Indexed OCR Text

Pages 301-320

كتاب صلاة العيدين / باب ذكر إباحة خروج النساء فى العيدين ... إلخ ـ- ٣٠١
حَقْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ، قَالَتْ: أَمَرَنَا رَسُولُ الله ◌َّهُ أَنْ نُخْرِجَهُنَّ فى الفطر
وَالأَضْحَى ، الْعَوَاتَقَ، وَالْحُيَّضَ وَذَوَات الْخُدُورِ. فَأَمَّ الْحُيَّضُ فَيَعْتَزِلْنَ الصَّلاَةَ
خمس بتكبيرة القيام ، وقال أبو حنيفة والثورى: خمس فى الأولى وأربع فى الثانية بتكبيرة
الافتتاح والقيام ، لكنه تقدم عندهم القراءة على الثلاث تكبيرات فى الثانية ، وكلهم يرى
صلة التكبير وتواليه ، وقال أحمد والشافعى وعطاء : يكون بين كل تكبيرتين ثناءٌ على
الله، وصلاة على النبى عَّه ودعاء (١)، وروى عن ابن مسعود (٢)، واختلف عن السلف
والصحابة فى تكبير العيد اختلافا كثيراً نحو اثنى عشر مذهبا . وأما الوجه الرابع فهو
التكبير بعد الصلاة فى عيد النحر ، فاختلف السلف والعلماء فيه - أيضا - على نحو عشر
مقالات: هل ابتداؤه من صبح يوم عرفة ؟ أو ظهرها ؟ أو من صبح يوم النحر ؟ أو ظهره؟
وانتهاؤه فى ظهر يوم النحر ؟ أو فى ظهر أول يوم من أيام النفر ؟ أو فى صلاة الصبح من
آخر أيام التشريق ؟ أو فى صلاة الظهر ؟ أوفى صلاة العصر ؟ واختيار مالك والشافعى
وجماعة من أهل العلم ابتداؤه صلاة الظهر يوم النحر ، وانتهاؤه صلاة الصبح آخر أيام
التشريق (٣) ، واختار بعض أصحابه قطعه بعد صلاة الظهر ذلك اليوم ، وبعضهم بعد
العصر ، ومذهبنا ومذهب الشافعى وجماعة من أهل العلم أنه للمنفرد والجماعة والرجال
والنساء والمقيم والمسافر ، وقال أبو حنيفة والثورى وابن حنبل: إنما يلزم جماعات الرجال.
وكذلك اختلفوا فى التكبير دبر النوافل ، فلم ير ذلك مالكٌ فى المشهور عنه ، والثورى
وأحمد وإسحق وقال الشافعى : يكبر ، وروى عن مالك ، واختلفوا فى صفة التكبير ، هل
هو ثلاث ؟ وهو مشهور قول مالك ، أولا حدَّ فيه ؟ وهو الذى حكاه ابن شعبان فى
مختصره إن شاء ثلاثا وإن شاء أربعًا أو خمسا ، ليس فيه شىء موصوفٌ ، أو فيه حمدٌ
وتهليل ، فيقول : الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله والله أكبر، [الله أكبر] (٤) [ولله
الحمد ] (٥)، وهو قول مالك (٦) الآخَر والكوفيين وفقهاء الحديث ، واختار بعضهم غير
هذا من زياده ثناء وحمد مع التكبير والتهليل (٧).
(١) وذلك لما جاء عن مكحول: بين كل تكبيرتين صلاة على النبى معَّه. المصنف ٢٩١/٣.
(٢) فقد أخرج الطبرانى فى الكبير عنه : بين كل تكبيرتين قدر كلمة ، قال الهيثمى : فيه عبد الكريم ، وهو
ضعيف ٢/ ٢٠٥.
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة من حديث سعيد بن جبير ١٦٦/٢ .
(٦) وهو قول الحنفية والحنابلة.
(٤) من س .
(٥) فى س : الحمد لله .
(٧) فقد أخرج ابن أبى شيبة عن إبراهيم قال : كانوا يكبرون يوم عرفة وأحدهم مستقبل القبلة فى دبر الصلاة :
الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله والله أكبر، الله أكبر ولله الحمد. المصنف ١٦٧/٢.
وله عن ابن عباس أنه كان يقول : الله أكبر كبيرا ، الله أكبر كبيرا ، الله أكبر وأجلّ ، الله أكبر ولله
الحمد. السابق ١٦٨/٢. وانظر: معرفة السنن والآثار ١٠٨/٥.

٣٠٢ - كتاب صلاة العيدين / باب ذكر إباحة خروج النساء فى العيدين ... إلخ
وَيَشْهَدْنَ الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْمُسْلِمينَ قلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِحْدَانَا لاَ يَكُونُ لَهَا جَلْبَابٌ. قَالَ:
(لتُلبسْهَا أُخْتُهَا مِنْ جلبَابِهَا)) .
وكذلك اختلفوا ، هل يكبرون تلك الأيام فى غير أدبار الصلوات ؟ وهو المروى عن
جماعة السلف ، أم يختص بأدبار الصلوات فقط ؟. وقد ذكرمالك أنه أدرك الناس يفعلون
الوجهين ، وأجاز كلا لمن فعله ، لكن الذى فعله من يقتدى به وأختاره وهو التكبير دبر
الصلوات فقط (١) واختار بعض شيوخنا الوجه الأول للتشبيه بأهل منى .
وقوله: ((لِتُلْبِسْها [ أُخْتُها ] (٢) من جِلبابِها))، قال الإمام: الجلباب : هو الإزار ،
وجمعه جلاليب ، ومنه قوله تعالى: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِهِنَّ﴾ (٣).
قال القاضى : قال النضر بن شُميل : الجلبابُ ثوب أقصر وأعرض من الخمار ، وهى
١/١٤٦ المصنَّعة، تغطى المرأةُ / بها رأسها ، وقال غيره: هو ثوب واسع دون الرداء، تغطى به المرأة
ظهرها وصدرها ، وقيل : هو كالملاءة والمِلْحَفَة ، وقيل: هو الإزار ، وقيل : هو الخمار .
وظاهر قوله: ((لِتُلْبِسْها أُخْتُها من جلبابها)) أَى لِتُعِرْها جلبابها إذا تَعَوَّضَتْ هى منه بسواه
أو يكون على ظاهره ، ومشاركتها فيه للضرورة ، أو يكون على طريق المبالغة ، أى (٤)
يخرجن ولو اثنتان فى جلباب ، ففيه كلُّه الحض على المواساة والتأكيد فى خروجهن للعيد.
(١) المدونة ١/ ١٧٢. ولفظه فيها : لكن الذى فعله من أقتدى بهم.
(٢) ساقطة من س .
(٣) الأحزاب : ٥٩.
(٤) فى س : أن .

٣٠٣
كتاب صلاة العيدين / باب ترك الصلاة قبل العيد وبعدها فى المصلى
(٢) باب ترك الصلاة ، قبل العيد وبعدها، فى المصلى
١٣ - (٨٨٤) وحدّثَنَا عُبَيْدُ الله بْنُ مُعَاذ العَنْبَرِىُّ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ
عَدَىٍّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاس؛ أَنَّ رَسُولَ الله ◌ِمْ خَرَجَ يَوْمَ أَضْحَى أَوْ فِطرِ،
فَصَّلَّى رَكْعَتَيْنِ، لَمْ يُصَلَّ قَبْلَهَا وَلاَ بَعْدَهَا، ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ وَمَعَهُ بِلاَلٌّ، فَأَمَرُهُنَّ بِالصََّقَةً.
فَجَعَلَتِ الْمَرْأَةُ تُلْقِى خُرْصَهَا وَتُلْقِى سِخَبَهَا .
( ... ) وَحَدَّثَنِيهِ عَمْرٌو النَّاقدُ، حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ. ح وَحَدَّثَنِى أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعِ
وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ، جَمِيعًا عَنْ غُنَّدَرِ، كِلاَهُمَا عَنَ شَّعْبَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ.
وقوله: ((فصلى ركعتين لم يُصَلِّ قبلها ولابعدها)): وإلى هذا ذهب مالك - رحمه
الله - وأحمد، وهو المروى [ عن جماعة من الصحابة والتابعين، وذهب الشافعى إلى
جواز الصلاة قبلها وبعدها ، وروى ] (١) عن جماعة من السلف أيضا ، وذهب الكوفيون
والأوزاعى فى جماعة من التابعين إلى أنَّه يصلى بعدها ولا يصلى قبلها ، لكن مالكًا يقول:
هذا فى صلاتها فى الصحراء اقتداءً بالمروى عنه - عليه السلام - فأما إذا صُليت فى المسجد
فعنه ثلاثُ روايات : جواز الصلاة قبلها وبعدها لأنها ليست بالصورة المتقدمة ، وجوازها
بعدها لا قبلها ، كسائر التنفل بعد انصرافه إلى منزله ، ومنعه فى الوجهين ، اتباعا لما
مضى ، وقد منع بعضهم من التنفل جملة يوم العيد إلى الزوال ، واختاره بعض أصحابنا.
(١) سقط من س .

٣٠٤
كتاب صلاة العيدين / باب ما يقرأ فى صلاة العيدين
(٣) باب ما يقرأ فى صلاة العيدين
١٤ - (٨٩١) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْتَى، قَالَ: قَرَأَتُ عَلَىَ مَالِك عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ سَعِيد
الْمَازِنِىِّ، عَنْ عُبَيْدِ الله بْنِ عَبْدِ الله؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ سَأَلَ أَبَا وَاقِد اللَّيْنِىَّ: مَا كَانَ يَقْرَأَ
به رَسُولُ الله ◌ٌَّ فِى الأَضْحَى وَالْفِطرِ ؟ فَقَالَ : كَانَ يَقْرَأُ فِيهِمَا بـ ﴿قَ وَالْقُرْآنِ
الْمَجِيدِ﴾(١) و﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَاَنشَقَّ الْقَمَرِ﴾ (٢).
١٥ - ( ... ) وحدّثنا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا أُبُو عَامِرِ الْعَقَدِىُّ، حَدَّثْنَا فَلَيْحٌ عَنْ
ضَمْرَةَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُثْبَةَ، عَنْ أَبِى وَقِدِ اللَّيْنِىِّ؛ قَالَ : سَأَلَنِى
وذكر قراءة النبى - عليه السلام - فيها بقاف و ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾، ذهب الشافعى
إلى أن القراءة بذلك من سنن صلاة العيد ، ومالك وكافة العلماء لا يرون فيها حدا محدودًا
يتعين . قال بعض أصحاب المعانى : واختصاص النبى - عليه السلام - بقراءة هاتين
السورتين فى العيد لما فيهما من ذكر النشور والحشر وتشبيهه ببروز الناس وحشرهم للعيد
كذلك وتذكِّره به ، قال الله تعالى: فى ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾(٣) ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ
كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ (٤) وفى السورة الأخرى: ﴿ يَوْمَ تَشَقَّقُ الأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرَّ
عَلَيْنَا يَسِيرٌ ﴾ (٥) .
ذكر مسلم حديث يحيى بن يحيى عن مالك عن ضَمْرَة بن سعيد المازنىِّ عن عبيد الله
ابن عبد الله؛ أنَّ عمر بن الخطاب سأل أبا واقد: (( ما كان يقرأ به رسول الله عَّه فى
الأضحى والفطر؟)) هذا حديث غير متصل فى ظاهره من رواية مالك؛ لأن عبيد الله لاسماع
له من عمر وهو متصل بالحقيقة كما فسره فى رواية فليح فيما ذكره مسلم فى الطريق الآخر.
وسؤال عمر أبا واقد ، ومثلُ عمر لم يخف عليه هذه العلة ، اختبار له ، هل حفظ ذلك أو
لا؟ أو يكون قد دخل عليه شكٌّ أو نازعه غيره ممن سمعه يقرأ فى ذلك بـ ((سبّح)) والغاشية،
على ما تقدم فى باب الجمعة ، فأراد عمر الاستشهادَ عليه بما سمعه أيضا أبو واقد .
(١) ق : ١ .
(٢) القمر : ١ .
(٣) بعدها فى الأصل : يوم ، وهو وَهْم.
(٤) القمر : ٧ .
(٥) ق : ٤٤.
1

٣٠٥
-
كتاب صلاة العيدين / باب ما يقرأ فى صلاة العيدين
عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: عَمَّا قَرَأَ بِه رَسُولُ اللهِ عَّهِ فِى يَوْم الْعيد؟ فَقُلْتُ: بـ ﴿اقْتَرَبَتِ
السَّاعَةُ﴾ و﴿قَ وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾.
قال بعضهم: مثابرة النبى عَّهُ فيهما بقاف و ﴿ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ لما فيهما من ذكر
النشور وشبهه بخروج الناس للعيد كما قال: ﴿ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾(١)
وقوله : ﴿ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ (٢) والصدر عن المصلى لرجاء الغفران والسرور بالعيد كالصدر
من المحشر إلى الجنة مغفور لهم. وفيه دليل على جهره بالقراءة فيها، ولا خلاف فى ذلك.
:
(١) القمر : ٧ .
(٢) ق : ٤٢.

٣٠٦
كتاب صلاة العيدين / باب الرخصة فى اللعب ... إلخ
(٤) باب الرخصة فى اللعب ، الذى لامعصية فيه، فى أيام العيد
١٦ - (٨٩٢) حدّثَنَا أَبُوبَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِيهِ،
عَنْ عَائشَةَ؛ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَىَّ أَبُو بَكْر وَعِنْدِى جَارِيَتَانِ مِنْ جَوَارِى الأَنْصَارِ، تُغَنِيَان بمَا
تَقَاوَلَتَّ بِهِ الأَنْصَارُ يَوْمَ بُعَاث. قَالَتْ: وَلَيْسَنَا بِمُغَيْتَيْنِ. فَقَالَ أَبُوبَكْرِ: أَبِمُزَّمُورِ الشَّيَّطَانِ
فِى بَيْتِ رَسُولِ اللهِ عَُّ؟ وَذَلِكَ فِى يَوْمٍ عِيدٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ: ( يَا أَبَا بَكْرٍ، إِنَّلِكُلّ
قَوْمٍ عِيدًا، وَهَذَا عِيدُنَا)) .
وقوله : ((وعندي جاريتان تُغنيان))، قال الإمام : الغناء بآلة يمنع ، وبغير آلة اختلف
الناس فيه ، فمنعه أبو حنيفة ، وكرهه الشافعى ومالك ، وحكى أصحاب الشافعى عن
مالك أن مذهبه الإجازة من غير كراهة . قال القاضى : المعروف عن مالك فيه المنعُ لا
الإجازةُ ، ومثل هذه القصة لعائشة وهى حينئذ - والله أعلم - بقرب ابتنائه بها ، وفى سنٍّ
من لم يُكلَّفُ . وفى أول الأمر ، ومعها جاريتان من سِنِّها ، ثم ما أنشدتاه ليس فيه شعرٌ
بسب ولا رفث ؛ لأنه قال بما تقاولت به الأنصار يوم بعاث ، وإنما هى من أشعار الحرب
والمفاخرة بالشجاعة والظهور ، والغلبة ، وكل هذا مما لا يهيج على مثلهن شراً ، ولا
إنشادهما لذلك من الغناء المختلف فيه ، وإنما هو رفع الصوت بالإنشاد ، ألا ترى قوله فى
الحديث: ((وليست بمغنيتين)) أى ليستا ممن يغنى بما جرت به عادة المغنيات من التشويق
والهوى والتعريض بالفواحش والتشبيب بأهل الجمال مما يحرك النفوس ، ويبعث الهوى
والغزل، كما قيل: (( الغناء رقية الزنا)) (١)، أو ليستا أيضا ممن اشتهر وعرف بالإحسان
فى الغناء الذى فيه (٢) تمطيطٌ وتكسير ، وعمل يحرك الساكن ، ويبعث الكامن ، ولا ممن
اتخذ هذا صناعة وكسبًا ، وقد تقدم أن الجهر ورفع الصوت تسميه العربُ غناءً ، ألا ترى
كيف قال فى الرواية الأخرى: ((بغناء بعاث))، فسمى أشعارهم غناءً ، وليس مجرد
الإنشاد والترنم على عادة العرب من الغناء المختلف فيه .
وقد استجاز الصحابة وغيرهم غناء العرب (٣) المسمى بالنصب ، وهو إنشاد بصوت
رقيق فيه تمطيط ، وأجازوا الحداء ، وفعلوه بحضرة النبى - عليه السلام - وفي هذا كله إباحة
مثل هذا ، وما خف منه ولم يكن لصاحبه بعادة ، وهذا ومثله لا يجرّح به شاهد، ولا يقدح
فى العدالة، وأيضا فإن اللهو وضرب الدفاف جائز فى الأعراس، وهو أحد أفراح المسلمين
(١) قال القارى فى الموضوعات: هو من كلام الفضيل بن عياض. انظر: كشف الخفا ١٠٦/٢.
(٣) كررت العبارة فى س خطأ .
(٢) فى س : هو .

