Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
كتاب الحيض / باب الوضوء مما مست النار
(٢٣) باب الوضوء مما مست النار
٩٠ - (٣٥١) وَحَدَّثْنَا عَبْدُ الَلَكِ بْنُ شُعَيْبٍ بْنِ الليْثِ قَالَ: حَدَّثَنِى أَبِى عَنْ جَدِّى ،
حَدَّثَنِى عُقَيْلُ بْنُ خَالد ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخَبَرَنِى عَبْدُ الَلِكِ بْنُ أَبِى بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ
ابْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامَ ؛ أَنَّ خَارِجَةَ بْنَ زَيْدِ الأَنْصَارِيَّ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ أَبَاهُ زَيْدَ بْنَ ثَابت قَالَ :
سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ عَهُ يَقُولُ: ((الوُضُوءُ ممَّا مَسَّتَ النَّارَ )).
(٣٥٢) قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِى عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ؛ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ
قَارظ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّهُ وَجَدَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَتَوْضَّأُ عَلى المَسْجِدِ. فَقَالَ: إِنَّمَا أَتَوَضَا مِنْ أَثْوَارِ أَقِط
أَكَلِتُّهَا، لأَنِّى سَمَعْتُ رَسُولَ اللهِ عَّهُ يَقُولُ: (( تَوَضَّؤْوا ممَّا مَسَّتَ النَّارُ)).
وذكر (١) مسلم فى باب الوضوء مما مَسَّتْ النار (٢): ((أخبرنى عبد الملك بن أبى بكر
ابن عبد الرحمن)) ، قال الإمام : قال بعضهم : هكذا عند جميع الرواة للكتاب ، وأصلحه
ابن الحذاء بيده فأفسده ، فجعل مكان عبد الملك عبد الله ، والصواب/ عبد الملك وكذا رواه ت ١٤٧/ ب
الزَّبيدى عن الزهرى ، عن عبد الملك بن أبى بكر ، وهو أخو عبد الله بن أبى بكر .
قال القاضى: وقوله فى هذا الحديث: (( قال ابن شهاب : أنا عثمان بن عبد العزيز
أن عبد الله [ بن إبراهيم ] (٣) بن قارظ أخبره)): كذا قال الليث فى الأم هنا وفى الجمعة
والبيوع وفضلِ النبى عَّ ، وذكره أبو داود فقال : إبراهيم بن عبد الله بن قارظ ، وكذا
قال النسائى ، كلهم عن الزهرى ، وكذلك وقع هنا فى الجمعة من رواية ابن جريج ، وكذا
أسماه ابن أبى حازم ، وقاله ابن أبى خيثمة عبد الله بن إبراهيم - كما هنا - وحكى عن
خط أبيه فى رُواة أبى هريرة إبراهيم بن عبد الله بن قارظ ، وقد ذكر البُخارى الخلاف فيه
عن ابن شهاب وغيرِه(٤) .
وقوله (٥): ((إنما أتوضأ من أثوارٍ أقط أكلتها))، قال الإمام : قال الهروى فى
الأثوار: واحدها ثورٌ ، وهى قطعةٌ من الأقطّ (٦).
(١) فى المعلم : خرج .
(٢) بعدها فى المعلم: ((قال ابن شهاب أخبرنى)).
(٣) سقط من ت .
(٤) ك الوضوء ، ب من لم يتوضأ من لحم الشاة والسويق ٦٣/١ .
(٥) فى المعلم : قول أبى هريرة .
(٦) غريب الحديث ٢/ ١٥٧ .

٢٠٢
كتاب الحيض / باب الوضوء مما مست النار
(٣٥٣) قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِى سَعِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ ، وَأَنَا أُحَدَّتُهُ
هَذَا الَحَدِيثَ ؛ أَنَّهُ سَأَلَّ عُرْوَّةَ بْنَ الزُّبَيْرِ عَنِ الوُضُوءَ ممَّا مَسَّتِ النَّارُ؟ فَقَالَ عُرْوَةُ :
سَمِعْتُ عَائشَةَ، زَوْجَ النَّبِىِّ ◌َُّ تَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِعَهُ: ((تَوَضَّؤُوا مَمَّا مَسَّتْ النَّارُ))
قال القاضى : واختلف السلف فى الوضوء مما مسته النار ، وكان الخلاف فيه زمن
الصحابة ، ثم استقر رأى فقهاء الفتوى وإجماع العلماء بعدُ على أنه لا ينقض الطهارة وأن
الأحاديث الواردة فى ذلك منسوخةٌ بما ورد بتركه الوضوء عَّه مما مسَّتِ النار ، وبأنه آخر
الفعلين منه عَّ﴾(١)، وقيل: وضوؤه عَّ من ذلك قضيَّةٌ فى عين لم يأتَ البيان أنَّ الوضوء
منها ، فقد يكون لسبب آخر اقتضاه أو لنقضِ طهارة أو تجديدها ، وقيل : كان أمره بذلك
أولا لما كانت عليه الجاهلية والأعراب من قلة التنظيف فأراد النبى معَّه تغيير ذلك وعلقَهُ لهم
بشريعة الوضوء ، فلما رأى استقرار النظافة فيهم والتزامهم له نسخ ذلك بتخفيف الحرج فى
لزومه لهم ، وذهب بعضهم إلى تأويل ذلك وأمره به بالوضوء اللغوى وهو غسل اليد
والفم من دسَمِه وزهومته (٢)، كما جاء أنه عَّ تمضمض وقال: ((إنَّ له دسماً))،
ويكون الأمر بذلك على الاستحباب لا على الوجوب ، ولئلا يشغَله ما بقى من ذلك فى فيه
من طعمه أو إزالته عنه عن صلاته ، أو يعثِّره ما تعلق من ذلك بأسنانه عن إقامة بعض
حروف قراءته ، أو لما يُحدث بقاؤه وتغيُرُه فى الفم من رائحةٍ وبخر .
(١) الاعتبار فى الناسخ والمنسوخ من الآثار ١٥٧ .
(٢) قال ابن عبد البر: وهذا لا معنى له عند أهل العلم ، ولو كان كما ظن هذا القائل لكان دسم ما لم تمسه
النار وودك مالم تمسه النار لا يتنظف منه ، ولا تغسل منه اليد . قال : وهذا لا يصح عند ذى لب ،
وتأويله هذا يدل على ضعف نظره ، وقلة علمه بما جاء عن السلف فى هذه المسألة .

٢٠٣
كتاب الحيض/ باب نسخ الوضوء مما مست النار
(٢٤) باب نسخ الوضوء مما مست النار
٩١ - (٣٥٤) حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ مَسْلِمَةَ بْنِ قَعْنَبِ، حَدَّثْنَا مَالِكٌ عَنْ زَيّدِ بْنِ أَسْلَمَ،
عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ مَّهُ أَكَّلَ كَنَِ شَاءَ ثُمَّ صَلَى وَلَمْ يَتَوَضَّأَ.
( ... ) وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبِ، حَدَّثَنَا يَحْبَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، أَخْبَرَنِى
وَهْبُ بْنُ كِيسَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّرِو بْنِ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ عَّاسٍ . ح وُحَدَّثَنِ الزُّهْرِىُّ عَنْ
عَلَىِّ بِنِّ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. حْ وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُّ بْنُ عَلَىٌّ عَنْ أَبِهِ ، عَنِ ابْنِ
عَّاسٍ؛ أَنَّالنَّبِىِّ ◌َُّ أَكَلِّ عَرْقًا - أَوَ لَحْمًا ثُمَّ صَلَى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ وَلَمْ يَمَسَّ مَاءً.
٩٢ - (٣٥٥) وَحَدَتْنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّاحِ، حَدَّثَنَا ◌ِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنَ الزُّهْرِىُّ
عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمََّ الضَّمْرِىِّ، عَنْ أَبِّهِ؛ أَنَّهُ رَأَى رَّسُولَ اللهِ عَّهُ يَحْتَزُ مِنْ كَتِفٍَ
يَأْكُلُ مِنْهَا، ثُمَّ صَلَى وَلَمْ يَتَوَضَّأ .
٩٣ _ ( .. ) حَدَّثَنِى أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى. حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْب، أَخْبَرَنِى عَمْرُو بْنُ الْحَارث،
عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أُمََّ الضَّمْرِىِّ، عَنْ أَبِيهِ؛ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِعَّهُ يَحْتَؤُّ
مِنْ كَفٍ شَاةٍ ، فَأَكَلَ مِنْهَا، فَدُعِيَ إِلى الصَّلاةِ، فَقَامَ وَطَرَحَ السِّكِينَ وَصَلَى وَلَمْ يَوَضَّأَ.
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَحَدَّثَنِى عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَسُول الله عَّهُ
بِذَلكَ .
(٣٥٦) قَالَ عَمْرُوَ: وَحَدَّثَنِى بُكَيْرُ بْنُ الأَشَجِّ، عَنْ كُرَيْبِ، مَوْلِى ابْنِ عَبَّاس - عَنْ مَيْمُونَةَ -
زَوْجِ النَّبِّ ◌َّهِ - أَنْ النَّبِىِّ ◌َّهُ أَكَلَ عِنْدَهَا كَتَفَا، ثُمَّ صَلَى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ .
( ... ) قَالَ عَمْرُو : حَدَّثَنِى جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ الأَشَجِّ، عَنْ كُرَيْب -
مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ - عَنْ مَيْمُونَةَ - زَوْجِ النَّبِىِّ ◌َّهُ - بِذَلِكَ .
وقوله: ((يحتزُّ من كتفٍ وأكل منها ثم قام وطرح السكين)) : فيه جواز قطعه بالسكين
عند الأكل للحاجة إلى ذلك من شدة اللحم أو كِبَر العضو ، وتكره المداومة على استعمال
ذلك لأنه من سنة الأعاجم .

