Indexed OCR Text

Pages 461-480

٤٦١
كتاب القسامة / باب القسامة
( .. ) وحدّثْنَا حَسَنُ بْنُ عَلِىِّ الْحُلْوَانِىُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ
سَعْد - حَدَّثْنَا أَبِى، عَنْ صَالِحٍ: عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ؛ أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَسُلَيْمَانَ
ابْنَ يِّسَارِ أَخْرَاهُ عَنْ نَاسٍ مِنَ الأَنْصَارِ، عَنِ النَّبِىُّ ◌َةِ. بِمِثْلٍ حَدِيثِ ابْنِ جُرّجٍ .
على خلافه فى قوله آخراً: ((فوداه رسول الله عَّه من إبل الصدقة)) ولم ينبه على مخالفته
إياه فى تبدئة المدعى عليهم كما ذكرناه قبل من رواية البخارى فى هذا الحديث عن سعيد بن
عبيد . وظاهر قوله وسياق الحديث يوهم أنه بمثل ما تقدم من حديث يحيى فى تبدئة المدعين.

٤٦٢
كتاب القسامة / باب حكم المحاربين والمرتدين.
(٢) باب حكم المحاربين والمرتدين
٩ - (١٦٧١) وحدّثَنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى النَّمِيمِىُّ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، كلاهُمَا عَنْ
هُشَيْمِ - وَاللَّفْظُ لِيَحْبَى - قَالَ: أَخْبَرَنَا هُشَيِّمٌ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ وَحُمَيْدٍ، عَنْ
أَنَسِ بْنِ مَالِك؛ أَنَّ نَاسًا مِنْ عُرَيْنَةَ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ عَّهُ الْمَدِينَةَ فَاجْتَوَوْهَاَ. فَقَالَ
لَهُمْ رَسُولُ اللهِ عَهُ: (( إِنْ شِئْتُمْ أَنْ تَخْرُجُوا إلى إِبِلِ الصَّدَقَةَ فَتَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا
وَأَبْوَلِهَا))، فَفَعَلُو، فَصَحُّوا، ثُمَّ مَالُوا عَلَى الرُّعَةِ فَقَتَلُّوهُمْ، وَأَرْتَدُّوا عَنِ الإِسْلامِ،
وَسَاقُوا ذَوْدَ رَسُولِ اللهِعَّهِ. فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِىَّ ◌َةِ، فَبَعَثَ فِى أَثَرِهِمْ، فَأَنِىَ بِهِمْ، فَقَطَعَ
أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ، وَسَمَلَ أَعْيُهُمْ، وَتَرَكَهُمَ فِى الْحَرَّةِ حَتَّى مَاتُوا .
كتاب الحرابة
وقوله فى حديث العرنيين : من الذين قدموا المدينة فاستوخموها ، وسقمت أجسامهم
فأمرهم النبى معَّهُ بالخروج إلى إبل الصدقة ، وأنهم صحوا ، فمالوا على الرعاة قتلوهم ،
وارتدوا عن الإسلام، وساقوا ذود رسول الله عَّه فبعث النبى عمّة فى أثرهم فقطع أيديهم
وأرجلهم ، وسمل أعينهم ، وتُرِكوا فى الحره يُسْتَسْقُونَ فلا يسْقون ، وفى الحديث الآخر :
. (( حتى ماتوا))، قال الإمام - رحمه الله -: اختلف الناس فى المحاربين، وفى المراد بقوله -
سبحانه وتعالى -: ﴿ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (١). الآية ، فقال بعض
الناس : إنما نزلت فى / العرنيين . وقال بعضهم : فى المرتدين، وقال بعضهم : فى
الكفار إذا نقضوا العهد وحاربوا . وتعلق هؤلاء بأن المحاربة لله ورسوله لا تكون مع الإيمان.
وقال آخرون : فى المسلمين لقوله تعالى: ﴿ إِلَّ الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِم﴾ (٢)
والكافر إذا أسلم قبل منه إسلامه قبل القدرة عليه وبعدها .
٢٩
ومذهبنا أن الإمام يخير فى حد المحارب مالم يقتل ، فإن قَتَلَ فلابد من قتله ، فى
المشهور عندنا . ومذهب الشافعى أنها على الترتيب . فإن قتل ولم يأخذ مالاً قتل ، وإن
أخذ المال وقد [ قيل] (٣) قُتِلَ وصلب، وإن أخذ المال ولم يقتل قطع (٤) . والحبس
والنفى فيمن لم يبلغ جرمه إلى أن يستحق ذلك . واستدل أصحابه بأن تأثيره فى الضرر
(١) المائدة : ٣٣ .
(٢) المائدة : ٣٤ .
(٣) هكذا فى الأصل .
(٤) انظر: معرفة السنن والآثار ١٢ / ٤٣٧، والاستذكار ٢٤ / ٢٠٢ ومابعدها .

٤٦٣
كتاب القسامة / باب حكم المحاربين والمرتدين
١٠ - ( .. ) حدّثْنَا أَبُو جَعْفَر مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَاحِ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ - وَاللَّفْظُ
لأَبِى بَكْرٍ - قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ حَجَّاجِ بْنِ أَبِى عُثْمَانَ، حَدَّثَنِى أَبُو رَجَاءَ مَوْلَى أَبِى
قِلاَبَةَ، عَنْ أَبِى قِلابَةً، حَدَّثَنِى أَنَسٌّ؛ أَنَّ نَفَرًا مِنْ عُكْلٍ ثَمَانِيَةً، قَدِمُوا عَلَى رَسُولَ اللهِ عََّ،
فَبَايَعُوهُ عَلَى الإِسْلامِ، فَاسْتَوْخموا الأَرْضَ وَسَقُمَتْ أَجْسَامُهُمْ، فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَى رَسول
اللهِ عَّةُ. فَقَالَ: ((أَلا تَخْرُجُونَ مَعَ رَاعِينَا فِى إِبِلِهِ فَتُصِيبُونَ مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا؟)). فَقَالُوا:
بَلَى، فَخَرَجُوا فَشَرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا، فَصَحُوا، فَقَتَلُوا الرََّعِىَ وَطَرَدُوا الإِبلَ . فَبَلَغَ
ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ عَّةَ، فَبَعَثَ فِى آثَارِهِمْ، فَأُدْرِكُوا، فَجِىءَ بِهِمْ، فَأَمَرَ بِهِمْ فَقُطِعَتْ
أَيْدِهِمْ وَأَرْجُلُهُمَّ وَسُمِرَ أَغْنُهُمْ، ثُمَّنُبِذُوا فِى الشَّمْسِ حَتَّى مَانُوا .
وَقَالَ ابْنُ الصَّباحِ فِى رِوَتِهِ: وَطََّدُوا النَّعَمَ. وَقَالَ : وَسُمِّرَتْ أَعْيُهُمْ
.
يختلف . فلا يكون عقوبة الإجرام المختلفة متساوية .
واختلف الناس وأصحابنا فى المحاربة فى المصر ، هل حكمها حكم المحارب فى غير
المصر أم لا (١) ؟ . والمشهور عندنا وبه قال الشافعى : أنهما شيئان . وفرق بينهما بعض
أصحابنا وهو مذهب أبى حنيفة .
قال القاضى - رحمه الله - : ذهب أبو مصعب من أصحابنا إلى التخيير فيه وإن
قتل، وهو مذهب أبى حنيفة ، وحكى الماوردى عن مالك أنه يقتل [ ذا ] (٢) الرأى
والتدبير، ويقطع [ ذا ](٣) البطش والقوة، ويعذر ممن عداه ؛ قال: مرتبة على صفاتهم لاعلى
أفعالهم.
قال الإمام : اختلف الناس فى معنى هذا الحديث ، وفعل النبى عَّ لهؤلاء مافعل .
فقال بعض السلف : كان هذا قبل نزول الحدود وآية المحاربين والنهى عن المثلة ، فلما نزل
ذلك استقرت الحدود ونهى النبى معَّ﴾ عن المثلة ، هو منسوخ . وقيل : هو محكم غير
منسوخ ، وفيهم نزلت آية المحاربين .
وإنما فعل النبى - عليه السلام - فيهم مافعل؛ قصاصا؛ لأنهم فعلوا بالرعاة مثل ذلك،
وروى ذلك مسلم فى بعض حديثه ، وابن إسحاق وموسى بن عقبة ، وأهل السير ،
والترمذى (٤) ، ففى هذا مال مالك فى أنه يقتضى القاتل بمثل مافعل بالمقتول ، وقيل :
بل ذلك حكم من النبى ◌َُّ فيهم زائدا على حد الحرابة لعظم جرمهم ومحاربتهم ، وقتلهم
(١) انظر: المغنى ١٢ / ٤٧٤ .
(٤) ك الطهارة ، ب ماجاء فى بول مايؤكل لحمه برقم ( ٧٢ ) .
(٢، ٣) هكذا فى الأصل.

