Indexed OCR Text
Pages 561-580
٥٦١ كتاب الإيمان / باب آخر أهل النار خروجا غَيْرَهَا، وَرَبُّهُ يَعْذِرُهُ، لأَنَّهُ يَرَى مَالا صَبْرَ لَهُ عَلَيْها ، فَيُدْنِيهِ مِنْهَا، فَإِذَا أَدْنَاهُ مِنْهَا ، فَيَسْمَعُ أَصْوَتَ أَهْلِ الْجَنَّةَ ، فَيَقُولُ: أَى رَبِّ، أَدْخلنِيهَا . فَيَقُولُ : يَا ابْنَ آدَمَ ، مَا يَصْرِينِی مِنْكَ؟ أَيُرْضيكَ أَنْ أُعْطِيكَ الدُّنْيَا وَمَثْلِهَا مَعَهَا؟ قَالَ: يَارَبِّ، أَتَسْتَهْزِئُ مِنِّ وَأَنْتَ رَبُّ العَالمينَ)). ١ بعضهم أنه فى سبعة أعضاء السجود، وقد ذكر فى الحديث : (( أن منهم من تأخذُهُ النارُ إلى نِصْفِ ساقيه وإلى رُكْبتيه )) فدلَّ أن عذاب المؤمنين فيها بخلاف عذاب غيرهم . وقوله فى أهل الذنوب: (( فأماتهم الله إماتةً ، حتى إذا كانوا فحماً أذن بالشفاعة وأن أهلها هم الذين لا يُوتون ولا يحيُون ))(١)، وقال بعض المتكلمين يحتملُ معنيين: أحدهما : أن المذنبين يُميتهم الله موتا حقا حتى لا يُحِسُّون النار ، فيكون عقابهم حبسهم فى النار عن دخول الجنة كالمسجونين ، وأما أهل النار الذين هم أهلها فهم أحياء حقيقةٌ ، ولقوله: ﴿لا يَمُوتُ فِيهَا﴾ أى فيستريح ﴿وَلَا يَحْنَى﴾(٢) حياة ينتفع بها، وهى فى الكفار لقوله : ﴿ وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى﴾(٣). الوجه الثانى : أن الإماتة لأهل الذنوب ليس على الحقيقة لكن غيّب عنهم إحساسهم [للآلام] (٤) بلطف منه، ويجوز أن تكون آلامُهُم أخف كالنوَّام، وقد سمى الله النومَ لإعدامه الحسَّ وفاةً، فقال: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾(٥)، لكن قد قال: ((حتى إذا كانوا فحما)) فدل أن النار مع هذا تعمل فى أجسادهم أو بعضها، وقد جاء فى حديث أبى هريرة: (( إذا أدخل الله الموحدين النار أماتهم فيها ، فإذا أراد أن يُخرجهم منها أمَسَّهُم ألم العذاب تلك الساعة)) (٦) وفى حديث آخر: (( أنها تنزوى منهم وتقول: ((مالى ولأهل بسم الله )). وقوله : فى الذى هو آخر دخولا الجنة: (( فيكبو مرةً)) أى يسقط لوجهه ويمشى مرة، وتسفعه مرة أى تضرب وجهه أو تسوده على أحد التأويلات فى قوله: ﴿ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾(٧). وقوله فيه: (( يخرج منها زحفا)) : أى مشياً على إليتيه ، كما يفعل الصبىُ قبل أن يمشى، وهو مثل قوله فى الحديث الآخر: ((حبواً)). (١) رواه أبو سعيد من حديث أبى نضرة. (٢) الأعلى: ١٣. وزيد بعدها فى غير: ت، ق : هم. (٤) ساقطة من ق. (٦) أخرجه الديلمى فى مسند الفردوس عن أبى هريرة برقم (٩٧٦). (٣) الأعلى : ١١. (٥) الزمر : ٤٢. (٧) العلق : ١٥ . ٥٦٢ كتاب الإيمان / باب آخر أهل النار خروجا فَضَحِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ فَقَالَ : أَلا تَسْأَلُونِّى مِمَّ أَضْحَكُ؟ فَقَالوا: ممَّ تَضْحَكُ؟ قَالَ : هَكَذَا ضَحِكَ رَسُولُ اللهَ. لَّهُ. فَقَالُوا: ممَّ تَضْحَكُ يَارَسُول الله؟ قَالَ : (( منْ ضحْك رَبِّالعَالمِينَ حِينَ قَالَ: أَتَسْتَهْزِئُ مِنِّى وَأَنْتَ رَبُّ العَالمِينَ؟ فَيَقُولُ : إِنِّى لَا أَسْتَهْزِئُ مِنْكَ، وَلَكِنِّى عَلَى مَا أَشَاءُ قَادِرٌ )). وقوله : (( يا ابن آدم، ما يَصْرِينى منك)): قال الحربى: إنما هو ما يَصريك عنى، أى ما يقطعك عن مسألتى ، والصَّرْىُ القطع ، ثلاثى ، وكذا قاله الهروى: يصْرِيَك منى ، وفسَّرِه بما تقدم ، قال : يقال : صَرَيْتُ الشىء إذا قطعتَهُ . وقوله: (( فجىء بهم ضبائر ضبائر)) (١)، قال الإمام : قال الهروى : ضبائر جمع ضبارة، بكسر الضَّاد ، مثل عمارة وعماير ، والضبائرُ جماعاتُ الناس ، يقالُ: رأيتهم ضباير ، أى جماعة فى تفرقة . قال القاضى : قال الكنانىُ : والصواب : أضابر جمع إضبارة ، وما حكاه الهروى ١/٤٩ قبل يردُّ قوله؛ لأنه لم يَعْرف ضبارةً فلذلك أنكر / جمْعهَا ضباير ، يقال : ضبارةٌ وضبارةٌ معاً . كذا قيدناهُ على أبى الحسين الحافظ ، رحمه الله . (١) عن أبى سعيد من رواية أبى نضرة . ٥٦٣ كتاب الإيمان / باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها (٨٤) باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها ٣١١ _ (١٨٨) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِى بُكَيرِ، حَدَّثَنَا زُهَيْرُ ابْنُ مُحَمَّد عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِى صَالِحِ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ أَبِى عَّاشِ، عَنْ أَبِى سَعيد الخُدرىِّ؛ أَنَّ رَسُولِّ الله ◌َّهُ قَالَ: (( إِنَّ أَذْنَىْ أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةٌ رَجُلٌ صَرَفََ الله وَجْهَهُ عَّنِّ النَّارِ قِبَلَ الجنَّةَ، وَمَثَّلَ لهُ شَجَرَةً ذَتَ ظلّ. فَقَالَ: أَىْ رَبِّ، قَدِّمْنِى إِلى هَذه الشَّجَرَةَ أَكُونُ فِى ظلهَا)). وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَديثِ ابْنِ مَسْعُود. وَلَمْ يَذْكُرْ (( فَيَقُول: يَا ابْنَ آدَمَ ، مَا يَصْرِينِى مِنْكَ)) إلى آخرِ الحَّدِيثَ. وَزَادَ فِيه: ((وَيُذَكِّرَهُ الله، سَلْ كَذَا وَكَذَا. فَإِذَا انْقَطَّعَتْ به الأمَانِىُّ قَالَ الله: هُوَ لَكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ)) قَال: ((ثُمَّ يَدْخُلُ بَيْنَهُ فَتَدْخُلُ عَلَيْهِ زَوْجَتَاهُ مِنَ الحُورِ العينِ. فَتَقُولان: الحَمْدُ لله الذى أَحْيَاكَ لِنَا وَأَحْيَانًا لكَ. قَال: فَيَقُولُ: مَا أُعْطِىَ أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُعْطَيْتُ)). ١ ٣١٢ - (١٨٩) حَدَّثَنَا سَعيدُ بْنُ عَمْرو الأشْعَتِىُّ، حَدَّثْنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مُطَرَف وَبْن أَبْجَرَ ، عَنْ الشَّعْبِىِّ؛ قَالَ: سَمِعْتُ المُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ، روَايَةً إِنْ شَاءَ الله. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عُمَرَ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، حَدَّثَنَا مُطَرِّفَ بْنُ طَرِيفِ وَعَبْدُ الَّلَكِ بْنُ سَعيد ، سَمعَا الشَّعْبِىَّ يُخْبِرُ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ: قَال: سَمعْتُهُ عَلَى الْمنْبَرِ، يَرْفَعُّهُ إلى رَسُولَ اللهِعَّهُ قَالَ: وَحَدَّثَنَى بِشَرُّ بْنُّ الَحَكَمَ - وَاللفْظُ لهُ - حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُّ عُبَيْنَةَ، حَدَّثَنَا مُطَرَّفٌ وَابْنُ أَبْجَرَ ، سَمَعَا الشَّعْبِىَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ الْمُغيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ يُخْبِرُ بِهِ النَّاسَ عَلى المِنْبَرِ. قَال سُفْيَانُ: رَفَعَهُ أَحَدُهُمَا - أَرَاهُ ابْنُ أَبْجَرَ - قَالَ: (( سَأَلَ مُوسَى رَبَّهُ: مَا أَدْنَى أَهْلِ الجَنَّةَ مَنْزِلَةً؟ قَال : هُوَ رَجُلٌ يَجِىءُ بَعْدَ مَا أُدْخِلَ أَهْلُ الجَنَّةَ الجَنَّةَ، فَيُقَال لَهُ: ادْخُلُ الجَنَّةَ . فَقُولُ: أَىْ رَبِّ، كَيْفَ؟ وَقَدْ نَزَلَ النَّاسُ مَنَازِلُهُمْ وَأَخَذُوا أَخَذَاتِهِمْ؟ فَيُقَال لهُ : أَتَرْضَى أَنْ يَكُونَ لَكَ مِثْلُ مُلك مَلك مِنْ مُلُوكِ الدُّنْيَا ؟ فَيَقُولُ: رَضِيتُ، رَبِّ. فَيَقُولُ : لكَ ذَلِكَ وَمَثْلُهُ وَمَثْلُهُ وَمَثْلُهُ وَمِثْلَهُ. فَقَال فى الخَامسَةَ: رَضيتُ، رَّبِّ. فَيَقُولُ: هَذَالكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِه، ٠ وقوله: ((نزلوا منازلهم وأخذوا أخذاتهم)) بفتح الهمزة والخاء جمع أخذة وهو ما أخذوا من كرامة مولاهم وحصلوه، أو يكون قصدوا مقاصدَهم وصاروا بسبُلهم إلى منازلهم ، كما ذكر أول اللفظ. وذكره ثعلب بكسر الهمزة: ما أخَذَ إخْذَه، أى ما قصد قصْده، وإخْذ القوم: طريقهم وسبيلهُم. ٥٦٤ كتاب الإيمان / باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها وَلَكَ مَا اشْتَهَتْ نَفْسُكَ وَلَذَّتْ عَيْنُكَ . فَيَقُول: رَضِيتُ، رَبِّ. قَالَ : رَبِّ، فَأَعْلَاهُمْ مَنْزِلةٌ؟ قَال : أولئكَ الذينَ أَرَدْتُ غَرَسْتُ كَرَامَتَهُمْ بِيَدِى، وَخَتَمْتُ عَلَيْهَا، فَلَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تسمع أُذُنّ ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى قَلْبِ بَشَرِ )). قَالَ: وَمِصْدَاقُهُ فِى كِتَابِ الله عَزَّ وَجَلَّ : ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ ﴾ الآيَةُ (١). ٣١٣ - ( .. ) حَدَّثَنَا أَبُو كَرِيب، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ الأَشْجَعِىُّ عَنْ عَبْدِ الَلِكِ بْنِ أَبْجَرَ ؛ قَالَ : سَمِعْتُ الشَّعْبِىَّ يَقُولُ: سَمَعْتُ المُغيرَةَ بْنَ شُعْبَةً يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ: إِنَّ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلامُ - سَأَلَ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ أَخَّسِّ أَهْلِ الجَنَّةَ مِنْهَا حَظًا. وَسَاقَ الَحَدِيثَ بِنَحْوِهِ . ٣١٤- (١٩٠) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْد الله بْن نُمَيْرِ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَن الْمَعْرُورِ بْنِ سُويْدٍ ، عَنْ أَبِى ذَرٍّ ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهَ عَّهُ: ((إِنَّى لأَعْلِمُ آخِرَ أَهْلِ الجَنَّةِ دُخُولاَ الجَنَّةَ. وَأَخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْهَا، رَجُلٌ يُؤَى بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيُقَلُ: اغَرَضُواَ عَلَيْهِ صِغَارَ ذُنُوبِه وارْفَعُوا عَنْهُ كَبَارَهَا ، فَتُعْرَضُ عَلَيْهِ صَغَّارُ ذُنُوبِهِ . فَيُقَالُ : عَمِلتَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، كَذَا وَكَذَا، وَ عَملَتَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، كَذَّا وَكَذَا. فَيَقُولُ : نَعَمْ ، لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنْكِرَ، وَهُوَ مُشْفِقٌ مِنْ كِبَارَ ذُنُوبِهِ أَنْ تُعْرَضَ عَلَيْهِ. فَيُقَالُ لَهُ: فَإِنَّ لكَ مَكَانَ كُلِّسَيَّة حَسَنَةَ . فَيَقُولُ: رَبِّ، قَدْ عَمَلَتُ أَشْيَاءَ لا أَرَاهَا هَاهُنَا)). فَلْقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ الله ◌َّهُ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجذُهُ . ٣١٥- ( .. ) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ وَوَكِيعٌ . حِ وَحَدَّثْنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُوَّ كَرِيب، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ؛ كلاهُمَا عَنِ الْأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ . --- ٣١٦- (١٩١) حَدَّثَنِى عُبَيْد الله بْنُ سَعيدٍ وَإِسْحَقُ بْنُ مَنْصُور؛ كلاهُمَا عَنْ رَوْحِ، قَالَ عُبَيْدُ الله: حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عَبَادَةَ القَيْسِىُّ، حَدَّثْنَا ابْنُ جُرَيْج، قَالَّ: أَخْبَرَنِى أَبُو الزَّبَيْرَ ؛ ت ٩٩ / أ وقول أبى هريرة: ((ذلك لك ومثله مَعهُ)) وقول أبى سعيد /: ((وعشرةُ أمثاله مَعه)) وكلاهما ذكر أنه الذى حفظ عن النبى عَّة ، قيل فى الجمع بين الحديثين : لعل أبا هريرة سمع ذلك أولاً ثم زيد: (( وعشرةُ أمثاله فضلاً من الله)) ، فسمعه أبُو سعيد ولم يسمعه أبو هريرة ، وظاهره : أن المثل والعشرة أمثال زائد على قوله: (( هذا لك )) وقيل : يحتمل أن يكون العشرة الأمثال(٢) فقط، أى وتمام عشرة أمثاله، والأول أظهرُ. (١) السجدة : ١٧ . (٢) فى ت : أمثال. ٠ ٥٦٥ كتاب الإيمان / باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِالله يُسْأَلُ عَنِ الوُرُودِ . فَقَالَ: نَجِىءُ نَحْنُ يَوْمَ القِيَامَةِ عَنْ كَذَا وَكَذَا انْظُرْ أَىْ ذَلِكَ فَوْقَ النَّاسَ قَالَ: فَتُدْعَى الأُمَمُ بِأَوْثَانِهَا وَمَا كَانَتْ تَعْبُدُ ، الأَوَّلُ فَالأَوَّل. ثُمَّ يَأْتيَا رَبِّنَا بَعْدَ ذَلَكَ فَيَقُولُ: مَنْ تَنْظُرُونَ؟ فَيَقُولُونَ: نَنْظُرُ رَبَّنَا. فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ. فَيَقُولُونَ: حَتَّى نَنْظُرَ إِليْكَ . فَيَتَجَلَى لَهُمْ يَضْحَكُ . قَالَ : فَيَنْطَلِقُ بِهِمْ وَيَتَبِعُونَهُ، وَيُعْطَى كُلُّ إِنْسَانِ مِنْهُمْ، مُنَافِق أَوْ مُؤْمِن ، نُورًا، ثُمَّ يَتَبِعُونَهُ ، وَعَلَى جِسْرِ جَهَنَّمَ كَلالِيبُ وَحَسَّكٌ، تَأْخُذُ مَنْ شَاءَ اللهُ، ثُمَّ يَطْفَأُ نُورُ الْمُنَافِقِينَ، ثُمَّ يَنْجُو المُؤْمِنُونَ ، فَتَنْجُو أَوَّلُ زُمْرَةَ وُجُوهُهُمْ كَالقَمَرِ ليْلَةَ الْبَدْرِ، سَبْعُونَ أَلْفًا لا يُحَاسَبُونَ، ثُمَّ الذِينَ يَلونَهُمْ كَأَضْوَأَ نَجْمٍ فِى السَّمَاء، ثُمَّ كَذَلَكَ. تَحلُّ الشَّفَاعَةُ، وَيَشْفَعُونَ حَتَّى يَخْرُجَ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ : لا إلهَ إلا اللهُ، وَكَانَ فى قَلَبِهِ مِنَ الخَيْرِ مَا يَزِنُ شَعِيرَةٌ ؛ فَيُجْعَلُونَ بِفَنَاءَ الجَنَّةِ، وَيَجْعَلُ أَهْلُّ الجَنَّةَ يَرُشُّونَ عَلَيْهِمُ الَمَاءَ حَتَى يَنْبُتُوا نَبَاتَ الشَّىْءٍ فِى السَّيْلِ . وَيَذْهَبُ حُرَاقُهُ ثُمَّ يَسْأَلُ حَتَّى تُجْعَلَ لهُ الدُّنْيَا وَعَشْرَةُ أَمْثَالِهَا مَعَهَا . ٣١٧- ( ... ) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثْنَا سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو ، سَمِعَ جَابرًا يَقُولُ: سَمِعَهُ منَ النَّبِىِّ عَّهُ بِأُذُنُهِ يَقُولُ: ((إِنَّ الله يُخْرِجُ نَاسًا مِنَ النَّارِ فَيُدْخِلَهُمُ الجنَّةَ)). وقوله: ((كلاليب)): قال الإمام: هو جمع كلُّوب على وزن فعُول ، مثل سَفّود ، والحسك : جمع حسكةٍ ، وهى شوكةٌ حديدة صُلبَةٌ . قال القاضى : والخطاطيف مثل الكلاليب ، إلا أن واحدها خُطَّافٌ بضم الخاء . وقوله فى الحديث: ((وتحل الشفاعة)) (١)، قال القاضى : مذهب أهل السنة جواز الشفاعة عقلا ووجوبها بصريح قوله تعالى: ﴿لَّ تَنَفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنِ﴾(٢) ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى﴾(٣) وأمثالها، وبخبر الصادق سَمْعاً، وقد جاءت الآثار التى بلغَت بمجموعها التواتُر بصحتها فى الآخرة لمذنبى المؤمنين ، وأجمع السلف الصالح ومن بعدهم من أهل السنة عليها ، ومنعت الخوارج وبعض المعتزلة منها ، وتأولت الأحاديث الواردة فيها واعتصموا بمذاهبهم فى تخليد المذنبين فى النار واحتجوا بقوله: ﴿فَمَا تَنَفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ (٤) وبقوله: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعٍ﴾(٥) ، وهذه الآيات فى الكفار ، وتأولوا أحاديث الشفاعة فى زيادة الدرجات وإجزال الثواب ، وألفاظ الأحاديث التى فى الكتاب وغيره تدل على خلاف ما ذهبوا إليه، وأنها فى المذنبين وفى إخراج من استوجَبَ. لكن الشفاعة بمجموعها على خمسة أقسام : (١) لفظة الرواية: ((ثم تحل الشفاعة)). حديث جابر من رواية أبى الزبير. (٢) طه : ١٠٩. (٤) المدثر : ٤٨ . (٣) الأنبياء : ٢٨. (٥) غافر : ١٨. ٥٦٦ كتاب الإيمان / باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها ٣١٨- ( ... ) حَدَّثَنَا أُبُو الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، قَالَ: قُلْتُ لعَمْرِو بْنِ دِينَارِ : أَسَمِعْتَ جَابِرَ بْنَ عَبّد الله يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ عَّهَ:(( إِنَّ اللهَ يُخْرِجُ قَوْمًا مِنَّ النَّارِ بِالشَّفَاعَةِ؟ )) قَالَ : نَعَمْ . ٣١٩ - ( ... ) حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعرِ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِىُّ، حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ سُلْمِ العَنْبَرِىُّ، قَالَ: حَدَّثَنِى يَزِيدُ الفَقِيرُ، حَدَّثَنَا جَابرُ بْنُ عَبْد الله ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َُّ: ((إِنَّ قَوْمًا يُخْرَجُونَ مِنَ النَّارِ يَحْتَرِقُونَ فِيهَا، إِلَ دَارَاتِ وُجُوهِهِمْ، حَتَّى يَدْخُلُونَ الجنَّةَ)) . أولها : مختصةٌ بنبينا عَّه وهى الإراحةُ من هول الموقف وتعجيل الحساب ، كما سيأتى بيانها عند ذكرها من الكتاب بعد هذا . الثانية : فى إدخال قوم الجنة دون حساب ، وهذه أيضا وردت لنبينا عَّه ، وقد ذكرها مسلم وسَنبَه عليها فى موضعها . الثالثة: قومٌ استوجبوا النارَ فيشفعُ فيهم نبينا ومن شاء الله له أن يشفع، و[سَنَبِّه](١) على موضعها من الكتاب أيضاً . الرابعة : فيمن دخل النار من المذنبين ، فقد جاء فى مجموع هذه الأحاديث إخراجهم من النار بشفاعة نبينا ◌َّه وغيره من الأنبياء والملائكة وإخوانهم من المؤمنين ، ثم يخرج الله كل من قال : لا إله إلا الله، كما جاء فى الحديث ، حتى لا يبقى فيها إلا الكافرون ومن حبسه(٢) القرآنُ ووجَب عليه الخلود ، كما جاء فى الحديث . ت ٩٩ / ب والشفاعة الخامسة / : هى فى زيادة الدرجات فى الجنة لأهلها ، وهذه لا ينكرها المعتزلة ، ولا تنكر شفاعة الحشر الأولى ، وعُرِف بالنقل المستفيض سؤال السلف الصالح لشفاعة النبى عَّه ورغبتهم فيها، وعلى هذا لا يُلْتَفَتُ لقول من قال: إنه يُكره أن تسأل الله أن يرزقك شفاعة النبي عَّه؛ لأنها لا تكونُ إلا للمذنبين ، فإنها قد تكون - كما قدمنا - لتخفيف الحساب وزيادة الدرجات ، ثم كل عاقل معترف بالتقصير محتاج إلى العفو غيرُ معتدٍّ بعمله مشفقٌ أن يكون من الهالكين ، ويلزم هذا القائل ألا يدعو بالمغفرة والرحمة ؛ لأنها لأصحاب الذنوب ، وهذا كله خلاف ما عُرِفَ من دعاء السلف والخلف . وقوله: (( من وجدتُم فى قلبه مثقال ذرة من إيمان ومن خير))(٣) وأدنا أدنا ، على ما وردت فى ألفاظ الأحاديث : قيل : من اليقين ، والصحيح : أن معناه : شىء زائد على مجرد الإيمان ؛ [ لأن مجرد الإيمان ] (٤) - الذى هو التصديق - لا يتجزأ، وإنما يكون هذا التجزؤ، لشىء زائد عليه من عمل صالح ، أو ذكر خفىٍ ، أو عمل من أعمال القلب ، من (١) ساقطة من ق. (٢) كما جاء فى حديث أنس رواية قتادة. (٣) حديث أبى سعيد رواية عطاء بن يسار (٣٠٢). (٤) سقط من ق. ٥٦٧ كتاب الإيمان / باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها - شفقة على مسكين ، وخوف من الله ، ونيَّة صادقة فى عمل فاتَهُ ، ويدلُ عليه قولهُ فى الكتاب فى حديث محمد بن المنهال الضرير وحديث المسمعى وابن المثنى (١) بأسانيدهم عن أنس: (( يخرج من النار من قال : لا إله إلا الله ، وكان فى قلبه من الخير ما يزن كذا وكذا))، وكذلك فى حديث أبى الزبير عن جابر ، وكذلك دليل حديث أبى سعيد الخدرى الحديث الطويل يقول الله تعالى: (( شفعت الملائكة ، وشفع النبيون ، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين ، فيقبض قبضةً من النارِ فَيُخرِجُ منها قوماً لم يعملوا خيراً قط)»، وقوله بعدُ فى حديث الحسن عن أنس وغيره: ((لأخرجن من قال: لا إله إلا الله)) فهؤلاء هم الذين معهم مجرد الإيمان ، وهم الذين لم يؤذن فى الشفاعة فيهم ، وإنما / دَلَّت الآثار أنه أذن لمن عنده شىء زايدٌ من العمل على مجرد الإيمان ، وجَعَل للشافعين من الملائكة والنبيِّين دليلاً عليه، وتفرّد الله - جل جلاله - بعلم ما تُكنّهُ القلوب والرحمة لمن ليس عنده سوى الإيمان ومجرد شهادة أن لا إله إلا الله ، وضرب بمثقال الذرة وأدناها المثل لأقل الخير والشرّ ، إذ تلك أقل المقادير . ٤٩ / ب وقوله: (( من كان فى قلبه كذا (٢) وكذا)) : دليلٌ على أنه لا ينفع من العمل إلا ما حضر (٣) له القلبُ وصحبته النيّةُ، وفيه كله دليلٌ على القول بزيادة الإيمان ونقصه ، وهو ما اختلف فيه السلف والخلفُ، ومذهب أهل السنة : [ القول ] (٤) بأنه يزيد / بالطاعة ت ١٠٠/ ب وينقص بالمعصية ، وتوقف مالك مرَّةً فى نقصانه ، وقال مرَّةً (٥): أما الكلمة فلا يعنى أنَّه ليس فيها زيادةٌ ولا نقصٌ ، يعنى - والله أعلم - مجرد الإيمان والمعرفة ، وإلى هذا ذهب من لم يقُل فيه بالنقص والزيادة. وقوله : ((فيقبض قبضة )) : أى يجْمعُ جماعةٌ. وقوله : ((غرَسْتُ كرامَتَهم بيدى)) : هذا ومثله مما لا يجب حمله على الجارحة ؛ لأنها لا تليق إلا لمخلوق محدود، والله [ جل اسمه ](٦) متعال عن ذلك. وقد اختلف أهل التأويل فى ذلك ، فذهب بعضهم إلى أن اليد واليدين صفتان من صفات الله تعالى ، علمناها من طريق السمع ، ونَكِلُ علم تفسيرها إلى الله تعالى ، وذهب بعضهم إلى تحميل اللفظ ما يحتمله من لغة العرب ، فإن اليد تقع على القدرة وعلى النعمة وعلى الملك ، لكن حملها على القدرة هنا بعيدٌ عند كثير منهم ، إذ كل شىء ، (١) فى ت : مثنى. (٢) فى الأصل : ذرّةً. (٤) من ق. (٣) فى غير الأصل : أحصر. (٥) جاء فى المدارك: ((أن غير واحد سمع مالكا يقول: الإيمان قول وعمل ، يزيد وينقص، وبعضه أفضل من بعض ، قال أبو القاسم : كان مالك يقول : الإيمان يزيد ، وتوقف عن النقصان ، وقال : ذكر الله زيادته فى غير موضع، فدع الكلام فى نقصانه، وكف عنه » المدارك: ٢٠٢، وجاء فى الانتقاء: ((سئل مالك بن أنس عن الإيمان ، فقال : قول وعمل . قيل : أيزيد وينقص ؟ قال : قد ذكر الله - سبحانه - فى غير آى من القرآن أن الإيمان يزيد . قيل له : أينقص ؟ قال : دع الكلام فى نقصانه وكف عنه . قيل : فبعضه أفضل من بعض ؟ قال: نعم )) الانتقاء : ٣٢. (٦) فى ق : تعالى. ٥٦٨ كتاب الإيمان / باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها بقدرته لا يختصُ منه شىءٌ دون شىء ، لكن لا يبعد أن يرد هذا ومثله فى كلام العرب على طريق التأكيد والبيان، أو يكون اختصاص هذا بالقدرة؛ لأنه خلقها ابتداءً دون وساطة بقدرته، وأوجدها دون معاناة غراسة بإرادته ، وأنشأها بقوله : كن ، بخلاف غيرها من الجنات التى فى الدنيا التى خلقها وأظهرها بوسائط ومقدِّمات وجعل لها غارساً وأسباباً ومَثَاقِلَ ، وكل بقدرته وإرادته ، فخصَّ هذه بالقدرة لإبرازها بها دون واسطة ، واستعار لذلك اسم الغراسة وأضافها إلى نفسه، إذ لم [ يعلم ](١) لها غارسٌ سوى قدرته ، ومثله يتأوَّل فى قوله فى آدم: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾(٢)، وقوله فى الحديث: ((خلقك الله بيده))(٣) أى ابتداء دون أب ولا أم ، كما أجرى العادة فى خلق غيره ، ونحوه قوله : ﴿ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُون﴾(٤)، وقوله هنا: (( خلقك الله بيده)) يُبين أنه بمعنى قوله: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ وأن اليد واليدين هنا بمعنى واحد ، فإن العرب تأتى بالجمع والتثنية كثيراً بمعنى الواحد . وأمَّا النعمة فقد أبعدها بعضهم فى مثل هذا - أيضاً - لا على تأويل أن يكون الباء بمعنى اللام أى لنعمتى ، وهو هاهنا بين المعنى ، أى لنعمتى التى أعددتها لهم وادّخرتها ، ألا تراهُ كيف قال: (( وختمت عليها)). وقوله من رواية أبى كُريبٍ فى حديث المغيرة : (( أن موسى سأل الله تعالى عن أخسّ أهل الجنة حظاً)) كذا للرواة، ولأبى العباس الدلائى: ((أحسن)) وهو تصحيف والصواب الأول ، كما قيل فى رواية قيس بن الحكم: (( عن أدنى أهل الجنة منزلة)) ثم قال آخر الحديث : (( قال: ربّ، فأعلاهُم منزلةٌ)). وقوله فى الذى تُعرض عليه صغارُ ذنوبه(٥)، ويقال: ((لك بكل سيئة حسنةً)) هو حجةٌ لمن قال: مثله فى الإيمان قوله تعالى: ﴿فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ (٦)، فضلاً منه وَطوْلا ، وأكثر القول أن معنى الآية : تبديل أعمالهم السيئة [ فى ](٧) الكفر بحسنات الإيمان . (١) زيادة يقتضيها السياق. (٣) فى أحاديث الشفاعة. (٢) ص : ٧٥. (٤) آل عمران : ٥٩. (٥) فى رواية أبى ذر، ورواية الترمذى: ((واخبئوا كبارها )) صفة جهنم. (٦) الفرقان: ٧٠، قال الحافظ ابن كثير: ((فى معنى تلك الآية قولان : أحدهما : أنهم بدلوا مكان عمل السيئات بعمل الحسنات ، قال على بن أبى طلحة عن ابن عباس قال : هم المؤمنون ، كانوا من قبل إيمانهم على السيئات ، فرغب الله بهم عن ذلك فحوّلهم إلى الحسنات ، فأبدلهم مكان السيئات الحسنات . وقال عطاء بن أبى رباح : هذا فى الدنيا ، يكون الرجلُ على هيئة قبيحة ، ثم يبدله الله بها خيرا ، وقال الحسن البصرى : أبدلهم الله بالعمل السيئ العمل الصالح ، وأبدلهم بالشرك إخلاصا ، وأبدلهم بالفجور إحصاناً، وبالكفر إسلاماً . والقول الثانى : أن تلك السيئات الماضية تنقلب بنفس التوبة حسنات ، وما ذاك إلا أنه كلما تذكر ما مضى ندم ، واسترجع واستغفر ، فينقلب الذنب طاعة بهذا الاعتبار ، فيوم القيامة وإن وجده (٧) ساقطة من الأصل. مكتوباً عليه لكنه لا يضره وينقلب حسنة فى صحيفته)) ١٣٦/٦ . ٥٦٩ كتاب الإيمان / باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها وقوله : ((يارب، قد عملتُ أشياءٌ لا أراها ها هنا)) استكثاراً / منه لفضل الله ت ١٠٠/ ب ولكثير حسناته ، إذا علم أنه لا يؤاخذ بسيئةٍ ، وأنها تُبَدل له حسنات . وقوله : (( فضحك حتى بدت نواجذُه )) ، قال الإمام : أى ضواحكه ، والنواجذُ هنا الضواحك وليست بالنواجذ التى هى الأضراس لأن ضحك النبى عَّه إنما كان تبسُّمًا، قال الأصمعى : هى الأضراس، وفى حديث آخر: (( إن الملكين قاعدان على ناجذى العبد يكتبان)). قال أبو العباس : النواجذ الأنياب ، وهو أحسن ما قيل فى النواجذ ؛ لأن فى الخبر أنه عَّه كان جُل ضحكه التبسَّم . قال القاضى : هذا إن شاء الله هو الصواب ، لأنه عبّر عن أكثر ضحكه بالمبالغة فى كَشْر أسنانه حتى تبدو أنيابُهُ ، إذ لا تبدو عند التبسم الخفيف الذى كان جل ضحكه ، وإنما تبدُو منه الثنايا ، وقد قال القاضى أبو عبد الله فى شرحه : إنه انفتح قُوة من الضحك حتى رأى آخر أضراسه من استقبله ، وحمل النواجذَ هُنا على أسنان العقل ، وهذا خلاف المعروف من ضحكه معَّ﴾ (١). وقوله فى حديث جابر ، وقد سُئل عن الورود ، فقال: ((نجىء نحن يوم القيامة عن كذا وكذا أنظُره - أى فوق الناس - قال : فتدعى الأمم بأوثانها ... )) الحديث. هذا صُورة الحديث فى جميع النسخ، وفيه تغيير كثيرٌ وتصحيفٌ، وصوابُه: ((نحن يوم القيامة على كوم )» هكذا رَواهُ بعض أهل الحديث / وفى كتاب ابن أبى خيثمة من طريق كعب بن مالك: (( يُحشر الناس يوم القيامة على تل وأمتى على تل)). وذكر الطبرى فى التفسير من حديث ابن عُمَر: (( فيرقى هو - يعنى محمدا - وأمته على كوم فوق الناس )) وذكر من حديث كعب بن مالك: (( يُحشرُ الناسُ يوم القيامة ، فأكون أنا وأمتى على تل)) (٢)، فهذا كله يبينُ ما تغير من الحديث وأنه كأنه أظلم هذا الحرف على الراوى أو امحى عليه (٣) فَعَبَّر عنه بكذا وكذا ، وفَسَّرِه بقوله ، أى فوق الناس وكتب عليه انظر - تنبيهاً - فجمع النقلةُ الكُل ونسقُوه على أنه من متن الحديث كما تراه. ٥٠ / أ وقوله: (( فيتجلى لهم يضحك))، قال الإمام : التجلى في لسان العرب : الظهور ، فيكون المعنى ها هنا: يظهر لهم ، ومنه قوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا تَجَلَّى رَبَّهُ لِلْجَبَلِ﴾ (٤) معناه: ظهر ، والضحك ذكرنا أنه يُعبّرُ به عن الرضى وإظهار الرحمة ، فيكون المعنى على هذا يظهر لهم وهو راضٍ، ويكون ذلك مجازاً خاطب به عَّه [العرب ](٥) على ما اعتادت من لغتها . قال القاضى: وقيل معنى ((يضحك)»: يُبَيّنُ ويَبْدى لهم ما (٦) أخفى لهم من فضله ورحمته. (١) وقد قال ابن العربى: النواجذ أحد أنواع الأسنان وهى ستة وثلاثون، أربع ثنايا، وأربع رباعيات، وأربعة أنياب، وأربعة ضواحك، وتليها الطواحن، والأرحاء ، وهى ستة عشر، ثم النواجذ وهى أربعة ، أحدها ثنايا ، والضواحك هى التى تبدو فى أول الضحك وتسميها العرب العارض. عارضة الأحوذي ٥٩/١٠ . (٢) هكذا أخرجه الطحاوى فى المشكل ٤٤٩/١ . (٣) قيدت أمامه فى الأصل: ((بلغ مقابلة ولله الحمد))، وهى فى الأصل: له. (٤) الأعراف : ١٤٣ . (٦) فى الأصل: من. (٥) من ق. ٥٧٠ كتاب الإيمان / باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها وقوله: فى هذا الحديث: ((ويُعطى كل إنسان منهم مؤمن أو منافق نوراً ))، قال القاضى : ذاك بظاهر إيمانهم ودخولهم فى جملتهم كما كانوا فى الدنيا ، وكما حُشِروا غُرَّا محجلين معهم ، حتى فضحهم الله بإطفاء نورهم على الصراط ، وسقوطهم فى نار جهنم، ت ١٠١ / ب وصدهم عن الحوض وتصييرهم / ذات الشمال. وقوله : (( فيتبعون )) تقدم الكلامُ فيه قبل . وقوله: ((وينبتون نبات الشىء فى السيل)) (١) على ما تقدم من قوله: ((كالحبَّة فى حميل السيل)) واختصره هنا، وعند ابن سعيد عن السجزى: ((نبات الدمِن فى السيل)). وقوله: ((ويذهب حُرَاقُهُ)) الهاء عائدة فيه على المخرج من النار ، يعنى أثر النار ، والمحرق منه يذهبُ بما رش عليهم أهل الجنة من مائها ، كما قال فى الحديث الآخر : ((فُيُلقون فى نهر الحياة)) وفى الحديث الآخر: ((فَيُصبُ عليهم من ماء [الجنة](٢)))، وكله راجعٌ إلى معنى واحدٍ ، وهو مضاف إلى الجنة ومائها. وهذا الحديث جاء فى (( الأم)) كله من كلام جابر موقوفاً عليه، وهذا ليس من شرط مسلم ليس فيه ذكر النبى معَّه، وإنما دخل فى المسند وصار من شرطه؛ لأنه رُوى مُسندًا من غير هذا الطريق ، فذكر ابن أبى خيثمة يرفعه عن ابن جريج بعد قوله: (( يضحك)) قال: سمعت رسول الله عَّه يقول : ((فينطلق بهم)). وقد نبّه على هذا ((مسلم)) بعدُ فى حديث ابن أبى شيبة وغيره فى الشفاعة وإخراج من يخرج من النار، وذكر إسناده وسماعه من النبى معَّه بمعنى بعض ما فى هذا الحديث . وذكر ((مسلم)) من حديث جابر المقام المحمود : أنه الذى يُخرِجُ الله به من يُخرجَ من النار ، ومثله عن أبى هريرة وابن عباس وابن مسعود وغيرهم ، وقد روى فى الصحيح عن ابن عمر ما ظاهره أنها شفاعةُ المحشر ، قال : فذلك يوم يبعثه الله المقام المحمود ، وعن حذيفة وذكر المحشر وكون الناس فيه سكوت لا تكلم نفسٌ إلا بإذنه ، فينادى محمدا فيقول: لبيك وسَعْديك والخير فى يديك .. إلى آخر كلامه ، قال : فذلك المقام المحمود. وعن كعب بن مالك : ((يُحشر الناس على تلّ فيكسونى ربى حُلةً خضراء ثم نودى بى ، فأقول ما شاء اللهُ أن أقول ، فذلك المقام المحمود)»(٣). (١) فى ت : وينبتون فيه ، وفى نسخة النووى: حتى ينبتوا . وقد أشار النووى إلى أنها وردت فى كتاب عبد الحق الجمع بين الصحيحين : نبات الدمن - بكسر الدال وإسكان الميم - قال: (( وكلاهما صحيح ، لكن الأول هو المشهور الظاهر ، فالدمن هو البعر ، والتقدير : نبات ذى الدمن فى السيل ، أى كما ينبت الشىء الحاصل فى البعر )» نووى ٤٥٥/١ . (٢) فى الأصل : الحياة والمثبت من ت. (٣) معنى حديث لأحمد ولفظه كما فى المسند: ((يُبعث الناسُ يوم القيامة، فأكون أنا وأمتى على تلِّ، ويكسونى ربى عز وجل حلة خضراء ، ثم يؤذن لى فأقول ما شاء الله أن أقول ، فذلك المقام المحمود )) ٤٥٦/٣، وقد ذكره القاضى فى الشفا على مثل ما نقله هنا. الشفا ١/ ٢٩٠. 1 ٥٧١ كتاب الإيمان / باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها ٣٢٠ - ( .. ) وَحَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا الفَضْلُ بْنُ دُكَيْنِ، حَدَّثَنَا أُبُو عَاصم - يَعْنِى مُحَمَّدَ بْنَ أَبِى أُوبَ - قَالَ: حَدََّنِى يَزِيدُ الفَقِيرُ ؛ قَالَ : كُنْتُ قَدْ شَغَفَنِى رَأَىٌّ مِنْ رَأَىْ الْخَوَارِجِ . فَخَرَجْنَا فِى عِصَابَةٍ ذَوِى عَدَدِ نُرِيدُ أَنْ نَحُجَّ ، ثُمَّ نَخْرُجَ عَلَى النَّاسِ. قَالَ: فَمَرَرْنَا عَلَى الَدِينَةِ، فَإِذَا جَّابِرُ بَّنُ عَبْدِ الله يُحَدَّثُ القَوْمَ، جَالِسٌ إِلى سَارِيَةٌ، عَنْ رَسُول الله عَُّ. قَالَ: فَإِذَا هُوَ قَدْ ذَكَرَ الْجَهَنَّمَيِّينَ . قَالَ فَقُلتُ لُهُ: يَا صَاحَبَ رَسُولٌ وعن عبد الله بن سلام ((محمد - عليه السلام - على كرسى الرب بين يدى الله عز وجل))(١) وقد روى عن مجاهد فى ذلك قولا منكراً لا يصح، ولو صَحَّ لكان له تأويلٌ على ظاهره ، ويقرب بالتأويل من قول عبد الله بن سلام ، والذى يُستخرج من جملة الأحاديث أن مقامه المحمود هو كون آدم ومَن ولد تحت لوائه يوم القيامة من أول عَرصاتها إلى دخولهم الجنة ، وإخراج من يخرج من النار ، فأول مقاماته إجابة المنادى وتحميده ربه وثناؤه عليه بما ذكر وبما ألهمه من محامده ، ثم الشفاعة من إراحة العَرْض وكَرْب المحشر ، وهذا مقامه الذى حَمَده فيه الأولون والآخرون ، ثم شَفَاعته لمن لا حساب عليه من أمته ، ثم لمن يخرجُ من النار ، حتى لا يبقى فيها من فى قلبه مثقال ذرة من إيمان ، ثم يتفضَّل الله بإخراج/ من قال: لا إله إلا الله ومن لم يُشرك به، ولا يبقى فى النار إلا المخلدون. ت ١٠١ /ب وهذه آخر عَرَصَاتِ القيامة ومناقل المحشر، فهو فى جميعها له المقام المحمود، وبيده فيها لواء الحمد . وقول يزيد فى هذا الحديث: (( شغفنى رأى من رأى الخوارج (٢) أى لصق بشغاف قلبى وهو غلافه، وقيل: سويداؤه، قال الله فى مثله: ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبَّ﴾ (٣) وروى أيضاً شعفنى - بالعين المهملة - وهو بمعناه، وقد قرئ - أيضاً -: ((شعفها))، وحقيقة معناه: بَرَّح بها، وقيل: معناه : أخذ قلبها حبه من أعلاه ، وشغف كل شىء أعلاه ، وقيل : بلغ داخل قلبها (٤). وقوله بعد: ((فرجعنا، فوالله ما خرج منا غيرُ رجُل واحدٍ ))أو كما قال، يعنى: أن الله نفعهم بما حدثهم به جابر، وصرفهم عن الخروج مع الخوارج، لما كان خامرهم من محبة رأيهم . (١) لم نقف على هذا الخبر ولم يذكره القاضى فى الشفا ، وقد أخرج الطبرى فى تفسيره عن على بن الحسين قال: قال رسول الله عَّة: ((إذا كان يوم القيامة مد الله مد الأديم حتى لا يكون لبشر من الناس إلا موضع قدمه . قال النبى عّة : فأكون أول من يدعى ، وجبريل عن يمين الرحمن ، والله ما رآه قبلها ، فأقول: ربِّ، هذا أخبرنى أنك أرسلته إلى ، فيقول الله تبارك وتعالى: صدق ، ثم أشفع فأقول : يا رب ، عبادك عبدوك فى أطراف الأرض)) قال: فهو المقام المحمود ٩٩/١٥ . قلت : وهو على ضعفه أليق بما ذكره القاضى هنا . (٢) وهو قولهم بتخليد أصحاب الكبائر فى النار. (٣) يوسف: ٣٠. (٤) قال الضحاك عن ابن عباس : الشَّغَفُ: الحب القاتل ، والشَّعَف دون ذلك، والشَّغَاف : حجابُ القلب. تفسير ابن كثير ٣١١/٤ . ٥٧٢ كتاب الإيمان / باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها الله، مَا هَذَا الذى تُحَدِّثُونَ؟ وَاللهُ يَقُولُ: ﴿ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزِيْتَهِ﴾(١) ﴿ كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾(٢) فَمَا هَذَا الذى تَقُولونَ؟ قَالَ: فَقَالَ: أَنَقْرَأُ القُرْآنَ؟ قُلتُ : نَعَمْ. قَالَ: فَهَلْ سَمِعْتَ بِمَقَامٍ مُحَمَّد عَلَيْهِ السَّلامُ - يَعْنِى الذى يَبْعَثُهُ اللهُ فيه؟ - قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنَّهُ مَقَامُ مُحَمَّد عَّهُ الَحْمُودُ الذى يُخْرِجُ اللهُ بِهِ مَنْ يُخْرِج. قَالَ: ثُمَّ نَعَتَ وَضْعَ الصِّرَاطِ وَمَرَّ النَّاسِ عَلَيْهِ. قَالَ: وَأَخَافُ أَلَّ أَكُونَ أَحْفَظُ ذَاكَ . قَالَ: غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ زَعَمَ أَنَّ قَوْمًا يَخْرُ جُونَ مِنَ النَّارِ بَعْدَ أَنْ يَكُونُوا فِيهَا. قَالَ: يَعْنِى فَيَخْرُجُونَ كَأَنَّهُمْ عِيدَانُ السَّمَاسِمِ . قَالَ : فَيَدْخُلُونَ نَهَرًا مِنْ أَنْهَارِ الجَنَّةَ فَيَغْتَسِلُونَ فِيهِ، فَيَخْرُجُونَ، كَأَنَّهُمِ القَرَاطِيسُ، فَرَجَعْنَا قُلْنَا: وَيُحَكُمْ! أَتَرَوْنَ الشَّيْخَ يَكْذِبُ عَلَى رَسُولِ اللهِّهِ ؟ فَرَجَعْنَا. فَلا وَللهِ، مَا خَرَجَ مِنَّا غَيَرُ رَجُلٍ وَاحِدٍ . أَوْ كَمَا قَالَ أَبُو نَعِيمٍ . ٣٢١ - (١٩٢) حَدَّثَنَا هَذَّبُ بْنُ خَالِدِ الأَزْدِىُّ، حَدَّثَنَا حَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ أَبِى عِمْرَانَ وَثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالك؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ عَّهُ قَالَ: (( يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ أَرْبَعَةٌ فَيُعْرَضُونَ عَلَى اللهِ ، فَيَلْتَفْتُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: أَىْ رَبِّ، إِذْ أَخْرَجْتَنِى مِنْهَا فَلا تُعْدِنِى فِيهَا . فَيْنَجِيهِ اللهُ مِنْهَا )) . وقوله فى هذا الحديث فى الجهنميين : (( كعيدان السماسم)): كذا فى جميع النسخ ولا يعرف له معنى ها هُنا ، ولعل صوابه : عيدان الساسِمْ (٣)، وهو أشبهُ ، وهو عود أسود ، وقيل : هو الأبنوس ، وقد قال بعضهم فى وصف البياض والسواد : فجاءت بلونين مستحسنين أبها من العاج والسَّاسِم وبه/ يُشْبَّه من صار حُممةً، وأما السماسم فنمل حُمْرٌ صغار أو جمع الحبِّ المأكول(٤) والأخفَّاءُ السِّراعُ. هذا جُلُهُ ما فسَّر هذه الكلمة بها أهلُ اللغة ولا مَدْخل لها ها هُنَا ، ودليلُ أنه أراد تشبيهَهُم بهذه الأعواد لسواده، قوله بعد: (( فيغتسلون فيه)) يعنى نهر الجنة ، ((فيخرجون كأنهم القراطيس)). ٥٠/ب (١) آل عمران : ١٩٢ . (٢) السجدة : ٢٠. (٣) فى الأصل : السماسم ، ولا متجه له هنا ، والمثبت من ت ، وهو ما اعتمد عليه النووى فى توجيهه له ، ٤٥٧/١. (٤) وهو ما فسّر به ابن الأثير مراد الحديث فقال: ((السماسم جمع سمسم ، وعيدانها تراها إذا قلعت تركت فى الشمس ليؤخذ حبّها دقاقاً سوداء كأنها محترقة ، فشبه بها هؤلاء)). وبعد هذا قال: (( وطالما تطلبت معنى هذه اللفظة وسألت عنها فلم أر فيها شافيا)). ثم رجع إلى ما قاله القاضى النهاية ٢ / ٤٠٠. ٥٧٣ كتاب الإيمان / باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها ٣٢٢ - (١٩٣) حَدَّثَنَا أَبُو كامل فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنِ الجَحْدَرِىُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْد الغُبَرِىُّ- وَاللفْظُ لأَبِى كَامِل - قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَنَةَ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالك : قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ عَّهَ: (( يَجْمَعُ اللهُ النَّاسَ يَوْمَ القِيامَةِ فَيَهْتَمُّونَ لِذَلِكَ - وَقَالَ ابْنُّ عُبَيْد: فَيُلِهَمُونَ لِذَلِكَ - فَيَقُولونَ : لوْ اسْتَشْفَعْنَا عَلَى رَبَّنَا حَتَّى يُرِيحَنَا مَنْ مَكَانَنَا هَذَا! قَالَّ: فَيَأْتُونَ آدَمَّ ◌ََّ فَيَقُولونَ: أَنْتَ آدَمُ أَبُو الخَلقِ ، خَلقَكَ اللهُ بِيَدِه وَنَفَخَّ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، وَأَمَرَ الملائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ، اشْفَعْ لِنَا عِنْدَ رَبَكَ حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَاننَا هَذَا. فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ فَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ التى أَصَابَ ، فَيَسْتَحْيِى رَبَّهُ مِنْهَا، وَلَكن اثْتُوا نُوحًا ، أَوَّلَ رَسُول بَعَثَهُ اللهُ. قَالَ : فَيَأْتُونَ نُوحًا عَهُ. فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، فَيَذْكُرُ خَطِيَتَهُ التى أَصَابُّ فَيَسْتَخْبِى رَبَّهُ مِنْهَا، وَلَكِن اثْتُوا إِبْرَاهِيمَ عَّهُ الذى اتَّخَذَهُ اللهُ خَلِيلاً. فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ عَهْ فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَيَذْكُرُ خَطِيَتَهُ التى أَصَابَ فَيَسْتَحْنِى رَبَّهُ مِنْهَا ، وَلَكِنِ اثْنُوا مُوسَى ◌َُّ، الذى كَلَّمَهُ اللهُ وَأَعْطَاهُ التَّوْرَةَ. قَالَ: فَيَأْتُونَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ. فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَيَذْكُرُ خَطِيَتَهُ التى أَصَابَ فَيَسْتَحْبِى رَبَّهُ مِنْهَا، وَلَكِنِ اثْتُوا عِيسَى رُوحَ الله وقوله فى حديث أنس الطويل فى الشفاعة تقدَّم معنى قوله: (( خلقك بيده )). وقوله : ((ونفخ فيك من روحه)): إضافة مِلكٍ وتخصيصٍ وتشريف ، وذكر آدَم وغيره فى الحديث خطاياهُم . قال الإمام : احتج بها من أجاز الصغائر على الأنبياء. قال القاضى : ولا خلاف أن الكفر عليهم من بعد النبوة غير جائز عليهم ، وأنهم معصومون منه ، واختلف فيه قبل النبوة ، والصحيح : أنه لا يجوز - كما قدمناه قبل هذا ، واحتججنا عليه. ثم اختلف فى المعاصى، فلا خلاف أن كل كبيرة من الذنوب لا تجوز عليهم، وأنهم معصومون منها. واختلف مشايخنا وغيرهم هل ذلك من طريق العقل أو الشرع؟ فذهب الأستاذ أبو إسحق(١) ومن تبعه: أن ذلك ممتنع ، من مقتضى دليل المعجزة . وذهب القاضى أبو بكر (٢) فيمن وافقه : أن ذلك من طريق الإجماع. وذهبت المعتزلة إلى أن ذلك من طريق العقل ونفور الناس عنهم لذلك. (١) الأستاذ أبو إسحق هو: إبراهيم بن محمد الإسفرايينى، الأصولى، الشافعىُّ، الملقبُ ركن الدين، أحد المجتهدين فى عصره ، قال فيه الحاكم : أصولى ، فقيه ، متكلم. توفى بنيسابور سنة ثمانى عشرة وأربعمائة. طبقات السبكى ٢٥٦/٤، سير ٣٥٣/١٧. (٢) ابن فورَك ، شيخ المتكلمين ، محمد بن الحسن ، قال فيه الذهبى: كان أشعريا رأسا فى فن الكلام ، توفى سنة ست وأربعمائة. طبقات السبكى ١٢٧/٤، شذرات الذهب ١٨١/٣، سير ٢١١/١٧. ٥٧٤ كتاب الإيمان / باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها وكذلك اتفقوا على أن كل ما كان طريقه البلاغ فى القول (١) فإنهم معصومون فيه على كل حال، وما كان طريقه البلاغ فى الفعل فذهب بعضهم إلى العصمة فيه رأسا، وأن السهو والنسيان لا يجوز عليهم فيه، وتأولوا أحاديث السهو وغيرها بما سنذكره فى موضعه ، وهو مذهب الأستاذ أبى المظُفَّر الإسفراييني (٢) من شيوخنا الخراسانيين من أئمة المتكلمين وغيره من مشايخ المتصوفة، وذهب معظم المحققين وجماهير العلماء إلى جواز ذلك ووقوعه منهم ، وهذا هو الحق ، ثم لابُدَّ من تنبيههم عليه وذكرهم إياه ، إما فى الحين على رأى جمهور المتكلمين ، أو قبل وفاتهم على رأى بعضهم ، ليسنوا حُكم ذلك ويُبيِّنوه قبل انخرام مُدَّتهم، وليصِحَّ تبليغُهُم ما أنزل إليهم، كما قال عَّهِ: ((إنى لأنسى أو أُنَسَّى لأسُن))(٣). وكذلك لا خلاف أنهم معصومون من الصغائر التى تزرى بفاعلها وتحط منزلته وتُسقط مروءته. واختلفوا فى وقوع غيرها من الصغائر منهم ، فمعظم الفقهاء والمحدثين والمتكلمين من السلف والخلف على جواز وقوعها منهم ، وحجتهم ظواهر القرآن والأخبار. وذهب جماعة من أهل التحقيق والنظر - من الفقهاء والمتكلمين من أئمتنا - إلى عصمتهم من الصغائر كعصمتهم من الكبائر ، وأنَّ منصب النبوّةِ يَجلُّ عن مواقعتها جملة ومخالفة الله عمدا ، وتكلموا على الأحاديث (٤) الواردة فى ذلك وتأولوها ، وأنَّ ما ذُكر عنهم من ذلك إنما هو ما كان منهم على تأويل أو سهوٍ أو غير إذن من الله فى أشياء أشفقوا من المؤاخذة بها ، وأشياء كانت منهم قبل النبوة . ... ----- وهذا هو الحق ، لما قدَّمناه ؛ ولأنه لو صح ذلك منهم لم يلزمنا الاقتداء بأفعالهم وإقرارهم(٥) وكثير من أقوالهم ، ولا خلاف فى الاقتداء بذلك ، وإنما اختلاف العلماء : هل ذلك على الوجوب أو على الندب أو الإباحة أو التفريق فيما كان من باب القُرَبِ أوغيرها ؟ وقد بَسَطنا الكلام على هذا الباب فى كتاب الشفا، وبلغنا فيه المبلغ الذى لا يوجد فى غيره ، وتكلمنا على الظواهر فى ذلك بما فيه كفاية (٦). ولا يهُولنَّك أن ينسب(٧) قومٌ هذا المذهب إلى الخوارج والمعتزلة وطوائف من المبتدعة، (١) فى ت: العقل. (٢) يغلب على الظن أنه الإمام العلامة مفتى خراسان ، شيخ الشافعية ، أبو المظفر ، منصور بن محمد بن عبد الجبار ، السمعانى ، المروزى. توفى سنة تسع وثمانين وأربعمائة ، فإن لم يكن فشهفور بن طاهر بن محمد الإسفرايينى أبو المظفر، الإمام الأصولى الفقيه المفسّر. المتوفى سنة إحدى وسبعين وأربعمائة. راجع: طبقات السبكى ٣٤٤/٥، سير ١٩/ ١١٤. (٣) مالك فى الموطأ، ك الصلاة، ب العمل فى السهو ٩١/١، وفى رواية محمد بن الحسن: ((إنى لأنسى لأسن ٨ ٣٣٩/١. وهو أحد أحاديث أربعة لا توجد فى غير الموطأ، الثانى: ((إذا نشأت بحرية)) والثالث: ((حسِّن خُلقَك للناس))، الرابع: أنه عَّهُ أرى أعمار أمته قبله. الحديث. انظر: الاستذكار ٣٤٢/١٠. (٤) فى ق : الآيات الأحاديث. (٥) فى الأصل : وأقوالهم. وهو خطأ ، يوضحه العبارة بعدها. (٧) فى الأصل : نَصبَ. (٦) الشفا ٢ / ٧٩٧. ٥٧٥ - كتاب الإيمان / باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها وَكَلَمَتَهُ. فَيَأْتُونَ عِيسَى رُوحُ الله وَكَلِمَتَهُ. فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَلَكِن اثْتُوا مُحَمَّدًا عَّهِ، عَبْدَا قَدْ غُفِرَ لهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ . قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ: «فَيَأْتُونِى، فَأَسْتَأُذنُ عَلَى رَبِّى فَيُؤَذَنُ لِى، فَإِذَا أَنَا رَأَيْتُهُ وَقَعْتُ سَاجِدًا، فَيَدَعُنِى مَا شَاءَ اللهُ. فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدَ، ارْفَعْ رَأْسَكَ، قُلَ تُسْمَعْ، سَلَ تُعْطَهْ، اشْفَعْ تُشَفَّعْ. فَرَفَعُ رَأْسِى، فَأَحْمَدُ رَبِّى بِتَحْمِيد يُعَلَمُنِهِ رَبِّى، ثُمَّ أَشْفَعُ، فَيَحُدُّلِى حَدًا فَأُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ، وَأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ، ثُمَّ أَعَّودٌ فَأَقَعُ سَاجِدًا، فَيَدَعُنِى مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَدَعَى ثُمَّ يُقَالُ: ارْفَعْ رَأْسَكَ يَا مُحَمَّدُ، قُل نُسْمَعْ، سَلَ تُعْطَهُ، اشْفَعْ تُشَفَّعْ. فَأَرْفَعُ رَأْسِى فَأَحْمَدُ رَبِّى بِتَحْمِيدِ يُعَلَمُنِهِ ، ثُمَّ أَشْفَعُ، فَيَحُدُّ إلى حَدًا فَأُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ، وأُدْخِلهُم الجَنَّةَ - قَالَ: فَلا أَدْرى فى الثَّالثَة أَوْ فِى الرََّبِعَةِ قَالَ - فَأَقُولُ: يَا رَبِّ، مَا بَقَىَ فِى النَّارِ إلا مَنْ حَبَسَهُ القُرْآنُ أَىْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْخُلُودُ )) قَالَ ابْنُ عُبَيْدٍ فِى روَايَتَه : قَالَ قَتَادَةُ : أَىْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْخُلودُ . إذ منزعُهُم فيه هو منزعٌ آخر من التكفير بالصغير ، ونحن نتبرأ إلى الله من هذا المذهب. وانظر هذه الخطايا التى ذكرت للأنبياء من أكل آدم من شجرة نهى عنها ناسياً ، ومن دعوة نوح على قوم كفار ، وقتل موسى لكافرٍ لم يؤمر بقتله ، ومدافعة إبراهيم الكفار بقول عَرَّض به هو فيه من وجه صادق ، وهذه كلها فى حق غيرهم ليست بذنوب ، لكنهم أشفقوا منها إذ لم يكن عن أمر الله وعَتَبَ على بعضهم فيها بقدر منزلتهم من معرفة الله، وانظر هناك تجد منه مزيداً وشرْحاً إن شاء الله. وقوله عن نبينا عَّه فى الحديث: ((ايتوا محمدا عبداً غُفِرَ له ما تَقَدَّم من ذنبه وما تأخر)): اختلفوا(١) / فى معنى هذا فى قوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَّكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وَمَا ت ١٠٢/ ب تَأَخَّر﴾ (٢): فقيل : ما كان قبلَ النبوة ، والمتأخر عصمك بعدها ، وقيل : المراد به ذنوب أمته عَّ، وقيل : المراد ما وقع منه عن سهوٍ وغفلةٍ وتأويل ، حكاه الطبرى واختاره القشيرى ، وقيل : ما تقدم لأبيك آدم وما تأخر من ذنوب أمتك ، وقيل : المراد أنك مغفور لك غير مؤاخذٍ بذنب أن لو كان ، وقيل : هو تنزيه له من الذنوب. وقوله [ عن آدم ] (٣): (( ايتوا نوحاً فهو أول رسول بعثه الله))، قال الإمام : قد ذكر المؤرخون أن إدريس جدَّ نوح - عليهما السلام - فإن قام الدليل على أن إدريس بعث أيضاً لم يصح قول النسابين : أنه قبل نوح ؛ لما أخبر عَّه من قول آدم : إن نوحاً أول رسول بُعثَ ، وإن لم يقم دليلٌ جاز ما قالوا ، وصح أن يُحمل أن إدريس كان نبياً غير مرسل / ١/٥١ قال القاضى : قد يُجمعُ بين هذا بأن يُقال : اختص بعثُ نوحِ لأهل الأرض ، كما (٣) سقط من الأصل. (٢) الفتح : ٢. (١) فى ق : اختلف. ٥٧٦ كتاب الإيمان / باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها قال فى الحديث : ((كافَّةً)) كنبيِّنَا عَّه، ويكون إدريس لقومه كموسى وهودٍ وصالحٍ ولوطٍ وغيرهم ، وقد استدل بعضهم على هذا بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ. إِذْ قَالَّ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ﴾(١) وقد قيل: إن إلياس هو إدريسُ (٢)، وقد قرئ: (( سلام على إدرَاسَين)) (٣) وكذلك إن قيل : إن إدريس هو إلياس ، وأنه كان نبيا من بنى إسرائيل ، كما جاء فى بعض الأخبار مع يوشع بن نونٍ (٤). وإذا كان هذا فقد سقط الاعتراض. وبمثل هذا - أيضاً - يسقط الاعتراض بآدم وشيث ورسالتهما إلى من معهما (٥) وإن كانا رسولين ، فإنَّ آدم إنما أرسل لبنيه ولم يكونوا كفاراً ، بل أمِرَ بتعليمهم الإيمان والتوحيد وطاعة الله، وكذلك خَلفَهُ شيثٌ بعدَه فيهم بخلاف رسالة نوح إلى كفار أهل الأرض. وقد رأيت أبا الحسن بن بطال ذهب إلى أن آدم ليس برسول ليسْلمَ من هذا الاعتراض، وحديث أبى ذرّ الطويل ينص على أن آدم وإدريس رسولان. وقوله : ((ايتوا إبراهيم الذى اتخذه الله خليلاً)): أصل الخُلة الاختصاصُ والاستصفاء، وقيل: أصلها الانقطاع إلى من يخالك، مأخوذ من الخلة وهى الحاجة فسُمّى، إبراهيمُ بذلك؛ لأنه قصر حاجته على ربه حين أتاه الملك وهو فى المنجنيق ليُرمى فى النار ، فقال: لك حاجةٌ ؟ قال : أمَّا إليك فلا (٦) ، وقيل: الخُلة: صفاء المودة التى توجب تخلل الأسرار ، وقيل : معناها : المحبةَ والإلطاف. وقال الشاعر : قد تخللت موضعَ الرُوح منی ولذا سُمى الخليلُ خليلا وقوله فى الحديث الآخر: ((إنما كنتُ خليلاً من وراء وراء ))(٧) إشارةٌ إلى تفضيل محمد عَّ، وفيه حجةٌ على زيادة منزلة محمد عَّه فى القرب على إبراهيم ، وليس ذلك إلا بالرؤية والمناجاة - والله أعلم بقوله: ((من وراء وراء)) (٨). وذكر كذباته، وكانت كلها تعريضاً فى جنب الله ، فتسميتُها كذبات دليلٌ لأهل السنة ومتكلميهم فى أنه لا يُشترطُ فى (١) الصافات : ١٢٤،١٢٣. (٢) قائل هذا هو قتادة ومحمد بن إسحق والضحاك، وأسنده ابن أبى حاتم إلى عبد الله بن مسعود. راجع: تفسير القرآن العظيم ٣١/٧ . (٤) نقله الطبرى فى تفسيره عن وهب بن منبه ٥٩/٢٣. (٣) فی ت : إدريس. (٥) فى ت : معهم. (٦) هو قول لبعض السلف - كما ذكر الحافظ ابن كثير - غير مسند، وأصح ما جاء فى هذا الأمر مسند هو ما أخرجه البخارى فى صحيحه عن ابن عباس. ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ قالها إبراهيم - عليه السلام - حين ألقى فى النار، وقالها محمد عَِّ حين قالوا: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾ . البخارى فى ك التفسير ٤٨/٦. (٧) حديث أبى هريرة وأبى مالك عن ربعىِّ عن حذيفة. (٨) قلت: إما أن يكون المراد أنى متأخٌرٌ فيها عن غيرى، وإنما كمال الخلة بالمقام المحمود ، أو أنها كلمة تذكر تواضعاً ، أى لست بتلك الدرجة ، حكاه صاحب التحرير ، وقال : ووقع لى فيها معنى مليحٌ ، وهو أن المكارم التى أعطيتُها إنما كانت بسفارة جبريل ، وموسى سمع الكلام دون واسطة ، ومحمد سمعه كذلك مع الرؤية ، فأنا من وراء موسى الذى من وراء محمد - عليه السلام - إكمال الإكمال ٣٦٦/١. 2 ٥٧٧ كتاب الإيمان / باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها الكذب العمدُ ، وهذه وإن لم تكن كذبات حقيقةٌ فهى فى صورة الكذبات ، وهى عند المخبَر بها خلاف ما اعتقده المخبر ، ألا ترى الحديث الآخر: (( لا يحلُ الكذبُ إلا فى ثلاث )). فسُمى ذلك كذبا، وإنما هو من باب المعاريض، ألا ترى الحديث الآخر: ((كان النبى # إذا أراد غزوةً ورَّى بغيرها))، فهذا ومثله كذبات(١) الحرب، وكذلك أخواتُها والمعاريض جائزة عند الضرورات ، وفيها مندوحةٌ عن الكذب ، وقد فعلها كثير من السلف وأجازها ، لكن أشفق إبراهيمُ - عليه السلام - من المؤاخذة بها على ما قدمناه ، وقد يضطر إلى الكذب بالحقيقة ولا تتفق فيه معاريض عند دفع مظلمة عظيمة أو رفع مَضَرَّةٍ أو معصيةٍ بذلك، فالكاذب هنا - وإن كان كاذباً - فغير آثم ولا مؤاخَذٍ ، بل مأجور محمود، وقصة إبراهيم وسارة من هذا الباب ، وكذلك قوله : ﴿ إِنّي سَقِيمٌ﴾(٢) على أحد التأويلات، على ما سنذكره فى موضعه(٣). وقوله فى موسى: (( الذى كلمة الله تكليما)): لا خلاف بين أهل السنة فى حَمْل هذا على ظاهره وحقيقته(٤) لتأكيده بالمصدر (٥)، وأنَّ لله كلاماً هو صفةٌ من صفاته لا يُشبه كلامَ غيره. وقوله فی عیسی: ( روح الله وكلمته )): تقدم الكلام عليه أول الكتاب. وقول كل واحد: (( لستُ بصاحب ذلك، ولستُ لها، ولستُ هناكم)): تواضعاً وإكبارا لما سُئُلُهُ، وقد يكون إشارة من كل واحد منهم إلى أن هذه الشفاعة وهذا المقام ليس له، بل لغيره، ودلَّ كل واحد منهم على الآخر حتى انتهى الأمرُ إلى صاحبه بدليل قوله: ((أنا لها))، ويحتمل أنهم علموا أن صاحبها محمد عَُّ مُعيَّنَا، ويكون إحالة كل واحدٍ منهم على الآخر على تدريج الشفاعة فى ذلك إلى محمد عَ﴾. وفيه تقديم ذوى الأسنان والآباء على الأبناء فى الأمور التى لها بالٌ، وعلى هذا جاء تدريج سؤال الأنبياء فى هذا الحديث ومبادَرة النبى عَّ لذلك وإجابته لرغبتهم لما حققه - عليه السلام - من أن هذه الكرامة والمقاولة خاصة كما وعَدهُ بها ربُّه. وما ذُكِر فى هذا الحديث من غضب الله وشدته فى هذا الموقف ، وأنه لم يغضب غضباً قبله مثله - فهو فى حق الله تعالى ما يظهر من انتقامه ممن عصاهُ وخالف أمرَه ، ويُريهم من أليم عذابِه، لا أنه تبارك وتعالى تتغيَّرُ له حالٌ فى الغضب ولا فى الرضى (٦). (٢) الصافات : ٨٩. (١) فى الأصل : كذب. (٣) وفى هذا من العلم - والله أعلم - أن مثل هذا الموقف لا يصلح له إلا النقى الخالص من جميع الوجوه ، من كل شائبة - وإن دقَّت - وأن هذا لم يتفق لغير نبينا ميه . (٤) فكلام الله عندهم كلام نفسى قائم بذات المتكلم ليس بصوت ، ولا حرفٍ ، ومن نفى عن الله الكلام من سائر الفرق فبزعم أن الكلام ليس إلا اللفظى ، وامتنع الإسكافى وعباد بن سليمان من المعتزلة من إثباته للمولی جل جلاله قائلين: لو ثبته متكلماً لثبته متفعلاً . وعلى هذا ، فالبارى عند أهل السنة متكلمٌ بكلام نفسى ، ليس بصوت ، ولا حرف ، قائم بذاته تعالى كقيام العلم ، وغيره من الصفات. راجع: مقالات الإسلاميين ١٨٥، إكمال الإكمال ٣٥٧/١. (٥) لأن التأكيد بالمصدر يرفع الشك والاحتمال. (٦) مثل هذا ينبغى أن نُقرّه على ما هو عليه، كما قال الزهرى - رحمه الله تعالى - ومالك فى آيات الصفات، إذ أن الوقوف عند ألفاظها يقلل ويضعف من هيبتها وجلالها. الإكمال ٣٥٨/١. ٥٧٨ كتاب الإيمان / باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها ٣٢٣ - ( ... ) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ، قَالا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عَدَىٍّ عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَس ؛ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ لَّهُ: (( يَجْتَمِعُ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمَ القَيَّامَةَ، فَيَهْتَمُّونَ بِذَلَكَ - أَوْ يَلِهَمُوْنَ ذَلِكَ - )) بِمِثْلِ حَديثِ أَبِى عَوَنَةَ . وَقَالَ فِى الحديث: (( ثُمَّ آتيه الرَّابِعَةَ - أَوْ أَعُودُ الرَّابِعَةَ - فَأَقُول: يَارَبِّ، مَا بَقِىَ إِلا مَنْ حَبَسَهُ القُرآنُ)). ٣٢٤ - ( ... ) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المثنَى، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِى أَبِى عَنْ قَنَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِك؛ أَنَّ نَبِىَّ الله ◌َّهِ قَالَ: ((يَجْمَعُ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ القِيامَةِ فَيُلهَمُونَ لِذَلِكَ)) بِمِثْلِ حَديثهمَا. وَذَكَرَ فِى الرَّابِعَة: ((فَأَقُولُ: يَا رَبِّ، مَا بَقِىَ فِى النَّارِ إِلا مَنْ حَسَهُ القُرَآَنُ - أَىَّ وَجَبَ عَلَيْهِ الْخُلُودُ)). ٣٢٥ - ( ... ) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالَ الَضَرِيرُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعِ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ أَبِى عَرُوبَةَ وَهِشَامٌ صَاحِبُ الدَّسْتَوَانِىٌّ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ؛ قَالَ : قَالَ وقوله عَّ: ((فأستأذنُ على ربى فيؤذن لى)): معناه - والله أعلم - فى الشفاعة التى وعَدَهُ بها والمقام المحمود الذى ادخره له وأعلمه أنه يبعثه فيه ، وجاء فى حديث أنس وحديث أبى هريرة ابتداء النبى معَّه بعد سجوده وحمده والإذن له فى الشفاعة بقوله: ((أمتى أمتى)) وجاء فى حديث حذيفة بعد هذا وذكر الحديث نفسه فقال: (( فيأتون محمدا فيقوم ويؤذن له ، وتُرسل الأمانةُ والرحم ، فيقومان جَنْبَتَى الصراط يمينا وشمالاً ، فيمُر أولهم كالبرق)) وساق الحديث، وبهذا يتصل الحديث(١)؛ لأن هذه هى الشفاعة التى لجأ الناس إليه فيها ، وهى الإراحةُ من الموقف ، والفصل بين العباد ، ثم بعد ذلك حلت الشفاعة فى ٥١/ ب أمته وفى المذنبين، وحلت شفاعةُ الأنبياء وغيرهم والملائكة(٢) / كما جاء فى الأحاديث الأخر، وجاء فى الأحاديث المتقدمة فى الرؤية، وحشرِ الناس، [و](٣) اتِباع كُلِ أمة ما كانت تعبُدُ ، ثم تمييز المؤمنين من المنافقين ثم حُلول الشفاعة ووضع الصراط ، فيحتمل أنه الأمر باتباع الأُمم ما كانت تعبُدُ هو أول الفصل والإراحَةُ من هول الموقف أول المقام المحمود ، وأن الشفاعة التى ذكر حلولها هى الشفاعة فى المذنبين على الصراط، وهو ظاهر الأحاديث ، وأنها لمحمد نبينا وغيره كما نصَّ فى الأحاديث ، ثم ذكر بعدها الشفاعة فيمن دخل النار ، وبهذا تجتمع متون الأحاديث، وتترتب معانيها، ولا تتنافر ولا تختلف ، إن شاء الله تعالى . وقوله : ((لم يبق فى النار إلا من حبسه القرآن)): أى وجب عليه الخلودُ، وفى الرواية الأخرى: (( من وجب عليه الخلود)) حجةٌ لما أجمع عليه المسلمون ، إلا من تَبع (١) يعنى