Indexed OCR Text

Pages 541-560

٥٤١
کتاب الحدود / باب حد الخمر
تَرَوْنَ فِى جَلْدِ الْخَمْرِ ؟ فَقَلَ عَبّدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: أَرَى أَنْ تَجْعَلَهاَ كَأَخَفِّ
الْحُدُودَ . قالَ : فَجَلَدَ عُمَرُ ثَمَنِينَ .
( ... ) حدّثْنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى، حَدَّثَنَاَ بَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدََّنَاَ هِشَامٌ ، بِهَذَا
الإِسْناَدِ ، مِثْلَهُ.
٠
٣٧ _ ( ... ) وحدّثنا أُبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْبَةً، حَدَّثَنَاَ وَكَيْعٌ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ
قَتَادَةَ، عَنْ أَنَس؛ أَنَّالنَّبِىَّ ◌َّهِ كَانَ يضَرِبُ فِى الْخَمْرِ بِالنِّعَلِ وَالْجَرِيَدِ أَرْبَعِينَ .
ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوِّ حَدِيثِهِماَ، وَلَّمْ يَذْكُرٍ : الرِّيفَ وَالْقُرَّى .
٣٨ _ (١٧٠٧) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَعَلِىُّ بْنُ حُجْرِ،
قَالُوا: حَدَّثَنَاَ إِسْمَاعِيلُ - وَهُوَ ابْنُ عُلَّةَ -َ عَن ابْنِ أَبِى عَرُوبَةَ، عَنَّ عَبْدِ اللهِ الدَّانَجِ.
إلا بثلاث : النفس بالنفس ، والثيب الزانى ، والتارك لدينه المفارق )) (١) وحديث النعمان
وأن النبى معَّه حده ثلاث مرات ولم يقتله ، ونهى عن لعنه ، ودل على نسخه إجماع
الصحابة على ترك العمل به .
واختلفوا فى تفصيله وقدره ، فمذهب الجمهور من السلف والفقهاء ؛ مالك وأبى حنيفة
والثورى والأوزاعى وأحمد وإسحق والشافعى مرة وغيرهم : أن حده ثمانون جلدة . وقال
الشافعى - أيضا - وأبو ثور وداود وأهل الظاهر : حده أربعون . قال الشافعى : بالأيدى
والنعال وأطراف الثياب (٢) .
٣ حداً
وحجة الأول : ما استقر عليه إجماع الصحابة ، وأنه لم يكن فعل النبى
معيناً، ألا تراه قال فى الحديث: ((نحو أربعين)).
وقوله: (( بجريدتين)) : يحتمل جمعها فى أربعين ، وكذلك جاء فى حديث آخر
عن أبى سعيد ؛ أنه - عليه السلام - [وأنه ] (٣) ضرب بنعلين فى الخمر أربعين (٤). فتأتى
ثمانين، فيكون اجتهاد الصحابة فى الثمانين وفى الأربعين على مقدار يجزئ ضربه - عليه
السلام - وموافقته ، لاعلى إحداث حد لم يكن . ويحتمل أن تكون جريدتين مفروقتين
(١) سبق فى مسلم، ك القسامة ، ب ما بياح به دم المسلم (٢٥).
(٢) انظر: الاستذكار ٢٦٩/٢٤، الحاوى ٤١٢/١٣، المغنى ٤٩٨/١٢، ٤٩٩.
(٣) ليس لها معنى فى السياق .
(٤) انظر: أحمد ٦٧/٣ .

٥٤٢
کتاب الحدود / باب حد الخمر
ضرب بكل واحدة منهما عددا حتى أكمل بهما أربعين ، وفصل عمر وأبو بكر وحد على
الوليد بمحضر عثمان أربعين ، واختلاف رأى على فى فعله يدل أنه لم يكن من النبى ءَ
فى ذلك لا يخالف .
ثم اتفقوا على إقامة الحد على شارب القليل من خمر العنب وكثيره ، سكر أو لم
يسكر . وعلى حد من سكر من كل سكر . واختلفوا فى حد من شرب مالا يسكر منه من
غير خمر العنب ، فجمهور السلف والعلماء على تسوية ذلك كله ، والحد من قليله وكثيره
لتحريم قليله وكثيره . وذهب الكوفيون إلى أنه لا يجلد حتى يسكره وإن شربه مالم يبلغ
السكر، وعنهم - أيضا - مثله فى مطبوخ العنب المسْكر ، وخمر التمر عند بعضهم كخمر
العنب (١) . وقال أبو ثور: يجلد من يرى تحريمه ولا يجلد من يرى تحليله ، ويتأول فى
ذلك . وقد مال إلى هذا التفريق بعض شيوخنا المتأخرين ، وإجماع المسلمين منعقد على
تحريم خمر العنب النيئ ، قليله وكثيره .
وضربه بالجريد والنعال يدل على تخفيف حد الخمر ، وإلى هذا ذهب الشافعى ؛ أنه
لا يكون الحد [ إلا ] (٢) بمثل هذا إلا بالسوط . وعند مالك وغيره : الضرب فيه بسوط بين
سوطين ، وضرب بين ضربين ، والحدود كلها سواء . وعند الزهرى والثورى وإسحق
وأحمد والشافعى : أن الخمر أخف الحدود (٣) . وقال الليث كقول مالك. وقال آخرون :
ضرب التعذير أشد ، ثم ضرب الزنا ، ثم ضرب الخمر ، ثم ضرب القذف (٤) . وأجاز
بعض أصحابنا فى المدمنين عليه التغليظ بالفضيحة والطواف والسجن .
وقوله: ((بجريدتين نحو أربعين)»: لا خلاف بين العلماء أنه لا يجزئ ضرب بسوطين،
أو بسوط / له رأسان فى حد الصحيح ، أو سياط مجموعة ، ويحسب أعداد ذلك.
واختلفوا فى المريض الذى لا يرجى برؤه ، فذهب مالك والكوفيون وجمهور العلماء إلى أنه
لا يجزئ فيه إلا ما يجزئ فى الصحيح ، ويترك حتى يبرأ أو يموت . قال الشافعى :
يضرب ضربة بعكول نخل يصل جميع شماريخها إليه ، وما يقوم مقامه ، على ما جاء فى
حديث مخدج . وقد روى عن علىّ أنه ضرب الوليد بسوط له رأسان أربعين ، وهذا يدل
على أنه لم يحسب إلا كسوط واحد ؛ لأنه إنما حده أربعين . هذا يدل على أنه لم يحسب
على ما جاء فى الحديث . وذكر فى الحديث أن عبد الرحمن بن عوف هو الذى أشار على
١/٤٧
(١) المغنى ٤٩٦/١٢، ٤٩٧، الاستذكار ٢٧٤/٢٤ وما بعدها .
(٢) غير مفهومة فى هذا السياق .
(٣) انظر: الحاوى ٤٣٥/١٣.
(٤) انظر: الاستذكار ٩١/٢٤، ٩٢ .

