Indexed OCR Text
Pages 421-440
٤٢١ كتاب الحج / باب استحباب دخول الكعبة للحاج وغيره ... إلخ ٣٨٩ _ (.) حَدَثْنَا أُبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِىُّ وَقُتَيَّةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَبوُ كَامِلِ الْجَحْدَرِىُّ ، كُلُّهُمْ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيّدٍ. قَالَ أَبُو ◌َكَامِل: حَدَّنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا أَبُوبُ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابنِ عُمَرَ ، قَالَ: قَدَمَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ يَوْمَ الْفَتْحِ ، فَنَزَلَ بِفِنَاءِ الْكَعْبَةِ، وَأَرْسَلَ إِلَى عُثْمَانَ بنِ طَلِحَةَ، فَجَاءَ بِالْمِفْتَحِ، فَفَتَحَ الْبَابَ. قَالَ: ثُمَّ دَخَلَ النَّبِىُّ ◌َّهُ وَبِلالٌ وَأَسَامَةُ بْنُ زَيِّدَ وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ، وَأَمَرَ بِالْبَابِ فَأَغْلِقَ. فَلَبِثُوا فِيهِ مَلِيا. ثُمَّ فَتَحَ الْبَابَ. فَقَالَ عَبْدُ الله: فَبَادَرْتُ النَّاسَ ، فَتَلَقَّيْتُ رَسُولَ اللهِ عَُّ خَارِجًا ، وَبَلالٌ عَلَى إِثْرِهِ . فَقُلْتُ لِبَلال: هَلْ صَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللهِ عَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: أَيْنَ؟ قَالَ: بَيْنَ الَعَّهُودَيْنِ، تِلْقَاءَ وَّجْهِهِ. قَالَ : وَسِيتُ أَنْ أَسَالَهُ: كَمْ صَلَّى. قال القاضى: اختلف العلماء فى الصلاة فى الكعبة، فقال مالك: لا يصلى فيها الفرض، ولا الوتر ، ولا ركعتا الفجر ، ولا ركعتا الطواف ، ويصلى فيها التطوع . وقال. الشافعى وأبو حنيفة والثورى: يصلى فيها كل شىء ، وهو قول جماعة من السلف وبعض أهل الظاهر. وقال بعض الظاهرية : لا يُصلى فيها نافلة ولا فريضة ، ونحوه مذهب ابن عباس ، وأصبغ من أصحابنا يجعل المصلى فى البيت يعيد أبداً . وقع فى كتاب مسلم فى حديث أبى الربيع الزهرانى وقتيبة: (( عثمان بن أبى طلحة)) من رواية العذرى والسمر قندى ولغيرهما: ((ابن طلحة )) وكذا فى سائر الأحاديث، وكلاهما صواب، هو عثمان بن طلحة بن أبى طلحة، واسم أبى طلحة: عبد الله بن عبد العزى بن عثمان العبدرى، وقيل له: الحَجَبِى، بفتح الحاء والجيم ؛ لأنه حجب البيت، وكذلك يقال لجميعهم: الحجبيون لهذا (١) . وقوله: ((فأغلقها عليه)) وفى الرواية الأخرى: ((وأمَرَ بالباب فأغلق )) وفى الأخرى : ((فأجاف عليهم الباب)): وهو بمعنى أغلق ، يحتج به الشافعى ، ومذهبه أنه إنما يصلى (١) وعثمان بن طلحة أو ابن أبى طلحة هو: عبد الله بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصى بن كلاب القرشى العبدرى حاجب الكعبة ، له صحبة ، أسلم فى الهُدنة ، وهاجر مع خالد وعمرو ، ثم سكن مكة وبها مات ، وقيل: مات بأجنادين. روى عن النبى ◌َّه حديثين ، وقيل : خمسة ، واحد فى مسلم الذى معنا ، وآخر فى أبى داود ، حدث عنه ابن عمر وعروة وابن عمه . انظر : رجال مسلم ١٢٢، ابن سعد ٤٤٨/٥، البخارى فى الكبير ٢١٩٤/٦، الاستيعاب ١٠٣٤/٣، أسد الغابة ٣٧٢/٣، السير ٢/ ١٠، تهذيب الكمال ٣٩٥/١٩. قلت : سبب تسميتهم بالحجبين ما رواه الطبرانى فى الكبير عن عبد الله بن المؤمل عن ابن أبى مليكة، عن ابن عباس ؛ أن النبى قال: (( خذوها يابنى طلحة خالدة تالدة لاينزعها منكم إلا ظالم)) يعنى الحجابة ، والآخر عن أبى محذورة ، قال : جعل رسول الله الأذان لنا ولموالينا ، والسقاية لبنى هاشم ، والحجابة لبنى عبد الدار. قال الهيثمى: رواه أحمد والطبرانى. انظر: المجمع ٢٨٥/٣ . قلت : الحديثان حسنهما جماعة وضعفهما آخرون . ٤٢٢ كتاب الحج / باب استحباب دخول الكعبة للحاج وغيره ... إلخ ٣٩٠ - ( .. ) وحدّثنا ابْنُ أَبِى عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أُوبَ السَّخْتِيَانِىِّ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : أَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ عَامَ الْفَتْحِ عَلَى نَاقَةٍ لِأُسَامَةَ بْنِ زَيَّدٍ، حَتَّى أَنَاَخَ بفنَاءِ الْكَعْبَةَ، ثُمَّ دَعَا عُثْمَانَ بْنَ طَلَحَةَ فَقَالَ: ((اثْنَى بِالْمِفْتَحِ))، فَذَهَبَ إِلَّى أُمِّهِ، فَأَبَتْ أَنْ تُغَطَهُ. فَقَالَ: وَاللهِ، لَتُعْطِينِهِ أَوْ لَيَخْرُ جَنَّ هَذَا السَّفُ مِنْ صُلِى. قَالَ: فَأَعْطَّتْهُ إِنَّهُ، فَجَاءَ بِهِ إِلَى النَِّّ ◌َُّ فَدَفَعَهُ إِلَيْهِ، فَفَتَحَ الْبَابَ. ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ حَمَّادِ بنِ زَيِّدٍ . ٣٩١ _ ( ... ) وحدّثْنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْبَى - وَهُوَالْقَطَّانُ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِ شَيَّةً، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرِ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، عَنْ عُبَيِّدِ اللهِ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ الْبَيْتَ، وَمَعَهُ أُسَامَةُ وَبَلالٌ وَعُثْمَانُ بْنُ طَلِحَةً، فَأَجَافُوا عَلَيْهُمِ الْبَابَ طَوِيلاً، ثُمَّ فُتِحَّ، فَكُنْتُ أَوََّ مَنْ دَخَلَ، فَلَقِيتُ بلالا ، فَقُلْتُ: أَيْنَ صَلَّى رَسُولُ اللهِ عٌٍَ؟ فَقَالَ: بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ الْمُقَدَمَينِ ، فَنَسِيتُ أَنْ أَسْأَلَّهُ: كَمْ صَلَّى رَسُولُ اللهٍَِّ . فيها إلى جدار من جدرها ، وأن من صلى فيها إلى الباب وهو مفتوح فلا يجزئه ؛ لأنه لم يستقبل منها شيئا ، وأن هذا فائدة أمره - عليه السلام - عنده بإغلاقها ، ورد هذا أبو الحسن القصار وغيره بأنه يجيز الصلاة فى أرضها لو تهدمت لاستقباله بعض أرضها - وقال غيره: إنما أمر بإغلاق الباب لئلا يكثر عليه الناس ، وتتأذى بزحامهم ، ولئلا يصلوا بصلاته فيها فتتخذ سنة ويخشى أن يفرض عليهم ، كما ترك قيام رمضان لذلك ، ولو كان لايجوز الصلاة إليه مفتوحاً لبينه - عليه السلام - حين أمر بإغلاقه ؛ لأنه موضع بيان ، وهذا كله يرد قول من قال فى زيادة البخارى من جَعْلِه الباب وراء ظهره (١): إنما فعل ذلك لئلا يستدبر شيئاً من البيت ؛ لأنّا إن قلنا بأن الأرض قبلة لم يلتفت إلى غيرها ، وإن رأينا جدارها ، فالباب إذا أغلق كالجدار كما لو كانت جدرها كلها خشباً ، من جنس الباب . وفيه تولية رسول الله عَّه الحجابة لهم ، وإقرارها فى أيديهم على ماكانت فى الجاهلية ، كما أقر السقاية لبنى العباس من بين سائر مآثر الجاهلية، وقال: (( كل مأثرة فى الجاهلية هى تحت قدمى إلا سقاية الحاج وسدانة البيت)) (٢) وقال لبنى عبد الدار: ((خذوها خالدةً (١) البخارى، ك الحج، ب الصلاة فى الكعبة، عن ابن عمر بلفظ: ((ويجعل الباب قبل الظّهر، يمشى حتی یکون بينه وبين الجدار الذى قبل وجهه قريباً من ثلاثة أذرع فيصلى ... )) ٢/ ١٨٤. (٢) وكذا حديث أحمد فى المسند بلفظ: (( جعل رسول الله الأذان لنا ولموالينا، والسقاية لبنى هاشم، والحجابة لبنى عبد الدار)) ٦/ ٤٠١ . ٤٢٣ كتاب الحج / باب استحباب دخول الكعبة للحاج وغيره ... إلخ ٣٩٢٠ - ( ... ) وحدّثَنِى حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، حَدَّثَنَا خَالدٌ - يَعْنِى ابْنَ الْحَارث - حَدَّثْنَا عَبْدُ اللهِ بْنِ عَونِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بِنِ عُمَرَ ؛ أَنَّهُ انْتَهَى إِلَى الَكَعْبَةَ، وَقَدْ دَخَلَهَا النَّبِىُّ ◌َِّ وَبَلَالٌ وَأُسَامَّةُ ، وَأَجَفَ عَلَيْهِمْ عُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ الْبَابَ. قَالَ: فَمَكَثُوا فيه مَليا، ثُمَّ فُتِحَ الْبَابُ، فَخَرَجَ النَّبِىُّ ◌َُّ، وَرَقِيتُ الدَّرَجَةَ، فَدَخَلْتُ الْبَيْتَ، فَقُلْتُ: أَيْنَ صَلَّى النَّبِىُّ ◌َِّ؟ قَالُوا: هَهُنَا. قَال: وَنَسيتُ أَنْ أَسْأَلَهُمْ: كَمْ صَلَّى. ٣٩٣ _ ( ... ) وحدّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعيد، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح وَحَدَّثْنَا ابْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَبٍ، عَنْ سَالِم، عَنْ أَبَيْهِ ؛ أَنَّهُ قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللهِعَِّ الْبَيْتَ، هُوَ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيِّدَ وَبَلَالٌ وَعُثْمَانُ بْنُّ طَلْحَةَ، فَأَغْلَقُوا عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا فَتَحُوا كُنْتُ فِى أَوَّلِ مَنْ وَلَجَ، فَلَقِيتُ بِلالاً فَسَأَلْتُهُ: هَلْ صَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللهِ عٍَّ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، صَلَّى بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ الْبَمَانِيَّنِ. تالدة)) (١)، وقال العلماء : لا يجوز لأحد أن ينزعها منهم ، قالوا : وهى ولاية من رسول الله عَّ، وأعظم مالك أن / يشرك غيرهم فيها معهم، واختلاف بلال وأسامة فى هذه ٢٢٠ / أ الأحاديث فى صلاة النبى - عليه السلام - فيها ، وقول بلال: إنه صلى بين العمودين ، وقول أسامة : إنه دعا فى نواحيه ولم يصل - حكم العلماء والأئمة بترجيح حديث بلال ؛ لأنه أثبت وضبط ما لم يضبط أسامة (٢) ، وإنها الصلاة المعهودة لا الدعاء ، ألا ترى ابن عمر كيف قال: ((ونسيت أن أسأله))، وقوله عمر بن الخطاب فى حديثه: ((صلى ركعتين)) (٣)، وقد اختلف على أسامة ، فذكر مسلم فى حديث حميد بن مسعدة : ثنا خالد - يعنى ابن الحارث - ثنا عبد الله بن عون، وذكر الحديث - وفيه: (( فدخلها النبى عَّ وبلال وأسامة وأجاف عليهم عثمان بن طلحة)) وفيه: ((فقلت: أين صلى النبى عَّ؟))، فقالوا : هاهنا، ونسيت أن أسألهم كم صلى ؟ فعلى هذا أن جميعهم قد أخبره بذلك ، ولكن أهل الصنعة ، وهَّمُوا هذه الرواية ، فقال أبو الحسن الدار قطنى (٤): وهِم ابن عون هنا ، وخالفه غيره فأسندوه عن بلال وحده . (١) انظر : حديثى ابن عباس وأبى محذورة السابقين قريباً. والسدانة الآن يعرفون بالشيبيين ؛ نسبة إلى عثمان ابن أبى طلحة ، وهو ابن عم عثمان بن طلحة وله أيضاً صحبة . (٢) يريد أنه رأى ما لم ير أسامة ، ولا يحمل على معناه الحقيقى ؛ لأنهما صحابيان - رضى الله عنهما. (٣) الحديث أخرجه أبو داود فى ك الحج ، ب الصلاة فى الكعبة ، عن عبد الرحمن بن صفوان ، قال : قلت لعمر بن الخطاب: كيف صنع رسول الله عَّه حين دخل الكعبة ؟ قال: صلى ركعتين ١/ ٤٦٧. (٤) انظر: الإلزامات والتتبع ص ٤٨٠. كتاب الحج /باب استحباب دخول الكعبة للحاج وغيره ... إلخ ٤٢٤ ٣٩٤ - ( ... ) وحدّثْنى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرِنِى يُونُسُ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِى سَالِمُ بْنُ عَبْد الله عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ عَّهُ دَخَلَ الْكَعْبَةَ، هُوَ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيّدٍ وَبَلالٌ وَعُثْمَانُ بْنُ طَلِحَةَ ، وَلَمْ يَدْخُلُهَا مَعَهُمْ أَحَدٌ، ثُمَّ أُغْلِقَتْ عَلَيْهِمْ. قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ : فَأَخْبَرَنِى بِلالٌ أَوْ عُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ الله ◌َُّ صَلَّى فِى جَوْفِ الْكَعْبَةِ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ الْيَمَانِيْنِ . ٣٩٥ _ (١٣٣٠) حدّثنا إسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَبّدُ بْنُ حُمَيّدٍ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ بَكْرِ ، قَالَ عَبّدٌ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْر ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جَرَيْج ، قَالَ: قُلْتُ لعَطَاءِ: أَسَمِعْت ابْنَ عَبَّاسِ يَقُولُ: إِنَّمَا أُمِرْتُمْ بِالطَّوَفِّ وَلَمْ تُؤْمَرُوا بِدُخُولِّهِ؟ قَالَ: لَمْ يَكُّنْ يَنَّهَى عَنَ دُخُولِهِ، وَلَكِنِّى سَمِعْتُهُ يَقُولُ : أَخْبَرَنِى أُسَامَةُ بْنُ زَيّدٍ؛ أَنَّالنَّبِّ ◌َه لَمَّ دَخَلَ الْبَيْتَ دَعَا فِى نَوَاحِيهِ كُلِّهَا، وَلَمَّيُصَلِّ فِيهِ، حَتَّىَ خَرَجَ. فَمَّا خَرْجَ رَكَعَ فِى قَبْلِ الْبَيْتِ رَكْعَتَيْنٍ. وَقَالَ: ((هَذِهِ الْقبْلَةُ)) . قُلْتُ لَهُ: مَا نَوَحِيهَا؟ أَفِى زَوَايَاهَا؟ قَالَ: بَلْ فِى كُلِّ قِبْلَةٍ مِنَ الْبَيْتِ . قال القاضى: وهذا الذى ذكره مسلم من سائر الطرق: ((فسألت بلالا))، فقال : إلا إنه وقع عنده فى حديث حرملة عن ابن وهب: (( فأخبرنى بلال - أو عثمان بن طلحة - أن رسول الله عَّه صَلَّى فى جوف الكعبة)) كذا عند عامة شيوخنا ، وفى بعض النسخ : (( وعثمان بن أبى طلحة )) وكذا كان فى كتاب شيخنا الخشنى، وهذه تعضد رواية ابن عون ، والمشهور انفراد بلال بالحديث بذلك . قالوا : ولا تتهاتر رواية أسامة ومخالفته لبلال فى قصة حضراها ؛ إذ قد يمكن أن يغيب أسامة عنهم بعد دخوله لحاجة أو أمرٍ فلم يشاهد صلاته، وكيف وقد روى ابن المنذر فى ذلك حديثاً عن أسامه قال: ((رأى النبى عَّهُ صوراً فى الكعبة ، فكنت آتيه بماء فى الدلو يضرب به الصور))، فهذا قد ذكر أن أسامة خرج لنقل الماء ، وهذا الحديث فى يوم الفتح (١) ، وكذلك حديث الصلاة فى الكعبة إنما كان يوم الفتح لا فى حجة الوداع ، ألا ترى كيف قال فيه فى الأم: « أقبل عام الفتح))؟!