لا يكون ذلك إلا من الإمام فيما يجوز فيه تصرفه من
عامر الأرض ، مما لا يتعين مالكه، مما اصطفاه الأئمة لبيت المال من الفتوح [ نحو ](٨)
الخمس ، أو باستطابة نفوس الغانمين ، أو استحقه بيت المال بالميراث ، أو من موات
الأرض وأذن الإمام فيه. وإقطاعه شرط فى إحيائه عند أبى حنيفة. وعند مالك والشافعى
والجمهور ليس إذن الإمام شرط فى إحياء الموات ؛ إذ يجوز ذلك بغير إذن الإمام ، وعلى
القولين فإقطاع الإمام وإن لم يحييه يوجب لمن أقطعه أنه أحق به من غيره (٩) .
وقولها : فلقيت رسول الله عَّه ومعه نفر من أصحابه فدعانى ثم قال: ((إِخْ إِخْ))
ليحملنى خلفه فاسحييت كذا روينا هذا الحرف بكسر الهمزة وسكون الخاء. قال ابن دريد :
(١) فى ز : المرأة .
(٢) اختلاف العلماء فى خدمة المرأة زوجها، انظر: الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية ٣٤/ ٩٠، والمغنى ١٣١/٨.
(٣) فى ز : لا .
(٤) المبسوط فى الفقه المالكى للقاضى إسماعيل بن إسحق البغدادى، ت ٢٨٢. انظر: ترتيب المدارك ١٨٩/٢.
(٥) سقط من ح ، والمثبت من ز .
(٦) وهذا نص حديث فى سنن أبى داود، ك الخراج ، ب إقطاع الأرضين ١٧٧/٣ رقم (٣٠٧٢).
(٧) البخارى فى فرض الخمس، ب ما كان ◌ّ يعطى المؤلفة قلوبهم وغيرهم من الخمس. ٦١/٤ الفتح ١٩٥/٦.
(٨) فى ز : الحق .
(٩) انظر: المغنى ١٤٧/٦، بدائع الصنائع ١٩٤/٦، المجموع ٢٢٩/١٥.
1
i

كتاب السلام / باب جواز إرداف المرأة الأجنبية ... إلخ
٧٧
فَجَاءَنَى رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أُمَّ عَبْدِ اللهِ، إِنِّى رَجُلٌ فَقِيرٌ، أَرَدْتُ أَنْ أَبِيعَ فِى ظِلِّ دَارِكِ .
يقال ذلك للجمل ليبرك ، ولا فعل له إلا أناخ (١). فيه ما كان - عليه السلام - جبل عليه
من الخلق الكريمة والضرائب المبرة (٢) لجميع الناس والإشفاق والرأفة لبنى أصحابه ونسائهم
وجميع أمته ، وإكرامهم وتقريبهم وخلطهم بنفسه .
وأما إرادته إردافه [ لها ] (٣) خلفه وليست بذى محرم منه ، وهذا خاص له - عليه
السلام - بخلاف غيره. وقد أمر بالمباعدة بين أنفاس الرجال والنساء ، وكان غالب حاله
البعد من ذلك لتقتدى به أمته ، وأنه لم يبايع امرأة إلا بالكلام ولم يصفق لواحدة منهن
على يد(٤)، ولا كانت هذه من الخصوصية ببنوة أبى بكر ، وأخوة عائشة ، وزوجية الزبير،
كانت كإحدى أهله ونسائه وكان هو من المالك لإربه(٥)، حيث كان يخصها(٦) بهذا كما خص
بذلك الغفارية التى حاضت على الحقيبة (٧) خلفه، وأما إرداف ذوات المحارم فلا حرج فيه.
وفيه ركوب اثنين على دابة والآثار بذلك كثيرة (٨). وفيه إباحة لفظ المطروحات فما كان
متملكا قبل . كالنوى الذى كانت تلتقطه من أرض الزبير ، وفيه مما كان يأكل الناس من
تمرهم وكذلك لقط خرق المزابل وسقطاتها ، وما يطرح الناس من سقط المتاع ونفاية
الخضر (٩) وغيرها ، مما تعرف أنهم لم يتركوها ليرجعوا إليها ، وإنما أخرجوها عن
أملاكهم استحقاراً لها ، فقد لقطها الصالحون الورعون ، ورأوا أنها من الحلال المحض ،
فأكلوا منها ولبسوا .
(١) الجمهرة مادة ((أخخ)) ١/ ١٥.
(٢) فى الأصل : المنزة ، والمثبت من ح وهو الصواب .
(٣) من ح .
(٤) البخارى ، ك الطلاق، ب إذا أسلمت المشركة أو النصرانية ٦/ ١٧٣ .