٢٠٤
كتاب الحيض/ باب نسخ الوضوء مما مست النار
٩٤ -(٣٥٧) قَالَ عَمْرُو : حَدَّثَنِی سَعیدُ بْنُ أَبی هلال ، عن عبد الله بن عُبيد الله بْنِ
أَبِ رَافِعٍ، عَنْ أَبِ غَطَفَانَ، عَنْ أَبِى رَافِعٍ؛ قَالَ: أَشْهَدُ لَكُنْتُ أَشْوِى لِرَسُولِ اللهِعَ بَطَنَّ
الشََّةِ، ثُمَّ صَلَى وَلَمْ يَتَوَضَّأ .
٩٥ - (٣٥٨) حَدَّثَنَا قُتِبَةُ بْنُ سَعيد، حَدَّثَنَا لِيْثٌ عَنْ عُقَيّل، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ عُبَيْد
الله بْنِ عَبّدِ اللهِ، عَنِ ابْنِ عَّاسٍ ؛ أَنَّالنِّّ ◌َّهُ شَرِبَ لَبَنَا، ثُمَّ دَعَاً بِمَاءَ فَتَمَضَمَضْ، وَقَالَ:
(إِنَّلَهُ دَسَّمَا)).
( .. ) وَحَدَّثَنِى أَحْمَدُ بْنُ عيسَى، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْب، وَأَخْبَرَنِى عَمْرُو. ح وَحَدَّثَنِى
زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْبَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ الأَوْزَاعِىّ. ح وَحَدَّثَنِى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْتَى،
أَخْبَنَا ابْنُ وَهْبُ، حَدَّثَنِى يُونُسُ ، كُلُهُمْ عُنِ ابْنِ شِهَابٍ، ◌ِإِسْنَادِ عُقَلٍ ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، مِثْلُهُ .
٩٦ - (٣٥٩) وَحَدَّثَنِى عَلَىُّ بْنُ حُجْرٍ، حَدَثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ
ابْنُ عَمْرِو بْنِ حَلحَلَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءِ عَنِ ابْنِ عَبَّاس؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِعَّ
جَمَعَ عَلَيْهِ ثِيَابَهُ ثُمَّ خَرَجَ إِلى الصَّلاَةِ، فَأَنَى بِهَدِيَّةٍ خُبْزٍ وَخْمٍ ، فَأَكَلَ ثَلاثَ لقَمْ، ثُمَّ صَلَى
بِالنَّاسِ ، وَمَا مَسَّ مَاءً .
( .. ) وَحَدَّثَنَهُ أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنِ الوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
عَمْرِو بْنِ عَطَاءِ، قَالَ : كُنْتُ مُّعَ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَسَاقَ الَحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ ابْنٍ حَلَحَلَةَ .
وَفِيهِ : أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ شَهِدَ ذَلِكَ مِنَ النَّبِىِّ ◌َّهِ، وَقَالَ : صَلَى. وَلَمْ يَقُلْ: بِالنَّاسِ.
وبطن الشاة الكبد وما معه من حشوها ، وأما مضمضة النبى عَّه من اللبن فسُنَّةٌ للقائم
إلى الصلاة ومستحبٌ لغيره ، وكذلك من سائر الطعام وهو من ناحية السواك ، ولا سيما
فيما له دَسَمٌ أو له سهولةٌ أو له لزوجةٌ ، أو له تعلق بالأسنان أو بقية طعم يشغل المصلى.
وقد اختلف اختيار العلماء فى غسل اليد قبل الطعام وبعده ، ومذهب مالك ترك ذلك إلا أن
يكون فى اليد قبلُ قذرٌ ، وكذلك يأتى إذا كان للطعام رائحةٌ كالسمك(١) أو ما فيه زُفورة(٢)
فإن اليد لا تُغْسَلُ قبلُ وتُغْسَلُ بعدُ .
(١) فى ت : كالمسْك.
(٢) فى الأصل : دفورة : والمثبت من ت.

٢٠٥
كتاب الحيض / باب الوضوء من لحوم الإبل
(٢٥) باب الوضوء من لحوم الإبل
٩٧ - (٣٦٠) حَدَّثَنَا أَبُو كَاملِ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنِ الجَحْدَرِىُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ
عُثْمَانَ بْنِ عَبّدِ اللهِ بْنِ مَوْهِبٍ ، عَنْ جَّعْفَرِ بْنِ أَبِى ثَوْرِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ؛ أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ
رَسُولَ اللهِ عَّهَ: أَنَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الغَنَمِ؟ قَالَ: (( إِنْ شِئْتَ، فَتَوَّضَّأْ، وَإِنْ شِئْتَ ، فَلا
تَوَضَّأْ )) . قَالَ: أَنَوَضَّأْ مِنْ لحُومِ الإِبلِ؟ قَالَ : ((نَعَمْ. فَتَوَضَّأْ مِنْ لُحُومِ الإِبل)» . قَالَ :
أُصَلِى فِى مَرَابِضِ الغَنَمِ؟ قَالَ: ((نَعَمْ)). قَالَ: أُصَلِى فِى مَبَارِك الإبل؟ قَالَ: (( لا)).
وتخييره فى الوضوء من لحوم الغنم وأمره بالوضوء من لحوم الإبل فى حديث جابر
ابن سمُرة ، ذكره مسلم يُبيّن هذا ، إذ هو فى لحوم الإبل آكد فى الاستحباب والتنظيف ،
لقوة رائحتها وكثرة زهومتها ، وإلى أنَّ ذلك غير واجب على من أكلها ذهب عامَّةُ أهل
العلم ، وذهب أحمد بن حنبل/ وعامة أصحاب الحديث إلى وجوب الوضوء من أكل لحوم
الإبل(١) ولم يذكر البخارى باب الوضوء من لحوم الإبل لاضطرابه(٢)، وإباحته الصلاة فى
مرابض الغنم فى هذا الحديث ومنعها فى مبارك الإبل أيضاً ، يدل على ما تقدم ، وأنه ليس
لمعنى يختص به إلا الزَّهُومَةُ ، وزفر الرائحة ، وإلا فالعلماء بين قائلين بنجاسة أثقالهما
وأبوالهما ، وهو مذهب أبى حنيفة والشافعى ، أو طهارة ذلك معاً منهما ، وهو مذهب
مالك (٣)، وليس أحدٌ يفرق بينَهما ، فلم يبق إلا التعليل بما قلناه ، أو لشدة نفار الإبل ،
أو لما جاء أنهم كانوا يستترون بها عند الحاجة ، أو لما جاء أنها من الشياطين ، وهذا كله
مما يجب للمُصلى أن يجتنبه لئلا يصيبه ما هناك من أذى ، أو تقطع الصلاة عليه [ بشدّةً
نفارها ](٤) ويتعلق قلبه لذلك مخافة أن تطأه وتهلكه ، أو لتجنب الصلاة مواضع الأقذار
ت ١٤٨ / أ
(١) وممن قال بقول أحمد هذا فى لحم الإبل خاصة إسحق بن راهويه ، وأبو ثور ، ويحيى بن يحيى
النيسابورى، وأبو خيثمة . التمهيد ٣٥١/٣ .
(٢) فالحديثان فيه صحيحان ، حديث البراء وحديث جابر بن سمرة. أما حديث البراء فأخرجه أبو بكر بن أبى
شيبة من حديث الأعمش عن البراء بن عازب قال : سئل رسول الله عَّه عن الوضوء من لحوم الإبل ؟
فقال: ((توضؤوا منها))، وبعد أن ذكر ابن عبد البر من قال بهذا الحديث من الأئمة مع الإمام أحمد
قال: وأما قول مالك والشافعى وأبى حنيفة ، والثورى ، والليث والأوزاعى فكلهم لا يرون فى شىء مسته
النار وضوءًا على من أكله ، سواء عندهم لحم الإبل فى ذلك وغير الإبل ؛ لأن فى الأحاديث الثابتة أن
رسول الله عَّ أكل خبزاً، ولحما ، وأكل كتفاً ، ونحو هذا كثير ، ولم يخص لحم جزور من غيره ،
وصلى ولم يتوضأ ، وهذا ناسخ رافع عندهم . التمهيد ٣٥١/٣ .
(٣) بدائع الصنائع ٢٦١/١، والمنتقى ٤٣/١ .
(٤) فى ت : شدة نفورها .

كتاب الحيض / باب الوضوء من لحوم الإبل
٢٠٦
( .. ) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةً، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةٌ بْنُ عَمْرو ، حَدَّثَنَا زَائِدَةُ عَنْ سمَاك.
ح وَحَدَّثَنِى القَاسمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ . حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله بْنُ مُوسَى عَنَّ شَيْبَانَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ
اللهِ بْنٍ مَوْهَبٍ ، وَأَشْعَثَ بْنِ أَبِى الشَّعْتَاءَ، كُلُهُمْ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِى ثَوْرٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ
سَمُرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ يَّهِ بِمِثْلِ حَدِيثِ أَّبِى كَامِلٍ ، عَنْ أَبِى عَوَانَةً .
والأرايح الكريهة ، والبعد فيها عن [ الشيطان وجهاته ](١) ما استطاع.
ومرابض الغنم حيث تربِضُ للقائلةِ والمبيت ، ومبارك / الإبل معاطنها عند المناهل
٧٥ / أ
للشرب والراحة ، وحيث تبيت وتقيل . وحكى الخطابى أنه قيل : إن معنى النهى عن
الصلاة فى مبارك الإبل : أن المراد بذلك ما سُهل من الأرض لأنها مثوى الإبل إذ لا تألف
الحزُونة ، ومثل تلك لا تظهر فيها النجاسة لإثارة ترابها وكثرته واختلاطها به فلا يؤمَنُ
كونها فيه(٢)، وهذا بعيد فى الفقه والتأويل .
(١) فى ت : الشياطين وجهاتها .
(٢) معالم السنن ١٤٩/١ .

