Indexed OCR Text
Pages 501-520
٥٠١ كتاب الإيمان / باب الإسراء برسول الله عليّ ... إلخ السَّلامُ. وَفِى الثَّالثَة يُوسُفَ. وَفِى الرَّبعَة إدريسَ. وَفِى الْخَامِسَةِ هَرُونَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِمْ وَسَلَّمَ قَالَ: (( ثُمَّ انْطَلَقْنَا حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى السَّمَاء السَّادِسَةِ، فَأَتَيْتُ عَلَى مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَرْحَبَا بِالأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِىُّالصَّالِحِ، فَمَّ جَاوَزْتُهُ بَكَى، فَنُودِىَ : مَايُبْكِيكَ؟ قَالَ: رَبِّ ، هَذَا غُلامٌ بَعَثْتَهُ بَعْدِى، يَدْخُلُ مِنْ أُمَتَهِ الْجَنَّةَ أَكْثَرُ ممَّا يَدْخُلُ مِنْ أُمََّى)). قَالَ: ثُمَّ ((انْطَلَقْنَا حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى السَّمَاءِ السَّبِعَةِ، فَأَتَيْتُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ)). ١ وقيل فى قوله: (( كل مولود يولد على الفطرة)) (١) هذه الأقوال كلها ، وقيل : ما كتب عليه فى بطن أمه ، وقيل : الإسلام ، وسيأتى الكلام على هذا الحديث . ويحتمل أنَّ المراد بالفطرة فى قوله: (( اخترت الفطرة )) بعض هذه المعانى - الإسلام أو الاستقامة أو الحنيفية . أو يكون - أيضاً - لما كان اللبن كله حلالاً فى هذه الشريعة والخمر كله حراماً فعدَل عمَّا حُرّم فيها إلى ما أحِلَّ فيها (٢) دَلَّ ذلك على هدايته لها ، وقيل : هو من باب التفاؤل الحسن لما كان أول شىء يدخل جوف الرضيع، ويفتح فمه عليه يسمى فِطْرَةٌ ، لشقه الأمعاء . وما تقدم أوجه . وقوله فى الرواية الأخرى: (( أصبتها أصاب الله بك)): أى أصبت الفطرة أو الملة، ومعنى أصاب الله بك: أى قصدَ بك طريق الهداية ، وقد يكون أصاب هنا بمعنى : أراد الله بك الخير ، واعتمدك به . وقوله فى الخمر: ((لو أخذته لغوَت أُمَّتِّك)» دليلٌ على تحريمها وأنها من الغى وسبَبُ الغى ، وضد الهُدى ، وليست منه . [ و] (٣) ذكر فى الحديث أبواب السماء واستفتاحها وسؤال ملائكتها لجبريل ، فيه دليل على أن للسماء أبواباً حقيقية ، وحفظةً موكَّلين بها ، ودليلٌ على الاستئذان ، وأن ما (١) جزء حديث أخرجه البخارى فى الجنائز، ب ما قيل فى أولاد المشركين ٢ / ١٢٥، أبو داود ، ك السنة، ب فى ذرارى المشركين ٢ / ٥٣١، أحمد فى المسند ٢ / ٢٣٣، ٢٧٥، ٢٨٢، ٣٩٣ عن أبى هريرة . (٢) قال الأبى: ((وفى توجيه إيثار اللبن بما ذكر نظرٌ؛ لأن هذه الخمر ليست بحرام ؛ لأنها إن كانت من خمر الجنة فواضح ، وإن كانت من خمر الدنيا فلم تكن حينئذ حُرّمت ، لأنها إنما حُرّمت عام خيبر )). إكمال ٠٣٠٦/١ قلت : وهى وإن لم تكن حرمت شرعاً حتى ذلك الوقت ، فإنها مكروهةٌ على الدوام طبعاً ، ولهذا كان تعبير جبريل - عليه السلام - له: (( أصبت الفطرة)). (٣) من الأصل . ٥٠٢ كتاب الإيمان / باب الإسراء برسول الله عَّة ... إلخ ينزل من الوحى وعلم الغيب بها لا يعلمه إلا من أعلمهُ الله به ، لاستفهام الملائكة جبريل عن بعث محمد عَّه وقد كان بُعث منذ مدة، وقيل: بل معنى قوله: ((أوَ قَدْ أُرْسِل إليه؟)): أى للعروج إلى السماء (١)، إذا كان إرساله بالنبوة قبل مُستفيضاً ، فجاء أنهم قد علموا بعضاً دون بعض ، علموا بنبوته وأنه سيُرسَل ولم يعلموا وقت إرساله ، أو علموا جميع ذلك ولم يعلموا إسراءه . وفيه لقاء أهل الفضل بالترحيب والبشر والكلام الحسن لقول الأنبياء والملائكة له : مرحباً ونعم المجىء جاء ودعائهم له، وقولهم: ((الابن الصالح والأخ الصالح)). وانتصب (( مَرْحباً)) على إضمار فعل أى صادفت رُحبا وسعة بر. وقوله عن إدريس فى قوله لنبينا عَّه: ((والأخ الصالح)) مخالف لما يقوله أهل النسب والتاريخ من أنه أبٌ وأنّه جدٍّ أعلى لنوح ، وأن نوحاً هو ابن لامك بن متشولح (٢) ابن خنوخ ، وهو عندهم إدريس بن برد بن مهلايل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم - عليه السلام . ولا خلاف عندهم فى عدد هذه الأسماء وسردها على ما ذكرناه ، وإنما الخلاف فى ضبط بعضها وصورة لفظه . وجاء جواب الآباء هاهنا - كنوح وإبراهيم وآدم -: ((مرحباً بالابن الصالح))، وإنما قال عيسى عن إدريس بالأخ الصالح - كما ذكر عن موسى وعيسى ويوسُفَ وهرون ويحيى ممن ليس بأب باتفاق للنبى معَّه . قال بعضهم : وقد قيل عن إدريس إنه إلياس ، وهذا يدُل أيضاً أنه ليس بِجَدّ لنوح، واحتج لصحة ذلك بقوله: ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٣) ، وبقوله تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ﴾ (٤) يعنى إبراهيم - عليه السلام - وذكر فيهم إلياس ، وفى حديث الشفاعة : أنَّ نوحاً أوَّل رسول لأهل الأرض ، وسيأتى الكلامُ بعد على هذا إن شاء الله تعالى . وقوله : ((وإذا إبراهيم مسنداً ظهره إلى البيت المعمور)) : يُستَدلُّ به على جواز الاستناد إلى القبلة وتحويل الظهر إليها . وقوله فى آدم: ((عن يمينه أسَوِدَةٌ وعن يساره أسْوِدَةٌ )) الحديث ، قال الإمام : أسْوِدةٌ جمع سوادٍ ، مثل قذال وأقذلة ، وزمان وأزمنة ، وسنام وأسْنمة . قال الهروى : السَّوَاد (١) قال السهيلى: ((ومعنى سؤالهم عن البعث إليه فيما قال بعض أهل العلم: أى قد بُعِث إليه إلى السماء، كما قد وجدوا فى العلم أنه سيُعَرج به ، ولو أرادوا بعثه إلى الخلق لقالوا: أوَ قد بُعِث، ولم يقولوا : إليه ، مع أنه يبعد أن يخفى عن الملائكة بعثه إلى الخلق فلا يعلمون به إلى ليلة الإسراء)). الروض الأنف ٢ / ١٥١. (٢) فى ت : والأصل : متوشلح ، غير أنها استدركت بهامش ت بما أثبتناه . (٣) الصافات : ١٢٣ . (٤) الأنعام : ٨٤ . ٥٠٣ الخ ٠٠٠ كتاب الإيمان / باب الإسراء برسول الله وَقَالَ فِى الَحَدِيثِ: وَحَدَّثَ نَبِىُّ الله ◌َُّ أَنَّهُ رَأَى أَرْبَعَةً أَنْهَارِ يَخْرُجُ مِنْ أَصْلِهَا نَهْرَانِ ظَاهِرَانِ وَهْرَانِ بَاطِنَان (( فَقُلْتُ: يَاَ جِبْرِيلُ، مَا هَذه الأَنْهَارُ ؟ قَالَ : أَمَّا النَّهْرَان الْبَاطِنَانِ فَتَهْرَانِ فِى الْجَنَّةِ، وَأَمََّ الظَّاهِرَانِ فَالنِّلُّ وَالغُرَاتُ، ثُمَّ رُفِعَ لِىَ الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ، فَقُلْتُ: يَ الجماعات (١) . قال غيره : فكأنه قال : فإذا رجل عن يمينه جماعة وعن يساره جماعةٌ ، والسّواد - أيضا - الشخص ، يقال : لا يفارق سوادُك سوادى ، أى شخصك شخصى. قال القاضى : ذكر فى الحديث نفسه أن الأسْودة نسَمُ بنيه ، فأهل اليمين أهل الجنة ، فلذلك قال: ((إذا نظر إليهم ضَحِك)) وذكر أن أهلَ الشمال أهل النار، فلذلك قال: «إذا نظر إليهم بكى )) . والنسمُ جمع نَسَمة ، قال الخطابي : وهى تفسير الإنسان ، يريد أرواح بنى آدم ، وذكر أنَّه وجد آدمَ فى السماء الدنيا ونسم بنيه من أهل الجنة والنار ، وقد جاء أن أرواح الكفَّار فى سجين (٢) ، قيل: فى الأرض السابعة ، وقيل : تحتها ، وقيل : فى سجن ، وأن أرواح المؤمنين مُنْعَّمةٌ فى الجنة ، فتُحمل أنها تُعرَض على آدم أوقاتاً فوافق وقت عرضها مرور النبى ◌ّ به ، ويحتمل أن كونهم فى النار والجنة أوقاتًا دون أوقات، بدليل قوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ الآية (٣)، وبقوله فى المؤمن: (( وعُرض منزله من الجنة عليه هذا مقعدك حتى يبعثك اللهُ إليه)) ويحتمل / أن الجنة كانت فى جهة يمين ٤١ / ب آدم ، والنار فى جهة شماله ، وكلاهما حينئذ حیث یشاء الله . وفيه دليل على وجود الجنة والنار، وخلقهما، على ما ذهب إليه أهل السنة والحديث، وأن الجنة فى السماء أو فوقها وجهتها على ما جاءت به ظواهر الأحاديث وأن العرش سقفها . وقوله فى ذكر الأنهار الأربعة ، وأنه رآها تخرج من أصلها ، كذا جاء فى الأم ، أى من أصل سدرة المنتهى ، وكذا جاء مُبينًا فى البخارى (٤) . وقوله: (( وأما النهران الظاهران (٥) فالنيل والفرات)): يُشْعِرُ أن أصْلَ سدرة المنتهى فى الأرض ، والله أعلم . (١) عبارته : الأساود الشخوص من المتاع، وكل شخص سوادٌ ، من متاع أو إنسان أو غيره ، وجمع السواد أسودة ، ثم الأساود جمع الجمع . غريب الحديث ٤ / ١٣٤ . (٢) يعنى ذلك ما أخرجه أحمد عن البراء بن عازب قال: قال رسول الله عليه: ((إنَّ العبد المؤمن إذا كان فى انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه ملائكة من السماء، بيض الوجوه ، كأن وجوههم الشمس ... )) الحديث. المسند ٤ / ٢٨٧ . (٣) غافر : ٤٦ . (٤) ك مناقب الأنصار، ب حديث الإسراء ٥ / ٦٨. (٥) قال مقاتل: الباطنان هاهنا السلسبيل والكوثر . قال النووى معقباً على كلام القاضى من أن أصل سدرة المنتهى فى الأرض : هذا الذى قاله ليس بلازم ، بل معناه : أن الأنهار تخرج من أصلها ثم تسير حيث أراد الله تعالى، حتى تخرج من الأرض وتسير فيها ، قال : وهذا لا يمنعه عقلٌ ولا شرع ، وهو ظاهر الحديث ، فوجب المصير إليه ، والله أعلم ٢ / ٢٢٥ . ٥٠٤ كتاب الإيمان / باب الإسراء برسول الله عليه ... إلخ جَبْرِيلُ ، مَا هَذَا؟ قَالَ : هَذَا الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ، يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَك، إذَا خَرَجُوا مِنْهُ لَمْ يَعُودُوا فِيهِ آخِرُ مَا عَلَيْهِمْ، ثُمَّ أُتِيتُ بِإِنَاءَيْنِ أَحَدُهُمَا خَمْرٌ والآخَرُ لَنَّ، فَعُرضَا عَلَىَّ، فَاخْتَرْتُ اللََّنَّ. فَقِيلَ: أَصَبْتَ ، أَصَابَ اللهُ بِكَ، أُمَّكَ عَلَى الْفِطْرَةِ . ثُمَّ فُرِضَتْ عَلَىَّ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسُونَ صَلَاةً)) ثُمَّذَكَرَ قِصَتُهَا إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ. وقوله: فى موسى - عليه السلام -: ((فبكى))، وقوله: ((رجل، يدخُلُ من أمته الجنة أكثر من أمتى))، بكاؤه هذا إشفاق على قومه وأمته ، وما تقدّم من ضلالهم وعدم توفيقهم وهدايتهم، وما فاته من ثواب كثرة من يؤمن به منهم، ومن ذريتهم، ويُدَّخَرُ له(١) [ من أجورهم ] (٢) لذلك ، لو وفقهم الله . وقوله : ((ففَرض علىَّ فى كل يوم وليلة خمسين صلاةٌ )) ثم ذكر مراجعته ربَّهُ حتى ردَّها إلى خمس صلوات ، قال الإمام : هذا يُستَدلُّ به على من منع نسخ الشىء قبل فعله، إذ لم تفعل من هذه الصلوات شىء بعد (٣) . قال القاضى : ذكر مسلم فى حديث ثابت عن أنسٍ أنَّه حطَّ عنه أولاً خمس صلوات، ثم لم يزل يرجع بين ربه وبين موسى حتى قال : يامحمد ، إنَّها خمس ، وذكر من رواية الزهرى عن أنس أنه حطَّ أوَّلا من الخمسين شطرها ، ثم ردَّها إلى خمسٍ ، وقد ذكر البخارى الحديثين جميعاً (٤) . وقد يجمع بينُهما أن يجعل الشطر فى الحديث الآخر بمعنى الجزء لا بمعنى النصف، وإن كان أصله النصف فقد يعبّر به عن غير النصف، كما قالوا: أشطارُ الناقة، وهى أربع (٥) وأشطار (٦) الدهر ، وهى كثيرة (٧) . واختصاص نبينا [عَّ] (٨) بموسى (٩) فى هذه القصة لأنه كما قال : وجده فى السماء (١) فى ت: لهم . (٢) سقط من ت . (٣) وردت فى نسخة المعلم عقب سياقه لأحاديث الإسراء ، وما هاهنا من تصرف القاضى .. (٤) فى ك مناقب الأنصار، ب المعراج، عن مالك بن صعصعة جاء بلفظ: (( فوضع عنى عشرا ، فرجعت إلى موسى فقال مثله ، فرجعتُ فَوَضَع عنى عشرا ، فرجعتُ إلى موسى فقال مثله ، فرجعتُ فأمرْتُ بعشر صلوات كلَّ يوم، فرجعت فقالَ مثله، فرجعتُ فأمرتُ بخمس صلوات كل يوم .. )) الحديث ٦٩/٥ . ورواية الشطر جاءت فى ك الصلاة ، ب كيف فُرضت الصلواتُ فى الإسراء، من حديث أنس بن مالك عن أبى ذر ١ / ٩٧ . (٥) فى الأصل : أربعة . (٧) مشارق الأنوار ، لسان العرب . (٩) فى الأصل : لموسى . (٦) فى الأصل : أشطر. (٨) من ت . ٥٠٥ كتاب الإيمان / باب الإسراء برسول الله عَّة ... إلخ . السادسة (١) ، فكان أول من لقيه من الأنبياء صلوات الله عليهم . وفيه إشفاقهم على عباد الله، ورفقهم بهم، وحبهم هدايتهم ، ونصيحتهم لجميعهم . وقوله فى شرح صدره: (( فاستخرخ منه علقةً، وقال هذا حظُّ الشيطان منك)) : دليل بَيِّنٌ على عصمة نبينا من الشيطان ، وكفايته إياه أن يُسَلَّط عليه ، لا فى علمه ولا يقينه ، ولا جسمه ولا شىء من أمره ، لا بالأذى والوساوس (٢) ولا غيره، وقد ادَّعى بعض العلماء الإجماع على ذلك (٣) . ويصحح ما قلناه ما جاء من الآثار الصحيحة أنه قد أعانه الله عليه فلا يأمره إلا بخير، أو أنه أسلَمَ ، على من رواه بفتح الميم ، أو أسلمُ ، على من رواه بضم الميم (٤) ، أو استسلم على من رواه كذا ، وأنه قد أخذه حين تعرض له فى صلاته ، ولقوله (٥): (( لم يكن ليُسلَّط علىَّ » (٦) . وعلى هذا لا يصح أن يحمل قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ﴾ (٧) على الإغواء والوسوسة ، بل على ما قاله بعض المحققين: أنه راجع إلى قوله : ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (٨) ثم قال: ﴿وَإِمَّ يَنَزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ﴾ الآية : أى يستخفَّنَّك غضباً يحملك على ترك الإعراض ، وقيل : النزغ أدنى الوسوسة ، فأمره تعالى بالاستعاذة من ذلك فيكفيه له ، إذ لم يُسلَّط على أكثر من ذلك (٩) . وكذلك أنكر محققو المفسرين والعلماء أن يكون الشيطان تسلّط على ملك سليمان وأهله، وردُّوا ما حكاه بعضهُم وذكره المؤرخون من ذلك (١٠) ، وكذلك لا يصح قصة (١) قيدت فى إكمال الإكمال : السابعة ، وهو وَهم أو خطأ . (٢) فى ت : الوسواس . (٣) راجع: الشفا ٢ / ٧٣٥ . (٤) فى الأصل بالضم، والقاضى يعنى بذلك قوله عَّه: ((مامنكم من أحد إلا وُكِّل به قرينُهُ من الجنِّ وقرينهُ من الملائكة)) قالوا: وإياك يارسول الله؟ قال: ((وإيَّى، لكن الله تعالَى أعاننى عليه فأسلم))، وسيأتى فى صفات المنافقين . (٦) لم أقف عليه . (٥) فى الأصل : وقوله . (٨) الأعراف : ١٩٩ . (٧) الأعراف : ٢٠٠ . (٩) وقيل : ينزغنَّك: يغرينَّك ويُحركنَّك، فأمره الله تعالى أنه متى تحرَّك عليه غضبٌ على عدوّ، أو رام الشيطانُ من إغرائه به وخواطر أدانى وساوسه ، لم يجعل له سبيل إليه - أن يستعيذ منه ، فيُكفَى أمرَه ، ويكون سبب تمام عصمته . راجع الشفا ٢ / ٧٤٠ . (١٠) من قولهم بتشبه الشيطان به ، وتسلطه على ملكه ، وتصرفه فى أمته بالجور فى حكمه . قال القاضى فى الشفا : وأما قصة سليمان وماحكى فيه أهل التفاسير من ذنبه وقوله: ﴿وَلَقَدْ فَتْنَا سُلَيْمَان﴾ [ص: ٣٤] فمعناه: ابتلينا، وابتلاؤه ماحُكى عن النبى معَّه أنه قال: لأطوفَنَّ الليلة على مائة امرأة أو تسع وتسعين ، كلُّهن يأتين بفارس يجاهدُ فى سبيل الله ، فقال له صاحبه : قل : إن شاء الله ،= ٥٠٦ - كتاب الإيمان / باب الإسراء برسول الله عَّة ... إلخ [ تلك ] (١) الغرائقة العلى، وما ذكر (٢) من إلقاء الشيطان لها على فم النبى عليه وتأويل من تأوَّل ذلك فى قوله تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِي﴾ الآية (٣)، إذ تلك الأحاديث لا أصل لها ، والآية مختلف فى تأويلها ومعناها ، فقد قيل : ألقى فى أمنيته ، أى سها فى تلاوته ، ولإجماع المسلمين أنه لا يجوز أن تُسَلَّط عليه فى شىء من أمور شريعته ، ولا شىء أعظم من مدح آلهة غير الله وتشريكها معه ، لا سهواً ولا عمداً، وقد بسطنا الكلام فى هذا وشبهه فى كتاب الشفا ، بما لا مزيد عليه وتقصَّينا فيه ما لا يكاد تجده فی سواه والحمد لله (٤) . وقوله : ((وغسَلَه فى طست من ذهب)): يقال: طستٌ بفتح الطاء - وهو أشهرها - وقيل : بكسرها ، وطَسٌّ وطَسَّةٌ وطِسَّةٌ . استدل به بعض فقهائنا على جواز تحلية ما كان من آلات الطاعات بالذهب والفضة ، كالمصحف والسيف وشبهه ، ويرد قوله ما وقع عليه الاتفاق من منع تحلية المحابر والأقلام ، وكتب العلم - ماعدا المصاحف (٥) ، إذ خلاف العلماء فى الأسلحة الحربية وآلاتها ماعدا السيف (٦) ، وما استمر عليه عمل المسلمين من تحلية الكعبة والمساجد وآلاتها بالذهب : والفضة (٧) . وقوله : (( ثم لأمه )) أى جمعه وألزقه ، وضمّ بعضه إلى بعض حتى التأم . = فلم يقُل، فلم تحمل منهن إلا أمرأةٌ واحدةٌ جاءت بشق رجل. قال النبى عَّه: ((والذي نفسي بيده ، لو قال : إن شاء الله لجاهدوا فى سبيل الله)). والحديث صحيح ، والمراد بالصاحب الملك أو القرين ، أو رجل كان يصحبه ، والمراد بشق رجل أى رجل غير كامل . الشفا ٢ / ٨٣٥ ٠ (١) ساقطة من ت . (٣) الحج : ٥٢ . (٢) فى الأصل : وما ذكره . (٤) راجع : الشفا ٢ / ٧٥٠ . (٥) جاء فى التمهيد: ((لا يجوز للرجال التختم بالذهب، ولا أن يحلى به سيفاً ولا مصحفاً لنفسه، ولا يلبسه فى شىء من الأشياء)) ١٤ / ٢٤٩ . (٦) فقد أخرج الترمذى بإسناد حسن عن مزيدة العصرى قال: دخل رسول الله عَّ يوم الفتح وعلى سيفه ذهب وفضة ، ك أبواب الجهاد ، ب ماجاء فى السيوف وحليتها، وانظر: عارضة الأحوذي ٧ / ١٨٥، وجاء فى المغنى قال: قال أحمد: قد رُوى أنه كان لعمر سيفٌ فيه سبائك من ذهب المغنى ١٢ / ٥٢٣ وسبب الإباحة فى ذلك إرهاب العدو ، تحفة الأحوذي ٥ / ٣٣٨ . (٧) لأنه حينئذ من باب اللباس لا من باب الآنية ، وباب اللباس أوسع من باب الآنية ، فإن آنية الذهب والفضة تحرم على الرجال والنساء ، وأما باب اللباس فإن لباس الذهب والفضة يباح للنساء بالاتفاق ، ويباح للرجل مايحتاج إليه من ذلك ، ويباح يسير الفضة للزينة ، وكذلك يسير الذهب التابع لغيره كالطرز ونحوه ، وذلك لحديث معاوية الذى أخرجه أحمد أن رسول الله عَّه نهى عن الذهب إلا مقطعاً . راجع: مجموع الفتاوى ٢١ / ٨٧، ٢٥ /٦٤ ٠ ٥٠٧ كتاب الإيمان / باب الإسراء برسول الله عليه ... إلخ وقوله: ((منتقع اللون)): قال الهروى: يقال: انْتَقَعَ لَوْنُه وانتُفِعِ والْتُمِع واستُنْقِع والتُمئ (١) بمعنى واحد كلها عن الفراء . وقال الأزهرى : التُمِغ بالغين المعجمة أيضا ، وانتُشِفَ بالمعجمة أيضا (٢) . قال القاضى : وأصل انتُقع - والله أعلم - من النقع ، وهو التراب ، أى تغير وجهه وزال عنه نور الحياة حتى أشبه التراب ، وكأنما ذُرَّ عليه . وفى هذه القِصَّة أدلُّ حُجَّةٍ وأوضح برهان ، وأصح دليل على مذهب أهل الحق من أن الموت والحياة وسائر الأشياء من فعل الله تعالى وخلقه محضاً / ليس يوجبهما سبب ولا ٤٢ / أ تقتضيهما طبيعة ، ولا يشترط لوجودهما شَرْطٌ لا يوجدَان إلا معَه البتّة - إلا من حيثُ أجرى الله العادة ، حتى إذا شاء خَرَقها وأنفذ قدرته كيف شاء وكانت بمجرد قدرته وإرادته - خلافاً للفلاسفة ومن ضارع مذهبهم من المعتزلة (٣) ، فإنَّ شق الجوف وإخراج الحشوة (٤) ، وإخراج القلب وشقه ومعاناته وغسله ، وإخراج شىء منه كل (٥) ذلك مقتل فى العادة وسبب يوجد معه (٦) الموت لا محالة ، وقد اجتمعت هذه كلها فى هذه القصة ولم يُت صاحبها ، إذ لم يُرد الله موته ولا قضاه ، بل كانت هذه المهالك فى حق غيره أسبابا لحياة نفسه وقوة روحه وكمال أمره . ويحتمل أن تكون هذه العلقةُ التى استُخْرجِتْ من قلبه هى أحدُ أجزاء القلب المختص بها حبُّ الدنيا والنزوع للشهوات التى منها يأتى الشيطان ، [ أو ما تختص بها عوارض السهو والغفلة ، كل ذلك بتدبير العزيز الحكيم - وهى الأبواب التى يأتى منها الشيطان - فطُرِحت عنه ] (٧) فلا يجد الشيطان إليه سبيلاً ، كما طُرح عن يحيى شهوة النساء (٨). أو تكون تلك العلقة - إذا كانت فى القلب - هى القابلة لوِسْواسِ الشيطان والمحركة للنفس بما ركب اللهُ فيها من القُوى لما يوافقه، فأُزيحت عنه عَّه ليسلم من دواعيه الخبيثة ، ونُقى القلبُ وغُسِل منها حتى لا يبقى لها أثر فى القلب جملةً . (١) فى ت : والتهم . (٢) غريب الحديث ٤ / ٥٩ . (٣) أجمعت المعتزلة على أن الشىء إذا وجد فوجود ضده فى تلك الحال محال. مقالات الإسلاميين ٢٤٤. (٤، ٥) زيد بعدهما فى ق : شىء من . (٦) فى الأصل : معها . (٧) سقط من ق . (٨) قال فى الشفا : اعلم أنَّ ثناء الله تعالى على يحيى بأنه حصورٌ ليس كما قال بعضُهم : إنه كان هيوبا ، أو لا ذَكَر له ، فهذه نقيصةٌ وعيب ، ولا تليق بالأنبياء ، وإنما معناه : أنه معصوم من الذنوب ، أى لا يأتيها ، كأنها حُصر عنها ، وقيل : مانعاً نفسه من الشهوات ، وقيل : ليست له شهوةٌ فى النساء ، فعدمُ القدرة على النكاح نقصٌ ، وإنما الفضلُ فى كونها موجودةٌ ثم قمعها . الشفا ١ / ٦٦ . ٥٠٨ كتاب الإيمان / باب الإسراء برسول الله عَّة ... إلخ وقوله: ((مملوءة حكمة وإيمانا)) : فالحكمة قد جاءت بمعنى النبوّة ، كما قيل فى قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلٍ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾ (١) وفى قوله: ﴿وَأَتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ (٢) أنَّه الحكمة ومعناها : النبوّة ، والحكمة - أيضا - ما منع من الجهل، وقيل ذلك فى قوله تعالى: ﴿ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءَ﴾ (٣) . فإن قيل : الحكمة والإيمان مَعْنيان ووصفان ، فكيف يملأ بهما طسْتٌ وهذه صورة الأجسام ؟ فاعلم أنه قد يكون أن الله تعالى [ لما طَهَّر قلبه ] (٤) عن مضغة [ الشر] (٥) وغفلة (٦) الشيطان القابلة لغير العلم والحكمة ، عَوَّضه منها بفضله ماشاء ما أودعه قلبَه ، وما جعله متعلقاً لقبول حكمته وألطاف نبوته، والإيمان بمجامع (٧) غيبه وشهادته، [ و] (٨) عَبَّر عن ذلك بمتعلَّقه وهو الإيمان والحكمة ، فسمَّاها بذلك إذ كانت تقوم به ، وأما قولهم فى الرواية الأخرى: ((ثم حشى إيمانًا وحكمةً)) فعلى طريق الاستعارة (٩) لعظيم ما علَّمه الله من ذلك . وفى هذا دليل على صحة قول المحققين : إن الكفر لا يصح قبل النبوة على الأنبياء وإن نبينا وسائرهم معصومون منه ومن سائر المعاصى ، ثابتو الإيمان من صغرهم ، ألا ترى كيف حُشِى صدرهُ وقلبُه حكمة وإيماناً من صغره وهو عند ظئره ! ؟ وقد أشرنا إلى هذه النكتة قبل . وقوله: ((إلى مراق البطن))، قال الإمام : قال ابن قتيبة : هو بتشديد القاف ، قال غيره : مراق البطن هو ما سفل منه (١٠) . قال القاضى : أصله كل ما رق من الجلد ، وقد عبّر عنه فى غير هذا الحديث بلفظ آخر بمعنى : أسفل البطن . وقوله فى [ هذا ] (١١) من رواية عبد الله بن هاشم المختصرة عن ثابت عن أنس قال: قال النبى معَّهُ: ((انطلَقوا بى إلى زمزم، فشرح عن صدرى، ثم غُسِل بماء زمزم ، ثم أُنزِلتُ)) كذا رويناه عن جميعهم بضم الهمزة وكسر الزاى وضم التاء ، وحكى لنا بعض (١) النحل : ١٢٥ . (٢) مريم : ١٢، وقيل: المراد بالحكمة هنا: الفهم والعلم والجد والعزم والإقبال على الخير والإكباب عليه ، والاجتهاد فيه وهو صغيرٌ حدث. تفسير القرآن العظيم ٥ / ٢١٠ . (٤) فى ت : لما طهر الله قلبه . (٣) البقرة : ٢٦٩ . (٥) ساقطة من الأصل . (٧) فى ت : بجامع . (٦) فى الأصل : وعلقة . (٨) ساقطة من ت ، ولعل ذلك الأصوب . (٩) إذ شبّه الامتلاء بالحشو ، ثم حذف المشبه، وأقام المشبه به مقامه ، واشتق منه حُشى . (١٠) وردت تلك العبارة فى المعلم بعد الحديث عن صفة موسى - عليه السلام. (١١) ساقطة من ت . ٥٠٩ كتاب الإيمان / باب الإسراء برسول الله عَّة ... إلخ . شيوخنا عن القاضى أبى الوليد الوقشى - وكان أكثر اعتناء بأمثال هذه الألفاظ المشكلة والجسارة على تقويمها بزعمه وإصلاحها - أن اللفظة وَهْمٌ من الرواة وتصحيف ، وصوابها : ثم تركت ، فعَرَضت هذا على شيخنا أبى الحسين بن سراج الحافظ اللغوى فقال لى : هذا تكلف ، وأُنْزِلْتُ بمعنى تركت فى كلام العرب معروف ، فاتفقا فى المعنى واختلفا فى صحة اللفظ ، ثم ظهر لى أنا بعد [ ذلك ] (١) أن أنزلت على بابها المستعمل الذى هو ضد رفعت ، ألا تراه (٢) كيف قال فى أول الحديث: ((انطلقوا بى)): أى رفعوه من مضجعه وحملوه إلى حيث فُعِلَ به هذا ، ثم رُدَّ إلى مكانه وأنزل فى مضجعه ، ولم أزل أعد هذا وماقبله أنا وغيرى من غرائب المعانى ودقائق أسرار كشف المشكل ، إلى أن أوقفتنى المطالعة على الجلاء فيه ، وإذا اللفظة طرف من الحديث الطويل المتقدم وقف عليها الراوى معلقاً بقية الحديث بما تقدم ومحيلاً عليه ، فذكرها الإمام أبو بكر الخوارزمى المعروف بالبرقانى (٣) فى الصحيح فقال فيه: (( ثم أَنْزِلَتْ طستٌ مملوءة حكمة وإيماناً فحشى بها صدرى، ثم عُرِج بی )) وذكر الحديث . وقوله: (( حتى ظهرت لمستوى (٤) أسمع فيه صريف الأقلام)): ومعنى ((ظهرت)): أى علوت، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ (٥) و﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ (٦) وقول النابغة : وإنا لنبغى فوق ذلك مظهرا والمستوى يكون بمعنى العلو والمصْعَد، قال ابن عباس فى قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ (٧) (١) ساقطة من الأصل. (٢) فى ق : ترى . (٣) الإمام العلامة الفقيه الحافظ الثَّبتُ شيخ الفقهاء والمحدثين ، أحمد بن محمد بن أحمد بن غالب الخوارزمى، سمع من الإمام أبى بكر الإسماعيلى ومحمد بن جعفر البندار ، وأبى بكر القطيعى ، وأبى أحمد الحاكم وعبد الغنى المصرى . ممن حدَّث عنه أبو بكر البيهقى ، وأبو بكر الخطيب ، قال فيه الخطيب : كان ثقة ورعاً ، ثبتا فهما ، لم نر فى شيوخنا أثبت منه ، كثير الحديث ، صنَّف مسندا ضمَّنْه ما اشتمل عليه صحيح البخارى ومسلم ، وجمع حديث سفيان الثورى ، وأيوب ، وشعبة ، وعبيد الله بن عمر ، وعبد الملك بن عمير ، وبيان بن بشر ، ومطر الوراق ، وغيرهم ، ولم يقطع التصنيف إلى حين وفاته ، ومات وهو يجمع حديث مسعَر ، ببغداد سنة خمس وعشرين وأربعمائة . أما كتابه المسند فهو مخطوط بأصفية تحت رقم ١ / ٦٧٠ حديث ٥٩٥ . ولم يبق من كتابه (( التخريج لصحيح الحديث)) سوى عشر ورقات ، وهى من مقتنيات تشتربيتى ، توجد تحت رقم ٣٨٩٠ . راجع: تاريخ التراث العربى ٤٧٤/١، وانظر: تاريخ بغداد ٣٧٣/٤، تذكرة الحفاظ ١٠٧٤/٣، سير ١٧ / ٤٦٤ . (٤) فى ت : بمستوى . (٦) التوبة: ٣٣، الفتح: ٢٨، الصف : ٩ . (٥) الصف : ١٤ . (٧) فصلت : ١٠ . ٥١٠ - كتاب الإيمان / باب الإسراء برسول الله عَّة ... إلخ قال : صعد أمره ، وقد تكون بمعنى موضع متوسط مما شاء الله من ملكوته ، وقيل فى قوله تعالى: ﴿مَكَانًا سُوْىٍ﴾ (١) : أى متوسطاً، وقد يكون مستوى أى حيث يظهر عدل الله وحكمته لعباده هناك ، ويقال للعدل: سواء - ممدود مفتوح - وسوى - مكسورٌ مقصور - وقيل ذلك فى قوله تعالى: ﴿كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ (٢). وصريف الأقلام : تصْوِيتُها ٤٢/ ب فيما يكتب بها ، وكذلك صريف الفحل بأنيابه : صوت / حكِّ بعضها بِبَعْض . وفيه حجة لمذهب أهل السنة فى الإيمان بصحة كتابة الوحى والمقادير فى كتاب الله من اللوح المحفوظ وماشاء بالأقلام ، التى هو تعالى يعلم كيفيتها على ما جاءت به الآيات من كتاب الله والأحاديث الصحيحة ، وأن ما جاء من ذلك على ظاهره ، لكن كيفية ذلك وجنسه وصورتُه مما لا يعلمُه إلا اللهُ أو من أطلعه على غيبه من ذلك من ملائكته ورُسله ، ومما لا يتأوله ويحيله عن ظاهره إلا ضعيف النظر والإيمان ، إذ جاءت به الشريعة ، ودلائل العقول لا تحيله ، والله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، حكمةً من الله تعالى [ وإظهار](٣) لما شاء من غيبه لمن شاء من ملائكته وخلقه ، وإلا فهو الغنى عن الكتب والاستذكار (٤)، لا إله غيره . وفى علو منزلة نبينا وارتفاعه فوق منازل سائر الأنبياء وبلوغه حيث بلغ من ملكوت السموات - دليل على عُلُوّ درجته وإبانة فضله، بل ذكر البزَّار خبراً فى الإسراء عن على (٥) ، وذكر فيه مسير جبريل بالنبى عَّه على البُرَاق حتى أتى الحجاب، وذكر كلمة، وقال: ((خرج ملك من وراء الحجاب ، فقال ، جبريل : والذي بعثك بالحق ، إنَّ هذا الملك مارأيتُه منذُ خُلِقْتُ، وإنى أقربُ الخلق مكاناً)) وفى حديث آخر: ((فارقنى جبريل ، وانقطعت عنى الأَصْواتُ)). وقوله : (( ثم أُدخلتُ الجنة فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ))، قال الإمام : قال الهروى : قال ابن الأعرابى : الْجُنْذَةُ القبة ويجمعها جنابِذُ ، قال الإمام : ووقع فى كتاب البخارى : ((حبايل اللؤلؤ))، وقيل : إن الصواب ما فى كتاب مسلم . (١) طه: ٥٨، وقد جاءت فى جميع النسخ: سوياً، وهو خطأ. (٢) آل عمران : ٦٤ . (٣) غير واضحة فى ت . (٤) قال ابن عباس وغيره : تكتب الملائكة أعمال العباد، ثم تصعد بها إلى السماء فيقابلون الملائكة الذين فى ديوان الأعمال على ما بأيديهم مما قد أبرز لهم من اللوح المحفوظ فى كل ليلة قدر ، مما كتبه الله فى القدم على العباد قبل أن يخلقهم ، فلا يزيد حرفاً ولا ينقص حرفاً. ثم قرأ: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [الجاثية: ٢٩]. وانظر: تفسير القرآن العظيم ٧ / ٢٥٥. (٥) لم أجده . بيكرود الجيش == ٥١١ كتاب الإيمان / باب الإسراء برسول الله عليه ... إلخ ٢٦٥ _ ( .. ) حدّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِى أَبِى عَنْ قَتَادَةَ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالك، عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ الله عَّهِ قَالَ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ. وَزَادَ فيه: ((فَأَتِيتُ بِطَسْتَ مِنْ ذَهَبٍ مُمْتَلِئْ حِكْمَةً وَإِيمَانًا، فَشُقَّ مِنْ النَّحْرِ إِلَى مَرَاقٍ قال القاضى: قد وقع فى كتاب البخارى: ((جنابذ٤ كما ذكره (١) فى كتاب الأنبياء ، وإنما وَقَع له ((حبايل)) فى كتاب الصلاة (٢)، قيل: هو تصحيف، والصواب: ((جنابذ))، وهى شبه القباب . وقال ثابت عن يعقوب : هو ما ارتفع من البناء ، وقد وقع المعنى مفسّراً بالقباب فى بعض طرق حديث الإسراء من رواية أبى جعفر محمد بن جرير الطبرى قال: ((فإذا بنهر بجنبتيه قباب اللؤلؤ)). وقول ابن عباس: ((فأبى حبّة الأنصارى)) كذا فى الأم - بالباء بواحدة ــ ووقع فى البخارى من رواية القابسى عن المروزى ((حيَّة)) - بالياء باثنتين - وليس بشىء، واختلف أصحاب المغازى فى أبى حبة الأنصارى وفى أبى حبة البدرى ، وهل هما بالباء أو بالنون ، وهل هو واحد أو اثنان ، والأكثر فيه بالباء بواحدة والاختلاف فيه كثير (٣) . وقوله : فى حديث محمد بن المثنى بسنده عن أنس ، لعله عن مالك بن صعصعة ، قال الإمام : قال بعضهم : هذا الحديث محفوظ عن أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة دون شك ولا ارتياب ، قال الدارقطنى : لم يروه عن أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة إلا قتادة . ذكر فى الحديث (٤) صفة موسى: ((ضربٌ من الرجال))، قال الإمام : الضرب الرجلُ الذى له جسم بين جسمين ليس بالضخم ولا بالضئيل ، قال طَرَفَة : خشاشٌ كرأس الحيَّةِ المتوقِدِ أنا الرجُل الضَّرَبُ الذى تعرفونه (١) زيد بعدها في ق : مسلم . (٢) ب كيف فرضت الصلاة ١ / ٩٨، ولفظة (( جنابذ)) أخرجها البخارى، ك الأنبياء، ب ذكر إدريس - عليه السلام . (٣) أبو حبة البدرى : قال الحافظ ابن حجر : وقع ذكره فى الصحيح ، وحديثه فى مسند ابن أبى شيبة ، وأحمد ، وصححه الحاكم ، قال أبو حاتم : اسمه عامر بن عمرو بن عمير بن ثابت ، وقال أبو عمر : يقال بالموحدة ، وبالنون ، وبالياء ، والصواب بالموحدة ، وبالنون ذكره موسى بن عقبة ، وابن أبى خيثمة ، وأنكر الواقدى أن يكون فى البدريين من يكنى أبا حبة بالموحدة وقد ذكر ابن إسحق فى البدريين أبا حبة من بنى ثعلبة بن عمرو بن عوف ، وكان أخا سعد بن خيثمة لأمه ، ووافقه أبو معشر . راجع : الإصابة ٧ / ٨٤، الاستيعاب ١٦٢٨، رجال صحيح مسلم ٢ / ٨٦، أسد الغابة ٥ / ١٦٧ . (٤) حديث أبى الزبير عن جابر . ٥١٢ - عليه ... إلخ صَلىالله كتاب الإيمان / باب الإسراء برسول الله الْبَطْنِ، فَفُسِلَ بِمَاءِ زَهْزَمَ ، ثُمَّ مُلِئَّ حِكْمَةٌ وَإِيمَانًا)) . ٢٦٦ - (١٦٥) حدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّار، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْعَالِيةِ يَقُولُ: حَدَّثَنِى ابْنُ عَمِّ نَبِّكُمْ عَّهِ - يَعْنِى ابْنَ عَّاس - قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللهِعَُّ حِينَ أُسْرِىَ بَه فَقَالَ: « مُوسَى ء آدَمُ طُوَالٌ، كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ)) . وَقَالَ: ((عِيسَى جَعْدٌ مَرْبُوعٌ)) وَذَكَرَ مَالِكًا خَازِنَ جَهَنَّمَ وَذَكَرَ الدَّجَّلَ . ٢٦٧ - ( ... ) وحدّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْد، أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّد، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ الخشاش ، بكسر الخاء وفتحها وضمها ، كلها بمعنى واحد، وهو اللطيف الرأس ، قال ابن السكيت : وقال أبو عبيد فى مصنفه : الخشاش : الرجل الخفيف ، وأيضا الحية ، وأيضا ما يُخش (١) به أنفُ البعير ، فأما الخَشاش ، بالفتح ، فَشِرار الطير . قال القاضى : غيرهُ يقول صغار الطير ، وكذا ذكره صاحب العين ، قال : والخشاش - أيضاً - صغار دواب الأرض ، وقال الأصمعى : الخشاش النذل من كل شىء كالرخم وما لا يصاد (٢) من الطير ، وأما الشجاع من كل شىء فبكسر الخاء ، والخشاش من دواب الأرض ، والطير ما لا دماغ له ، وقال غيره : الخشاش ، بفتح الخاء ، الصغير الرأس اللطيف من الدواب . قال أبو حاتم : هذا بالكسر . وقوله : الخشاش: ما يُخَش (٣) به أنف البعير ، هو عود يدخُل فى أنف البعير الصَّعَب عَرْضاً ويُخَرج طرفاه من الجهتين فيُشَدُّ بهما حبلٌ يقاد به ، فإذا استصْعَبَ شُدَّ به فعقره وألمه فانقاد ، ومنه قوله فى حديث أبى اليسر آخر الكتاب فى خبر الشجرة : ((فانقادت عليه كالبعير المخشوش الذى يُصانَع قائده)) (٤). وقوله : فى صفته: (( جَعْدٌ )) من رواية شيبان عن قتادة ومن رواية مجاهد عن ابن عباس ، وذكره البخارى أيضاً عن قتادة ، وورد ذلك - أيضاً - فى الحديث الآخر من رواية (١) فى ت: يحشى. قلت : جاء فى اللسان: والخشاشُ والخشاشَةُ: العود الذى يُجْعَلُ فى أنفِ البعير ، وجمعه أخشَّةً، والخَشُّ جعلَك الخشاش فى أنف البعير . (٢) فى الأصل : يصيد . (٣) فى ت : ما يحشى . (٤) سيأتى فى ك الزهد والرقائق ، ب حديث جابر الطويل وقصة أبى اليسر . ٥١٣ كتاب الإيمان / باب الإسراء برسول الله عليه ... إلخ عَّدِ الرَّحْمَنِ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِىِ الْعَالِيَةِ ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَمِّنَبِّكُمْ عَّهُ ــ ابْنُ عَبَّاسٍ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ عَُّ: (( مَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِىَ بِى عَلَى مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - رَجُلٌ آدَمُ طُوَالٌ جَعْدٌ ، كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةً، وَرَأَيْتُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ مَرْبُوعَ الْخَلْقِ، إِلَى الْحُمْرَةَ وَالْبَيَاضِ، سَبَطَ الرَّأْس)). وَأُرِىَ مَالِكًا خَازنَ النَّارِ، وَالدَّجَّالَ ، فى آيَات أَرَاهُنَّاللهُ إِنَّهُ ﴿فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ ﴾ (١) قَالَ : كَانَ قَتَادَةٌ يُفَسِّرُهَا أَنَّ نَبِىَّ الله ◌َّهُ قَدَّ لَقِىَ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلامُ. ٢٦٨ - (١٦٦) حدّثْنا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَل وَسُرَيْحُ بْنَ يُونُسَ قَالا: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، أَخْبَرَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِى هِنْدٍ عَنْ أَبِى الْعَالِيَةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ، عَّهُ مَرَّ بوادى الأَزْرَقِ ، فَقَالَ: ((أَىُّ وَادِ هَذَا؟ )). فَقَالُوا: هَذَا وَدَى الأَزْرَقِ. قَالَ: «كَأَنِّى أَنْظُرُ إِلَى شعبة عن قتادة فى صفة عيسى ، وإنما ذلك فى سائر الأحاديث فى صفة الدجّال (٢)، وورد فى أكثر الروايات فى صفة عيسى سبط الرأس ، وهو الصحيح ، لكن يصح حمله هنا فى صفتهما على جعودة الجسم والنَّزارة، كما قال فى موسى: « ضربٌ من الرجال ))، وهو الرجل بين الرجلين فى كثرة اللحم وقلته ، لكن ذكر البخارى فيه [ من ] (٣) بعض الروايات فيه (( مضطرب)) وهو الطويل غير الشديد ، وهو ضد الجعد اللحم المكتنز ، لكن يحتمل أن الرواية الأولى أصح لقوله فى هذه [ فى ] (٤) الأم: حسبتُه قال مضطربٌ ، فقد ضعف هذه الرواية الشك ومخالفة الأخرى التى لا شك فيها ، وفى الرواية الأخرى : ((جسيم (٥) سبْط)) وهذا يرجع إلى الطول ، قال الشاعر : عمامتُه بين الرجال لواءَ فجاءت به سَبْط البنان كأنما ولا يتأول جسيم بمعنى سمين ؛ لأنه ضد ضرب ، وهذا إنما جاء فى صفة الدجال من حديث ابن عمر ، ويكون فى موسى - أيضاً - الجعْدُ هنا إذا صَرَفْناه للشعر ، نحو الرجلُ (١) السجدة : ٢٣ . (٢) راجع الصحيح للبخارى ، ك اللباس، ب الجعد ٧ / ٢٠٧ . (٣) ساقطة من الأصل . (٤) ساقطة من ق . (٥) فى ت : جسم . ٥١٤ كتاب الإيمان / باب الإسراء برسول الله عَّة ... إلخ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلامُ - هَابطًا مِنْ الَّنيَّةِ وَلَهُ جُوارٌ إِلَى الله بالتَّْبِيَةِ))، ثُمَّ أَتَى عَلَى ثَنِيَّةً هَرْشَى ، فَقَالَ: (( أَىُّ ثَنَّةَ هَذِه؟ )) قَالُوا: ثَنَّةُ هَرْشَى. قَالَ : (( كَأَنِّى أَنْظُرُ إِلَى يُونُسَ بْنِ ٤٣ / ١ ليسَ بالقططِ ولا بالسَّبط كما جاء / فى صفة شعر نبينا عَّ ، وكما ذكر البخارى فى بعض الطرق عن موسى: ((رَجِلُ الشعْر))، وقوله من رواية أبى هريرة: ((أحمر كأنما خرج [من] (١) ديماس)) وهو الحمَّام . وقد أنكر هذا ابن عمر وحَلَف أن النبى معَّه لم يقله، خرَّجه البخارى وفيه [و] (٢) فى كتاب مسلم عنه: ((أنه آدَمُ كأحسن ما أنت راءٍ من أدْمِ الرجال )) . وذكر أحمر فى صفة الدجّال . وقوله : ((ينطفُ رأسُهُ)): أى يقطرُ، والنطفُ: القَطْرُ، يقال: نَطَفَ ينطفُ وينطُف . بضم الطاء وكسرِها فى المستقبل. وجاء فى الحديث الآخر: (( يقطُرُ رأسُهُ ماءً))، قال الإمام: وقوله فى صفة الدجال: (( جعد قَطط)): أى شديد الجعُودة ، يقال : شعر جعْد ورجلٌ جعدٌ . قال الهروى : الجعدُ فى صفات الرجال يكون مَدْحاً ويكون ذماً ، فإذا كان ذماً فله معنيان : أحدهما القصير المتردِّدُ ، والآخر : البخيل . يقال : رجلٌ جعدُ اليدين وجعد الأصابع ، أى بخيل . والجعْدُ إذا كان مَدْحاً له أيضاً معنيان : أحدهما : أن يكون شديد الخلق ، والآخر : أن يكون شعره جعداً غير سَبط ، فيكون مدحاً لأن السُبوطة أكثرها فى شعور العجم . قال غيره : فالجعد فى صفة الدجّال ذمٌّ وفى صفة موسى - عليه السلام - مدحٌ . قال القاضى: رويناه ((القططَ)) بفتح الطاء الأولى وكسرها ، وقول قتادة فى آخر الحديث (٣): ﴿فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِّنْ لِّقَائِهِ ﴾ (٤) أى [إنَّ نبى الله ] (٥) - يعنى محمداً - لقى موسى - عليهما السلام - يعنى ليلة الإسراء - فالهاء على هذا عائدة على موسى ، وقال غيره من المفسرين : الهاء عائدة على الكتاب ، أى فلا تكن فى مِرْيةٍ من تلقى موسى الكتاب الذى أوتى ، وعن الحسن معناه : ولقد آتينا موسى الكتاب فأوذى وكُذِّب فلا تكن فى مرية إنَّك ستلقى مثل مالقيه من الأذى والتكذيب، وقيل: فى الآية تقديم وتأخير يعود (١، ٢) سقطتا من الأصل. (٣) حديث عبد بن حميد . (٥) فى الأصل : إن الله . (٤) السجدة : ٢٣ . ٥١٥ كتاب الإيمان / باب الإسراء برسول الله عَّ# ... إلخ مَتّى - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلَى نَاقَةٍ حَمْرَاءَ جَعْدَة عَلَيْهِ جُبَّةٌ مِنْ صُوف ، خطَامُ نَاقَتِه خُلْبَةٌ ، وَهُوَ يُلِى)). قَالَ ابْنُ حَنْبَل فِى حَدِيثِهِ: قَالَ هُشَيِّمٌ : يَعْنِى لِيفًا . ٢٦٩ - ( .. ) وحدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ الُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عَدِىٌّ عَنْ دَاوُدَ، عَنْ أَبِى الْعَالِيَةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ قَالَ: سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ عَّهُ بَيْنَ مَكَّةَ والَدِينَةِ ، فَمَرَرْنَا بِوَاد ، فَقَالَ: «أَىُّ وَادَ هَذَا؟)) فَقَالُوا: وَدِى الأَزْرَقِ. فَقَالَ: ((كَأَنِّى أَنْظُرُ إِلَى مُوسَى ◌ََّـ إلى الرجوع للآخرة والبعث وما تقدم من قوله: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ﴾ (١) إلى قوله: ﴿تُرْجَعُونَ﴾ (٢) واعترضت قصَّةً موسى بين كلامين (٣). وقوله : فى وصف يونس بن متى: (( على ناقة حمراء جعْدَةٍ)): قال الإمام : هى المجتمعة الخلق الشديدة الأَسْر . وقوله : ((خطامها خُلْبَةٌ))، قال الإمام: الخُلْبة، بخاء معجمة مضمومة، وهو اللِيف، وفيه لغتان بإسكان اللام وضمِّها ، قاله ابن السكيت : قال القاضى : جاء مفسراً فى الحديث الآخر: (( خطامها ليف خُلْبة )) . وقوله : ((ثنيَّةٌ هَرْشَى)) بفتح الهاء وسكون الراء : جَبَل من بلاد تهامة على طريق الشام والمدينة قريب من الجحفة (٤) ، ولقد سمعنا هذا الحرف من القاضى الشهيد بفتح اللام والفاء ، ومن الشيخ أبى بحر هنا بفتح اللام فقط وسكون الفاء ، ومن الحافظ (١، ٢) السجدة : ١١ . (٣) أخرج الطبرانى عن ابن عباس عن النبى عَّهُ فى قوله: ﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الإسراء: ٢] قال: جعل موسى هدى لبنى إسرائيل، وفى قوله: ﴿فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَائِهِ ﴾ [السجدة: ٢٣] قال : من لقاء موسى ربه عز وجل . قال الهيثمى : رواه الطبرانى ورجاله رجال الصحيح. مجمع ٧ / ٩٠. (٤) والجحفة ، بضم الجيم والحاء الساكنة وفاء ثم هاء ، كانت مدينة عامرة ومحطة من محطات الحاج بين الحرمين ، ثم تقهقرت فى زمن قيل : إنه قبل القرن السادس ، وتوجد اليوم آثارها شرق مدينة رابغ بحوالى ٢٢ كيلو . معجم المعالم الجغرافية: ٨٠ . و(( هرشى)) جبل قرب الجحفة ، وثنية لفت : أرض مرتفعة بين مكة والمدينة تشرف