Indexed OCR Text

Pages 541-560

٥٤١
كتاب الإيمان / باب إثبات رؤية المؤمنين ... إلخ.
٢٩٨ - ( ... ) حدَّثَنَا أُبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَرُونَ عَنْ حَمَّاد بْنِ
سَلَمَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ . وَزَادَ : ثُمَّ تَلاَ هَذه الآيَةَ ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٍ ﴾ (١).
وأجمع عليه سلف الأمَّةِ ورواه بضعة عشر من الصحابة بألفاظ مختلفة عن النبى عَّه خلافاً
للمعتزلة والخوارج وبعض المرجئة ، إذ نفوا ذلك عقلاً بناءً على شروط يشترطونها من
البنية والمقابلة واتصال الأشعة ، وزوال الموانع فى تخليط لهم طويل ، وأهل الحق
لا يشترطون شيئاً من ذلك سوى وجود المرئى، وأن الرؤية إدراك يخلقها اللّه للرائى فيرى
المرئى، لكن مجرى(٢) العادة تكون على صفات وليست / بشروط.
ت ٩٣ / ب
(١) يونس : ٢٦.
(٢) فى ت : يجرى .

٥٤٢
كتاب الإيمان / باب معرفة طريق الرؤية
(٨١) باب معرفة طريق الرؤية
٢٩٩ - (١٨٢) حدّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْب، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثْنَا أَبِى عَنِ
ابْنِ شِهَبٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْنِىِّ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّنَاساً قَالُوا لِرَسُولِ اللهِ عَّهُ:
يَاَ رَسُولَ الله، هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِعَّهُ: ((هَلْ تُضَارُونَ فِى رُؤْيَةً
الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْر؟ )) قَالُوا: لا، يَارَسُولَ اللهِ. قَالَ: ((هَلْ تُضَارُّونَ فِى الشَّمْسِ لَيْسَ دُونَهَا
وقوله: ((هل تضارون فى الشمس)): وفى الحديث الآخر: ((تضامون))، قال الإمام:
فيه ردّ على المعتزله فى إحالتهم رؤية الله تعالى . ويُروى بتشديد الراء وبتخفيفها ،
فالتخفيف مأخوذ من الضير ، والأصل فيه تضرون (١) .
والمعنى : لا يخالف بعضكم بعضاً ولا تتنازعون ، يقال : ضاره يضيره ويَضوره، وأمَّا
تُضَارون، بالتشديد، فمعناه ومعنى التخفيف واحد، فيكون على معنى: لا تُضَارَرُون، فُسكّنُ (٢)
الراء الأولى وتُدغَم فى التى بعدها، ويُحذَفُ المفعول لبيان معناه. وقيل: لا يحجب بعضكم بعضاً
عن رؤيته فيضره بذلك. ويجوز أن يكون على معنى: لاتُضارَرُونَ(٣)، بفتح الراء الأولى، أى [لا](٤)
تتنازعون ولا تجادلون، فتكونون أحزاباً يضر بعضكم بعضاً فى الجدل، ويقال: ضاررته مضارة
إذا خالفته. وأما مَنْ روى لا تُضامّون، بالميم وتشديدها، فمعناه: لا ينضم بعضكم لبعض فى
وقت النظر كما تفعلون بالهلال، ومن رواه بتخفيف الميم فمعناه : لاينالكم ضيمٌ فى رؤيته
فيراه بعض دون بعض، بل يستوون فى الرؤية. وأصله(٥) : تُضْيَمون على وزن تُفْعِلُونَ
وألقيت فتحة الياء على الضاد فصارت الياء ألفاً لانفتاح ماقبلها، والضَّيْم : الذُّل.
قال القاضى : وقال فيه بعض أهل اللغة : تَضَامُّونَ وتضارون (٦) بفتح التاء وتشديد
الراء والميم ، ومعناه : تتضاررونَ وتتضامَمُون (٧) ، قال بعضُهم : ومعناه فى اللغة: يُضَارُّ
(٢) فى ت : تُسكن .
(١) أى المبنى للمعلوم .
(٣) هكذا فى المخطوط ، وأرى أن صحتها : تتضاررون . ذلك أنه فسرها بعد ذلك بقوله : تتنازعون ، ولا
مجال هنا للتأكيد بالنون الثقيلة ، وهو يشير بذلك إلى أن الإدغام ضيع بيان حركة الراء الأولى ، وهى التى
تتحكم فى كونه للفاعل حين تكون مكسورة ، أو للمفعول إن كانت مفتوحة .
(٤) ساقطة من الأصل .
(٥) يريد الإمام بكلمة ( الأصل ) الفعل المبنى للمعلوم قبل تحويله ، فهى من الرباعى أضام وأضار ، وليست
من الثلاثى ضامٍ وضار ، إذ أن صيغة المبنى للمجهول تتفق فيهما وذلك مثل مال وأمال .
(٦) لعلها : وتصارّون .
(٧) القاعدة : أنه إذا اجتمع تاءان فى أول المضارع إما أن تحذف إحداهما تخفيفا ، وإما أن تدغم الأولى فيما
بعدها ، وإما أن تظل التاءان ، وتلك الأوجه الثلاثة جائزة فى كل ما أوله تاءان ، وعليه ففى قوله تعالى :
﴿ تَظَاهَرُونَ﴾ [ البقرة: ٨٥] فيها الأوجه الثلاثة.

٥٤٣
كتاب الإيمان / باب معرفة طريق الرؤية
سَحَابٌ؟)). قَالُوا: لا، يَارَسُولَ اللهِ. قَالَ: ((فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذَلَكَ، يَجْمَعُ اللهُ النَّاسَ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ، فَيَقُولُ: مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئً فَلْيَتَّبَعْهُ، فَيَبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُّالشَّمْسَ الشَّمْسَ، وَبِعُ
مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الْقَمَرَ الْقَمَرَ ، وَيَتَبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الطَّواغِيتَ الطَّوَاغيتَ، وَتَبْقَى هَذه الأُمَّةُ
فِيهَا مُنَافِقُوهَا، فَيَأْتِيهِمُ اللهُ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى، فِى صُورَةٍ غَيْرِ صُورَتَهِ الَّتِى يَعْرِفُونَ . فَيَقُولُ:
أَنَا رَيُّكُمَّ . فَيَقُولُونَ : نَعُوذُ باللهِ مِنْكَ، هَذَا مَكَانُنَا حَتَّى يَأْتِيْنَا رَبُّنَا، فَإِذَا جَاءَ رَبُّنَا عَرَفْتَهُ.
فَيَأْتِيهِمُ اللهُ تَعَلَى فِى صُورَتَهِ الََّى يَعْرِفُونَ، فَيَقُولُ: أَنَّا رَّبُّكُمْ. فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبُّنَا
فَتَّعُونَهُ، وَيُضْرَبُ الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْرَهْ جَهَنَّمَ ، فَأَكُونُ أَنَا وَأُمَّتَى أَوَّلَ مَنْ يُجيزُ، وَلا
يَتَكَلَّمُ يَوْمَتَذٍ إلَّ الرسُلُ، وَدَعْوَى الرُّسُلِ بَوْمَئِذٍ: اللَّهُمَّ: سَلِّمْ سَلِّمْ. وَفِى جَهَنَّمَّ كَلاَلِيبُ
مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ. هَلْ رَأَيْتُمُ السَّعْدَانَ؟)). قَالُوا: نَعَمْ، يَارَسُولَ اللهِ. قَالَ: ((فَإِنَّهَا
مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدان ، غَيْرَ أَنَّهُ لا يَعْلَمُ مَاقَدْرُ عِظَمِهَا إلا اللهُ، تَخْطَفُ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ ،
فَمِنْهُمُ الْمُؤْمِنُ بَقِىَ بِعَمَلِه، وَمَنْهُمُ الْمُجَازَى حَتَّى يُنَجِّى، حَتَّى إِذَا فَرَغَ اللهُ مِنَ الْقَضَاءِ بَيْنَ
الْعِبَادِ، وَأَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ بِرَحَمَتِهِ مَنْ أَرَادَ مَنْ أَهْلِ النّارِ ، أَمَرَ الْمَلائِكَةَ أَنْ يُخْرِجُوا مِنَ
بعضكم بعضاً . قال الزجاج : الذى جاء فى الحديث : تضارونَ وتضامون بالتخفيف ،
أى لاينالكم ضيمٌ ولا ضيرٌ فى رؤيته، أى تستوون فى الرؤية . وقد ذكر البخارى هذا
الحرف فى بعض رواياته ((ولا تُضامُون أو لا تُضَاهون)) على الشك (١)، ومعناه بالهاء
قريبٌ من معنى الأول ، أى لا يعارض بعضكم بعضاً فى الارتياب برؤيته أو نفيها ، وقد
يكون معناه : لا تشبهونه فى رؤيته بغيره من المرئيات / سبحانه وتعالى .
٤٦ / ب
وقوله: ((كما ترون القمرَ)) وقوله بعد ذكر الشمس والقمر: ((إنكم ترونه كذلك))
تشبيه الرؤية بالرؤية والإدراك بالإدراك فى الوضوح ورفع الشك واتساع مسرح النظر، لا تشبيه
المرئى بالمرئى (٢) والمدرَك بالمدرَك (٣)، ألا تراه كيف قال: ((كما ترون القمر)) ولم يقل كالقمر .
وتأولت المعتزلة (٤) أن معنى الرؤية هنا العلم ، وأن المؤمنين يعرفون الله يوم القيامة
ضرورة ، وهذا خطأ ؛ لأن رؤية العلم تتعدى إلى مفعولين ورؤية العين إلى واحد وكذا
(١) ك المواقيت، ب فضل صلاة الفجر ١/ ١٥٠، والحديث هناك من رواية أبى هريرة.
(٢) فى ت : المرئى .
(٣) يعنى تشبيه رؤية الإنسان للّه فى الآخرة برؤيتة للقمر فى الدنيا لا تشبيه اللّه بالقمر، وهى ماأفادته عبارة
المرئى بالمرئى والمدَرك بالمدرك .
(٤) أجمعت المعتزلة على أن اللّه - سبحانه - لا يُرى بالأبصار، واختلفت: هل يُرى بالقلوب ، فقال أبو
الهذيل وأكثر المعتزلة : نرى اللّه بقلوبنا، بمعنى: أنا نعلمه بقلوبنا . مقالات ١٥٧ .