٢٠٧
كتاب الحيض / باب الدليل على أن من تيقن الطهارة ... إلخ
(٢٦) باب الدليل على أن من تيقن الطهارة ثم شك فى الحدث
فله أن يصلى بطهارته تلك
٩٨ _ (٣٦١) وَحَدَّثَنِى عَمْرُوَ النَّاقَدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْب. حِ وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى
شَيَّةَ، جَمِيعًا عَنِ ابْنُ عُبَنَةَ . قَالَ عَمْرٌو : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةَ، عَنِ الزُّهَرِىِّ، عَنْ سَعِيدٍ
وَعَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّه؛ شُكِىَ إِلى النَّبِيِّ ◌َّ: الرَّجُلُ، يُخَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَجِدُ الشَّيْءَ فِى
١
الصَّلاة، قَالَ: ((لا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا)) .
قَالَ : أَبُو بَكْرٍ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ فِى رِوَيَتِهِمَا: هُوَ عَبْدُ اللهِ بْنُ زَيِّد .
وقوله : فى الذى شكا إليه أنه يُخَيَّلُ إليه أنه يجدُ الشىء فى الصلاة فلا ينصرف حتى
يسمع صَوْنًا أو يَجِدَ ريحاً . هذا حُكم الشاك فى الحدث المستنكح (١) بلا خلاف لأنه قال :
إنه شكا إليه ، وهذا لا يكون إلا ممن تكرَّر عليه وكثر فأما غيرُ المستنكِحِ فالشك مؤثِّرٌ فى
طهارته ولا يدخلُ الصلاة إلا بيقين ، وأنه يقطعُ وإن كان فى صلاة ، وروى هذا عن
مالك، وذهب بعض العلماء إلى أن حكم هذا حكمُ من كان فى الصلاة بخلاف غيرها ،
وروى مثله - أيضاً - عن مالك، وخصَّ بعضُهم هذا / الشك فى الريح دون غيره من ت ١٤٨ / ب
الأحداث ، وإليه ذهب ابن حبيب من أصحابنا ، وقال بعضهم : بل هذا حكم الشاك فى
كل حدث ، كان فى صلاة أم لا ، إذ لا ينتقل عن اليقين للطهارة بالشك ، وروى مثله عن
مالك أيضاً ، وهو قول أئمة الفتوى(٢)، وقد يحتج بقوله فى الحديث الآخر: ((فلا
يخرجنَّ من المسجد حتّى يسمع صوتاً )) ولم يذكر أنه فى الصلاة ، وقد يحتج به - أيضاً -
من يخصُّه بحديث الريح .
(١) الشك المستنكح هو أحد قسمى الشاك عند المالكية ، وهو الذى يعترى صاحبه كثيراً، والقسم الثانى هو
الشك غير المستنكح ، جاء فى المدونة الكبرى : قلت لابن القاسم : أرأيت من توضأ فأيقن بالوضوء ثم
شك بعد ذلك فلم يدر أحدث أم لا ، وهو شاك فى الحدث ؟ قال : إن كان ذلك يستنكحه كثيرا فهو على
وضوئه ، وإن كان ذلك لا يستنكحه فليعد الوضوء ، وهو قول مالك ، وكذلك كل مستنكح مبتلى فى
الوضوء والصلاة . المدونة الكبرى ١/ ١٤، وانظر: الموسوعة الفقهية ١٨٨/٢٦.
(٢) قاعدة ( الشك لا يزيل اليقين) أو ( اليقين لا يزول بالشك ) من أمهات القواعد التى عليها مدار الأحكام
الفقهية ، حتى إنه قد قيل : إنها تدخل فى جميع أبواب الفقه ، والمسائل المخرجة عنها من عبادات
ومعاملات تبلغ ثلاثة أرباع علم الفقه .
واعلم أن الشك باعتبار حكم الأصل الذى طرأ عليه ينقسم إلى ثلاثة أقسام :
القسم الأول : شك طرأ على أصل حرام ، مثل أن يجد المسلم شاةٌ مذبوحة فى بلد يقطنه مسلمون =

كتاب الحيض / باب الدليل على أن من تيقن الطهارة ... إلخ
٢٠٨
٩٩ - (٣٦٢) وَحَدَّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْب، حَدَّثْنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُهَيْل، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ
أَبِى هُرَيْرَةَ ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ عَّهِ: ((إذاَ وَجَدَ أَحَدُكُمْ فِى بَطْنِهِ شَيْئًا فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ ،
أَخَرِجَ مِنْهُ شَىْءٌ أَمْ لَا، فَلَا يَخْرُجَنَّ مِنَ المَسْجِدِ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْنَا أَوْ يَجِدَ رِيحًا)) .
ومعنى السماع هنا ووجودُ الريح التحقيق ، وقد يكون الرجلُ ممن لا يسمع ولا يشم ؛
لآفةٍ أو مرضٍ بِه ، أو لضعف الخارج مع التحقيق له عن شمِّ الرائحة وسماع الصوت وذهب
بعض أصحابنا إلى أن الوضوء لمن يشك فى الحدث إنما هو استحبابٌ ، وروى أيضاً عن
مالك . وذهب بعض المتأخرين من أصحابنا إلى التفريق بين الشك هل ما(١) وجده حدث
أم لا ؟ فهذا يلغيه لهذا الحديث وبين الشك فى وجود الحدث منه بعد طهارته فنسيه أو لم
يجدُ(٢)، وأوجب على هذا الوضوء، وهو مقتضى قول ابن حبيب(٣).
= ومجوس، فلا يحل له الأكل منها حتى يعلم أنها ذكاة مسلم ؛ لأن الأصل فيها الحرمة ووقع الشك فى الذكاة
المطلوبة شرعا، فلو كان معظم سكان البلد مسلمين جاز الإقدام عليها والأكل منها عملا بالغالب المفيد للحلية .
القسم الثانى : شك طرأ على أصل مباح ، كما لو وجد المسلم ماءً متغيراً ، فله أن يتطهر منه مع
احتمال أن يكون تغير بنجاسة ، أو طول مكث ، أو كثرة ورود السباع عليه ونحو ذلك ، استنادا إلى أن
الأصل طهارة المياه ، وقد جاء فى الأثر أن عمر بن الخطاب خرج فى ركب فيهم عمرو بن العاص - رضى
الله عنهم - حتى وردوا حوضاً ، فقال عمرو بن العاص لصاحب الحوض : ياصاحب الحوض ، هل ترد
حوضك السباع ؟ فقال عمر : يا صاحب الحوض ، لا تخبرنا ، فإنا نرد على السباع وترد علينا .
القسم الثالث : شك لا يعرف أصله ، مثل التعامل مع من أكثر ماله حرام دون تمييز بين المالية لاختلاط
النوعين اختلاطاً يصعب تحديده ، فهذا نصّ الفقهاء على كراهة التعامل معه خوفاً من الوقوع فى الحرام .
الموسوعة الفقهية ١٨٦/٢٦ .
قلت : وقد ذهب البعض إلى تحريم التعامل معه إعمالا للقاعدة الفقهية: (( إذا اختلط الحرام بالحلال
حرم الحلال )).
(١) فى ت : لما .
(٢) يقول الإمام القرافى : إن الشك فى السبب غير السبب فى الشك ، ذلك أن الشارع شرع الأحكام وشرع
لها أسباباً ، وجعل من جملة ما شرعه من الأسباب الشك ، فشرعه - حيث شاء - فى صور عديدة ، فإذا
شك فى الشاة والميتة حرمتا معاً ، وسبب التحريمٍ هو الشك ، وإذا شكّ فى الأجنبية وأخته من الرضاع
حرمتا معا وسبب التحريم هو الشك ، وإذا شك فى عين الصلاة المنسية وجب عليه خمس صلوات ،
وسبب وجوب الخمس هو الشك ، وإذا شكّ هل تطهّر أم لا وجب الوضوء ، وسبب وجوبه هو الشك .
وعلى ذلك فإن الشك فى السبب يمنع التقرب ولا يتقرر معه حكم ، أما السبب فى الشك . وهو ما
ذكر من النظائر السابقة - فإنه لا يمنع التقرب ، وتتقرر معه الأحكام .
راجع: الفروق للقرافى ٢٢٥/١، وتهذيب الفروق ٢٢٧/١، إيضاح المسالك إلى قواعد مالك
٢٠١، وكذلك الموسوعة الفقهية ٢٦/ ١٩٠.
(٣) قال ابن خويز منداد : اختلفت الرواية عن مالك فيمن توضَّأ ثم شكَّ ، هل أحدث أم لا ؟ فقال : عليه
الوضوء ، وقال : لا وضوءَ عليه .
قال : وهو قول سائر الفقهاء .
قال أبو عمر: مذهب الثورى، وأبى حنيفة، والأوزاعى، والشافعى البناء على الأصل حدثاً كان أو طهارة .
وهو قول أحمد ، وإسحق ، وأبى ثور ، وداود ، والطبرى ، وقد قال مالك : إن عرض له ذلك
كثيراً فهو على وضوء.
انظر: التمهيد ٢٧/٥، الاستذكار ٣٥٢/٤ .