٥٤٣
كتاب الحدود / باب حد الخمر
ح وَحَدَّثَنَاَ إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِىُّ - وَاللَّفْظُ لَهُ - أَخْبَرَنَاَ يَحْيَى بْنُ حَمَّاد ،
حَدَّثَنَاَ عَبْدُ اَلْعَزِيزِ بْنُ الَمُخْتَرِ، حَدَّثَنَاً عَبْدُ الله بْنُ فَيْرُوزَ مَّوْلَى ابْنِ عَامِرِ الدَّانَجِ ،
حَدَّثَنَاَ حُضَيْنُ بَنُ الْمُنْذِرِ، أَبُوُ سَاسَانَ ، قَالَ: شَهِدْتُ عُثْماَنَ بْنَ عَفَّانَ وَأَتَّىَ بِالْوَلِيد،
قَدْ صَلَّى الصُّبْحَ رَكْعَتَيَّنٍ. ثُمَّ قَلَ: أَزِبِدُكُمْ؟ فَشَهِدَ عَلَيْهِ رَجُلان ـ أَحَدُّهُمَاَ
حُمْرَانُ - أَنَّهُ شَرِبَ الْخَمْرَ ، وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّهُ رَآهُ يَتَفَيَّأَ. فَقَالَ عُثْمَنُ: إنَّهُ لَمْ يَتَقِيَّأْ
عمر بالثمانين جلدة فى الخمر (١) .
وفى الموطأ وغيره (٢) أنه على بن أبى طالب .
وقوله: (( فلما كان فى زمن عمر ودنا الناس من الريف والقرى )» : يعنى فتحت
الشام والعراق وبلاد الخصب والكروم والثمار . والريف ما دنا من المياه من الأراضى ،
ويعبر بذلك عن الخصب والسعة . ومشاورة عمر الناس فى حد السكر دليل على تشاور
أهل العلم فى النوازل ، أن المناكير إذا كثرت وجب الاهتبال بأمرها والتشدد فيها لئلا يؤنس
بها . دليل الحال أنه كان الأمر فى الخمر قبلُ أخف فى مبدأ أحدها حتى كثر وقوع الناس
فيها ، وقياسهم لها على أخف الحدود أو على القذف ؛ لأن الشارب إذا سكر هذى ، وإذا
هذى افترى ، أصل فى القياس .
وقول عبد الرحمن: ((أخف الحدود ثمانين)) ويروى: (( أخف الحدود ثمانين))
بالنصب فيهما ، وهو أوجه فى العربية ، أى : حد فيها أخف الحدود ، أو اجعلهما أخف
الحدود .
وذكر مسلم حديث عبد الله الداناج، ويقال أيضا: ((الدان)) بغير جيم، ((الداناه))
بالهاء ، ومعناه بالفارسية : العالم . وحُضين بن المنذر بالضاد المعجمه . ذكر قصة الوليد
وتخليطه فى صلاة الصبح ، وشهود الرجلين عليه ، أحدهما أنه شرب خمراً والآخر أنه رآه
تقيأها . فقال عثمان: لم يتقيأها حتى شربها ، والشهادة على القىء كالشهادة على الشرب .
وقول عثمان: ((قم يا على فاجلده ، فقال على: قم يا حسن فاجلده)): فيه إقامة
(١) أبو داود، ك الحدود، ب الحد فى الخمر ٢/ ٤٧٢، الترمذى، ك الحدود، ب ما جاء فى حد السكران
٤٨/٤ وقال : حديث حسن ، الدارمى ، ك الحدود، ب فى حد الخمر ١٧٥/٢ .
(٢) الموطأ، ك الأشربة، ب الحد فى الخمر ٨٤٢/٢ (٢)، أبو داود، ك الحدود، ب إذا تتابع فى شرب الخمر
٤٧٥/٢، الدارمى، ك الحدود، ب فى حد الخمر ١٧٥/٢ .

٥٤٤ -
کتاب الحدود / باب حد الخمر
حَتَّى شَرَبَهاَ. فَقَالَ: يَاَ عَلَىُّ ، ثُمْ فَاجْلدْهُ. فَقَلَ عَلَىٌّ: قُمْ يَأَحَسَنُ فَاجْلِدْهُ . فَقَلَ
الْحَسَنُ : وَلِّ حَارَّهَا مَنْ تَوَلَّى قَارَّهَا - فَكَأَنَّهُ وَجَدَ عَلَيَّهِ - فَقَالَ: يَاعَبْدَ اللهِ بْن جَعْفَرَ،
ثُمْ فَاجْلِدُ. فَجَلَدَهُ، وَعَلِىُّ يَعُدُّ، حَتَّى بَلَغَ أَرْبَعِينَ. فَقَلَ : أَمْسِكْ. ثُمَّقَالَ: جَلَّدَ
النَّبِىُّ ◌َّهِ أَرْبَعِينَ، وَجَلَدَّ أَبُو بَكْرِ أَرْبَعِينَ، وَعُمَّرُ ثَمَنِينَ، وَكُلَّ سُنَّةٌ، وَهَذَا أَحَبُّ
إلىّ .
الفضلاء الحدود بأنفسهم ؛ لأنها من أفضل القربات . وكذلك كان جلة الصحابة يقيمونها
بين يدى الخلفاء . ويجب أن يختار لإقامتها عند جميع العلماء أهل الفضل والعدل ، إذا
أمكنوا ؛ لئلا يشعه وأنى ذلك ؟
وقول حسن: ((ولِّ حارها من تولى قارها)»: مثلٌ من أمثال العرب . قال
الأصمعى: ول شدتها من تولى هنيئها .
والقار : البارد . ومعنى قول الحسن هذا : أى ول ضربه وإقامة الحد عليه من قلده الله
أمر المسلمين . وقال الخطابى : معناه: ولّ عقوبته من توليه العمل والنفع (١). الأول
أولى وأبين فى القصة. وفى أمر على للحسن ثم لعبد الله جواز استنابة الحكام فيما قلدوه ،
لا سيما بمحض مقلدهم ومعرفته ، وإنما خص عثمان علياً بجلده (٢) لكونه أقرب إليه من
غيره ؛ إذ يجمعهم عبد مناف، علىٌّ من بنى هاشم بن عبد مناف، والوليد من بنى عبد شمس
ابن عبد مناف .
وقول على لما بلغ ضربه أربعين: ((أمسك، جلد النبى معَّ أربعين، وأبو بكر
أربعين، وعمر ثمانين، وكل سنة، وهذا أحب إلى)) : فيه ما كان يعتقد على فى إمامة
٤٧/ ب الخليفتين أبى بكر وعمر ، وأن حكمهما سنة ، وأمرهما حق لقوله - عليه السلام - : /
((اقتدوا باللذين من بعدى)) (٣) . خلاف ما يكذب عليه فيه الرافضة والشيعة .
وقوله : ((هذا أحب)): حمله أكثرهم على الأربعين ، وقد روى عن على فى هذه
القصة أنه ضربه ثمانين ، وهو المعروف من مذهب على. وقوله فى قليل الخمر وكثيرها
ثمانون جلدة . وروى عن على - رضى الله عنه - أنه جلد المعروف بالنجاشى ثمانين ،
(١) الخطابى فى معالم السنن بلفظ ولِّ العقوبة والضرب من توليه العمل والنفع ٢٨٥/٦.
(٢) فى س : بحده .
(٣) الترمذى ، ك المناقب، ب مناقب أبى بكر وعمر ، رقم ٥/ ٦١٠ (٣٦٦٣)، وكذا ، ب مناقب عبد الله
ابن مسعود ٦٧٢/٥ (٨٨٠٥)، ابن ماجة، المقدمة، ب فى فضائل أصحاب رسول الله ٣٧/١
برقم (٩٧)، أحمد ٣٨٢/٥ .