٥٤٤
كتاب الإيمان / باب معرفة طريق الرؤية
النَّارِ مَنْ كَانَ لا يُشْرِكُ باللهِ شَيئاً، مِمَّنْ أَرَادَ اللهُ تَعَلَى أَنْ يَرْحَمَهُ، مِمَّنْ يَقُولُ : لا إلَهَ إلا
اللهُ ، فَيَعْرِفُونَهُمْ فِى النَّارِ، يَعْرِفُونَهُمَّ بِأَثَرِ السُّجُودِ، تَأْكُلُ النَّارُ مِنِ ابْنِ آدَمَ إِلا أَثَرَ السُّجُودِ،
حَرََّ اللهُ عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ أَثَرَ السُّجُودِ، فَيُخْرَجُونَ مَنَ النَّارِ وَقَدَ امْتَحَشُوا فَيُصَبُّ عَلَيْهِمْ
مَاءُ الْحَيَاةِ، فَيَنْتُونَ مَنْهُ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَةُ فِى حَمِيلِ السَّيْلِ ثُمَّ يَفْرُغُ اللهُ تَعَالَى مِنَ الْقَضَاء
بَيْنَ الْعِبَادِ، وَيَبْقَى رَجُلٌ مُقْبِلٌ بَوَجْهِهِ عَلَى النَّارِ، وَهُوَ آخرُ أَهْلِ الْجَنَّةَ دُخُولا الْجَنَّةَ فَيَقُولُ:
أَىْ رَبِّ، اصْرِفْ وَجْهِى عَنِ النَّارِ ، فَإِنَّهُ قَدْ قَشَنِى رِيحُهَا وَأَحَرَقَنِى ذَكَاؤُها ، فَيَدْعُو اللهَ
مَاشَاءَ اللهُ أَنْ يَدْعُوَهُ، ثُمَّ يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: هَّلْ عَسَيْتَ إنْ فَعَلْتُ ذَلِكَ بِكَ أَنْ تَسْأَلَ
غَيْرَهُ فَيَقُولُ: لا أَسْأَلُكَ غَيْرَهُ، وَيُعْطِى رَبَّهُ مِنْ عُهُودٍ وَمَوَاثيقَ مَاشَاءَ اللهُ، فَيَصْرِفُ اللهُ
وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ، فَإذَا أَقْبَلَ عَلَى الْجَنَّةَ وَرَآهَا سَكَتَ مَاشَاءَ اللهُ أَنْ يَسْكُتَ . ثُمَّ يَقُولُ: أَىْ
رَبِّ قَدِّمْنِى إلى بَابِ الْجَنَّةِ. فَيَقُولُ اللهُ لَهُ: أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتَ عُهُودَكَ وَمَوَاثيقَكَ لا
تَسْأَلُنِى غَيْرَ الَّذِى أَعْطَيْتُكَ، وَيُلَكَ يَا ابْنَ آدَمَ، مَا أَغْدَرَكَ ؛ فَيَقُولُ: أَىْ رَبِّ، وَيَدْعُو اللهَ
حَتَّى يَقُولَ لَهُ: فَهَلْ عَسَيْتَ إِنْ أَعْطَيْتُكَ ذَلِكَ أَنْ تَسْأَلَ غَيْرَهُ ! فَيَقُولُ: لا ، وَعَزَّتَكَ ، فَيُعْطِى
هاهنا ؛ ولأن تمثيلها برؤية القمر وهى رؤية عين تدل [ على ] (١) أنها رؤية عين ، ولأن
اختصاص المؤمنين بها وأهل الجنة يدل أنها غيرُ العلم ، وأما الكفار يومئذ فهم يشاركون
المؤمنين فى العلم ؛ ولأن الأثبات قد رَوَوْه: ((ترون رَبِّكم عياناً)).
وقوله: ((فَيَتَّبِعُ من كان يعبدُ الشمس الشمس)) وذكر مثله فى القمر والطواغيت تمام
هذا الفصل فى الحديث الآخر: (( ثم يتساقطون فى النار)) (٢).
1
وقوله: ((وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها)) لتَستُّرهم (٣) فى الدنيا بدخولهم فى جملتهم
ونفاقهم بذلك ظنوا تجويز ذلك لهم فى الآخرة، إذا اتبع كل معبود من عبده، جهلاً منهم بالله
واطلاعه على أسرارهم كما جهل المشركون ذلك وقالوا: ﴿ وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِين﴾(٤) وظنوا
أن ذلك يجوز لهم ، كذلك المنافقون تستروا بجماعة المؤمنين فاتبعوهم ومشوا فى
نورهم، حتى ضرب بينهم بسورٍ له باب باطنهُ فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب،
وانقطعت عنهم أضواؤهم وذهب اللّه بنورهم وتركهم فى ظلمات لا يُبصرون. واستدل بعضهم
بأن هؤلاء هم المطرودون عن الحوض، والذين يقال لهم: ((سُحقاً سُحقاً)) ، فاللّه أعلم.
1
وقوله: (( فيأتيهم اللّه فى صورة لا يعرفونها)) وفى رواية أخرى: ((فى صورة غير
(١) من ت .
(٣) فى الأصل : لتستريهم .
(٢) حديث أبى سعيد الخدرى .
(٤) الأنعام : ٢٣ .
:

٥٤٥
كتاب الإيمان / باب معرفة طريق الرؤية
رَبَّهُ مَاشَاء اللهُ مِنْ عُهُودٍ وَمَوَاثِيقَ ، فَيُقَدِّمُهُ إِلَى بَابِ الْجَنَّةَ، فَإِذَا قَامَ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ
انْفَهَقَتْ لَهُ الْجَنَّةُ ، فَرَأَى مَافِيهَا مِنَ الْخَيْرِ وَالَسُّرُورِ، فَيَسْكُتُ مَاشَاءَ اللهُ أَنْ يَسْكُتَ، ثُمَّ
يَقُولُ: أَيْ رَبِّ أَدْخِلْنِى الْجَنَّةَ. فَيَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَهُ: أَلْيْسَ قَدْ أَعْطَيْتَ عُهُودَكَ
وَمَوَاثيقَكَ أَنْ لا تَسْأَلَ غَيْرَ مَا أُعْطِيتَ، وَيَلَكَ يَابْنَ آدَمَ ؛ مَاأَغْدَرَكَ! فَيَقُولُ: أَىْ رَبِّ، لا
أَكُونُ أَشْقَى خَلقِكَ فَلا يَزَالُ يَدْعُو اللّهَ حَتى يَضْحَكَ اللهُ تَبَرَكَ وَتَعَالَى مِنْهُ، فَإِذَا ضَحِكَ
اللهُ مَنْهُ، قَالَ : ادْخُلِ الْجَنَّةَ. فَإِذَا دَخَلَهَا قَالَ اللهُ لَهُ: تَمَنَّهُ، فَيَسْأَلُ رَبَّهُ وَيَتَمَنَّى، حَتَّى إِنَّاللهَ
لَيُذَكِّرُهُ مِنْ كَذَا وَكَذَا، حَتَّى إِذَا انْقَطَعَتْ بِهِ الأَمَانِىُّ. قَالَ اللهُ تَعَالَى: ذَلِكَ لَكَ وَمَثْلُهُ
معه)).
قَالَ عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ : وَأَبُو سَعيد الْخُدْرِىُّ مَعَ أَبِى هُرَيْرَةَ لا يَرُدُّ عَلَيْهِ مَنْ حَديثه شَيْئاً .
حَتَّى إِذَا حَدَّثَ أَبُوَ هُرَيْرَةَ: إنَّ اللهَ قَالَ لِذَلَكَ الرَّجُل: (( وَمِثْلُهُ مَعَهُ)) . قَالَ أَبُو سَعيد:
وَعَشَرَةٌ أَمْثَالِهِ مَعَهُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ . قَالَ أَبُوَ هُرَيْرَةَ: مَا حَفَظْتُ إِلَا قَوْلَهُ: (( ذَلَكَ لَكَ وَمَثَلُهُ
مَعَهُ). قَالَ أَبُو سَعِيدٍ أَشْهَدُ أَنّى حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ عَّهُ قَوْلَهُ: (( ذَلِكَ لَكَ وَعَشَرَةٌ
صورته التى يعرفون فيقول أنا ربكم))، قال الإمام: يحتمل أن تأتيهم صورةٌ مخلوقة فيقول :
أنا ربكم ، على سبيل الاختبار والامتحان ، فيقولون : نعوذ بالله منك ، فيأتيهم اللّه فى
صورته التى يعرفونها . الإتيان هنا عبارة عن رؤيتهم اللّه تعالى ، وقد جرت العادة فى
المحدثين أن من كان غائبا عن غيره فلا يمكنه التوصل إلى رؤيته إلا بإتيان أو مَجىء ، فعبَّر
بالإتيان هاهنا والمجىء عن الرؤية على [ سبيل ] (١) المجاز.
وقوله: (( فى صورته التى تعرفونها)» : أحسن مايتأول فيه أنها صورة اعتقاد ، كما
يقال : صورة اعتقادى فى هذا الأمر ، والاعتقاد ليس بصورة مُركبةٍ ، فيكون المعنى : يرون
اللّه على ماكانوا يعتقدونه [فى الجائز](٢) عليه من الصفات [التى هو عليها ] (٣).
قال القاضى : وقيل: إن الإتيان هنا فعل من فعل اللّه ، سماه إتياناً وصف نفسه به ،
قيل : ويحتمل أن يكون الإتيان المعهود فيما بيننا ، جعله تعالى لغيره من ملائكته فأضافه
إلى نفسه كما يقول القائل: قطع الأمير اللص ، وهو لم يَلِ ذلك بنفسه إنما أقر به ، وهذا
أشبه الوجوه عندى بالحديث مع مايأتى بعده ، ويكون هذا الملك هو الذى جاءهم فى
الصورة التى أنكروها من سمات الحدث الظاهرة على الملك والمخلوق ، أو يكون: (( يأتيهم
اللّه فى صورة))، أى يأتيهم بصورة ويظهرها لهم من صور ملائكته أو مخلوقاته التى لا
(١ - ٣) من ق .