٣٠٧
كتاب صلاة العيدين / باب الرخصة فى اللعب ... إلخ
( ... ) وحدّثْناه يَحْيَى بْنُ يَحْبَى وَأَبُو كُرَيْب، جَمِيعًا عَنْ أَّبِى مُعَاوِيَةً عَنْ هِشَامٍ ، بِهَذَا
الإِسْنَادِ. وَفِهِ : جَارِيَتَانِ تَلْعَبَانِ بِدُفٍ.
١٧ - ( .. ) حدّثْنى هَرُونُ بْنُ سَعيد الأيْلِىُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْب، أَخْبَرَنَى عَمْرٌو ؛ أَنَّ
ابْنَ شِهَبِ حَدَّثَهُ عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ؛ أَنَّ أَبَا بَكْرِ دَخَلَ عَلَيْهَا، وَعَنْدَهَا جَارِيَتَانِ فِى أَيَّامِ
منىٌّ، تُغْنَِّانِ وَتَضْرِبَانِ، وَرَسُولُ اللهِ عَهُ مُسَجّىَ بِثَوْبِهِ، فَانْتَهَرَهُمَا أَبُو بَكَرٍ، فَكَشَفَّ
رَسُولُ اللهَِّ عَنّهُ، وَقَالَ: ((دَعْهُمَا يَا أَبَا بَكْرٍ ، فَإِنَّهَا أَيَّامُ عيد)) . وَقَالَتْ: رَأَيْتُ رَسُولَ
اللهِ عَُّ يَسْتُوُنِى بِدَائِهِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى الْحَبَشَةِ، وَهُمْ يَلْعَبُونَ. وَأَنَا جَارِيَةٌ، فَاقْدُرُوا قَدْرَ
وأعيادهم من ذلك، ألا ترى قوله - عليه السلام -: ((هذا عيدنا))، وفيه دليل على
إظهار السرور وأسبابه فى الأعياد .
وأما تسجية النبى معَّه بثوبه فى هذا الحديث وتحويله وجهه عنهن فى الحديث الآخر -
فإعراض عن هذا اللهو ، إذ لم يكن منه ولا من سببه ، وإن كان عنده مباحًا (١) لهؤلاء ،
كما قال: (( لسْتُ من دَدٍ، ولا دَدٌ منى)) (٢) ، وكذلك يكره فعله وحضوره ـــ وإن كان
مباحًا - لأهل الفضل والمروات ومن يقتدى به، وقد قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا
عَنْهُ﴾(٣)، أو لا ترى كيفَ كان إنكارُ أبى بكر أن يكونَ ذلك بمحضر رسول الله عَّ﴾ ،
وإنما إنكاره فلشبه عنده بالمنهى عنه من الغناء المنكر . [ وفيه فتوى المتعلم بحضرة مُعَلِّمِهِ مما
يعرف من مذهبه وعلمه، وإنكاره المنكر] (٤) بحضرته. ومعنى ((تقاولت)) أى قاله
بعضهم لبعض فى تلك الحرب .
١٤٧/ ب
ويوم بعاث يوم معلوم كان بين الخزرج / والأوس ، كان الظهور فيه للأوس ، ضبطناه
هنا بالعين المهملة ، وهو قول الأكثر من اللغويين ، وقال أبو عبيدة: يقال فيه ((بغاث))
(١) فى الأصل : مباح ، وهو خطأ.
(٢) الطبرانى فى الكبير عن معاوية ١٩ / ٣٤٤ والبيهقى عن أنس بن مالك مرفوعا ، قال البيهقى: قال على بن
المدينى : سألت أبا عبيدة صاحب العربية عن هذا فقال : يقول : لست من الباطل ولا الباطل منى ، وقال
أبو عبيد القاسم بن سلام : الدّدُ هو: اللعب واللهو ، ١٠ / ٢١٧ .
وأخرجه البخارى فى الأدب المفرد عن أنس بلفظ: ((ولا الدّدّ منى بشىء)) قال: يعنى ليس الباطل
منى بشى ٢/ ٢٥٧ .
والحديث فى جميع طرقه يدور على يحيى بن محمد بن قيس البصرى ، لا يتباع على حديثه ، وقال
ابن حبان: كان يقلب الأسانيد ويرفع المراسيل من غير تعمّد . راجع: العقيلى فى الضعفاء ٤٢٧/٤. وقال
الحافظ : محمد بن إسماعيل الجعفرى ، قال أبو حاتم : منكر الحديث ، يتكلمون فيه ، وقال أبو نعيم :
متروك. تهذيب ١١٣/٣.
(٣) القصص : ٥٥.
(٤) سقط من س .

٣٠٨
كتاب صلاة العيدين/ باب الرخصة فى اللعب ... إلخ
الْجَارِيَةِ الْعَرِبَةِ الْحَدِيثَةِ السِّنِّ.
١٨ - (.) وحدّثْنى أُبُو الطَّاهر، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْب، أَخْبَرَنِى يُونُسُ، عَنِ ابْنِ
شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: قَالَّتْ عَائشَةُ: وَالله، لَقَّدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ عَِّ يَقُومُ
عَلَى بَبَ حُجْرَتَى، وَالْحَبَشَةُ يَلْعَبُونَ بِحِرَابِهِمْ فِى مَسْجِدٍ رَسُولِ اللهِ عَّهُ يَسْتُرُنِى بردَائِه
لِكَىْ أَنْظَرَ إِلَى لَعِبِهِمْ، ثُمَّ يَقُومُ مِنْ أَجْلِى، حَتَّى أَكُونَ أَنَا التِى أَنْصَّرِفُ، فَاقْدِّرُوا قَدْرَّ
بالغين المعجمة ، وبالوجهين ضبطناه فى غير هذا المكان عن ابن سراج (١) .
و((مزمور الشيطان)) بضم الميم ، بمعنى مزمار فى الحديث الآخر ، وأصله الصوت
بصفير ، ومنه زمارة النعامة ، والزمير الصوت الحسن ، والزمير الغناء .
وقوله: ((ورسول الله عَُّ مسجَّىَّ بثوب))(٢) كما قال فى رواية أخرى: ((مغشى))(٣)
ولعل تقدم أبى بكر لزجرهم بين يدى النبى إذ رأى النبى معَّهُ مسجَّىَّ ووجهه إلى الجهة
الأخرى فظنَّ أنه نائمٌ لا علم عنده منهُنَّ ، ولا يسمع غناءهنٍ.
ومعنى الجارية العَربة، قال أهل التفسير فى قوله: ﴿عُرَبًا أَتْرَابًا﴾ (٤): واحدهن (٥)
عروبٌ، وهن المتحببات لأزواجهن ، وقيل غير هذا (٦) ، وقيل : العربة الغنجة (٧) ،
وامرأة عاربة أى ضاحكة ، والعروب النشاط ، فقد تكون العربة هنا المشتهرة (٨) فى اللعب
كما قال فى الحديث الآخر: (( الحريصة على اللهو)).
وفيه جواز اللعب بالدفِّ فى النكاح والأعياد وأفراح المسلمين ما لم يكثر ذلك ، وهو
الدف العربى المدور بوجه واحد ، المسمى بالغربال .
وفى حديث الحبشة جواز اللعب بالسلاح والمثاقفة ؛ لأن فيه تدريبا على العمل بها فى
(١) وبعاث اسم حصن كانت حربهم عنده، ودامت حربهم عنده مائة وعشرين سنة إلى قدومه عمّ، فألف
الله عز وجل بينهم ببركته عليه، وفيه نزل قوله تعالى: ﴿لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾
[الأنفال: ٦٣] والأوس والخزرج أخوان شقيقان، أبوهما حارث بن ثعلبَ، وأمهما قيلة بنت كاهل بن
عذرة ، قضاعية . انظر: الأبى ٢/ ٤٠، الفتح ٥١٢/٢.
(٢) طريق هارون بن سعيد الأيلى ، والذى فى المطبوعة : بثوبه.
(٣) الذى فى البخارى: ((متغشى)). ك العيدين، ب إذا فاته العيد يصلى ركعتين (٩٨٧)، وفى المناقب، ب
قصة الحبش وقول النبى عَدّ: ((يابنى أرفدة)).
(٤) الواقعة : ٣٧ .
(٥) فى س : واحدها .
(٦) كما فى قول الضحاك عن ابن عباس : العرب العواشق لأزواجهنَّ، وأزواجهن لهن عاشقون . تفسير ابن
كثير ٨/ ١١ .
(٧) وهو قول عكرمة ، والغَنَجُ ـ بفتحتين - التكسر والتدلل وحسن التبعل.
(٨) فى س : المتشبهة .