٤٦٤
كتاب القسامة / باب حكم المحاربين والمرتدين
١١ - ( .. ) وحدّثَنَا هَرُونُ بْنُ عَبْد الله، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْب، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ
زَيّدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِى رَجَاءِ مَوْلَى أَبِى قِلاَبَةَ ، قَالَ : قَالَ أَبُو قِلابَةً : حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ
مَالَكَ قَالَ: قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ عَّهُ قَوْمٌ مِنْ عُكْلٍ أَوْ عُرَيْنَةَ ، فَاجْتَوَوُا الْمَدِينَةَ ، فَأَمَرَ لَهَمْ
رَسُولُ اللهِعَّهُ بِقَاحِ، وَأَمَرَّهُمَّ أَنْ يَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَنِهَا. بِمَعْنَى حَدِيثِ حَجَّاجِ بْنِ
أبِى عُثْمَانَ .
قَالَ: وَسُمِرَتْ أَعْيُنُهُمْ، وَأُلْقُوا فِى الْحَرَّةِ يَسْتَسْقُونَ فَلا يُسْقَوْنَ .
١٢ - ( ... ) وحدّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتِى، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذ. ح وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ
عُثْمَانَ النَّوْفَلِىُّ ، حَدَّثْنَا أَزْهَرُ السَّمَّانُ قَالا: حَدَّثَنَا ابْنُ عُوْن، حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءَ، مَوَلَى أَبِى
قلابَةَ ، عَنْ أَبِى قلابَةَ ، قَالَ: كُنْتُ جَالسًا خَلْفَ عُمَرَ بْن عَبْد الْعَزِيزِ، فَقَالَّ لِلنَّاسِ : مَا
تَقُولُونَ فِى الْقَسَامَةِ؟ فَقَالَ عَنْبَسَةُ: قَدْ حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكَ كَذَا وَكَذَا. فَقُلْتُ : إِيََّىَ
حَدَّثَ أَسٌّ، قَدِمَ عَلَى النَّبِيَّ ◌َيْ قَوْمٌ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَخْوِ حَدِيثِ أُيُوبَ وَحَجَّاجٍ.
قَالَ أَبُو قلابَةَ: فَلَمَّا فَرَغْتُ، قَالَ عَنْبَسَةُ: سُبْحَانَ اللهِ؛ قَالَ أَبُو قلَابَةَ: فَقُلْتُ: أَنَّهِمُنِى يَا عَنْبَسَةُ؟
قَالَ: لا. هَكَذَا حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالك. لَنْ تَزَالُوا بِخَيْرِ ، يَاأَهْلَ الشَّامِ، مَادَامَ فِيكمْ هَذَا
أَوْمِثْلُ هَذَا .
الرعاة ، وتمثيلهم بهم ؛ وأن النهى عن المثلة نهى ندب لا تحريم .
وأما قوله: ((يستسقون فلا يسقون)): فليس فيه أن النبى
: أمر بذلك ، وقد
عَبـ
أجمع المسلمون أن من وجب عليه القتل فاستسقى لايُمنع الماء قصداً ، فيجمع عليه عذابان .
وقيل : إنما لم يسقوا معاقبةً لجنايتهم ، وكفرهم نعمة النبى ◌َّ لهم الألبان ، فعاقبهم الله
بذلك ؛ فلم يسقوا . وقيل : بل عاقبهم الله بذلك لإعطاشهم آل بيت النبى معَّه بأحد
لقاحهم ، ودعا النبى معَّ عليهم فى حديث رواه ابن وهب أنه قال: (( عطش الله من
عطش آل محمد الليلة)) (١) . فكان ترك الناس سقيهم إجابةً لدعائه وتنفيذاً لعقوبتهم .
وهذان وجهان حسنان لايبقى فيهما اعتراض ولا إشكال، لكن يبقى هنا اعتراض لقوله
فى الحديث: ((إنها إبل الصدقه))، وهو أن يقال: إن لقاح النبى عَّ﴾ كانت معهما ترعى،
فاكتسحوا الجميع. فيجمع بين الحديثين، ويدل عليه قوله فى الحديث الآخر: (( وساقوا ذود
(١) النسائى، ك تحريم الدماء، ب تأويل قول الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ [ المائدة:
٣٣]، ٩٩،٩٨/٧ برقم (٤٠٣٦).

٤٦٥
كتاب القسامة / باب حكم المحاربين والمرتدين
( ... ) وحدّثنا الحَّسَنُ بْنُ أَبِى شُعَيْب الْحَرَّانِىُّ، حَدَّثَنَا مِسْكِينٌ - وَهُوَ ابْنُ بُكَيْر
الْحَرَّانِىُّ - أَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِىُّ. ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِىُّ، أَخْبَرَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، عَنِ الأَوْزَاعِىِّ، عَنْ يَحْبَى بْنِ أَبِى كَثِيرٍ، عَنْ أَبِى قِلاَةَ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ
مَالِك ، قَالَ: قَدَمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ عَّ ثَمَانِيةُ نَفَر مِنْ عُكْلِ ، بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ . وَزَادَ فِى
الْحَدِيثِ : وَلَمْ يَحْسِمُهُمْ .
١٣ - ( .. ) وحدّثَنَا هَرُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا مَالكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ،
حَدَّثَنَا سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ مُعَاوِيَّةَ بْنِ قُرَّةَ ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: أَتَّى رَسُولَ اللهِ عَُّ نَفَرِّ مِنْ
عُرَيْنَةَ، فَأَسْلَمُوا وَبَيَعُوّهُ. وَقَدْ وَقَعَ بِالْمَّدِينَةَ الْمُومُ - وَهُوَ الْبِرْسَامُ، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِهِمْ.
وَزَادَ وَعِنْدِهِ شَبَابٌ مِنَ الأَنْصَارِ قَرِيبُ مِنْ عِشْرِينَ ، فَأَرْسَلَهُمْ إِلَيْهِمَ، وَبَعَثَ مَعَهُمْ قَائِقًا
يَقْتَصُّ أثَرَهُمْ.
١/٣٠
رسول الله عيد، فاجتووا المدينة))، فسروه فى الرواية الأخرى: ((فاستوخموها)) أى لم /
توافقهم كما قال: ((وسقمت أجسامهم )) .
قال الإمام - رحمه الله - : معناه : كرهوها لسقم أصابهم أخذا من الجوى وهو داء
فى الجوف
وقوله: ((سمر أعينهم)): روى ((سمر)) بالراء، ((وسمل)) باللام، فمعنى
سمرها : كحلها بمسامير محمية ، ومعنى سملها : فقأها بشوك أو غيره . قال أبو ذؤيب :
سملت بشرك فهى عور تدمع
والعين بعدهم كأن حداقها
قال القاضى - رحمه الله -: هما بمعنى واحد، الراء تبدل من اللام.
قال الإمام - رحمه الله -: واللقاح المذكور فى الحديث جمع لقحة، وهى الناقة ذات الدر.
وقوله: ((ولم يحسمهم)) قال أهل اللغة : الحسم : كى العرق بالنار ليقف الدم ،
ومنه الحديث: أتى بسارق فقال: (( اقطعوه ثم احسموه )) : أى اقطعوا عنه الدم بالكى .
قال الإمام - رحمه الله - وقوله: ((قد وقع بالمدينة الموم - وهو البرسام - )) ووقع
فى حواشى بعض النسخ من كتاب مسلم: (( الحم)) ورأيت لبعض الأطباء إذا حل هذه
التسمية فى لغة اليونانيين ، إذ السامر اسم للورم ، والبراسم المصدر ، والمراسم للرافعى ،
وشأنهم أبداً فى الإضافة عكس ماعند العرب ، من أنهم يقدمون المضاف إليه ، فيكون مثل
كلامهم أن يقولوا : زيد ثوب ، يريدون : ثوب زيد ، فكأنهم يقولون : إذا كان الورم فى