٥٤٦
كتاب الإيمان / باب معرفة طريق الرؤية
أَمْثَالِه)). قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَذَلِكَ الرَّجُلُ آخِرُ أَهْلِ الْجَنَِّ دُخُولا الجَنَّةَ.
٠٠
٣٠٠ - ( ... ) حدّثْنا عبْدُ الله بْنُ عَبْد الرَّحْمَنِ الدَّارِمِىُّ، أَخْبَرَنَا أُبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا
شُعَيْبٌ عَن الزُّهْرِىِّ ؛ قَالَ : أَخْبَرَنِى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَعَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْنِىُّ ؛ أَنَّ أَبَا
هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُمَا؛ أَنَّ النَّاسَ قَالُوا لِلَّبِىِّ ◌َُّ: يَارَسُولَ الله، هَلْ نَرَى رَبَّا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟
وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ مَعْنَى حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدِ .
٣٠١ _ ( ... ) وحدّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافع، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّام
ابْنِ مُنْبَّه ؛ قَالَ : هَذَا مَاحَذََّنَا أَبُوهُرَيْرَةٍ عَنْ رَسُولِ اللهِعَُّ. فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مَنْهَا: وَقَالَ
رَسُولُ اللهِ عَّهُ: ((إِنَّ أَدْنَى مَفْعَدِ أَحَدِكُمْ مَنَ الْجَنَّةِ أَنْ يَقُولَ لَهُ : تَمَنَّ : فَيَتَمَّتِى وَيَتَمَنّى.
فَيَقُولُ لَهُ: هَلْ تَمَنََّتَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ. فَقُولُ لهُ: فَإِنَّ لكَ مَاتَمَنَّيْتَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ » .
٣٠٢ _ (١٨٣) وحدّثَنى سُوَيْدُ بْنُ سَعيد. قَالَ: حَدَّثَنَى حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ، عَنْ زَيّد
ابْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارِ، عَنْ أَبِى سَعيد الْخُدْرِىِّ؛ أَنَّ نَاساً فى زَمَن رَسُول الله عَلَّه.
قَالُوا: يَارَسُولَ الله، هَلْ نَرَى رَبَّا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ تَّةٍ: ((نَعَمْ)). قَالَ: ((هَلْ
تُضَارُونَ فِى رُؤْيَةَ الشَّمْسِ بالظَّهِيرَةَ صَحواَ لَيْسَ مَعَهَا سَحَابٌ؟ وَهَلْ تُضَارُونَ فِى رُؤْية
الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ صَحْوَا لَيْسَ فِيهَا سَحَابٌ؟)) قَالُوا: لا، يَارَسُولَ اللهِ. قَالَ: ((مَاتُضَارُونَ
فِى رُؤْيَةِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَلَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلا كَمَا تُضَارُّونَ فِى رُؤْيَةٍ أَحَدِهِمِا، إِذَا كَانَ يَوْمَ
ت ٩٤ / ب
تشبه صفات الإله والخالق، ليمتحنهم ويختبر صحة إيمانهم، وهذه آخر امتحان المؤمنين (١)
ليميز اللّه الخبيث من الطيب، وليثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت فى الحياة الدنيا وفى
الآخرة كما ضمن لهم فى كتابه(٢)، / وإذا قال لهم هذا الملك أو هذه الصورة التى عرضها
عليهم: أنا ربكم ، رأوا عليه من دليل الحدَثِ وسيما الخلقة ماينكرونه ويعلمون أنه ليس
بربهم، ويستعيذون باللّه منه، كما جاء فى الحديث: ((ويقولون هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا
جاء ربنا عرفناه)) (٣)، وكما جاء فى حديث آخر: ((وكيف تعرفونه؟قالوا: إنه لاشبيه له)).
(١) نسأل اللّه التثبيت وحسن الجواب.
(٢) راجع فى تفسيرها : ابن كثير ٤١٣/٤.
(٣) رواية أبى هريرة من حديث عطاء بن يزيد الليثى، وكذا أخرجه أحمد فى المسند ٥٣٤/٢ .
قال الإمام الجوينى فى الإرشاد: ((الأولى فى مثل هذا التأويل؛ لأن الإتيان حركة وانتقال، والصورة تشعر
بالتركيب، وكل على الله - سبحانه - محال، فهذا الآتى أولا ليس الله - سبحانه - لاستعاذتهم منه،
والصورة خلق من خلقه - سبحانه - امتحن بها عبادة المؤمنين، ومعنى إتيانه بها بعثها، كقوله تعالى: ﴿ أَن
يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ ﴾ [ التوبة : ٥٢] أى يبعث لهم صورة يمتحنهم بها، فتقول تلك الصورة )) إكمال
الإكمال ٣٣٧/١ .

٥٤٧
كتاب الإيمان / باب معرفة طريق الرؤية
الْقِيَامَة أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ: لَيَتَبَعْ كُلُّ أُمَّةً مَا كَانَتْ تَعْبُدُ . فَلَا يَبْقَى أَحَدٌ، كَانَ يَعْبُدُ غَيْرَ الله سُبْحَانَهُ
مِنَ الأَصْنَامِ والأَنْصَابِ إِلا يَتَسَاقَطُونَ فِى النَّارِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللهَ مَنْ
بَرِّ وَفَاجِر ، وَغْبَّرِ أَهْلِ الْكِتَابِ . فَيُدْعَى الْيَهُودُ فَيُقَالُ لَهُمْ: مَاكُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ قَالُوا: كُنَّا
نَعْبُدُ عُزَيْرَ ابْنَ اللهِ، فَيُقَالُ: كَذِبْتُمْ مَا أَنَّخَذَ اللهُ مِنْ صَاحِبَةٍ وَلَا وَلَدٍ ، فَمَاذَا تَبْغُونَ؟ قَالُوا :
عَطَشْنَا. يَرَبَّنَا، فَاسْقِنَا. فَيُثَارُ إِلَيْهِمْ: أَلا تَرِدُونَ؟ فَيُحْشَرُونُّ إِلى النَّارِ كَأَنَّهَا سَرَابٌ
يَخْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا، فَيَتَسَاقَطُونَ فِى النَّارِ. ثُمَّ يُدْعَى النّصَارَى، فَيْقَالُ لَهُمْ: مَا كُنْتُمْ
تَعْبُدُونَ؟ قَالُوا : كُنَّا نَعْبُدُ الْمَسيحَ ابْنَ اللهِ. فَيُقَالُ لَهُمْ: كَذَبْتُمْ، مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ صَاحِبَةٍ وَلا
وَلَدٍ . فَيُقَالُ لَهُمْ: مَاذَا تَبْغُونَ؟ فَيَقُولُونَ: عَطِئْنَا. يَارَبَّنَا فَاسْقْنَا)). قَالَ ((فَيُشَارُ إِلَيْهِمْ:
أَلاَ تُرِدُون؟ فَيُحْشَرُونَ إِلَى جَهَّمَ، كَأَنَّهَا سَرَّابٌ يَحْطِمُ بَعْضُّهَاَ بَعْضاً، فَيَتَسَاقَطُونَ فِى
النَّارِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللهَ تَعَالَى مِنْ بَرِّ وَفَاَجِرٍ، أَتَهُمْ رَبُّ الْعَالَمِينَ
سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِى أَدْنِى صُورة مَنَ الَّتِى رَأَوْهُ فِيهَا. قَالَ: فَمَا تَنْتَظِرُونَ ؟ تَتْبَعُ كُلُّ أُمَّةً
مَا كَانَتْ تَعْبُدُ . قَالُوا: يَارَبَّنَا، فَارَقْنَا النَّاسَ فِىَ الدُّنْيَا أَفْقَرَ مَاكُنَّا إِلَيْهِمْ وَلَمْ نُصَاحِبْهُمْ .
فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ. فَيَقُولُونَ: نَعُوذُ باللهِ مِنْكَ، لا نُشْرِكُ باللهِ شَيْئاً - مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثاً - حَتَّى
إِنَّ بَعْضَهُمْ لَيَكَادُ أَنْ يَنْقَلِبَ . فَيَقُولُ : هَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ آيَةٌ فَتَعْرِفُونَهُ بِهَا؟ فَيَقُولُونَ : نَعَمْ .
وقوله: فى الحديث الآخر فى هذا الموضع: ((قالوا: [يا] (١) ربنا فارقنا الناس فى الدنيا أفقر
ماكنا إليهم ولم نصاحبهم)) قال بعضهم: لعلَّهم (٢) قالوا: [يا](٣) ربنا لأنَّهم بعْدُ لم يروا ربهم
فيخاطبونه، وعندى أنه يصح على وجه أنهم تضرعوا إلى اللّه فى كشف حالهم، ألا ترى كيف قال
بعد هذا: ((فيقول - يعنى الصورة التى ظهرت لهم -: أنا ربكم فيقولون: نعوذ بالله منك))
وقوله : (( فارقنا الناس فى الدنيا أفقر ماكنا إليهم ولم نصاحبهم )) فيه تقديم وتأخير
وتغيير لأنه وقع هذا الموضع فى البخارى (( فارقناهم ونحن أحوج مِنّا إليه اليوم » ، وهو
أشبه بالصواب وأبين ، أى فارقناهم فى معبوداتهم ولم نصاحبهم ونحن اليوم أحوج لربنا
أى محتاجُون كما قال تعالى: ﴿ وَهُوَ أَهْوَن﴾(٤) أى هين، والهاء فى إليه عائدة على الله
تعالى، ويكون قوله: ((غير صورته التى يعرفون)) وقوله: ((فيأتيهم فى صورته التى يعرفون
مقابلة لفظة الصورة هنا التى المراد بها فى حق اللّه الصفة على ما تقدم للفظة الصورة الحقيقية
الواردة فى صفة الملك والمخلوق، وتجنيس اللفط باللفظ، كما قال تعالى: ﴿مُسْتَهْزِئُونَ. اللَّهُ
(١) ساقطة من الأصل .
(٢) فى الأصل : لعله .
(٣) فى الأصل : ربنا .
(٤) الروم: ٢٧. والحديث الأول أخرجه البخارى بلفظ: ((على أفقر ماكنا إليهم))، ك التفسير، ب تفسير سورة النساء
٥٧/٦، والحديث الثانى له فى كتاب التوحيد ، ب وكان عرشه على الماء ٩/ ١٥٩ وهو جزء حديث له عن
أبى سعيد الخدرى.