٣٠٩
كتاب صلاة العيدين / باب الرخصة فى اللعب ... إلخ
الْجَارِيَةِ الْحَديثَة السِّنِّ، حَرِيصَةً عَلَى اللَّهْوِ .
١٩ - ( .. ) حدّثنى هَرُونُ بْنُ سَعيد الأَيْلِىُّ وَيُونُسُ بْنُ عَبْد الأَعْلَى - وَاللَّفْظُ
لَهَرُونَ - قَالاَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنَا عَمْرٌو؛ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ حَدَّثَهُ عَنْ
عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: دَخَلَ رَسُولُ اللهِ عَُّ وَعِنْدِى جَارِيَتَانِ تُّغَنِيَانِ بِغِنَاءِ بُعَاث،
فَاضْطَجَعَ عَلَى الْفِرَاشِ، وَحَوَّلَ وَجْهَهُ. فَدَخَلَ أَبُو بَكَرٍ فَانْتَهَرَنِى، وَقَالَ: مَزْمَارُ الشَّيْطَان
عنْدَ رَسُول الله ◌ٍَّ فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِعَِّ فَقَالَ: ((دَعْهُمَا)) ، فَلَمَّا غَفَلَ غَمَرْتُهُمَاً
فَخَرَجَنَا، وَكَانَ يَوْمَ عِيدٍ يَلْعَبُ السُّوْدَانُ بِالدَّرَقِ وَالْحِرَابِ. فَإِمَّا سَأَلْتُ رَسُولَ الله ◌ِّه،
وَمَّا قَالَ : (تَشْتِهِينَ تَنْظُرِينَ؟)) . فَقُلْتُ: نَعَمْ. فَأَقَامَّنِى وَرَاءَهُ، خَلّى عَلَى خَدِّهَ، وَهُوَ
يَقُولُ: ((دُوْنَكُمْ يَابَنِى أَرْفِدَةَ))، حَتَىَّ إِذَا مَلِلْتُ قَالَ: ((حَسْبُكِ؟)) قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ:
((فَاذْهَبِی)) .
٢٠ - ( ... ) حدّثْنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْب، حَدَّثْنَا جَرِيرٌ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائشَة
ے
الحرب وتمرينًا للأيدى عليها ، وكون ذلك فى المسجد إما لأنه من هذا الباب، فكأنه من أعمال
البر ، أو كما قيل: كان فى أول الإسلام ، وقيل: النهى عن مثل هذا وغيره فيه ، وفيه جواز
نظر النساء إلى فعل الرجال ، مثل هذا ، لأنه إنما يكره لهنَّ من النظر إلى الرجال ما يكره
للرجال فيهن من تحديق النظر لتأمل المحاسن ، والالتذاذ بذلك ، والتمتع به، وفيه ما كان
عليه - عليه السلام - من حسن الخلق ، وكرم العشرة مع الأزواج ، وجميع الخلق .
وقوله: (( دونكم يا بنى أرفدة)) بفتح الفاء ضبطناه على الشيخ أبى بحر ، وكذا أتقنه
عن شيخه القاضى الكنانى ، أما الوزير أبو الحسن فقاله لنا بكسر الفاء لا غير ، وأنكر
الفتح. ومعنى تسميتهم ببنى أرفَدة [ قيل ] (١) : هو لقب لهم .
وقوله: (( دونكم)): لفظ يستعمل للإغراء ، والمغرى به هنا محذوف دلت عليه الحالةُ
التى هم فيها ، وهو لعبهم بالحراب الذى نهاهم عمر عنه . قال الخطابي: وهى تتقدم الاسم
فى الجملة (٢) ، إلا شاذًا كما قال :
یا أيها المایحُ دلوی دونكما (٣)
(١) ساقطة من س .
(٢) يعنى كلمة الإغراء .
(٣) صدر بيت أنشده أبو عبيدة ، وعجزه :
إنی رأیت الناس يحمدونكا
قال فى اللسان : والميح أن يدخل البئر فيملأ الدلو ، وذلك إذا قل ماؤها .

٣١٠
كتاب صلاة العيدين / باب الرخصة فى اللعب ... إلخ
قَالَتْ: جَاءَ حَبَشٌ يَزْفُونَ فِى يَوْمٍ عِيدٍ فِى الْمَسْجِدِ، فَدَعَانِى النَّبِىُّ عَّهُ ، فَوَضَعْتُ رَآسى
عَلَى مَنْكِبِهِ، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَى لَعِبِهِمْ، حَتَّى كُنْتُ أَنَا الَّتِى أَنْصَرِفُ عَنِ النَّظَرِ
إِلَيْهِمْ .
( .. ) وحدّثْنَا يَحْتَى بْنُ يَحْتَى، أَخْبَرَنَا يَحْبَى بْنُ زَكَرَّاءَ بْنِ أَبِى زَائِدَةَ. ح وَحَدَّثْنَا ابْنُ
نُمَيِّر، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْنُ بِشْرٍ، كِلاَهُمَا عَنْ هِشَامٍ ، بِهَذَ الإِسْنَادِ . وَلَمْ يَذْكُرَاً : فِى
المسجد.
٢١ - ( .. ) وحدَّثَنِى إِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ وَعُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمِ الْعَمِّىُّ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيّد ،
كُلُّهُمْ عَنْ أَبِى عَاصِمِ - وَالَّفْظُ لِعُقْبَةَ - قَالَّ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، قَالَّ :
أَخْبَرَنِى عَطَاءٌ، أَخْبَرَنِى عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرِ، أَخْبَرَتْنِى عَائِشَةُ؛ أَنَّهَا قَالَتْ، لِلَغَّابِينَ: وَدَدْتُ أَنِّى
أَرَاهُمْ. قَالَتْ: فَقَامَ رَسُولُ اللهِ عََّ، وَقُمْتُ عَلَى الْبَابِ أَنْظُرُ بَيْنَ أُذُنَيْهِ وَعَاتِقِهِ، وَهُمْ
يَلْعَبُونَ فِى الْمَسْجِدِ .
قَالَ عَطَاءٌ : فُرْسٌ أَوْ حَبَشٌ . قَالَ : وَقَالَ لِى ابْنُ عَتَيْقِ : بَلْ حَبَشُ .
وفيه أقوى دليل على إباحة مثل هذا الأمر لهم ، زايدا على إقراره إياه ، وكذلك قوله
فى الرواية الأخرى: (( دعهم يا عمر)).
وقوله : ((حسْبُكَ)): هو هنا على طريق الاستفهام ، أى أكفاكِ ؟ بدليل قولها:
((نعم)) .
:
وقوله: ((اذهبى)) : أى ارجعى إلى حجرتك وانصرفى عن النظر لهم.
وقوله فى الحبشة: ((يزْفُنُون)) فى الحديث الآخر ولم يأت عندهم فى سائر الأحاديث
سوى اللعب بالسلاح ، فقيل : معناه : يرقصون ، والزَّفِنُ : الرقصُ ، وهو وثبهم
بسلاحهم تلك ، وحجلهم أثناء عملهم بها كحركة المثاقف ، وإنكار عمر وحصْبُه لهم
بالحصباء - مما تقدم - مخافةَ أن يكون ذلك فيما لا يباح، حتى زجره النبى معَّه عنهم ،
ولعله لم يعلم أنَّ النبى معَّه يرى لعبهم ، حتى سمع كلامه .
وقوله: ((فأهوى إلى الحصباء)): أى أمال يده لأخذها . وقول عطاء فيه : ((فرس أو
حبش )) شك من الرواى ، والصواب حبش.
وقوله: ((وقال لى ابن عتيق: حبش)) (١) كذا عند شيوخنا وعند الباجى قال لى:
(١) الذى فى المطبوعة : بل حبش .