٤٦٦
كتاب القسامة / باب حكم المحاربين والمرتدين.
( ... ) حدّثْنَا هَدَّابُ بْنُ خَالد، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَس. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ
الْمُثَتِى، حَدَّثْنَا عَبْدُ الأَعْلَى، حَدَّثْنًا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسِ. وَفِى حَدِيثِ هَمَّامٍ: قَدِمَ
عَلَى النَّبِّ ◌َِّ رَهْطٌ مِنْ عُرَيَّنَةَ، وَفِى حَدِيثِ سَعِيدٍ: مِنْ عُكْلٍ وَعُرَةَ، بِتَحْوِ حَدِيثِهِمْ.
١٤ - ( ... ) وحدّثَنِى الْفَضْلُ بْنُ سَهْلِ الأَعْرَجُ، حَدَّثَنَا يَحْبَى بْنُ غَيْلانَ، حَدَّثْنَا يَزِيدُ
ابْنُ زُرَيِّعٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ النَّيْمِىِّ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ : إِنَّمَا سَمَلَ النَِّىُّ ◌َّه أَعْيُنَ أُولَئِكَ؛ لأَنَّهُمْ
سَمَلُوا أَعْيُنَ الرِّعَاءِ .
الرأس : رأس ورم ، وإذا كان فى الصدر قالوا : صدر ورم ، فيكون صيغة النطق لما فى
الرأس البرسام ، ولما فى الصدر البرسام ، وقَلَّ من رأيت من الأطباء يحقق الفرق بين هذه
الألفاظ ، ورأيت فى كتب بعضهم ربما كان البرسام عن الشىء يريدون : ربما كان ورم
الرأس عن ورم الصدر .
قال القاضى - رحمه الله -: فى هذا الحديث حجة أن المحارب لا يحسم لأنه ممن خير
فى حده بالقتل ، لكن إن حسم نفسه يمنع . وأما السارق فيحسم عندنا ؛ لأن حده القطع
فقط ، فيبادر بحسمه لئلا ينزف دمه فيموت، وهو مذهب الشافعى وأبى ثور (١) وغيرهما .
وقوله : ((يتشربوا من ألبانها وأبوالها )): دليل على طهارة أبوال الإبل ، وحجة
للمالكية فى طهارة بول مايؤكل لحمه ، واحتج به من يرى نجاستها بجواز التداوى بالمحرمات
للضرورة .
وقوله: بعث معهم قائفا: ((القائف)): مميز الآثار ومتتبعها . وفى بعض أسانيده :
نا الحسن بن أبى شعيب الحرانى ، نا مسكين ــ وهو ابن بكير الحرانى - نا الأوزاعى . كذا
عند أكثر شيوخنا ، وكان عند القاضى الشهيد عن العذرى : نا مسكين - وهو ابن بكير -
قال لنا، وهو خطأ . وقال البخارى : مسكين بن بكير (٢) ، وكذلك ذكره فى التاريخ ،
والصحيح هو المعروف المحفوظ . وكذا ذكره أبو حاتم والحاكم وغيرهم .
(١) انظر: الاستذكار ٢٤ / ٢٠٦، المغنى ١٢ / ٤٨١.
(٢) مسكين بن بكير أبو عبدالرحمن الحذاء ، روى عن سعيد بن عبد العزيز وجعفر بن بركان والأوزاعى
ومالك وغيرهم ، وعنه أحمد بن حنبل والنفيلى والمغيرة بن عبد الرحمن الحرانى وغيرهم ، قال أحمد :
لا بأس به ولكن فى حديثه خطأ ، قال ابن معين : لا بأس به وذكره ابن حبان فى الثقات ، وقال : مات
سنة ثمان وتسعين ومائة . التهذيب ١٠ / ١٢٠، ١٢١ .

٤٦٧
-
كتاب القسامة / باب ثبوت القصاص فى القتل بالحجر وغيره ... إلخ
(٣) باب ثبوت القصاص فى القتل بالحجر وغيره من
المحددات والمثقلات ، وقتل الرجل بالمرأة
١٥ - (١٦٧٢) حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ الْمُثَتِى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّار - وَاللَّفْظُ لابْنِ الْمُثَنّى -
قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيّدٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ؛ أَنَّ
يَهُودِيًّا قَتَلَ جَارِيَةً عَلَى أَوْضَاحِ لَهَا، فَقَتَلَهَا بِحَجَرِ. قَالَ: فَجِىءَ بِهَا إِلَى النَّبِىِّ عَّهُ وَبَهَا
رَمَّقٌ . فَقَالَ لَهَا : (( أَقْتَلَكَ فُلانٌّ؟ )) فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهًا؛ أَنْ لا، ثُمَّ قَالَ لَهَاَ الثَّانِيَةَ ، فَأَشَارَتْ
برَأْسِهَا؛ أَنْ لا، ثُمَّ سَأَلَهَا الثّالثَةَ. فَقَالَتْ: نَعَمْ، وَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا. فَقَتَلَهُ رَسُولُ اللهِعَّهُ
بیْنَ حَجَرینِ .
( .. ) وحدّثَنِ يَحْتَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِىُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ - يَعْنِى ابْنَ الْحَارِثِ. ح
وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيس، كلاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ، بِهَذَا الإِسْنَاد ، نَحْوَهُ . وَفِى
حَدِيثِ ابْنِ إِدْرِيسَ : فَرَضَخَ رَأْسَهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ .
وقوله: ((إن يهوديا قتل جارية على أوضاح لها بحجر))، وفى رواية أخرى: ((على
حملها وإلقائها فى قليب ورضخ رأسها بالحجارة)) قال: فجيء بها النبى معَّه وبها رمق،
فسألها النبى معَّ: ((أقتلك فلان؟)) وفى الحديث الآخر: ((من صنع بك ؟فلان ؟ فلان ؟
حتى ذكروا يهوديا فأومت برأسها فأُخذ اليهودى فأقر، فأمر النبى عَّه أن يُرِضَّ رأسه
بالحجارة، وفى الرواية الأخرى: (( فأشارت برأسها أن لا ، ثم أشارت فى الثالثة برأسها أن
نعم، فقتله النبى ◌َّه بين حجرين))، وفى بعض طرقه: ((فرضخ رأسه بين حجرين)) وفى
بعض طرقه: ((فأمر به أن يرجم حتى يموت))، قال الإمام - رحمه الله -: هذا الحديث
فيه الرد على من أنكر القصاص بغير الحديدة ، وفيه دلالة على قتل الرجل بالمرأة / ، خلافا.
لمن شذ فقال: لا يقتل الرجل بالمرأة .[ وفيه دلالة على التَّوْفِيَة بقول المقتول] (١)، هكذا
استدل به بعضهم ، وإنما قتله النبى معَّه لأنه أقر . هكذا ذكره مسلم فى بعض طرقه:
((فأخذ اليهودى فأقر)). وأما رجمه بالحجارة فلعله رأى رسول الله عَّه أنه لما قتل بالحجارة
وجب قتله بها ، ورأى أن رجمه بها جهة الرأس : رضخ ، وقد بين فى بعض طرقه أن
الجارية من الأنصار .
٣٠ / ب
(١) سقط من ع .