٥٤٨
كتاب الإيمان / باب معرفة طريق الرؤية
فَيُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ ، فَلا يَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ للهِ مَنْ تَلْقَاءَ نَفْسه إلا أَذْنَ اللهُ لَهُ بِالسُّجُودِ ،
وَلَا يَبْقَى مَنْ كَانَ يُّسْجُدُ اتَّقَاءً وَرِيَاءٌ إلا جَعَلَ اللهُ ظَهْرَهُ طَبَقَةٌ وَاحِدَةً، كَلَّمَا أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ
خَرَّ عَلَى قَفَهُ، ثُمَّ يَرْفِعُونَ رُؤُوسَهِمْ ، وَقَدْ تَحَوَّلَ فِى صُورَتِهِ الَّتِى رَأَوْهُ فِيهَا أَوَّلَ مَرَّةً .
يَسْتَهْزِئُ بِهِم﴾ (١)، ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّه﴾ (٢) وقد جاءت هذه اللفظة فى البخارى:
((فيأتيهم فى الصورة التى لا يعرفونها وفى الصورة التى يعرفون)) (٣) من غير إضافة ، وهى
أبين وأقرب لتأويل الصفة .
والصورة قد ترجع فى اللَّسان إلى معنى الصفة ومعنى الحقيقه ، كقولهم : صُورَةُ هذا
الأمرِ وصورة الحديث كذا، أى حقيقته وصفته، وإليه يرجعُ قولهُ: (( الصورة التى رأوه فيها
أولاً)) أى علموه من تنزيهه وتقديسه ، واعتقدوه من أنه لا يشبُههُ شىء . وقد زلَّ من لم
يُحَصِّل كلامه مِمَّن تقدم فَى هذا الباب فأثبت صورةٌ لا كالصُّور ، وهذا تناقضٌ وتجسيم
محض ، نعوذ باللّه. وكذلك يرجعُ معنى قوله فى الحديث الآخر (٤) فى أدنى صورةٍ من التى
رأوه فيها أولاً . قال الخطابي: ويحتمل أن يكون إنما حجبهم فى المرة الأولى لأجل من كان
معهم من المنافقين [حتى يُميّزوا عنهم، قال: ويحتمل أن يكون الاستعاذةُ من المنافقين](٥) وهم
المراد، وإن كان اللفظُ عموماً كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا
لَكُمْ﴾ (٦)، وإنما قاله المنافقون. قال: وفحوى الكلام يدُلُّ أنَّه قول المنافقين ، يعنى فى
الحديث .
قال القاضى : لا يصح أن يكون من قول المنافقين ، ولا يستقيم الكلامُ به / فتأمَّله
وعوِّل على ما ذكرناه .
ت ٩٥/ ٦
وقوله: ((فيرفعون رؤوسهم وقد تحول فى صورته التى رأوه (٧) فيها أولاً: ((فيقولون
أنت ربُنا )) كله إن شاء اللّه راجع إلى عظيم ما أراهم من عجائب قدرته وباهر سلطانه،
فأراهم أولاً ما امتحنهم به حتى ظهر صحةُ إيمانهم ويقينهم ومعرفَتِهم ، ثم قلب لهم ذَلَك
وحوَّل محنتهم بأمانِهِم وفتنتهُم بتثبيتهم ، وأظهر لهم من حقيقة سلطانه وباهر آياته وعظيم
ملكوتهِ ما لايشكونَ فى صحتِه ، ويستدلُون على أن ذلك الذى عرفوه وحققوه قبل له ولا
يليق بغيره ، فيتجلى لهم عند ذلك فيقولُ : أنا ربُّكُم ، فيقولون : أنت ربنا .
وفى الحديث إيمانُ المؤمنين حينئذ برؤية اللّه تعالى، كما آمنوا بذلك قبلُ ، لانتظارِهم
(٢) آل عمران : ٥٤ .
(١) البقرة: ١٥،١٤ وقد جاءت فى الأصول: ((يستهزءون اللّه يستهزئ بهم)).
(٣) البخارى، ك الرقاق، ب الصراط جسر جهنم، وهو جزء حديث عن أبى هريرة، ولفظه: ((وتبقى هذه
الأمة فيها منافقوها ، فيأتهم اللّه فى غير الصورة التى يعرفون، فيقولُ: أنا ربكم ، فيقولون: نعوذُ بالله
منك هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا ، فإذا أتانا ربنا عرفناه ، فيأتيهم اللّه فى الصورة التى يعرفون، فيقولُ: أنا
ربُّكُم، فيقولونَ : أنتَ ربنا ، فيتبعونه ، ويضرب جسرُ جهنم)) ٨ / ١٤٧ .
(٤) فى ت: للآخر. ويعنى بالحديث الآخر رواية أبى سعيد من حديث عطاء.
(٦) آل عمران : ١٧٣ .
(٥) سقط من ت .
(٧) رسمت فى الأصل هكذا : رأب .

٥٤٩
كتاب الإيمان / باب معرفة طريق الرؤية
إيَّاها ، فإذا أراهم نفسهُ وكشف عن أبصارهم حجبُها رأوه ، وشاهدوا ذاته المقدسة عن
التشبيه ، وصفاتهِ المنزهَةَ عن التكييف ، وجلاله وكبرياءه وعظيمَ سلطانه ، تحققوا لا محالة
أَنَّهُ ربُّهُم فيقولونَ : أنت ربُنا .
وقوله : ((فِيَتَّبِعُونَهُ)): أى يتبعون رُسُلَه وأمرَه وملائكته الذين وكّلُهُمْ بهم كما وكل
من تقدَّم ومن كانوا يعبدُون من يقذف بهم فى النار .
وقوله فى الحديث الآخر: ((هل بينكم وبينه علامة؟ فيقولون: نعم، فيكشفُ عن ساقٍ )
قيل : معناه: الشِدَّةُ التى يُظهِرُها تعالى حينئذ على الخلائق، ونحوه عن ابن عباس فى قوله :
﴿ يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾(١) وقالوا: قامت الحربُ على ساق، وقيل نحوه فى قوله: ﴿وَالْتَفَّتِ
السَّاقُ بِالسَّاق﴾(٢)، قيل: هو نورٌ عظيم، ورد ذلك فى حديث عن النبى معَّهِ (٣)، قال ابن فورك :
ومعنى ذلك: مايتجدد للمؤمنين عند رؤية اللّه تعالى من الفوائد والألطاف، وقيل: قد تكون
الساقُ علامةً بينه وبين المؤمنين من ظهور جماعة من الملائكة على خلقة عظيمة شنيعة ؛ لأنه
يقال: ساقَ من الناس وقدم كما قيل: رجْلٌ من جراد، وقيل: قد يكون ساقاً مخلوقةٌ جعلها
اللّه علامةً للمؤمنين خارجةً عن السوق المعتادة ، وقيل : هو مثلٌ يُضربُ للعزم على المراد
كما يقال : شمَّر فلانٌ فى كذا عن ساقِهِ ، وقيل : معناه : كشفُ الخوف وإزالةُ الرعب
عنهم وماكان غلبت على عقولهم من هول الحال ، فتطمئن حينئذ نفوسُهم عند ذلك ويتجلى
لهم فيخرون سُجداً ، وقيل : هى عبارة عن التجلى . وقال الخطابى : وهذه الرؤية التى فى
[ هذا ] (٤) المقام يوم القيامة غير الرؤية التى فى الجنة لكرامة أوليائه وإنما هذه للامتحان .
وقوله : (( فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلا أَذن اللّه له بالسجود ، ولا
يبقى من كان / يسجُدُ اتقاء ورياءً إلا جعل اللّه ظهره طبقاً، فكلما أراد أن يسجد خرّ على ت / ٩٥ ب
قفاه)) الطبق: فقار الظهر تقول (٥) : صارَ فقارةً واحدةً فلا يقدرون على السجود . قاله
الهروى . وقيل : هو عظم رقيق بين الفقارين . بين فى هذا الحديث أنهم المنافقون بقوله :
اتقاءً وفى حديث آخر : رياءً وسُمعة (٦) .
(١) القلم: ٤٢، وقد أخرجه الطبرى عنه بلفظ: ((هو يوم كرب وشدة)). الطبرى ٢٤/٢٩.
(٢) القيامة: ٢٩، وقال فيها ابن عباس: ((التفت عليه الدنيا والآخرة، وعن على بن طلحة عنه فيما أخرجه
الطبرى فيها يقول : آخر يوم من أيام الدنيا وأول يوم من أيام الآخرة ، فتلتقى الشدة بالشدة إلا من رحمه
اللّه)). تفسير الطبرى ١٣٣/٢٩ .
وله عن عكرمة فيها : الأمر العظيم بالأمر العظيم ، وقال مجاهد: بالءُ ببلاء. السابق ١٢٣/٢٩
(٣) أخرجه الطبرى من حديث أبى موسى عن النبى عَّه قال: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاق﴾ قال: عن نور عظيم
يخرون له سجدا . قال الحافظ ابن كثير : ورواه أبو يعلى عن القاسم بن يحيى عن الوليد بن مسلم ، به ،
وفیه رجل یھم ٢٢٥/٨ .
(٤) ساقطة من ت .
(٦) هى رواية البخارى ك التوحيد، ب وكان عرشه على الماء ١٥٩/٩.
(٥) فى ت : يقال .

٥٥٠
كتاب الإيمان / باب معرفة طريق الرؤية
فَقَالَ: أَنَا رَبُّكُمْ. فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبُّنَا. ثُمَّ يُضْرَبُ الْجِسْرُ عَلَى جَهَنَّمَ، وَتَحِلُّ الشَّفَاعَةُ ،
وَيَقُولُونَ: اللّهُمَّ، سَلِّمْ سَلِّمْ)) . قِيلَ: يَارَسُولَ اللهِ، وَمَالْجِسْرُ؟ قَالَ: ((دَخْضٌ مَزَلَّةٌ فيه
خَطَاطِفُ وَكَلَاَلِيبُ وَحَسَكٌ ، تَكُونُ بِنَجْدٍ فِيهَا شُوَيْكَةٌ يُقَالُ لَهَا: السَّعْدَانُ . فَيَمُرُّ
الْمُؤْمِنُونَ كَطَرَفِ الْعَيْنِ وَكَالَبَرْقِ وَكَالرِّيحِ وَكَالطَّيْرِ وَكَأَجَاوِيِدِ الْخَيْلِ وَالرِّكَابِ ، فَنَاخ
ويَستدِلُّ بعضُهم من هذا مع قوله تعالى ﴿ يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلاَ
يَسْتَطِيعُونَ ﴾ على جواز تكليف ما لا يُطاق؛ لأنهم دُعوا إلى السجود ومُنعوا من الثَّمُّن
منه ، فجعل ظهورهم طبقاً واحداً .
وأجاب عن هذا من مَنَع تكليفَ مالايُطاق : بأن هذا الدعاء دُعَاءُ تبكيت وتعجيز ، لا
دعاء تكليف، كما قال لهم: ﴿ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾ (١) و﴿ قُلْ كُونُوا حِجَارَةٌ أَوْ
حَدِيدًا﴾ (٢) وقد شبّه على قومٍ من منتحلى الحديث والسُنَّةِ بظاهر هذا الحديث، وهو قول
السَّالميّة ، على أن المنافقين وبقايا من أهل الكتاب يرون اللّه مع المؤمنين لذكرهم فى هذه
الجملة بقوله: ((وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها فيأتيهم اللّه)) وفى الحديث الآخر: (( حتى إذا
لم يبق إلا من كان يعبدُ اللّه من بَرٍّ وفاجر وغير أهل الكتاب)) كذا للسمرقندى ولغيره :
((غابر)) (٣) أى بقايا، ولا جلاءَ فيما قالوه ، وهذا الظاهر يصرفُهُ ما هو أجلى منه ما
أجمع أهل السنة عليه - قبل مقالة هذا القائل - وعلى حَمْلِهِ على ظاهره من حَجْب الكفار
عن الرؤية للّه وقوله: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَِّّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾ (٤) ثُمَّ يَرُدُ عليه ماوقعُ مُفَسَّراً
فى هذا الحديث ، وأن رؤيتهم لربهم إنما كانت بعد رفع المؤمنين رؤوسهم من السجود الذى
مُنعه غيرُهم ، وحينئذ يقول لهم: (( أنا ربكم ، فيقولون : أنت ربنا )) فهو فى / هذه
الرواية بَيِّنٌ وخاصٌ بمن كان يسجُدُ للّه من تلقاء نفسه، كما قال فى الحديث، ولِصحَّةٍ
إيمانهِ دون غيرهم ، ولذكره تساقط اليهود والنصارى فى النار قبل هذا .
وقوله: (( ثم يُضرَبُ الصِراطُ على ظهرانى جهنّم)) ويُروى: ((ظهْرَى جهنم)) وهما
لُغتان ، قاله الأصمعى ، وقال الخليل : هو بين ظهْرَى القومِ وظَهْرانَيْهم ، أى بينهم .
وفيه صحة أمر الصراط والإيمان به ، والسلفُ مجمِعُونَ على حمله على ظاهره دون
تأويل ، والله أعلم بحقيقة صفته ، وهو الجِسْر ، كما جاء فى الحديث الآخر، ويُقالُ
(١) الحديد : ١٣.
(٣) فى ت : غَبَّر .
(٢) الإسراء : ٥٠.
(٤) المطففين: ١٥. وقد قال الإمام الشافعى: هذه الآية دليل على أن المؤمنين يرونه عز وجل يومئذ. قال
الحافظ ابن كثير : وهو قول فى غاية الحسن ، وهو استدلال بمفهوم هذه الآية ، كما دلَّ عليه منطوق قوله:
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَة. إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةَ﴾ القيامة: ٢٣،٢٢. قال: وقد قال ابن جرير الرازى عن الحسن فى
قوله : ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لْمَحْجُوبُون﴾ قال : يكشف الحجاب ، فينظر إليه المؤمنون والكافرون ثم
يحجب عنه الكافرون وينظر إليه المؤمنون كل يوم غدوة وعشية. تفسير القرآن العظيم ٣٧٣/٨.
٤٧/ ب