٥٤٥
کتاب الحدود / باب حد الخمر
زَادَ عَلِىُّ بْنُ حُجْرٍ فِى رِوَيَتِهِ: قَالَ إِسْمَاعِيلُ: وَقَدْ سَمِعْتُ حَدِيثَ الدَّانَاجِ مِنْهُ
فَلَمْ أَحْفَظُهُ.
٣٩ - (١٧٠٧) حدّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ منْهَال الضَّرِيرُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع ،
حَدَّثَنَاَ سُفْيَانُ الثَّوْرِىُّ، عَنْ أَبِى حَصين، عَنْ عُمَيْرِ بْنِ سَعيد، عَنْ عَلَىٌّ، قَالَ:
مَكُنْتُ أُقيمُ عَلَى أَحَدَ حَدًا فَيَمُوتُ فِيهِ ، فَأَجِدَ مِنْهُ فِىَ نَفْسِىَ، إِلَا صَاحِبَ الْخَمْرِ؛
لأَنَّهُ إِنْ مَتَ وَدَيْتُهُ؛ لِأَنَّ رَسُولَ الهِ عََّلَمْ يَسْنَّهُ.
( .. ) حدّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، بِهَذَا
الإسْنَاَد ، مثْلَهُ.
والمشهور أن عليا هو الذى أشار على عمر بإقامة الحد فى الخمر ثمانين ، على ما فى الموطأ
وغيره (١) . وهذا كله يرجح رواية من رواه أن حد الوليد ثمانين ، وقد ذكره البخارى (٢)
أيضا . ويجمع بينه وبين ما هنا : ماروى أنه حده بسوط له رأسان ، فجاء فى العدد ثمانين
ضربة، كما جاء فى حد النبى ◌ّه أربعين بنعلين. وفى الحديث الآخر بجريدتين، وأن عمر
جعل ذلك لكل نعل سوطا ، وكان شأن الحد فى الخمر على التخفيف عندهم - والله أعلم
- مع قوله: ((وحد عمر ثمانين وهذا أحب إلينا))، فعادت الإشارة إلى أقرب مذكور.
وقد نحا الطبرى إلى توهين خبر الوليد وذكر أنه تحومل عليه فى الشهادة فى تلك القصة.
وقول على: (( ما كنت أقيم على أحد حداً فيموت فأجد منه فى نفسى ، إلا صاحب
الخمر ؛ لأنه إن مات وَدَيْتُه؛ لأن رسول الله عَّه لم يسنه)) يعنى: لم يجد منه حداً لا
يتعداه، وإنما كان ضربه إياه على ما تقدم ، لكن لما كثر شرب الناس له اجتهد فيه الصحابة
كما تقدم. وقد رده قياسا على ما يستحق من الحدود . وبنحو قول على قال الشافعى ، قال:
إن حد أربعين بالأيدى والنعال والثياب فمات فالله قتله ، وإن زيد على الأربعين بذلك ،
أو ضرب أربعين بسوط فمات ، فديته على عاقلة الإمام
ولم يختلف العلماء فيمن مات من ضرب حد وجب عليه أنه لا دية فيه على الإمام ولا
على بيت المال . واختلفوا فيمن مات من التعزير ، فقال الشافعى : عقله على عاقلة الإمام
(١) سبق تخريجه .
(٢) البخارى ، ك الحدود ، ب الضرب بالجريد والتعال ١٩٦/٨.
:

٥٤٦
کتاب الحدود / باب حد الخمر
وعليه الكفارة ، وقيل على بيت المال . وجمهور العلماء : أنه لاشىء عليه (١) . وبقية
الكلام فيما يحل ويحرم من الأشربة فى كتابهما إن شاء الله تعالى ، كذا الرواية فى جميع
النسخ ؛ لأنه إن مات وديته . فكذا روى البخارى (٢) ؛ لأن ديته إياه كفارة استرابته وتروعه
لا علة ذلك . وقد روى عن ابن الحذاء أنه إن مات ، وهو قريب من هذا .
(١) المغنى ٥٠٣/١٢ وما بعدها، الحاوى ٤١٥/١٣، ٤١٦.
(٢) البخارى ، ك الحدود ، ب الضرب بالجريد والنعال ١٩٦/٨.

٥٤٧
كتاب الحدود / باب قدر أسواط التعزير
(٩) باب قدر أسواط التعزير
(٤٠) - (١٧٠٨) حدّثْنَا أَحْمَدُ بْنُ عيسَى، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْب، أَخْبَرَنِى عَمْرُو،
عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الأَشَجِّ ، قَالَ: بَيْنَاَ نَحْنُ عنْدَ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارِ، إِذْ جَاءَهُ عَبْدُ الرَّحْمَن
ابْنُ جَابر ، فَحَدَّثَهُ، فَأَقْبَلَ عَلَيْنَاَ سُلَيْمَنُّ. فَقَالَ: حَدَّثَنَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ جَابِرٍ، عَنْ
أَبِيه، عَنْ أَبِى بُرْدَةَ الأَنْصَارِىِّ؛ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ لَّهُ يَقُولُ: ((لا يُجْلَدُ أَخَّدٌ فَوْقَ
عَشَرَة أَسْوَاطِ ، إِلا فِى حَدَّ مِنْ حُدُود الله )) .
قوله: (( لا يجلد أحد فوق عشرة أسواط إلا فى حد من حدود الله))، قال الإمام :
هذا خلاف مذهب مالك ؛ لأنه يجيز فى العقوبات فوق هذا وفوق الحدود ؛ لأن عمر -
رضى الله عنه - ضرب من نقش على خاتمه مائةً، وضرب صبيعاً أكثر من الحد . وقد
أخذ ابن حنبل بظاهر الحديث فلم يزد فى العقوبات على العشرة ، وتأول أصحابنا الحديث
على أنه مقصور على زمان النبى عَّه؛ لأنه كان يكفى الجانى منهم هذا القدر ، وتأولوه -
أيضاً - على أن المراد بقوله: ((فى حد من حدود الله))؛ لأن المحرمات كلها من حدود
الله . وقال أبو حنيفة : لا يبلغ فى التعزير أربعين ، وقاله الشافعى ، وقال أيضا : لا
يبلغ عشرين لأنه أدنى حدود / العبد فى الخمر . فقال بعضهم : لا يبلغ ثمانين (١).
٤٨/أ
قال القاضى : فظاهر هذا الحديث من أصحابنا أشهب فى بعض الروايات عنه ،
واحتج بالحديث . وقد اختلف مذهب مالك وأصحابه فى ذلك ، فالمشهور عنه وعنهم ما
تقدم ، وأن ذلك يوكل إلى اجتهاد الإمام ، وبقدر جرم الفاعل وشهرته بالفسق وإن كثر
جداً ، ونحوه عن أبى يوسف وأبى ثور والطحاوى . وروى عن محمد بن الحسن مثله ،
قال : وإن بلغ ألفاً . وروى عنه مثل قول أبى حنيفة . وروى عن مالك فى الضرب فى
التهمة فى الخمر والفاحشة خمسة وسبعين سوطا ، لا يبلغ به الحد ، وقد مال إليه أصبغ
من أصحابنا ، ونحوه لمحمد بن مسلمة ، قال : لا أرى أن يضرب السلطان فى الأدب مثل
الحدود ، ولا يبلغ به الحد أبداً ، ونحوه لابن أبى ليلى وأبى يوسف ، قال : أقله خمسة
وسبعون. وروى عن عمر: لا يبلغ فى تعزير أكثر من ثمانين. وروى عن ابن أبى ليلى -
أيضا - وابن شبرمة : لا يبلغ مائة ويضرب مادونها . وروى عن الشافعى سوى ما تقدم
(١) انظر: المغنى ١٢/ ٥٢٤ وما بعدها.