٤٦٨
كتاب القسامة / باب ثبوت القصاص فى القتل بالحجر وغيره ... إلخ.
١٦ - ( ... ) حدّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْد، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ أَيُوبَ،
عَنْ أَبِى قِلاَبَةَ، عَنْ أَنَس ؛ أَنَّ رَجُلًا مِنَّ الْيَهُودِ قَتَلَ جَارِيَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ عَلَى حُلِىٌّ لَهَا ، ثُمَّ
أَلْقَاهَا فِى الْقَلِيبِ، وَرَضَخَ رَأْسَهَا بِالْحِجَارَةِ، فَأُخِذَ فَأَتِىَ بِهِ رَسُولُ اللهِ عَّهِ ، فَأَمَرَ بِهِ أَنْ
يُرْجَمَ حَتَّى يَمُوتَ، فَرُجِمَ حَتَّى مَاتَ .
قال القاضى - رحمه الله -: وذكر أبو عبد الله بن المرابط فى شرحه: أن هذا كان
الحكم فى أول الإسلام ؛ قبول قول القتيل ، وأن هذا معنى هذا الحديث . وماجاء من
اعترافه فى هذا الحديث فإنما جاز رواية قتادة ولم يقله غيره ، وهو مما عد عليه ورضخه بین
حجرين ، ورضه بالحجارة ، ورجمه بالحجارة ، كله بمعنى ، فإن رميه بالحجر الأعلى أو
الحجارة وراءه على آخرين رجم بالحجارة ، وقد يكون رجمه نوعا مما فعل بها لما جاء فى
الحديث الآخر: ((ألقاها فى قليب ورضخ رأسها بالحجارة ))، وهذا رجم لا شك فيه .
وقد اختلف الناس فى القصاص بغير المحدد من السيف والرمح والسكين وغيره ،
فذهب جمهور العلماء إلى أن القاتل يقتل بمثل ماقتل به من حجر أو عصى ، ولا تفريق أو
اختلاف لهذا الحديث وغيره، ولقوله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلٍ مَا عُوقِبْتُم بِهِ﴾ الآية (١)،
وقوله: ﴿ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلٍ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ ﴾ الآية (٢) .
واختلف هؤلاء فى القصاص بالتحريق بالنَّار لمن فعل ذلك بأحد ، فقال مالك
والشافعى : إنْ طرحه فى النار حتى مات فُعل به كما فعل ، وقال ابن الماجشون وغيره :
لايحرق بالنار ويقتل بغير ذلك للحديث: ((لايعذب بالنار إلا الله)) (٣).
ثم اختلفوا إذا لم يمت من ضربه بالعصى أو بحجر فى القود ، فمعظمهم يرى تكرير
ذلك عليه حتى يموت ، وهو قول مالك والشافعى (٤) ، إلا أن مالكا قال فى روايته : إلا
أن يكون فى ضرب العصى تطويل وتعذيب فيقتل بالسيف ، وكذلك قال عبد الملك فى
الرجم بالحجارة . وأصل هذا المذهب القود بما قتل . وقال الشافعى نحوه فى المحبوس فى
البيت أياماً دون طعام حتى مات ، يفعل بقاتله مثل ذلك وإن لم يمت فى تلك الأيام ،
فقيل : وكذلك من قطع يدى رجل ورجليه وألقاه فى مهواة فمات ، يفعل بقاتله مثله . فإذا
لم يمت قتل بالسيف (٥) . وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن لا قصاص إلا بالسيف وروى
عن الشعبى والنخعى والحسن، واحتجوا بحديث: (( لاقود إلا بحديدة)) وبالنهى عن
المثلة(٦)، وحملوا حديث: ((لاقود إلا بحديدة)) فيمن لم يمثل وقتل بحديدة (٧).
(١) النحل : ١٢٦ .
(٢) البقرة : ١٩٤ .
(٣) أبو داود، ك الجهاد، ب كراهية حرق العدو بالنار ٢/ ٥٠ بلفظ: ((إلا رب النار))، الدارمى ٢٢٢/٢.
(٥) انظر: الاستذكار ٢٤٦/٢٥، ٢٤٧.
(٤) انظر: المغنى ١١ / ٤٤٧ .
(٦) انظر: المصدر السابق ٢٤٧/٢٥ .
(٧) انظر : المصدر السابق.

٤٦٩
كتاب القسامة / باب ثبوت القصاص فى القتل بالحجر وغيره ... إلخ
( ... ) وحدّثَنِى إِسْحَقُ بْنُ مَنْصُور، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ،
أَخْبَرَنِى مَعْمَرٌ عَنْ أَبُّوبَ ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ.
١٧ - ( .. ) وحدّثْنَا هَدَّابُ بْنُ خَالد، حَدَّثَنَا هَمَّامٍ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِك؛
أَنَّ جَارِيَةٍ وُجدَ رَأْسُهَا قَدْ رُضَّ بَيْنَ حَجَرَيْنِ. فَسَأَلُوهَا: مَنْ صَنَعَ هَذَا بِك؟ فُلانٌ؟ فُلانًّ؟
حَتَّى ذَكَرُوا يَهُودِيا، فَأَوْمَتْ بِرَأْسِهَا، فَأَخِذِ الْيَهُودِىُّ فَأَقَرِ فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اله ◌َُّ أَنْ يُرَضَّ
رأسُهُ بِالْحِجَارَةِ .
وفى هذا الحديث - أيضا - لاحجة على وجوب القصاص على القاتل بكل مايقتل مثله؛
كساقىّ السم ، والخانق ، ورامى الرجل من الجبل أو فى البئر ، أو الضارب بالخشبة
والعصى ، وتغريقه فى الماء . وعلى هذا جمهور العلماء . وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا
قصاص على القاتل بمثل هذا إلا فيمن قتل بمجرد من حديد ، أو بحجر محدد ، أو خشب
أو هو مجرد . فيقتل الناس بالخنق . قد خنق غير واحد والإلقاء فى النار ، واختلف عنه
بها بمثقل الحديد كالدبابيس والعمد .
١/٣١
واختلفوا إذا قتل مالم تجر العادة بالقتل به قاصدا القتل كالعصى، واللطمة ، والسوط،
والبندقة، / والقضيب . فعند مالك : القود من هذا آكد ، وعند غيره : أنه شبه العمد
لاقود فيه ، وإنما فيه الدية مغلظة ، ومالك لا يقول بشبه العمد فى هذا إنما هو عمد أومنها .
وبقول مالك قال الليث . قال أشهب : وإن يختلف فى المجازاة فى هذا . قال أبو عمر :
ولم يوافق مالكا - يعنى من علماء الأنصار - عليه إلا الليث ، وقد قال بقولهما جماعة من
السلف من الصحابة والتابعين . وذهب جمهور فقهاء الأنصار إلى أن هذا كان شبه العمد
إنما فيه الدية مغلظة ، وهو قول سفيان الثورى وأبى حنيفة والشافعى وأحمد وإسحق وأبى
ثور ، وقد ذكر عن مالك ، وقاله ابن وهب من أصحابنا ، وروى عن جماعة من الصحابة
والتابعين (١) ، وإن اختلفوا في أسنان الإبل فى المغلظة ، وفيما كان شبه العمد من القتل
بغير المحدد على مامضى بعضه . وفيه حجة على أن الإشارة البينة والإيماء يقوم مقام النطق
والتصريح .
قال الإمام - رحمه الله -: وقوله: ((على أوضاح)): هى حلى الفضة، قاله
أبو عبيد، وقد ذكر فى الحديث الآخر مكانه: ((الحلى)).
قال القاضى - رحمه الله -: قيل: الأوضاح جمع وضح ، وهى حلى من حجارة
والرمق بقية الروح .
(١) انظر: الاستذكار ٢٥ /٢٤٨، ٢٤٩.

