Indexed OCR Text
Pages 521-540
٥٢١ كتاب الإيمان / باب ذكر المسيح ابن مريم والمسيح الدجال رَجُلاً جَعْداً قَطَطاً، أَعْوَرَ عَيْنِ الْيُمْنَى، كَأَشْبَهِ مَنْ رَأَيْتُ مِنَ النَّاسِ بَابْنِ قَطَن ، وَضعًا يَدَيِّهِ عَلَى مَنْكِبَىْ رَجُلَيْنِ، يَطُوفُ بِالبَيْتِ ، فَقُلْتُ : مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا الْمَسِحُ الدَّجَالُ)). ٢٧٥ - ( .. ) حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثْنَا أَبِى، حَدَّثْنَا حَتّظَلَةُ عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ؛ أَنَّ رَسُولُ اللهِ عَّ قَال: ((رَأَيْتُ عنْدَ الْكَعْبَةِ رَجُلاً آدَمَ، سَبِطَ الرَّأْسِ، وَاضعاً يَدَيْهِ عَلَى رَجُلَيْنِ، يَسْكُبُ رأسُهُ - أَوْ يَقْطُرُ رَأْسُهُ - فَسَأَلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، أَوِ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ - لَنَدْرِى. أَىَّ ذَلِكَ قَالَ - وَرَأَيْتُ وَرَاءُهُ رَجُلاً أَحْمَرَ ، جَعْدَ الرَّاسِ، أَعْوَرَ الْعَيْنِ الْيُمْنَى، أَشْبُهُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ ابْنُ قَطَن، فَسَأَلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: الْمَسيِحُ الدَّجَّالُ)). من ديماس)) إلى مايأتى بعده من ذكره: ((أنَّ لِمَّتَه تقطر ماءً)) واللِمَةُ الشعر(١) بكسر اللام، وهى التى تُلِمُّ بالمنكبين . وقوله: ((رجَّلها)): يريد - والله أعلم - بالماء وبالمشط، يقال: شَعر مُرَجَّلٌ إذا مُشِّط ، وشعر رَجِل إذا كان فى خلقته وتكسيره على هيئة الممشوط . وقوله: ((تقطر ماء)) : يحتمل أن يكون على ظاهره ، أى يقطر بالماء الذى رجّلها به لقرب ترجيله إياه ، وإلى هذا نحا القاضى الباجى وقال : لعله نبه بذلك على أن ذلك مشروع لطواف الورود . ومعناه عندى : أن يكون ذلك عبارةً عن نضارته (٢) وحُسْنِه وترجيله واستعارة لجماله. وقوله فى حديث الدجّال: ((إنَّه أعور ، وإن اللّه ليس بأعور )) تنبيه على سَماتِ الحدث والنقص على الدجال وعلى تنزيه الربِّ جل اسمه عن النقائص، وأن من يعتريه النقائص وتحلُ به الآفات لا يستحق الربوبية ، وأنه أوضح دلیل على حدِثِه . وقوله فيه: ((أعور العين اليمنى)) وهو المشهور، وفى رواية أخرى: ((أعور العين اليسرى)) وقد ذكرهما معاً مسلم آخر الكتاب وقوله: (( كأنَّ عينَهُ عنبة طافية ))، قال الإمام: قال الأخفش: طافيةٌ بغير همز ، أى ممتلئة قد طفَّت وبرزت، قال غيره: ((وطافئةٌ )) بالهمز ، أى قد ذهب ضوؤها وتقبّضت . قال القاضى : روايتنا فى هذا الحرف عن أكثر شيوخنا بغير همز وتفسيرها بما تقدَّم وهو الذى صحَّحه أكثرهم وأنها ناتئةٌ كنتوء حبَّةً العنب من بين صواحبها ، ووقع عند بعض شيوخنا مهموزا ، وأنكره بعضهم ولا وجه لإنكاره ، وقد وصف فى الحديث أنه (١) فى الأصل : الشعرة. (٢) فى النسختين بالظاء ، وهى لغة أهل نجد . ٥٢٢ -كتاب الإيمان / باب ذكر المسيح ابن مريم والمسيح الدجال ٢٧٦ _ (١٧٠) حدّثْنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعيد، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرِىّ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبّدِ الرَّحْمنِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ عَّهُ قَالَ: « لَمَّا كَذَّبَتْنِى قُرَيْشٌّ، قُمْتُ فِى الْحِجْرِ فَجَلاَ اللهُ لِى بَيْتَ الْمَقْدِسِ ، فَطَفِقْتُ أُخْبِرُهُمْ عَنْ آيَاتِهِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ)) . ٢٧٧ - (١٧١) حدّثَنِى حرْمَلَةُ بْنُ يَحْتَى، حَدَّثْنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِى يُونسُ بْنُ يَزِيدَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخُّطَّابِ ، عَنْ أَبِيهِ ؛ قَالَ : سَّمَعْتُ رَسُولِ اللهِ لٌَّ يَقُولُ: ( بَيْنَمَا أَنَا نَائِمٌّ رَأَيْتُنِى أَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ، فَإِذَا رَجُلٌّ آدَمُ سَبطُ الشَّعْرِ ، بَيْنَ رَجُلَيَّن، يَنْطِفُ رَأْسُهُ مَاء - أَوْ يُهَرَاقُ رَأْسُهُ مَاءَ - قُلْتُ: مَنْ هذَا؟ قَالُوا: هَذَا بَّنُ مَرْيَمَ . ثُمَّذَهَبْتُ أَلْتَقْتُ فَإِذَا رَجُلٌ أَحْمَرُ، جَسِيمٌ، جَعْدُ الرَّأْسِ ، أَعْوَرُ الْعَيْنِ، كَأَنَّ عَيْنَه عنَةٌ طَافِيَةٌ . قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: الدَّجَّالُ. أَقْرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهاً ابْنُ قَطَنِ)) . ممسوخ العين وأنها ليست حجراءَ (١) ولا ناتئة، وأنها مطموسة ، وهذه صفة حبة العنب إذا ٤٤ / أ طفئت / وسال ماؤها، وبهذا فسَّر الحرف عيسى بن دينار، وهذا يُصحِّحُ رواية الهمز ، وعلى ماجاء فى الأحاديث الآخَر: ((جاحظ العين، [و](٢) وكأنها كوكب))، وفى رواية : ((عوراء نحفاء ولها حدقةٌ جاحظةٌ كأنها نُخاعةٌ فى حائط مجصَّصٍ)) تصح رواية غير الهمز، لكن يجمع بين الأحاديث . ت ٨٩/ أ وتصح الروايتان جميعاً بأن تكون المطموسَة والممسوحة والتى ليست بحجراء ولا ناتئة هى العوراء الطافئة بالهمز ، والعين اليُمنى على ماجاء هنا ، وتكون الجاحظة والتى كأنها كوكبٌ / وكأنها نخاعة هى الطافية بغير همز [ العين الأخرى ] (٣) ، فتجتمع الروايات والأحاديث ولا تختلف ، وعلى هذا تجتمع رواية أعور العين اليمنى مع أعور العين اليسرى، إذ كل واحدة منهما بالحقيقة عوراء ، إذ الأعور من كل شىء المعيب ولا سيما بما يختص بالعين، وكلا عينى الدجال معيبة عوراء، فالممسوحة والمطموسة والطافئة بالهمز عوراء حقيقة، والجاحظة التى كأنها كوكب وهى الطافية - بغير همز - معيبة عوراء لعيبها ، فكل واحدة منهما عوراء ، إحداهما بذهابها ، والأخرى بعيبها . قال القاضى : وأما طواف عيسى بالبيت فإن كانت رؤيا عين فعيسى - عليه السلام - حىُّ لم يمت ، وإن كانت رؤيا منام كما بيَّنْه ابن عُمرَ فى حديثه فهو محتمل ، لما تقدَّم وللتأويل للرؤيا ، وعلى هذا يحمل ماذُكر من طواف الدجال بالبيت وأن ذلك رؤيا إذ ورد (١) قال ابن الأثير ٣٤٣/١: قال الهروى: إن كانت هذه اللفظة محفوظة فمعناها: ليست بصلبة متحجرة. (٣) سقط من ق . (٢) من الأصل . ٥٢٣ كتاب الإيمان / باب ذكر المسيح ابن مريم والمسيح الدجال ٢٧٨ _ (١٧٢) وحدّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْب، حَدَّثَنَا حُجَيْنُ بْنُ الْمُثَنَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيْزِ .. وَهُوَ ابْنُ أَبِى سَلَمَةَ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْفَضْلِ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بَنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ؛ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ: (( لَقَدْ رَأَيْتُنِى فِى الْحِجْرِ، وَقُرَيْشٌ تَسْأَلُنِى عَنْ مَسْرَأَىَ، فَسَأَلَتْنِى عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ لَمْ أُثْبِتْهَا ، فَكُرِبْتُ كُرْبَةً مَاكُرِبْتُ مِثْلَهُ قَطُّ)). قَالَ: (( فَرَفَعَهُ اللهُ لِى أَنْظُرُ إِلَيْهِ، مَايَسْأَلُونِىَ عَنْ شَىءٍ إِلَّأَنْبَتُهُمْ بِهِ ، وَقَدْ رَأَيتُنِى فِى جَمَاعَةٍ مَنَ الأَنْبياء، فَإِذَا مُوسَى قَائِمٌ يُصَلَى، فَإِذَا رَجُلٌ ضَرْبٌ جَعْدٌّ كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ ، وَإِذَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَائِمٌ يُصَلّى، أَقْرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهاَ عُزَّوَةُ ابْنُ مَسْعُود النََّفِىُّ، وَإِذَا إِبْرَهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - قَائِمٌ يُصَلِّى، أَشْبَهُ النَّاسِ بِهِ صَاحِبُكُمْ - يَعْنِىّ نَفْسَهُ - فَحَانَتْ الصَّلاَةُ فَأَمَمْتُهُمْ، فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنَ الصَّلاَةَ قَالَ قَائِلٌ: يَامُحَمَّدُ، هَذَا مَالِكٌ صَاحبُ النَّارِ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَالْتَفَتُّ إِلَيْهِ فَبَدَأَنِى بِالسَّلاَمِ » . فى الصحيح أنه لا يدخل مكة ولا المدينة، مع أنه فى رواية مالك لم يذكر طواف الدَّجال ، وهو أثبت ثمّن رووا طوافه لما قلناه، وقد يقال: إن تحريم دخول المدينة عليه إنما هو زمن فتنته، وقد يحتج به من يجيز الطواف على الدابة وللمحمول بغير عُذرٍ ، لما ذكر من طواف عيسى على مناكب رجلين. ومالك لا يجيزه إلا لعذر، وجوابه عن طواف النبى معَّه على الراحلة أن ذلك كان لعذر، ففى كتاب أبى داود أنه (١) عَّ ورد مكة وهو يشتكى .. ))(٢) وساق الحديث، وقد يقال: لأنه كان يعلم الناس أمور حجهم فركب ليظهر لجميعهم، ولا يخفى عمله عليهم، كما أراهم صلاته على المنبر لئلا يخفى على جميعهم والله أعلم، ولقوله: (( خذوا عنى مناسككم))(٣) و((صلوا كما رأيتمونى أصلى))(٤) ويُجابُ عنه فى قصة عيسى بأنها منام أو محتملة للمنام، أو أنه ليس فى الواجب، أو لعله لعذر، أو لأن شرع مَنْ قبلنا غير لازم لنا. وقوله فى الحديث الآخر: ((فإذا بموسى قائم يصلى)) وذكر مثله عن عيسى وإبراهيم - عليهما السلام - وفى آخر كتاب مسلم بعد هذا : ((مررت على موسى وهو قائم فى قبره (١) فى الأصل : عنه . (٢) ك المناسك، ب الطواف الواجب عن ابن عباس، ولفظه: ((أن رسول الله عَمّ﴾ قدم مكة وهو يشتكى، فطاف على راحلته، كلما أتى على الركن استلم الركن بمحجن، فلما فرغ من طوافه أناخ فصلَّى ركعتين)) ١/ ٤٣٤ . (٣) النسائى، ك المناسك، ب الركوب إلى الجمار، أحمد فى المسند ٣١٨/٣ بلفظ: ((خذوا مناسككم » عن جابر . (٤) البخارى فى صحيحه ، ك الأذان، ب الأذان للمسافر ، ك الأدب ، ب رحمة الناس والبهائم ، عن مالك ابن الحويرث . ٥٢٤ كتاب الإيمان / باب ذكر المسيح ابن مريم والمسيح الدجال يصلى))، فالجواب عن صلاتهم قد تقدم فى ذكر حج موسى وعيسى ، وقد يكون الصلاة هنا بمعنى الدعاء والذكر ، وهى من أعمال الآخرة ، ويؤكد أحد التأويلات فيه ، وأنها الصلاة المعهودة . ماذُكر من أنَّه أمَّ ◌َّهِ الأنبياء ، وقد قال بعضُهم: يحتمل أن موسى لم يَمُت وأنَّه حىٌّ، فتكون صلاته حقيقة كصلاة عيسى بدليل قوله تعَّه: ((أكون أول من تنشق عنه الأرض ، فإذا موسى آخذ بساق العرش ، فلا أدرى أفاق قبلى أم جوزى بصعقة الطور)) (١) لكن يرد هذا التأويل قوله عَّ: ((يصلى فى قبره عند الكثيب الأحمر))، والقبر لا يكون ت ٨٩/ ب إلا / للميت، والحديث الوارد فى قصة وفاته وخبره مع ملك الموت ، وسيأتى آخر الكتاب. فإن قيل : فكيف رأى موسى فى قبره يصلى ، وكيف صلى بالأنبياء فى حديث الإسراء ببيت المقدس على ماجاء فى الحديث، [وقد ] (٢) جاء فى [الحديث](٣) نفسه أنه وجدهم على مراتبهم فى السموات عليه ورحبوا به ؟ قيل : يحتمل أن رؤيته لموسى فى قبره وعند الكثيب الأحمر كانت قبل صعوده إلى السماء وفى طريقه إلى بيت المقدس ثم وجد موسى قد سبقه إلى السماء ، ويحتمل أنه رأى الأنبياء وصلى بهم على تلك الحال لأول مارآهم ثم سألوه ورَّحبوا به ، أو يكون اجتماعه بهم وصلاتُه ورؤيته موسى بعد انصرافه ورجوعه عن سدرة المنتهى فلا تتناقض الأحاديث وتستمر على الصواب . (١) معنى حديث أخرجه الترمذى وأحمد عن أبى هريرة ، ولفظه: قال : قال يهودى بسوق المدينة : لا والذى اصطفى موسى على البشر ، قال : فرفع رجلٌ من الأنصار يده فصكَّ بها وجهه ، قال : تقول هذا وفينا نبىُّ اللهِ عَُّ، فقال رسول الله عَُّ: ((﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٩] فأكون أوَّل من رفَع رأسه، فإذا موسى آخذٌ بقائمة من قوائم العرش ، فلا أدرى أرفع رأسه قبلى أو كان ممن استثنى اللّه ، ومن قال : أنا خيرٌ من يونس بن متى فقد كذب)) الترمذى، ك التفسير ، وقال : هذا حديث حسن صحيح ، أحمد فى المسند ٤٥١/٢ . (٢، ٣) ساقطة من الأصل. ٥٢٥ كتاب الإيمان / باب فى ذكر سدرة المنتهى (٧٦) باب فى ذكر سدرة المنتهى ٢٧٩ _ (١٧٣) وحدّثَنا أَبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْبَةً، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا مَالكُ بْنُ مغْوَل. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ وَزُهْيُرُ بْنُ حَرْب ، جَميعاً عَنْ عَبْد الله بْن نُمَيْرِ - وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ - قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا مَالِكَّ بْنُ مِغْوَلٍ عَنِ الزُّبِيْرِ بْنِ عَدِيٍّ ، عَنْ طَلِحَةَ ، عَنْ مُرَّةَ، عَنَّ عَبْدِ اللهِ ؛ قَالَ: لَمَّا أُسْرِىَ بِرَسُولِ اللهِ عَهُ انْتُهِىَ بِهِ إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، وَهِىَ فِى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، إِلَيْهَا يَنْتَهِىَ مَا يَعْرَجُ بِهِ مِنَ الأَرْضِ. فَيُقْبَضُ مِنْها، وَإِلَيْهَا يَنْتَهِى مَا يُهْبَطُ بِهِ مِنْ فَوْقِهَا ، فيُقْبَضُ مِنْهاَ، قَالَ: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾(١) قَالَ : فَرَاشٌ مِنْ ذَهَبٍ . قَالَ: فَأُعْطِىَ رَسُولُ اللهِ عَِّ ثَلاَثَاً: أُعْطِىَ الصَّلَوَتِ الْخَمْسَ ، وقوله فى حديث عبد اللّه فى سدرة المنتهى (٢): ((إليها ينتهى علمُ مايْعرج من الأرض وما يهبط من فوقها فيقبض فيها)) ، وذكر أنها فى السماء السادسة ، وقد قيل : إنها فى الجنة وإنها فى السماء الرابعة ، وتقدم فى حديث أنس أنها فوق السماء السابعة - وهو الأصح - وهو الأكثر والذى يقتضيه المعنى . وتسميتها بالمنتهى قال كعب : هى فى أصل العرش إليها ينتهى علم [ كل ] (٣) ملك مقرب أو نبى مُرْسَل، وما خلفها غيب لا يعلمه إلا اللّه، وقيل: إليه تنتهى أرواح الشهداء، وقال ابن عباس : هى عن يمين العرش (٤) وقيل : إليها ينتهى كل من كان على سنة محمد عَّ ، وقال الخليل : هى سدرة فى السماء السابعة لا يجاوزها ملك ولا نبى قد أظلت السموات والجنة ، وفى الحديث: (( نبقها مثل قلال هجر وورقها كآذان الفيلة)) (٥). وقوله: ﴿إِذْ يَغْشَى السّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ قال: فراش من ذهب، وفى رواية ابن جريج: غشيها فراش من ذهب، وأرخيت عليها ستور من لؤلؤ وياقوت وزبرجد، وزاد بعضهم فى روايته: فلما غشيها من أمر اللّه (٦) ماغشى تحولت ياقوتا أو نحو هذا، والفراش كل ما يطير من الحشرات الصغار