أن الراوى أسقط من حديث أنس ما عدا شفاعة الإخراج .. (٢) زيد بعدها فى الأصل : والنبيين. وهو وهم لسبق ذكرهم قبلها. (٣) ساقطة من الأصل ... ٠٫ ٥٧٩ كتاب الإيمان / باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها رَسُولُ اللهِ عَّةٍ. ح وَحَدَّثَنِى أَبُو غَسَّانَ الِسْمَعِىُّ وَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمَتَّى، قَالا: حَدَّثَنَا مُعَادٌ، وَهُوَ ابْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِى أَبِى عَنْ قَتَادَةَ. حدَّثَنَاْ أَنَسُ بْنُ مَالك؛ أَنَّالنَّبِىََُّّ قَالَ: ((يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لا إِلهَ إِلا اللهُ، وَكَانَ فِى قَلبِهِ مِنَ الْخَيْرِ مَا يَزْنُ شَعِيرَةً ، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لا إِلهَ إِلاَ اللهُ، وَكَانَ فِى قَلِهِ مِنَ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ بُرَّةٌ، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لا إِلهَ إِلا اللهُ، وَكَانَ فِى قَلِبِهِ مِنَ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ ذَرَّةٌ )). زَادَ ابْنُ مِنْهَالٍ فِى رِوَايَتِهِ : قَالَ يَزِيدُ : فَلقِيتُ شُعْبَةَ فَحَدَّثْتُهُ بِالْحَدِيثِ . فَقَالَ شُعْبَةُ : حَدَّثَنَا بِهِ قَتَادَةُ عَنَّ أَنَسِ بْنِ مَّالِكِ ، عَنِ النَِّىَّ ◌َّهُ بِالَحَدِيثِ، إِلَ أَنَّ شُعْبَةَ جَعَلَ مَكَانَ الذَّرَّةَ، ثُرَةٌ . قَالَ بَزِيدُ: صَحََّّ فِيَّهَا أَبُو بَسْطَامٍ . ٣٢٦- ( .. ) حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ العَتَكِىُّ. حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا مَعْبَدُ بْنُ هلال العَنْزِىُّ . ح وَحَدَّثْنَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُور - وَاللفْظُ لهُ - حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا مَّعْبَدُّ ابْنُ هَلال العَنْزِىُّ، قَالَ: انْطَلَقْنَا إِلى أَنَسِ بْنِ مَالك وَتَشَفَّعْنَا بِثَابِت ، فَانْتَهَيْنَا إِلَيْهِ وَهُوَ يُصَلَى الضُّحَى، فَاسْتَأَذَنَ لنَا ثَابِتَّ، فَدَخَلَنَا عَلَيْهِ، وَأَجْلسَ ثَابْتًا مَعَهُ عَلَى سَرِيرِهِ . فَقَالَ لُهُ: يَا أَبَا حَمْزَةَ، إِنَّ إِخْوَنَكَ مِنْ أَهْلِ البَصْرَةِ يَسْأَلُونَكَ أَنْ تُحَدِّثَّهُمْ حَدِيثَ الشَّفَاعَةَ. قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ عَهُ قَالَ: (( إِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ مَاجَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضِ، فَيَأْنُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ لهُ: اشْفَعْ لِذُرَِّكَ . فَيَقُولُ: لَسَّتُ لَهَا ، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَإنَّهُ خَلِيلُ اللهِ . فَيَأْتُونَ إِيْرَاهِيمَ، فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا ، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِمُوسَى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَإِنَّهُ كَلَيْمُ اللهِ. فَيُؤْتَى مُوسَى . فَيَقُولُ: لِسْتُ لَهَا ، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِعِيسَى - عَلَيْهِ السَّلامُ. فإِنَّهُ رُوحُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ. فَيُؤْثَى عِيسَى. فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنَّ عَلَيْكُمْ بِمُحَمَّدٍ عَّه. فَأُوتَى فَأَقُولُ : أَنَا لِهَا ، فَأَنْطَلَقُ فَأَسْتَأَذْنُ عَلَى رَبِّى، فَيُؤَذَنُ لِى، فَأَقُومُ بَيْنَ يَدَيْهِ ، فَأَحْمَدُهُ هواه من الخوارج والمعتزلة بقولهم بتخليد المذنبين ، إذ قد ذكر إخراج من فى قلبه أدْنى مثقال ذرَّةً من إيمانٍ ومن قال : لا إله إلا الله. وقوله : ((ايذن لى فيمن قال : لا إله إلا الله، قال : ليس ذلك إليك ، لكن وعزتى وكبريائى وعظمتى وجبريائى ، لأخرجن من قال: لا إله إلا الله)): أى أتفضل بإخراجهم دون شفاعة شافع كما قال فى الحديث المتقدم: «تشفع الملائكةُ ويشفع النبيون ولم يبق إلا أرحم الراحمين )). ٥٨٠ كتاب الإيمان / باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها بِمَحَامِدَ لا أَقْدرُ عَلَيْهِ الآنَ ، يُلْهِمُنيه اللهُ، ثُمَّ أخرُّ لهُ سَاجدًا. فَيُقَالُ لى: يَا مُحَمَّدُ ، ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُل يُسْمَعَ لَكَ، وَسَلَ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعَ. فَأَقُولُ: رَبِّ، أُمَّتِى، أُمَّنِى. فَيُقَالُ: انْطَلِقْ، فَمَنْ كَانَ فِى قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةً مِنْ بُرَّةً أَوْ شَعِيرَةَ مِنْ إِيمَانِ فَأَخْرِجْهُ مِنْهَا . فَأَنْطَلَقُ فَأَفْعَلُ، ثُمَّ أَرْجِعُ إِلَى رَبِّىَ فَأَحْمَدُهُبِلْكَ المَحَّامِدِ ثُمَّ أَخِرٌّ لَهُ سَاجِدًا. فيَّقَالُ لَى: يَمُحَّمَّدُ، ارْفَعْ رَأْسَك، وَقُل يُسْمَعْ لِكَ، وَسَلَ تُعْطَهُ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ. فَأَقُولُ: أُمَّتِى، أُمَّى. فَيُقَالُ لى: انْطَلَقْ، فَمَنْ كَانَ فِى قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةً مِنْ خَرْدَل مِنْ إِمَان فَأَخْرِجْهُ مِنَّهَا . فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ، ثُمَّ أَعُودٌ إلى رَبِّى فَأَحْمَدُهُ بتلكَ الَحَامِدِ ثُمَّ أَخْرُ لَهُ سَاجداً. فَيُقَالُ لى: يَا مُحَمَّدُ ، ارْفَعْ رَأْسَك، وَقُل يُسْمَعْ لكَ، وَسَلَ تُعْطَهَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعَْ. فَأَقُولُ: يَا رَبِّ، أُمَِّّى، أُمَّتِى. فَيُقَالُ لِى: انْطَلِقْ، فَمَنْ كَانَ فِى قَلِهِ أَدْنَى أَدْنَى أَدْنَى مِنْ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَل مِنْ إِيمَانِ فَأَخْرِجْهُ مِنَ النَّارِ . فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ )). هَذَا حَديثُ أَنَس الذى أَنْبَأَنَا بِهِ. فَخَرَجْنَا مِنْ عِنْدِهِ، فَلَمَّا كُنَّ بِظَهْرِ الجَبَّن قُلْنَا : لَوْ مِلْنَا إِلى الحَسَنِّ فَسَلَمْنَاً عَلَيْهِ، وَهُوَ مَّسْتَخْفٍ فِى دَارِ أَبِى خَلِفَةَ. قَالَ: فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ فَسَلَمْنَا عَلَيْهِ، فَقُلْنَا: يَا أَبَا سَعيد، جِئْنَا مِنْ عِنْدِ أَخِيَكَ أَبِى حَمْزَةَ . فَلَمْ نَسْمَعْ مِثْلَ حَديثِ حَدَّثَنَاهُ فى الشَّفَاعَةِ. قَالَ: هِيهِ فَحَدَّثْنَاهُ الحَدِيثَ. فَقَالَ: هيه قُلْنَا: مَا زَادَنَا. قَالَ: قَدْ حَدَّثَنًا به مُنْذُ عَشْرِينَ سَنَةً وَهُوَ يَوْتَذَ جَمِيعٌ ، وَلَقَدْ تَرَكَ شَيْئًا مَا أَدْرِى أَنَسِىَ الشَّيْخُ أَوْ كَرِهِ أَنْ يُحَدَِّكُمْ فَتَّكَلُوا. قُلْنَا لَهُ: حَدَّثْنَا. فَضَحِكَ وَقَالَ: خُلُقَ الإِنْسَانُ مِنْ عَجَل. مَا ذَكَرْتُ لِكُمْ هَذَا إِلا وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَحَدِّئُكُمُوهُ ( ثُمَّ أَرْجِعُ إِلى رَبّى فِى الرَّابِعَةِ فَأَحْمَدُهُ بِتلكَ الَحَامِدِ، ثُمَّ أَخْرُ لهُ سَاجِدًا فَيُقَالُ لِى: يَا مُحَمَّدٌ ارْفَعْ رَأْسَك، وَقُل يُسْمَعْ لَكَ، وَسَلَ نُعط، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ. فَأَقُولُ: يَارَبِّ ، اثْذَنْ لِى فِيمَنْ قَالَ : لا إِلهَ إِلا اللهُ. قَالَ : لَيْسَ ذَاكَ لكَ - أَوْ قَالَ: لِيْسَ ذَاكَ إِيْكَ - وَلَكِنْ، وَعِزَّتِى، وَكِبْرِيَانِى، وَعَظَمَتِى، وَجِبْرِيَائِى، لأُخْرِ جَنَّ مَنْ قَالَ: لا إِلهَ إِلا الله). وقوله: ((وجبريائى)): أىْ جبروتى ، والجبروت العظمة ، والجبار : العظيم الشأن الممتنعِ ، وقيل : القاهرُ ، ومنه النخلة الجُبَّارُ الطويل الذى فات المتناولَ. ثُقَالُ: جَبَّارٌ بَيْنُ الجبريّة، والجَبَروَّة والجَبّورَ، والجَبَورَةِ مخفف ومُثَقَّلٌ، ولم يأت فعَّالٌ من افْعَلتُ إلا جبَّارٌ ودرَّاك وستارٌ(١)، والجبروت مثله، وزيدت فيه التاء للمبالغة مثل: ملكوت فى الملك (١) فى المشارق: وسَّر، والسآر هو الذى يُبقى من شرابه، وهو من سأر، قال فى اللسان: والنعت منه سأرٌ على غير قياس ؛ لأن قياسه مُسْئِرٌ ، وقال الجوهرى : ونظيره أجبره فهو جبَّار.