٤٧٠
كتاب القسامة / باب الصائل على نفس الإنسان ... إلخ
(٤) باب الصائل على نفس الإنسان أو عضوه، إذا دفعه المصول
عليه فأتلف نفسه أو عضوه لاضمان عليه
١٨ - (١٦٧٣) حدّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتِى وَابْنُ بَشَّارِ، قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَر،
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ، عَنْ عُمْرَانَ بْنِ حُصِّيْنِ، قَالَ : قَاتَلَ يَعْلَى بْنُ مُّنْيَةً أَو
ابْنُ أُمَيَّةَ رَجُلًا، فَعَضَّ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ ، فَانْتَزَعَ يَدَهُ مِنْ فَمِهِ ، فَزَعَ ثَنَّتْهُ - وَقَالَ ابْنُ
الْمُثَنَّى: ثَنَّهِ - فَاخْتَصَمَا إِلَى النَّبِىِّ ◌َهُ. فَقَالَ: ((أَيَعَضُّ أَحَدُكُمْ كَمَا يَعَضُّ الْفَحْلُ؟
لاديَةً لَهُ)) .
( ... ) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتِى وَابْنُ بَشَّار، قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَر، حَدَّثَنَا
شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عَطَاءِ، عَنِ ابْنِ يَعْلَى، عَنْ يَعْلَى، عَنِ النَّبِىِّ ◌َّهِ . بِمِثْله.
٠٠
وقوله : قاتل يعلى بن منية أو ابن أمية رجلا فعض أحدهما يد صاحبه - الحديث :
كذا قال هذا ، وذكر فى الرواية الأخرى : أن أجيراً ليعلى بن أمية عض رجل ذراعه .
وهذا هو المعروف أنه الأجير يعلى لا ليعلى .
وقوله : يعلى ابن منية أو أمية : منية بسكون النون وبعدها ياء باثنتين تحتها ، هو
يعلى بن أمية اسم أبيه، وأمه منية أو جدته . قال أبو الحسن الدارقطنى : منية بنت الحارث
هى جدة يعلى بن أمية أم أبيه ، وبها يعرف ، قاله الزبير بن بكار وأهل الحديث يقولون :
إنها أمه ، وإنها منية بنت غزوان . يعلى بن أمية أمه منية بنت جابر .
قال القاضى - رحمه الله - : بعض أصحاب الحديث يقولون ابن منبه بفتح النون
وباء بواحدة ، وهو تصحيف وقرأت بخط أبى على الجيانى : كان ابن وضاح يقول : أمه
منبه وأبوه منية ، قال : ووهم فى اسم الأب وإنما هو أمية .
وقوله : انتزع يده من فمه فنزع ثنيته، فقال - عليه السلام -: ((لادية له))، وفى
الرواية الآخرى: ((فأبطله))، وفى الأخرى: ((فأهدر ثنيته))، وقال: ((أردت أن تأكل
لحمه))؟، وفى الرواية الآخرى: ((تأمرنى أن آمره أن يدع يده فى فيك تقضمها كما يقضم
الفحل ؟ ادفع يدك حتى بعضها ثم انتزعها )) ليس معنى هذا الأمر : يدفع يده ليعضها ،
وإنما هو بمعنى الإنكار عليه ، أى أنك لاتدع يدك فى فيه بعضها فكيف تنكر عليه أن ينتزع
يده من فيك وتطلبه به حتى بِجَذْبِه لذلك .

٤٧١
كتاب القسامة / باب الصائل على نفس الإنسان ... إلخ
١٩ - ( .. ) حدّثَنِى أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِىُّ، حَدَّثْنَا مُعاذٌ - يَعْنِى ابْنَ هشَام - حَدَّثَنِى
أَبِى عَنْ فَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ؛ أَنَّ رَجُلًا عَضَّ ذِرَاعَ رَجُلٍ :
فَجَذَبَهُ فَسَقَطَتْ ثَنَّهُ، فَرُفِعَ إِلَى النَِّىِّ ◌ََّ فَأَبْطَلَهُ. وَقَالَ: ((أَرَدْتَ أَنْ تَأْكُلَ لَحْمُهُ؟)).
٢٠ _ (١٦٧٤) حدّثّنى أُبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِىُّ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ ، حَدَّثَنِى أَبِی،
عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ بُدَيّلِ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبَّى رَبَاحِ ، عَنْ صَفْوَنَ بْنِ يَعْلَى ؛ أَنَّ أَجِيرًاً لِيَعْلَى بْنِ
مُنْيَةَ ، عَضَّ رَجُلٌ ذَرَاعَهُ، فَجَذَبَهَا فَسَقَطَتْ ثَنِيَتُهُ، فَرُفِعَ إِلَى النَّبِىِّ ◌َّهِ فَأَبْطَلَهَا. وَقَالَ:
(( أَرَدْتُ أَنْ تَقْضَمَهَا كَمَا يَقْضَمُ الْفَحْلُ؟)) .
قال الإمام - رحمه الله - اختلف الناس فى المعضوض إذا جذب يده فسقطت أسنان
العاض ، فالمشهور عندنا أنه ضامن ، وقال بعض أصحابنا : لاضمان عليه . وبالتضمن
قال الشافعى ، وبإسقاطه قال أبو حنيفة . وقال بعض المحققين من شيوخنا : إنما ضمَّن من
ضمَّن من أصحابنا لأنه يمكن النزع بالرفق حتى لايقلع أسنان العاض ، فإذا زاد على ذلك
صار متعديا فى الزيادة فضمَّن ، وحملوا الحديث على من لم يمكنه النزع إلا بذلك الذى
أدى إلى سقوط الأسنان . وقال بعضهم: لعل أسنانه كانت متحركة فسقطت عقب النزع ،
وهذا التأويل بعيد عن ظاهر / الحديث .
٣١/ ب
وكذلك اختلف الناس - أيضا - فى الجمل إذا صال على رجل فدافع عن نفسه فقتله ،
هل يضمَّن أم لا ؟ وبنفى التضمين قلنا نحن والشافعى ، وبإثباته قال أبو حنيفة، والحجة
لنفى التضمين أنه مأمور بالدفع عن نفسه ، ومن فعل ماأمر به لم يكن متعديا ، ومن ليس
متعديا فلا يضمن فى مثل هذا ، وقياساً عليها لو قتل عبداً فى مدافعته إياه عن نفسه . ومن
أثبت الضمان رأى أنه أحيا نفسه بإتلاف مال غيره فأشبه من اضطر لطعام غيره فأكل منه
خوف الموت فإنه يضمن .
والفرق عندنا بين السؤالين : أن الأكل لطعام غيره ابتدأه من قبل نفسه ولاجناية من
رب الطعام ولا من الطعام عليه ، فلهذا ضمن . وفى الجمل لم تكن البداية منه بل سبب
الجناية عليه ، فلهذا لم يضمن . وأيضا فإن الطعام ينوب غيره منابه فى إحياء نفسه ، فكأن
الضرورة فيه لاتحقق ، فصار كأكل اختيارا . ولا مندوحة له فى الجمل ، ولاتتفق مدافعة
غير ذلك الجمل فلا تنجيه فتحققت الضرورة ، فهذان فرقان بينهما .
ومن هذا المعنى سؤال ثالث وهو : لو رمى إنسان أحدا نظر إليه فى بيته فأصاب عينه،
فاختلف أصحابنا - أيضا - فى ذلك، فالأكثر منهم على إثبات الضمان، والأقل منهم على
نفى الضمان. وبالأول قال أبو حنيفة، وبالثانى قال الشافعى، فأما نفى الضمان فلقوله عليه:

٤٧١
كتاب القسامة / باب الصائل على نفس الإنسان ... إلخ
٢١ _ (١٦٧٣) حدّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِىُّ، حَدَّثَنَا قُرَيْشُ بْنُ أَنَسِ ، عَنِ ابْنِ
عَوْن، عَنْ مُحَمَّد بْنِ سِيرِينَ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ؛ أَنَّ رَجُلا عَضَّ يَدَ رَجُلٌ، فَانْتَزَعَ
يَدَهُ فَسَقَطَتْ ثَنَُّهُ أَوْ ثَتَايَاهُ، فَاسْتَعْدَى رَسُولَ اللهِلَّهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِعَّةٍ: (( مَّا تَأْمُرُنِى؟
تَأْمُنِّى أَنْ آمُرَهُ أَنْ يَدَعَ يَدَهُ فِى فِكَ تَقْضَمُهَا كَمَا يَقْضَمُ الْفَحْلُ؟ ادْفَعْ بَدَكَ حَتَّى يَعَضَّهَا
ثُمَّ انْزِعْهَا)) .
٢٢ - (١٦٧٤) حدّثنا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثْنَا هَمَّامٍ، حَدَّثْنَا عَطَاءٌ، عَنْ صَفْوَانَ بْن
يَعْلَى بْنِ مُنْيَةَ، عَنْ أَبِيهِ. قَالَ: أَتَى النَّبِىَّ ◌َّهِ رَجُلٌ ، وَقَدْ عَضَّ يَدَ رَجُل ، فَانْتَزَعَ يَدَهُ
فَسَقَطَتْ ثَنِيَّاهُ - يَعْنِى الَّذِى عَضَّهُ - قَالَ: فَأَبْطَلَهَا النَّبِىُّ ◌َُّ. وَقَالَ: «أَرَدَّتَ أَنْ تَقْضَمَهُ
كَمَا يَقْضَمُ الْفَحْلُ ؟ ».
٢٣ _ ( ... ) حدّثَنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ،
أَخْبَرَنَى عَطَاءٌ. أَخْبَرَنِى صَفْوَانِ بْنُ يَعْلَى بْنِ أَمَّةَ عَنْ أَبِيِهِ ، قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ النَّبِىِّ :
غَزْوَةَ تَبُوكَ . قَالَ: وَكَانَ يَعْلَى يَقُولُ: تلْكَ الْغَزْوَةُ أَوْثَقُ عَمَلَى عِنْدِى. فَقَالَ عَطَاءٌ : قَالَ
صَفْوَان: قَالَ يَعْلَى: كَانَ لِى أَجِيرٌ، فَقَاتَلَ إِنْسَانًا فَعَضَّ أَحَدُهُمَا يَدَ الآخَرَ - قَالَ : لَقَدْ
أَخْبَرَنَى صَفْوَانُ أَيُّهُمَا عَضَّ الآخَرَ - فَانْتَزِعَّ الْمَعْضُوضُ يَدَهُ مِنْ فِى الْعَاضِّ، فَانْتَزَعَ
إِحْدَى ثَنْتَّهِ ، فَأَتَيَا النَّبِىِّ ◌ٌَّ، فَأَهْدَرَ ثَنْتُهُ.
١
(( لو أن امرأ اطّلع عليك بغير إذن، فحذفته بحصاة ففقأت عينه، لم يكن عليك جناح)) (١).
وأما إثبات الضمان ، فلأنه لو نظر إنسان إلى عورة إنسان آخر بغير إذنه لم يستبح بذلك
فقأ عينه، فالنظر إلى الإنسان فى بيته لولا ألا يستباح به ذلك، ومجمل الحديث عندهم على
أنه رماه ؛ لينبههم على أنه فطن له ليدفعه عن ذلك غير قاصد بفقء عينه فانفقأت عينه
خطأ ، فالجناح منتفٍ ، وهو الذى نفى فى الحديث. وأما الدية فلا ذكر لها.
قال القاضى - رحمه الله -: هذا الباب مما تتبعه الدارقطنى(٢) على مسلم فذكر أولا
غير مسلم حديث شعبة عن قتادة ، عن زرارة ، عن عمران بن حصين ، قال : قاتل يعلى.
وذكر مثله عن محمد بن هشام ، عن أبيه ، عن قتادة ، ثم ذكر وجها آخر عن شعبة ، عن
قتادة ، عن عطاء ، عن ابن يعلى، عن يعلى. وحديث همام عن عطاء عن ابن يعلى ، عن
(١) البخارى، ك الديات، ب من اطلع فى بيت قوم ففقؤوا عينه فلا دية ١٣/٩، وأحمد ٢٤٣/٢.
(٢) الإلزامات والتتبع ص ١٧٦ ، ١٧٧

كتاب القسامة / باب الصائل على نفس الإنسان ... إلخ
٤٧٣
( ... ) وحدّثناه عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ
جُرَيَجٍ ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ.
يعلى ، وحديث ابن جريج عن عطاء ، عن ابن يعلى ، عن يعلى . ثم ذكر حديث معاذ
ابن هشام عن أبيه ، عن قتادة ، عن ابن يعلى ، عن عطاء ، عن صفوان بن يعلى ، وهذا
اختلاف على عطاء . ذكر - أيضا - حديث قريش بن أنس ، عن ابن عوف بن سيرين ،
عن عمران . قال الدارقطنى : انفرد به قريش عن ابن عوف بن سيرين ، ولم يذكر فيه
سماعاً منه ولامن ابن سيرين من عمران ولم يخرج البخارى لابن سيرين عن عمران شيئا.
.

٤٧٤
كتاب القسامة / باب إثبات القصاص فى الأسنان ومافى معناها
(٥) باب إثبات القصاص فى الأسنان ومافی معناها
٢٤ _ (١٦٧٥) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّنُ بْنُ مُسْلِم، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ،
أَخْبَرَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسِ ؛ أَنَّ أُخْتَ الرَّبَيِّع - أُمَّ حَارِثَةَ - جَرَحَتْ إِنْسَانًا، فَاخْتَصَمُوا إِلَى
النّبِىِ عَُّ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ: ((الْقِصَاصَ، الْقِصَاصَ)). فَقَالَتْ أُمُّ الرَّبِيعِ: يَارَسُولَ
اللهَ، أَيُقْتَصُّ مِنْ فُلاَةَ؟ وَْهِ، لايُفْتَصُّ مِنْهَا. فَقَالَ النَّبِىُّ ◌َّهُ: ((سُبْحَانَ الله؛ يَأُمَّالرَّبِعِ،
الْقِصَاصُ كِتَابُ الله )). قَالَتْ: لا. وَلله، لايُقْتَصُّ مِنْهَا أَبَدًا. قَالَ: فَمَا زَالَتْ حَتَّى قَبَلُوا
الدِّيَّةَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِلَّهُ: ((إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللهِ مَنْ لُوْ أَقْسَمَ عَلَى الله لأَبَرَّهُ)) .
وقوله: (( إن أخت الربيع تقضمها كما يقضم الفحل)) : أى بعضها . والقضم
بأطراف الأسنان ، والأفصح الكسر فى الماضى والفتح فى المستقبل .
٣٢/أ
الخ: ((القصاص
وقوله : ((إن أخت الربيع أم حارثة جرحت إنسانا )» ، وقول النبى
القصاص كتاب الله القصاص))، وقوله: ((أم الربيع لايقتص منها)): / المعروف أن
الربيع هى صاحبة هذه القصة ، وكذا جاء الحديث فى البخارى من الروايات الصحيحة أنها
الربيع ابنة النضر وأخت أنس بن النضر (١). وكذا فى المصنفات (٢) وهو الصحيح ، رواه
القابس مثل رواية مسلم أو فى كتاب الديات ، وضرب الأصيلى على قوله: (( أخت )) ،
وجاء مفسراً فى غير الأم عند البخارى وغيره ، وبيّن جرمها ؛ أنها لطمت جارية فكسرت
ثنيتها . احتج بهذا الحديث من يرى القصاص بين الرجال والنساء فيما دون النفس .
واتفقوا على القود بينهما فى النفس ، حاشى الحسن وعطاء فلم يريا القود بينهما فى نفس
ولاغيره لظاهر قوله: ﴿ وَالأُنثَى بِالأُنثَى﴾(٣) وتأويل الجماعة أنَّ الآية منسوخة بقوله: ﴿النّفْسَ
بِالنَّفْس﴾ (٤) مفسرة بها . ومخصوصة فيما كانت الجاهلية تفرق بين الأشراف وغيرهم ، أو
يتراجعون فيه من زيادة نصف الدية مع قتل المرأة على مااختلف فيه المفسرون ، وقد اختلف.
احتج البخارى بحديث الربيع فى هذا . والذى عندى أنه لاحجة فيه ؛ لأن حديث الربيع
إنما كانت فى كسر سِنّ جارية .
وقد خرج البخارى فى هذا الحديث هكذا : فالأسنان المذكورة هنا هى تلك الجارية .
وإنسان ينطلق على الذكر والأنثى ، والقصاص فى الجراح غير مختلف فيه ، إلا ماكان منها
(١) البخارى، ك الديات، ب قتل الرجل بالمرأة ٨/٩.
(٢) النسائى، ك القسامة، ب القصاص فى الثنية ٨/ ٢٧ برقم (٤٧٥٧) ، ابن ماجة ، ك الديات ، ب
القصاص فى السن ٢/ ٨٨٤ برقم (٢٦٤٩).
(٣) البقرة : ١٧٨ .
(٤) المائدة : ٤٥.