٢٠٩
كتاب الحيض / باب طهارة جلود الميتة بالدباغ
(٢٧) باب طهارة جلود الميتة بالدباغ
١٠٠ - (٣٦٣) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْبَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، وَعَمْرُو النَّاقِدُ،
وَبْنُ أَبِى عُمَرَ جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُبَّنَةَ، قَالَ يَحَْى: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُبَّنَةَ عَنِ الزُّهْرِىِّ،َ عَنْ
عُبَيْدِ الله بْنِ عَبْد الله، عَنِ ابْنِ عَبَّاس؛ قَالَ: تُصُدِّقَ عَلَى مَوْلَاة لمَيْمُونَةَ بِشَاة ، فَمَاتَتْ،
فَمَرَّ بِهَا رَسُولُ اللهِ عََّ فَقَالَ: ((هَلَا أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا، فَدَبَغْتُمُوهُ، فَانْتَفَعْتُمْ بِه؟)) . فَقَالُوا :
إِنَّهَا مَّةٌ. فَقَالَ: «إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلِهَا)) .
قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَابْنُ أَبِى عُمَرَ فِى حَدِيثِهِمَا: عَنْ مَيْمُونَةَ رَضِىَ اللهُ عَنّهَا .
١٠١ - ( .. ) وَحَدَّثَنِى أَبُو الطَّاهِر وَحَرْمَةُ، قَالا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَنِى يُونُسُ،
عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبَدَ اللهِ بْنِ عُثْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ الله ◌ُِّ
وَجَدَ شَاءً مَيْنَةً، أُعْطَتْهَا مَوْلاَةٌ لِمَيْمُونَةَ مِنَ الصَّدَقَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ: (( هَلَا انْتَفَعْتُمْ
بجلدهَا؟)). قَالُوا: ((إِنَّهَ مَيْنَةٌ)». فَقَالَ: ((إِنَّمَا حَرَّمَ أَكْلِهَا)) .
( .. ) حَدَّثَنَا حَسَنٌ الْحُلوَانِىُّ وَعَبْدُ بْن حُمَيْدٍ، جَمِيعًا عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ
سَعْدٍ، حَدَّثَنِى أَبِى، عَنْ صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. بِنَحْوِ رِوَايَةٍ يُونُسَ .
١٠٢ - ( ... ) وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عُمَرَ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّد الزُّهْرِىُّ - وَاللفْظُ لابْنِ أَبِى
عُمَرَ - قَالا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرو، عَنْ عَطَاءِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاس؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِعَهُ مَرَّ
بِشَاة مَطْرُوحَةٍ، أُعْطَتْهَا مَوْلَاةٌ لمِيْمُونَةَ مِنَ الصَّدَّقَّةِ، فَقَالَ النَّبِىُّ عَلَّهِ: «أَا أَخَذُوا إهَابَهَا
فَدَغُّوهُ فَانْتَفِعُوا بِهِ ؟)) .
١٠٣ - (٣٦٤) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِىُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصم ، حَدَّثَنَا ابْنُ
جُرَيْج، أَخْبَرَنِى عَمْرُو بْنَ دِينَار، أَخْبَرَنَى عَطَاءٌ مُنْذُ حين ، قَالَ : أَخْبَرَنَى ابْنُ عَّاس؛ أَنَّ
مَيْمُونَّةَ أَخْبَرَتُهُ؛ أَنَّ دَاجِنَةً كَانَتْ لَبَعْضِ نِسَاءَ رَسُولِ اللهِ عَّهُ، فَمَاتَتْ. فَقَالَ رَسُولُ الله
١
وقوله عَّه فى حديث ابن عباس : أن ميمونةَ أخبرته أن داجنةً كانت لبعض نساء
رسول الله عَّ فماتت فقال رسول الله عَّ: ((ألا أخذتم إهابها فاستمتعتم به)) [ وفى

٢١٠
كتاب الحيض / باب طهارة جلود الميتة بالدباغ
عَِّ: (( أَلا أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ؟)) .
حديث آخر: ((فدبغتموه فاستمتعتم به ](١) وفى حديث آخر: (( إذا دبغ الإهاب فقد طَهرَ)) ،
قال الإمام : قال الهروى : دواجنُ البيوت ما ألفها من الطير والشاء وغيرها ، واحدها
داجنة، وقد دجن فى بيته إذا لزِمَه، وكلبٌ داجنٌ ألف البيتَ ، والمداجَنَةُ حسنُ المخالطة ،
قال الهروى وغيره : والإهابُ يجمعُ على الأُهب ، والأهَبُ - يعنى بضم الهمزة والهاء
وبفتحهما أيضاً .
قال الإمام : ورد فى جلد الميتة أحاديثُ مختلفةٌ ، واختلف الناسُ - أيضاً - فى جلد
الميتة ، فقال أحمد بن حنبل : لا ينتفع به(٢)، وأجاز ابن شهاب الانتفاع به، والجُمهور
١
(١) من المعلم.
(٢) قبل الدباغ وبعده ، ذهب إلى هذا الحديث شعبةُ عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبى ليلى عن عبد الله بن
عُكيم قال: قُرِئ علينا كتابُ رسول الله عَّه بأرض جهينة وأنا غلامٌ شابٌ: ((ألا تستمتعوا من الميتة
بإهاب ولا عضب)). أحمد فى المسند ٣١١/٤، كما أخرجه أبو داود فى اللباس ، ب من روى ألا
ينتفع بإهاب الميتة بلفظ: أن رسول الله عَّة كتب إلى جهينة قبل موته بشهر، والنسائى فى الفرع والعتيرة،
ب ما يدبغ جلود الميتة ، كما أخرجه عبد الرزاق فى المصنف والبيهقى فى السنن والمعرفة والطحاوى فى
شرح معاني الآثار ١ /٤٦٨، والترمذى وقال فيه : حديث حسن ، وليس العملُ على هذا عند أكثر أهل
العلم . ثم قال: كان أحمد بن حنبل يذهب إلى هذا الحديث لما ذكر فيه : قبل وفاته بشهرين ، وكان
يقول: كان هذا آخر أمر النبى معَّة ، ثم ترك أحمد بن حنبل هذا الحديث لما اضطربوا فى إسناده .
اللباس، ب ما جاء فى جلود الميتة إذا دبغت ( ١٧٢٩ ) ، وقال البيهقى فى المعرفة : فى الحديث إرسال ،
وهو محمول على إهابها قبل الدبغ ، جمعًا بين الخبرين . معرفة السنن ١/ ٥٤٢ .
وقال الزيلعي : حديث ابن عُكيم أُعِلَّ بأمورٍ ثلاثة :
أحدها : الاضطراب فى سنده - إذ أنه خولف فيه شعبة . فرُوى عن الحكم عن رجالٍ من جهينة لم
يذكرهم ، وكذلك رواه القاسم بن مخيمرة عن مشيخة له عن عبد الله بن عُكيم .
الثانى : الاضطرابُ فى متنه ، فروى قبل موته بثلاثة أيام ، وروى بشهرين ، وروى بأربعين يوما .
الثالث : الاختلاف فى صحبة عُكيم ، وقد قال البيهقى وغيره : لا صحبة له فهو مرسل . راجع :
نصب الراية ١/ ١٢١ .
قال أبو عمر : وهذا اضطراب كما ترى يوجب التوقف عن العمل بمثل هذا الخبر . وقال داود بن
على : سألت يحيى بن معين عن هذا الحديث فضعفه ، وقال : ليس بشىء ، إنما يقول : حدثنى الأشياخ.
ثم قال أبو عمر : ولو كان ثابتًا لاحتمل أن يكون مخالفاً للأحاديث من رواية ابن عباس ، وعائشة ،
وسلمة بن المحبق، وغيرهم عن النبى معَّه ، واحتمل ألا يكون مخالفا ، لأنه جائز أن يكون معنى حديث
ابن عكيم: ألا ينتفعوا من الميتة بإهاب قبل الدباغ ، وإذا احتمل ألا يكون مخالفاً له ، فليس لنا أن نجعله
مخالفًا ، وعلينا أن نستعمل الخبرين ما أمكن استعمالهما .
وحديث عبد الله بن عُكيم، وإن كان قبل موت رسول الله عَّه بشهر كما جاء فى الخبر ، فممكن أن
تكون قصة ميمونة وسماع ابن عباس منه قوله: ((أيما إهاب دُبِغَ فقد طهر)) قبل موت رسول اللـه عَّه
بجمعة أو دون جمعة . التمهيد ٤ / ١٦٤ .