٥٥١
كتاب الإيمان / باب معرفة طريق الرؤية
مُسَلَّمٌ ، وَمَخْدُوشٌ مُرْسَلٌ ، وَمَكْدُوسٌ فِى نَارِ جَهَنَّمَ، حَتَّى إِذَا خَلَصَ الْمُؤْمِنُونَ مَنَ النَّارِ ،
فَوَالَّذِى، نَفْسِى بِيَدِهِ ، مَامِنْكُمْ مِنْ أَحَدِ بِأَشَدَّ مُنَاشَدَةً لله، فِى اسْتِقْصَاء الْحَقِّ ، مَنَ
الْمُؤْمِنِينَ للهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ فِى النَّارِ، يَقُولُونَ: رَبَّنَا، كَانُوا يَصُومُون مَعَنَا
وَيُصَلُّونَ وَيَحُجُّونَ . فَيُقَالُ لَهُمْ: أَخْرِجُوا مَنَ عَرَفْتُمْ ، فَتُحَرَّمُ صُوَرُهُمْ عَلَى النَّارِ،
فَيُخْرِجُونَ خَلْقاً كَثِيراً قَدْ أَخَذَتِ النَّارُ إِلَى نِصْفٍ سَاقَيْهِ وَإِلَى رُكْبَتَيْهِ. ثُمَّ يَقُولُونَ : رَبْنَا،
بكسر الجيم وفتحها ، ويجوز أن يُجدعَهُ اللّه حينئذ، ويجوز أن يكون اللّه قد خلقه قبل هذا
حين خلق جهنم ، قال بعضهم: فيكون قوله على هذا (( يضرب)) أى يؤذن بالمرور عليه
كما يقال : ضرب الأميرُ البعثَ ، وضُربت عليهم الجزية ، أى جعلت . وقوله : فى
صفته: ((دَحْضٌ مَزَلَّةٌ)): أى زَلِقٌ تَزِل فيه الأقدام ، والكلاليبُ والخطاطيفُ جمع كُلُوب
وكُلابٍ وخُطَّاف، وقوله: ((فأكون أنا وأمتى أوَّلَ من يُجيزُ)): أى يمضى عليه ويقطعهُ،
يُقال : أجزتُ الوادى وجُزْتُه لغتان صحيحتان ، وحكى عن الأصمعى الفرقُ بينهما / قال:
أجزتهُ قطعتهُ ، وجُزْتُه مشيت فيه
ت٩٦/أ
وقوله : ((ولا يتكلَّمُ يومئذ إلا الرسُلُ)): يعنى فى حين الإجازة ، وإلا ففى يوم
القيامة تجادلُ كلُّ نفسٍ عن نفسها .
وقوله : ((فمنهم المُوبَق)): [ يعنى] (١) بعمله، كذا للعذرى بالباء الواحدة ،
وللطبرى الموثق بالثاء مثلثة ، وللسمرقندى : المؤمن بقى بعمله ، وأصحُها الوجه الأول
ومعناه المُهلك الذى أهلكه عملهُ السىء .
وقوله: ((ومنهم المُخَردَلُ)) بالخاء المعجمة لأبى سعيد ، وللعُذرى وغيره الُجازى ،
وقد رواه بعضُهم (٢) فى البخارى: الْمُجَرْدَل ـ بالجيم - فبالخاء معناه: المُقَطَّعُ ، يعنى
بالكلاليب ، يقال: خردَلْتُ اللحم ، أى قطعته [وفصلته ] (٣) ، وقيل: خردَلتُ،
بمعنى صَرَعْتُ ، والمخردلُ : المصروعُ (٤) ، والخردَلة : قطعة من اللحم ، ويُقال بالذال
المعجمة أيضاً ، حكاه يعقوب (٥) ، وقيل : الجردلةُ بالجيم الإشرافُ على الهلاك والسقوط.
وقوله فى الحديث الآخر: ((ومكدوس [ فى النار ] (٦) بالسين المهملة لأكثر الرواة
(١) ساقطة من ت .
(٢) هو الأصيلى، وأبو أحمد الجرجانى فى رواية شعيب . وقد زعم الحافظ ابن حجر فى الفتح أن عياضاً
وهاما ، والأمر كما ترى. انظر : الفتح ١١/ ٤٦٢ .
(٣) من ق .
(٤) ورجحه ابن التين فيما نقله ابن حجر عنه، وقال: هو أنسب لسياق الخبر السابق.
(٥) لعله ابن السِّكِّيت شيخ العربية ، أبو يوسف البغدادى النحوى، صاحب كتاب إصلاح المنطق. روى عن
الأصمعى، وأبى عبيدة، والفراء. مات سنة أربع وأربعين ومائتين. طبقات النحويين: ٢٠٢، سير ١٦/١٢.
(٦) سقط من الأصل .

٥٥٢
كتاب الإيمان / باب معرفة طريق الرؤية
مَابَقِىَ فِيهَا أَحَدٌ مِمَّنْ أَمَرْتَنَا بِهِ . فَيَقُولُ: ارْجِعُوا ، فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِى قَلْبِهِ مِثْقَالَ دِينَارِ مِنْ
خَيْرَ فَأَخْرِجُوهُ. فَيُخْرِجُونَ خَلْقَا كَثِيرًا، ثُمَّيَقُولُونَ: رَبَّا ، لَمْ نَذَرْ فِهَا أَحَدًّا مَمَّنْ أَمَرْتَنَا .
ثُمَّ يَقُولُ: ارْجِعُوا، فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِى قَلْبِهِ مِثْقَالَ نِصْفِ دِينَارِ مِنْ خَيْرٍ فَأَخْرِ جُوهُ ،
فَيُخْرِجُونَ خَلْقَا كَثِيرًا. ثُمَّ يَقُولُونَ : رَبَّنَا ، لَمْ نَذَرْ فِيهَا أَحَدًا مِمَّنْ أَمَرْتَنَا. ثُمَّ يَقُولُ:
ارْجِعُوا، فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِى قَلْبِهِ مِثْقَالَ نِصْفٍ دِينَارِ مِنْ خَيْرٍ فَأَخْرِ جُوهُ ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا
كَثِيرًا، ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا ، لَمْ نَذَرْ فِيهَا مِمَّنْ أَمَرْتَنَا أَحَدًا. ثُمَّ يَقُولُ: ارْجعُوا، فَمَنْ
وَجَدْتُمْ فِى قَلْبِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةً مِنْ خَيْرِ فَأَخْرِ جُوهُ ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا. ثُمَّ يَقُولُونَ : رَبَّنَا ،
لَمْ نَذَرْ فِيهَا خَيْرًا » .
وَكَانَ أُبُو سَعِيدِ الْخُدْرِىُّ يَقُولُ: إِنْ لَمْ تُصَدِّقُونِى بِهذَا الْحَديثِ فَاقْرِؤُوا إِنْ شِئْتُم
﴿ إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَ وَيَّوْتٍ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًاً عَظِيمًا ﴾ (١)
((فَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ : شَفَعَتِ الْمَلائِكَةُ وَشَفَعَ النَُّّونَ وَشَفَعَ الْمُؤْمِنُونَ ، وَلَمْ يَبْقَ إِلا
أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، فَقْبِضُ فَّضَةً مَنَ النَّارِ فَيُخْرِجُ مِنْهَا قَوْمًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُ ، قَدْ عَادُوا
حُمَمَا ، فَيُلْقِيهِمْ فِى نَهَر فِى أَفْواه الْجَنّة يُقَالُ لَهُ نَهَرُ الْحَيَاةِ ، فَيَخْرُجُونَ كَمَا تَخْرُجُ الْحِبَّةُ
فِى حَمِيلِ السَّلِ، أَلا تُرَوْتَهَا تَكُونُ إِلَى الْحَجَرِ أَوْ إِلَى الشَّجَرِ، مَا يَكُونُ إِلَى الشَّمْسِ
أُصَيِّفِرُ وَأُخَيْضِرُ، وَمَايَكُونُ مِنْهَا إِلَى الظَّلِّ يَكُونُ أَبْيَضَ؟)) فَقَالُوا: يَارَسُولَ الله، كَأَنَّكَ
كُنْتَ تَرْعَى بِالْبَادِيَةِ. قَالَ: فَيَخْرُجُونَ كَالُّؤْلُؤٍ فِى رِقَابِهِمُ الْخَوَتِمُ، يَعْرِفُهُمْ أَهْلَّ الْجَنَّةِ،
هَؤُلاءِ عُتَقَاءُ اللهِ الَّذِينَ أَدْخَلَهُمُ اللهُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ عَمَلٍ عَمِلُوهُ وَلَا خَيْرٍ قَدَّمُوهُ. ثُمَّ يَقُولُ:
وبالمعجمة للعُذْرى، ومعنى الكدْش [ بالشين ](٢) المعجمة (٣): السَّوْقُ، وبالمهملة كونُ
الأشياء بعضُها على بعضِ ، تكدَّست الدوابُ فى سيرِها، إذا ركِبَ بعضُها بعضاً ،وفى
الحديث الآخر بعد هذا : ((ومكردسٌ [ فى النار ](٤))) ويحتمل أن يكون معناه المكسور
الظهر والفقار ، والكُرْدوسُ قفارُ الظهر ، وقد يكون مُكَرْدَسٌ بمعنى مكدوسٍ ، كَرْدَسَ الرَجُلُ
خيله ، إذا جمعها كراديسَ ، أى قطعاً كباراً .
(١) النساء : ٤٠.
(٣) زيد قبلها فى ق : فتصير .
(٢) ساقطة من ق.
(٤) سقط من الأصل .