٣١١
كتاب صلاة العيدين / باب الرخصة فى اللعب ... إلخ
٢٢ - (٨٩٣) وحدّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبِّدُ بْنُ حُمَيْد - قَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ
ابْنُ رَفِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ - أَخْبَرَنَا مَعَمَرَ عَنِ الزُّهْرِىُّ، عَنْ ابْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِى
هُرَيْرَةَ قَالَ: بَيْنَمَا الْحَبَشَةُ يَلْعَبُونَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ عَّهِ بِحِرَابِهِمْ، إِذْ دَخَلَ عُمَرُ بْنُّ الْخَطَّابِ،
فَأَهْوَى إِلَى الْحَصْبَاءِ وَيَخْصِبُهُمْ بِهَا. فَقَالَ لَّهُ رَّسُولُ اللهِ عَ: (َدَعْهُمْ يَا عُمَرُ )).
أبو عمير ، وقد تقدم فى سند هذا الحديث عبيد بن عمير (١) أخبرتنى عائشة، وفى نسخة :
وقال ابن أبى عتيق.
(١) عبيد بن عمير بن أبى قتادة بن سعيد، روى عن أبيه، وعمر ، وعلى ، وعائشة وأم سلمة ، وعنه ابنه
عبد الله ، وعطاء ، ومجاهد . مات سنة ثمان وستين .

٣١٢
كتاب صلاة الاستسقاء
بسم الله الرحمن الرحيم
٩ - كتاب صلاة الاستسقاء
١ - (٨٩٤) وحدّثْنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرأتُ عَلَى مَالِك عَنْ عَبْدِ الله بْنِ أَبِى
بَكْرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عَّادَ بْنَ تَمِيم يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ الله بْنَ زَيّدِ الْمَازِنِىّ يَقُولُ: خَرَجَ رَسُولُ
اللهِ ◌َّهِ إِلَى الْمُصَلَّى فَاسْتَسْقَى، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ حِينَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ.
أحاديث الاستسقاء
وذكر مسلم أحاديث الاستسقاء ، فذكر حديث مالك عن عبد الله بن حزم (١) عن
عباد بن تميم ، وفيه خروج النبى عَّي إلى المصلى فاستسقى وحَوَّل رداءه حين استقبل
القبلة، وليس فيه ذكر الصلاة ، ونحوه فى حديث يحيى بن سعيد عن أبى بكر بن حزم ،
وذكره من رواية غير مالك وفيه : (( وصلى ركعتين )) ، وذكر نحوه من حديث ابن شهاب
عن عباد بن تميم وفيه: (( ثم صلى ركعتين )) ، قال الإمام : هذا يدل على أن فى
الاستسقاء صلاةً، وبه قال مالك (٢)، وأبو حنيفة لا يرى فى الاستسقاء صلاة ، وتعلق
الأحاديث التى فيها استسقاؤه - عليه السلام - على المنبر ، وهذا لاحجة له فيه ، لأنه إنما
قصد به الدعاء ، لإتقان سنة صلاة الاستسقاء ، وأيضا فإنه كان عقيبه صلاة ، قد (٣) تنوب
عن صلاة الاستسقاء ، كما أن الحاجَّ يحرم عقيب الفريضة ، وتنوب عن النافلة .
قال القاضى : لا خلافَ فى جواز الاستسقاء ، وأنه سنة ، واختلف هل له صلاة كما
تقدم ؟ فالعلماء كلهم مخالفون لأبى حنيفة فى هذه المسألة ، وأصحابه مخالفون له فيها، إلا
شيئا روى عن النخعى (٤) .
وفى الأحاديث دليلٌ على بروز الإمام والناس لها فى الصحراء وذلك لقوله: ((خرج
إلى المصلى)) ولم يختلف من قال : يصلى لها ، أنها ركعتان ، كما نص فى الحديث،
واختلفوا هل يُصلى قبل الخطبة ؟ وهو قول الشافعى وعامة الفقهاء والذى رجع إليه مالك ،
ومشهور مذهبه ، أو بعدها ؟ وهو قول الليث ، وقاله مالك أولا . واختلفت الراويات فى
ذلك عن الصحابة ، وليس فى رواية من قال: ((وصلى)) حجة ؛ لأن الواو لا تعطى رتبة،
(٢) وغيره كما سيذكر القاضى .
(١) هو ابن أبى بكر الأنصارى ، فى طريق يحيى بن يحيى .
(٣) فى الإكمال : فقد ، والمثبت من المعلم.
(٤) فقد أخرج ابن أبى شيبة من حديث هشيم عن مغيرة عنه أنه خرج مع المغيرة بن عبد الله الثقفى يستسقى ،
قال : فصلى المغيرة فخرج إبراهيم حيث رآه صلى ٢/ ٤٧١ .

٣١٣
كتاب صلاة الاستسقاء
٢ - ( ... ) وحدّثْنَا يَحْبَى بْنُ يَحْبَى، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةَ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ أَبِى بَكْرِ،
١/١٤٧
لكن رواية من قال عن الزهرى: (( ثم صلى )) بَيِنَةٌ فى الترتيب وتقديم الخطبة، ويعارضها
رواية معمر عنه قال: (( فصلى بهم ركعتين وحوَّل رداءه ورفع يديه واستسقى ))، ومن رواية
إسحق بن عيسى الطبّاع عن مالك أنه - عليه السلام - أنه بدأ بالصلاة قبل الخطبة (١)
ولاختلاف هذه الآثار - والله أعلم - اختلف فى ذلك قول مالك، ثم عُضِّد عنده أحد
الوجهين قياسُها على سنة صلاة العيد التى تشبهها(٢). ولم يذكر / فى هذه الآثار فيها
تكبيرا زائدًا على سائر تكبير الصلوات ، وهو قول جمهور العلماء إلا الشافعى، والطبرى ،
فإنهما قالا: يكبر فيها كما يكبر لصلاة العيد ، وحجتهما قوله فى بعض الأحاديث : ((صلى
فيهما ركعتين كما يصلى فى العيد)) (٣) وليس فيه حجة (٤) إذ الظاهر العدد والجهر وكونهما
بعد الخطبة إلا التكبير ، واختلف فى المسألة قول أحمد ، وخيّر داود بين التكبير وتركه ،
وروى عن ابن المسيب وعمر بن عبد العزيز ومكحول التكبيرُ فيها ، ولم يذكر مسلمٌ جهره
بالقراءة فيها ، وقد ذكره البخارى (٥) ، ولا خلاف فى ذلك ، فلم يذكر فيها بغير أذان ولا
إقامة ، وقد ذكره غيره فى حديث الزهرى ، ولا خلاف فى ذلك ، ولم يذكر جلوسه أثناء
الخطبة ، ولا أولها ، وقد اختلف قول مالك فى جلوسه فيها أولا ، والجلوس المشهور عنه،
وكذلك يجلس عنده أثناءها ويخطب خطبتين ، وهو قول الشافعى، وقال أبو يوسف ومحمد
ابن الحسن وعبد الرحمن بن مهدى : خطبة واحدة (٦) وخيّره الطبرى(٧).
(١) وتلك من زيادات إسحق كما ذكر أبو عمر. الاستذكار ١٢٩/٧. ثم قال: وقد روى عن عمر أنه خطب
فى الاستسقاء قبل الصلاة . السابق ٧/ ١٣٢ .
(٢) قال أبو عمر، وعليه جماعة الفقهاء ٧/ ١٣٣ .
(٣) أبو داود فى الصلاة، ب جماع أبواب صلاة الاستسقاء وتفريعها ٣٠٢/١. الترمذى فى الصلاة ، ب ما
جاء فى صلاة الاستسقاء (٥٥٨)، النسائى كذلك فى ب كيف صلاة الاستسقاء (١٥٢١)، ابن ماجه فى
الإقامة، ب ما جاء فى صلاة الاستسقاء (١٢٦٦)، أحمد فى المسند ٢٢٣/١، الحاكم فى المستدرك
٣٢٦/١، جميعًا من طريق وكيع عن سفيان الثورى ، خلا أبا داود فإنه من طريق حاتم بن إسماعيل عن
هشام بن إسحق به . وقال فيه الترمذى : حديث حسن صحيح .
(٤) قال ابن عبد البر : وليس فيه حجة من جهة الإسناد ولا من جهة المتن ؛ لأنه يمكن أن يكون التشبية فيه
بصلاة العيدين من جهة الخطبة ، إلا أن ابن عباس رواه وعَمَل بالتكبير كصلاة العيد بمعنى ما روى .
الاستذكار ٧/ ١٣٧ .
(٥) ك الاستسقاء، ب الجهر بالقراءة فى الاستسقاء ٣٨/٢، وكذا أخرجه الترمذى وعبد الرزاق فى المصنف
(٤٨٨٩)، قال أبو عمر: ومن أحسن الناس سياقة لهذا الحديث الزهرى ، الاستذكار ٧/ ١٣٠ .
(٦) خطَبةً واحدة خفيفة، يعظُهم ويحثَّهم على الخير. انظر: الشرح الكبير ٤٠٥/١، الشرح الصغير
٥٣٧/١، مغنى المحتاج ٣٢٣/١، المغنى ٢/ ٤٣٠، الاستذكار ١٣٥/٧.
(٧) فقال : إن شاء خطب واحدة ، وإن شاء اثنتين.