٢١١
كتاب الحيض / باب طهارة جلود الميتة بالدباغ
على منع الانتفاع به قبل الدباغ (١)، ومختلفونَ فى الجلد الذى يؤثر فيه الدباغ ، فعند أبى
يوسف وداود : [ أنه ](٢) يؤثرُ فى سائر الجلود حتى الخنزير ، ومذهبنا ومذهب أبى حنيفة
والشافعى هكذا ، إلا أننا وأبا حنيفة والشافعى نستثنى الخنزيرَ ويزيد الشافعى فى استثنائه
الكلب (٣) وألحق الأوزاعىُ وأبو ثور بهذا الذى استثناه جلد ما لا يؤكل لحمه (٤)، واتفق كل
من رأى الدباغ مؤثراً فى جواز الانتفاع على أنه يؤثر فى إثبات الطهارة الكاملة (٥) سوى
مالك فى إحدى الروايتين عنه ، فإنه منع أن يؤثر الطهارة الكاملة (٦)، وهذا يجب أن يُعَبَّر
فيه قول الله سبحانه: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾(٧) ، فإن سلم أن الجلد حىٌّ دخل فى هذا
الطاهر ، وكان ما يورد من الأحاديث بتخصيصه تخصيصاً لعموم القرآن بأخبار الآحاد ،
وفى ذلك اختلاف بين أهل الأصول(٨)، والخلاف المتقدِّم كله يدور على خبَرين متعارضين
(١) إذ أنه من المعلوم أن تحريم الميتة قد جمع عَصبَها، وإهابَها، وعظامها مع لحمها. الاستذكار ٣٣٦/١٥.
(٢) من المعلم .
(٣) فقد روى أشهب عن مالك أنه لا تعمل الذكاة فى السباع، لا للحومها ، ولا لجلودها، كما لا تعمل فى
الخنزير. قال ابن عبد البر: وإلى هذا ذهب أشهب. الاستذكار ٣١٣/١٥ .
قال أشهب : وسئل مالك: أترى مَا دُبغَ من جلود الدوابِّ طاهِراً ؟ فقال: إنما يُقالُ هذا فى جلود الأنعام،
فأما جلودُ ما لا يؤكل لحمُهُ فكيف يكونُ جلدُه طاهراً إذا دُبْغَ ، وَهَو مما لا ذكاةَ فيه ، ولا يؤكل لحمه ؟ .
قال أبو عمر : لا أعلمُ خلافاً أنه لا يُتُوضأ فى جلدَ خنزير ، وإن دُبغَ ، فلما كان الخنزيرُ حراما لا
يحلُ أكلهُ وإن ذُكّى ، وكانت السباعُ لا يحلُ أكلها ، وإن ذُكّتْ، كان حرَاما أن يُنْتَفْعِ بجلودها وإن دُبِغَتْ
قياساً على ما أجمعوا عليه من الخنزير، إذ كانت العلةُ واحدة . السابق ٣٢٦/١٥ .
(٤) قال أبو عمر: ما قاله أبو ثور صحيحٌ فى الذَّكاة : إنها لا تعملُ فيما لا يحلُّ أكُلُه ، إلا أن قوله عليه
السلام : « كلُّ إِهابٍ دُبغَ فقد طَهُرَ ))، وقد دخَلَ فيه كُل جلدٍ ، إلا أن جُمهورَ السلف أجمعوا أن جلد
الخنزير لا يدخُلُ فى ذلك فخرج بإجماعهم .
(٥) وهو قول محمد بن الحكم ، وحكاه عن أشهب ، قال أبو عمر : وهو ما عليه جمهورُ الفقهاء من أهل
النظر والأثر بالحجاز والعراق والشام .
قال : وهو الصحيحُ عندى، وهو الذى يُشبِهُ قولَ مالك فى ذلك ، ولا يصحُ أن ينقُلُه غيرُهُ .
(٦) قال أبو عمر : والذى عليه أكثرُ أهل العلم منَ التابعين ومن بعدهُم من أئمة الفتوى أن جلد الميتة دباغهُ
طهورٌ كاملٌ له ، تجوز بذلك الصلاةُ عليه، والوضوءُ ، والاستقاء ، والبيعُ ، وسائر وجوه الانتفاع .
قال : وهو قول سفيان الثورى ، وأبى حنيفة ، والكوفيين ، وقول الأوزاعى فى جماعة أهل الشام ،
وقولُ الشافعِىَّ وأصحابه ، وابن المبارك ، وإسحق ، وهو قول عبيد الله بن الحسن ، والبصريين ، وقولُ
داود ، والطبرى ، وهو قول جمهور أهل المدينة ، إلا أن مالكاً كان يُرخِّصُ فى الانتفاع بها بعد الدِّباغ ،
ولا يرى الصلاة فيها ، ويُكرَهُ بيعَها ، وشراءها .
قال : وعلى ذلك أصحابُه، إلا ابن وهب، فإنَّه يذهبُ إلى أنَّ دباغَ الإهاب طهورٌ كاملٌ له فى
الصلاة، والوضوء ، والبيعُ ، وكل شىء .
(٧) المائدة : ٣ .
(٨) ذهب الشافعى وأبو حنيفة ومالك إلى جواز تخصيص الكتاب بخبر الواحد ، إذ أنَّ العموم وخبر الواحد
دليلان متعارضان ، وخبر الواحد أخصّ من العموم ، فوجب تقديمه على العموم .
قال الرازى : وإنما قلنا : إنهما دليلان ؛ لأن العموم دليلٌ بالاتفاق ، وأما خبر الواحد فهو - أيضاً - =

٢١٢
كتاب الحيض / باب طهارة جلود الميتة بالدباغ
ت ١٤٩/ أ ما الذى يُسْتَعْملُ منهُما؟ والمسْتَعملُ منهما ما مقتضاه [ من العموم](١)؟ فأخذ /[ أحمد ](٢)
ابن حنبل بقوله: ((لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عَصَبٍ))، وأخذ الجمهور بقوله: ((إذا
دُبِغَ الإهابُ فقد طَهَرَ ))، وهذا الحديث خاصٌ والعَامُّ يُردِّ إلى الخاص ، ويكون الخاص بياناً
له ، وقال بعض هؤلاء : الحديث خرَج على سببٍ وهو شاة ميمونة - رضى الله عنها -
٧٥ / ب والعموم إذا خرج على سَبَبٍ قُصِرَ عليه عند بعض / أهل الأصول (٣) وألحق بهذا السبب
البقرةُ والبعير وشبه ذلك ، للاتفاق على أن حكم ذلك حكم الشاة ، وقال بعضُهم : بل
يتعدَّى ويَعُمُّ بحكم مقتضى اللفظ ، ويجب حملهُ على العموم فى كل شىء حتى الخنزير ،
وقال بعضهم : فإن العموم يخصُ بالعادة ، ولم يكن من عادتهم اقتناء الخنازير حتى تموت
فيدبغوا جلودها . قال بعضهم : ولا الكلبُ أيضاً لم يكن من عادتهم استعمال جلده ،
وقال بعضهم: بل يخُصُّ هذا العموم بقوله: ((دباغ الأديم ذكاتُه)) (٤)، فأحل الذكاة محل
= دليلٌ ؛ لأن العموم به يتضمن دفع ضررٍ مظنون ، فكان العمل به واجباً ، فكان دليلاً .
قال : وإذا ثبت ذلك وجب تقديمه على العموم ؛ لأن تقديم العموم عليه يُفضى إلى إلغائه بالكلية ، أما
تقديمه على العموم فلا يُفضى إلى إلغائه بالكلية ، فكان ذلك أولى .
قال : وقد أجمعت الصحابة على تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد وبينوه بخمس صور .
إحداها : أنَّهم خصصوا قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُم﴾ [ النساء : ١١] ، بما رواه
الصديق أنه عَّ قال: (( نحن معاشر الأنبياء لا نورث )) متفق عليه .
ثانيها: خصَّصوا عموم قوله تعالى: ﴿فَإِن كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلْكَا مَا تَرَكَ ﴾ [ النساء: ١١]
بخبر المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة أنه معَّه جعل للجدة الدس ، فلو خلفت المتوفاة زوجاً وبنتين
وجدة ، كان للزوج الربع ( ثلاثة ) وللبنتين الثلثان (ثمانية)، وللجدة السدس ( اثنان ) عالت المسألة إلى
ثلاثة عشر ، وثمانية من ثلاثة عشر أقل من ثلثى التركة .
ثالثها: خصَّصوا قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعِ﴾ [ البقرة: ٢٧٥ ] بخبر الشيخين عن أبى سعيد فى
المنع من بيع الدرهم بالدرهمين .
رابعها : خصصوا قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِين﴾ [ التوبة: ٥] بخبر عبد الرحمن بن عوف فى
المجوس : «سُّوا بهم سَنَّةَ أهل الكتاب)).
خامسها: خصَّصوا قوله تعالى: ﴿وَأُحِلِّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَلِكُم﴾ [النساء: ٢٤ ] بخبر أبو هريرة الذى
أخرجه الأربعة: نهى النبى معَّه أن تنكح المرأة على عمتها أو خالتها .
وقد ذهب قوم آخرون إلى منع ذلك ، وتوقف القاضى أبو بكر فى تلك المسألة . انظر : المحصول
١٣١/٣/١.
(٢) ليست فى المعلم .
(١) سقط من الأصل .
(٣) لأن الحجة عندهم على ذلك فى المحكى لا فى الحكاية ، ومع الاحتمال لا يجوز القطع بالعموم . المحصول
٦٤٢/٢/١ .
(٤) الحديث أخرجه النسائى من ثلاثة طرق بنحوه :
الأول: من حديث سلمة بن المُحبق ولفظه: أن نبى الله عَّه فى غزوة تبوك دعا بماء من عند امرأة، قالت:
ما عندى إلا فى قِرَبَةٍ لى ميْتَةٍ ، قال: (( أليس قد دَبَغْتِهَا؟)) قالتْ: بلى. قال: ((فإنَّ دباغَها ذكاتُّها)) . =

٢١٣
كتاب الحيض / باب طهارة جلود الميتة بالدباغ
١٠٤ - (٣٦٥) حَدَّثَنَا أُبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثْنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ
عَبْدِ الَلِكِ بْنِ أَبِى سُلِيْمَانَ، عَنْ عَطَاء، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ النَّبِى ◌َّهُ مَرَّ بِشَاةِ لِمَوْلاة
لمَيْمُونَةَ . فَقَالَ : «أَلَا انْتَفَعْتُمْ بِإِهَابِهَا؟)) .
١٠٥ - (٣٦٦) حَدَّثْنَا يَحْبَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا سُلِيْمَانُ بْنُ بِلال، عَنْ زَيّدِ بْنِ أَسْلِمَ ؛
أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ وَعْلَةَ أَخْرَهُ عَنْ عَبَدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَمِعَتُ رَسُولَ اللهِ عَهِ يَقُولُ:
((إِذَا دُبِغَ الإِهَابُ فَقَدْ طَهُرَ )) .
( .. ) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةً وَعَمْرٌوَ النَّاقِدُ، قَالا: حَدَّثَنَا ابْنُ عُبَيْنَةَ. ح وَحَدَّثَنَا
قُتَيْبَةُ بْنُ سَعيد، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ - يَعْنِى ابْنِ مُحَمَّد. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ وَإِسَحَقُ بْنُ
إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعًا عَنْ وَكِيعٍ، عَنْ سُفْيَانَ، كُلُهُمْ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلِمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ
وَعْلَةَ، عَنِ ابْنِ عَّاسٍ، عَنِ النَِّّ ◌َّهِ بِمِثْلِهِ، يَعْنِى حَدِيثَ يَحْنَى بْنِ يَحْنَى.
الدباغ ، فوجب ألا يؤثر الدباغ إلا فيما تؤثر فيه الذكاة ، والذكاة إنما تؤثر عند هؤلاء فيما
يستباح لحمه ؛ لأن قصد الشرع بها استباحةُ اللحم ، فإذا لم يستبح اللحم لم تصح الذكاة
وإذا لم تصح الذكاة لم يصح الدباغ المشبّه به ، وقد أشارَ بعض من انتصر لمالك إلى سلوك
هذه الطريقة ، فرأى أن التحريم يتأكد(١) فى الخنزير (٢)، واختصَّ بنص القرآن عليه ؛
فلهذا لم تعمل الذكاة فيه ، فلما تقاصر عنه فى التحريم ما سواه لم يُلحَق به فى تأثير
الدباغ. وقد سلك هذه الطريقة - أيضاً - أصحاب الشافعى ورأوا أن الكلبَ خُصَّ فى الشرع
بتغليظ لم يردْ فيما سواه من الحيوان وألحق (٣) بالخنزير، وأما الأولون الذين ذكرنا
مخالفتهم لهؤلاء فى الأخذ بالظاهر فإنهم - أيضاً - يخالفونهم فى المعنى ، ويَرَون أن الدباغ
أنزل فى الشرع بمنزلة الحياة لمَّا كان يحفظ الجلد من التغيِّير والاستحالة كما تحفظه الحياة ،
وأما ابن شهاب فتعلق بحديث لم يُشْتَرَطْ فيه الدباغ، وقد رواه مقيَّداً، ولعله نسى ما رواه .
الثانى: من حديث عائشة قالت: سئل النبى معٌَّ عن جُلُود الميتة فقال: «دباغُها طهورُها )).
=
الثالث : بلفظ «دِباغُها ذكاتُها )) ك الفرع والعتيرة، ب جلود الميتة ٧ / ١٧٤ .
(١) فى المعلم : تأكيد .
(٢) قال أبو عمر : إن جمهورَ العلماء الذين لا يجوز عليهم تحريفُ التأويل، ويلزَمُ منْ شذَّ عنهُم الرجوع
إليهم ، خَصَّا جِلدَ الخنزير ، وأخرجوه من الجُملة ، فلم يُجيزوا فيه الدباغ. فجلدُهُ مثلُ لحمِه ، فلمَّا لَمْ
تعملَ فى لحمه ولا فى جلدِه الذكاةُ لم يعمل الدباغَ فى إهابه شيئاً. راجع: الاستذكار ٣٤٧/١٥ -٣٤٩.
(٣) فى المعلم : فألحق .