على خليص من الشمال ، وتسمى اليوم ( الفيت ) ، وقد هجرت من زمن ، ولم تعد مطروقة ، وقد سلكها رسول الله عَّة فى مهاجرته . معجم المعالم الجغرافية فى السيرة النبوية : ٢٧٣ . ٥١٦ كتاب الإيمان / باب الإسراء برسول الله عَلّ﴾ ... إلخ : فَذَكَرَ مِنْ لَوْنِهِ وَشَعْرِهِ شَيْئًا لَمْ يَحْفَظْهُ دَاوُدُ - وَضعًا إِصْبَعَيْهِ فِى أُذُنَيْهِ، لَهُ جُؤَارٌ إِلَى الله بالتَّلْبِيَةَ، مَارًا بَهَذَا الْوَادِى)). قَالَ: ((ثُمَّ سرْنَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى ثَنَّةً، فَقَالَ: (( أَىُّ ثَنَّةٌ هَذْه؟)) . قَالُوا: هَرْشَى أَوْ لِفْتٌ. فَقَالَ: ((كَأَّى أَنْظُرُ إِلَى يُونُسَ عَلَى نَاقَةٍ حَمْرَاءَ، عَلَيْهِ جَبَةُ صُوف، خطَامُ نَاقَتَهِ لِيفٌ خُلِبَةٌ، مَارًا بَهَذَا الْوَادِى مُلًِّا)) . ٠٠٠ ٢٧٠ - ( .. ) حدّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عَدِىٌّ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ ، عَنْ مُجَاهد ؛ قَالَ : كُنَّا عِنْدَ ابْنِ عَبَاس، فَذَكَرُوا الدَّجَّالَ، فَقَالَ: إِنَّهُ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ . قَالَ: فَقَالَ ابْنُ عَّاسَ: لَمْ أَسْمَعْهُ قَالَ ذَاكَ، وَلَكِنَّهُ قَالَ: (( أَمَّ إِبْرَاهِيمُ، فَانْظُرُوا إِلَى صَاحِبِكُمْ، وَأَمَّا مُوسَى، فَرَجُلٌ آدَمُ جَعْدٌ عَلَى جَمَلٍ أَحْمَرَ مَخْطُومٍ بِخُلَةٍ، كَأَنَّى أَنْظُرُ أبى الحسين بكسر اللام وسكون الفاء ، وأنشدنا بعضهم فى ذلك : مررنا بلفْتٍ والثُريًّا كأنها قلائد [ دُ] (١) رّ حُلَّ عنها نظامها وروينا هذا البيت فى كتاب مشاهد ابن هشام عن أشياخنا التميمى والأسدى وابن سراج : وِلِفْتًا شدَدْنَاه وفعَّ صلاح كذا رويناه (٢) بالكسر ، وكذا كان فى المشاهد عن أبى بحر ، وكذا قيدناه عنه . وقوله فى موسى: (( له جؤار إلى الله بالتلبية))، قال الإمام: الجوار : رفع الصوت ، مهموز ، من قول الله تعالى: ﴿فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ (٣): أى ترفعون أصواتكم وتستغيثون ، يقال : جأر يجأر ، قال عدى بن زيد : بأبيل كلما صلى جأر إننى والله فاقبل حَلّفتى قال القاضى : ذكر هذا فى موسى وذَكر نحوه فى يونس ، وأكثر الروايات فى وصفه لهم يدل أن ذلك رآه ليلة أُسْرِىَ به ، وقد وقع ذلك مبينًا فى رواية أبى العالية عن ابن عباس وفى رواية ابن المسيب عن أبى هريرة ، وليس فيها ذكر التلبية . فإن قيل : كيف يتوجه ماذكر من حجِّهم وتلبيتهم وهم أموات، وفى الأخرى ، وليست دار عَمَلٍ ، فاعْلَمْ وفَقَكَ الله أن للمشايخ وفيما ظهر لنا عن هذا أجوبة : (١) ساقطة من الأصل . (٣) النحل : ٥٣ . (٢) فى الأصل : سمعناه . ٥١٧ صَّىاللّه كتاب الإيمان / باب الإسراء برسول الله ... إلخ إِلَيْهِ إِذَا انْحَدَرَ فِى الْوَادِى يُلِّى)). ٠٠ ٢٧١ - (١٦٧) حدّثْنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعيد، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابر ؛ أَنَّ رَّسُولَ اللهِ عَّةٍ قَالَ:(( عُرضَ عَلَىَّ الأَنْبِيَاءُ، فَإِذَا مُوسَى ضَرْبٌ مَنْ الرِّجَالِ، كَأَنَّهُ مَنْ رِجَالِ شَنُوءَةً، وَرَأَيْتُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَإِذَا أَقْرَبُّ مَنْ رَأَيْتَّ بِهِ شَبَهَا عُزَوَةُ بَنُ مَسْعُودِ، وَرَأَيْتُ إِبْرَاهِيمَ - صَلَوَتُ اللهِ عَلَيْهِ - فَإِذَا أَقْرَبُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ شَبَهَا صَاحِبُكُمْ - يَعْنِى نَفْسَهُ - وَرَأَيْتُ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَإِذَا أَقْرَبُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ شَبَهَا دَخِيَةُ )). وَفِى رِوَايَةِ ابْنِ رُمْحٍ : « دَحْيَةُ ابْنُ خَليفَةَ)). ٢٧٢ - (١٦٨) وحدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْد - وَتَقَارَبَا فى اللَّفْظ . قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا. وَقَالَ عَبْدٌ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرُّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهَرِىِّ؛ قَالَ: أَخْبَرَنِى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: قَالَ النَّبِىُّ ◌َّهُ: ((حِينَ أُسْرِىَّبِى لَقِيتُ أحدها : أنا إذا قلنا : إنهم كالشهداء ، بل هُم أفضلُ من الشهداء أحياء عند ربهم ، فلا يَبْعُدُ أن يحجُوا ويُصلوا كما ورد فى الحديث الأخر ، وأن يتقربوا إلى الله بما استطاعوا وكُتب لهم ؛ لأنهم بعدُ وإن كانوا فى الأخرى فهم فى هذه الدنيا التى هى دارُ العَمَل ، حتى إذا فنيت مدتها وأعقبتها الأخرى التى هى دار الجزاء انقطع العمل . والوجه الثانى: أن عمل الآخرة ذكر ودعاءٌ، قال الله تعالى: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ ﴾ (١) . الوجه الثالث : أن يكون هذه رؤية منام فى غير ليلة الإسراء ، أو فى بعض ليلة الإسراء كما قال فى رواية عبد الله بن عُمَر: (( بينا أنا نائم رأيتنى أطوف بالكعبة .. )) وذكر الحديث فى قصَّةً عيسى . الوجه الرابع: أنه عَّهُ أُرِى حالهم قبل هذا ومُثلوا له فى حال حياتهم وكيف تلبيتهم حينئذ وحجهم كما قال فى الحديث: ((كأنى أنظر إلى موسى ، وكأنى أنظرُ إلى يونس ، وكأنى أنظر إلى عيسى)). (١) يونس: ١٠ . ٥١٨ كتاب الإيمان / باب الإسراء برسول الله عَل# ... إلخ مُؤْسَى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَتَعَهُ النَّبِىُّ ◌َّهِ فَإِذَا رَجُلٌ - حَسِبْتُهُ قَالَ - مُضْطَرِبٌ، رَجلُ الرَّأْس، كَأَنَّهُ مِنْ رِجَال شَنُوءَةَ)). قَالَ: (( وَلَقِيتُ عيسَى - فَنَعَتَهُ النَّبِىُّعَّهُ فَإِذَا رَبْعَةٌ أَحْمَرُ كَأَنَّمَا خَرَجَ مِنْ دِيَاسِ)) يَعْنِى حَمَّامًا. قَالَ: ((وَرَأَيْتُ إِبْرَاهِيمَ - صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ- وَأَنَا أَشْبَهُ وَلَده به)). قَالَ: ((فأُتيتُ بِإِنَاءَيْنِ فِى أَحَدِهِمَا لَبَنٌّ وَفِى الْآخَرِ خَمْرٌ . فَقِيلَ لِى : خُذْ أَيَّهُمَا شِئْتَ ، فَأَخَذْتُ الَّبَنَ فَشَرِبْتُهُ. فَقَالَ: هُديتَ الْفِطْرَةَ - أَوْ أَصَبْتَ الْفطْرَةَ - أَمَا إنَّكَ لَوْ أَخَذْتَ الْخَمْرَ غَوَتْ أُمَُّكَ )) . الوجه الخامس : أن يكون أُخبر بتحقيق حال ما أوحى إليه من أمرهم وماكان منهم ، وإن لم يرهم رؤية عين، ويدل عليه قوله: (( كأنى أنظر)) فصار يقينه بذلك كالمشاهدة . وفى هذه الجملة من الفقه رفع الصوت بالتلبية لقوله: [ له ] (١) جُؤار إلى الله بالتلبية ، وهى سنَّتُهَا فى شرعنا للحاجّ (٢) من غير إسراف إلا فى المساجد فليخفض بها صوتَه ويسمع من یلیه إلا مسجدی مکة ومنی ، فلیرفع [فيهما ](٣) بھا صوتَہ عند مالك - رحمه الله - / الاستواء كل من فى ذينك المسجدين فى ذلك الحكم ، بخلاف غيرهما من مساجد البلاد الذى الحاجّ فيه قليل ، فتشتهر بذلك فيها ، فتحدث