٤٧٥
كتاب القسامة / باب إثبات القصاص فى الأسنان ومافى معناها
مخوفا متلفا كالمتظلمة والمأمومة والجائفة فلا قود فيها (١) وفيها الدية واختلف هل مغلظة أم لا؟
ومشهور مذهبنا أنها غير مغلظة. وأما السن فلا خلاف فى القصاص إذا قلعها أو طرحها .
واختلف فى القصاص فى كسرها وفى سائر عظام الجسد ، فذهب مالك إلى القصاص فى
ذلك كله اعتمادا على حديث الربيع، إلا ماكان من ذلك مخوفا متلفاً لعظم الفخذ والصلب.
وذهب الكوفيون والشافعى والليث إلى أنه لاقود فى كسر عظم ماخلا العين ؛ لعدم الثقة فى
المماثلة فى القود كستر اللحم له . واتفقوا على أنه لاقصاص فى عظام الرأس .
وقوله: (( قالت أم الربيع : والله لايقتص منها))، وفى البخارى (٢) أن قائل هذا هو
أنس بن النضر وهو أخوها . ليس هذا اعتراض على حكم الله وحكم نبيه دل على طريق
الرغبة إلى النبى عَّهُ وإلى الأولياء والثقة بهم ألا يفعلون ذلك ، وطريق الثقة بالله
والتضرع إليه بالقسم به وإذا كان اللفظ ورد النبى معَّه أظهر فى التأويل الأول .
وقوله: (( فما زالت حتى قبلوا الدية)) أيضا يؤكده ، وأنها كانت راغبة إليهم أو إلى
النبى معَ ◌ّ لا لعفو .
وقوله : ((إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره )) يؤكده التأويل الثانى . وفيه
صحة كرامات الأولياء .
(١) انظر: الاستذكار ٢٥ /١٢٤ ومابعدها.
(٢) البخارى، ك التفسير، ب ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَلَى﴾ ٦٥/٦.

٤٧٦
کتاب القسامة / باب مايباح به دم المسلم
(٦) باب مايباح به دم المسلم
٢٥ - (١٦٧٦) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْئَةً، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاتِ وَأَبُو مُعَاوِيَةً
وَوَكِيعُ، عَنِ الأَعْمَشِ ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوق ، عَنْ عَبّد الله قَالَ : قَالَ رَسُولُ
الله ◌َّهُ: ((لا يَحلُّ دَمِّ امْرِىٌّ مُسْلِم، يَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إلا اللهُ، وأَنِّی رَسُولُ الله إلا بإحْدَی
ثَلاث: النَّيِّبُ الزَّانِ، وَالنّفْسُ بِالنّفْسِ، وَالنَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ)) .
( ... ) حدّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدِّثْنَا أَبِى. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عُمَرَ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. ح
وَحَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَلِىُّ بْنُ خَشْرَمٍ، قَالا: أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ ، كُلُّهُمْ عَنِ
الأَعْمَشِ ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ.
٢٦ - ( ... ) حدّثْنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَل وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى - وَاللَّفْظِ لِأَحْمَدَ - قَالا:
حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِىٌّ عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الأَعْمَشِ ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ
مَسْرُوق، عَنْ عَبْد الله، قَالَ : قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ لَّهِ فَقَالَ: (( وَلَّذِى لا إلَهَ غَيْرُهُ، لا ◌َيَحِلُّ
دَمُ رَجُلٌ مُسْلِمٍ يَشْهَدُّ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَ اللهُ، وَأَنِّى رَسُولُ اللهُ، إلا ثَلاثَةُ نَفَرِ: الثَّارِكُ الإِسْلاَمَ،
الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ أَوِ الْجَمَاعَةَ - شَكَّ فيه أَحْمَدُ - وَالنَّبُ الزَّانِى، وَالنَّفْسُ بِالنّفْسِ)) .
قَالَ الأَعْمَئُ : فَحَدَّثْتُ بِهِ إِبْرَاهِيمَ، فَحَدَّثَنِى عَنِ الأَسْوَدِ ، عَنْ عَائِشَةَ، بِمِثْلِهِ .
وقوله: (( لايحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث : الثيب الزان ، والنفس بالنفس ،
والتارك لدينه المفارق للجماعة)): وقوله: ((الثيب الزانى)) إشارة إلى ماأجمع عليه
المسلمون من الرجم وسيأتى تفسيره .
وقوله : ((النفس بالنفس )) : احتج به الكوفيون فى تساوى النفوس ، وجعلوها
ناسخة لقوله تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ (١)، وقالوا : يقاد كل واحد من هؤلاء
من الآخر . ومالك وغيره جعل الآية مفسرة لذلك ، وأن معناها : أن نفس الأحرار
متساوية وأنفس العبيد متساوية / ، وأن العبيد يتكافؤون فى دمائهم ، وذكر أنهم كالأحرار.
ولاقصاص مابين العبيد والأحرار فى شىء هو قول الشافعى . وأهل الحجاز والليث بن
٣٢/ب
(١) البقرة : ١٧٨.

٤٧٧
كتاب القسامة / باب مايباح به دم المسلم
( ... ) وحدّثْنى حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ وَالْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، قَالا: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله بْنُ
مُوسَى، عَنْ شَيْبَانَ عَنِ الأَعْمَشِ ، بِالإِسْنَادَيْنِ جَمِيعاً ، نَحْوَ حَدِيثٍ سُفْيَانَ . وَلَمْ يَذْكُرَاً
فِى الْحَدِيثِ قَوْلَهُ: ((وَّذِىِ لا إِلَّهَ غَيِّرُهُ)) .
سعد قالوا : ويقتل العبد بالحر ، ولايقتل الحر به . قال الشافعى : ليس بين الحر والعبد
قصاص إلا أن يشاء الحر ، وهو غير ماتقدم . وقال أبو حنيفة : لاقصاص بينهم إلا
بالنفس . وقال ابن أبى ليلى: القصاص بينهم فى كل شىء (١) .
قوله: (( التارك لدينه المفارق للجماعة)) : عام فى كل مفارق للإسلام بأى ردة كانت
بينة، وفى قوله: ((المفارق للجماعة)) حجة على قتل الخوارج وأهل البدع وغيرهم ،
وقتلهم إذا منعوا أنفسهم من إقامة الحق عليهم وقاتلوا على ذلك ، وفى قتال أهل البغى
وقتلهم وفى كل خارج على الجماعة ، كان خروجه كفراً أو غيره . قال القابسى : يحتمل
أن يكون خروجه خروجا يترك به الجماعة أو يبغى عليها ، فيقاتل على ذلك حتى يفىء
إلى دينه وإلى الجماعة ، وليس بكافر . ويمكن أن يكون خروجه كفراً أو ردة .
(٢) انظر: المغنى ١١ / ٤٧٣ - ٤٧٦.