٥٤٨
كتاب الحدود / باب قدر أسواط التعزير
للذى يضرب فى الأدب أبداً وإن أتى على نفسه ، حتى يقر بالإنابة فيرفع عنه . وقال ابن
أبى ذئب وابن أبى يحيى : لا يضرب أكثر من ثلاثة فى الأدب . وقاله أشهب فى مؤدب
الصبيان ، قال : فإن زاد اقتص منه ، وعن الزبير من أصحاب الشافعى : تعزير كل ذنب
مستنبط من حده لا يجاوز به حده .
قال الإمام : ذكر مسلم هذا الحديث من حديث سليمان بن يسار عن عبد الرحمن بن
جابر ، عن أبيه ، عن أبى بردة الأنصارى ، قال بعضهم . هكذا روى عند ابن ماهان
بالدال المهملة وهو الصواب ، وروى عن الرازى وغيره عن الجلودى عن أبى برزة ، بالزاى
وهو خطأ . ويقال فى اسم أبى بردة هذا : هانى بن نيار الحارث ، ويقال : هو رجل آخر
من الأنصار .
قال القاضى : الحديث معروف لأبى بردة . وكذا خرجه البخارى وغيره (١) . ولم
يقل أحد فيه : أبو برزة . وأبو برزة هنا تصحيف .
قال القاضى: ورواه مسلم من حديث عمرو ، وهو ابن الحارث عن بكير بن الأشجع
عن سليمان ، عن عبد الرحمن بن جابر ، عن أبيه عن أبى بردة. قال الدارقطنى (٢) :
تابع عمرو بن الحارث أسامة بن زيد عن بكير عن سليمان ، وخالفهما الليث وسعيد بن
أبى أيوب وابن لهيعة ، فرووه عن بكير ، عن سليمان ، عن عبد الرحمن بن جابر ، عن
أبى بردة . لم يقولوا عن أبيه . واختلف فيه على مسلم بن أبى مريم ، فقال ابن جريج
عنه عن عبد الرحمن بن جابر، عن رجل من الأنصار، عن النبى عَّه. وقال جعفر بن
ميسرة عنه عن جابر عن أبيه . قال أبو الحسن فى كتاب العلل : والقوى قول الليث ومن
تابعه عن بكير ، قال فى كتاب التتبع : وقول عمرو صحيح .
(١) البخارى، ك الحدود، ب كم التعزير والأدب ٢١٥/٨، أحمد ٤٥/٤، ابن ماجة، ك الحدود ، ب
التعزير ٨٦٧/٢ برقم (٢٦٠١) .
(٢) الإلزامات والتتبع ص ٢٢٥، ٢٢٦ .

٥٤٩
کتاب الحدود / باب الحدود كفارات لأهلها
(١٠) باب الحدود كفارات لأهلها
٤١ - (١٧٠٩) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى النَّميمىُّ وَأَبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَعَمْرُو
النَّاقِدُ وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَابْنُ نُمَيْرٍ ، كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ عُبَيْنَةَ - وَلَفَّظُ لِعَمْرو - قَالَ:
حَدَّثَنَاَ سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةَ، عَنِ الزَّهْرِىِّ، عَنْ أَبِى إِدْرِيسَ ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامَّت، قاَلَ:
كُنَّا مَعَ رَسُول الله عَّ فِى مَجْلس، فَقَالَ: ((تُبَيَعُونى عَلَى ألا تُشْرِكُوا بالله شَيْئًا،
وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللهُ إِلا بِالْحَقِّ. فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ
فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ ، وَمَنْ أَصَابَ شَيْئًا مِنْ ذَلكَ: فَعُوقِبَ به، فَهُوَّ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ أَصَابَ
شَيّاً مِنْ ذَلِكَ فَسَتَرَهُ الهُ عَلَيْهِ، فَأَمْرَهُ إِلَى اللهِ، إِنْ شَاءَ عَّفَا عَنْهُ، وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ » .
٤٢ - ( ... ) حدّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْد، أَخْبَرَناَ عَبْدُ الرَّزَّاق، أَخْبَرَنَاَ مَعْمَرٌ عَن
الزَّهْرِىِّ، بِهَذَا الإِسْنَد. وَزَادَ فِى الْحَدَيْث: فَتَلَا عَلَيْناَ آيَةَ النِّسَاءِ: ﴿أَن لاَ يُشْرِكْنَّ
بِاللّهِ شَيْئًا﴾ الآية (١) .
٤٣ _ ( ... ) وحدّثنى إسْمَاعِيلُ بْنُ سَالم، أَخْبَرَنَاَ هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَاَ خَالدٌ عَنْ أَبی
قلابَةَ، عَنْ أَبِى الأَشْعَتِ الصَّنْعَنِىِّ، عَنْ عُبَادَةُ بْنِ الصَّمت، قَالَ: أَخَذَ عَلَيْنَا رَسُوَلُ
وقوله : (( تبايعونى على ألا تشركوا بالله شيئا ، ولا تزنوا ، ولا تسرقوا ، ولا تقتلوا
النفس التى حرم الله إلا بالحق ، فمن وفى منكم فأجره على الله . ومن أصاب شيئا من
ذلك فعوقب به ، فهو كفارة له ، ومن أصاب من ذلك شيئا فستره الله عليه ، فأمره إلى
الله. إن شاء عفا عنه / وإن شاء عذبه))، قال الإمام - رحمه الله -: هذا الحديث رد على
من يكفر بالذنوب وهم الخوارج ، ورد على من يقول : لا بد من عقاب الفاسق الملى إذا
مات على كبيرة ولم يتب منها وهم المعتزلة ؛ لأن النبى معَّه ذكر هذه المعاصى وأخبر أن
أمر فاعلها إلى الله - سبحانه - إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه ، ولم يقل : لا بد أن
يعذبه . وفيه تكفير الذنب بإقامة الحد . وقد قال فى طريق بعد هذا الحديث فزاد فيه :
((ولا ننتهب ولا نعصى، فالجنة إن فعلنا ذلك)) . فتأمل تحرير نقلة الشريعة، وذلك
٤٨/ب
(١)الممتحنة : ١٢ .