والديدان. (١) النجم : ١٦ . (٢) فى النسخ المطبوعة لصحيح مسلم هذا الحديث متقدم على حديث وباب الرؤية . (٤) راجع فى ذلك أيضاً تفسير القرآن العظيم ٤٢٩/٧. (٣) ساقطة من ت . (٥) جزء حديث أخرجه البخارى فى صحيحه ، ك مناقب الأنصار ، ب المعراج ، النسائى فى الصلاة ، ب فرض الصلاة ٢١٧/١، أحمد فى المسند ٢٠٧/٤ عن مالك بن صعصعة، وفى ٣/ ١٦٤ عن أنس بن مالك كما أخرجه أحمد عن أنس بلفظ: (( انتهيت إلى السدرة، فإذا نبقها مثل الجرار وإذا ورقها مثل آذان الفيلة فلما غشيها من أمر الله ماغشيها تحولت ياقوتاً أو زمرداً أو نحو ذلك)) ١٢٨/٣ (٦) فى ق : أمرها . ٥٢٦ كتاب الإيمان / باب فى ذكرسدرة المنتهى وَأُعْطِىَ خَوَاتِيمَ سُورَةِ الْبِقَرَةِ ، وَغُفِرَ ، لِمَنْ لَمْ يُشْرِكْ بِاللهِ مِنْ أُمَّتَهِ شَيْئاً، الْمُقْحِمَاتُ . ٢٨٠ _ (١٧٤) وحدّثْنى أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِىُّ. حَدَّثَنَا عِبَّدٌ - وَهُوَ ابْنُ الْعَوَّامَ - حَدَّثَنَا الشََّانِىُّ قَالَ: سَأَلْتُ زِرَّبْنَ حُبَيْشٍ عَنْ قَوْلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾(١) قَالَ: أَخَْفِى ابْنُ مَسْعُودٍ، أَنَّالنََِّّ ◌َّهُ رَأَى جِبْرِيلَ لَهُ سِتُّمِائَةٍ جَنَاحِ . ٢٨١ - ( ... ) حدّثّنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْيَةَ، حَدَّثْنَا حَقْصُ بْنُ غِيَاتٍ عَنِ الشََّانِىِّ، عَنْ زَرٍّ، عَنْ عَبْد الله ؛ قَالَ ﴿ مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ (٢) قَالَ: رَأَى جَبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهُ ستُّماتَةِ جَنَاجِ . ٠ وقوله: ((وغُفِر لمن لم يُشرك بالله شيئا المقحمات)) بكسر الحاء، أى غفر الذنوب العظام ٤٤ / ب المهلكات أصحابها / أى التى تقحمهم النار وتُوردهم إياها، قال ابن دريد: يقالُ اقتحم اقتحاماً إذا هوى من عُلوٍ إلى سُفْل ودخل فى شىء [عن](٣) غير هداية، ولذلك سميت المهالك قُحماً، قال الهروى: والقُحَم الأمورُ الشاقة، وقال شمر: التقحم التقدُّم والوقوع فى أهوية. وقول عائشة للذى سألها: هل رأى محمدٌ ربَّه؟: ((لقد قفَّ شعرى لما قلت .. )) (٤) الحديث ، قال الإمام : قال ابن الأعرابى : تقول العرب عند إنكار الشىء : قف شعرى ، واقشعر جلدى ، واشمأزَّت نفسى . : ت / ١٩٠ قال القاضى: قال الهروى فى ((قف شعرى)»: قام من الفزع، قال أبو زيد / : قفَّ الرجل من البرد [وعلتْهُ ] (٥) قُفَّة، والقفوف أيضاً ، القشعريرةُ من الحُمَّى، وقال النضر: القَفَّةُ كهيئة القُشَعرِيرَةُ، وعلته قفة أى رعَدةٌ ، قال الخليل : القَفْقَفَةُ الرِعْدَةُ ، وهو كَما قال، وأصله الانقباض والاجتماع ؛ لأن الجلد ينقبض عند البرد والفزع والاستهوال، فيقوم الشعر بذلك ، وبذلك سميت القُفّةُ لضم بعضها إلى بعض ولما يُضَمُّ فيها (٦) . قال الإمام: وإنكارُها فى هذا الحديث وفى غيره على من سألها عن الرؤية محتملة عند أهل العلم، على أنها إنما أنكرت الرؤية فى الدنيا لا أنها ممن يحيل جواز رؤيته سبحانه - كما قالت المعتزلة . (١) النجم: ٩ . (٣) ساقطة من ت . (٢) النجم: ١١. (٤) فى رواية مسروق . (٥) ساقطة من ت . (٦) والقُفَّة والقُفُّ: ما ارتفع من متون الأرض، وصلُبت حجارته، لسان. ٥٢٧ كتاب الإيمان / باب فى ذكرسدرة المنتهى ٢٨٢ - ( ... ) حدَّثَنَا عُبَيْدُ الله بْنُ مُعَاذ الْعَنْبَرِىُّ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سُلَيْمَانَ الشَّيْبَانِىِّ، سَمَعَ زَرَّ بْنَ حُبَيْش، عَنْ عَبْدَ الله ؛ قَالَ: ﴿ لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾(١) قَالَ: رَأَى جِبْرِيلَ فِى صُورَتَّهِ، لَهُ ستُّمِائَةُ جَنَاح. قال القاضى: اختلف السلف والخلف : هل رأى نبينا عَّه ربَّه ليلة الإسراء فأنكرته عائشة - كما تقدم ووقع هنا - وأنها سألت النبى عَّه عن آية النجم فقال: ((ذاك جبريل)) ونحوه عن أبى هريرة وجماعة من السلف . والمشهور عن ابن مسعود ، وإليه ذهب جماعة من المحدثين والمتكلمين ، من امتناع رؤيته تعالى فى الدنيا على ظاهر قوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ الآية(٢)، وذكر عن ابن عباس أنه رآه بعينه(٣)، وقال: اختص الله موسى بالكلام، ومحمدا بالرؤية، وإبراهيم بالخُلَّة، وحجته ظاهر (٤) قوله: ﴿ مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾(٥) الآيات، ومثله عن كعب وأبى ذر والحسن (٦)، وكان يحلف على ذلك وحُكى مثله عن ابن مسعود وأبى هريرة أيضاً ، وحكى عن ابن حنبل(٧) وغيره أنه رآه، وحكى أصحاب المقالات(٨) عن أبى الحسن الأشعرى وجماعة أصحابه أنه رآه ، ووقف بعض مشايخنا فى هذا وقال : ليس عليه دليلٌ واضحٌ ولكنه جائز، ورؤية الله تعالى فى الدنيا جائزة غير مستحيلة، وسؤال موسى إيَّاها أدَلُّ دليل على جوازها ، إذ لا يجْهل نبيٌ مايجوز على ربِّه ويمتنع ، وجواب الله له : ﴿لَن تَرَانِي﴾(٩) عند بعضهم نفى الاستطاعة على ذلك والاحتمال. (١) النجم : ١٨. (٢) الأنعام : ١٠٣ . (٣) الحديث أخرجه الترمذى عن ابن عباس ولفظه هناك: قال: ((رأى محمد ربَّه)) قلتُ - يعنى عكرمة -: أليس اللّه يقول: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارِ﴾ قال : ويحك ذاك إذا تجلى بنوره الذى هو نوره ، وقد أريه مرتين . ثم قال الترمذى : هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه ٣٩٥/٥ وقد نقله فى التحفة ناقصاً فقال: هذا حديث حسن ١٦٩/٩، وله من عكرمة عنه ﴿ مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ قال: رآه بقلبه. ثم قال : هذا حديث حسن . (٤) لفظ الترمذى عن كعب إنّ اللّه فَسَمَ رؤيته وكلامه بين محمد وموسى، فكلَّم موسى مرتين، ورآه محمدٌ مرتين . السابق . (٥) النجم : ١١ . (٦) أخرج أحمد من حديث قتادة عن عبد اللّه بن شقيق قال: قلت لأبي ذر: لو رأيت رسول الله عَ﴾﴾ لسألته . قال: وماكنت تسألهُ ؟ قال : كنتُ أسأله : هل رأى ربَّه عز وجل ؟ فقال: إنى قد سألتهُ فقال : ((قد رأيتهُ نورا، أنى أراه)) المسند ٥/ ١٤٧. وقد أخرج النسائى عن يزيد بن شريك عن أبى ذر قال: رأى رسول الله عَّ ربه بقلبه ولم يره ببصره . (٧) قلت : المنقول عن أحمد غير هذا ، فقد ذكر الحافظ ابن كثير فى تفسيره فقال: (( وقد حكى الخلال فى علله أن الإمام أحمد سئل عن هذا الحديث - يعنى حديث أبى ذر - فقال : مازلتُ منكراً له ، وما أدرى ماوجهه )) ٤٢٨/٧ . (٨) راجع : مقالات الإسلاميين ٢١٥ . (٩) الأعراف : ١٤٣ . ٥٢٨ كتاب الإيمان / باب فى ذكر سدرة المنتهى وكذلك اختلفوا فى تأويل قوله : ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَار﴾، وقد اختلفوا فى رؤية موسى ربه ومقتضى الآية ورؤية الجبل. ففى جواب القاضى أبى بكر (١) مايقتضى أنهما رأياه تعالى، ولبعض المفَسِّرين نحوٌ منه، والكلام فى هذه الفصُول يتسع ، وهو مُتَّسعٌ فى كتب أئمتنا ، وقد ذكرنا نخبةً منه فى كتابنا الشفا (٢) . وكذلك اختلفوا هل كلم محمدٌ ربَّه ليلة الإسراء بغير واسطة أم لا ؟ فَحُكِىَ عن الأشعرى وقوم من المتكلمين أنه كلمه ، وعزا بعضُهم هذا إلى جعفر بن محمد وابن مسعود وأبْن عباس (٣)، وحجتهم ظاهر قوله: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ (٤) والأكثر على القول بغير ت ٩٠ / ب هذا، وأن الموحى [ها هنا] (٥) إلى العبد اللهُ إلى جبريل، (٦) وجبريل / إلى محمد. وكذلك اختلفوا فى تأويل قوله: ﴿ ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى. فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنٍ أَوْ أَدْنَى﴾(٧) فأكثر المفسرين أن هذا الدنو والتدلى مُقَسَّمٌ مابين جبريل [ ومحمد ] (٨)، أو مختص بأحدهما من الآخر ، أو من [سدرة المنتهى ](٩)، وذكر عن ابن عباس والحسن ومحمد بن كعب وجعفر ابن محمد وغيرهم أنه دنوٍّ من محمد إلى ربه أو من الله إلى محمد(١٠)، وعلى هذا القول فيكون الدنو والتدلى متأوَّلاً ليسَ على وجهه ، كما قال جعفر بن محمد : الدنو من الله لا حَدَّ له ، ومن العباد بالحدود ، فيكونُ معنى دنو النبى معَّ من ربه وقربه منه ظهور عظيم منزلته لديه، وإشراق أنوار معرفته عليه، وإطلاعه [ من غيبه](١١) وأسرار ملكوته على مالم يطلع سواه عليه. والدنُو من الله له إظهار ذلك له وعظيم بِرِّ وفضله العظيم لدَيه ، (١) هو الباقلانى فقد ذكر فيما نقله القاضى عنه فى الشفا أثناء أجوبته عن الآيتين: ﴿لَن تَرَانِي﴾ و﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارَ﴾ أن موسى - عليه السلام - رأى الله فلذلك خرّ صعقا، وأن الجبل رأى ربه فصار دكا بإدراك خلقه الله له، إذ تجلّيه للجبل هو ظهوره له. الشفا ١/ ٢٦٤ . (٣) راجع: الشفا ٢٦٧/١. (٥) ساقطة من ت . (٢) السابق . (٤) النجم : ١٠ . (٦) فى الأصل : أو جبريل . (٧) النجم : ٩،٨ . ۔ (٨) من الشفا. قلت : إن رد عائشة - رضى الله عنها - للحديث ردٌّ بالاستدلال لا بالرواية، والمحققون من العلماء يمنعون من رد الأخبار بالاستدلال ، وقد مثلوا لذلك برد خبر القهقهة استدلالاً بفضل الصحابة المانع من الضحك وبرد عائشة هذا - رضى الله عنها . قال شيخ الإسلام : «رد الأخبار بالاستدلال لا يجوز ؛ لأن السند يأتى بالعجائب ، وهى من أكثر الدلائل لإثبات الأحكام)) المسودة : ٢٣٨ . (٩) فى الأصل : السدرة المنتهى . (١٠) زيد قبلها فى الأصل : وتدلى. (١١) زيد قبلها فى ت : عليه ٥٢٩ كتاب الإيمان / باب فى ذكرسدرة المنتهى ويكون قوله: ﴿قَابَ قَوْسَيْنٍ أَوْ أَدْنَى﴾ على هذا عبارة عن لطفِ المحل واتضاح المعرفة والإشراف على الحقيقة من نبينا ، ومن الله إجابة الرغبة وإنافة المنزلة ، ويتأول فى ذلك ما يتأول فى قوله تعَّه عن ربه: ((من تقرب منى شبرا تقربت منه ذراعاً ... )) (١) الحديث. (١) الحديث أخرجه البخارى عن أنس بن مالك عن أبى هريرة قال: ربما ذكر النبى عَّهُ قال: ((إذا تقرب العبد منى شبراً تقربت منه ذراعاً ، وإذا تقرب منى ذراعا تقربت منه باعاً أو بوعًا))، وقال معتمر : سمعت أبى سمعت أنساً عن النبى معَّه يرويه عن ربه عز وجل. ك التوحيد، ب ذكر النبى عَّه وروايته عن ربه ٩/ ١٩٠ وهو جزء حديث أخرجه أحمد فى المسند والبزار عن أبى سعيد بلفظ: ((من تقرب إلى الله شبرا تقرب إليه ذراعاً، ومن تقَّرب إليه ذراعاً تقرب إليه باعا، ومن أتاه يمشى أتاه يهرول)) وقال فيه الهيثمى: (( فيه عطيه العوفى وهو ضعيف)) مجمع ١٩٦/١٠ ولأحمد والطبرانى عن يزيد بن نعيم قال: سمعت أبا ذر الغفارى وهو على المنبر بالفسطاط يقول: سمعت النبى ◌ّ يقول: ((من تقرّب إلى الله عز وجل شبرا تقرب إليه ذراعاً ، ومن تقرب إليه ذراعاً تقرب إليه باعاً ، ومن أقبل إلى الله عز وجل ماشيًا أقبل الله عز وجل إليه مهرولاً ، والله أعلى وأجل، والله أعلى وأجل، والله أعلى وأجل)) قال الهيثمى: إسنادهما حسن . والطبرانى عن سلمان رفعه قال: يقول الله عز وجل: ((إذا تقرب إلى عبدى شبرا تقربت إليه ذراعا ، وإذا تقرب إلى ذراعا تقربت إليه باعا ، وإذا أتانى يمشي أتيته هرولة)) . وقال الهيثمى : رجاله رجال الصحيح غير زكريا بن نافع الأرسوقى والسرى بن يحيى وكلاهما ثقة ورواه البزار . مجمع الزوائد ١٩٦/١٠ . وعلى ذلك يحمل الدنو فى الآية على القرب ، والتدلى على الزيادة فيه . وقد جاء عن الفراء : أن التدلى الامتداد إلى أسفل ، ثم يستعمل فى القرب من علو . فالتدلى إن كان بين النبى وبين الله عز وجل فمؤول لاستحالة التخصيص بالجهة والانتقال فى الأحياز على المولى جل وعلا ، وإن كان بينه وبين غيره فهو على ظاهره . والمراد بالقوس أحد أمرين : إما أن يكون القوس العربى الذى يرمى به ، والقاب هنا رأسها أو ما اعوج منه ، وهو السية . أو يكون المراد بالقوس هو الذراع الذى يقاس به الشىء ، والأول أوضح . مكمل ٣٢٧/١، لسان العرب . ٥٣٠ كتاب الإيمان / باب معنى قول اللّه عز وجل: ﴿وَلَقَدْ رَاهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ إلخ (٧٧) باب معنى قول الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ رَاهُ نَزْلَةٌ أُخْرَى﴾ وهل رأى النبى عَّه ربه ليلة الإسراء ؟ ٢٨٣ _ (١٧٥) حدّثْنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلَىُّ بْنُ مُسْهِر عَنْ عَبْد الْمَلك، عَنْ عَطَاء، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، ﴿ وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ (١) قَالَ : رَأَى جِبْرِيلَ . ٢٨٤ _ (١٧٦) حدّثَنَا أُبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا حَفْصٌ عَنْ عَبْدِ الْمَلِك، عَنْ عَطَاءِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ؛ قَالَ : رَآهُ بِقَلْبه . ٢٨٥ _ ( ... ) حدّثْنَا أَبُو بَكْر بْنُ أَبِ شَيْبَةَ وَأَبُو سَعِيدِ الأَشَجُ، جَمِيعاً عَنْ وَكِيع ، قَالَ الأَشَجُّ: حَدَثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثْنَا الأَعْمَشُ عَنْ زِيَادِ بْنِ الْحُصَّيْنِ أَبِى جَهْمَةَ، عَنْ أَبِى الْعَلِيَةِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ؛ قَالَ: ﴿ مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾، ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى ﴾ قَالَ : رَآهُ بِفُؤاده مَرْتیْن . ٢٨٦ - ( ... ) حدّثنا أُبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثْنَا حَفْضُ بْنُ غِيَاثِ عَنِ الأَعْمَشِ ، حَدَّثَنَا أَبُو جَهْمَةَ بِهِذَا الإِسْنَادِ . ٢٨٧ _ (١٧٧) حدّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْب، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ دَاوُدَ، عَنِ الشَّعْبِىِّ، عَنْ مَسْرُوق؛ قَالَ: كُنْتُ مُتَّكناً عِنْدَ عَائشَةَ. فَقَالَتْ: يَا أَبَا عَائِشَةَ، ثَلاَثٌ مَنْ تَكَلَّمَ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللهِ الْفِرِيَةَ. قُلْتُ: مَاهُنَّ؟ قَالَتْ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّداً تَِّ رَأَى رَبَّهُ فَقَد أَعْظَمَ عَلَى الله الفرْيَةَ. قَالَ: وَكُنْتُ مُنَّكئاً فَجَلَسْتُ ، فَقُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤمنين، أَنْظِرِينِى وَلاَ تَعْجَلِيِنِى، أَلَمْ يَقُلِ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلَقَدْ رَهُ بِالأُفْقِ الْمُبِين﴾(٢)، ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أَخَرَى ﴾ فَقَالَتْ: أَنَا أَوَّلُ هَذْه الأُمََّ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِعَِّ. فَقَالَ: ((إِنَّمَا هُوَ جِبْرِيلُ، لَمْ أَرَهُ عَلَى صُورَتَهِ الَّتِى خُلقَ عَلَيْهَا غَيْرَ هَاتَيْنِ الْمَرَّتَيْنِ، رَأَيْتُهُ مُنْهَبطاً مِنَ السَّمَاءِ ، سَادًا عظَمُ خَلْقِهِ مَابَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ)). فَقَالَتْ: أَوَلَمْ تَسْمَعْ أَنَّاللهَ يَقُولُ: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرِ﴾(٣) أَوَلَمْ تَسْمَعْ أَنَّ اللهَ (١) النجم : ١٣ . (٣) الأنعام : ١٠٣ . (٢) التكوير : ٢٣ . : ٥٣١ كتاب الإيمان / باب معنى قول اللّه عز وجل: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى ﴾ إلخ يَقُولُ: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرِ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّ وَحْيَّا أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوجِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ﴾(١) قَالَتْ: وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ رَسُولَ اللهَ عَّهُ كَتَمَ شَيْئاً مَنْ كِتَابِ اللهِ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللهِ الْفِرْيَةَ. وَاللهُ يَقُولُ: ﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ﴾(٢) قَالَتْ: وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يُخْبرُ بِمَا يَكُونُ فِى غَد فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللهِ الْفِرْيَةَ. وَاللهُ يَقُولُ: ﴿ قُل لَّ يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إلَّ اللَّهُ ﴾ (٣). ٢٨٨ - ( .. ) وحدّثْنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ، بهذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ. وَزَادَ : قَالَتْ: وَلَوْ كَانَ مَحَمَّدٌ عَلَّهَ كَائماً شَيْئاً ممَّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ لَكَتَمَ هَذه الآيَةَ: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسَكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ ﴾ (٤). وقول عائشة واحتجاجها بالآية: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرِ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا ﴾ الآية ، قد استدل بالآية نفسها بعض المشايخ على أن محمداً عَّه رأى ربه دون حجاب ، وكلمه دون واسطة ولا رسول ، وقال : هى ثلاثة أقسام : من وراء حجاب كتكلم موسى ، وبإرسال الملائكة بالوحى كحال جميع الأنبياء وأكثر أحوال نبيناعَّه، الثالث: قوله: ((وحياً)) ولم يبق من تقسيم صُوَر المكالمة إلا كونها مع المشاهدة . وقد قيل : الوحى هنا هو : مايلقيه فى قلب النبى دون واسطة (٥) . وقولها: «لو كان كاتما شيئاً لكتم قوله: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ )) الآية، قال القاضى : لايجب أن يُتأوّل فى قول عائشة وفى الآية ماذكر عن بعض من لم يحقق من المفسرين فيها من الشناعة، من أن النبى عَّه أمَرَ زيداً بإمساكها وهو يحب تطليقَها ، وأنه الذى أخفى فى نفسِهِ (٦)، إذْ لايصحُّ عنه فلا تسترب أنه عَّ / مُنَزَّةٌ عن مثل هذا ، ومن مدِّ عينيه إلى ما نهَاهُ الله عنه مما متَّع الله بِه غيرهَ من زهرة الدنيا (٧) . وأصح مافى هذا ماحكى عن على بن حسين أن الله تعالى أعلم نبيه عَّه بكونها له زوجاً ، فلما شكاها زيدٌ قال له : أمْسك ، وأخفى فى نفسه ما أعلمه الله به مما الله مبديه بطلاق ١/٤٥ (١) الشورى : ٥١ . (٣) النمل : ٦٥. (٢) المائدة : ٦٧ . (٤) الأحزاب : ٣٧. (٥) وهو الأقرب . (٦) انظر على سبيل المثال: مانقله الطبرى من الروايات السقيمة فى ذلك وما وقع فيه النسفى. (٧) يقول جل جلاله: ﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَكَ إِلى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَّةِ الدُّنْيَا لِنَفْتَِهُمْ فِيهِ رِزْقٌ رَبَّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴾ [ طه: ١٣١ ] . ٥٣٢ كتاب الإيمان / باب معنى قول اللّه عز وجل: ﴿وَلَقَدْ رَهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ إلخ ٢٨٩ _ ( ... ) حدّثنا ابْنُ نُمَيْر. حَدَثَنَا أَبِى. حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنِ الشَّعْبِىِّ ، عَنْ مَسْرُوق؛ قَالَ: سَأَلْتُ عَائشَةَ: هَلْ رَأَى مُحَمَّدٌ عَّهِ رَبَّهُ؟ فَقَالَتْ: سُبْحَانَ اللهِ الَقَدْقَفَّ شَعْرِى لَمَا قُلْتَ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِقصَّتَهِ. وَحَدِيثُ دَاوُدَ أَتَمُّ وَأَطْوَلُ . ٢٩٠ - ( ... ) وحدّثنا ابْنُ نُمَيْر. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ عَنِ ابْنِ أَشْوَعَ، عَنْ عَامِر ، عَنْ مَسْرُوق ؛ قَالَ : قُلْتُ لعَائِشَةَ: فَأَيْنَ قَوْلُهُ: ( ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىَّ . فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنٍ أَوْ أَدْنَى. فَأَوْحَى إِلَّى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ (١) قَالَتْ: إِنَمَا ذَاكَ جِبْرِيلُ عَّهِ . كَانَ يَأْتِيه فى صُورَةِ الرِّجَال. وَإِنَّهُ أَتَاهُ فِى هَذِه الْمَرَّةِ فِى صُوَرَتِهِ الَّتِى هِىَ صُورَتُهُ، فَسَدَّ أُفُقَ السَّمَاءِ . ت ٩١/ أ زيد لها وتزويج النبى معَّهِ بَعْدُ لها (٢) / ونحوه عن الزهرى وغيره، والذى خشيه إرجاف المنافقين بأنه نَهى عن تزويج نساء الأبناء وتزوج زوجة ابنه ، وألفاظ الآية تدلُ على صحة هذا الوجه لقوله (٣) : ﴿ مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾(٤) ، ولو كان ما ذكر أولئك لكان فيه أعظم الحرج، وبقوله : ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًّا﴾ (٥)، وإلى ما قلناه نحا القاضى بكر بن العلاء القشيرى وغيره من المحققين ، وأنكروا سواه . وكتم النبى ◌ّ لهذه الآية لو كتمها وقد نزهه الله عن ذلك - كما قالت عائشة لما اشتملت عليه من عتبه وإبداء ما أسَرَّه من زواجها وأمره زيدًا بإمساكها ، وقد أعلمه الله أنه سيطلقها ، وخشيته تشنيع المنافقين عليه - كما تقدم - لا لغير ذلك . (١) النجم : ٩-١١ . (٢) أخرجه ابن أبى حاتم عن على بن زيد بن جُدْعان قال: سألنى على بن الحسين : ما يقول الحسن فى قوله : ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ فذكرت له ، فقال : لا ، ولكن الله أعلم نبيه أنها ستكون من أزواجه قبل أن يتزوجها ، فلما أتاه زيد ليشكوها إليه قال : اتق الله ، وأمسك عليك زوجك ، فقال: قد أخبرتك أنى مُزوّجكها، وتخفى فى نفسك ما الله مبديه. قال الحافظ ابن كثير: ((وهكذا روى عن السدى أنه قال نحو ذلك ٦/ ٤٢٠ . (٣) فى ت : بقوله . (٤) الأحزاب : ٣٨ . (٥) الأحزاب: ٣٧، وقد جاءت الآية فى الأصول بلفظ: ((لئلا)) وهو خطأ. ٥٣٣ كتاب الإيمان / باب فى قوله عليه السلام: (( نور أنى أراه )) إلخ (٧٨) باب فى قوله عليه السلام: ((نور أنى أراه)) وفى قوله: (( رأيت نورًا )) ٢٩١ - (١٧٨) حدّثْنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ إِبْرَهِيمَ، عَنْ قَتَادَةِ، عَنْ عَبْد الله بْنِ شَقيق، عَنْ أَبِى ذَرٍّ ؛ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ الله عَّهُ: هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ قَالَ: (( نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ)) . ٢٩٢ - ( ... ) حدّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا أَبِى. ح وَحَدَّثَنِى حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ. حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، كلاَهُمَاَ، عَنْ قَنَادَةَ ، عَنْ عَبْد الله ابْنِ شَقِيقٍ ، قَالَ: قُلْتُ لأَبِى ذَرٍّ: لَوْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ عَّهُ لَسأَلُهُ. فَقَالَ: عَنْ أَىِّ شَىء كُنْتَ تَسْأَلُهُ؟ قَالَ : كُنْتُ أَسْأَلُهُ هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ قَالَ أَبُو ذَرٍّ : قَدْ سَأَلْتُ، فَقَالَ: ((رَأَيْتُ نُوراً)) . وقوله عَّه حين سأله أبو ذر: هل رأيت ربَّك؟ قال: ((نورٌ أَنّى أراه))، قال الإمام: وفى نسخة: (( نُورانىُّ))، وفى طريق آخر: أنهُ قال له: ((رأيت نوراً)) قال الإمام : إن قيل: ظاهر الخبرين متناقضٌ لأن الأول فيه أن النور يمنعُ رؤيته والثانى أن النورَ مرئىّ ، قلنا: يصح أن يكون الضمير فى قوله: ((أراه)) عائداً على الله - سبحانه - وقوله: ((أَنَّى أراه)) يعنى أن النور أغشى بصرى ومنعنى من الرؤية ، كما جرت العادة بإغشاء الأنوار الأبصار ومنعها من إدراك ماحالت بين الرائى وبينه ، فيكون انتهاءُ رؤيته عَّه إلى النور خاصة ، وهو الذى أدرك . فإذا أمكن هذا التأويل لم يكن ذلك مناقضاً للخبر الأول بل هو مطابق له ؛ لأنه أخبر فيه أنه رأى نوراً ، وكذلك فى الأول ، والرواية التى فيها نورَانِىُّ أشكلُ ، يحتمل أن يكون معناه راجعاً إلى ماقلنا ، أى خالق النور المانع من رؤيته ، فيكون من صفات الأفعال . قال القاضى: هذه الرواية لم تقع إلينا ولا رأيتُها فى شىء من الأصول إلا ماحكاهُ الإمام أبو عبد الله ، ومن المستحيل أن تكون ذات الله نوراً، إذ النور من جملة الأجسام والله تعالى يتعالى عن الاتصاف بذلك ، هذا مذهب جميع أئمة المسلمين خلافاً لبعض المجسمة هشام الجُوالقى ولَمَّتِه (١) ممن قال: نورٌ لا كالأنوار، ومعنى قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ (١) فى ت : وأمته . كتاب الإيمان / باب فى قوله عليه السلام: (( نور أنى أراه )) إلخ ٥٣٤ السَّمَوَاتِ وَالأَرْض﴾ (١) وماجاء فى الحديث المأثور من تسميته بالنور فمعناه: ذُو نُورِهما وربُّه وخالقُه ، وقيل : هادى السموات والأرض ، وقيل : مُنَوِّرُ قلوب عباده المؤمنين ، وقيل : ت ٩١/ ب معناه : ذو البهجة والجمال ، وهذا يرجع إلى / المعنى الأول ، أى مالكهما وربُّهما ، أو لنفى النقائص والغير والحوادث . (١) النور : ٣٥ . ٥٣٥ كتاب الإيمان / باب فى قوله عليه السلام: (( إن اللّه لا ينام)) إلخ (٧٩) باب فى قوله عليه السلام: ((إن اللّه لا ينام))، وفى قوله : ( حجابه النور لو کشفه لأحرق سبحات وجهه ماانتهى إليه بصره من خلقه )) ٢٩٣ - (١٧٩) حدّثنا أَبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْب، قَالاَ: حَدَّثَنَا أَبُو سُعَاوِيَةٌ، حَدَّثَنَا الأَعمشُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ أَبِى عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِى مُوسَى، قَالَ: تَمَ فِينَا رَسُولُ اللهِ عَّهُ بِخَمْسِ كَلَمَاتَ فَقَالَ: ((إِنَّ اللّهَ عَزَّ وَجَلَّ لاَيَتَمُ وَلاَ يَنْبَغِى لَّهُ أَنْ يَنَامَ، يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ ، يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ ، حِجَابُهُ النُّورُ - وَفِى رِوَايَةَ أَبِى بَكْر: النَّارُ - لَوْ كَشَفَهُ لأَحْرَقَتْ سُبْحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرَهُ مِنْ خَلْقِهِ)) . وَفِى رِوَايَةٍ أَّبِى بَكْرٍ عَنِ الْأَعْمَشِ وَلَمْ يَقُلْ: حَدَّثَنَا . ٢٩٤ - ( ... ) حدّثنا إِسْحقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وقوله : (( حجابه النور - وفى رواية أخرى : النار - أو كشفه لأحرقت سُبُحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه)) (١)، قال الإمام: الهاء فى ((وجهه)) تعود على المخلوق لا على الخالق، إذ الحجاب بمعنى السَّتر إنما يكون على الأجسام المحدودة، والبارى - جلت قدرتُه - ليس بجسم ولا محدود ، والحجاب فى اللغة: المنع ، ومنه سمى المانع من الأمير حاجباً ؛ لمنعه الناس عنه ، ومنه الحاجب فى الوجه ؛ لأنه يمنع الأذى عن العين ، والإنسان ممنوع من رؤية الخالق فى الدنيا فسُمى منعه حجاباً ، ولما كان النور والنار مانعين فى العادة من الإدراك - وهما من أشرف الأشياء المانعة - أخبر عَّه أنه لو كشف عن النار والنور المانعين من الإدراك فى العادة لأحرقت وجوه المخلوقين ، وإن البارى - سبحانه - لا تقابله الأنوار وتقابل المخلوقين وتمنعهم من الرؤية . وأما تفسير السُبُحات ، فقال الهروى : سبُحات وجهه : نور وجهه ، وفى كتاب العين : سُبْحَةُ وجهه هى نور وجهه وجلاله ، وإنما نقلنا هذا لتعلم قول أهل اللغة فى هذا اللفظ لا على اتّباعه فيما يرجع الضميرُ إليه ، وإطلاق هذا اللفظ الذى قالوه . قال القاضى : ماقاله الإمامُ - رحمه الله - صحيح، لكنه يضيق حمله على وجه (١) زيد بعدها فى ق : فيأتى معنى كشفه . كتاب الإيمان / باب فى قوله عليه السلام: (( إن اللّه لاينام)) إلخ ٥٣٦ قَالَ : قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ عَّهُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ. ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثٍ أَبِى مُعَاوِيةَ . وَلَمْ يَذْكُرْ ((مِنْ خَلْقِهِ)) وَقَالَ: ((حجَابُهُ النّورُ )) . ٤٥ / ب المخلوق مع اتفاق الرواية على رفع السبُحات، وأنها المحرقة لما انتهى إليها البصرُ ، كما قال : ((ما انتهى إليه بصرُهُ من خلقه)) فالخلقُ هنا هُوَ المحروق (١) وسُبحات الوجه هى المحرقَه، والسُبحات، بضم السين والباء، جمعُ سبحة، وهى النور والجلال - كما قالوا - ومافى معناها من البهاء والجمال والكبرياء والعظمة ونعوت التعالى ، وبمعنى (٢) ذلك قوله فى الحديث الآخر: (( ومامنَعهُم أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه)) (٣) ، فإضافتها إلى الله تعالى وعود الضمير إليه هو مقتضى نظم الكلام ووجه اللفظ العربى ، وإلا اختل الكلام وتناقض مفهوم اللفظ ، وإذا كان / هذا نظرنا إلى تأويل ذلك ، فإذا جعلنا معنى (( وجه الله)) ذاته ووجوده، على ما اختاره الجوينى وغيره من أئمتنا ، كانت إضافة السُبُحات إليها على معنى إضافة النور إليه فى الآية (٤)، وفى قوله: ((أعوذ بنور وجهك (٥) إمَّا على الملك أو الاختصاص(٦) وتكون هذه السبحات هى تلك الحجبُ التى ذُكر من النور و(٧) النار وجلال الملكوت وعظيم القدرة لو كشفها لأحرقت كل من رآها وأدركها ، وهو معنى قوله إن شاء الله تعالى: ((ما