٢١٤
كتاب الحيض / باب طهارة جلود الميتة بالدباغ
١٠٦ - (.) حَدَّثَنِى إِسْحَقُ بْنُ مَنْصُور وَأَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَقَ - قَالَ أَبُو بَكْر: حَدَّثَنَا .
وَقَالَ ابْنُ مَنْصُور : أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ الرَّبِيعَ - أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أُبُّوبَ عَنْ يَزِيدَ بْن أَبِى
حَبيب؛ أَنَّ أَبَا الْخَيْرِ حَدَّثَهُ: قَالَ : رَأَيْتُ عَلَى بْنِ وَعْلَةَ السََّىَّ فَرْوًّا، فَمَسسْتُهُ. فَقَالَ:
مَلَكَّ تَمَسُّهُ؟ قَدْ سَأَلْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاس، قُلَتُ: إِنَّا نَكُونُ بِالمَغْرِبِ ، وَمَعَنَا البَرْبَرُ
وَاَلَجُوسُ ، نُؤْتَى بِالكَبْشِ قَدْ ذَبَحَّوهُ، وَنَحْنُّ لا تَأْكُلُ ذَبَائِحَهُمْ، وَيَأْنُونَا بَالسِقَاءِ يَجْعَلُونَ
فِيهِ الوَدَكَ. فَقَالَ ابْنِ عَّاسٍ. قَدْ سَأَلْنَا رَسُولَ اللهِعَّهُ عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ:((حِبَاغَّهُ طَهُورُهُ)) .
١٠٧ - ( ... ) وَحَدَّثَنِى إِسْحَقُ بْنُ مَنْصُورِ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ
الرَّبِيعِ، أَخْبَرَنَا يَحْنَى بْنُ أُوَبَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَّةَ، عَنْ أَبِى الْخَّرِ ، حَدَثَهُ قَالَ : حَّدَّثَنِى
ابْنُ وَعْلَةَ السَّبَىُّ قَالَ : سَأَلْتُ عَبْدَ الله بْنَ عَبَّاسٍ، قُلتُ: إِنَّا نَكُونُ بِالْمَغْرِبِ ، فَيَأَنِينَا
الَجُوسُ بِالأَسْقِيَةِ فِيهَا الَاءُ وَالوَدَكُ. فَقَالَ: اشْرَّبْ. فَقُلْتُ: أَرَأَىٌ تَرَهُ ؟ فَقَالَ : ابْنُ
عَبَّاسِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ عَهُ يَقُولُ: (( دبَاغُهُ طَهُورُهُ)) .
قال القاضى: قوله: (( يُجملون فيه الودَك)): كذا لبعض الرواة ، ولأكثرهم :
((يجعلونَ))، ومعنى ((يُجملون)): يُذيبون، يقال بضم الياء وفتحها ، يقال: جَملتُ
الشحم وأجملتُه إذا أذبتَه ، ثلاثى ورباعى .
--------..

٢١٥
كتاب الحيض / باب التيمم
(٢٨) باب التيمم
١٠٨ - (٣٦٧) حَدَّثَنَا يَحْبَى بْنُ يَخْبَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالك عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ
القَاسِمِ ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّهَا قَالتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ عَّهِ فِى بَعْضٍ أَسْفَارِهِ،
حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالبَيْدَاءِ - أَوْ بِذَاتِ الجَيْشِ - انْقَطَعَ عِقْدٌ لِى فَأَقَامَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ عَلَى التَمَاسِه،
وَأَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءِ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، فَأَتَى النَّاسُ إِلَى أَبِى بَكْرٍ فَقَالُوا:
أَلا تَرَى إِلى مَا صَنَعَتْ عَائشَةُ؟ أَقَامَتْ بِرَسُول الله عَّهُ وَبَالنَّاسِ مَعَهُ ، وَلَيْسُوا عَلَّى مَاءِ،
وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ وَرَسُولُ اله ◌َ وَاضِعٌ رَأَسَهُ عَلَى فَخِذِى قَدْنَامَ، فَقَالَّ :
حَبَسْتِ رَسُولَ اللهِ عَّهِ وَالنَّاسََ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاء وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ. قَالتْ: فَعَاتَبَنِى
فيه أن عائشة - رضى الله عنها - قالت - حديث التيمم -: (( خرجنا مع رسول الله
◌َّ ... )) إلى قولها: ((انقطع عِقْدٌ لى فأقام رسول الله عَّه على التماسه وأقام الناس
معه )) الحديث، قال الإمام : قالَ بعض أصحابنا: يُباحُ السفرُ للتجارة وإن أدى إلى
التيمم ، ويحتج له بهذا الحديث ؛ لأن إقامتهم على التماس العقد ضربٌ من مصلحة المال
وتنميته [ وذكر فى الحديث نزول آية التيمم ] (١) .
قال القاضى : فيه جواز الإقامة بموضع لا ماء فيه لحوائجه ومصالحه ، فإنه لا يجبُ
عليه الانتقال عنه لأن فرضَه هو ما لزمه فيه من طهارة الماء أو التيمم إن عدمه / ، ما لم يكن ت ١٤٩/ ب .
الماء قريبا منه فيلزمُه طلبُه عند كل طهارة . واختُلِف فى حَدِّ قربِهِ ، فالمذهب أنه يطلبُهُ فيما
لا كبير مشقة عليه فيه ، ولم يَر أن يلزمه فى الميلين طلبه. وقالَ [ إسحق](٢): لا يلزمه
الطلبُ إلا فى موضِعِه ، وروى نحوه عن ابن عمر أنه يتيمَّمُ والماء على غَلوَتَين منه ، وهما
م.
(١) من المعلم . قلت : والذى يظهر هو الإقامة لحفظ المال ، إذ أنَّ حفظه واجب بخلاف السفر لتنميته . ذكره
الأبى . إكمال ١١٩/٢ .
وفى هذا الحديث قال ابن عبد البر: هو أصح حديث عندى روى فى التيمم الاستذكار ١٤١/٣ .
والسفر المذكور فيه كان فى غزوة المُريسيع إلى بنى المصطلق بن خزاعة ، وذلك كان سنة ست من
الهجرة ، وقيل : سنة خمس .
انظر: الطبقات الكبرى ٦٣/٢، صحيح البخارى ١١٥/٥، تاريخ الطبرى ٦٠٤/٢، دلائل النبوة
للبيهقى ٤ / ٤٤ ، البداية والنهاية ١٥٦/٤ .
(٢) هكذا جاء فى الأصل وت ، إلا أنه فى ت جاء عليها ما يشبه الضرب ، وكتب أمامها بالهامش :
سحنون. وهو ما نراه صوابا، إذ أنه الموافق لما جاء فى المنتقى ١/ ١١٠ .

