Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣٢١
كتاب الإيمان / باب بيان حال إيمان من رغب عن أبيه وهو يعلم
١١٤ - (٦٣) حدّثَنى عَمْرُوَ النَّاقدُ. حَدَّثَنَا هُشَيْمُ بْنُ بَشير، أَخْبَرَنَا خَالِدٌ عَنْ أَبى
عُثْمَاَنَ ، قالَ : لَمَّ ادُّعىَ زياَدٌ ، لَقيتُ أَباَ بَكْرَةَ فَقُلْتُ لَهُ : مَاهَذَا الَّذِى صَنَعْتُمْ ؟ إنى
سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ أَبِى وَقَّاصٍ يَقُولُ: سَمِعَ أُذُنَاىَ مِنْ رَسُولِ اللّهِ عَهُ وَهُوَ يَقُولُ: (( مَنْ
ادَّعَى أَبَا فِى الإِسْلامِ غَيْرَ أَبِهِ، يَعْلَمُ أَنَّهُ غَيْرُ أَبِهِ، فَلْجَنَّهُ عَلَيْهِ حَرَامٌ )) فَقَالَ أَبُو بَكْرَةَ: وَأَنَ
سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللّهِ عَةٍ .
١١٥ - ( ... ) حدّثْنا أَبُو بَكر بْنُ أَبِى شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ بْن أَبِى زَائِدَةَ
وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ عَاصم، عَنْ أَبِى عُثْمَانَ، عَنْ سَعْد وَأَبِى بَكْرَةَ، كلاهُمَاَ يَقُولُ: سَمَعَتْهُ
أُذَنَاىَ، وَوَعَاهُ قَلْبِى مُحَمَّدًا عَّهَ، يَقُولُ: ((مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرٍ أَبِهِ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ غَيْرُ أَبِهِ،
فَالْجَنَّهُ عَلَيْهِ حَرَامٌ )) .
وقوله عن سعد (١) يقول: ((سمع أذنى سمعت رسول الله عَّه يقول)) (٢): كذا
ضبطناه هنا على بعضهم بسكون الميم وفتح العين على المصدر كأنه قال : قال رسول الله
عَّهُ سمْعَ أذُنَّى، وضبطناه من طريق الجيانى كذا بضم العين (٣) هو الوجه، وقال
سيبويه: العرب تقول: [ سمعُ أذنى لكذا أو كذا زيدا يقول ذاك بالرفع ] (٤)، وضبطناه
على القاضى أبى على (( سمع )) بكسر الميم فعل ماضى ، وما تقدم هو الصواب .
(١) فى ت : أبى سعيد ، وهو خطأ .
(٢) العبارة فى نسخة النووى: سَمع أذُناى من رسول اللـه عَّه، وفى نسخة الأبى مثل ما ها هنا.
قال النووى: ((وأما قول سعد : سمع أذناى ، فهكذا ضبطناه سمع بكسر الميم وفتح العين وأذناى
بالتثنية وكذا نقل الشيخ أبو عمر ، وكونه أذناى بالألف على التثنية عن رواية أبى الفتح السمر قندى عن عبد
الغافر ، قال : وهو فيما يعتمد من أصل أبى القاسم العساكرى وغيره : أذنى بغير ألف .
قال : وحكى القاضى عياض أن بعضهم ضبطه بإسكان الميم وفتح العين على المصدر وأذنى بلفظ
الإفراد . وأنت ترى أن الإمام النووى تصرف فى عبارة القاضى تصرفاً أضرّ بها فليس فى عبارته قوله :
((وأذنى)) بلفظ الإفراد، كما أنه حذف منها قول القاضى: كأنه قال: قال رسول الله عَّه ((سَمْعَ أذنى))
وعلى ذلك فأذنى هنا بلفظ التثنية لا بلفظ الإفراد كما ادعى الإمام النووى . راجع: نووى على مسلم
٢٥١/١، الأبى فى إكمال الإكمال ١٧٦/١، وقد اقتصر على ما اختاره عياض.
(٣) فى ت : للعين .
(٤) وردت العبارة فى إكمال الإكمال والنووى هكذا : سمعُ أذنى زيدا يقول كذا ، بالرفع .

٣٢٢
كتاب الإيمان / باب بيان قول النبى عَّة: ((سباب المسلم ... إلخ
(٢٨) باب بيان قول النبى عَّةُ: ((سباب المسلم فسوق وقتاله كفر))
١١٦ - (٦٤) حدّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارِ بْنِ الرَّيَانِ، وَعَوْنُ بْنُ سَلام، قَالا: حَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ مَهْدِىٌّ ، حَدَّثَنَا
سُفْيَاَنُ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفُرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ كُلُّهُمْ عَنْ
زُبَيْدٍ، عَنْ أَبِى وَائل، عَنْ عَبْد الله بْن مَسْعُود؛ قالَ: قَالَ رَّسُولُ اللّهِ عَهُ: (( سَبَابُ
الْمُسْلِمُ فُسُوقٌ، وَقَتَلُهُ كُفْرٌ )) . قالَ زُبَيْدٌ: فَقُلْتُ لأبى وائل: أَنْتَ سَمعْتَهُ مِنْ عَبْد اللّه
يَرْوِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ثَةُ؟ قَالَ : نَعَمْ .
وَلَيْسَ فِى حَدِيثِ شُعْبَةَ قَوْلُ زُبَيِّد لأَّبِى وَاتِلٍ .
١١٧ - (.) حدّثَنا أَبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَابْنُ الْمُثَنَّى، عَنْ مُحَمَّد بْنِ جَعْفَر، عَنْ
شُعْبَةَ، عَنْ مَنْصُور. حِ وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْأَعْمَشِ ،
كَلَاهُمَا عَنْ أَبِى وَآئِلٍ ، عَنْ عَبْدِ اللّهِ، عَنِ النََِّّ ◌َّهُ، بِمِثْلِهِ .
وقوله : (( سباب المسلم فسوق)) : أى خروج عن الطاعة وواجب الشرع، وبه سمى
الفاسق فاسقا لخروجه عن ثقاف الإسلام وانسلاخه عن أعمال البر ، يقال : فسَقَت الرُطَبَةُ
إذا خرجت من قشرها .
وقوله : ((وقتاله كفر)) : أى قتاله من أجل إسلامه واستحلال ذلك منه كفر .
وقيل : ذلك من أفعال أهل الكفر ، أو يكون كفر طاعة وكفر نعمة ، وغمطهما بأن
جعلهما اللّهِ مسلمين ، وألف بين قلوبهما ، ثم صار هو بعد يقاتله .
وقيل : كفر بحق المسلم وجحد له بالمعنى ؛ لإظهاره إباحة ما أنزل الله من تحريم دمه
وقتاله ، وترك ما أمر به من محبته وإكرامه وصلته، فهو كفر بفعله وعمله لا بقوله واعتقاده .
وقد يكون القتال المشارَّةُ (١) والمدافعة ، كما قال فى الحديث فى المارّ بين يدى المصلى:
(( فليقاتله )) .
وكله منهى عنه ، وفاعله جاحدٌ حقَّ أخيه المسلم وحق الله فيه .
(١) فى ت : المشاررة.