٣١٤
كتاب صلاة الاستسقاء
عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ، قَالَ: خَرَجَ النَّبِىُّ عَّهُ إِلَى الْمُصَلَّى، فَاسْتَسْقَى وَاسْتَقْبَلَ
الْقِبْلَةَ، وَقَبَ رِدَاءَهُ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ .
وقوله: ((استسقى)) : أى طلب من الله السقى بدعائه أو بتضرعه وصلاته.
وقوله: ((واستقبل القبلة وحوَّل رداءه))، وفى رواية: ((فقلب رداءه))، قال الإمام:
قال أهل العلم : إنما كان ذلك على جهة التفاؤل ، لينقلب الجدب خصبًا .
قال القاضى: قوله: ((حوَّل رداءه)) و((قلب رداءه)) حجة لمالك وعامة العلماء أنه ردّ
ما على اليمين على الشمال ، كما جاء فى الحديث مفسراً (١) ، وليس بتنكيسه وبقلب أعلاه
أسفله، وجعل ما يلى الأرض على رأسه وما على رأسه إلى الأرض ، كما قال الشافعى
بمصر (٢) ، وكان يقول بالعراق كقول الجماعة ، وقد وهم بعض المتأولين على المذهب وعلى
غيره فجعلوا قول من قال: (( يجعل ما على ظهره يلى السماء )) وفسّر التحويل والقلب بهذا
قولا ثالثا ، وليس كذلك ، بل هو القول الأول الذى عليه الجمهور ، ولأنه لا يتأتى أن
يجعل ما على يمينه على يساره ، ولا يقلبه فيجعل أعلاه أسفله إلا بأن يجعل ما على ظهره
يلى السماء ، ولأن لفظة ( حول ، وقلب ) تقتضى هذا ، ولو كان كما قال الشافعى لقال :
فنكَّس أو دوَّر .
وتحويله سنة ، قال بهما جمهور العلماء ، وقد أنكر التحويل جملة من لم يبلغه هذه
السنة ، وهو أبو حنيفة وصعصعة بن سلام من قدماء علماء الأندلس على مذهب الشاميين(٣)
ولم يذكر فى الحديث أنه تحوَّل غير النبى معَّه ، وهو قول الليث ومحمد وأبى يوسف من
(١) وذلك فيما أخرجه أبو داود، ب جماع أبواب الصلاة وتفريعها ٣٠٢/١ عن محمد بن مسلم بإسناده
قال: وحوَّل رداءه ، فجعل عطافَه الأيمن على عاتقه الأيسر ، وجعل عطافه الأيسر على عاتقه الأيمن ، ثم
دعا الله عز وجل : ٢٦٥/١.
(٢) قلت : أخرج أبو داود وأحمد فى المسند وابن خزيمة فى صحيحه والطحاوى فى شرح معانى الآثار بإسناد
صحيح عن عبد الله بن زيد قال: ((استسقى رسول الله عَّه وعليه خميصةٌ له سوداء، فأراد أن يأخذَ
بأسفَلها فيجعله أعلاها ، فلما ثقُلت عليه قلبها على عاتقه)) أحمد ٤/ ٤٠، ابن خزيمة فى صحيحه حديث
(١٤١٥)، الطحاوى ٣٢٤/١.
قال ابن عبد البر: فى هذا الحديث دليلٌ على أن الخميصة لو لم تثقل لنكسها ، وجعل أعلاها أسفلها .
الاستذكار ١٣٨/٧ .
(٣) هو صعصعة بن سلاَّم الشامى ، يكنى أبا عبد الله : يروى عن الأوزاعى ، وعن سعيد بن عبد العزيز ،
ونظرائهما من الشاميين ، وكانت الفتيا دائرة عليه بالأندلس أيام عبد الرحمن بن معاوية وصدرًا من أيام هشام
ابن عبد الرحمن ، وكان أول من أدخل الحديث الأندلس ، وتوفى بها سنة ثمانين ومائة . تاريخ علماء
الأندلس : ٣٥٤.

٣١٥
كتاب صلاة الاستسقاء
٣ - ( .. ) وحدّثْنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلاَل، عَنْ يَحْبَى بْنِ سَعِيدٍ،
قَالَ : أَخْبَرَنَى أَبُوبَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرو؛ أَنَّ عَبَّادَ بْنَ تَمِيمٍ أَخْبَرَهُ ؛ أَنَّ عَبْدَ الله بْنَ زَيِّد
الأَنْصَارِىَّ أَخْبَرَهُ؛ أَنْ رَسُولَ اللهِ عَّةٍ خَرَجَ إِلَى الْمُصَلَّى يَسْتَسْقِى، وَأَنَّهُ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَّ
اسْتَقْبَلِ الْقَبْلَةَ، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ .
٤ - ( .. ) وحدّثَنِى أَبُو الطَّاهر وَحَرْمَلَةُ، قَالاَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ،
عَنِ ابْنِ شِهَبٍ ، قَالَ: أَخْبَرَنِى عَبَّدُ بْنُ تَمِيمِ الْمَازِنِىُّ، أَنَّهُ سَمِعَ عَمَّهُ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ
أصحاب أبى حنيفة وابن عبد الحكم وابن وهب من أصحابنا (١) ، وقال مالك: يحول
الناسُ معه (٢).
وقوله: (( لما أراد أن يدعو استقبل القبلة وحوّل)): دل أنَّ الخطبة كلَّها ليست بدعاء ،
وإنما هى أولاً ثناء على الله ، وتذكيرٌ للناس ، ووعظ لهم، وتخويفٌ ، فإذا أراد أن يدعوَ
استقبل القبلة ودعا ، وحوَّل رداءه كما جاء فى الحديث .
وقد اختلف الناس هنا فى موضعين : فى وقت تحويل الرداء من الخطبة ، هل هو بعد
تمامها ؟ أو عند الإشراف على كمالها ؟ أو بين الخطبتين ، وقد روى هذا كله عن مالك
والأول المشهور عنه ، وقاله الشافعى ، وقيل : بعد مضى صدر منها ، وعلى هذا الاختلاف
هل يفعل ذلك قبل استقباله القبلة ؟ أو بعد استقبالها ؟ وهل يرجع بعد تمام دعائه فَيُذكِّرَ
الناسَ أم لا ؟ فقال مالك مرة : إذا فرغ استقبل القبلة قائما فحوّل رداءه ، ويحول الناس وهم
جلوس ثم يدعو كما هو قائما ،ويدعو الناس وهم جلوسٌ ، ثم ينصرف ، وقال مرة : إن
شاء انصرف وإن شاء حول وجهه إلى الناس ، فكلم الناسَ ورغبهم فى الصدقة ، والتقرب
إلى الله ، واختار تحوِّله إليهم وإكمال بقية خطبتة بعض أصحابنا ، ولا خلاف فى تحويل
الإمام وهو قائم ، ويُحول الناس وهم جلوس .
وقوله: ((استسقى فأشار بظهر كفيه إلى السماء)» : هذا اختيار جماعة من العلماء فى
رفع اليدين عند مواطن الدعاء ، وفى الاستسقاء ، واستحبابهم ذلك ، وروى استحبابه عن
مالك فى الاستسقاء ، وعنه كراهة رفع الأيدى فى شىء من الأشياء ، وأما صورة رفعها
فهذا المروى فى الحديث ، وهذا الذى اختاره مالك عند عزم الإمام على الناس فى رفع
الأيدى ، فرفع يديه كذلك ، وقال: إن كان [ الرفع ] (٣) فهذا اقتداءٌ منه بما جاء فى
(١) راجع: الاستذكار ١٣٧/٧.
(٣) ساقطة من س .
(٢) وكذا قال الشافعى . السابق.