(٥) صحيح البخارى ، ك الحيض ، ب مباشرة الحائض من حديث عائشة ، وكان يملك إربه . وسبق فى مسلم،
ك الصيام رقم (٦٤ _ ٦٦ ).
(٦) فى ز : مخصياً ، وهو خطأ وتصحيف من الناسخ ، والمثبت من ح .
(٧) فى ز ، م : الحقيقية. وهى امرأة أبى ذر الغفارى ، صحابية ، كانت تخرج مع النبى فى مغازيه ، وتداوى
الجرحى . الإصابة ٤/ ٤٠٣ .
والحقيبة : هى الزيادة فى آخر القتب ، وهى كالبردعة. انظر : اللسان ، وابن الأثير .
وحديثها فى أبى داود، ك الطهارة، ب الاغتسال من الحيض رقم (٣١٣) ١ / ٨٤ .
(٨) منها : ما رواه البخارى عن أسامة بن زيد؛ أن رسول الله عَّهُ ركب على حمار على أكاف عليه قطيفة
فدكية وأردف أسامة وراءه ، ك اللباس ، ب الإرداف على الدابة ٧/ ٦٧ ، وسبق فى مسلم ، ك الحج ،
ب بيان وجوه الإحرام من حديث عائشة رقم (١٢١١).
(٩) فى ح : الحصر .

٧٨
كتاب السلام / باب جواز إرداف المرأة الأجنبية ... إلخ
قَالتْ: إِنِّى إِنْ رَخَّصْتُ لِكَ أَبِى ذَاكَ الزُّبَيْرُ . فَتَعَالَ فَاطْلبْ إلىَّ، وَالزُّبَيْرُ شَاهِدٌ. فَجَاءَ
فَقَالَ: يَا أُمَّ عَبْد الله، إنِّى رَجُلٌ فَقِيرٌ، أَرَدْتُ أَنْ أَبِيعَ فِى ظَلِّ دَارِك . فَقَالتْ: مَالكَ بالَدِينَة
إِلا دَارِى؟ فَقَالَ لَهَا الزُّبَيْرُ : مَالكِ أَنْ تَمْنَعِى رَجُلاً فَقِيرًا يَبِيعُ؟ فَكَانَ يَبِيعُ إِلى أَنْ كَسَبَ .
فَبَعْتُهُ الْجَارِيَةَ ، فَدَخَلَ عَلَىَّ الزُّبَيْرُ وَثَمَنُهَا فِى حَجْرِى . فَقَالَ: هَبِيهَا لِى. قَالتْ: إِنِّى قَدْ
تَصَدَّقْتُبِهَا .
وقولها فى الفقير الذى جاء يستأذنها فى أن يبيع(١) فى ظل دارها. فيه أن الجلوس فى
أفنية الدور وحيث قد يتأذى بالجلوس فيها لا يباح إلا بإذن أربابها ، إلا [ أن يكون ] (٢)
لهم حق فى الفناء ، ولا تأذى عليهم من انكشاف أو تضييق طريق أو غيره. وفيه أن صاحب
المنزل مندوب إلى إباحة ذلك؛ لقول الزبير: ((مالك أن تمنعنى رجلاً فقيراً يبيع)) وفى
توقفها هى عن إجابته مخافة منع الزبير ؛ إما لغيرته أو لما توقعته من ذلك . وأمرها له أن
يسألها ذلك بحضرته ؛ لعلمها أنه إذا لم يكن ابتداءً من قبلها لم يمنعه ، فيه حسن الملاطفة
فى الأمور والمداراة الحسنة مع الأزواج وغيرهم .
وفيه أن للزوج أن يمنع [ زوجته ](٣) من الإذن فى أمر يخشى ضرره أو عقباه ، وأنه
ليس له التحكم فى مال زوجته وحقوقها إلا برضاها إذا لم يبح له هو ذلك وإنما نهاها عن
منعه ، وفيه سؤال الزوج الهبة من زوجته ، وأنه لا يراعى بينهما ثلث المال كما يراعى فى
١٨٦ / أ الأجنبى إذا كان ثمن المملوكة التى سألها جملة مالها إذا لحق الزوج ، فإذا كانت الهبة / له
بجميع مالها ، وقبل ذلك فهو رضا وتسويغ كما لو سوغ ذلك له أجنبى .
(١) فى ز : تبيع .
(٣) ساقطة من ز ، والمثبت من ح .
(٢) فى ز : أن لا يكن ، والمثبت من ح .