٥٥٣
كتاب الإيمان / باب معرفة طريق الرؤية
ادْخُلُوا الْجَنَّةَ فَمَا رَأَيْتُمُوهُ فَهُوَ لَكُمْ . فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا، أَعطَيْتَنَا مَالَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمينَ.
فَيَقُولُ: لَكُمْ عِنْدِى أَفْضَلُ مِنْ هذَا. فَيَقُولُونَ: يَارَبَّنَا، أَىُّ شَىءٍ أَفْضَلُ مِنْ هَذَا؟ فَيَقُولُ:
رِضَاىَ ، فَلا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا » .
قَالَ مُسْلِمٌ : قَرَأْتُ عَلَى عِيسَى بْنِ حَمّادِ زُغْبَةَ الْمِصْرِىِّ هَذَا الْحَدِيثَ فى الشَّفَاعَة
وَقُلْتُ لَهُ : أُحَدِّثُ بِهَذَا الْحَدِيثَ عَنّكَ؛ أَنَّكَ سَمِعْتَ مَنَ الَّيْثِ بْنِ سَعْدَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ .
قُلْتُ لِعِيسَى بْنِ حَمَّدٍ: أَخْبَكُمُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدَ عَنْ خَالِ بْنِ يَزِيدَ، عَّنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى
هلال، عَنْ زَيِّدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَار، عَنْ أَبِى سَعيد الْخُدْرِىِّ؛ أَنَّهُ قَالَ: قُلْنَا:
يَاَرَسُولَ اللهِ، أَنَّرَىَ رَبَّنَا؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ عَ: ((هَلَ تُضَارُّونَ فِى رُؤْيَةِ الشَّمْسِ إِذَا كَانَ
يَوْمٌ صَحْوٌ؟)) قلْنَا: لا. وَسُقْتُ الْحَدِيثَ حَتَّى آخِرُهُ وَهُوَ نَحْوُ حَدِيثِ خَّقْصِ بْنٍ
مَيْسَرَةَ. وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ: بِغَيْرِ عَمَلٍ عَمِلُوَهُ وَلَا قَدَمٍ قَدَُّوهُ: ((فَيُقَالُ لَهَّمْ لَكُمْ مَارَأَيْتِمَّ
ووررمُ
وَمَثْلُهُ مَعَهُ )) .
قَالَ أَبُو سَعيد: بَلَغنى أَنَّ الْجِسْرَ أَدَقُّ مِنَ الشَّعَرَةِ وَأَحَدُّ مِنَ السَّف .
وَلَيْسَ فِى حَدِيثِ اللَّيْثِ: ((فَيَقُولُونَ رَبَّنَا أَعْطَيْتَنَا مَالَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ
٥,٠٠٠٠
وَمَابَعْدَهُ )).
فَأَقَرَّ بِهِ عيسَى بْنُ حَمَّاد .
٣٠٣ - ( ... ) وحدّثناه أُبُو حْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَون، حَدَّثَنَا هشَامُ بْنُ
سَعْد، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنِ أَسْلَمَ ، بِإِسْنَادِهِمَا، نَحْوَ حَدِيثِ حَفْصِ بْنِ مَيْسَرَةَ إِلَى آخرِهِ . وَقَدْ
زَادَ وَنَقَصَ شَيْئًا .
وفى هذه الجملة تفصيل صور الناجين فى السرعة والسلامة ، ثم من يُصيبهُ الخُدسُ
وتسفعه النار ، ثم الموبق فيها ، والمكردَسُ المُلقى فى قعرها ، نعوذ بالله منها .

٥٥٤
كتاب الإيمان / باب إثبات الشفاعة وإخراج الموحدين من النار
(٨٢) باب إثبات الشفاعة وإخراج الموحدين من النار
٣٠٤ - (١٨٤) وحدثنى هَرُونُ بْنُ سَعيد الأَيْلِىُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْب ؛ قَال: أَخْبَرَنِى
مَالكُ بْنُ أَنَسِ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْتَى بْنِ عُمَارَةَ؛ قَال:َ حَدَّثَنِى أَبِى عِنْ أَبِىّ سَعِيدِ الْخُدْرِىِّ؛
أَنَّ رَسُولَ اللهَِّّهُ قَالَ: (( يُدْخِلُ الله أَهْلَ الجَنَّةَ الجَنَّةَ، يُدَخْلُ مَنْ يَشَاءُ بَرَحْمَتَهُ ، وَيُدَخْلُ
أَهْلَ النَّارِ النَّارَ، ثُمَّ يَقُولُ: انْظُرُوا مَنْ وَجَدْتُمْ فِى قَلبِهِ مِثْقَالَ حَبَّةً مِنْ خَرْدَلَ مِنْ إِيمَان
فَأَخْرِجُوه، فَيَخْرُجُونَ مِنْهَا حُمْمَا قَدِ امْتَحَشُوا فَيُلِقَوْنَ فِى نَهَرِ الحَيَاةَ أَو الحَيَا، فَيَنْبُونَ فِيهُ
كَمَا تَنْبُتُ الحبَّةُ إِلى جَانِبِ السَّيْلِ، أَلَمْ تَرَوْهَا كَيِّفَ تَخْرُجُ صَفْرَاءَ مُلَتَوِيَةً )).
٣٠٥ - ( ... ) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةً. حَدَّثَنَا عَفََّنُ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ. ح وَحَدَّثَنَا
حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بَنُ عَوَّن. أَخْبَرَنَا خَالدٌ، كلاهُمَا عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْبَى،
بِهَذَا الإِسْنَادِ ، وَقَالًا: «فَيُلِقَوْنَ فِى نَهَر يُقَال لَهُ الحَيَاةُ )) وَلَمَّ يَشُكَّا. وَفِى حَديث خَالد :
(َكَمَا تَبُتُ الغُنَاءَةُ (١) فِى جَانِبِ السَّيْلِ) وَفِى حَدِيثِ وُهَيْبٍ: ((كَمَا تَنْبُتُ الحِبَّةُ فِى
وقوله : (( فيخرجون من النار قد امتحشوا)» كذا ضبطناه بفتح التاء [والحاء ](٢) عن
متقنى شيوخنا ، وهو وجه الكلام ، وكذا ذكره الهروى والخطابى (٣) قالا فى معناه : أى
احترقوا ، والمحش: لهيب من النار يحرقُ الجلد ويبدى العظم . قال غيرهُ: امتحش الخُبزُ :
احترق. قال أبو على والقتبى : محَشتْه النارُ ، أى أحرقته ، وقال غيرهم : المعروف
أَمحَشَتْهُ، وقال صاحب العين : محَشَتْهُ لغة ، والمعروف أمحَشَتْه ، وقد رواه لنا بعضُ
شيوخنا: امتُحِشُوا.
قال الإمام : الحُمَمُ الفحمُ ، واحدتُها حُمَمَةٌ ، قال طرفة :
أم رمادٌ دارسُ حُمَمهُ
أشجَاكَ الرَّبِعُ أمْ قِدَمَه
وقوله : (( كما تنبت الحِبَّةُ فى حميل السيل)) بكسر الحاء .
قال الإمام : قال الهروى : قال ابن شُميل: الحِبَّةُ، بكسر الحاء ، اسمٌ جامِعٌ لحبوبٍ
البقول التى تنتثرُ إذا هاجت الريح، ثم إذا مُطِرت منَ قابلِ نبتتْ (٤) وقال أبو عُمَرَ : الحِبَّةُ
(١) رواية السمرقندى كما ذكر القاضى.
(٢) من ق.
(٣) الهروى ٧٣/١ .
(٤) عبارة الهروى: ((وأما الحبَّةُ فكل نبت له حِبُّ، فاسم الحب منه الحبَّة، وقال الفراء: الحبةُ بذور البقل، وقال أبو
عمرو: الحبَّةُ نبت ينبت فى الحشيش صغارًا، وقال الكسائى: الحِبَّةُ حبُّ الرياحين، وواحدة الحبِّ حبَّة. والذى
دار عليه المعنى من الحِبَّة أنه كل شىء يصير من الحَبِّ فى الأرض فينبت مما يبذر)). غريب الحديث ١/ ٧٢.

٥٥٥
كتاب الإيمان / باب إثبات الشفاعة وإخراج الموحدين من النار .
حَمِثَةٍ(١) أَوْ حَمِيلةِ السَّيْلِ » .
٣٠٦- (١٨٥) وَحَدَّثَنِى نَصْرُ بْنُ عَلِىِّ الْجَهْضَمِىُّ. حَدَّثْنَا بِشْرٌ - يَعْنِى ابْنُ المُفَضَّلِ -
عَنْ أَبِى مَسْلَمَةَ، عَنْ أَبِى نَضْرَةَ، عَنْ أَبِى سَعيدٍ، قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِعَّهُ: (( أَمَّا أَهْلُ
النَّارِ الذينَ هُمْ أَهْلُهَا ، فَإِنَّهُمْ لا يَمُوتُونَ فِيهَا وَلا يَحْيَوْنَ ، وَلَكِنْ نَاسٌ أَصَابَتْهُمُ النَّارُ
بِذُنُوبِهِمْ - أَوْ قَالِ بِخَطَايَاهُمْ - فَأَمَاتَهُمْ إِمَانَةً، حَتَّى إِذَا كَانُوا فَحَمًا، أُذْنَ بِالشَّفَاعَةِ ، فَجِىءَ
بِهِمْ ضَبَائِرَ ضَبَائِرٍ ، فَبُوا عَلَى أَنْهَارِ الْجَنَّةِ، ثُمَّ قِيلَ: يَا أَهْلِ الجَنَّةِ أَفِيضُوا عَلَيْهِمْ . فَيَنْتُونَ
نَبَّاتَ الحِِّ تَكُونُ فِى حَمِيِلِ السَّلِ)». فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: كَأَنَّ رَسُولُ اللهِعَِّ قَدْ كَانَ
بَالبَادِيَةِ.
٣٠٧ - ( ... ) وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْنَتَّى وَابْنُ بَشَّار؛ قَالا: حَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَر ،
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ أَبِى مَسْلِمَةَ ؛ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا نَضْرَةً عَنْ أَبِى سَعِيدِ الْخُذْرِىِّ، عَنِ النَّبِىِّ
◌َّهُ بِمِثْلِهِ، إِلى قَوْلِهِ: ((فِى حَمِيلِ السَّلِ) وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ .
نبْتٌ ينبتُ فى الحشيش صغارا ، قال غيره: قال ابن دُريد فى الجمهرة : كل [ما كان](٢)
من نزر العُشْبِ فهو حِبَّةٌ/ والجمع حِبَبٌ.
ت٩٦/ ب
قال القاضى : وقال الكسائى : هو حَبُّ الرياحين ، الواحدة حبَّةَ ، فأما الحنطةُ فهو
الحبُّ لا غير. وقال ابن شُميل: والحُبَةُ، بضم الحاء وتخفيف الباء ، القضيبُ من الكرم
يغرس والحبةُ من العنب، وحَبُّ الحَبَّة يُسمى حُبة بالتخفيف. وقال الأصمعى : ما كان من
النبت له حب فاسم ذلك الحب حِبَّةٌ وأما الحنطة فالحَبُّ لا غير.
وقوله: (( فى حميل السَّيْل )) ، قال الإمام : قال أبو سعيد الضريرُ : حمِيلُ السيل ما
جاء به من طين أو غثاء ، فإذا اتفق فيه الحِبَّةُ واستقرت على شط مجرى السَّيْل فإنها تنبت
فى يوم وليلة، وهى أسْرَعُ نابتة نباتاً، وإِنما أخبر ◌َّهُ عن سُرْعةِ نباتِهم .
قال القاضى: وجاء فى الحديث الآخر بعد هذا : (( كما تنبت الغُثَةُ فى جانب السيْل »
وهو بمعنى الحبة، وفى رواية السمرقندى: ((القثاءة)) وهى تصحيف ، وفى رواية وُهيب :
((فى حَمَأَة السَّيْل)) وهذه رواية الشاشى، ورواهُ العُذرىُّ هنا وغيرُهُ: حِمئة ، وكله من
الحمأة ، وهو ما تغيَّر لونه من الطين ، وهو معنى ما تقدم .
(١) رواية العذرى، ورواية وهيب : حمأة ، كما بين القاضى.
(٢) سقط من ق.