٥٥٠
کتاب الحدود / باب الحدود كفارات لأهلها
الله عََّ كَمَاَ أَخَذَ عَلَى النِّسَاءِ: أَلَا نُشْرِكَ بِاللهِ شَيْئًا، وَلَا نسْرِقَ ، وَلَا نَزْنِىَ، وَلا
نَقْتُلَ أَوْلادَنَاَ، وَلَا يَعْضَهَ بَعْضُنْاَ بَعْضًا (( فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ ، وَمَنْ أَتَى
مِنْكُمْ حَدًا فَأُقيمَ عَلَيْهِ فَهُوَ كَفَّارَتُهُ، وَمَن سَتَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ ، فَأَمْرُهُ إِلَى الله، إِنْ شَاءَ
عَّذَّبَه، وَإِنْ شَاءَ غَفَرَلَّهُ)).
٤٤ _ ( .. ) حدّثنا قُتَيَِّةُ بْنُ سَعيد. حَدَّثَنَاَ لَيْثٌ. ح وَحَدَّثَنَاَ مُحَمَّدُ بْنُ رُمْح،
أَخْبَرَنَ اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِى حَبيبٍ ، عَنْ أَبِى الْخَيرِ، عَنِ الصُّنَبِحِىِّ، عَنْ عُبَادَةَ بَّنِ
الصََّمت؛ أَنَّهُ قَالَ: إِنِّى لَّمِنَ النَّقَبَاَءَ الَّذِينَ بَآَيَعُوا رَسُولَ اللهِعَّيْهِ، وَقَالَ: بَآَيَعْنَهُ عَلَىَ
أنه قال فى الحديث الأول: ((فمن وفى منكم فأجره على الله))، ولم يقل : فالجنة ؛ لأنه
قد يعصى بغير هذه الذنوب ؛ كشرب الخمر ، وأكل الربا ، وشهادة الزور . وقال فى
الحديث الآخر: ((ولا ننتهب ولا نعصى)) فعم سائر المعاصى ، ولا شك أن من لا
يعصى أصلاً له الجنة .
قال القاضى : أكثر العلماء ذهبوا إلى أن الحدود كفارة أخذاً بهذا الحديث ، ومنهم من
وقفه بحديث أبى هريرة أنه عَّه قال: ((لا أدرى الحدود كفارة أم لا))(١)، لكن حديث
عبادة أصح إسناداً . ولا تعارض بين الحديثين ، فقد يمكن أن حديث أبى هريرة قبل حديث
عبادة؛ إذ لم يعلم أولاً حتى أعلمه الله تعالى أخيرا. واحتج من وقف بقوله: ﴿ ذَلِكَ لَهُمْ
خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (٢) . والآية مختلف فيها ، هل هى فى الكفارة
أو محاذير الإسلام ؟ فإن كانت فى الكفارة فلا حجة فيها ، وأيضا فيكون حديث عبادة
مخصصًا لعموم الآية ، أو مبينا ومفسراً لها .
وقوله: ((لا يَعضَه بعضنا بعضاً)): كذا رواية الجماعة، لمعناه تأويلات: أحدها :
لا يسخر . والعضيهة . والعضه : السخر ، والآخر النميمة ، وهى العضه والعضه أيضا
والآخر البهتان ، أى لا يقذفه ولا يُكذب عليه ، وينسب إليه ما ينقصه ويتأذى به .
والعضيهة : الإفك والبهتان ، يقال : عضه الرجل بالفتح ، وأعضه : إذا أفك . وعضهت
وأعضهت فلانا ، كذا جاء هذا الحرف فى رواية الجماعة وعند العذرى : (( ولا يعض بعضنا
(١) الهيثمى فى مجمع الزوائد ٢٦٨/٦، ك الحدود والديات، ب هل تكفر الحدود الذنوب أم لا؟ وقال: « رواه
البزار بإسنادين ، رجال أحدهما رجال الصحيح ، غير أحمد بن منصور الرمادى وهو ثقة)).
(٢) المائدة : ٣٣ .

٥٥١
کتاب الحدود / باب الحدود کفارات لأهلها
ألا نُشْرِكَ بالله شيئًا، وَلَا نَزْنِىَ، وَلَا نَسْرِقَ، وَلا نَقْتُلَ النَّفْسَ الَّتَى حَرَّمَ اللهُ إلا بالْحَقِّ،
وَلَا نَنْتَهَبَّ، وَلَا نَعْصِىَ. فَالْجَنَّةُ، إِنْ فَعَلْنَاَ ذَلِكَ، فَإِنْ غَشِناً مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، كَانَ
قَضَاءُ ذَلِكَ إِلَى اللهِ.
وَقَالَ ابْنُ رُمْحٍ : كَانَ قَضَاؤُهُ إِلَى الهِ.
بعضاً)) بغيرها على وزن يقض ، والأول أبين إلا أن يخرج على بعد من التأويل على قوله
تعالى: ﴿جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِين﴾ (١). أى سحراً، على ما فسره بذلك، وهو قول الفراء ،
وجعل العضه قد نقصت منها الأصل ، وألحقت علامة التأنيث ، فيخرج فعله على هذا
أيضاً - والله أعلم .
:
(١) الحجر : ٩١ .