٣١٦
كتاب صلاة الاستسقاء
رَسُولِ اللهِ عَُّ يَقُولُ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ تَِّ يَوْمًا يَسْتَسْقِى، فَجَعَلَ إِلَى النَّاسِ ظَهْرَهُ،
يَدْعُو اللهَ، واسْتَقْبَلَ الْقَبْلَةَ، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ، ثمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ.
الحديث، وهو الذى فسَّرَه مفسرون بالرَّهب فى قوله تعالى: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾(١)،
قالوا: وأما عند المسألة والرغبة فبسط الأيدى وظهورها إلى الأرض ، وهذا الرغب .
(١) الأنبياء: ٩٠ . قول ضعيف، لاسند له. قاله خصيف ونقله القرطبى فقال: وقيل: الرغب رفع بطون
الأكف إلى السماء ، والرهب رفع ظهورها ، وقال ابن عطية : وتلخيص هذا أن عادة كل داع من البشر
أن يستعين بيديه ، فالرغب من حيث هو طلب يحسن منه أن يوجه باطن الراح نحو المطلوب منه، إذ هو
موضع إعطاء أو بها يتملك ، والرهب من حيث هو دفع مضرة يحسن معه ذلك ، والإشارة إلى ذهابه
وتوقيه بنفض اليد ونحوه. الجامع لأحكام القرآن ٣٣٦/١١ .
قلت : أخرج ابن أبى حاتم عن عبد الله بن حكيم قال : خطبنا أبو بكر - رضى الله عنه - ثم قال:
أما بعد، فإنى أوصيكم بتقوى الله ، وتثنوا عليه بما هو له أهل ، وتخلطوا الرغبة بالرهبة ، وتجمعوا الإلحافَ
بالمسألة ، فإن الله عز وجل أثنى على زكريا وأهل بيته فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونُ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَا
وَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِين﴾ تفسير القرآن العظيم ٣٦٥/٥.

٣١٧
كتاب صلاة الاستسقاء / باب رفع اليدين بالدعاء فى الاستسقاء
(١) باب رفع الیدین بالدعاء فى الاستسقاء
٥ - (٨٩٥) حدّثَنا أَبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْئَةَ، حَدَّثَنَا يَحْىِ بْنُ أَبِى بُكَيْر عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ
ثَابت، عَنْ أَنَسٍ ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ عَّهُ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِى الدُّعَاءِ، حَتَّى يُرَى بَيَاضُ
ء
٠
إِطَيِهِ.
٦ - ( ... ) حدّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثْنَا ابْنُ أَبِى عَدِيٍّ وَعَبْدُ الأَعْلَى، عَنْ سَعيد،
عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ ، أَنَّ نَبِىَّ اللهِ عَِّ كَانَ لاَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِى شَىءٍ مِنْ دُعَائِهِ إِلاَّ فِى
وقد ذكر مسلم : أنه - عليه السلام - كان لا يرفع يديه فى شىء من دعائه ، إلا فى
الاستسقاء حتى يرى بياض إبطيه ، وهذا يدل على رفعهما فوق الصدر وحذو الأذنين ؛ لأن
رفعهما مع الصدر لا يكشف بياض الإبط ، وقد تقدم استيعاب هذا أوَّل الصلاة . قال بعض
الشارحين : وفيه دليلٌ أن لبس النبى معَّهِ الرداء كان على نحو لباس أهل بغداد ومِصْر
والأندلس من كونه على المنكبين غير مشتمل به ، ولا متعطف إياه ، إذ لو كان كذلك لما
قال فيه: (( جعل ما على يمينه على شماله وما على شماله على يمينه)).
قال القاضى : قد جاء ما يصحح ما قاله هذا الشارح ، فذكر أبو سعد عبد الملك بن
محمد الحافظ الواعظ صاحب كتاب ((شرف المصطفى)) (١) أنه - عليه السلام - قال: ((ألا
أخبركم بلبسة أهل الإيمان ، فلبس رداءه وألقاه على رأسه وتقنع به ، ورفع بيده اليمنى على
منكبه الأيسر)) وقد جاء - أيضا - فى كتاب أبى داود فى الاستسقاء: ((وجعل عطافه
الأيمن على عاتقه الأيسر وعطافه الأيسر على عاتقه الأيمن)) (٢)، وفسّره الخطابى أنه أراد
بالعطاف الرداء ، أى جعل جانب ردائه الأيمن أو شقه الأيمن (٣) .
(١) هو شيخ الإسلام الإمام القدوة أبو سعد بن عبد الملك بن أبى عثمان محمد بن إبراهيم النيسابورى الواعظ
الخركوشى ، حدَّث عنه الحاكم وهو أكبر منه ، والخلال ، وأبو القاسم القشيرى ، والبيهقى . قال فيه
الحاكم: أقول إنى لم أر أجمع منه علما وزهدًا، وتواضعًا وإرشاداً إلى الله وإلى الزهد ، وقال فيه الخطيب:
كان ثقة ورعًا صالحًا ، وقال فيه الذهبى: كان ممن وضع له القبول فى الأرض توفى عام ٤٠٧ هـ. والكتاب
المذكور - كمال قال صاحب الهداية - يقع فى ثمانية مجلدات .
والحديث المذكور لم نقف عليه .
راجع: سير ١٧ / ٢٥٦، هداية العارفين ٦٢٥/٥، طبقات السبكى ٢٢٢/٥، العبر ٢١٤/٢.
(٢) سبق قريبا .
(٣) معالم السنن ٣٥/٢، ولفظه هناك: أصل العطاف الرداء، وإنما أضاف العطاف إلى الرداء هاهنا لأنه أراد
أحد شقى العطاف الذى عن يمينه وعن شماله .

٣١٨
كتاب صلاة الاستسقاء / باب رفع اليدين بالدعاء فى الاستسقاء
الاسْتِسْقَاءِ، حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبْطَيْهِ، غَيْرَ أَنَّ عَبْدَ الأَعْلَى قَالَ : يُرَى بَيَاضُ إِبْطِهِ أَوْ بَيَاضُ
إِنْطَّهِ.
( ... ) وحدّثْنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثْنَا يَحْتَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ ابْنِ أَّبِى عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ؛ أَنَّ
أَنَسَ بْنَ مَالِكِ حَدَّثَهُمْ عَنِ النَّبِىِّ عَّهِ، نَحْوَهُ.
٧ - (٨٩٦) وحدّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ
سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِك؛ أَنَّالنَّبِىَّ ◌َّهُ اسْتَسْقَى، فَأَشَارَ بِظَهْرِ كَفَيْهِ إِلَى
السَّمَاءِ.
قال القاضى : وعندى أنه يحتمل أنه أراد بالعطاف الطرف الذى يعطف به ، جعله
على يمينه أو يساره ؛ لأن التعطف لبسة معروفة تخالف المتقدمة . قال الخطابي : إذا كان
١٤٧/ ب الرداء مربّعا نكَّسه، يعنى على مذهب إمامه الشافعى، قال: وإن كان طيلسانا مُدَوَّرا / قلبه
ولم ينكسه (١) ، وذكر أبو سعد عن عروة أن رداءه - عليه السلام - كان حضرميا طول أربعة
أذرع ، فى عرض ذراع وشبر ، قال : وهو الذى عند الخلفاء اليوم ، وذكر محمد بن سعد
فى ((تاريخه الكبير)) عن الواقدى: أن برد النبى عُّه كانت يمنية طول ستة أذرع فى ثلاث
وشبر وإزاره من نسج عُمان طول أربعة أذرع وشبر فى عرض ذراع وشبر ، كان يلبسهما يوم
الجمعة والعيد ثم يطويان (٢).
(١) السابق ٣٥/٢ .
(٢) الذى وجدناه له هو عن عروة بن الزبير؛ أن طول رداء النبى معَله أربعة أذرع، وعرضه ذراعان.
وله عنه أن ثوب رسول الله عَّه الذى كان يخرج فيه إلى الوفد ورداؤه حضرمى ، طوله أربعة أذرع،
وعرضه ذراعان وشبر . قال : فهو عند الخلفاء قد خلق وطوَوَه بثوب يلبسونه يوم الأضحى والفطر .
الطبقات الكبرى ٤٥٨/١ .