٣٢٣
كتاب الإيمان / باب بيان قول النبي (( لا ترجعوا بعدى كفارا ... )) إلخ
(٢٩) باب بيان معنى قول النبى معَة: (( لا ترجعوا بعدى
كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض »
١١٨ - (٦٥) حدّثَنا أَبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّار ،
جَمِيعًا، عَنْ مُحَمَّد بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ. ح وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللّهِ بْنُ مُعَاذِ - وَاللَّفْظُ لَهُ -
حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا شُعْبَةَ، عَنْ عَلِّى بْنِ مُدْرِكِ، سَمِعَ أَبا زُرْعَةَ يُحَدِّثُ عَنْ جَدَّ جَرِير؛
قالَ : قَالَ لِى النَّبِىُّ ◌َّهُ فِى حِجَّةِ الْوَدَاعِ: (( اسْتَنْصِتِ النَّاسَ)) ثُمَّ قالَ: (( لا تَرْجِعُوا
بَعْدِى كُفَّارًا ، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ)) .
١١٩ - (٦٦) وحدّثنا عُبَيْدُ اللّه بْنُ مُعَاذ، حَدَّثْنَا أَبِى، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ وَاقد بْنِ
مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِّ ◌َّهَ، بِمِثْلِهِ .
وقوله: (( لا ترجعوا بعدى كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض)) ، قال الإمام : تعلق
بهذا من أنكر حجة الإجماع من أهل [ البدع] (١) قال : لأنه نهى الأمة بأسرها عن
الكفر، ولولا جواز [اجتماعها ] (٢) عليه لما نهاها عنه، وإذا جاز [ اجتماعها] (٣) على
الكفر [فغيره من الضلالات أولى ، وإذا كان ممنوعاً اجتماعُهما عليه لم يصح النهى عنه ،
وهذا الذى قاله خطأ لأنا إنما نشترط فى التكليف أن يكون متمكنا متأنياً من المكلف ، هذا
أيضاً على رأى من منع تكليف ما لا يطاق] (٤) ، واجتماع الأمة على الكفر وإن كان
ممتنعاً، فإنه لم يمنع من جهة أنه لا يمكن ولا يتأتى ، ولكن من جهة خبر الصادق عنه أنه
لا يقع وقد قال تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ﴾ (٥) و [ الشرك] (٦) قد عصم منه
النبى معَّه، [وبعد هذا نزل عليه مثل هذا] (٧)، على أن المراد بهذا الخطاب (٨) كل
واحد فى عينه أو جمهور الناس ، وهذا لا ينكر أحدٌ أن يكون مما يصح حمل هذا الخطاب
عليه ، فإما أن يكون ظاهرا فيه أو محتملاً [ له ] (٩) ، فيسقط بهذا حجته [وقد ذكر
أنه] (١٠) مما يتأول [الحديث] (١١) عليه [أن معنى] (١٢) قوله: ((كفاراً)): أى متسلحين، وأصل
(١ - ٤) من المعلم.
(٥) الزمر : ٦٤ .
(٦) من المعلم .
(٧) فى نسخ الإكمال جاءت هكذا : وبعد هذا يدل عليه مثل هذا يدل عليه مثل هذا ، وفى ت جاءت يدل
الثانية نزل ، وما أثبتناه من المعلم .
(٨) فى الإكمال : خطاب .
(١٠) فى الأصل : وهذا، والمثبت من المعلم ، ت.
(٩) من المعلم .
(١١، ١٢) من المعلم .

٣٢٤
كتاب الإيمان / باب بيان قول النبى ((لا ترجعوا بعدى كفارا ... )) إلخ
الكفر التستر، والمتسلح متستر بسلاحه .
قال القاضى : رواه من لم يضبط ((يضْرِبْ)) بالإسكان، وهو إحالة المعنى (١)،
والصواب ضم الباءِ (٢).
نهاهم عن التشبيه بالكفار فى حالة قتل بعضهم بعضاً ومحاربة بعضهم لبعض .
وهذا أولى مما يتأول عليه الحديث ، ويؤيده ما روى مما جرى بين الأنصار بمحاولة
يهود وتذكيرهم أيامهم ودخولهم فى الجاهلية ، حتى ثار بعضهم إلى بعض فى السلاح
فنزلت : ﴿ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ﴾ (٣) : أى تفعلون فعل الكفار ، أو
نهاهم عن إظهار جحد ما أمرهم به من تحريم دمائهم ، وكفرهم فى ذلك بقتالهم لا
بقولهم واعتقادهم. [ أو أن ] (٤) يتكفروا فى السلاح (٥) بقتل بعضهم بعضاً ، أو عن
كفر نعمة الله بتأليف (٦) قلوبهم وتوددهم وتراحمهم الذى به صلاحهم بأن رجعوا إلى
ضد ذلك ، وعلى سكون الياء فإنها نهى عن الكفر [ مجرداً ] (٧) ثم يجىء ضرب الرقاب
جواب النهى .
ومجازات الكفر ومساق الخبر ومفهومه ، يدل على النهى عن ضرب الرقاب والنهى
عما قبله (٨) بسببه .
وقال الخطابى : معناه : لا يكفر بعضكم بعضاً فتستحلوا قتال بعضكم بعضاً .
وقيل : المراد بالحديث أهل الردة ، وهذا القول إنما قاله عَّه فى خطبة النحر إثر
قوله: ((إنَّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام ... )) (٩) الحديث ، ثم قال:
(ليبلغ الشاهدُ الغائبَ، لا ترجعوا بعدي كفاراً ... )) (١٠) الحديث ، فهو شرح لما تقدم
منه عَّه فى تحريم بعضهم على بعض ، ما أقاموا على الإسلام .
(١) لأن التقدير عليه يجعله واقعاً فى جواب شرط محذوف ، أى فإن رجعتم بعدى كفاراً يضرب بعضكم
رقاب بعض ، وهذا ليس بلازمٍ .
(٢) وتكون الجملة فى موضع الحال .
(٣) آل عمران: ١٠١ . وما ذكره القاضى قد أخرجه ابن هشام فى السيرة ١٨٤/٢ وذكره ابن حجر فى
الإصابة ٨٨/١.
(٤) فى ت : وأن .
(٥) زيد بعدها فى ق خطأ: فنزلت: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا﴾ [البقرة: ٢٨].
(٦) فى الأصل : بتألف .
(٧) من ق ، وفى غيرها : مجرا .
(٨) فى ت : قيله .
(٩، ١٠) متفق عليه، وسيأتى إن شاء الله فى كتاب القسامة.

٣٢٥
كتاب الإيمان / باب بيان قول النبى (( لا ترجعوا بعدى كفارا ... )) إلخ
١٢٠ - ( ... ) وحدّثْنى أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ خَلاد الباهلىُّ، قَالا:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ . حَدَّثَنَا شُعْبَةً عَنْ وَقَدِ بْنٍ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَهُ يُحَدِّثُ،
عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَِّىِّ ◌َّهُ أَنَّهُ قَالَ فِى حَجَّةِ الْوَدَاعِ ـ:(وَيَحَكُمْ - أَو قالَ:
وَيَلَكُمْ - لا تَرْجِعُوا بَعْدِى كُفَّارًا، يَضْرِبُ بَعْضُّكُمْ رِقَابَ بَعْض)) .
( ... ) حدّثَنِى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْبَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللّه بْنُ وَهْب، قالَ: حَدَّثَنِى عُمَرُ بْنُ
مُحَمَّد؛ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِىَِّّهِ ، بِمِثْلِ حَدِيثِ شُعْبَةَ عَنْ وَاقد .
قال الطبرى (١): قوله: ((بعدى)) : أى بعد فراقى من موقفى هذا ، ويكون معنى
بعدى (٢): خلافى أى لا تخلفونى فى أنفسكم بعد الذى أمرتكم به، أو لأنه حقَّق عَّ
أن هذا لا يكون فى حياته فنهاهم بعد مماته .
وقوله: ((ويحكم أو قال ويلكم)): كلمتان استعملتهما العرب بمعنى التعجب
والتوجع. قال سيبويه : ويل كلمة لمن وقع فى هلكة ، وويح ترحم بمعنى ويل .
وحكى عنه : ويح زجر لمن أشرف على الهلكة .
قال غيره : ولا يراد بهما الدعاء بإيقاع الهلكة ، ولكن للترحم والتعجب ، وروى
عن عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - : ويحُ كلمة رحمة .
وقال الهروى : ويح لمن وقع فى هلكة لا يستحقها فيترحم عليه ويرثى له ، وويل
الذى يستحقها ولا يترحم عليه . وقال الأصمعى : ويح ترحم ، وقال ابن عباس :
الويل: المشقة. قال ابن عرفة الويل الحزن ، وقيل: الهلاك .
(١) جاءت فى النووى : الصبرى ، وهو خطأ .
(٢) فى الأصل : بعدهم ، وهو خطأ .