٥٥٢
كتاب الحدود / باب جرح العجماء والمعدن والبئر جبار
(١١) باب جرح العجماء والمعدن والبئر جبار
٤٥ - (١٧١٠) حدّثْنا يَحْيَى بْنُ يَحْتَى وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْح، قاَلًا: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ.
ح وَحَدَّثَنَاَ قُتَيَّةُ بْنُ سَعيدٍ، حَدَّثَنَاَ لَيْثٌ، عَنِ ابْنِ شَهَابٍ، عَنْ سَعيد بْنِ الْمُسَيِّب
وَأَبِى سَلَمَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيِّرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ عَّهُ أَنَّهُ قَالَ: ((الْعَجْمَاءُ جَرْحُهَا جُبَارٌ،
وَلَبْرُ جُبَارٌ، وَالْمَغَِّنُ جُبَارٌ، وَفِى الرِّكَّازِ الْخُمْسُ)) .
( ... ) وحدّثْنَا يَحْبَى بْنُ يَحْتَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَزْهَيْرُ بْنُ حَرْب وَعَبْدُ
الأَعْلَى بْنُ حَمَّادِ ، كُلُّهُمْ عَنِ ابْنُ عُيَيْنَةَ. ح وَحَدَّثَنَاَ مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَاَ
إِسْحَقُ - يَعْنِى أَبْنَ عِيسَى - حَدَّثَنَ مَالِكٌ، كِلاهُمَاَ عَنِ الزُّهْرِىِّ. بِإِسْتَدِ اللَّيْثِ،
مثْلَ حَدیثه .
( .. ) وحدّثنى أَبُو الطَّاهر وَحَرْمَلَةُ، قالا: أَخْبَرَنَاَ ابْنُ وَهْب ، أَخْبَرَنِى يُونُسَ،
وقوله: (( العجماء جرحها جبار ، والبئر جبار، والمعدن جُبَار،وفى الركاز الخمس))،
قال الإمام : إنما جاء الشرع بتضمين المتلف لنفس غيره أو ماله مباشرة ، أو كان السبب فى
ذلك على شروط فى كونه سببا يطول استقصاؤها ، ومالم يباشره ولا كان سببا فيه فلا
يضمنه . هذا أصل الشريعة سوى ما استثنته من هذا ، من تضمين العاقلة ، وإذا لم تجن
ولا كانت سبب الجناية .
والدابة إذا أصابت إنساناً ففعلها غير منسوب لمالكها فلا ضمان عليه ، فإن كان راكبها
أو سائقها أو قائدها ضمن على الجملة على تفصيل فى ذلك ؛ لأن له فى فعلها مشاركة ؛
لإمكان أن يجذبها أحد هؤلاء عن طريق الإتلاف . وكذلك البئر/ إذا استأجره لحفرها
فانهارت عليه ، فلا ضمان على المستأجر . وكذلك المعدن الذى يعمل فيه ، والعلة ما
ذكرناه .
قال القاضى - رحمه الله -: العجماء : ما لا ينطق من الحيوان ، وهو مالا يعقل منه
من البهائم . وجرحها [ منايتها ] (١) كانت جرحاً أو غيره من إتلاف نفس أو مال ، فعبر
٤٩/أ
(١) بياض فى س ، وغير مفهومة من الأصل .

كتاب الحدود / باب جرح العجماء والمعدن والبئر جبار
٥٥٣
عَنِ ابْنِ شِهَبٍ ، عَنِ ابْنِ الْمُسَّبِ وَعُبَيْدِ اللهِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ
الله عَّ ، بمثله .
٤٦ - ( .. ) حدّثْنا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْح بْنِ الْمُهاجر، أَخْبَرَنَاَ اللَّيْثُ، عَنْ أَيُّوبَ بْن
مُوسَى ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبَى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ،
عَنْ رَسُولِ اللهِعَّهُ؛ أَنَّهُ قَالَ: ((الْبِثَرُ جَرْحُهَا جُبَارٌ، وَالْمَعْدَنُ جَرْحُهُ جُبَارٌ ،
وَالْعَجْمَاءُ جَرْحُهَا جُبَارٌ ، وَفِى الرِّكَازِ الْخُمْسُ)).
( .. ) وحدّثنا عَبّدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَلامِ الجُمَحِىُّ، حَدَّثَنَاَ الرَّبِعُ - يَعْنِى ابْنَ
مُسْلِم. ح وَحَدَّثَنَاَ عُبَيْدُ الله بْنُ مُعَاذْ، حَدَّثَنَاً أَبى. حَ وَحَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ
ابْنُ جُعْفَر، قاَلًا: حَدَّثَنَ شُعْبَةَ، كِلَاهُمَاَ عَنِ مَحَمَّدِ بْنِ زِياَدٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ
النَّبِىِّ ◌ََّ ، بِمِثْله .
٠
بالجرح عما عداه. فقوله: ((جرح العجماء جُبَارُ)) بين أن ما حكم له بهذا الحكم مالم
يكن فيه سبب لغير العجماء ؛ ولهذا اختص بإضافته إليها .
ولا خلاف بين العلماء فى جنايات البهائم نهاراً أنها هدر؛ إذا لم يكن لها سائق
ولا راكب . واختلفوا إذا كان معها أحدهما ، فجمهورهم أنهم ضامنون لما جنت الدابة
من أجلهم . وقال داود وأهل الظاهر : لاضمان من جرح العجماء على حال لا أن
يحملها سائقها أو قائدها أو راكبها على ذلك أو يقصده (١) . واختلفوا فيما أصابته
برجلها أو ذنبها ، فلم يضمن مالك والليث والأوزاعى صاحبها ، وضمنه الشافعى وابن
أبى ليلى وابن شبرمة (٢) . واختلفوا فيما فعلته الضارية ، فجمهورهم أنها كغيرها ومالك
وبعض أصحابه يضمنونه . واختلفوا فى رعيها ليلا ، فضمن مالك ذلك أصحاب المواشى،
وبه قال الشافعى ، ولم ير أبو حنيفة فى فعل البهائم ضمانا فى شىء فى ليل ولا نهار،
وجمهورهم على أنه لا يضمن ما رعت نهاراً . وقال الليث وسحنون : يضمن .
وقوله: (( والمعدن جبار)) وهو حيث يعمل فى المعادن لما يخرج منها فتصير فيها الغير،
أن يستأجر من يعمل فيها ، أو يجتمع القوم يعملون فيها ، وكذلك البئر تحفر . وقد
يكون - أيضاً - معنى البئر جبار : ما حفره الرجل فى ملكه وحيث يجوز له ، أو بئر
(١) انظر: الاستذكار ٢١١/٢٥ وما بعدها .
(٢) انظر : السابق .

٥٥٤
كتاب الحدود / باب جرح العجماء والمعدن والبئر جبار
يحفرها بفناء داره أو جانب داره للمطر ، أو للبئر خاصاً أو بالقيام لماشيته أو لسقيه
ومنفعته، مالم يجعل ذلك على طريق المسلمين وممرهم ، فيقع فى ذلك إنسان فيهلك ، كل
ذلك لا ضمان على فاعله . وكذلك المستأجر على حفرها ، بخلاف ما حفره فى ملك غيره
بغير إذنه ، أو على طريق المسلمين حيث لا يباح له ، أو فى ملكه ليهلك فيها إنسانا أو
سارقا . ففى هذا كله يضمن حافرها فى ماله ما دون ثلث الدية مما يصيب [ الدية مما
يصيب](١)، وما كان أكثر فعلى العاقلة ونحو هذا ، كله قول مالك ، ونحوه قول الشافعى.
وقال أبو حنيفة وأصحابه : هو ضامن فى هذا كله . وقال الليث : لا يضمن ما هلك فيما
حفر للسارق . وتفريقه بين المعادن فى الحديث ولو كان حجة للكافة فى أن لو كان دفن فى
الجاهلين ، وأن المعدن ليس بركاز ، خلافا لأبى حنيفة فى تسمية المعدن ركازاً.
قال الإمام : والركاز دفن الجاهلية ، وقد قدمنا فى كتاب الزكاة لم خصص بالخمس؟
وأشرنا إلى أن النقب كلما كثر خفف عن الإنسان أمر الصدقة ، ولهذا كان فى المعادن
الزكاة، إلا أن يكون يوجد فيها مثل البدرة فيخمس لعدم النقب فيها. و (( جبار )) معناه :
هدر . والركاز فى اللغة : أصله الثبات والدوام ، من قولهم : ركز الشىء فى الأرض : إذا
ثبت أصله . والكنز يركز فى الأرض كما يركز الرمح وغيره . وهو عند أهل الحجاز : المال
المدفون خاصة مما كنزه أهل الجاهلية . وعند أهل العراق : المعادن كلها فى كل محتمل فى
اللغة .
قال القاضى - رحمه الله - : مضى الركاز والمعادن فى الزكاة مما يغنى عن إعادته.
(١) هذا الكلام زائد فى الأصل ، وسقط من س.
.