٥٥٦
كتاب الإيمان / باب آخر أهل النار خروجا
(٨٣) باب آخر أهل النار خروجا
٣٠٨ _ (١٨٦) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَ إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الحَنْظَلِىُّ؛ كلاهُمَا
عَنْ جَرِير ؛ قَال عُثْمَانُ : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُور، عَنْ إِيْرَاهِيمَ، عَنْ عُبِيدَةَ، عَنْ عَبْد الله
ابْنِ مَسْعُود؛ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ عَةَ: ((إِّى لَأَعْلِمُ آخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْهَا، وَأَخِرَ
أَهْلِ الجَنَّةَ دُخُولاً الجنَّةَ. رَجُلٌ يَخْرُجُ منَ النَّارِ حَبْوًا، فَيَقُول الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى لهُ: اذْهَبْ
فَادْخُلٌ الْجَنَّةَ، فَيَأَنْيِهَا فَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهَا مَلَأَى فَيَرْجِعُ فَيَقُول: يَارَبِّ، وَجَدْتُهَا مَلأَى. فَيَقُولُ
الله تَبَارَكَ وَتَعَالى لهُ: اذْهَبْ فَادْخُلُ الجَنَّةَ)). قَالَ: ((فَيَأْتِيهَا فَيُخَيَّلُ إِليْهِ أَنَّهَا مَلَى ، فَيَرْجِعُ
فَيَقُول: يَارَبِّ ، وَجَدْتُهَا مَلأَى، فَيَقُولُ الله لهُ: اذْهَبْ فَادْخُلُ الجَنَّةَ، فَإِنَّ لكَ مِثْلَ الدُّنْيَا
وَعَشَرَةَ أَمْثَالِهَا، أَوْ إِنَّلَكَ عَشَرَةَ أَمْثَالِ الدُّنْيَا)). قَال: ((فَيَقُولُ: أَتَسْخَرُ بِى - أَوْ أَنَضْحَكُ
بِى - وَأَنْتَ الَلِكُ؟ )). قَال: لقَدْ رَأَيْتُ رَسُولِ اللهِلَّهِ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ.
قَالَ : فَكَانَ يُقَالُ: ذَاكَ أَدْنَى أَهْلِ الجَنَّةِ مَنْزِلةً.
وقوله : ((آخر أهل الجنة دُخُولا وآخر أهل النار خروجاً رجلٌ يخرُج منها زحفاً ))
وجاء مثله: ((فى آخر من يجُوز على الصراط))، قال القاضى: فيحتمل أنهما اثنان ، إما
شخصان أو نوعان وجنسان ، وعُبِّرَ بالواحد فيه عن الجماعة ، وقد يحتمل أن المراد بآخر
١/٤٨ أهل النار خروجاً يعنى من الورود والجواز على الصراط ، لا فيمن أوبق ودخلها / فيكون
بمعنى واحد [ إما فى شخصٍ واحدٍ ] (١) أو جماعة ، كما قلناه ، والله أعلم .
وقوله : ((قشبنى ريحُها))(٢)، قال الإمام: قال الهروىُ: كُلُّ مشموم قشيب
ومُقَشَّب، وقال الليث : القَشْبُ اسمُ الشم، وقال عُمَرُ - رضى الله عنه - لبعض بنيه :
قشبك المالُ ؟ أى ذهب بعقلك ، والقشبُ : خلطُ السُمِّ بالطعام ، وروى عن عمر أنه
وجَدَ من معاويَةَ ريحًا طيبةً وهو مُحرٌ ، فقال : من قشبنا ؟(٣) أراد أن ريحَ الطيب على
هذه الحال قشَبُ ، كما أن ريح النتن قشَبُ ، يقال : ما أقشَب بيتهُم ؟! أى ما أقذره.
قال القاضى : قال الخطابي : يقال : قشَبَهُ الدُخان إذا ملأ خياشيمه وأخذ يكظمهُ ،
وهذا بين فى معنى حديث النبى ◌ّه وحديث عمر مما قاله الهروى ، ووقع فى روايتى فى
(١) سقط من ق.
(٢) رواية أبى هريرة من حديث عطاء بن يزيد الليثى.
(٣) غريب الحديث للخطابى ١٠٨/٢ .

٥٥٧
كتاب الإيمان / باب آخر أهل النار خروجا
٣٠٩ - ( ... ) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِبْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْب - وَاللفْظُ لأَبِى كُرَيْب - قَالا:
حَدَّثَنَا أُبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عُبَيَدَةَ، عَنْ عَبْد الله؛ قَال : قَالَ رَسُول
الله عَُّ: ((إِنِّى لَأَعْرِفُ آخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوُجًا مِنَ النَّارِ، رَجُلٌ يَخْرُجُ مِنْهَا زَحْفًا. فَيُقَال
لُهُ: انْطَلَقْ فَادْخُلُ الجَنَّةَ. قَالَ: فَيَذْهَبُ فَيَدْخُلُ الجَنَّةَ، فَيَجِدُ النَّاسَ قَدْ أَخَذُوا الْمَنَازِلَ.
فَيُقَال لَهُ: أَتَذْكُرُ الزَّمَانَ الذى كُنْتَ فِيهِ؟ فَيَقُول: نَعَمْ. فَيُقَال لَهُ: تَمَنَّ . فَيَتَمَّى. فَيُقَال
لهُ: لَكَ الذى تَمَنَّيْتَ وَعَشَرَةُ أَضْعَافِ الدُّنْيَا. قَالٍ فَيَقُولُ: أَتَسْخَرُ بِى وَأَنْتَ الَلِكُ؟ )).
قَالَ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولِ اللهِ عَِّ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِدُهُ.
كتاب الهروى فيما حكاه عن الليث : القَشْبُ : السُمُّ ، والذى رأيت فى كتاب الليث :
القشْبُ بكسر القاف ، وكذا ذكره غيرُهُ ، ووقع فى المُعْلِم بفتح القاف ، وقال أبو عبيد فى
تفسير حديث عمر [المتقدم](١): قَشَبَكَ المالُ، أىَ أهلك، مأخوذ من القَشْب وهو
السُمَّ، فعلى هذا يتفسَّر/ قشبنى بأهلكنى ، وقال الداودى (٢): قشبنى: غيَّر جلدى
وصورتى وسوَّدنى وأحزننى .
ت ٩٧ / أ
وقوله: (( وأحرقنى ذكاؤها)»: روايتنا فيه فى الأم بالمد والمشهور القصر ، وحكى أبو
حنيفة فيه المدُّ وخطأه على بن حمزة .
قال الإمام : أى تَلهُّبُها ، وقال ابن قتيبة فى تفسيره : اشتعالها ، قال ابن ولاد :
الذَّكا تلهبُ النار مقصور .
وقوله: (( لا وعزتك)) قال القاضى : فيه دليل على جواز الحلف بصفات الله وكذلك
فى الحديث الآخر بعده فى قوله: ((وعزتى وكبريائى))، وسؤاله بعد أن حلف وأعطى من
العهود والمواثيق ما أعطى. قال بعضهم : فيه دليلٌ على جواز حلِّ اليمين وفعل ما حلفَ
عليه، كما قال عَّ: ((إلا أتيت الذى هو خير))(٣)، ولكن دليل الحديث عندى غير
هذا، إذ ذكر أن الله عذره وبعد أن عتَبه على غدره إذ بانَ له عذرُه لعظيم ما رأى مما لا
صبر له عليه، كما قال فى الحديث - ولا فى قوته الثبات عنده.
وقوله : ((انفقَهتْ له الجنَّةُ))(٤)، قال الإمام : أى اتسعت وانفتحت.
وقوله: (( فيرى فيها من الخير والسرور))، قال القاضى : وروايتنا فيه من طريق
(٢) فى الأصل رسمت : الدواودى.
(١) ساقطة من ت.
(٣) معنى حديث سيرد إن شاء الله فى كتاب الإيمان عن أبى هريرة: «من حلف بيمين فرأى غيرها خيراً منها
فليكفر عن يمينه ، وليفعل الذى هو خير))، وأخرجه مالك فى الموطأ، ك النذور والأيمان، ب ما تجب فيه
الكفارة من الأيمان ٢/ ٤٧٨ .
(٤) حديث أبى هريرة من رواية عطاء.

٥٥٨
كتاب الإيمان / باب آخر أهل النار خروجا
٣١٠- (١٨٧) حَدَّثْنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ ، حَدَّثْنَا حَمَّادُ بْنُ
سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَس، عَنِ ابْنِ مَسْعُود؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِعَّهُ قَالَ:((آخرُ مَنْ يَدْخُلُ
الجَنَّ رَجُلٌ، فَهُوَ يَمْشِى مَرَّةً وَيَكْبُوَ مَرَّةً، وَتَسْفَّعُهُ النَّارُ مَرَّةً ، فَإِذَا مَا جَاوَزَهَا النَّفَتَ إِلَيْهَا ،
فَقَال: تَبَارَكَ الذى نَجَّانِى مِنْك، لقَدْ أَعْطَانِىَ الله شَيْئًا مَا أَعْطَاهُ أَحَدًا مِنَ الأَوَلِينَ والآخِرِينَ.
الغسَّانى ((الخبر)) بالباء بواحدة مفتوحة وهو بمعنى السرور (١).
وقوله: (( لا يزال يدعو حتى يضحك الله منه فإذا ضحك منه قال ادخل الجنة))،
قال الإمام : الضحك من الله - سبحانه - محمولٌ على إظهار الرضى والقبول ، إذ هو فى
البشر علامة على ذلك ، ويقال : ضحكت الأرض إذا ظهر نباتُها ، وفى بعض الحديث:
((فيبعث الله سحاباً فيضحك أحسن الضحك)» فجعل انجلاءه عن البرق ضحكاً على
الاستعارة، كأنه تعالى لما أظهر له رحمته استعير له اسم الضحك مجازاً .
قال القاضى : الضحك فى البشر أمْرٌ اختصوا به وحالة تغيّر أوجبها سرور القلب ،
فتنبسط له عُروق القلب ، فيجرى الدم فيها ، فيقبض إلى سائر عروق الجسد ، فيثور لذلك
حرارة يبسط لها الوجه ويضيق عنها الفم فينفتح ، وهو التبسم ، فإذا زاد السرور وتمادى
ولم يضبط الإنسان نفسه واستخفه سرورُه قهقه، والتغيَّرات وأوصافُ الحدث منفيَّةٌ عن الله
تعالى، وجاءت الآثار الصحيحة بإضافة الضحك إليه ، فحمل العلماء ذلك على الرضى
بفعْلِ عِبْده ومحبَّته للقائه وإظهار نعمه وفَضله عَليه وإيجابها له . وقد حملوهُ - أيضاً - على
التجلّى للعبد ، وكشف الحجابَ عَنَ بصره حتى يراه ، والضحك يُعَبّرُ به عن الظهور ،
ومنه :
ضحك المشیبُ برأسه فیکا
وقال فى صفة طعنه :
ت ٩٧ / ب
تضحك عن نجيع قائم
وفى الحديث الآخر : قول الله تعالى / للرجل: ((اذهب فادخل الجنة، فيُخيَّلُ إليه
أنها ملأى، فيقول الله له: اذهب فادخل الجنة))، فيقول: «أتسخرُ بى - أو أتضحك بى -
وأنت الملك))(٢)، قال الإمام: ويتعلق بهذا الحديث سؤالان ، فيُقال : ما معنى قوله:
(تسْخرُ بى أو أتضحك وأنت الملك)»، وهبكُم أنكم تأوَّلتم الضحك على ما ذكرتم من
الرضى وغيره وهذا غيرُ متأت هُنا ، والسؤال الثانى أن يُقال : كيف يُقال للبارى - سبحانه -
ابتداء أتسخرٍ منيٍ؟ وإنما جاز ذلك فى الشرع على طريقٍ المقابلة كقوله تعالى: ﴿فَيَسْخَرُونَ
مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ (٣) و﴿ مَسْتَهْزِئُونَ (٤). اللَّهَ يَستهزِئَّ بِهِم﴾. فالجواب عن السؤال الأول
(١) وهو قريب من لفظ البخارى: ((فرأى ما فيها من الحبرة والسرور))، ك التوحيد، ب وكان عرشه على الماء
١٥٨/٩.
(٢) رواية عبد الله بن مسعود من حديث عبيدة.
(٤) البقرة : ١٥،١٤. وجاءت فى الأصول: يستهزءون.
(٣) التوبة : ٧٩.