٣٢٦
كتاب الإيمان / باب إطلاق اسم الكفر على الطعن فى النسب والنياحة.
(٣٠) باب إطلاق اسم الكفر على الطعن فى النسب والنياحة
١٢١ - (٦٧) وحدّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةً. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ
نُمَّيْر - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا أَبِى وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، كُلُّهُمْ عَنِ الأَعْمَش ، عَنِ أَبِى صَالِحِ ،
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قالَ: قَلَ رَسُولُ اللّهِ عَّهُ: (( اثْتَانِ فِى النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ : الطَّعْنُ فِى
النَّسَبِ ، وَالتِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ)) .
وقوله: ((اثنتان فى الناس هما كفرٌ: الطعن فى الأنساب، والنياحة على الميت)) :
أى من أعمال أهل الكفر وعادتهم وأخلاق الجاهلية ، وهما خصلتان مذمومتان محرمتان فى
الشرع، وقد كان النبى ◌ّه يأخذ على النساء فى بيعتهن ألا ينحن، وقال: (( ليس منا
من لطم الخدود، وشق الجيوب ، ودعا بدعوى الجاهلية)) (١)، وكذلك نهى النبى معَّه
عن السخرية واللمز والنبز والغيبة والقذف ، وكل هذا من أعمال الجاهلية (٢)، وقال (٣)
النبى معَّهُ: ((إن الله أذهب عنكم عُبَيَّة (٤) الجاهلية ... )) الحديث، وقوله: ﴿إِنَّا
خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى .. ﴾ (٥)، فعَّرف نعمته بالأنساب للتعارف والتواصل ، فمن
تسوَّر(٦) على قطعها والغمض (٧) فيها ، فقد كفر نعمة ربه وخالف مراده ، وكذلك أمر
تعالى بالصبر وأثنى على الصابرين ووعدهم رحمته وصلاته ووصفهم بهدايته ، وحتَّم
الموتَ على عباده ، فمن أبدى السخط والكراهة لقضاء ربه وفعل ما نهاه عنه فقد كفر
نعمته فيما أعدَّ للصابرين من ثوابه وتشبه بمن كفر من الجاهلية .
(١) البخارى، ك الجنائز، ب ليس منا من لطم الخدود ١٠٣/٢، البيهقى فى السنن الكبرى ٦٤/٤، ابن أبى
شيبة فى المصنف ٩٩/٣، أحمد فى المسند بنحوه ١/ ٤٣٢، ٤٥٦ عن عبد الله بن مسعود ، وهو من
الأحاديث التى ذكرها ابن عدى فى كتابه الكامل ٣٣٤/١ .
(٢) سيرد إن شاء الله تعالى فى ك البر والصلة عن أنس وأبى هريرة، وأخرجه أحمد فى المسند ٥/١،
٢ /٣٦٠، ٣٩٤، ٤٦٥، ٤٧٠، ٤٨٠، ٤٩٢، ٥٠١، ٥١٢، ٥١٧، ٥٣٩، ٢٧٧/٢، ٣١٢،
كما أخرجه ابن أبى شيبة فى المنصف ٣٤٣/٨ .
(٣) فى ت : قال .
(٦) فى ت : تصور .
(٥) الحجرات : ١٣ .
(٤) فى ت : أهل .
(٧) أى الوكس والاستحطاط .

٣٢٧
كتاب الإيمان / باب تسمية العبد الآبق كافرا
(٣١) باب تسمية العبد الآبق كافرا
١٢٢ - (٦٨) حدّثْنا عَلَىُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدىُّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاَعيلُ - يَعْنِى ابْنَ عُلَيَّةَ -
عَنْ مَنْصُورِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عَنِ الشَّعْبِىِّ، عَنَّ جَرِيرٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: (( أَيُّمَا عَبْد أَبَقَ
مِنْ مَوَالِيهِ فَقَدْ كَفَرَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْهِمْ )) .
قاَلَ مَنْصُورٌ: قَدْ وَاَللّهِ رُويَ عَنِ النَّبِىِّ عَّهُ، وَلَكِنِّى أَكْرَهُ أَنْ يُرْوَى عَنِّى هاهُنَا
بِالْبَصْرَةِ.
١٢٣ _ (٦٩) حدّثنا أُبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غياث، عَنْ دَاوُدَ، عَن
الشَّعْبِىِّ ، عَنْ جَرِير؛ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ عَهُ: (( أَيُّما عَبْد أَبَقَ فَقَدْ بَرَتَتْ مِنْهُ
الذَمة)).
وقوله : (( أيما عبد أبَقَ من مواليه فقد كفر حتى يرجع)) : أى جحد حقه وغطّاه ،
وهذا أصل معنى الكفر، قال الله تعالى: ﴿ فَلَمَّا جَاءَهُم مَّ عَرَفُوا كَفَرُوا بِه﴾ (١).
أو يفعل ذلك مستحلا لما حرم عليه من حق سيّده .
وقوله : (( برِئت منه الذمَّة)) : الذمة : العهد ، أى عهد الإيمان ، يريد خرج عنه إن
فعل ذلك ووجب قتله (٢) ، يقال فى هذا وغيره من الأشياء والدَّين وسواه: برى بكسر
الراء، ويُهْمَز ويُسَهَّل برأ ، ويقال فى المرض: بالوجهين ، بكسر الراء وفتحها ، والفتح
لغة الحجازيين ، وتميم تكسر وتهمز ولا تهمز ، وجاءت لغة (( برؤ)) بالضم ومستقبله يبرأً
ويبرؤُ بالفتح والضم على الوجهين المتقدمين . وفى الحديث : (( من صلى صلاتنا ،
واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا ، فذلك المسلم الذى له ذمةُ الله وذمة رسوله)) (٣). أو
يكون الذمة التى هى الأمان والضمان الذى جعله الله للمؤمنين من كفاية الأعداء من الجن
والإنس فى بعض الحالات ، أى أخفر بإباقه هذه الذمة التى هى الأمان والضمان ، ومنه
سُمى أهل الذمة، لأنهم فى أمان المسلمين وضمانهم ، أو يكون هذا لمن كان على غير دين
الإسلام من العبيد فيأبقوا إلى بلد العدو ، فقد سقطت عنه ذمة الإسلام من حقن دمه بسبب
(١) البقرة : ٩٠ .
(٢) فى الأصل : قيله .
(٣) البخارى فى صحيحه، ك الصلاة، ب فضل استقبال القبلة ١٠٨/١، النسائى، ك الإيمان وشرائعه، ب
صفة المؤمن ١٠٥/٨، عن أنس بلفظه، كما أخرجه الطبرانى عن عبد الله بن مسعود وعن جندب بنحوه
مجمع ٢٨/١ .

٣٢٨
كتاب الإيمان / باب تسمية العبد الآبق كافرا
١٢٤ - (٧٠) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْبَى، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ مُغِيرَةَ، عَنِ الشَّعْبِىِّ؛ قالَ :
كَانَ جَرِيرِ ابْنُ عَبْدِ اللّه يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِىِّ ◌َّهُ قالَ: ((إِذَا أَبَقَ الْعَبْدُ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ)) .
استحيائه قبل واسترقاقه ، وصار حكمه حكم الحربيين الذين لا ذمة لمن عثر عليهم
منهم (١). وقول منصور (٢) : أكره أن يروى عنى هذا بالبصرة ؛ لما كان فشا بها من
الاعتزال والقول بإنفاذ الوعيد والمنزلة بين المنزلتين وسلب اسم الإيمان عن المذنبين والقول
بتخليدهم فى النار . وهذا الحديث وأشباهه مما تقدم مما يتمسكون بظواهرها (٣).
وقوله: ((لم تقبل له صلاة))، قال الإمام : يحتمل أن يحمل على المستحل لذلك
فيكفُر باستحلاله فلا تقبل صلاته ولا غير ذلك [ من عمله ] (٤)، وكنى بالصلاة عن غيرها .
وفيه - أيضاً - معنى خفى، وذلك [ أنه يحتمل ] (٥) أن يكون ذكر الصلاة لأنه
منهى عن البقاء فى المكان الذى يصلى فيه لكونه مأموراً بالرجوع إلى سيده فصارت صلاته
فى بقعة منهى عن المقام بها تضارع الصلاة فى الدار المغصوبة .
(١) لم ينقل النووى هذا الوجه على وجاهته. راجع ٢٥٦/١ .
(٢) قال النووى: (( وفى الرواة خمسة يقال لكل واحد منهم منصور، منصور بن عبد الرحمن هذا أحدهم،
هو الأشل الغدانى البصرى)). السابق ٢٥٨/١ .
(٣) ذكره النووى بتصرف بغير أن يعزو أصله إلى القاضى.
(٤) فى المعلم : منه .
(٥) من المعلم .
.