٢١٦
كتاب الحيض / باب التيمم
أَبُو بَكْر ، وَقَالَ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَقُولَ، وَجَعَلَ يَطْعُنُ بَيَدَه فى خَاصِرَتِى ، فَلَا يَمْنَعُنِى مِنَ
التَّحَرُّكَ إلا مَكَانُ رَسُولِ اللهِ عَّهُ عَلَى فَخذى. فَنَامَ رَسُولُ اللهِعَهُ حَتَّى أَصْبَحَ عَلَى غَيْرِ
مَاء ، فَأَنْزَلَ اللهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ فَتَيَمَّمُوا. فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ - وَهُوَ أَحَدُ النَّقَبَاءِ : مَاهِىَ
خُمسُ مَيْلٍ ، فإن الميلَ عَشرُ غلاءِ ، والغلوَةُ منتهى جرى الفرس ، وذلك مائتا ذراعٍ .
وفى الحديث: خروج النبى ◌َّه بنسائه للغزو أو بِبَعْضِهِنَّ (١)، وسيأتى هذا فى
موضِعِه من النكاح . والبيْدَاءُ وذات الجيش موضعان قريبان من المدينةِ(٢). وفيه اتخاذ النساء
القلائد ، قيل : كانت هذه من جزع ، وجاء فى الحديث الآخر أنها قلادةٌ استعارتها من
أسماء، فأضافتها إليها مَرَّةً لكونها فى حوزتها(٣) وقيل: بل قولها: ((عقدٌ لى)) تقديمٌ
وتأخير، أى انقطع لى عقدٌ ، ثم بينت أنه لأسماء فى الرواية الأخرى(٤). وكلُ ما يُعقدُ فى
العُنق فهو عقدٌ وقلادةٌ، وقد نقله فى المعلم: ((انقطع عقدها))، وليس ذلك فى الحديث
إلا كما تقدم . وفيه جواز عارية الحُلىِّ، وتُجُمُلُّ المرأةِ بحُلَىِّ غيرها.
وقوله فى الرواية الأخرى: ((فهلكتْ)): أى انقطعتْ، كما قال فى الحديث الآخر،
وكل فساد هلاك، وتحمل فعل النبى معَّهُ هذا ليكون سُنَّةٌ فى حفظ الأموال والحيطة عليها.
ودخول أبى بكر - رضى الله عنه - على عائشة ورأسُ النبى عَّه فى حجرها وهو نائمٌ دليلٌ
(١) قال أبو عمر: وخروج الرجل مع أهله فى السفر من العمل المباح، فإذا كان له نساءٌ حرائر لم يجز له أن
يسافر بواحدة منهن حتى يقرع بينهن ، فإذا أقرع بينهن ووقعت القرعةُ على من وقعت منهن ، خرجت
معه ، واستأثرت به فى سفرها ، فإذا رجع من سفره استأنف القسمة بينهن ، ولم يحاسب التى خرجت
معه بأيام سفره معها، وكانت مشقتها فى سفرها ونصبها فيه بإزاء نصيبها منه وكونها معه. التمهيد ٢٦٦/١٩.
وفى الاستذكار قال : وخروجهن إلى الجهاد مع ذوى المحارِمِ والأزواج إنما يصح - والله أعلم - فى
العسكرِ الكبير الذى الأغلب منه الأمنُ عليهن. الاستذكار ١٤٢/٣.
(٢) البيداء : هى الشرف الذى أمام ذى الحليفة من طريق مكة ، وذات الجيش : موضع على مسافة بريد من
المدينة ، وهو إلى العقيق أقرب .
(٣) فى الأصل : حوزها ، والمثبت من ت .
(٤) جاء فى مسند الحميدى من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: ((أنها سقطت قلادتها ليلة الأبواء ،
فأرسل رسول الله عَّه رجلين من المسلمين فى طلبها ، فحضرت الصلاة وليس معهما ماء ، فلم يدريا
كيف يصنعان ؟ قال : فنزلت آية التيمم ، قال أسيد بن حضير : جزاك الله خيراً ، فما نزل بك أمر
تكرهيئه إلا جعل الله لك منه مخرجاً، وجعل للمسلمين فيه خيراً )) .
قال أبو عمر : ليس اختلاف النقلة فى العقد والقلادة ولا فى الموضع الذى سقط ذلك فيه لعائشة ، ولا
فى قول القاسم عن عائشة عقد لى، وقول هشام: إن القلادة استعارتها من أسماء ــ ما يقدح فى الحديث .
ولا يوهن شيئًا منه ؛ لأن المعنى المراد من الحديث والمقصود إليه هو : نزول آية التيمم ، ولم يختلفوا فى
ذلك. التمهيد ٢٦٨/١٩ .

٢١٧
كتاب الحيض / باب التيمم
بِأَوَّل بَرَكَتَكُمْ يَا آلَ أَبِى بَكْرِ. فَقَالتْ عَائِشَةُ: فَبَعَثْنَا الْبَعِيرَ الذى كُنْتُ عَلَيْهِ، فَوَجَدْنَا العقْدَ
تحته .
على جواز مثل هذا ، وأنه مما لا يُتَسَتّرُ منه من الأصهار ولا الأجانبَ، إذ لو كان مُنْكراً لم
يدخل أبو بكر عليها فى تلك الهيئة ولا أقامَ حتى يستيقظ النبى معَّه وهو عليها ، وطعن
أبى بكر فى خاصِرَتِها جواز تأديب الرجل ابنته وإن خرجت عنه ، وعتبُ أبى بكر لعائشة
وشكوى الناس ذلك إلى أبى بكر وقولهم: (( وليسوا على ماء وليس معهم ماءٌ )) دليلٌ على
أن الوضوء كان قبل مشروعاً لهم واجباً عليهم ، وإلا فما الذى يعظم عليهم من ذلك ؟
وقوله : (( فبعثنا البعيرَ الذى كنت عليه فوجدنا العقدَ تحتَهُ )) وفى الحديث الآخر فى
البخارى: ((فبعث رسول الله عَّ رجلاً فوجدها)) (١) وفى رواية: ((رجلين)) وفى أخرى:
(( ناساً )) وهو حديثٌ واحدٌ ولا تناقض فى هذا ، وإن كان القاضى إسماعيل حمله على
المعارضة ، وأما غيرُه فقال : إن المبعوث كان أسيد بن حضير(٢)، وأنه وجدها بعد رجوعه
من طلبه حين أثار البعير ، أو يكون المرادُ فوجدها النبى معَّه لا الرجلُ المبعوث.
وقوله: (( فأنزل الله آية التيمم)): دليلٌ على ما تقدم أن الحكم الزائد عليهم فيها
حكم التيمم / فأضيفت(٣) إليه، وإن قيل لها : إنه الوضوء أيضاً، فيحكم أنها التى ذكَر
الوضوء من القرآن إذا كان أولاً بالسُنةِ على ما تقدم أول الكتاب .
٧٦ /١
قال الإمام: التيمم فى اللغة: القصد، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَلَا آمِينَ الْبَيْتَ الْحَرَام﴾(٤)،
ومنه قول الشاعر :
سلِ الرَبْعَ أنَّى يَّمتُ أم اسْلما (٥) وهل عادةٌ للربع أن يتكلما /
ت ١٥٠ / أ
وأما الذى يُتَيمَّمُ به فالمشهور (٦) من مذهب مالك : الأرض ، وما تصاعدَ (٧) عليها ،
٠
مما لا ينفك عنها غالباً(٨)، ومذهب الشافعى: أن التيمم بالتراب خاصةً(٩)، وعندنا قولٌ
(١) ك التيمم، ب إذا لم يجد ماءً ولا ترابا ١/ ٩٢ .
(٢) وهو ما جزم به ابن عبد البر. التمهيد ٢٦٨/١٩.
(٣) فى ت : فأضيف. قال أبو عمر : ولم يقل : فنزلت آية الوضوء ما يدُلكَ أن الذى طرأ عليهم من العلم
فى ذلك الوقت حكم التيمَّم لا حكم الوضوء بالماء ، والله أعلم . الاستذكار ١٥٦/٣ .
(٤) المائدة : ٢ .
(٦) فى المعلم : المشهور ، بدون الفاء.
(٨) فيجوز التيمم عنده بالحصاء ، والجبل ، والرمل .
(٥) فى ت : اسلمتها .
(٧) فى المعلم : يصعد .
(٩) وهو اختيار أبى يوسف وداود، قالوا : لا يجزئ التيمم بغير التراب، وقال الإمام الشافعى: لا يقع=

٢١٨
كتاب الحيض / باب التيمم
-
١٠٩ - ( ... ) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثْنَا أَبُو أُسَامَةً. ح وَحَدَّتْنَا أَبُو ◌ُرَيْب،
حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ وَابْنُ بِشْرِ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّهَا اسْتَعَارَتْ مِنْ أَسْمَّاءَ
نحو قول الشافعى . واختلف عندنا فى التيمم على الثلج والحشيش (١)، والحجة للقولة
المشهورة عن مالك قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾(٢)، والصعيد ينطلق على [ وجه](٣)
الأرض، وقوله عَّه: ((جُعلت لى الأرض مسجداً وطهورا)) (٤) ويحتج للشافعى والقولة
الشاذة عندنا(٥) بما وقَع فى أحد طرق هذا الحديث وهو قوله عَّه: ((وترابها طهور)) فذكر التراب.
وأما حَدُّ التيمم : ففيه ثلاثة أقوال: قيل: إلى الكوعين (٦)، وقيل: إلى المرفقين (٧)،
وقال ابن شهاب : إلى الآباط(٨)، فمن قال : إلى الكوعين ، كان بناءً على تعليق الحكم
بأول الاسم، ويؤيده بحديث - أيضاً - فيه: ((وجهك وكفيك))، ومن قال: إلى الآباط،
بناه على تعليق الحكم بآخر الاسم ، إذ ذلك أكثر ما ينطلق عليه اسم يد ، ويؤكده ما وقع
= صعيدٌ إلا على تراب ذى غبار ، فأما الصحراء الغليظة والرقيقة ، والكثيب أو الغليظ فلا يقع عليه اسم
صعيد ، وقال أبو ثور : لا يتيمم إلا بتراب أو رمل .
وقال الأوزاعى : يجوز التيمم على الرمل ، وقال الثورى وأحمد بن حنبل : يجوز التيمم بغبار
الثوب، واللبد. التمهيد ٢٨٩/١٩ .
(١) وذلك إذا كان دون الأرض ، أما التيمم علي الثلج فإن الرواية عن مالك فيه مختلفة ، فأجازه مرة ، ومنع
منه أخرى ، ومن حجته فى ذلك قول الله عز وجل: ﴿صَعِيدًا جُرْزًا﴾ [ الكهف: ٨ ] يعنى : أرضاً
غليظة لا تنبت شيئاً ، وقوله تعالى: ﴿صَعِيدًا زَلَقًا﴾ [ الكهف: ٤٠] أى: أرضاً واحدة.
(٢) النساء : ٤٣، المائدة: ٦ .
(٣) من المعلم .
(٤) صحيح أخرجه مسلم والنسائى وأحمد عن حذيفة .
(٥) بعدها فى ت : ك فى التيمم على الثلج. ولا وجه له ، إذ هو من المختلف عليه عند المالكية كما تقدم فى
قول القاضى ، أما التيمم بالتراب خاصة فهو مجرد قول فى المذهب كما أشار ، ثم إنه لا صلة لما ساق من
دليل بعد بهذا الزائد .
(٦) وهما الرسغان. وروى ذلك عن على بن أبى طالب ، وهو قول عطاء، والشعبى ، فى رواية ، وبه قال
أحمد بن حنبل ، وإسحق بن راهويه ، وداود بن على ، والطبرى . قال ابن عبد البر : وهو أثبت ما روى
فی ذلك من حديث عمار .
(٧) وهو قول أبى حنيفة ، والثورى ، والليث ، والشافعى. وبه قال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، وإليه
ذهب إسماعيل بن إسحق القاضى .
- (٨) ولم يقل ذلك أحدٌ غيره ، ومستدله على ذلك ما جاء فى أبى داود عن عمار: (( فقام المسلمون مع
رسول الله عَّه فضربوا بأيديهم إلى الأرض ، ثم رفعوا أيديهم ولم يقبضوا من التراب شيئا ، فمسحوا بها
وجوههم وأيديهم إلى المناكب ، ومن بطون أيديهم إلى الآباط)). سنن أبي داود ٧٦/١.
قال ابن عبد البر : ثم قد روى عن عمار خلاف ذلك فى التيمم ، رواه عنه عبد الرحمن بن أبزى ،
فاختلف عليه فيه، فقال عنه قوم: (( ومسح ذراعيه إلى نصف الساعد))، وقال آخرون: ((إلى المرفقين))،
وقال أكثرهم عنه فيه: ((وجهه وكفيه)). التمهيد ٢٨٥/١٩.