٤٧٨
-
كتاب القسامة / باب بيان إثم من سن القتل
(٧) باب بيان إثم من سن القتل
٢٧ _ (١٦٧٧) حدّثَنَا أَبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْبَةً وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْر - وَاللَّفْظُ
لابْنِ أَبِ شَيْبَةَ - قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ ، عَنْ عَبْدِ الله بْنَ مُرَّةَ ، عَنْ
مَسْرُوق، عَنْ عَبّد الله، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهُِّ: (( لاتُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا، إلا كَانَ عَلَى ابْنِ
آدَمَ الأَوُّلِ كِثْلٌ مِنَ دَمَّهَا؛ لأَنَّهُ كَانَ أَوَّلَ مَنْ سَنَّالْقَتْلَ )) .
( ... ) وحدّثناه عُثْمَانُ بْنُ أَبِ شَيْبَةً، حَدَّثَنَا جَرِير. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ،
أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ وَعِيسَى بْنُ يُونُسَ . ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عُمَرَ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، كُلُّهُمْ عَن
الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَفِى حَدِيثِ جَرِيرٍ وَعِيسَى بْنِ يُونُسَ: ((لأَنَّهُ سَنَّ الْقَتْلَ )) لَمْ
يَذْكُرًا : أَوَّلَ .
وقوله: (( لاتقتل نفسٌ ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها ؛ لأنه أول من
سن القتل))، قال الإمام - رحمه الله -: الكفل ، بكسر الكاف : الجزاء والنصيب ،
ومنه قوله تعالى: ﴿يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا﴾ (١)، وهذا أصل فى أن المعونة على مالا يحل
لاتحل ، قال الله تعالى: ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ والْعُدْوَان﴾ (٢)، وقد جعل الدال على الخير
كفاعله (٣) ، وهكذا الدال على الشر كفاعله . ولعل القتل إنما كان عند الشافعى على جهة
التعليم إذا أخذه واحد عن واحد عن آخر حتى ينتهى إلى ابن آدم الأول ، وهكذا التعليم فى
البدع والضلالات ، ويكون على معلمها الأول كفل منها. وهكذا على قياسه يكون للمعلم
الأول للهدى والحقائق نصيب من الأجر .
قال القاضى - رحمه الله -: هذا كله قد أبانه عليه السلام بقوله: ((من سن سنة
حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ، ومن سن سنة سيئة كان عليه
وزرها)) (٤)، وورد: ((من عمل بها إلى يوم القيامة)). وأما الكفل ، فقيل فيه ماقال
الإمام . وقال الخليل : الكفل من الأجر ، والإثم : الضعف .
(١) النساء : ٨٥ .
(٢) المائدة : ٢ .
(٣) الترمذى ، ك العلم، ب ماجاء: الدال على الخير كفاعله ٤١/٥ برقم (٢٦٧٠).
(٤) مسلم ، ك العلم ، ب من سن سنة حسنة أو سيئة ١٥/٤.

٤٧٩
كتاب القسامة / باب المجازاة بالدماء فى الآخرة ... إلخ
(٨) باب المجازاة بالدماء فى الآخرة ، وأنها أول
مايقضى فيه بين الناس يوم القيامة
٢٨ - (١٦٧٨) حدّثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ
ابْنُ عَبّد الله بْنِ نُمَيْرٍ، جَمِيعًا عَنْ وَكِعٍ، عَنِ الأَعْمَشِ. حَ وَحَدَّثْنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةً،
حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَّيْمَانَ وَوَكِيعٌ عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِى وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ : قَالَ
رَسُولُ اللهِ يَّةٍ: (( أَوَّلُ مَايُقْضى بَيْنَ النَّاسِ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فِى الْدِّمَاءِ » .
( .. ) حدّثَنَا عُبَيْدُ الله بْنُ مُعَاذٍ، حَدَثْنَا أَبِى. ح وَحَدَّثَنِى يَحْيَى بْنُ حَبيب، حَدَّثَنَا
خَالِدٌ - يَعْنِى ابْنَ الْحَارِثَ. ح وَّحَدَّثَنِى بِشَرُّ بْنُ خَالِدِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُّ جِّعْفَرٍ. ح
وَحَدَّثَنَا ابْنَّ الْمُثَنِى وَابْنُّ بَشَّرِ قَالا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِىَ عُدِىٌّ ، كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ
الأَعْمَئِ، عَنْ أَبِى وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، عَنِ النَّبِىِّ ◌َهِ، بِمِثْلِهِ. غَيْرَ أَنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ عَنْ
شُعْبَةَ: ((يُقْضَى)). وَبَعْضُهُمْ قَالَ: ((يُحْكَمُ بَيْنَ النَّاسِ)» .
قوله: (( أول مايقضى على الناس يوم القيامة فى الدماء)»، هذا ظاهر فى تغليظ أمر
الدماء، وليس هذا الحديث معارض للحديث الآخر: (( أول ماينظر فيه من عمل العبد
الصلاة)) ، فهذا فى خاصة أعمال العبد لنفسه وذلك فيما بينه وبين غيره .

٤٨٠
كتاب القسامة / باب تغليظ تحريم الدماء ... إلخ
(٩) باب تغليظ تحريم الدماء والأعراض والأموال
٢٩ - (١٦٧٩) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر بنُ أَبِى شَيَّةَ وَيَحْنَى بْنُ حَبيب الْحَارِثِىّ- وتَقَارَبَا فِی
اللَّفْظ - قَالا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ النَّتَفِىُّ عَنْ أَبُّوبَ، عَنِ ابْنِ سِيرِيْنَ، عَنِ ابن أَبِى بَكْرَةَ،
عَنْ أَبِى بَكْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ◌َُّ أَنَّهُ قَالَ: ((إنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْتَتَهِ يَوْمَ خَلَقَ اللهُ
السَّمَوَتِ وَالأَرْضَ، السَّنّةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرَاً، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلاثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو الْقعْدَةَ
وَذُو الْحِجَّةَ وَالْمُحَرَّمُ، وَرَجَبٌ شَهْرُ مُضَرَ الَّذِى بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ)) . ثُمَّ قَالَ: ((أَىُّ
شَهْرِ هَذَا؟ )) قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ .
وقوله - عليه السلام -: ((إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات
والأرض ، السنة اثنا عشر شهراً، منها أربعة حرم ؛ ثلاث متواليات)) الحديث ، قال
الإمام - رحمه الله -: تأويل قوله: ((إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات
والأرض)) لأنهم كانوا تمسكوا بملة إبراهيم - عليه السلام - فى تحريم الأشهر الحرم، وكانوا
ينسبون الشهر الحرام إلى الذى يليه إذا احتاجوا إلى القتال فيه ، وينتقلون هكذا من شهر
إلى آخر حتى اختلط الأمر عليهم ، فصادفت حجة النبى عَّه تحريمهم ، فلو طابق الشرع
وكانت فى تلك السنة حرموا ذا الحجة بالاتفاق على الحساب / الذى قلناه ، فأخبر
* أن
الاستدارة صادفت حكم الله - سبحانه - يوم خلق الله السموات والأرض .
٣٣ /١
وقيل : كانت العرب تحج عامين فى ذى القعدة وعامين فى ذى الحجة ، فصادفت
حجة أبى بكر ذا القعدة من السنة الثانية وصادفت حجة النبى عليه ذا الحجة ؛ فلهذا أشار
النبى عَّه بالاستدارة . وذكر أبو عبيد أنهم كانوا ينسئون - أى يؤخرون ــ وهو الذى قال
الله - سبحانه وتعالى -: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ (١)، فربما احتاجوا إلى الحرب
فى المحرم فيؤخرون تحريمه لصفر ، ثم يحتاجون تأخير صفر إلى ربيع ، هكذا شهراً بعد
شهر. فقام الإسلام وقد رجع المحرم إلى موضعه، فقال النبى عَّهُ ماقال . قال : وزعم
بعض الناس أنهم كانوا يستحلون المحرم عاما ويردونه فى قابل إلى تحريمه . قال : والتفسير
الأول أحب إلى لأنه ليس فى هذا استدارة .
قال الإمام - رحمه الله -: وقد وقفت للخوارزمى على تأويل لهذا الحديث ، غره فيه
ماقد سبق إليه من علم التنجيم ، فقال : إن الله - سبحانه وتعالى - أول ماخلق الشمس
(١) التوبة : ٣٧ .