٣٢٩
كتاب الإيمان / باب بيان كفر من قال : مطرنا بالنوء
(٣٢) باب بيان كفر من قال : مطرنا بالنوء
١٢٥ - (٧١) حدّثَنا يَحْبَى بْنُ يَحْيَى، قاَلَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِك، عَنْ صَالِحِ بَن
كَيْسَانَ، عَنْ عُبَيْدِ اللّه بْنِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدِ الْجُهَنَى: قَالَ: صلَّى بنا
رَسُولُ اللّهِ عَهُ صَلَاةَ الصُُّحِ بِالْحُدَّةِ فِى إِثْرِ السَّمَاَءِ كَانَتَّ مِنْ اللَّيْلِ. فَلَمَّ انْصَرَفَ
أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: ((هَلَّ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟)) قَالُوا: اللّهُ ورَسُولُهُ أَعْلَمُ، قالَ:
قال مسلم : ثنا يحيى بن يحيى ، قرأت على مالك عن صالح بن كيسان عن الزهرى
عن عبيد الله [ بن عبد الله حديث: ((أصبح من عبادى مؤمن بي وكافر بى))، قال
الإمام: فى الحديث عن مالك عن صالح بن كيسان ، عن عبيد الله، عن زيد: (( صلى بنا
رسول الله عَّه صلاة الصبح بالحديبية))] (١)، قال بعضهم: [وقع ] (٢) فى نسخة ابن
ماهان صالح بن كيسان [ عن الزهرى ، عن عبيد الله، وإدخال ] (٣) الزهرى هنا خطأ،
وصالح بن كيسان أسنُّ من الزهرى [وهو يروى هذا الحديث عن عبيد الله دون وساطة] (٤).
وقوله: ((صلى بنا رسول الله عَّه صلاة الصبح بالحديبية))، قال القاضى: أكثر
رواة الحديث والخبر يُشدِّدون الباء من الحديبية ، والحذاق منهم يخففونها ، وكذا قرأناها
بالوجهين، وبالتخفيف سمعناها من متقنيهم وحفّاظِهم أبى الحسين بن سراج اللغوى ،
وأبى عبد الله بن سليمان النحوى ، والقاضى الشهيد [الحافظ] (٥) أبى على السَّكونى،
والراوية أبى بحر بن العاص (٦) وغيرهم . وحكى لنا أبو الحسين أن الأصمعى يخففها
والكسائى يُشَدِّدها .
(١، ٢) من المعلم .
(٣) سقط من أصل ت، واستدرك بهامشه بسهم، وكتب بعدها عبارة : صح ، أصل . مما يؤكد لنا نقل تلك
النسخة عن النسخة الأصلية .
(٤) غير مذكور فى نسخ المعلم التى تحت يدى ، وأغلب الظن أنها من تصرف النساخ ، ومما يؤكد هذا أن ما
ذكر فى العبارة من إحالة رواية صالح بن كيسان عن الزهرى لكون صالح أسنّ من الزهرى ، قولٌ غير
معهود لدى أصحاب الشأن ، فضلاً عن ثبوت رواية صالح عن الزهرى فى غير هذا الحديث مع كونه
أسنَّ منه كما جاء فى العبارة التى نرى أنها مقحمة على نسخة المعلم ، فإن صالح بن كيسان نزل إلى ابن
عجلان وإسماعيل بن محمد بن سعد ، وعدة ، وهم أنزل من الزهرى . سير ٤٥٤/٥، تهذيب
التهذيب ٢٨/١ .
(٥) ساقطة من ت .
(٦) هو سفيان بن العاصى ، وقد سبق . ولم أقف على من قبله .

٣٣٠
كتاب الإيمان / باب بيان كفر من قال : مطرنا بالنوء
(( قالَ : أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِى مُؤْمِنٌ بِى وَكَافِرٌ ، فَأَمَّا مَنْ قالَ : مُطرْنا بِفَضْلِ اللّه وَرَحْمَتَهِ،
فَذَلَكِ مُؤْمنُ بِى كَافِرٌ بالكَوْكَب وأَمَّا مِنْ قالَ : مُطرناً بنَوْء كَذَا وَكَذَا ، فَذَلِكَ كَافِرٌ بِى
مُؤْمِنُ بِالْكَوْكَبِ )) .
وروى لنا القاضى الشهيد عن إسماعيل القاضى عن ابن المدينى أن أهل المدينة
يشدّدونها وأهل العراق يخففونها ، وكذلك اختلفوا فى الجعرانة (١) ، فأهل المدينة يكسرون
العين ويُشَدِّدون الراء ، وأهل العراق يخففون العين والراء ، وكذلك اختلفوا فى ابن
المسيب ، فأهل المدينة يكسرون الياء وأهل العراق يفتحونها ، وهذا عن أهل العراق فى
الحديبية خلاف ما قاله أبو الحسين .
وقوله: (( [ فى ] (٢) أثر سماء)): السماء: المطر، وجمعه أسمية، وسُمى،
والسماء : السحاب ، وأصل السماء : [ كل ما ] (٣) ارتفع فأظل وعلا ، وسماء كل شىء
ما علا منه ، وبه سميت السماء والسحاب ، ثم سُمى المطرُ به لمجىء السحاب به ، كما
سمى مُزْناً ، والمزن : السحاب .
وقوله: (( أصبح من عبادى مؤمن بي وكافر بى ... )) الحديث ، قال الإمام : هذا
يحمل على أن المراد به تكفير من اعتقد أن المطر من فعل الكواكب وخلقها (٤) دون أن
يكون خلقا لله ، كما يقول بعض الفلاسفة من أن الله تعالى لم يخلق [من] الأشياء إلا (٥)
واحدا وهو العقل الأول عندهم ، وكان عن العقل الأول غيره ، وهكذا عن واحد آخر إلى
أن كان عن كل ذلك ما تحته ، حتى ينتهى الأمر إلى الأمطار وإلينا ، فى تخليط طويل
(١) اسم مكان يقع فى رأس وادى سَرِف حين تعلقُه فى الشمال الشرقى من مكة ، وهى أحد مكانين يعتمر
منهما المكيون . راجع : معجم المعالم الجغرافية ٨٣ .
(٢) ساقطة من الأصل . وفى الأثر لغتان ، كسر الهمزة وسكون الثاء وفتحها .
(٣) فى الأصل رسمت هكذا : كلما .
(٤) فى المعلم : الكوكب وخلقه .
(٥) ساقطة من ت .
والنوء مصدر ناء الرجل نوءاً ، إذا نهض متثاقلا ، ثم استعمل فى ناء الكوكب إذا طلع ، وقيل : إذا
غرب ، ثم سمى الكوكبُ نوءاً ، فقالوا : مطرنا بنوء كذا ، أى بنجم كذا ، من تسمية الفاعل بالمصدر،
وإنما نسبت العربُ المطرَ إلى النجوم لأن ثمانية وعشرين كوكباً معروفة المطالع فى السنة ، وهى المسماة بمنازل
القمر الثمانية والعشرين ، يسقط منها فى كل ثلاث عشرة ليلة كوكب عند طلوع الفجر ويظهر نظيرهُ ،
فكانت العرب إذا حدث عند ذلك مطر نسبته إلى الغارب ، ومنهم من ينسبه إلى الطالع نسبة إيجاد وتأثير،
ويطلقون القول المذكور فى الحديث .