٥٥٩
كتاب الإيمان / باب آخر أهل النار خروجا
فَتُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ ، فَيَقُولُ: أَى رَبِّ أَدْنى مِنْ هَذه الشَّجَرَةَ فلأسْتَظِلُّ بظلِّهَا وَأَشْرَبَ مِنْ
مَائِهَا . فَيَقُولُ الله عَزَّ وَجَلَّ : يَا ابْنَ آدَمَ ، لَعَلِّى إِنْ أَعْطَيْتُكَهَا سَأَلَنِى غَيْرَهَا. فَيَقُولُ : لا ،
يَرَبُّ، وَيُعَاهِدُهُ أَلا يَسْأَلَهُ غَيْرَهَا، وَرَبُّهُ يَعْذِرُهُ، لأَنَّهُ يَرَى مَالا صَبْرَ لهُ عَلَيْهِ . فَيُدْنِيهِ مِنْهَا ،
فَيَسْتَظِلُّ بظلهًا وَيَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا، ثُمَّ تُرْفَعُ لهُ شَجَرَةٌ هِىَ أَحْسَنُ مِنَ الأُولى. فَيَقُولُ: أَىْ
رَبِّ، أَدْنِى مِنْ هَذِه لِأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا وَأَسْتَظِلُّ بظلها، لا أَسْألكَ غَيْرَهَا. فَيَقُولُ: يَا ابْنَ
آدَمَ ، أَلَمْ تُعَاهِدْنِى ألا تَسْأَلَنِى غَيْرَهَا؟ فَيَقُولُ: لَعَلَّى إِنْ أَدْنَيْتُكَ مِنْهَا تَسْأَلَنِى غَيَرَهَا ؟
أن يقال : من عادة المستهزئ من المخلوقين والسَّاخِر أن يضحك ، فيوضع ها هنا يضحك
موضع يستهزئ ويسخر لما كانت حالةُ الساخر. وأما الجواب عن السؤال الثانى : فإن هذا
هاهنا لم يقع إلا على جهة المقابلة ، وهى وإن لم تكن موجودةً فى اللفظ فهى موجودةٌ في
معنى الحديث ؛ لأنه ذكر فيه أنه عاهدَ الله مراراً ألا يسأله غير ما سألٍ ، ثم غٍدر فحل غدره
محل الاستهزاء والسخرية ، فقدَّر أن قولَ الله تعالى له: ((ادخل الجنَّةِ)) وتردَّده إليها وتخيله
أنها ملأى(١) ضرب من الإطماع له أو السخرية به ، جزاءً على ما تقدّم من غدره ، وعقوبة
له فسمّى الجزاء على السخرية سُخرية فقال: (( أتسخر منى ؟ )) : أى تُعاقبنى بالإطْماع.
قال القاضى : ذهب أبو بكر الصوفى أن قوله: ((أتهزأ منِّ أو تسخرُ منى )» نفى
للاستهزاء والسخرية التى لا تجوز على الله، قال: كأنَّه قال: أعلم أنك لا تهزأ منى
لأنك رب العالمين ، وما أعطيتنى من جزيل العطاء وأضعاف مثل الدنيا حق ، لكن العَجبَ
أن فعلت لى هذا وأنا غير / مستأهل له ، قال: فالألف فى أتستهزئ وتسْخَر ألف نفى
على هذا التأويل، كما قال تعالى: ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾(٢) معناه : لا تهلكنا
بفعلهم ، وهذا كلامُ مُنبسط مُتدلل قد علم مكانه من ربِّه وبَسْطَهُ له بأن جعل يسأل ويتمنى ،
وهو يُعطيه ويَعرض عليه ما أعَدَّ له ويُشهيه ويُحبُّ أن يلحف فى سؤاله ليُعلى منزلتُه ويدنيه
ويُردِّده بالبسط والقبض ، تدلل الابن الحبيب على أبيه ، ثم يجعله يتمنى حتى تنقطع
أمانيه ، فسبحانه ما أعظم بِرَّه، وأوسع خيرَه، وأكثر لطفَه بعبده المؤمن وتَحفِّيهِ [به](٣).
٤٨ ٫ب
قال القاضى : وقد يكون قول هذا الرجل ، لما قال ، من هذا اللفظ الشنيع (٤) وهو
غير ضابط لما قاله وبما وله عقله من السرور ، وبلوغ ما لم يخطر بباله ، إذ كان أولاً عاهد
الله ألاَّ يسأل غير ما رغب فيه، ثم أعطى من غير مسألة ما لم يتوهمه / فيكون قوله هذا
لما قاله وهو لا يضبط لسانه دهشاً وسروراً فرحًا و[هو](٥) لا يعتقده(٦) قلبه فى حق بارئه ،
ظن أنه على عادته يخاطب غيره كما أخبر ◌َّه عن الآخر فى الحديث الصحيح: (( أنه لم
(١) فى الأصل : ملا.
(٣) ساقطة من الأصل.
(٢) الأعراف : ١٥٥.
(٤) فى الأصل : البشيع.
(٥) ساقطة من ت.
(٦) وردت فى ق بغير الضمير.

٥٦٠ -
كتاب الإيمان / باب آخر أهل النار خروجا
فَيُعَاهِدُهُ أَلا يَسْأَلُهُ غَيْرَهَا، وَرَبُّهُ يَعْذِرُهُ، لأَنَّهُ يَرَى مَالا صَبْرَ لَهُ عَلَيْهِ . فَيُدْنِيهِ مِنْهَا ، فَيَسْتَظِلُّ
بِظلهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا، ثُمَّ تُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ عِنْدَ بَابِ الجَنَّةِ هِىَّ أَحْسَنُّ مِّنَ الأوليَيْنِ،
فَيَقُولُ: أَىْ رَبِّ، أَدْنِى مِنْ هَذهَ لأَسْتَظِلَّ بِظلهَا وَ أَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا، لا أَسْأَلِكَ غَيْرَهَا .
فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ ، أَلَمْ تُعَاهِدْنِى أَلا تَسْأَلَنِى غَيْرَهَا؟ قَالَ: بَلَى، يَارَبِّ، هَذه لا أَسْأَلِكَ
يضبط نفسه من الفرح، فقال: ((أنت عبدى وأنا ربك))(١).
وقوله : فى الحديث الآخر: ((عطشنا)) (٢)، وقوله لهم: ((هل تردون))(٣) وذكر
تساقطهم فى النار ، هذا من مكر الله بالكافرين.
وقوله: فى جهنم: (( يُحطم بعضها بعضا )) ، قال القاضى : يحطم : أى يأكُل ،
والحُطَمة اسم النار ؛ لأنها تأكل ما ألقى فيها ، والحُطَمُ الذى يأكلُ ولا يشبع .
قال الإمام : قال الهروى : سُميت الحُطمة لأنها تحطم كل شىء أى تكسِرِهُ وتأتى عليه .
وقال القاضى: والصَحْوُ صفاء الجَوّ من الغيم والسحاب، وهو بمعنى قوله: (( ليس
دونها سحاب ».
وقوله : (( فما منكم من أحَدٍ بأشدَّ مُناشدةً لله فى استقصاء الحق من المؤمنين لله يوم
القيامة لإخوانهم الذين فى النار)) : كذا هى الرواية ، وكذا فى جميع النسخ ، وفيه تغييرٌ
ووَهْم ، وصوابُه ما وقع فى كتاب البخارى عن ابن بُكير: (( بأشد مناشدة لى فى استقصاء
الحق)) (٤) يعنى فى الدنيا من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم وبه يَتَمُّ الكلام ويتوجَّه.
-.
وذكر فى هذه الأحاديث فى المعذبين من المؤمنين: (( أن النار لا تأكل أثر السجود ))
وفى الحديث الآخر: (( تُحرَّم صُوَرُهم على النار)) : دليل على أن عذاب المؤمنين المذنبين
بالنار خلاف عذاب الكافرين، وأنها لا تأتى على جميعهم، ألا تراه كيفَ قال: (( امتحشوا»
وذكر أنها لا تأكُل منهم ما ذكر ، إما إكراماً لمواضع السجود ولعظم(٥) مكانه من الإيمان
والخضوع إلى غايته لله تعالى ، أو لكرامة تلك الصورة التى خلق آدم والبشر عليها وفضَّلهم
بها من [بين] (٦) سائر خلقه، وخصَّ أهل الإيمان بهذه الفضيلة ، وذكره الصُورَ ودارات
الوجوه فى الأحاديث الأُخَر يدلُّ بأن المرادَ بأثر السجود فى الوجه خلاف ما ذهب إليه
(١) سيرد إن شاء الله فى ك التوبة، ب الحض على التوبة والفرح بها عن أنس بن مالك: «لله أشدّ فرحاً
بتوبة عبده ... )) الحديث.
(٢) حديث أبى سعيد من رواية عطاء بن يسار.
(٣) فى ت : تدرون.
(٤) البخارى، ك التوحيد، ب وكان عرشه على الماء ١٥٩/٩، لكن لفظه هناك: ((فما أنتم بأشدَّ لى مُناشدةً
فى الحق)».
(٥) فى الأصل : ولعظيم.
(٦) ساقطة من ت .