٢١٩
كتاب الحيض / باب التيمم
قلادَةً، فَهَلَكَتْ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ عَّهِ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِه فى طَلَبهَا، فَأَدْرَكَتْهُمُ الصَّلاةُ
فَصَلَوْا بِغَيْرِ وَضُوء، فَلِمَّ أَتَوُاُ النَّبِىِّ ◌َّهُ شَكَوَا ذَلِكَ إِليْهِ ، فَزَلَتْ آَيَةُ التَّيَمُمِ . فَقَالَ أُسَيِّدُ
ابْنُ حُضَيْر : جَزَاكَ اللهُ خَيْرًا، فَوَالله مَا نَزَلَ بِك أَمْرٌ قَطٌ إلا جَعَلَ اللهُ لك مِنْهُ مَخْرَجًا ،
وَجَعَلَ لِلمُسْلِمِينَ فِيهِ بَرَكَةً .
١١٠ - (٣٦٨) حَدَّثَنَا يَحْنَى بْنُ يَحْبَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَابْنُ نُمَيْرٍ، جَمِيعًا عَنْ
فى بعض روايات حديث العقد أن الراوى قال: ((فتيممنا إلى الآباط)). أو قال: ((إلى
المناكب))، وأما من قال: إلى ((المرافق)) كأنَّه(١) ردَّه إلى الوضوء لَّا كان(٢) تستباح
الصلاة به كما تستباح بالوضوء ، والحكم إذا أطلق فى شىء وقيّدَ فيما بينه وبينه مشابهةٌ
اختلف أهل الأصول فى ردِّه إليه كهذه المسألة والعتق فى الكفارة فى الظهار ، هل(٣) يشترط
فيه الإيمان ويُرد إلى كفارة القتل ؟ (٤).
قال القاضى: وقوله فى الحديث من رواية ابن أبى شيبة: (( فصلوا بغير وضوء))
حجةً لأحد الأقوال فيمن عُدِمِ الماء والترابَ من مريضٍ أو محبوسٍ ؛ لأن هؤلاء عدموا الماء
ولم يُشرع لهم بعد التيمم فصلوا بغير طهارة . وقد اختلف العلماء فى تلك المسألة على
أربعةِ أقوال : هل يُصلى ثم لا إعادة عليه لأن عَدَمه عذرٌ كالسلس والاستحاضة ، ولأنه
ظاهر الحديث (٥) ؟ أو يصلى ثم يعيدُ إذا وجد الطهور على الاحتياط ليأتى أولا بغاية ما
يقدر عليه ثم لما وجد الماء لزمته الطهارة والإعادة ؟ ، وقاله الشافعى (٦) ، أو لا يصلى ولا
يعيد ؛ لأن الخطاب لم يتوجه عليه لعدم الشرط من الطهارة حتى خرج وقتها كالحائض
تطهُر، وكمن بلغ وأسلم بعد الوقت (٧) ، أو لا يُصلى ، كظاهر الحديث من أكثر الطُرق،
لكنه يُعيدُ إذا وجد الماء، كمن غمَره المرض أو غلبه النوم أو النسيان، ولقوله عَّ: ((لا
يقبل الله صلاةً بغير طهور)) ؟ وهذه الأقوال كلها عندنا فى المذهب لمالك وأصحابه ،
(١) فى المعلم : فإنه .
(٣) فى الأصل : وهل ، والمثبت من ت .
(٢) فى المعلم : كانت.
(٤) راجع: المستصفى ١/ ١٨٥.
(٥) وهذا الوجه رواه ابن دينار عن معن بن مالك، وإلى هذه الرواية ذهب ابن خويزمنداد ، قال ابن عبد البر :
وكأنه قاسه على المغمى عليه، قال : وليس هذا وجه القياس ؛ لأن المغمى عليه مغلوب على عقله ، وهذا
معه عقله .
(٦) وهى إحدى الروايتين عنه، وهى المشهورة ، والثانية : لا يصلى حتى يجد طهارة.
(٧) وهو قول أبى حنيفة أيضا. راجع: بدائع الصنائع ١/ ١٩٢.

٢٢٠
كتاب الحيض / باب التيمم
أَبِى مُعَاوِيَةَ ، قَالَ أَبُو بَكْر: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ ، عَنْ شَقيق ؛ قَالَ : كُنْتُ
والمروى منها عن مالك : لا صلاة ولا إعادة ، وهو قول الثورى والأوزاعى وأصحاب الرأى (١).
وقوله: (( كنا فى السريّة فأجنبنا))(٢)، قال الإمام: قال الهروى: قال الفراء: يقال:
أجنب الرجلُ وجنب من الجنابة [ قال](٣): وقال الأزهرى: سُمى [ الجنب] (٤) جنبا لأنه
نُهى أن يقربَ مواضعَ الصلاة ما لم يتطهَّر، فتجنبها وأجنبَ / عنها [ أى تباعد عنها ](٥)،
وقال القتبى (٦) : سُمى بذلك لمجانبته الناس وبعده منهم حتى يغتسل والجنابة البعد.
ت ١٥٠ / أ
قال القاضى : وقال الشافعى : إنما سُمى جُنُباً من المخالطة ، ومن كلام العرب :
أجنب الرجلُ إذا خالط امرأته ، وكان هذا ضداً للمعنى الأول ، كأنه من القرب منها ،
وقد قيل فى قوله تعالى: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ (٧): أنها الزوجة. ويقال جُنُبٌ للواحد
والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث ، قال ابن فارس : وقد قيل فى الجمع : أجنابٌ .
وكلام عبد الله وأبى موسى فى تيمم الجنب يدل أن مذهب ابن مسعود كان لا يتيمم
ولا يصلى حتى يجد الماءَ ، ثم روى أنه رجع بعدُ إلى التيمم. هذان القولان معروفان له ،
وقد حكى عنه أنه من قوله : لا يغتسل إذا تيمَّمَ ، ولكنه إذا أحدث توضأ للصلاة ، وهذا
لا يصح عنه ولا عن أحد من العلماء ، إلا أبا سلمة بن عبد الرحمن وحدَه ، وقيل : بل
من قوله : إنه إذا وجد الماء اغتسل وأعاد الصلاة ، وهذا القول لا يصح عنه ولا عن غيره
إلا أن بعضهم استحب ذلك ، وحكى عن جماعة من التابعين إعادة المتيمم صلاته إذا وجد
الماء فى الوقتِ ، وقاله ربيعة وابن شهاب ، وقالَه الأوزاعى استحبابا ، قال ابن المنذر :
وأجمعوا أنه لا إعادة عليه إذا وجده بعد الوقت ، وفقهاء الأمصار على أنه لا إعادة عليه لما
صلى وإن وجده فى الوقت(٨). ومذهبه ومذهب عُمر وعمَّارٍ فى الآية : أنها فى الوضوء دون
التيمم؛ لأنه العائدُ عليه والسببُ الذى نزلت فيه الآيةُ، وأنّ معنى قوله: ﴿ أَوْ لامَسْتُم﴾(٩)
فى غير الجماع، ومذهب أبى موسى وغيره أنها على العموم، وبيَّن ذلك النبى معَّه فى
ردِّ على عمَّار بقوله: ((إنما كان يكفيك هكذا، وذكر مسح الوجه والكفين))، ولما احتج
أبو موسى بظاهر الآية على عبد الله وقف وما درى ما يقول ، كما جاء فى الحديث لظهور
العموم فيها للأحداث ، وعطف التيمم على سائرها وتعلق بطرف من الاجتهاد والاحتياط
وقطع الذريعة لاحتمال الآية فقال : لو رخَّصنا لهم فى ذلك لأوشك إذا برد على أحدهم
الماء أن يذهب ويتيمم ، فلم ينكر ابن مسعود أن الآية تتناول الجنب بظاهرِها وغيرَه ولو
(١) راجع: المنتقى ١/ ١١١، ١١٢.
(٢) لفظ حديث عَبد الرحمن بن أبزى: «أما تذكُرُ يا أمير المؤمنين إذا أنا وأنت فى سريَّةٍ، فأجنبنا فلم نجد ماءً؟)).
(٦) فى المعلم : القتيبى.
(٣ - ٥) من المعلم.
(٧) النساء : ٣٦ .
(٩) المائدة : ٦ .
(٨) انظر: المغنى ٣٢٠/١.