٣٣١
كتاب الإيمان / باب بيان كفر من قال : مطرنا بالنوء
١٢٦ - (٧٢) حدّثَنِى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى وَعَمْرُو بْنُ سَوَّادِ الْعَآَمَرِىُّ وَمَحْمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ
الْمُرَادِىُّ، قَالَ الْمُرَادِىُّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللّه بْنُ وَهْب عَنْ يُونُسْ، وَقَالَ الآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا ابْنُ
وَهْبِ ، قالَ : أَخْبَرَنِى يُونُسُ عَنْ ابْنِ شِهَبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِى عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُّ عَبْدُ اللَّه بْن
عُتْبَةَ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ عَهُ: (( أَلَمْ تَرَوْا إِلى مَا قَلَ رَبُّكُمْ؟ قَالَ : مَا
أَنْعَمْتُ عَلَى عِبَادِى مَنْ نِعْمَةٍ إِلا أَصْبَحَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِهَا كَافِرِينَ . يَقُولُونَ : الْكَوَاكِبُ
وَبَالْكَوَاكِبِ )) .
( ... ) وحدّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِىُّ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللّه بْنُ وَهْب عَنْ عَمْرِو بْنِ
الْحَارِثِ. ح وَحَدَّثَنِى عَمْرُو بْنُ سَوَادٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللّه بْنُ وَهْب، أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ
الْحَارِثِ؛ أَنَّ أَبَا يُونُسَ مَوْلَى أَبِى هُرَيْرَةٌ حَدَّهُ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُول اللّهِ عَّهُ قَالَ:
(( مَا أَنْزَلَ اللَّهُ منَ السَّمَاءِ مِنْ بَرَكَةٍ إِلا أَصْبَحَ فَرِيقٌ مِنْ النَّاسِ بِهَا كَافِرِينَ ، يُنْزِلُ اللَّهُ
الْغَيْثَ، فَيَقُولُونَ: الْكَوْكَبُ كَذَا وَكَّذَاً))، وَفِى حَدِيْثِ الْمُرَادِىِّ: (( بِكَوْكَبِ كَذَا وَكَذَا» .
ليس هذا موضع ذكره. وأما من اعتقد أن لا خالق إلا الله سبحانه، ولكن جعل فى / بعض ٢٥/ ب
الاتصالات من الكواكب دلالة على وقوع المطر من خلقه تعالى، [ على ] (١) عادة جرت
فى ذلك فلا يكفر بهذا ، إذا عبر عنه بعبارة لا يمنع الشرع منها .
والظن بمن قال من العوام : هذا نوءُ الثُرَيّا ، ونوْءُ الراعى ، أنه إنما يريد هذا المعنى،
وقد أشار مالك - رحمه الله - فى موطئه إلى هذين (٢) المعنيين ، وأوردهما فى بابين ،
وأورد فى المعنى الأول: الحديث الذى نحن فيه، و[أورد ] (٣) فى المعنى الثانى: ((إذا
أنشأت بحرية ثم تشاءمت فتلك عينُ غديقةٍ)) (٤) .
قال القاضى : قال الحربى : إنما جاءت الآثار بالتغليظ ؛ لأن العرب كانت تزعم أن
ذلك المطر من فعل النجم ، ولا يجعلونه من سقى الله تعالى ، فأما من نسبه إلى الله
وجعل النوء مثل أوقات الليل والنهار ، كان ذلك واسعاً كما قال أبو هريرة: ((سقانا الله
ولم يَسْقِنا النجم)).
(١) غير مذكورة فى المعلم ، والعبارة بغيرها مستقيمة .
(٢) الذي فى المعلم : هذا .
(٣) من المعلم .
(٤) انفرد به مالك فى الموطأ، وذكره بلاغاً، قال ابن عبد البر : هذا الحديث لا أعرفه بوجه من الوجوه فى
غير الموطأ ، إلا ما ذكره الشافعى فى الأم .
=

٣٣٢
كتاب الإيمان / باب بيان كفر من قال : مطرنا بالنوء
١٢٧ - (٧٣) وحدّثَنِى عَبَّاسُ بْنُ عَبْد الْعَظيمِ الْعَنْبَرِىُّ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّد.
حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ - وَهُوَ ابْنُ عَمَّار - حَدَّثَنَا أَبُوَ زُمَيْلَ، قَالَ: حَدَّثَنِى ابْنُ عَبَّاسِ قَالَ: مُطِّرَ
قال القاضى من طريق ابن عباس فى الأم فى هذا الحديث: (( أصبح من الناس شاكر
وكافر)) : فمقابلته لشاكر بكافر يدل أن المراد كفر النعمة وجحدها إذا لم يضفها إلى ربه
ويشكره عليها ولاولى الأمر أهله ، واقتصر على ذكر عادة غير مؤثرة ، ومخلوقات مسخرة
وآلات مُدبرة ، وكذلك يدل عليه قوله - أيضاً - فى الحديث الآخر: (( ما أنزل الله من
السماء من بركة)) وفى اللفظ الآخر: ((ما أنعمت على عبادى (١) من نعمة إلا أصبح
فريق منهم كافرين)) ، فدل أنه كفر نعمة لا كفر بالله . وإنما يجوز من هذا أن يذكر بمعنى
الوقت أو الآلة، كما قال عَّه: ((تلك عين غديقة))، وكما قال عمر : كم بقيا لنوء
الثريا . فأما القول : مطرنا بنوء كذا وإن لم يعتقد قائله تأثير النجوم وفعلها ، ففيه مشابهة
لقول من يعتقد ذلك، والشرع قد حمى (٢) التشبيه بالكفار، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ (٣). إذ كانت كلمة اليهود والمنافقين معرضين بها .
وورد فى آخر الحديث المتقدم أن فى هذا نزلت : ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُوم﴾ إلى
قوله: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِبُون﴾ (٤).
وقد اختلف المفسرون فى معنى هذه الآية ، ومعنى النجوم فيها ، ومعنى الرزق ،
فذهب الحسن ومجاهد وقتادة : أن النجوم فيها نجوم السماء ومواقعها إما مغاربها وإما
مطالعها أو انكدارها أو انتثارها يوم القيامة ، على اختلاف تأويلاتهم فى ذلك . وقيل :
= ومعنى: ((إذا أنشأت بحرّية)): أى إذا ظهرت سحابة من ناحية البحر، ومعنى: ((تشاءمت)): أى
أخذت نحو الشام، و ((غديقة)) هى مصغر غدقة، قال تعالى: ﴿وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لِأَسْقَيْنَاهُم
مَاءٌ غَدَقًا﴾ [الجن: ١٥] أى كثيراً. وقال مالك: ((معناه: إذا ضربت ريحُ بحريَّةُ فأنشأت سحاباً ثم
ضربت ريح من ناحية الشمال ، فتلك علامة المطر الغزير . والعين مطر أيام لا يُقلع)). الموطأ، ك
الاستسقاء ، ب الاستمطار بالنجوم ١/ ١٩٢.
(١) فى ت : عبدى .
(٢) كتب أمامها بهامش ت: ((حرم)) كالتفسير لها . وحمى أوسع دلالة على المراد من حرم ، فهى هنا بمعنى
المنع ، أعم من أن يكون حراماً أو مكروهاً .
(٣) البقرة: ١٠٤ . وذلك أن اليهود - عليهم اللعائن - كانوا يُعانون من الكلام ما فيه تورية لما يقصدونه من
التنقص ، فإذا أرادوا أن يقولوا : اسمع لنا يقولون : راعنا ، يورون بالرعونة ، كما قال تعالى : ﴿مِنَ الَّذِينَ
هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنَا فِي الدِّينِ﴾
[النساء: ٤٦] تفسير القرآن العظيم ٢١٣/١.
(٤) الواقعة : ٧٥ -٨٢ .

٣٣٣
كتاب الإيمان / باب بيان كفر من قال : مطرنا بالنوء
النَّاسُ عَلَى عَهْدِ النَّبِىِّ ◌َّهُ، فَقالَ النَّبِ عَّهُ: (( أَصْبَحَ مِنَ النَّاسِ شَاكِرٌ وَمِنْهُمْ كَافِرٌ ،
قَالُوا: هذه رَحْمَةُ اللّه، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَقَدْ صَدَقَ نَوْءُ كَذَا وَكَذَا)). قَالَ : فَتَزَّلَتْ هَذه
الآيَةُ: ﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ ﴾ حَتَّى بَلَغَ : ﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُون﴾(١).
مواقع النجوم : منازل القرآن (٢) ، أنزل نجوماً. وعن مجاهد : مواقع النجوم : محكم
القرآن .
وعن ابن عباس : ﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُم﴾ الآية: أى شكركم، فيقولون : مطرنا بنوء
كذا ونجم كذا . قال قطرب : الرزق هنا الشكر ، وقيل : وتجعلون شكر رزقكم . وتحقيقه
عوض شكر ربكم ونعمه قولكم هذا ، وإضافة رحمته لكم لغيره .
وعن الهيثم بن عدى فى لغة أزد شنوءة : ما رَزَقَ فلانٌ فلاناً ، أى ما شكره (٣).
وذكر مسلم آخر الباب : ثنا عباس بن عبد العظيم العنبرى . كذا الرواية ، وعند
العُذرى الغبرى . وهو تصحيف .
(١) الواقعة: ٧٥ - ٨٢ .
(٢) وينسب لابن عباس من طريق حكيم بن جُبير، عن سعيد بن جُبير، وكذا قال عكرمة ، ومجاهد ،
والسَّدى . راجع: تفسير القرآن العظيم ٢١/٨.
(٣) تفسير الطبرى ١١٩/٢٧ .