فساد عملك . ٤٣/ب وفيه من الفقه التلبية ببطن المسيل ؛ وأنه من سنن المرسلين وشرائعهم ، وبه احتج : البخارى فى المسألة لقوله: ((إذا انحدر من الوادى ))، ووقع فى كتاب مسلم وبعض روايات البخارى: ((إذا انحدرا)) بفتح الدال وألف بعدها ، فتوهم بعضهم فيه أنه لما يستقبل، ووَهم راويه وقال : الصواب رواية من روى: ((إذا انحدر )) بكسر الدال ، قال : أو يكون وَهِم وجعل موسى موضع عيسى ، فإن موسى بعد لا يحج البيت وإنما يحج عيسى ، وهذا من هذا القائل تعسُّفٌ بعيدٌ وجَسرٌ على التوهيم لغير ضرورة وعدم فهم لمعانى (٤) الكلام ، إذ لا فرق بين إذ وإذا هنا ؛ لأنه إنما وصف حاله حين انحداره فيما مضى . وفيه من الفقه جواز وضع الأصبع فى الأذن عند الأذان ، ورفع الصوت لقوله عن موسى - عليه السلام . (١) ساقطة من ت . (٢) فى الأصل : إلا لجامع . (٣) من ق . (٤) فى ت : بمعانى . ٥١٩ •كتاب الإيمان / باب ذكر المسيح ابن مريم والمسيح الدجال (٧٥) باب ذكر المسيح ابن مريم والمسيح الدجال ٢٧٣ _ (١٦٩) حدّثْنَا يَحْيَى بْنُ يَحْنَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِك ، عَنْ نَافِعِ ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ عَّهُ قَالَ: (( أَرَانِى لَيْلَةً عِنْدَ الْكَعْبَةِ، فَرَأَيْتُ رَجُلاً آدَمَ كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاء مِنْ أَدْمِ الرِّجَالِ، لَهُ لِمَّةٌ كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءِ مِنَ اللَّمَمِ، قَدْ رَجَّلَهَا فَهِىَ تَقْطُرُ مَاءَ، مُتَكَناً عَلَى رَجُلَيْن ◌ِ- أَوْ عَلَى عَوَاتِقِ رَجُلَيْنِ - يَطُوفُ بِالْبَيْتِ ، فَسَأَلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقِيلَ: هَذَا الَمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ، ثُمَّإِذَا أَنَا بِرَجُلٍ جَعْدٍ قَطَطِ ، أَعْوَرِ الْعَيْنِ الْيُمْنَى، كَأَنَّهَا عَنَبَةٌ طَافِيَةٌ ، فَسَأَلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقِيلَ: هَذَا الْمَسِيِحُ الدَّجَالُ)). ٢٧٤ - ( ... ) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَقَ الْمُسَّبِىُّ، حَدَّثَنَا أَنَسٌّ - يَعْنِى ابْنَ عَيَاض - عَنْ مُوسَى - وَهُوَ ابْنُ عُقْبَةَ - عَنْ نَافِعِ قَالَ: قَالَ عَبْدُ الله بْنُ عُمَرَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللهِعَلَّه يَوْماً، بَيْنَ ظَهْرانِى النَّاسِ، الْمَسِيحَ الدَّجَّال، فَقَالَ: (( إِنَ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَيْسَ بِأَعْوَرَ، أَلاَ إِنَّ الْمَسِيحَ الدَّجَالَ أَعْوَرُ عَيْنِ الْيُمْنَى، كَأَنَّ عَيْنَهُ عَنَةٌ طَافِيَةٌ)) . قَالَ : وَقَالَ رَسُولُ الله وقوله فى عيسى : المسيح ، وكذلك فى الدَّجال، قال الإمام : قال عيسى بن دينار (١) وغيره : سُمى الدجال مسيحاً ؛ لأنه ممسوح إحدى العينين ، فهو فعيل بمعنى مفعول ، وسمى عيسى مسيحاً من أجل سياحته فى الأرض ، وأنه لم يكن له موضع يستقر فيه من أرض . قال الهروى : قال ابن الأعرابى : المسيح الصِّديق ، وبه سمى عيسى ، والمسيح الأعور ، وبه سمى الدَّجال . قال الحربى : سمى عيسى مسيحاً بمسح زكريا إياهُ ، أو يكون اسماً خصَّه الله به ، وقال ابن عباس : سُمى بذلك لأنه لا يمسح ذا عاهةٍ إلا برأ ، قال غيره : من قال فى الدجّال مسيح ـ على وزن فعيل - بكسر الميم فليس بشىء . قال القاضى : وقيل فى تسمية عيسى مسيحاً ماذكر ، وقول ابن الأعرابى : المسيح الصِّديق ، هو فى صحيح البخارى من قول إبراهيم ، وقيل : لأنه كان ممسوح القدمين لا أخمص له ، وقيل : لأن الله مسحه ، أى خلقه خلقاً حسناً ، فيكون بمعنى : جميل (١) فقيه الأندلس ومفتيها، لزم ابن القاسم مُدَّةً وعوَّل عليه، كان ابن وضَّح يقول: هو الذى علَّم أهل الأندلس الفقه . توفى سنة اثنتى عشرة ومائتين. ترتيب المدارك ١٦/٣، الديباج المذهب ٦٤/٢، سير ٤٣٩/١٠. ٥٢٠ - كتاب الإيمان / باب ذكر المسيح ابن مريم والمسيح الدجال عَُّ: ((أَرَانِى اللَّيْلَةَ فِى الْمَنَامِ عِنْدَ الْكَعْبَةِ، فَإِذَا رَجُلٌ آدَمُ كَأَحْسَنِ مَاتَرَى مِنْ أُدْمِ الرِّجَالِ، تَضْرِبُ لِمَنَّهُ بَيْنَ مَنْكِبَيِّهِ، رَجِلُ الشَّعَرِ، يَقْطُرُ رَأْسُهُ مَاءً، وَاضِعاً يَدَيْهِ عَلَى مَنْكِبَىْ رَجُلَيَنِ، وَهُوَ بَيْنَهُمَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ . وَرَأَيْتُ وَرَاءَهُ وحسنٍ ، وقيل : سُمى بذلك لمسحه الأرض ، أى قطعها ، وقيل : لأنه خرج من بطن أمه مسوحاً بالدهن ، وقيل : مُسِح بالبركة حين ولد . وأما تسمية الدَّجال بذلك فقيل ما تقدم ، وقيل : بمسحه الأرض حين خروجه ، وقال أبو الهيثم(١): المسيح - بالحاء - ضد المسيخ بالخاء - فبالحاء مسحه الله، أى خلقه حسناً وبالخاء مسخه ، أى خلقه خلقاً ملعونا . ولا خلاف عند أحد من الرواة فى اسم عيسى أنه بفتح الميم وكسر السين مخففة ، واختلف فى الدَّجال، فأكثرهم [يقول: هو] (٢) مثله، وأنه لا فرق بينهما، وأن عيسى مسيح هدى والدجَّال مسيح ضلالة، وكان عند بعض شيوخنا - وهو أبو إسحق بن جعفر (٣) فى كتابه - المسيِّح ـ بكسر الميم والسين وتشديدها ، وكذلك عند غير واحد ، وبعضهم يقوله كذا - بالخاء المعجمة - وبعضهم بكسر الميم وتخفيف السين ، وكذا وجدت الأصيلى ضبط هذا الحرف بخطه فى صحيح البخارى ، ورأيت بخط شيخنا القاضى أبى عبد الله بن أحمد التجيبى (٤) عن أبى مروان بن سراج مَن كسر الميم شدَّد السِّين . وأما تسميتُهُ دَجَّالا فقال ثعلب: سُمى بذلك لضربه فى الأرض وقطعه أكثر نواحيها، يقال منه دَجَل. وهذا مثل أحد التأويلات فى تسميته مسيحاً، وقيل: بل لتمويهه على الناس وتلبيسه، يقال: دَجَل إذا مَوَّه، وقيل: كل كذَّب دَجَّالٍ، وهو من هذا المعنى وقريب منه. وقوله: فى صفة عيسى من رواية ابن عمر: (( آدَم )) ومن رواية غيره: (( أحمر )) وقد تقدَّم. وقد يحتجُّ لكونه أحمر بقوله: (( كأنما خَرج من ديماس)) يعنى لحُمرته وإنما ورد ((أدَمَ)) فى صفة موسى، والأدمُ الأسْمَرُ ، وهو خلاف الأحمر ، وقد يرجع قوله: (( كأنما خرَج (١) شيخ الحنفية عتبة بن خيثمة بن محمد بن حاتم النيسابورى الحنفى ، صار أوحد زمانه فى المذهب حتى قيل: لم يبق بخراسان قاضٍ حنفىٌ إلا وهو ينتمى إليه. مات سنة أربعمائة وست. العبر ٩٤/٣، سير ١٣/١٧. (٢) فى الأصل : بقوله . (٣) قال فيه القاضى : شيخ صالح ، من أهل الدين والفضل والعقل ، أخذ عن شيوخ سبتة ، واقتصر على الفقيه أبى الأصبغ ولازمه ، وكان يدرس الموطأ ويتفقه عليه فيه ، ألف مختصر ابن أبي زمنين على الولاء . توفى سنة ثلاث عشرة وخمسمائة . ترتيب المدارك ٨/ ٢٠٣ . (٤) الفقيه القاضى الشهيه محمد بن أحمد بن خلف بن إبراهيم التجيبى، ابن الحاج، أحد الفقهاء الفضلاء، تفقه بشيوخ بلدة قرطبة ، وكان جيد الكتب ، كثير الرواية . قتل سنة خمسمائة وتسع وعشرين . الغنية : ٤٧ .