٥٥٥
كتاب الأقضية / باب اليمين على المدعى عليه
بسم الله الرحمن الرحيم
٣٠ _ كتاب الأقضية
(١) باب اليمين على المدعى عليه
١ - (١٧١١) حدّثنى أَبُو الطَّاهر أَحْمَدُ بْن عَمْرِو بْنِ سَرْح، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْب،
عَنِ ابْنِ جُرِيْجٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِى مُلَكَةَ، عَنِ ابْنٍ عَّاسَ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ◌َّهُ قالَ: «لَوْ يُعْطّى
النَّاسُ بِدَعْوَهُمْ ، لَدَّعَى نَسٌ دِمَاءَ رِجَّالٍ وَأَمْوَلَهُمْ، وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَّى
عَلَيْهِ)).
كتاب الأقضية
قوله : ((لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم ، ولكن
اليمين على المدعى عليه))، قال القاضى : خرج البخارى (١) ومسلم هذا الحديث مسندا
مرفوعا عن ابن عباس، عن النبى معَّه. قال الأصيلى: لا يصح [ قوله ] (٢) ورفعه عن
النبى عَّ، إنما هو من قول ابن عباس. كذلك رواه أيوب ونافع الجمحى عن ابن أبى مليكة
عنه .
قال القاضى : قد خرجه الإمامان من رواية ابن جريج عن ابن أبى مليكة مرفوعا كما
تقدم .
قال الإمام : اليمين فى الشريعة على أقوى المتداعيين سببا . ولما كان الأصل عدم
الأفعال والمعاملات استصحبنا ذلك ، فكان القائل ما يطابق هذا الأصل هو المدعى عليه
فوجب تصديقه ، ولكن لم يقتصر الشرع على الثقة بهذا الأصل فى كثير من الدعاوى ،
حتى أضاف إليه يمين المدعى عليه المستمسك بهذا الأصل ؛ لتتأكد غلبة الظن بصدقه . وقد
نبه عمّ على وجه الحكم فى هذا فقال: ((لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال
وأموالهم)) ولا شك فى هذا . ولو جعل القول قول المدعى لاستبيحت الدماء والأموال، ولا
يمكن لأحد أن يصون دمه وماله ، وأما المدعون فيمكنهم صيانة أموالهم بالبينات ؛ فلهذا
استقر الحكم فى الشرع على ما هو عليه .
(١) البخارى، ك الشهادات، ب اليمين على المدعى عليه فى الأموال والحدود ٢٣٣/٣.
(٢) ساقطة من س .

٥٥٦
كتاب الأقضية / باب اليمين على المدعى عليه
٢ - ( ... ) وحدّثْنَا أَبُو بَكِرِ بْنُ أَبِى شَيِّبَةَ، حَدَّثَنَاَ مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، عَنْ نَفِعِ بْنِ
وقد يتعلق بهذا الحديث من يوجب اليمين على المدعى عليه من غير اعتبار خلطة ؛
أخذاً بعمومه وظاهره من غير تقييد بخلطه. ومذهب مالك فى مراعاتها لضرب من المصلحة؛
وذلك أنه أوجب لكل حد على كل أحد ، لا تبذل السفهاء العلماء والأفاضل بتحليفهم
مراراً كثيرة فى يومٍ واحدٍ ، فجعل مراعاة الخلطة حاجزا من ذلك .
وقد يتعلق بهذا الحديث من يرى ألا يقسم مع قول الميت : دمى مع فلان ؛ لأنه فيه
فى هذا الحديث على صيانة الدماء عن الانتهاء بالدعاوى ، وقد قدمنا الكلام على هذا فى
القسامة .
قال القاضى - رحمه الله - : حجة من راعى الخلطة مع المعنى الذى ذكره حديث
ضميرة عن على وزيد بن ثابت - رضى الله عنهما - أو زيادته فى هذا الحديث إذا كانت
بينهما مخالطة مع قضاء على بذلك ، وهو مذهب الفقهاء السبعة ، وأما سائر الفقهاء وأئمة
الأمصار قد ترك مراعاة الخلطة وإمضاء الحديث على ظاهره فى كل أحد ، وبه قال من
أصحابنا ابن نافع وابن لبابة وغيرهما .
ثم اختلف شيوخنا فى معنى الخلطة ، فقيل : معرفة المعاملة معه والمداينة بشاهد واحد
وبشاهدين ، وقيل : يجزئ فى ذلك الشبهة ، وقيل : الخلطة أن يكون للدعوى بينة أن
يدعى بها على المدعى عليه ، وقيل : أن يكون المدعى عليه يشبهه أن يعامل المدعى .
وأجمع العلماء على استحلاف المدعى عليه فى الأموال إما مطلقة أو بعد موجب الخلطة
أو الشبهة على ما تقدم . واختلفوا فى غير ذلك ، فذهب الشافعى وأحمد وأبو ثور إلى
وجوبها على كل مدعى عليه فى حد أو طلاق أو نكاح أو عتق؛ أخذاً بظاهر عموم الحديث،
فإن نكل حلف المدعى وثبتت دعواه . وقال أبو حنيفة وأصحابه : يحلف النكاح والطلاق
والعتق ، فإن نكل لزم النكاح والطلاق والعتق . وقال الشعبى والثورى وأبو حنيفة : لا
يستحلف فى الحدود إلا على السرقة . وقال نحوه مالك . وقال : لا يستحلف فى السرقة
إلا إذا كان/ متهما ، قالا : أن يقوم لمدعى الحدود والنكاح أو الطلاق أو العتق فشاهد
واحد ، فيستحلف حينئذ عند مالك المدعى عليه لقوة شبهة الدعوى (١) . واختلف قوله إذا
أنكل ، هل يحكم عليه بما ادعى عليه ويسجن ؟ أو حتى يطول سجنه ؟
١/٥٠
(١) انظر: الاستذكار ٢٢/ ٧٢ وما بعدها .
٠

٥٥٧
كتاب الأقضية / باب اليمين على المدعى عليه
عُمَرَ ، عَنِ ابْنِ أَبِى مُلَيْكَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِلَّهُ قَضَى بِالْيَمِينِ عَلَى
الْمُدَّعَى عَلَيْهِ .
وذكر مسلم فى الباب : نا ابن أبى شيبة ، نا محمد بن بشير ، عن نافع بن عمر عن
ابن أبي مليكة . كذا لجمهورهم ، وهو الصواب . وعند أبى جعفر وفى بعض النسخ
الماهانية : عن نافع عن ابن عمر ، وهو خطأ . وهذا نافع بن عمر بن جميل المكى ، قال
البخارى : سمع ابن أبى مليكة (١) ، وروى عنه يحيى القطان وأبو نعيم .
(١) البخارى فى التاريخ الكبير ٨٦/٨ (٢٢٧٩).