٣٣٤
كتاب الإيمان / باب الدليل على أن حب الأنصار وعلىّ ... إلخ
(٣٣) باب الدليل على أن حب الأنصار وعلىّ رضى الله عنهم
من الإيمان وعلاماته وبغضهم من علامات النفاق
١٢٨ - (٧٤) حدّثْنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّتَنَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ مَهْدى، عَنْ شُعْبَةً،
عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عَبْدِ اللّه بْن جَبّر، قالَ: سَمِعْتُ أَنَسَّا قالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ عَِّ: (( آيَةُ
الْمُنَفَقِ بُغْضُ الْأَنْصَارِ ، وَآَيَةُ الْمُؤْمِنِ حُبُّالْأَنْصَارِ)) .
( ... ) حدّثنا يَحْبَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِى، حَدَّثَنَا خَالِدٌ - يَعْنِى ابْنِ الْحَارِث - حَدَّثَنَا
شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ اللّه بْنِ عَبْدِ اللّهِ، عَنْ أَنَس، عَنْ النَّبِىِّ ◌َّهُ أَنَّهُ قالَ: ((حُبُّ الأَنْصَارِ آيَةٌ
الإِيمانِ ، وَبُغْضِهُمْ آيَةُ النِّفَق )) .
١٢٩ - (٧٥) وحدّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْب، قالَ: حَدَّثَنِى مُعَاذُ بْنُ مُعَاذ. ح وَحَدَّثَنَا
عُبَيْدُ اللّه بْنُ مُعَاذ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَدَىِّ بْنِ ثَبت ، قاَلَ :
سَمِعْتُ الْبَرَاءَ يُحِّدِّثُ عَنِ النَّبِىِّ ◌َُّ أَنَّهُ قَلَ فِى الأَنْصَارِ: (( لا يُحِبُّهُمْ إِلا مُؤْمِّنٌ، وَلَا
يُبْغِضُهُمْ إِلا مُنَفِقٌ، مَنْ أَحَبَّهُمْ أَحَبَّهُ اللّهُ، وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ أَبْغَضَهُ اللَّهُ)) .
قالَ شُعْبَةُ: قُلْتُ لعَدِيٍّ: سَمِعْتَهُ مِنَ الْبَرَاء؟ قالَ : إِيََّىَ حَدَّثَ .
١٣٠ - (٧٦) حدّثْنَا قُتََّةُ بْنُ سَعيد، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - يَعْنِى ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمنِ الْقَارِىَّ
- عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبيِهِ، عَنْ أَبِى هَرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ عََّ قالَ: ((لا يُبْغضُ الأَنْصَارَ
رَجُلٌ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَاَلْيَوْمِ الآخِرِ )) .
(٧٧) وحدّثَنَا عُثْمَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُوبَكْرِ بْنُ
أَبِ شَيْبَةً، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، كِلاهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ ؛ قالَ:
قالَ رَسُولُ اللّهِ عَّهُ: ((لا يُبْغِضُ الأَنْصَارَ رَجُلٌ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ)) .
وقوله: ((آية المنافق بغض الأنصار ... )) الحديث ، وقوله مثل ذلك فى على -
رضى الله عنه - معناه بَيّن؛ لأن من عرف حق الأنصار ، ومكانهم من الدين، ومبادرتهم

٣٣٥
كتاب الإيمان / باب الدليل على أن حب الأنصار وعلىّ ... إلخ
١٣١ - (٧٨) حدّثَنَا أُبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ وَأَبُو مُعَاوِيَّةَ، عَنِ الأَعْمَشِ.
ح وَحَدَّثَنَاَ يَحْيَى بْنُ يَحْنَى - وَاللَّفْظُ لَهُ - أَخْبَرَنَ أَبُو مُعَاوَيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عَدِىِّبْنِ
ثَبِتِ ، عَنْ زِر، قالَ: قَالَ عَلِىٌّ : وَالَّذِى فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، إِنَّهُ لَعَهْدُ النَّبِىِّالْأُمِّىِّ
◌َّةٍ إِلَىَّ: ((أَلَا يُحِبَّنِى إِلا مُؤْمِنٌ، وَلَا يُبْغِضُنِىِ إِلا مُنَفِقٌ)).
إلى نصره وإظهاره، وقتال كافة الناس دونه وذَبَّهم عن النبى عَّ [ونصرهم إياه] (١)
حبّهم ضرورة بحكم صحة إيمانه ، وحبّه الإسلام وأهله ، وعظموا فى نفسه بمقدار عظم
الإسلام فى قلبه ، ومن كان منافق السريرة غير مسرور بما كان منهم ولا محب فى إظهارهم
الإيمان ونصره ، أبغضهم لا شك لذلك، وكذلك من حقق مكان على من النبى معَّه
وحُبُّه له وَغَناه فى الإسلام وسوابقه ، أحبَّه إن كان مؤمناً محبا فى النبى وآله ، وإن كان
بخلاف ذلك أبغضه بفضل بغضه للنبى معَّهُ [وأهل مِلَّته، ومثل هذا قوله عَّه] (٢) فى
الحديث الآخر فى الصحابة: ((فَبِحُبّى أحبَّهم، وببغضى أبغضهم)) (٣). ◌َ
(١) فى ت : ونصره .
(٢) سقط من ت .
(٣) يشير إلى ما أخرجه الطبرانى عن وائل بن حجر بسند ضعيف: (( من أحبَّ الأنصار فُحبى أحبَّهم ، ومن
أبغض الأنصار فيبغضى أبغضهم))، وكذا أخرجه عن معاوية بسند قال فيه الهيثمى: (( رجاله رجال
الصحيح غير النعمان بن مُرّة وهو ثقة)) راجع: الطبرانى فى الكبير ٣٤١/١٩، مجمع الزوائد ٣٧٦/٩ ،
٣٩/١٠. وقول على - رضى الله عنه -: ((والذى فلق الحبة)): أى شقها بما يخرج منها، والحبَّةُ بفتح
الحاء اسم لما يزرع ويستنبت ، وبكسرها لما لا يزرع كبقول الصحراء .
وقوله : ((وبرأ النسمة)): أى خلقها، والنسمة النفس، وقد يقال على الإنسان نسمةٌ ، وقد يقال
أيضاً على الربوة والهواء ، وهو امتلاء الجوف من الهواء .
و(الأمى) : هو الذى لا يكتب ، وهو منسوب إلى الأم ؛ لأنه باق على أصل ولادتها ، إذا لم يتعلم
كتابة ولا حساباً ، وقيل : ينسب إلى معظم أمة العرب ، إذ الكتابة كانت فيهم نادرة .
قال القرطبى : وهذا الوصف من الأوصاف الذى جعله الله تعالى من أوصاف كمال النبى معَّه ومدحه
به ، وإنما كان وصف نقص فى غيره لأن الكتابة والدراسة والدربة على ذلك هى الطريق الموصلة إلى العلوم
التى بها تشرف نفس الإنسان ويعظم قدرها عادة ، ولما خصَّ الله تعالى نبينا محمداً عَّه بعلوم الأولين
والآخرين من غير كتابة ولا مدارسة كان ذلك خارقاً للعادة فى حقه ، ومن أوصافه الخاصة به ، الدالة على
صدقه ، فسبحان الذى صير نقصاً فى حقه كمالا ، وزاده تشريفا وجلالاً .
وقوله: ((ألا يحبنى)) هو بفتح همزة ألا؛ لأنها همزة أن الناصبة للفعل المضارع، ويحتمل أن تكون
المخففة من الثقيلة ، وكذلك روى : (( يحبنى )) بضم الباء وفتحها ، وكذلك يبغضنى ؛ لأن معطوف عليه ،
والضمير فى ((أنه)) ضمير الأمر والشأن، والجملة بعده تفسير له . المفهم ١/ ٢٣٧ .