٣١٩
كتاب صلاة الاستسقاء / باب الدعاء فى الاستسقاء
(٢) باب الدعاء فى الاستسقاء
٨ - (٨٩٧) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى ويَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ وَابْنُ حُجْر - قَالَ
يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرُونَ: حَدَّثْنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرِ - عَنْ شَرِيكِ بْنِ أَبِی نَمِرٍ ، عَنْ
أَنَسِ بْنِ مَالِك؛ أَنَّ رَجُلاَ دَخَلَ الْمَسْجِدَ يَوْمَ جُمُعَةٍ ، مِنْ بَابِ كَانَ نَحْوِ دَارِالْقَضَاءِ ،
وَرَسُولُ اللهِ عَّهُ قَائِمٌ يَخْطُبُ، فَاسْتَقْبَلَّ رَسُولَ اللهِ تْ قَائِمًا، ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ ،
هَلَكَتْ الأَمْوَلُ وَانْقَطَعَتِ السَُّلُ، فَادْعُ الهَ يُغِثْنَا. قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ عَّه يَدَيْهِ ، ثُمَّ
وقوله : ((إن رجلا دخل المسجد يوم الجمعة من باب كان نحو دار القضاء »: سُمِّيَت
بذلك لأنها بيعت فى قضاء دين عمر بن الخطاب الذى كتبه على نفسه لبيت مال المسلمين،
وأوصى أن تباع فيه ماله ، وما عجز استعان ببنى عدى ثم بقريش ، فباع عبد الله بن عمر
داره هذه من معاوية وباع ماله بالغابة ، وقضى دينه ، فكان يقال لها : دار قضاء دين عمر،
وكان الدين ثمانية وعشرين ألفا ، ثم اختصروا فقالوا : دار القضاء ، وهى دار مروان ،
وقال بعضهم: هى دار الإمارة ، وغلط لما بلغه أنها دار مروان ظن أن المراد بالقضاء الإمارة،
وإنما هو ما قلناه .
وقول القائل للنبى ◌ّ: ((ادع الله يغثنا)): كذا ضبطناه هنا بضم الياء من أغاث،
ومثله فى دعاء النبى ◌ّه فى هذا الحديث: ((اللهم، أغثنا))، قال بعضهم : هذا من
الإغاثة وليس من طلب الغيث ، إنما يقال فى ذلك : غثنا ؛ لأنه من غاث وقد يحتمل أن
يكون هذا من ذلك بالتعدية ، أى هب لنا غيثا ، أو ارزقنا غيثا ، كما يقال : سقاه الله
وأسقاه ، أى جعل له سقيا ، على من فرق بين اللفظين، وفى القرآن: ﴿ وَسَقَاهُمْ رَبِّهَمْ
شَرَابًا طَهُورًا﴾(١)، وقال: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً تُسْقِيكُمْ﴾ (٢)، و((نَسقيكم)) قرئ
بالوجهين .
وفى إجابة النبى - عليه السلام - لهذا السائل ودعائه له جواز الاستسقاء فى خطبة
الجمعة ، والدعاء بذلك ، وعلى غير سنة الاستسقاء ، وليس فى هذا تحويل عن القبلة ،
ولا تحويل رداء ، وإنما هو دعاء مجرد بالسقى ، كسائر الأدعية للمسلمين فى الخطبة ، كما
جاء فى هذه الأحاديث الأخر المختصة بالسائل يوم الجمعة ، وإنما تختص تلك الهيئات
والسنن لمن برز لها ، وبهذا اعتبر الحنفى فى أنه لاصلاة الاستسقاء ، وفاته معرفة تلك السنن
المتقدمة والثابتة . وفيه جواز الاقتصار على الاستسقاء يوم الجمعة بالدعاء المجرد فى خطبتها
(١) الإنسان: ٢١ .
(٢) النحل : ٦٦، والمؤمنون: ٢١ .

٣٢٠
كتاب صلاة الاستسقاء / باب الدعاء فى الاستسقاء
قَالَ : ((اللَّهُمَّ، أَغْنَا. اللَّهُمَّ، أَغْنَا. اللَّهُمَّ، أَغثْنَا)). قَالَ أَنَسٌ: وَلاَ وَاللهِ ، مَا نَرَى فِى
السَّمَاءِ مِنْ سَحَابٍ وَلاَ قَزَعَةٌ ، وَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ سَلْعٍ مِنْ بَيْت وَاَ دَار. قَالَ : فَطَلَعَتْ مِنْ
وَرَائِهِ سَحَابَةٌ مِثْلُ الْتُّرْسِ، فَلَّمَّا تَوَسَّطَتِ السَّمَاءَ أَنْتَشَرَتْ، ثُمَّ أَمْطَّرَتْ. قَالَ: فَلاَ وَلله
مَا رَأَيْنَا الشَّمْسَ سَبْتًا. قَالَ: ثُمَّ دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ فِى الْجُمُعَةِ الْمُقْبَلَةِ، وَرَسُولُ
الله عَُّ قَائِمٌ يَخْطُبُ ، فَاسْتَقْبَلَهُ قَائمًا. فَقَالَ: يَارَسُولَ اللهِ، هَلَكَتْ الأَمْوَالُ وَاَنْقَطَعَت
السَّبْلُ، فَادْعُ اللهَ يُمْسِكْهَا عَنَّا. قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِعَّهُ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: ((اللَّهُمَّ ، حَوْلَنَا
دون البروز ، وهو معنى قول الشافعى ومن أجازه بغير صلاة ممن عرف مذهبه أنه لا يبرز
لها إلا بصلاة ، وبه أيضا احتج بعض السلف أن الخروج إليها عند الزوال ، إذ كان دعاء
النبى - عليه السلام - فى هذا الخبر يوم الجمعة (١) ، والناس كلهم علي خلافه أنها بكرة
كصلاة العيدين (٢) .
وقوله : ((وما فى السماء من [ سحابة ولا] (٣) قَزَعَة))، قال الإمام : معناه: قطعة
سحاب ، وجمعه قَزَعٌ ، قال أبو عبيد : وأكثر ما يكون فى الخريف .
قال القاضى: وقوله: ((ما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار )) : ويحتمل - والله
أعلم - لتحمل (٤) الناس عن تلك الجهة لشدة الجدب وحزونة الموضع وطلب الكلاء .
والخصب . وسلْع جبل مشهور بقرب المدينة ، بفتح السين وسكون اللام (٥) ، قال فى
البخارى : هو الجبل الذى بالسوق (٦).
وقوله: (( فطلعت سحابة مثل الترس)): قال ثابت : لم يرد - والله أعلم - فى
قدره، لكن فى مرحاها واستدارتها ، وهو أحمد السحاب عند العرب .
وقوله: (( ثم أمطرت)): تقدم الكلام عليها ، ومن فرق بين مطرت فى الرحمة
وأمطرت فى العذاب ، ومن سوَّى فى ذلك ، وهو المعروف فى كلام العرب ، وقد قال الله
تعالى : ﴿ هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا﴾ (٧) وإنما زعموا مطر الرحمة .
وقوله: ((فوالله ما زالت الشمس سبتا)): السبت: القطعة من الدهر ، قال ثابت:
(١) ممن قال بهذا أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم. الاستذكار ١٣٩/٧.
(٢) زيد بعدها فى س : وفى كتاب ابن شعبان وقيل بعد صلاة الصبح والمغرب . ولا وجه لها.
(٤) نقلها الأبى وقيّدها : لتحول .
(٣) سقط من ع .
(٥) وقد تكسر السين ، وهذا الجبل أصبح يحيط به عمران المدينة من كل اتجاه ، بل وقد كساه من معظم
جوانبه ، وهو على صغره يفوق أحدا شهرة على كبر أحُدٍ وقدسيته. انظر: المعالم الجغرافية فى السيرة النبوية
١٦٠.
(٦) غير مذكورة فى الصحيح له، انظر: ك الاستسقاء، ب الاستسقاء فى المسجد الجامع ٣٤/٢.
(٧) الأحقاف : ٢٤.