٥٥٨
كتاب الأقضية / باب القضاء باليمين والشاهد
(٢) باب القضاء باليمين والشاهد
٣ - (١٧١٢) وحدّثنا أَبُو بَكْر بْنُ أَّبِى شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْد الله بْن نُمَيْر، قالاً:
حَدَّثَنَا زَيْدٌ - وَهُوَ ابْنُ حُبَابٍ - حَدَّثَنِى سَيّفُ بنُ سُلَيْمَانَ، أَخْبَرَنِى قَيْسُ بْنُ سَعْد،
عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ لَّهُ قَضَى بِيَمِينِ وَشَاهد.
وقوله: ((إن رسول الله عَّ قضى بيمين وشاهد))، قال القاضى: هذه الرواية تبين
الرواية الأخرى ، وترفع احتمال التعسف ممن خالفنا فى قوله: (( قضى الشاهد باليمين مع
شاهد )) أن معناه: باليمين على المدعى عليه مع وجود الشاهد، أى لم تؤثر عنه مرة انفراده .
قال الإمام : اختلف الفقهاء فى قبول الشاهد الواحد فى بعض الحقوق والمطالب ،
فنفى بعضهم قبوله أصلا، ورأى أن قوله تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنٍ فَرَجُلٌّ وَامْرَ أَتَان﴾ (١)
يوجب الاقتصار على هذا المذكور فى القرآن ، وإذا جاء هذا الحديث بخلافه وسلم من القدح
فيه باحتمال لفظه ، وأن القضية لم تنقل صفتها _ فإن ذلك زيادة على النص ، والزيادة
على النص لا تكون نسخاً فى كل موضع ، والنسخ لا يكون بأخبار الآحاد . وأما نحن فإنا
نقبل الشاهد واليمين فى الأموال ، ونرى أن الزيادة على النص لا تكون نسخاً فى كل
موضع . وهذا من المواضع التى لا يكون فيها نسخ (٢) . ونظن أنا قدمنا بسط القول فى
الأصل ، وإذا ثبت قبول شهادة الشاهد الواحد فى الحال والمال ، فيقبل فى المال المحض من
غير خلاف عندنا . ولا يقبل فى النكاح والطلاق المحضين من غير خلاف . وإن كان
مضمون الشهادة ماليس بمال ولكنه يؤدى إلى مال ؛ كالشهادة بالوصية ، والنكاح بعد
الموت حتى لايطلب من ثبوته إلا المال إلى غير ذلك مما فى معناه ، ففى قبوله اختلاف ،
فمن راعى المال قبله كما يقبل فى المال ، ومن راعى الحال لم يقبله كما لا يقبله فى الطلاق
والعتاق .
قال القاضى : جاءت أثار كثيرة فى هذا الباب من رواية ابن عباس ، وجابر ، وعلى ،
وأبى هريرة ، وزيد بن ثابت ، وعمارة بن حزم ، وسعد بن عبادة ، والمغيرة بن شعبة ،
وعبد الله بن عمرو بن العاص ، ومسروق . قال أهل الحديث : وأصح ما فى الباب
حديث ابن عباس . قال أبو عمرو الحافظ : لا مطعن لأحد فى إسناده ، ولا خلاف بين
(١) البقرة : ٢٨٢ .
(٢) انظر: الحاوى ١٧ / ٦٨ .

٥٥٩
-
كتاب الأقضية / باب القضاء باليمين والشاهد
أهل المعرفة فى ثبوته ، وحديث أبى هريرة وجابر وغيرهما حسان ، وطرق هذه الأحاديث
كثيرة .
وبهذه الأحاديث أَخذَ معظم علماء المسلمين وأئمتهم من الصحابة والتابعين وفقهاء
الأمصار ، وبه قضى أبو بكر وعلى وعمر بن عبد العزيز ، وبه قال كافة فقهاء المدينة
والحجاز وبعض العراقيين وفقهاء أصحاب الحديث والظاهر أجمع . والحكم بهذا عندهم فى
الأموال خاصة . وذهب الكوفيون والأوزاعى والليث والحكم والشعبى إلى ترك الحكم به ،
وبه قال يحيى بن يحيى والأندلسيون من أصحابنا .

٥٦٠
كتاب الأقضية / باب الحكم بالظاهر واللحن بالحجة
(٣) باب الحكم بالظاهر واللحن بالحجة
٤ - (١٧١٣) حدّثْنَا يَحْيَى بْنُ يَحْبَى النَّميمىُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ هشَام
ابْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِى سَلَمَةً، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ
اللهِ عَّةٍ: ((إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلىَّ، وَلَّعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْض،
فَأَقَضِى لَهُ عَلَى نَحْوِ مِمَّا أَسْمَّعُ مِنْهُ، فَمَنْ قَطَعْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَلَا يَأْخُذْهٌ ،
فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ بِهِ قِطْعَّةً مِنَ النَّارِ)).
( .. ) وحدّثناه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ،
حَدَّثَنَ ابْنُ نُمَيْرٍ، كِلاهُمَا عَنَّ هِشَامٍ ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ.
٥ - ( .. ) وحدّثنى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْب، أَخْبَرَنِى
يُؤْنُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، أَخْبَرَنِى عُرْوَةُ بْنُ الزُّبْرِ عَنْ زَيْنَبَّ بِنْتِ أَبِى سَلَمَةَ، عَّنْ
٥٠ / ب
وقوله : (( إنكم تختصمون إلى ، ولعل بعضكم/ أن يكون ألحن بحجته من بعض ،
فأقضى له على نحوٍ مما أسمع منه ، فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه ، فإنما
أقطع له قطعة من النار )) . وفى الرواية الأخرى إنما أنا بشر.
قال الإمام : مذهبنا أن حكم الحاكم لا يحل الحرام ، وسواء الدماء والأموال
والفروج. وعند أبى حنيفة أنه يحل الحرام فى الفروج ، ووافقنا على الأموال ، وزعم أنه لو
شهد شاهدا زور على رجل بطلاق زوجته وحكم الحاكم بشهادتهما ، فإن فرجها يحل
لمتزوجها فمن يعلم أن باطن القضية باطل وقد شق عليه بأنه صان الأموال ولم ير استباحتها
بالأحكام الفاسدة فى الباطن ، ولم يصن الفروج عن ذلك ، والفروج أحق أن يحتاط لها
وتصان . وقد احتج أصحابنا عليه بعموم هذا الحديث (١) .
وقوله: (( ألحن بحجته من بعض)): أى أفطن لها ، ومنه قول عمر بن عبد العزيز :
عجبت لمن لاحن الناس كيف لا يعرف جوامع الكلم ؟ أى فاطنهم . وقال أبو الهيثم :
العنوان واللحن واحد ، وهما العلامة يشير بهما إلى الإنسان ليفطن فيهما لقوله : لحن لى
فلان ففطنت ، ويقال للذى يعرض ولا يصرح : قد جعل كذا لحاجته لحنا وعوانًا وعنوانًا .
(١) انظر: الاستذكار ٢٢/ ١٧.