٣٣٦
كتاب الإيمان / باب بيان نقصان الإيمان بنقص الطاعات ... إلخ
(٣٤) باب بيان نقصان الإيمان بنقص الطاعات وبيان إطلاق لفظ الكفر
على غير الكفر بالله ، ككفر النعمة والحقوق
١٣٢ - (٧٩) حدّثْنا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْح بْنِ الْمُهَاَجرِ الْمِصْرِىُّ، أَخْبَرَنَاَ اللَّيْثُ، عَن
ابْن الْهَد ، عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ دِينَرَ، عَنْ عَبْدِ اللّه بْنِ عُمَرَ، عَنْ رَسُول اللّهِ عَّهِ أَنَّهُ قَلَ:
(يأَمَعْشَرَ النِسَاءِ، تَصَدَّقْنَ وَأَكْثِرْنَ الاسْتِغْفَارَ . فَإِنَى رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهَّلِ النَّارِ)) . فَقَلَت
امْرَةٌ مِنْهُنَّ، جَزْلَةٌ: وَمَنَا يَرَسُولَ اللَّهِ أَكْثَرَ أَهلِ النَّارِ. قالَ: ((تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ، وَتَكْفُرْنَّ
الْعَشِيرَ، وَمَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتٍ عَقْلِ وَدِينِ أَغْلَبَ لذى لُبِّ مِنْكُنَّ)). قاَلَتْ: ياَرَسُولَ
اللّه، وَمَا نُقْصَانُ الْعَقْلِ وَالدِّين؟ قالَ: « أَمَّا نُقْصَانُ الْعَقْلِ فَشَهَادَةُ امْرَأَتَيْن تَعْدِلُ شَهَادَةَ
رَجَّل، فَهذَا نُقْصَانُ الَعَقْلِ. وَتَمْكُثُ اللَّيِى مَا تُصَلِى، وَتُفْطِرُ فِى رَمَّضَانَ ، فَهذَا
نُقْصَانُ الدِّينِ)) .
وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ بَكْرِ بْنِ مُضَرَ ، عَنِ ابْنِ الْهادِ ، بَهذَا
الإِسْنَاَدِ، مِثْلَهُ .
(٨٠) وحدّثَنى الْحَسَنُ بْنُ عَلَىّ الْحُلْوَانِىُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحِقَ، قالا: حَدَّثَنَا ابْنُ
أَبِى مَرْيَمَ ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ، قالَ : أَخْبَرَنِى زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ
اللّه، عَنْ أَبِى سَعِيدِ الْخُدْرِىِّ، عَنِ النَّبِىِّ يَّةُ. ح وَحَدَّثَنَا يَحْبَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ وَابْنُ
حُجْرٍ ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إسْمَعيلُ - وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرِ - عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِى عَمْرو ، عَنِ
المَقْبُرَىِّ، عَنْ أَبِى هُرَيَّةً، عَنِ النَِّّةُ، بِمِثْلٍ مَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النِّّ ◌َّهُ.
وقوله: (( يا معشر النساء تصدَّقن وأكثرن الاستغفار ... )) الحديث: حضٌّ على الأمر
بالصدقة والاستغفار ، وأمره بذلك دليل أن العصاة ليسوا بكفار ، وأنهم فى مشيئة الله
[ تعالى] (١)، وأنَّ الحسنات يذهبن السيئات، وفيه دليل أن كفران العشير (٢) واللعن من
الذنوب المتوعد عليها بالنار .
(١) من ت .
(٢) فى ت : العشيرة .
=

٣٣٧
كتاب الإيمان / باب بيان نقصان الإيمان بنقص الطاعات ... إلخ
وفيه: ((فقالت امرأةٌ منهنَّ جَزْلَةٌ)) : أى ذات عقل ودين . قال ابن دريد : الجزالة :
الوقار والعقل ، وفى العين : امرأة جزيلة ، أى ذات عجيزة عظيمة ، وأصله العظيم من كل
شىء ، ومنه عطاء جزل (١) .
وقوله : (( يكثرن اللعن ويكفرن العشير)) : اللعن فى اللغة : الطرد والإبعاد ، ومعناه
فى الشرع : الإبعاد من رحمة الله . والعشير هنا : الزوج ، يسمى بذلك الذكر والأنثى ؛
لأن كل واحد منهما يعاشر صاحبه ، والعشير - أيضاً - الخليط والصاحب.
وقد قال الباجى : يحتمل أن يريد به الزوج خاصة ، ويحتمل أن يريد به كل من
يعاشرهن .
ودليل الحديث خلاف ما قاله من شرحه بمعنى الزوج بعد هذا دون غيره ، واستحقاقهن
النار بكفران إحسان العشير وجحد حقه ، يدلُّ أنه الزوج لعظيم حقه عليهن (٢) .
وإدخال / مسلم هذا الحديث فى كتاب الإيمان لفائدتين : إحداها : بيان أن الكفر قد ٢٦/أ
ينطلق على كفر النعمة وجحد الحق وتغطيته وهو أصل الكفر فى اللغة ، لكفران العشير
المذكور فى الحديث ، وكفر الإحسان المذكور فى الحديث فى غير الأم ، إذ لا إشكال أنه لم
يرد به هنا الكفر بالله ، وفسَّر به كل ما أطلق عليه اسم الكفر على أهل المعاصى فيما تقدم
من الأحاديث .
قال أحمد بن منصور (٣) : يكفرن العشير ويكفرن الزوج كلام واحد ، أى يكفرن
إحسان الزوج . قال : وكفر النعمة من أكبر المعاصى ، ولو كان خروجاً من الإيمان لم يمكن
الزوج من التمسّك بها وموارثتها .
قال القاضى: والثانية: إظهار نقص الإيمان وزيادته بقوله: (( ناقصات عقل ودين)).
وقوله: ((لذى لُبّ)): أى لذى عقل (٤)، ومنه تكرار قول النبى عَّه قول الأعشى
والمعشر هم الجماعة الذين أمرهم واحد ، أى مشتركون ، وهو اسم يتناولهم ، كالإنس معشر ،
=
والجن معشر، والأنبياء معشر ، والنساء معشر، ونحو ذلك ، وجمعه معاشر. نووى ٢٦٣/١ .
(١) ومن جزالتها أنها لم تسأل إلا عن السبب لتحترز منه. إكمال الإكمال ١/ ١٨٥.
(٢) وعلى ذلك فإن كفران العشير كبيرة؛ للعقوبة عليه بالنار، قال النووى: ((التوعد بالنار من علامة كون
المعصية كبيرة، وأما اللعن فمن المعاصى الصغائر، لقوله تعَّه: ((وتكثرن اللعن)) والصغيرة إذا كثرت
صارت كبيرة)). نووى ١/ ٢٦٤، إكمال الإكمال ١٨٥/١.
(٣) زيد بعدها فى الأصل : نصر قوله .
(٤) التعجب هنا من كثرة غلبهن لا من غلبتهن للرجال على الصحيح ؛ لأنه لا يجوز التعجب من فعل
المفعول، وهم الرجال هنا. راجع: إكمال ١٨٦/١، واللُّبُّ هو: العقلُ الخالص .