وفيه: طلب المفاتيح من عثمان وإباية أُمُّه إعطاءها، إلى آخر الخبر (٢)، وهذا (١) أخرجه أبو داود الطيالسى فى مسند أسامة بن زيد رقم (٦٢٢) ٨٧/١، وحديث الصلاة فى الكعبة هو الذى معنا . (٢) وأقول: لعل مسلماً - رحمه الله - ذكره لبيان علته؛ لأنه - رحمه الله - قد ذكر رواية مالك وأيوب وعبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر : سألت بلالا . وأخرجه من حديث ابن شهاب عن سالم عن أبيه : سألت بلالا . وأما رواية حرملة فقد شك هو أو ابن وهب : أسأل عبد الله بلالاً أو طلحة فنرد روايته إلى رواية من لم يشك ، والله أعلم . انظر : الإلزامات والتتبع ، وجاء فى إكمال الإكمال : ويمكن الجمع بأن يكون معنى قول بلال : صلى ، أى التطوع ، ومعنى قول أسامة : لم يصل ، يعنى الفرض ، والجمع بهذا على مذهب مالك ٣/ ٤٢١. ٤٢٥ كتاب الحج / باب استحباب دخول الكعبة للحاج وغيره ... إلخ ٣٩٦ _ (١٣٣١) حدّثنا شَيَّانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثْنَا عَطَاءٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ؛ أَنَّالنَّبِىَّ ◌َّهُ دَخَلَ الْكَعْبَةَ وَفِيهَا سِتُّ سَوَارٍ، فَقَامَ عِنْدَ سَارِيَةٍ فَدَعَا، وَلَمْ يُصَلِّ . ٣٩٧ - (١٣٣٢) وحدّثَنِى سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنِى هُشِيْمٌ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِى خَالد، قَالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ الله بْنِ أَبِى أَوْفَى - صَاحِبِ رَسُولِ اللهِلَّه ◌ِ: أَدَخَلَ النَّبِىُّ ◌َّ البَيْتَ فِى عُمْرَتَهِ؟ قَالَ: لا . كله إنما كان فى الفتح، وجاء فى بعض الروايات: ((ليفتح)) وفى بعضها: ((المفتاح))، وهما صحيحان . وقوله: (( جعل عمودين عن يساره وعموداً عن يمينه وثلاثة أعمدة وراءه )) ووقع فى الموطأ عكس هذا: (( جعل عمودين عن يمينه وعموداً عن يساره)) (١) ، وجاء فى الرواية الأخرى: ((أن صلاته كانت بين العمودين اليمانيين)). وذكر مسلم فى الباب: ثنا إسحق بن إبراهيم وعبد بن حميد ، جميعاً عن ابن بكر ، قال عبد : أنا محمد بن بكر ، وذكر حديث ابن عباس عن أسامة ، كذا عند شيوخنا ، وفى بعض النسخ جميعاً: عن أبى بكر ، قال عبد : أنا محمد بن بكر ، والصواب الأول، وهو محمد بن بكر البرُسانى ، يكنى بأبى عثمان ، خرج عنه البخارى ومسلم عن ابن جريج ، يروى عنه عبد بن حميد (٢) ، وأما حديث ابن أبى أوفى ، وقوله حين سئل : أدخل النبى ◌ّه البيت فى عمرته ؟ فقال : لا ، فهذا مما يختلف فيه أنه لم يدخل ولم يصل وهى عمرة القضاء . قيل : لما كان فى البيت من الصور والأصنام ولم يكن المشركون يتركونه ليغيرها فلما فتح الله عليه وغيرها دخل البيت وصلى فيه (٣). (١) الموطأ، ك الحج، ب الصلاة فى البيت [ الكعبة ] ودخولها وقصر الصلاة من رواية يحيى ٣٩٨/١ ومن رواية محمد بن الحسن ١٦٢، وهى بعض رواية البخارى وأبى داود وأحمد ، وقال البيهقى : وهو الصحيح. انظر : مختصر سنن أبى داود ٤٣٩/٢ . (٢) ويقال : أبو عثمان البَصْرِىُّ وبُرسان من الأزد ، روى عن حماد بن سلمة وابن جريج ، وشعبة ، وحميد ابن مهران ، وسعيد بن أبى عروبة وغيرهم ، وروى عنه ابن حنبل ، وأبو الأشعث العجلى ، وإسحق بن راهويه، وعبد بن حميد ، ويحيى بن معين وغيرهم . وقال أحمد : صالح الحديث ، والعجلى قال : ثقه، وذكره ابن حبان فى الثقات . وفاته سنة ثلاث ومائتين . انظر : طبقات ابن سعد ٢٩٦/٧ تاريخ البخارى الكبير ٩٦/١، الصغير ٢٩٩/٢، الكنى لمسلم ورقة ٧٢، رجال البخارى ٦٢١/٢، مسلم ورقة ١٥٣، وتهذيب الكمال ٢٤/ ٥٣٠، سير أعلام النبلاء ٤٢١/٩، تهذيب التهذيب ١٩٢/٣. (٣) لقد ترك القاضى - رحمه الله - التعليق على حديث إسحق بن إبراهيم وعبد بن حميد على أنه ذكره إطراءً فى تعليقه على الأحاديث جملة . ونقول: قوله: ((لما دخل البيت دعا فى ناحيته كلها، ولم يصل فيه)): أى لم يصل صلاة الجماعة المفروضة ، وقد نقل ابن عبد البر الإجماع على جواز النفل ، خلافاً لأصبغ ومن تبعه . = ٤٢٦ كتاب الحج / باب استحباب دخول الكعبة للحاج وغيره ... إلخ = نقل ابن حجر بن المهلب فى الفتح : قال المهلب شارح البخارى : يحتمل أن يكون دخول البيت وقع مرتين، صلى فى أحدهما ، ولم يصل فى الأخرى وقال : قال ابن حبان : الأشبه عندى فى الجمع أن يجعل الخبران فى وقتين فى عام الفتح ، أو يجعل حديث ابن عباس فى حجته التى حجها مع النبى فى حجة الوداع إن ثبت أنه دخلها، ويحتمل أن ابن عباس نفى رؤيته ، كما يحتمل فى هذا المنقول عنه وهو أسامة ــ رضى الله عنه. انظر: الفتح ٥٤٨/٣ بتصرف . وقال النووى وغيره : يجمع بين إثبات بلال ونفى أسامة بأنهم لما دخلوا الكعبة اشتغلوا بالدعاء فرأى أسامة النبى يدعو ، فاشتغل أسامة بالدعاء فى ناحية ، والنبى فى ناحية ، ثم صلى النبى ، فرآه بلال لقربه منه ، ولم يره أسامة لبعده واشتغاله ، ولأن بإغلاق الباب تكون الظلمة مع احتمال أن يحجبه عنه بعض الأعمدة فنفاها عملا بظنه وربما كانت الصلاة خفيفة ، وربما أيضاً جاز له نفيها عملاً بظنه ، وأما بلال فحققها فأخبر بها ، والله أعلم . انظر : النووى بشرح مسلم ٤٦٥/٣ بتصرف ولقد سبق القول فيها ولله الحمد والمنة . وقوله: ((فلما خرج ركع فى قبل البيت ركعتين ، وقال: هذه القبلة)) القُبُل بضم القاف والباء ، ويجوز إسكان الباء كما فى نظائره ما استقبل منها، وقيل: مقابلها. وفى رواية فى الصحيح: ((صلى ركعتين فى وجه الكعبة )) وهو المراد بقولها ، ومعناه : عند بابها . البخارى، ك الصلاة، ب ﴿وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامٍ إِبْرَاهِيمَ مُصَلَّى﴾ [ البقرة: ١٢٥ ]١/ ١١٠. وأما قوله: ((هذه القبلة)» قال الخطابي: معناه: أن أمر القبلة استقر فلا نسخ لا يتوجه للصلاة إلى غيره . انظر: أعلام الحديث ١/ ٣٨٠، إكمال الإكمال ٤٢١/٣، النووى ٤٦٩/٣، ابن حجر فى الفتح ٥٤٥/٣ . ٤٢٧ كتاب الحج/ باب نقض الكعبة وبنائها (٦٩) باب نقض الكعبة وبنائها ٣٩٨ _ (١٣٣٣) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْنَى، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ لِى رَسُولُ اللهِ عَّهِ: (( لوْلا حَدَاثَةُ عَهْدِ قَوْمك بالكُفْرِ، النَقَضَتُ الكَعْبَةَ، وَجَعَلْتُهَا عَلَى أَسَاسِ إِبْرَاهِيمَ، فَإِنَّ قُرَيْشًا حِينَ بَنَتِ البَيْتَ اسْتَقْصَرَتْ، وَجَعَلَتُ لَهَا خَلفًا)) . ( .. ) وَحَدَّثْنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْب، قَالا: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرِ عَنْ هِشَامِ ، بِهَذَا الإِسْنَادِ . وقوله - عليه السلام -: (( لولا حداثة [ عهد ] (١) قومك بالكفر لنقضت الكعبة ، ولجعلتها على أساس إبراهيم ، [ فإن قريشاً حين بنت البيت استقصرت)) وفى الرواية الأخرى/: ((اقتصرتها)) وفى الأخرى: ((قصّروا فى البناء)) وفى الأخرى: ((إن قومك ٢٢٠ / ب قصرت بهم النفقة)): فيكون معنى (( استقصرت)) : أى قصرت عن تمام بنائها واقتصرت على هذا القدر ، إذ قصرت بهم النفقة عن تمامها فتتفق الألفاظ كلها ](٢). قال الإمام : [ أخبر - عليه السلام - أن قريشاً اقتصرت عن تمام البيت على قواعد إبراهيم ](٣)، وهذا دليل على أن الحِجْر من البيت. وعند مالك والشافعى : أن من طاف داخل الحِجر كمن لم يطف، وعند أبى حنيفة: يعيد إلا أن يرجع إلى بلده فعليه الدم، [ وقد بين فى الكتاب ما جرى من قصة ابن الزبير وهدمه للكعبة وتغير بنائها ثم ما كان بعد ذلك من تغير بناء ابن الزبير ](٤) . قال القاضى : قد جاء مبيناً فى كتاب مسلم وغيره فى هذا الحديث شأن الحجر ، وأنه من البيت. عن عائشة قالت: ((سألت رسول الله عَّه عن الجدر أمن البيت هو؟)) وفى الرواية الأخرى: ((عن الحجر))، قال: ((نعم))، قلت: ((فلم لم يدخلوه )) وفى الأخرى: ((ولا دخلت فيها الحجر أو الجَدر)): بفتح الجيم والدال المهملة الجدار. وذكر الخبر وهو قول كافة العلماء ، وهم مجمعون أن الطواف من ورائه ، وإنما اختلفوا فيمن طاف فيه ، هل يجزيه أم لا ؟ على ما تقدم ، وجمهورهم على أنه لا يجزيه ، وكمن لم يطف أو لم يتم طوافه ، إلا أبا حنيفة كما تقدم . (١) من ع والمطبوعة . (٤) من ع . (٢، ٣) سقط من ع . ٤٢٨ كتاب الحج/ باب نقض الكعبة وبنائها ٣٩٩ _ ( ... ) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْنَى، قَالَ : قَرَأْتُ عَلَى مَالِك عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ الله؛ أَنَّ عَبْدَ الله بْنَ مُحَمَّد بْنِ أَبِى بَكْرِ الصِّدِّيقِ أَخْبَرَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، عَنْ عَائِشَةَ زَّوْجِ النَِّىِّ ◌َّهُ؛ أَنَّ رَّسُولَ اللهِ عَّهُ قَالَ: ((أَلَّمْ تَرَىْ أَنْ قَوْمَكِ، حِينَ بَنَوْ الكَعْبَةَ، وفى قول النبى - عليه السلام - هذا ترك بعض الأمور التى يستصوب عملها إذا خيف تولد ما هو أضرّ من تركه واستلاف الناس على الإيمان ، وتمييز خير الشرين وإن سهل على الناس أمرهم ، ولا ينفروا ويتباعدوا من الأمور على ما ليس فيه تعطيل ركن من أركان شرعهم. وقد اقتدى بهذا مالك - رحمه الله - فى هذه المسألة ، فذكر أن الرشيد ذكر له أنه يريد هدم ما بنى الحجاج من الكعبة ويردها على بنيان ابن الزبير لهذا الحديث الذى جاء وامتثله ابن الزبير ، وقال له مالك : ناشدتك الله يا أمير المؤمنين ، ألا تجعل هذا البيت ملعبة للملوك ، لا يشأ أحد إلا نقض البيت وبناه ، فتذهب هيبته من صدور الناس ، فرحم الله مالكاً . وقوله: ((ولجعلت لها خلفاً)): كذا بفتح الخاء وسكون [اللام ](١) ومعناه: باباً من خلفها، وقد جاء مفسراً فى الحديث الآخر: (( ولجعلت لها باباً شرقياً وباباً غربياً »، وفى البخارى: قال هشام بن عروة: ((خلفاً)) يعنى باباً(٢). وفى الرواية الأخرى هنا: ((أحدهما يدخل منه، والآخر يخرج منه))، وقد رواه البخارى: ((ولجعلت لها خلفين))(٣)، وقد ذكر الحربى هذا الحديث هكذا وضبطه: ((خلفين)) بكسر الخاء (٤) وقال: الخالفة عمود فى مؤخر البيت ، يقال: ورأيته خلف جمد، وقاله الهروى: (( خلفين)) بفتح الخاء وكذا ضبطناه على شيخنا أبى الحسين - رحمه الله - وذكر الهروى عن ابن الأعرابى : أن الخلف الظهر (٥)، وهذا يفسر أن المراد الباب كما فسرته الأحاديث الآخر. وقول ابن عمر: ((لئن كانت عائشة سمعت هذا من رسول الله عَ)) ليس على طريق التضعيف والتشكك فى روايتها ، فقد كانت من الحفظ والضبط بحيث لا يستراب فيما تنقله ، لكن كثيراً ما يأتى (١) ساقطة من الأصل، واستدركت بالهامش بسهم .. (٢) البخارى ، ك الحج ، ب فضل مكة وبنيانها ٢/ ١٨٠. (٣) لم نعثر على رواية (( خلفين)) فى المطبوعة. (٤) ما ذكره الحربى هو: ((وقرئ على أبى نصر عن الأصمعى قال : إذا لهج الفصيل بالمصرورة صورتها رجل الغراب ، بنكس طرف التودية الذى يلى الخلف المؤخر المقدم ، وتحول طرفه الذى يلى الخلف المقدم فتشد به المؤخر ليكون الصر على سجيحته ، وتنكس طرف الخلفين ، فتصره على أقصى فخذها مما يلى الذئب لئلا يقدر أن يجعله فى فيه . غريب الحديث ٤٢٤/٢ . (٥) لم نعثر عليه فى غريب الحديث للهروى . ٤٢٩ كتاب الحج / باب نقض الكعبة وبنائها اقْتَصَرُوا عَنْ قَوَاعِد إِبْرَاهِيمَ؟)) قَالتْ: فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ ، أَفَلا تَرُدُّهَا عَلى قَواعد إِبْرَاهِيمَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِعَّهُ: ((لَوْلا حدْثَانِ قَوْمْك بالكُفْرِ لفَعَلْتُ )) . فَقَالَ عَبْدُ الله بْنُ عُمَرَ : لئنْ كَانَتْ عَائِشَةٌ سَمِعَتْ هَذَا مِنْ رَسُول اللهِلَّهِ، مَا أَرَى رَسُولَ اللهِ عََّ تَرَّكَ اسْتِلامَ الرُّكْنَيْنِ اللذّنِ يَلِيَانِ الحِجْرَ، إِلا أَنَّالبَّيْتَ لمْ يُتَمَّمْ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِیمَ . ٤٠٠ - ( ... ) حَدَثَنِى أَبُو الطَّاهر، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الله بْنُ وَهْبٍ، عَنْ مَخْرَمَةً . ح وَحَدَّثَنِى هَرُونُ بْنُ سَعِبَدِ الأَئِلِىُّ، حَدَثَ ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَنِى مَخْرَةُ بَّنُ بُكَيْرٍ عَنْ أَبِهِ، قَالَ : سَمَعْتُ نَافَعًا مَوْلِى أَبْنِ عُمَرَ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِى بَكْرِ بْنِ أَبِى قُحَافَةً ، يُحَدِّثُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِّ ◌َّهُ؛ أَنَّهَا قَالتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ◌ِعَّةُ يَقُولُ: ((لوْلا أَنَّ قَوْمَك حَدِيثُو عَهْد بِجَاهليَّةِ - أَوْ قَالَ: بِكُفْر - لأَنْفَقْتُ كَنْزَ الكَعْبَةِ فِى سَبِيلِ اللهِ، وَجَعَلَتُ بَبَهَ بِالأَرْضِ، وَأَدْخَلَتُّ فِيهَا مِنَ الحِجْرِ). ٤٠١ _ ( ... ) وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ، حَدَّثَنِى ابْنُ مَهْدِىٌّ، حَدَّثَنَا سَلِيمُ بْنُ حَيَّنَ عَنْ سَعِيد - يَعْنِى ابْنَ مِينَاءَ - قَالَ: سَمِعْتُ عَبِّدَ الله بْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ: حَدَّثَنْنِى خَالتِى - يَعْنِى عَائِشَةَ - قَالتْ: قَالَ رَسُولُ اللهَِّ: (( يَا عَائِشَةُ، لوْلا أَنَّ قَوْمَك حَدِيثُو عَهْد بشرْك ، لَهَدَّمْتُ الكَعْبَةَ فَأَلْزَنْتُهَا بِالأَرْضِ، وَجَعَلَتُ لهَا بَابَيْنِ، بَابًا شَرْقِيًّا وَبَابًا غَرْبِيًا، وَزَدْتُ فِيهَا سِنَّةَ أَذْرُعٍ مِنَ الحِجْرِ ، فَإِنَّ قُرَيْئًا اقْتَصَرَتَّهَا حَيْثُ بَنَتِ الكَعْبَةَ)). فى كلام العرب صور التقرير والتشكك والمراد به اليقين لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾(١)، وقوله: ﴿ قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوجِي إِلَيَّ رَبِي ﴾ الآية (٢). وقوله: ((ما أرى رسول الله عَّه ترك استلام الركنين اللذين يليان الحجر. إلا أن البيت لم يتم على قواعد إبراهيم )) ليسا بركنين ، وإنما هى بعض الجدار ، فلذلك لم يستلمهما. وقد مر الكلام فى هذا الفصل . (١) الأنبياء: ١١١ . (٢) سبأ : ٥٠ . ٤٣ كتاب الحج / باب نقض الكعبة وبنائها ٤٠٢ _ ( ... ) حَدَّثَنَاَ هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِ زَائِدَةَ، أَخْبَرَنَى ابْنُ أَبِى سُلِيْمَانَ، عَنْ عَطَاءِ، قَالَ: لَّا اخْتَرَقَ البَيْتُ زَمَنَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، حِينَ غَزَاهَا أَهْلُ الشَّامِ، فَكَانَ مِنْ أَمْره مَا كَانَ، تَرَكَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ، حَتَّى قَدِمَ النَّاسُ المَسِمَ، يُرِيدُ أَنْ يُجَرََّهُمْ - أَوْ يُحَرِّبَهُمْ. عَلَى أَهْلِ الشَّامِ، فَلَمَّا صَدَرَ النَّاسُ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَشِيرُوا عَلَىَّ فِى الكَعْبَةِ، أَنْقُضُهَا ثُمَّ أَبْنِى بِنَاءَهَا، أَوْ أُصْلِحُ مَا وَهَى مِنْهَا؟ قَالَ ابْنُ عَبَّاسِ : فَإِنِّى قَدْ فُرِقَ لِى رَأَىٌّ فِيهَا ، أَرَى أَنْ تُصلِحَ مَا وَهَى مِنْهَا، وَتَدَعَ بَيَّا أَسَلَمَ النَّاسُ عَلَيْهِ، وَأَحْجَارًا أَسْلِمَ النَّاسُ عَلَيْهَا، وقوله: (( لما احترق البيت زمان يزيد بن معاوية حين غزاه أهل الشام ، تركه ابن الزبير حتى قدم الناس الموسم)) : يريد أن يجرئهم على أهل الشام أو يحزبهم ، كذا لابن أبى ... (١) سعيد والفارسى، وغيرهما فى الأول: ((يجرئهم)) بالجيم والراء وهمزة بعدهما من الجرأة ، أى شجعهم عليهم بإظهار قبيح أفعالهم. ورواه العذرى : (( يجربهم )» بالباء مكان الهمزة ، ومعناه : يختبر ما عندهم فى ذلك من حمية وغضب لله وبيته ، وعندهم كلهم فى الحرف الثانى: (( يحربهم )) بالحاء المهملة والراء والباء بواحدة ، ومعناه: يغضبهم بما رأوه فُعل بالبيت ، من قولهم : حزبت الأسد ، وأسد محزّب ، وقد يكون معنى (( يحربهم )) يحملهم على الحرب ، ويحضهم عليها ، ويؤكد عزائمهم منها لذلك ، ورواه غير هؤلاء فى الحرف الثانى: ((أو يحزبهم )» بالحاء المهملة والزاى والباء بواحدة ، ومعناه: أى يشد منهم ، ويثبت عزائمهم عليهم ويمالئهم على حربهم ، من قولهم : أمر حزيب، أى شديد، أو يكون: (( يحزبهم )) : يميل بهم إلى نفسه ونصرته فحزب الرجل من مال إليه ، وتحازب القوم : تمالؤوا . وشورى ابن الزبير كافة الناس فى نقضهاً وبنائها ما يلزم الأمور العامة والقصص العظيمة التى لا تخص وتعم من المشورة ، وألا يستبد بها ذو أمر بأمر ، وقد أمر الله تعالى بهذا نبيه ، ورأى ابن عباس أن تترك على ما هى ، ويرم ما فسد ولا تنقض ، اقتداء بما كان - عليه السلام - رآه أيضا من تركها على ما وجدها عليه ، وترجيح ابن الزبير رأيه فى نقضها بعد الاستخارة لاختلاف الصحابة عليه فى ذلك ، واعتماد على ما ذكره النبى - عليه السلام - لعائشة من حرصه على ذلك: (( لولا حدثان قومها بالكفر فتنفر قلوبهم))، وإذنه فى الرواية الأخرى لهم فى ذلك إن بدا لهم أن يبنوه ، وأنه ليس عنده من النفقة ما يقوى به على بنائه ، وأن العلتين قد زالتا لاستقرار الإسلام وفناء تلك الجهالة القريبة العهد بكفر / وتمكن الإسلام ممن بقى منهم وفتح الله على المسلمين ، ووجد ما ينفق فيها . ٢٢١ /أ (١) فى المخطوطة بياض، وهو صاحب نسخة لصحيح مسلم. راجع : مقدمتنا لهذا الكتاب . ٤٣١ كتاب الحج / باب نقض الكعبة وبنائها وَبُعثَ عَلَيْهَا النَّبِىُّ ◌َِّ. فَقَالَ ابْنُ الزَّبَيْرِ: لَوْ كَانَ أَحَدُكُمُ اخْتَرَقَ بَيْتُهُ، مَا رَضِىَ حَتَّى يُجِدَّهُ، فَكَيْفَ بَيْتُ رَبِكُمْ؟ إِنِّى مُسْتَخِيرٌ رَبِّى ثَلاثًا، ثُمَّ عَازِمٌ عَلَى أَمْرِى . فَلمَّا مَضَى الثَّلاثُ أَجْمَعَ رَأَيَهُ عَلَى أَنْ يَنْقُّضَهَا ، فَتَحَامَهُ النَّاسُ أَنْ يَنْزِلَ بِأَوَّلِ النَّاسِ يَصْعَدُ فِيهِ ، أَمْرٌ مِنَ السَّمَاءِ، حَتَّى صَعِدَهُ رَجُلٌ فَأَلْقَى مِنْهُ حِجَارَةٌ، فَلَمَّا لِمَ يَرَةَ النَّاسُ أَصَابَهُ شَىْءٌ تَتَبَعُوا، فَتَقَضُوهُ حَتَّى بَلَغُوا بِهِ الأَرْضَ، فَجَعَّلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ أَعْمِدَةً، فَسَتَّرَ عَلَيْهَا السُُّورَ ، حَتَّى ارْتَفَعَ بِناؤُهُ . وَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: إِنِّى سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ: إِنَّالنَّبِىَّ ◌َيْ قَالَ : ((لوْلا أَنَّ النَّاسَ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بِكُفْرِ ، وَلَيْسَ عِنْدِى مِنَ النَّفَقَةِ مَا يُقَوِّى عَلَى بِنَائِهِ، لَكُنْتُ أَدْخَلتُ فيه منَ الحِجْرِ خَمْسَ أَذْرُعٍ، وَجَعَلْتُ لَهَ بَابًا يَدْخُلُ النَّاسُ مِنْهُ، وَبَبًا يَخْرُ جُونَ مِنْهُ)). وليس فى قوله - عليه السلام -: (( ليس عندى من النفقة ما يقوينى به على بنائه))، وبين قوله فى الحديث الآخر: (( لأنفقت كنز الكعبة فى سبيل الله)) تنافر ؛ إذ قد يمكن أنه - عليه السلام - لم يرد إنفاق كنز الكعبة فى بنائها الذى هو فى سبيل الله ولا غيره ؛ لئلا تتقول قريش فى ذلك وتنكره كما تنكر البناء للكعبة ؛ لعادتها فى تعظيم تغيير ذلك وتناول شىء من مالها ، وإنما کان - عليه السلام - أراد استئلافهم وتسکین الأمور وترکها حتى يتمكن الإيمان فى قلوبهم ؛ ولذلك - والله أعلم - لم يغير حجابة البيت ولا أخرجها عمن كانت بيده ، وقد طلبها له آله ، وقد كان عمر - رضى الله عنه - هَمَّ بقسمة مال الكعبة فخالفه بعض الصحابة فى ذلك ، واحتجوا عليه بأن صاحبيه لم يفعلا فوقف عن ذلك ، وقال له أبى : إن الله قد بيّن موضع كل مال ، ولأن فى إبقاء مالها وحليتها ترهيباً على العدو وإظهاراً للإسلام . وفى هذا الخبر من الفقه أن الأوقاف لا تصرف غير مصارفها. وفى تجويز النبى - عليه السلام - لفعله لولا مراعاة كفار قريش ، دليل على جواز نقل ما جعل فى سبيل [ من سبل](١) الله إلى سبيل آخر ، وهى إحدى الروايتين عندنا . وقول ابن عباس: ((قد فرق لى فيها رأى)): أى كشف وبين، قال الله تعالى: ﴿ وَقُوْنًا فَرَقْنَاهُ ﴾(٢): فصلناه وأحكمناه . (١) سقط من الأصل ، واستدرك بالهامش بسهم . (٢) الإسراء : ١٠٦ . ٤٣٢ كتاب الحج / باب نقض الكعبة وبنائها قَالَ : فَأَنَا اليَوْمَ أَجِدُمَا أُنْفِقُ، وَلَسْتُ أَخَافُ النَّاسَ . قَالَ: فَزَادَ فِيهِ خَمْسَ أَذْرُعٍ مِنَ الحجْر ، حَتَّى أَبْدَى أُسَا نَظَرَ النَّاسُ إِلَيْهِ، فَبَتَى عَلَيْهِ البِنَاءَ، وَكَانَ طُولُ الكَعْبَةِ ثَمَانِىَ عَشْرَةَ ذِرَاعًا، فَلَمَّا زَادَ فِيهِ اسْتَقْصَرَهُ، فَزَادَ فِى طُولِهِ عَشَرَ أَدْرُعٍ، وَجَعَلَ لهُ بَابَيْنِ : أَحَدُهُمَا يُدْخَلُ مِنْهُ ، وَالآخَرَّ يُخْرَجُ مِنْهُ. فَلمَّا قُثِلَ ابَنَّ الزُّبِيْرِ كَتَبَ الحَجَّاجُ إِلى عَبْدِ المَلِكِ ابْنِ مَرْوَانَ يُخْبِرُهُ بِذَلِكَ، وَيُخْبِرُهُ أَنَّ ابْنَ الزُّبَرِ قَدْ وَضَعَ الِنَاءَ عَلَى أُسِّنَظَرَ إِليْهِ العُدُولُ مِنَ أَهْلِ مَكَّةَ . فَكَتَبَ إِلَيْهِ عَبّدُ المَلكِ: إِنَّا لِسْنَا مِنْ تَلطيخِ ابْنِ الزَّبَيْرِ فِى شَىْءٍ ، أَمَّ مَا زَادَ فِى طُولَه فَأَقْرَّهُ، وَأَمَّا مَا زَادَ فِيهِ مِنَ الحِجْرِ فَرُدَهُ إِلى بِنَائِهِ، وَسُدَّ البَابَ الذى فَتَحَهُ ، فَنَقَضَهُ وَأَعَادَهُ إِلی بِنَاتِهِ . وقوله: ((تتابعوا فنقضوه)) ضبطنا هذا الحرف على أبى بحر وحده، ((تتابعوا)) بالتاء باثنتين تحتها ، وعند غيره بالباء بواحدة ، وهو بمعنى واحد ، إلا أنه أكثر ما يستعمل الياء باثنتين تحتها فى الشر خصوصاً ، وليس هذا موضعه . وقوله: ((فنقضوه ـ يعنى البيت - حتى بلغ الأرض، فجعل [ ابن ](١) الزبير أعمدة فستر عليها الستور حتى ارتفع بناؤه )) : صنع ذلك ليصلى الناس إلى تلك الستور وتكون قبلة لهم ؛ إذ المقصود بالاستقبال البناء لا البقعة ، ولو كان المقصود البقعة لاتفقوا على جواز الصلاة فى الكعبة وعلى استقبال الحجر مجرداً ، وقد كان ابن عباس أشار عليه نحو هذا وقال له : إن كنت هادمها فلا تدع الناس بلا قبلة (٢)، فقال له جابر: صلوا إلى موضعها فهى القبلة. وقد أجاز الشافعى الصلاة على هذه السبيل أن يصلى فى أرض الكعبة ويجزئه(٣). وكذلك يجىء على قوله: ((يجزئه