انتهى إليه بصره من خلقه)). الهاء فى بصره عائدةٌ على خلقه ، أى / لأحرقت من خلقه كل من انتهى إليه بصرهُ منهم ورأى ذلك ، ويُتْأوّل فى ذلكَ ما يتأول فى قوله : ﴿نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْض﴾ (٨) وفى تسميته نوراً ويستقيم المعنى الحقيقى وينطبق على اللفظ العربى ، وعلى تفسير أهل اللغة التى لابد لنا من الرجوع إليهم فى معانى هذه الألفاظ ، ومن سلك من مشايخنا فى الوجه أنه صفة (٩) - وهو قول شيخنا أبى الحسين - كانت إضافة السُّبُحات إليها ، والمراد الذات ، لاسيما على القول بتقسيم القول فى الصفات ، وأن منها مايقال : هو نفس الذات ، وإذا جعلنا الوجه بمعنى الجهة حَسُن - أيضا - أن يقال: لأحرقت السُبُحات والأنوار أو النار التى فى الجهة التى ينظرُ إليها الناظِرُ، إذا كشفها الله له وأراه إياها كلَّ من نَظَرَ إليها . ت ٩٢ / أ وهذه وجوهٌ كلها بينة حسنةٌ ظهَرَت بعون الله وتوفيقه . وقد قال بعض المشايخ - فى تصحيح كون الضمير فى بصره عائداً على الله تعالى -: إن الكلام إشارة إلى العموم لقوله: (١) فى ت: المُحرق. (٣) رواية عبد الله بن قيس . (٢) فى الأصل : ومعنى . (٤) يعنى قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَورَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْض﴾ [ النور: ٣٥]. (٥) جزء حديث رواه ابن إسحق فى السيرة وأخرجه الطبرى فى تاريخه من حديث محمد بن كعب القرظى ٣٤٥/٢، وانظر: سيرة ابن هشام ١ / ٤٢٠، وتفسير ابن كثير ٦/ ٦١ . (٧) فى ق : أو . (٦) فى ت : للاختصاص . (٨) فقد قال السدى فيها: فبنوره أضاءت السموات والأرض. وعن على بن طلحة عن ابن عباس: ﴿اللّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْض﴾ يقول: هادى أهل السموات والأرض. راجع: تفسير ابن كثير ٦/ ٦٠. (٩) بمعنى تصل إليه . ٥٣٧ كتاب الإيمان / باب فى قوله عليه السلام: (( إن اللّه لاينام)) إلخ ((ماانتهى إليه بصرُهُ من خلقه)) ولاشىء من خلقه إلا ورؤية الله تنتهى إليه (١)، فكأنه قال: لو كشفها لاحترق جميع الخلق. وقال النضر بن شُمَّيْلِ: معنى ((سُبُحاتٍ وجهه )) كأنه ينزههُ يقول : سبحان وجهه ، وقد يقال على مذهب من تأوَّل من المتصوفة : حُجُبُ النور تحجُبُ العُلومَ التى لم تبلغ الحقيقة، وصدَّها عن المعرفة الحقيقية لشغل الفكر وتشويش العقل بها ، فلو كشفها عن المخلوقين وأزاحها عنهم وظهرت المعارف والأنوار التى من وجه الحقيقة وجهة الحقّ لأَحرَقتهم ولأهلكتهم ، ولم يحتملها ضَعْفُ تركيبهم ، كما قال : ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكَّا﴾ (٢)، ولكنه يقال: إنما يكشف منها اليسير بقدر احتمال قواهم الضعيفة ، حتى إذا شاء الله وقواها وربط على قلوبهم احتملوا رؤيته ، ومشاهدة عجائب ملكوته ، وعظيم عظمته ، وقدرته ، وجلال سُلطانه وبهائه ، ويدل على صحته ما أشرنا إليه قوله فى الحديث الآخر: ((فلا يسمع حسن ذلك أحد لا يربط على قلبه إلا خلع أفئدته)) وفى الحديث الآخر: ((إلا زهقت نفسه)). واعلم أن فى ذكر الحجاب هنا والحجب، وتكثيرها فى غير هذا الحديث من النور والنار والظلمة والماء مما جاء فى أحاديث أخر ، تنبيه لأولى الألباب على أن الحُجُبَ ليست حجباً لأنفسها ووجودها ، وإنما حجبت الخلق عن ذلك فِعلُ الله وإرادته ومشيئته وقدَرُه ، لأنه حجَب بالأشياء (٣) وأضدادها من النور والظلمة والماء والنار ، وهذا مذهب أهل الحق ؛ أن الرؤية والإدراك فعلُ الله وخلقُه فى المدرك للشىء / ولا يشترطون فى المرئى والمدْرك سوى وجوده إلا من حيث مجرى العادة ، خلافاً للفلاسفة ومن اقتفى آثارها من ضُلال المعتزلة ؛ الاشتراطهم فى الرؤية رفع الموانع من الحجب الثخينة والقرب والبُعْدِ المفرطين واشتراطِهِم اتصال الأشعَّة ومقابلة المرئى، وافتقار الإدراك لبنية مخصوصة - وهى العين - وهذه الدعاوى حَمَلتْهم على نفى رؤية العباد لله أصلاً وساقت بعضهم إلى أن الله تعالى لايرى ولايُرى، تعالى الله عن قولهم، فأبان عَّه أن حَجْبَ الله لأبصار خلقه بمشيئته وخلقه ، لا أنه يحجُبه شىءٌ وأن النور الذى هو فى العادة سبب الإدراك والموجب للرؤية يحجُب بمشيئته عنه العباد كما يحجُبهم ضدّه من الظلمة ، وكذلك الماء بشفوفه ورقته ، والنار بضوئها . ت ٩٢ / ب وقد أشار بعضهم أن قوله: (( حجابه النور)) إشارة إلى معرفة العارفين بأنه لاكيفية له ولامثل ، وأنه ليس كمثله شىء ، فحَجَبَتْ هذه المعرفةُ - وهى النور - قلوبَ العارفين (١) ذهب المتكلمون فى هذه القضية ثلاث فرق: الأولى تقول: إن لله وجهاً هو هو ، وهذا قول أبى الهذيل. والثانية تقول: إن المراد بالوجه هو الذات؛ لأن العرب تقيم الوجه مقام الشىء فيقول القائل : لولا وجهك لم أفعل ، أى لولا أنت لم أفعل ، وهذا قول النظام وأكثر معتزلة البصريين وقول معتزلة البغداديين . والثالثة : ينكرون ذكر الوجه فى غير تلاوة القرآن ، والقائلون بهذه المقالة هم العباديَّة أصحاب عبَّاد. راجع: مقالات الإسلاميين ١٨٩ . (٢) الأعراف : ١٤٣. (٣) فى ت : عن الأشياء . ٥٣٨ كتاب الإيمان / باب فى قوله عليه السلام: ((إن اللّه لاينام)) إلخ ٢٩٥ _ ( ... ) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارِ، قَالاَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرَ ، قَالَ : حَدَّثَنِى شُعْبَةُ عَنْ عَمْرو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِى عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِى مُوسَى ؛ قَالَ : قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ عَّهِ بِأَرْبَعِ: (( إنَّ اللهَ لاَيَنَامُ وَيَنْبَغِى لَهُ أَنْ يَنَامَ ، يَرْفَعُ الْقِسْطَ وَيَخْفِضُهُ، وَيُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ النَّهَارِ بَالَيَّلِ، وَعَمَلُ اللَّيْلِ بِالنَّهَارِ)). عن تخييله وتمثيله ، وأعلمتهم أن العجز عن إدراكه إدراكٌ - كما قال الصدّيق - قال اللهُ تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَبِّهِ﴾(١)، وقال: ﴿ٍ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ﴾(٢) الآية . وقوله : (( يخفض القسط ويرفعُهُ ، يُرفَع إليه عمل النهار بالليل وعملُ الليل بالنهار )» وفى الرواية الأخرى: (( عمل النهار قبل عمل الليل وعمل الليل قبل عمل النهار )) قال الهروى : قال ابن قتيبة : القسط الميزان ، وسمى به لأن القسط العدل ، وبالميزان يقع العدل فى القسمة فلذلك سمى به . والمراد أن الله يخفض الميزان ويرفعه بما يوزن من أعمال العباد المرتفعة إليه ويوزن من أرزاقهم النازلة إليهم. قال الله تعالى: ﴿وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُوم﴾ (٣) ، والقسط أراد الوزن خفض يده ورفعها ، فهذا تمثيل لما يقدر ، ثم يُنْزله ، فشبّه بوزن الوزَّان (٤) . والقُسْطاس بضم القاف / وكسرها : أقوم الموازين ، وقال بعضهم: أراد بالقسْط الرزق الذى هو قسْطُ كل مخلوق ، يخفضه فيقتّرهُ ويرفَعَهُ فيوسعه . ٤٦/أ (١) الزمر: ٢٢. أى: هل يستوى هذا ومن هو قاسى القلب بعيد عن الحق. ولهذا قال: ﴿فَوَيْلٌ لْلْقَاسيَة قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّه ﴾ أى فلا تلين عند ذكره. ابن كثير ٧/ ٨٤ . (٢) الضمير فى نوره فيه قولان : أحدهما: أنه عائد إلى الله عز وجل، أى مثل هداه فى قلب المؤمن، ( كمشكاة ) قاله ابن عباس. الثانى : أن الضمير عائد إلى المؤمن الذى دلَّ عليه سياق الكلام ، تقديره : مثل نور المؤمن الذى فى قلبه كمشكاة ، فشبه قلب المؤمن وماهو مفطور عليه من الهدى ، ومايتلقاه من القرآن المطابق لما هو مفطور عليه فشبه قلب المؤمن فى صفائه فى نفسه بالقنديل من الزجاج الشفاف الجوهرى ، ومايستهديه من القرآن والشرع بالزيت الجيد الصافى المشرق المعتدل الذى لاكدر فيه ولا انحراف . فقوله: ﴿ كَمِشْكَاةٍ﴾ قال ابن عباس ومجاهد ومحمد بن كعب وغير واحد: هو موضع الفتيلة من القنديل قال الحافظ ابن كثير: ((هذا هو المشهور، ولهذا قال بعده: ﴿ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ وهو الذبالة التى تضىء)). (٣) الحجر : ٢١ . (٤) فى ت : الوازن . ٥٣٩ كتاب الإيمان / باب إثبات رؤية المؤمنين ... إلخ (٨٠) باب إثبات رؤية المؤمنين فى الآخرة ربهم سبحانه وتعالى ٢٩٦ - (١٨٠) حدّثْنا نَصْرُ بْنُ عَلَىِّ الْجَهْضَمِىُّ، وَأَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِىُّ، وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ جَمِيعاً عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ - وَاللَّفْظُ لأَبى غَسَّانَ - قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا أَبُو عِمْرَانَّ الْجِوَنِىُّ عَنْ أَبِى بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِهِ ، عَنِ النَّبِىِّ ◌َّهُ؛ قَالَ:((جَنََّانِ مِنَّ فِضَّةً، آنيتُهُمَا وَمَافِيهِمَا، وَجَنَتَانِ مِنْ ذَهَب آنُّهُمَا وَمَافِيهِمَا، وَمَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبَّهِمْ إِلَّ رِدَاءُ الْكِبْرِيَاءِ عَلَى وَجْهِهِ، فِى جَنَّهِ عَدْنٍ». وقوله : (( ومابين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداءُ الكبرياء على وجهه )) قال الإمام : كان ◌َّ يخاطبُ العرب بما تفهم ويخرج لهم الأشياء إلى الحِسّ حتى يقرب تناولهم لها ، فعبّر عن زوال الموانع ورفعِه عن الأبصار بذلك . قال القاضى : كانت العرب تستعمل فى كلامها الاستعارة كثيراً ، وهو أحد أنواع مجازات كلامها / وأرفع أبواب بديع فصاحتها وإيجازها ، وهو التجوز باللفظة ونقلها عن أصل موضوعها واستعمالها فى غيره مما له به شَبه استعمال الموضوع. ونحا الرُّمانى (١) إلى أنها نوع من التشبيه ، إلا أنه بغير أداة ، فالعرب تستعملها فى كلامها استعمال غيرها وتفهم المقصد بها، كما قال تعالى: ﴿جَنَاحَ الذُّلِّ﴾(٢)، فمخاطبة النبى عَّهُ لهم برداء الكبرياء على الوجه وشبهه من المشكلات من هذا المعنى ، ومن لم يفهم مقاصد العرب وكلامهم ممن غلبت عليه العُجَمةُ تاه فى هذه المهمة ، فمن بليد محضٍ أجرى الأمر على ظاهره ، فقال بالتجسيم والتشبيه ، وممن خضرَم فى النباهَة استهول ظواهرَها ولم تتضح له وجوهها لجهله بكلام العرب ومنازعهم (٣) فإمَّا كَذَّب بالأصل كالمعَطِّلة، أو كذب بهذه الآثار وأطرَحها وجهَّل نقلتها كالمعتزلة ، فاستعار عَّ لعظيم سلطان الله وكبريائه وعظمته وهيبته وجلاله المانع من إدراك أبصار البشر ذاته لضعفها عن ذلك ، حتى إذا شاء ذلك قوَّى أبصارهم ، وثَّت عقولهم ، وشجَّعَ أنفسهم ، وربط على قلوبهمٍ ، وكشف عنهم حجب هيبته وموانع عظمته ، فاحتملوا رؤيته واستقروا لمشاهدته . فعبّر عن ذلك برداء الكبرياء كما عبّر الشارع عن أشياء كثيرة من قوله: (( فليخفف الرداء يعنى الدّين)). ت ٩٣ / أ ٠ (١) هو أبو الحسن على بن عيسى بن على الرمانى النحوى المتكلم ، أحد الأئمة المشاهير ، جمع بين علم الكلام والعربية ، وله تفسير القرآن الكريم ، أصله من سر من رأى ، توفى سنة أربع وثمانية وثلثمائه . وفيات الأعيان ٢٩٩/٣ . (٢) الإسراء : ٢٤، والمراد بجناح الذل هنا : التواضع. (٣) فى الأصل : منازعتهم . ٥٤٠ كتاب الإيمان / باب إثبات رؤية المؤمنين ... إلخ ٢٩٧ - (١٨١) حدّثناُ عُبَيْدَالله بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، حَدَّثَنَا حَمَادُ بْنُ سَلَمَةٍ، عَنْ ثَابت الْبُنَانِىّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى لَّيْلَى، عَنْ صُهَيْبٍ، عَنْ النَّبِ مَُّ قَالَ: ((إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةُ الجَنَّةَ)) قَالَ: (( يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: تُريدُونَ شَيئاً أَزِيدُكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: أَمْ تُبيِّضْ وُجُوهَنَا؟ أَمْ تُدْخِلْنَا الجِنَّةَ وَتُنَجِّنَاَ مِنْ النَّارِ؟)) قَالَ: ((فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ، فَمَا أُعْطُوا شَيئً أَحَبَّ إِلَيْهِمْ من النظرِ إِلَى رَبّهِمْ عَزَّ وَجَلَّ) . وقوله: ((فى جنة عدن)): معناه راجع إلى الناظرين ، أى وهم فى جنة عدن لا إلى المرئى وهو الله ، فإنه لاتحويه الأمكنة ، تعالى الله عن ذلك (١). وذكر مسلم حديث عبيد الله بن عُمَر بن ميْسَرَةَ عن ابن مهدى[ قال ثنا ] (٢) حماد بن سلمة عن ثابت البُنانى عن ابن أبى ليلى عن صهيب عن النبى معَّه: ((إذا دخل أهل الجنة الجنة ... )). قال أبو عيسى الترمذى: هذا الحديث إنما أسنده حماد بن سلمة ورواه سليمان بن المغيرة وحماد بن زيد عن ثابت عن عبد الرحمن بن أبى ليلى قوله(٣). قال القاضى : ذكر فى هذا الحديث نظر أهل الجنة إلى ربهم ، مذهب أهل السنة بأجمعهم جواز رؤية اللّه عقلاً ووجوبها (٤) فى الآخرة للمؤمنين سمعاً ، نطق بذلك الكتاب العزيز (١) فهى حال من القوم ، أى كائنين فى جنات عدن ، لا من الكينونة ، لاستحالة المكان عليه تعالى. وجنة عدن : قال الضحاك اسم لمدينة الجنة ، وهى مسكن الأنبياء - عليهم السلام - والعلماء والشهداء وأئمة العدل ، والناس سواهم فى جنات حواليها ، وقال عطاء : هو نهر على حافتيه جنات ، وقيل : عدن اسم للإقامة ، من عدن بالمكان إذا أقام به ، واختاره ابن عطية وقال : هو الصواب ؛ لأن الله - سبحانه - وعدها المؤمنين والمؤمنات بقوله تعالى: ﴿وَمَسَاكِنَ طَيَِّةٌ فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ [التوبة: ٧٢ ] إكمال الإكمال ٣٣٥/١ . (٢) فی ت حدثنا . (٣) عبارة الترمذى: ((هذا حديث إنما أسنده حماد بن سلمة ورفعه ، وروى سليمان بن المغيرة وحماد بن زيد هذا الحديث عن ثابت البُنَّانى عن عبد الرحمن بن أبى ليلى قوله)) . ك صفة الجنة ، ب ماجاء فى رؤية الرب تبارك وتعالى ٤/ ٦٨٧ . ومعنى قوله: أى أنه من قول ابن أبى ليلى ليس فيه ذكر النبى معَّه ولا ذكر صهيب. قال النووى : وهذا الذى قاله هؤلاء ليس بقادح فى صحة الحديث ؛ لأن المذهب الصحيح المختار الذى ذهب إليه الفقهاء وأصحاب الأصول والمحققون من المحدثين ، وصححه الخطيب البغدادى : أن الحديث إذا رواه بعض الثقات متصلا وبعضهم مرسلاً ، أوبعضهم مرفوعا وبعضهم موقوفا حكم بالمتصل وبالمرفوع ، لأنهما زيادة ثقة ، وهى مقبوله عند الجماهير من كل الطوائف)). نووى ٤٢٦/١. (٤) فى الأصل : ووجوبه . ...-