٧٩
كتاب السلام/ باب تحريم مناجاة الاثنين دون الثالث بغير رضاه
(١٥) باب تحريم مناجاة الاثنين دون الثالث ، بغير رضاه
٣٦ _ (٢١٨٣) حَدَّثْنَا يَحْنَى بْنُ يَحْنَى، قَالَ : قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ نَافِعِ ، عَنِ ابْنِ
عُمَرَ ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِعَّهُ قَالَ: ((إِذَا كَانَ ثَلاثَةٌ ، فَلَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ وَاحد )) .
٠٠
( .. ) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةً، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرِ وَابْنُ نُمَيْرٍ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ
نُمَيْرٍ ، حَدَّثَنَا أَبِى. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنَّى وَعُبَيْدُ الله بْنُ سِعِيدٍ، قَالاً: حَدَّثَنَا يَحْنَى -
وَهُوَّ ابْنُ سَعِيد - كُلُهُمْ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ. ح وَحَدَّثَنَا قُتِيَةُ وَأَبْنُ رُمْحٍ ، عَنِ الليْثِ بْنِ سَعْدِ. ح
وَحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ وَأَبُو كَامِل قَالا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ. حَ وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثْنَا
مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، حَدَّثَنَا شَّعْبَةُ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَيُّوبَ بْنَ مُوسَى ، كُلُّ هَؤُلاءِ عَنْ نَافِعِ،
ء
عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِىِّيَّهِ. بِمَعْنَى حَدِيثِ مَالِك .
٣٧ _ (٢١٨٤) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَهَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو
الأَحْوَصِ ، عَنْ مَنْصُورٍ . ح وَحَدَّثَنَاَ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَإِسْحَقُ بْنُ
إِبْرَاهِيمَ - وَاللفْظُ لِزُهَيْرِ - قَالَ إِسْحَقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثْنَ - جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورِ،
عَنْ أَبِى وَائِل، عَنْ عَبِّد الله، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ : ((إذَا كُنْتُمْ ثَلاثَةً فَلا يَتَنَاجَى اثْنَانِ
دُونَ الآخَرِ ، حَتَّى تَخْتَلِطُوا بِالنَّاسِ، مِنْ أَجْلِ أَنْ يُحْزِنَهُ)) .
وقوله : ((إذا كان ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون واحد)) زاد فى الحديث الآخر: ((حتى
يختلطوا بالناس ؛ من أجل أنه يحزنه)) : قال الإمام : وكذلك الجماعة عندنا : لا
يتناجون دون واحد لوجود العلة ؛ لأنه قد يقع فى نفسه أن الحديث عنده بما يكره ، وأنه لم
يروه أهلاً لاطلاعه على ما هم عليه ، ويجوز إذا شاركه جماعة لأنه يزول الحزن عنه
بالمشاركة .
٠
قال القاضى : وقيل : إنما المراد هذا الحديث فى السفر ، وفى المواضع التى لا يأمن
الرجل فيها صاحبه ولا يعرفه ولا يثق به ويخشى غدره (١) ، وقد روى فى ذلك أثر وفيه
زيادة (( بأرض فلاة))(٢)، وأما فى الحضر وبين العمارة فلا(٣)، وقيل: بل هذا كان فى
(١) انظر: ابن عبد البر فى التمهيد ٢٨٨/١٥.
(٢) انظر: أحمد فى المسند ٢/ ١٧٧ .
(٣) انظر: معالم السنن ١٧٩/٥.

٨٠
كتاب السلام/ باب تحريم مناجاة الاثنين دون الثالث بغير رضاه
٣٨ - ( .. ) وَحَدَّثَنَا يَحْنَى بْنُ يَحْتَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَابْنُ نُمَيْرِ وَأَبُو كُرَيْب -
وَاللفْظُ لَيَحْيَى - قَالَ يَحْبَى: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا - أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ،
عَنْ شَقيق، عَنْ عَبْد الله، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله عَّةٍ: ((إِذَا كُنْتُمْ ثَلاثَةً فَلَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ
صَاحِبِهِمَاً، فَإِنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ)) .
( .. ) وَحَدَّثْنَاهُ إِسْحَقُ بْنُ إِيْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ. ح وَحَدَّثْنَا ابْنُ أَبِى عُمَرَ،
حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، كلاهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ ، بِهَذَا الإِسْنَادِ .
١
أول الإسلام ، فلما فشى الإسلام وأمن الناس سقط هذا الحكم ، وذلك ما كان يفعله
المنافقون بمحضر المؤمنين ، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾(١)
الآية ، ومذهب ابن عمر حمله على عمومه ، وهو مذهب مالك وجماعة العلماء .
(١) المجادلة : ١٠ .