أن يستقبل أرضها)). وتحديده - عليه السلام - أن يدخل من الحجر خمسة أذرع ، وفى الرواية الأخرى : ستة أذرع ، تحديد بين لمقدار ما فى الحجر من الكعبة . وقول عبد الملك: (( لسنا من تلطيخ ابن الزبير فى شىء )) يريد بذلك العيب لعمله ، يقال : لطخت فلاناً بأمر قبيح ، ورجل لطيخ : قذر . (١) ساقطة من الأصل ، واستدركت فى الهامش . (٢) إتحاف الورى بأخبار أم القرى ٢/ ٧٠. (٣) التمهيد ٣١٨/١٥ . ٤٣٣ كتاب الحج / باب نقض الكعبة وبنائها ٤٠٣ _ ( ... ) حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ الله بْنَ عُبَيْدِ بْن عُمَيْرِ وَالْوَلِيدَ بْنَ عَطَاءَ يُحَدِّثَانِ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الله ابْنِ أَبِى رَبِيعَةَ . قَالَ عَبْدُ الله بْنُ عُبَيْدٍ: وَفَدَ الَحَارِثُ بْنُ عَبْد الله عَلَى عَبْد الَلَكِ بْنِ مَرْوَانَ فِى خلافَتَه. فَقَالَ عَبْدُ الَلك: مَا أَظُنُّ أَبَا خُبَيْب - يَعْنِى ابْنَ الزُّبَيْرِ - سَمِعَ مِنْ عَائِشَةَ مَا كَانَ يَزْعُمُ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْهَا. قَالَ الحَارثُ: بَلَى، أَنَّا سَمِعْتُهُ مِنْهَا. قَالَ: سَمَعْتَهَا تَقُولُ مَاذَا؟ قَالَ : قَالتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ لَّهُ: ((إنَّ قَوْمَك اسْتَقْصَرُوا مِنْ بُنْيَانِ البَيْت، وَلَوْلا حَدَاثَةُ عَهْدِهِمْ بِالشِّرْكِ أَعَدْتُ مَا تَرَكُوا مِنْهُ ، فَإِنْ بَدَاَ لِقَوْمُكِ مِنْ بَعْدِى أَنْ يَبْنُوهُ، فَهَلِمِّى لِأُرَيَك مَا تَرَكُوا مِنْهُ)) . فَأَرَاهَا قَرِيبًا مِنْ سَبْعَةٍ أَذْرُع. هَذَا حَدِيثُ عَبْدِ الله بْنِ عُبَيْدٍ . وَزَادَ عَلَيْهِ الوَليدُ بْنُ عَطَاءِ : قَالَ النَّبِىُّ ◌َّهُ: (( وَجَعَلَّتُ لَهَا بَابَيَّنِ مَوْضُوعَيَّنِ فِى الأَرْضِ شَرْقِياً وَغَرْبِيًا، وَهَلْ تَدْرِينَ لِمَ كَانَ قَوْمُكِ رَفَعُوا بَابَهَا؟)) قَالتْ: قُلْتُ: لَا. قَالَ: ((تَعَزُّزًا أَلَا يَدْخُلَهَا إلا مَنْ أَرَادُوا، فَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا هُوَ أَرَادَ أَنْ يَدْخُلُهَا يَدَعُونَهُ يَرْتَقِى، حَتَّى إِذَا كَادَ أَنْ يَدْخُلَ دَفَعُوهُ فَسَقَطَ » . قَالَ عَبْدُ الَلِك للحَارِثِ: أَنْتَ سَمِعْتَهَا تَقُولُ هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَنَكَتَ سَاعَةٌ بِعَصَاهُ ثُمَّ قَالَ: وَدَدْتُ أَنِّى تَرَكْتُهُ وَمَا تَحَمَّلَ . ( .. ) وَحَدَّثْنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ. ح وَحَدَّثْنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، كِلاهُمَا عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ بَكْرٍ. ٤٠٤ - ( .. ) وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ بَكْرِ السَّهْمِىُّ، حَدَّثَنَا وذكر مسلم فى الباب : ثنا محمد بن حاتم ، ثنا محمد بن بكر. وفيه : قال عبد الله ابن عبيد : وفد الحارث بن عبد الله على عبد الملك بن مروان. كذا لهم ، وعند الفارسى : وفد الحارث بن عبد الأعلى ، وهو خطأ. وهو الحارث بن عبد الله بن أبى ربيعة (١) المذكور أول الحديث وبعده فى الحديث الآخر فى الأم . (١) الحارث بن عبد الله بن أبى ربيعة، يقال: ابن عياش بن أبى ربيعة، روى عن النبى - عليه السلام - مرسلاً وعن عمر ومعاوية وعائشة وحفصة وأم سلمة ، وعنه : سعيد بن جبير والشعبى ومجاهد والزهرى وغيرهم ، وروى البخارى فى تاريخه عن الشعبى أن الحارث ماتت أمه وهى نصرانية فشيعها أصحاب رسول الله - عليه السلام . ذكره بعض من ألف فى الصحابة ، وذكره ابن معين فى تابعى أهل مكة ، وذكره ابن حبان فى التابعين والثقات . التهذيب ٢/ ١٤٤، ١٤٥ . ٤٣٤ كتاب الحج / باب نقض الكعبة وبنائها حَاتِمُ بْنُ أَبِى صَغِيرَةَ، عَنْ أَبِى قَزَعَةَ ؛ أَنَّ عَبْدَ الَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ ، بَيْنَمَا هُوَ يَطُوفُ بالَبَيْت إِذْ قَالَ : قَاتَلَ اللهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ، حَيْثُ يَكْذِبُ عَلَى أُمِّ المُؤْمِنِينَ ، يَقُولُ: سَمِعْتُهَا تَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللهِ عَّةُ: ((يَا عَائِشَةُ، لَوْلا حَدَثَانُ قَوْك بالكُفْرِ لنَقَضْتُ البَيْتَ حَتَّى أَزِيدَ فِيهِ مِنَ الحِجْرِ، فَإِنَّ قَوْمَكِ قَصَّرُوا فِى الِنَاءِ» . فَقَالَ الَارِثُ بَّنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِى رَبِيعَةَ: لَا تَقُلْ هَذَا يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، فَأَنَا سَمِعْتُ أُمَّالمُؤْمِنِينَ تُحَدِّثَّ هَذَا . قَالَ : لَوْ كُنْتُ سَمِعْتُهُ قَبْلَ أَنْ أَهْدِمَهُ ، لِتَرَكْتُهُ عَلَى مَا بَنَى ابْنُ الزَّبَيْرِ. وقوله: ((فنكت ساعة بعصاه)): أى ضرب بطرفها فى الأرض كما يفعل المتفكر فى الأمر المهتم به . : ٤٣٥ كتاب الحج / باب جدر الكعبة وبابها (٧٠) باب جدر الكعبة و بابها ٤٠٥ _ ( ... ) حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُور، حَدَّثْنَا أَبُو الأَحْوَصِ، حَدَّثَنَا أَشْعَثُ بْنُ أَبِى الشَّعْثَاءِ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِعَّهُ، عَنِ الْجَدْرِ؟ أَمنَ البَيْتِ هُوَ؟ قَالَ: ((نَعَمْ)). قُلتُ: فَلِمَ لمْ يُدْخِلوُهُ فِى الْبَيْتِ؟ قَالَ : ((إِنَّ قَوْمَك قَصَّرَتْ بِهِمُ النَّفَقَةُ )) . قُلتُ : فَمَا شَأَنُ بَابِهِ مُرْتَفِعًا؟ قَالَ: ((فَعَلَ ذَلَكَ قَوْمُكَ لِيُدْخلوا مَنْ شَاؤُوا وَيَمْنَعُوا مَنْ شَاؤُوا، وَلَوْلا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ فِى الْجَاهِلِيَّةِ ، فَأَخَافُ أَنْ تُنْكِرَ قُلُوبُهُمْ، لِنَظَرْتُ أَنْ أُدْخِلَ الْجَدْرَ فِى البَيْتِ ، وَأَنْ أُلزِقَ بَابَهُ بِالأَرْضِ » . ٤٠٦ - (.) وَحَدَّثْنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثْنَا عُبَيْدُ الله - يَعْنِى ابْنَ مُوسَى - حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ أَبِى الشَّعْثَاءِ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ الله ◌َّ عَنِ الحِجْرِ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ أَبِى الأَخْوَصِ . وَقَالَ فيه : فَقُلتُ: فَمَا شَأَنُ بَابِهِ مُرْتَفِعًا لا يُصْعَدُ إِليْهِ إِلا بِسُلم؟ وَقَالَ: ((مَخَافَةً أَنْ تَتْفِرَ قُلُوبُهُمْ)). وقوله فى حديث سعيد بن منصور: (( فأخاف أن تنكره قلوبهم)). كذا لجمهور الرواة، وحدثنا به الخشنى عن الهَوْزنى: (( تنكه قلوبهم)» هكذا كان عنده، وإن لم [ يكن ](١) تصحيفاً ووهماً فوجهه بعيد ولا يكاد يصح له ها هنا معنى، وفى هذا الحديث: (( لنظرت أن أدخل الجدر فى البيت))، قال الشيخ: لعله قال: (( الحجر فى البيت )) ثبت قول الشيخ فى الأصل للسمرقندى والعذرى ، ولا وجه لتوهيمه الرواية ؛ إذ المراد بالجَدْر أسُ الحجر ، وقد تقدم أنه روى بالوجهين الجَدْر ، الحائط ، ويكون - أيضاً - ما يرفع من جوانب الشربات فى أصول النخل وهى كالحيطان لها، ومنه الحديث: ((اسق حتى تبلغ الجَدْر))(٢)، وهى فى هذا الحديث بقايا حائط البيت الذى لم يتم عليه . (١) ساقطة من الأصل واستدركت فى الهامش بسهم . (٢) سيأتى فى ك الفضائل، ب وجوب اتباعه عليه حديث رقم (١٢٩). ٤٣٦ كتاب الحج / باب الحج عن العاجز ... إلخ (٧١) باب الحج عن العاجز لزمانة وهرم ونحوهما ، أو للموت ٤٠٧ _ (١٣٣٤) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْتَى، قَالَ : قَرَآتُ عَلَى مَالِكِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سُلْيْمَانَ بْنِ يَسَارِ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَبَّاس؛ أَنَّهُ قَالَ : كَانَ الفَضْلُ بْنُ عَبَّاسِ رَدِيفَ رَسُول الله عَّهِ فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ خَتَّعَمَ تَسْتَفْتِهِ ، فَجَعَلَ الفَضْلُ يَنْظُرُ إِليْهَا وَتَنْظُّرُ إِلَيْهِ ، فَجَعَلَّ رَسُولُ الله ◌ٍَّ يَصْرِفُ وَجْهَ الفَضْلِ إِلى الشَّقِّ الآخَرِ. قَالتْ: يَا رَسُولَ الله ، إنَّ فَرِيضَةَ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ فِى الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِى شَيْخًا كَبِيرًا، لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الرَّحِلةِ، أَفَحُجُّ عَنَّهُ؟ قَالَ : ((نَعَمْ ))، وَذَلِكَ فِى حَجَّةِ الْوَدَاعِ . وقول الخثعمية : إن فريضة الله على عباده فى الحج أدركت أبى شيخاً كبيراً ، لا يستطيع أن يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟ قال: ((نعم)). قال الإمام : يرى المخالف أن من عجز عن الحج وله مال، فعليه أن يستنيب من يحج عنه ، ويحتج بهذا [ الحديث](١)، وبقوله فى حديث آخر: ((أرأيت لو كان على أبيك دين))(٢) الحديث. وعندنا أنه لا يعلم(٣) الاستنابة، ولنا قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ (٤)، وهذا ظاهره استطاعة البدن ، ولو كان المال لقال : إحجاج البيت ، وكأن الحج فرع بين أصلين: أحدهما : عمل بدن مجرد ؛ كالصلاة والصوم فلا يستناب فى ذلك ، والثانى : المال ؛ كالصدقة وشبهه(٥)، فهذا يستناب فيه . والحج عمل بدن ونفقة مال ، فمن غلب حكم البدن رده إلى الصلاة والصوم ، ومن غلب حكم المال ردَّه إلى الصدقات والكفارات . قال القاضى : لا حجة للمخالف بظاهر هذا الحديث ؛ إذ ليس قولها : « إن فريضة الله على عباده فى الحج أدركت أبى شيخاً كبيراً)) مما يوجب دخوله فى هذا الفرض ، بل أخبرت أن إلزام الله عباده الحج الذى وقع بشرط من استطاع إليه سبيلا ، كان وأبوها بصفة من لا يستطيع، وهذه الزيادة هنا بقوله: ((على عباده)) تقضى على الأحاديث التى فيها : ((أدركته)) ولم يذكر فيها هذه الزيادة، ثم استأذنته فى : هل لها أن تحج عنه ؟ وهل يباح (١) ساقطة من ع . (٢) النسائى فى الكبرى ، ك الحج ، ب تشبيه قضاء الحج بقضاء الدين ٣٢٤/٢، أحمد ٥/٤ . (٣) فى ع : يلزمه . (٤) آل عمران : ٩٧ . (٥) فى ع : وشبه ذلك . كتاب الحج / باب الحج عن العاجز ... إلخ ٤٣٧ ٤٠٨ - (١٣٣٥) حَدَّثَنِى عَلِىُّ بْنُ خَشْرَمٍ ، أَخْبَرَنَا عِيسَى عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنِ ابْنِ ٢٢١ / ب لها ذلك أو له فيه أجر ومنفعة؟ هذا أظهر معانى الحديث وهو مذهب مالك ومن/ شایعه ، وقال بقوله من السلف والخلف : إن الاستطاعة على العموم ، وهى القدرة على الوصول كيف تأتى، وليس من شرطه الراحلة لمن يقدر على الوصول على رجليه من غير مشقة فادحة. واختلف شيوخنا : هل تراعى فى ذلك عادته أم لا ؟ قال مالك : ما ذلك إلا قدر طاقة الناس ، ولا صفة فيها أبلغ مما قال الله تعالى: ﴿ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾(١) ، وذهب معظم الفقهاء إلى أن الاستطاعة الزادُ والراحلة ، ولم يلزموا من لا يقدر على الراحلة ويقدر على المشى الحج. وقد ذهب بعض أصحابنا إلى أن الاستطاعة الزاد والراحلة(٢)، ولكن لا يوافقون المخالف فى مآل قوله : وقد جاء حديث بهذا فى تفسير الاستطاعة ، وتأويله عندنا: أنها أحد أنواع الاستطاعات لا أنه تفسير كلية الاستطاعة ، وعليه يتأول ما أطلقه من ذلك بعض أصحابنا بدليل حال أبى الخثعمية ، وهو ممن يستطيع مع وجود الزاد والراحلة(٣)، مع أن أهل الحديث قد ضعّفوا راوى هذا التفسير فى الحديث ، ولعمرى إنه ليبين إن صح ويشير إلى معنى الاستطاعة وهو السبب الموصل للبيت من الزاد والراحلة ، وما فى معناها من صحة الجسم وأمان الطريق ؛ إذ الزاد والراحلة فى طيهما ، فما قام مقامهما من صحة البدن قام مقامهما فى الوجوب . (١) آل عمران : ٩٧ . (٢) انظر: التمهيد ١٢٦/٩ وما بعدها، تفسير القرطبى ١٤٥/٤ وما بعدها . وقال عمر بن الخطاب : ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾: قال : الزاد والراحلة ، وبه قال ابن عباس وعطاء وعمرو بن دينار وسعيد بن جبير والحسن . قال أبو جعفر : وأولى الأقوال عندنا بالصواب قول من قال بقول ابن الزبير وعطاء أن ذلك على قدر الطاقة ؛ لأن السبيل فى كلام العرب الطريق ، فمن كان واجداً طريقاً إلى الحج لا مانع له من زمانة أو عجز أو عدو أو قلة ماء فى طريقه أو زاد أو ضعف عن المشى، فعليه فرض الحج لا يجزيه إلا أداؤه ، فإن لم يكن واجداً سبيلاً ، أعنى بذلك ؛ فإن لم يكن مطيقاً الحج لتعذر بعض هذه المعانى التى وصفتها عليه ، فهو ممن لم يجد إليه طريقاً ولا يستطيعه ؛ لأن الاستطاعة إلى ذلك هو القدرة عليه . انظر: تفسير الطبرى ٤ / ١١، ١٢ . (٣) الحديث فى الترمذى ، ك الحج ، ب ما جاء فى إيجاب الحج بالزاد والراحلة برقم (٨١٣)، وقال فيه : ((حديث حسن))، وقال : فيه ابن يزيد الخوزى قد تكلم فيه ١٦٨/٣، وابن ماجه ، ك المناسك ، ب ما يوجب الحج ، عن ابن عمر ، وجاء عن ابن عباس ٩٦٧/٢، والبيهقى فى الكبرى ، ب الرجل يطيق المشى ، عن أنس ، وهو من مراسيل الحسن ، وكذا حديث ابن عمر وابن عباس ، ثم قال : أما حديث ابن عمر ضعفه أهل العلم بالحديث ، وأما حديث أنس فما أراه إلا وهماً . وروى عن عائشة أنها قالت: سئل النبى معَّ: ما السبيل إلى الحج؟ قال: ((الزاد والراحلة)»، والمحفوظ منها حديث الحسن عن قتادة. الكبرى ٤/ ٣٣٠ . كتاب الحج / باب الحج عن العاجز ... إلخ ٤٣٨ شهَابٍ، حَدَّثْنَا سُلْيْمَانُ بْنُ يَسَارِ عَنِ ابْنِ عَّاسٍ ، عَنِ الفَضْلِ؛ أَنَّ امْرَةً مِنْ خَشْعَمَ قَالَتْ: وقد اتفقوا أنه لا يلزم المريض والشيخ والضعيف ومن لا يقدر على مشى الحج بنفسه ؛ إذ ليس بمستطيع لهذا، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾(١)، وقد قال - عليه السلام -: (( لا تحل الصدقة لغنى، ولا لذى مرة سوى))(٢)، فقد ألحق صحة الجسم بوجود المال، وقال تعالى: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾(٣). ثم اختلفوا بعد إذا عجز لجسمه ، كالشيخ الهرم ومن لزمته علة ، أو خفت أعضاؤه عن الركوب والمشى ، وهذا هو المعضوب وله مال ، هل تلزمه الاستنابة فى الحج عن نفسه على ما تقدم؟ فمالك لا يوجبه (٤) ، ومعظمهم يوجبونه ؛ أخذاً بظاهر الحديث ، وأن الاستطاعة بالمال استطاعة ، فيحج غيره عن نفسه ممن يطيقه لذلك بأجر أو بغير أجر ، فإذا وجد ذلك وقدر عليه وجب عليه الحج. وهذه النيابة عنه ، وهذا مذهب(٥) الشافعى ومن شايعه ، وأبو حنيفة (٦) وغيره يقول : إذا لم يجد ما يكرى به من يحج عنه لم يلزمه ، وإن تطوع له به متطوع من ولدٍ أو غيره . ثم اختلفوا إذا صح هذا المعضوب وقد حج عنه ، فجمهور هؤلاء أنه يستأنف الحج ولا يجزئه تلك النيابة ، وقال أحمد وإسحق (٧) : يجزئه ذلك، وإذا أوصى بها وهو ضرورة كانت عند مالك وأبى حنيفة من ثلثه ، وعند الشافعى من رأس ماله. وقد قلنا : إنه لا ظاهر فيه للوجوب، وأن قولها : ((فريضة الله على عباده أدركت أبى)) حين فُرض الحج على عباده المستطيعين كان أبى بصفة من لم يُفرض عليه من عدم الاستطاعة ، وما فى الرواية الأخرى: ((إن أبى شيخ كبير ، عليه فريضة الله فى الحج ، وهو لا يستطيع أن يستوى على ظهر بعيره))، فقد قلنا: إن الرواية الثانية بقوله: ((على عباده)) تبين هذا الإشكال وترفعه ، وقيل : يحتمل أنها ظنت أن ذلك يجب عليه ، وقيل : يحتمل أن يكون على ظاهره ، وأنه كان حين فرض الحج ممن يستطيع ، وهو الآن ممن لا يستطيع . وقد اختلف فى فرض الحج متى كان ؟ فقيل : سنة خمس ، وقيل : سنة تسع ، وإذا احتمل هذا لم يكن فى قولها ذلك ، وإقرار النبى - عليه السلام - لها عليه حجة للمخالف ، ومما استدلوا به قوله فى كتاب مسلم فى الحديث الآخر: (( أرأيت لو كان على أبيك دين - (١) الحج : ٨٧ . (٢) أبو داود، ك الزكاة، ب من يعطى من الصدقة وحد الغنى ٣٧٩/١، والنسائى، ك الزكاة، ب إذا لم يكن له دراهم وكان له عدلهم ٩٩/٥، وابن ماجه ، ك الزكاة، ب من سأل عن ظهر غنى ٥٨٩/١. (٣) الحج : ٢٧ . (٤ - ٦) انظر: الاستذكار ١٢ / ٦٢، ٦٣ . (٧) انظر: المغنى لابن قدامة ٢١/٥ وما بعدها . كتاب الحج / باب الحج عن العاجز ... إلخ ٤٣٩ يَا رَسُولَ الله، إِنَّ أَبِى شَيْخُ كَبِيرٌ، عَلَيْهِ فَرِيضَةُ اللهِ فِى الْحَجِّ، وَهُوَ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَوِىَ أكنت تقضينه؟))(١) والدين واجب وليس هذا بظاهر، إذ لا يلزم الولى قضاء دين وليه ، وإنما تمثيله بقضاء الدين فى المنفعة لحجها عنه من الأجر بما تنفق عنه فيه ، ولا سيما إن كان الميت قد نذره، كما جاء فى الحديث الآخر: ((وعليها نذر))(٢) ، فصارت تلك النفقة كالدين عليها ؛ إذ الحج يجمع عمل المال والبدن ، فمن أداه عنه أبرأ ذمته منه كالدين ، وبما يناله من بركة دعائها هناك كما ينتفع بأداء الدين وزوال تباعته إذا قضاه عنه ، وقد روى فى هذا: ((قيل: أينفعه؟ قال: كما لو كان على أحدكم الدين فيقضيه وليُّه))(٣)، وليس هذه صورة الوجوب، وقد روى عبد الرزاق عن الثورى: أن رجلاً سأل النبى - عليه السلام -: أأحج عن أبى؟ قال: ((إن لم يزده خيراً لم يزده شراً)) (٤) لكنه مما تفرد به عبد الرزاق عن الثوری. قال أبو عمرو : حديث الخثعمية عند مالك وأصحابه مخصوص بها ، كما خص سالم مولى أبي حذيفة برضاعة الكبير عنده وعند المخالف ، وقال غيره : فى حديث الخثعمية اضطراب لا تقوم به حجة ، مرة جاء: ((إن فريضة الله أدركت أبى)) كما هنا، ومرة جاء: ((إن أمى ماتت / وعليها نذر))(٥)، ومرة جاء : أن السائل رجل ، ولكن قد يحتمل - أيضا - أنها قصص متفرقة ، ومذهب مالك والليث والحسن بن حيى : أنه لا يحج أحد عن أحد ، إلا عن ميت (٦) لم يحج حجة الإسلام ولا ثبوت عن فرضه. قال مالك(٧): إذا أوصى ، وكذلك عنده ولو كان أوصى بالتطوع. وحكى عن النخعى وبعض السلف : لا يحج أحد عن أحد جملة ، وحكى عن مالك مثله وإن كانت وصية ، وقال جمهور الفقهاء: يجوز أن يحج عن الميت عن فرضه ونذره (٨)، وإن لم يوص بذلك ويجزى عنه ، واختلف قول الشافعى فى الإجزاء عن الفرض ، وأجاز أبو حنيفة والثورى وصية الصحيح بالحج عنه تطوعاً ، وروى مثله عن مالك ، وقال بعض أصحابنا : لا يجوز ذلك إلا الابن عن أبيه (٩)، وقال آخرون: أو عن ذوى القرابة القريبة (١٠)، يعنون من الموتى. وقال سفيان والحسن بن على : لا تحج فى الوصية بالحج من لم يحج عن نفسه ، وقاله ٢٢٢ / أ (١) سبق تخريجه ص ٢٨١ . (٢) البخارى، ك الوصايا، ب ما يستحب لمن يتوفى فجأة أن يتصدقوا وقضاء النذور على الميت ٢/ ١٠، وأبو داود ، ك الأيمان والنذور ، ب فى قضاء النذر عن الميت ١/ ٢١٢ . (٣) مسند الحميدى ٢٣٥/١ برقم (٥٠٧). (٤) المصنف ، ك الوصايا ، ب الصدقة عن الميت ٩ / ٦٠ (١٦٣٤١) بنحوه. (٥) البخارى ، ك الاعتصام، ب من شبه أصلاً معلوماً بأصل مبين قد بين الله حكمها ليفهم السائل ١٣٥/٣. (٦ - ٨) انظر: التمهيد ١٣٤/٩ وما بعدها . (٩، ١٠) انظر: التمهيد ١٣٥/٩. ٤٤٠ كتاب الحج / باب الحج عن العاجز ... إلخ عَلَى ظَهْرِ بَعِيرِهِ . فَقَالَ النَّبِىُّ عَّهِ: ((فَحُجِّى عَنّهُ)) . الشافعى(١) فيمن حج عن ميت، وأجاز ذلك مالك، والاختيار عنده أن يكون من حج عن نفسه ، وقال مرة : لا يحج عنه ضرورة ولا من فيه رق ، وجمهورهم يكره الإجازة فى ذلك. وقال أبو حنيفة : لا يجوز ، وأجازها الشافعى (٢)، وله قول بكراهتها ابتداء، فإذا وقعت مضت وهو قول مالك(٣). وقد قال بعض أصحابنا بإجازتها فى الميت دون غيره. وفى قوله : - عليه السلام - لها: (( نعم)) دليل على صحة الرخصة فى ذلك، وجواز النيابة فيه على سبيل التطوع ، كما قدمناه. وعلى أحد القولين عندنا فى هذا الأصل، وجواز حج المرأة عن الرجل ، خلافاً للحسن (٤) بن حيى وحده ، لمخالفتها إياه فى الإحرام، ولباس المخيط والخلاف وغير ذلك. وهذا الحديث يرد عليه ، لا سيما على مذهبهم فى أنها تقضى عنه حجة الفريضة ، وقد تقدم الكلام على الاستنابة [ فى العبادات وما يجوز منها فيه ](٥) وما لا يجوز صدر الكتاب ، وتقدم فى حديث جابر الكلام على نظر الفضل. وقيل : فيه جواز حج المرأة بغير ذى محرم ؛ إذ لم يسألها النبى - عليه السلام - عن ذلك ، وفى هذا ضعف ، وفيه ما يلزم الأئمة من تغيير ما تخشى فتنته ومنع ما ينكر فى الدين. وفى صرف النبى معَّ﴾ وجه الفضل عن جهتها وتغطيته وجهه على ما جاء فى الحديث الآخر تغيير الأمر من الجهتين ، وفيه دليل على إحرام المرأة فى وجهها ، قيل : وفيه أن الحجاب مرفوع عن النساء ، ثابت على أزواج النبى معَّه على نص التلاوة ؛ إذ لم يأمرها النبى - عليه السلام - بستر وجهها ، وقد يقال : إن هذا كان قبل نزول الآية بإدناء الجلابيب والستر . قال أبو عبد الله : والاستتار للنساء سنة حسنة والحجاب على أزواج النبى عَّ فريضة. وفيه الحُجة للقول بالقياس وتشبيه ما اختلف فيه أو أشكل على ما اتفق عليه وحُقِّق ؛ ولهذا ترجم البخارى عليه فى بعض تراجمه : من شبه أصلاً بنظر ما بأصل مبين. قالوا : وفيه أن العمرة غير واجبة ؛ إذ ذكرت الحج وفرضه وعجز أبيها عن ذلك ولم تذكر العمرة. (١) انظر: التمهيد ١٣٦/٩. (٢، ٣) انظر: التمهيد ٩/ ١٣٧ . (٤) جاء فى التمهيد : وقال الحسن بن صالح بن حيى: يكره أن تحج المرأة عن الرجل ، ولا يكره أن يحج الرجل عن المرأة ؛ لأن المرأة تلبس والرجل لا يلبس . وفى حديث الخثعمية رد على الحسن ، فى قوله السابق. التمهيد ١٣٦/٩، ١٣٧. (٥) سقط من الأصل ، واستدرك فى الهامش .