٣٣٨
كتاب الإيمان / باب بيان نقصان الإيمان بنقص الطاعات ... إلخ
فى امرأته (١) : وهن شرَّ غالب لمن غلب .
وقول صاحبة أم زرع: (( وأغلبه والناس تغلب )) (٢)، وقول [معاوية ] (٣): يغلبن
الكرامَ ويغلبهن اللئام .
وقوله: ((ناقصات عقل أما نقصان العقل فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل ))، قال
الإمام: هذا تنبيه منه عَّه على ما وراءه لأنه ليس فى [ هذا ] (٤) الوصف بقصور
شهادتهما عن شهادة الرجل بمجرده دليل على نقص العقل حتى يتم بما نبَّه الله عليه
سبحانه(٥) فى كتابه ، من أن ذلك لأجل قلة ضبطها (٦) ، وذلك قوله تعالى: ﴿أَن تَضِلَّ
إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ (٧) .
وقد اختلف الناس فى العقل ما هو ؟ فقيل : العلم ، وهذه طريقة من اتبع حكم
اللغة؛ لأن العلم والعقل فى اللسان بمعنى واحد ، ولا يفرقون بين قولهم عَقَلْت وعلمْت ،
وقيل : العقل: بعض العلوم الضرورية. وقيل: هو: [ قوة ] (٨) يُميَّز بها بين حقائق
المعلومات .
(١) واسمه عبد الله بن الأعور المازنى، وكان من قصته أنه كانت عنده امرأةٌ يقال لها: معاذة، خرجَ فى
رجب يمير أهله من هجر ، فهربت امرأته ناشزا عليه وعاذت برجل من مازن يقال له : مطرّف بن
نهشل، فلما قدم لم يجدها فى بيته ، وأخبر أنها نشرت عليه ، وأنها عاذت بمطرف بن نهشل ، فأتاه
فقال : يا ابن عم ، أعندك امرأتى معاذة ؟ فادفعها إلىّ. قال : ليست عندى ، ولو كانت عندى لم
أدفعها إليك. وكان مطرف أعزَّ منه، فخرج الأعشى حتى أتى النبي ◌َّهِ فعاذ به ، فأنشأ يقول :
إليك أشكو ذُرْبةً من الذُّرَب
ياسيّد الناس وديَّان العرب
خَرِجْتُ أبغيها الطعام فى رَجَبْ
كالذئبةِ العنْساءِ فى ظِلّ السَّرَب
أخْلَفَت الوَعْد ولطّت بالذنب
فَخِلَّفَتَنى بنزعِ وحَرَبْ
وهُنَّ شَرُّ غالب لمن غلب
وقذفتنى بين عصْرِ مؤتَشب
وعند ذلك قال النبى معَّ: ((وهن شَرَّ غالب لمن غلب))، وكتب له عَّهُ إلى مطرف: ((انظر
أمرأة هذا معاذة فادفعها إليه))، فأتاه كتاب النبى عَّه فقرئ عليه ، فقال لها : يا معاذة ، هذا كتاب
النبى معَّ فيك ، فأنا دافعك إليه .
ومعنى الذربة : السليطة اللسان ، ولطّت بالذنب : أى جعلته بين فخذيها عند العدو ، والمؤتشب :
الملتف المشتبك ، والعصر: هو اليابس من عيدان الشجر .
(٢) سيأتي إن شاء الله فى حديث أم زرع برقم (٩٢).
(٣) ساقطة من الأصل .
(٤) من المعلم .
(٥) زيد بعده فى المعلم : عليه ، ولا حاجة إليه .
(٦) فى الإكمال : ضبطهما ، والمثبت من المعلم .
(٧) البقرة : ٢٨٢ .
(٨) من المعلم .
..-----

٣٣٩
كتاب الإيمان / باب بيان نقصان الإيمان بنقص الطاعات ... إلخ
فأما على قول من قال : هو العلم ، فيكون وصفهن بنقص العقل (١) لأجل النسيان
وقلة الضبط على ظاهره ؛ لأن ذلك نقص من العلوم .
وعلى رأى من رأى أن العقل غير ذلك يكون قلة الضبط والنسيان وشبه ذلك علماً على
القصور والنقص فى ذلك المعنى الطبيعى ، الذى هو شرط فى تلقى التكاليف وكثرة العلوم .
وأما وصفه إياهن بنقص الدين لأجل ترك الصلاة فى المحيض ، فيصح إذا قلنا : إن
العبادات كلها تُسمى دينا ، إلا أنه لا لوم عليهن فى ذلك لأن (٢) تركهن الصلاة حينئذ
طاعة، فإن قيل : قد يقلن : نحن كالمسافر فى القصر والفطر وليس بناقص الدين ؟ قيل :
قد يفرق بأن الحيض يستقذر ، ولعل ترك التعبد بالصلاة [ فيه ] (٣) تنزيه لله تعالى أن
يتقرب إليه فى تلك الحالة فيصير النقص من هذه الجهة ، على أن السفر أمرٌ يكتسب ، وفى
وسع الإنسان ألا يسافر فلا تسقط عنه الصلاة ، والحيض ليس فى وسع المرأة رفعه ، فسقوط
الصلاة عنها أمرٌ ضرورى لها ، وهذا كله قد لا يُحتاج إليه ؛ لأن المسافر لا تَسْقُط عنه
الصلاة أصلا ، وإنما تغيَّر عدة الفرض ، والمرأة الحائض تسقط عنها بكل حال .
قال القاضى : وقد ينكسرُ كلام من قال : منعت من الصلاة للتنزيه بعبادة الله تعالى
لأجل الاستقدار الذى ذكرنا بما أباح الله لها من سائر العبادات غير الصوم والصلاة فى تلك
الحال ، وفيها ما هو من نوع الصلاة كقراءة القرآن ظاهرا على خلاف فيه عندنا ، وفى
الإقبال على الذكر وسائر أفعال الحج ما خلا الطواف ولالتزام الحائض فى اعتكافها ما كانت
تلزمه قبل طروِّ الحيض غير الصوم ، ولزوم المسجد على أحد القولين عندنا (٤).
وقوله فى سند هذا الحديث : عن عمرو بن أبى عمرو عن المقبرى عن أبى هريرة ،
قال أبو مسعود الدمشقى (٥) : المقبرى هنا هو أبو سعيد والد سعيد . قال الجيَّانى: وهذا
فى رواية إسماعيل بن جعفر (٦) عن عمرو بن أبى عمرو . [ وقال الدارقطنى : وخالفه
(١) فى ق : العلم.
(٢) فى الأصل : لأنهن ، والمثبت من ت والمعلم .
(٣) من المعلم .
(٤) أراد الأبى رد قول القاضى هنا فقال: لا ينكسر بذلك ؛ لأن الإمام لم يفرق بأنها منعت من كل
العبادات حتى يجاب بأنه قد أبيح لها كثير منها ، وإنما فرق بأنها منعت من الصلاة التى هى أشرف
العبادات . إكمال ١٨٧/١. قلت : الانكسار يتحقق لتحقق الاستقذار الذى هو سبب المنع .
(٥) هو الحافظ المجوّدُ البارع إبراهيم بن محمد بن عُبيد الدمشقى ، أحد من صنّف فى الأطراف ، وكتابه هو
(( أطراف الصحيحين ))، وأحدُ من برز فى هذا الشأن، لكنه مات فى حد الكهولة . حدَّث عنه أبو ذر
الهروى، وحمزة بن يوسف السَّهمىّ، وآخرون. مات سنة إحدى وأربعمائة. سير ٢٢٧/١٧.
(٦) هو الإمام ابن أبى كثير ، الحافظ الثقة . ولد سنة بضع ومائة. وسمع حميد الطويل ، وربيعة بن =

كتاب الإيمان / باب بيان نقصان الإيمان بنقص الطاعات ... إلخ
٣٤٠
سليمان بن بلال (١) فراوه بن عمرو بن أبى عمرو ] (٢) وعن سعيد المقبرى : وقول سليمان
أصح .
= أبى عبد الرحمن ، وهشام بن عروة ، وروى عنه قتيبة بن سعيد ، ومحمد بن سلام البيكندى ، وخلق
سواهم . قال فيه يحيى بن معين : ثقة ، مأمون ، قليل الخطأ . قال الذهبى : مات سنة ثمانية ومائة ،
وفات أحمد بن حنبل ، وابن معين ، وابن عرفه السماع منه . سير ٢٢٨/٨ .
(١) هو الإمام المفتى الحافظ أبو محمد القرشى، مولى عبد الله بن أبى عتيق محمد بن عبد الرحمن بن أبى
بكر الصديق ، ويقال : مولى القاسم بن محمد ، مولده فى حدود سنة مائة . حدث عن عبد الله بن
دينار ، وزيد بن أسلم ، وربيعة الرأى ، وخلق سواهم ، وكان من أوعية العلم . روى عنه سعيد بن أبى
مريم ، والقعنبى ، وعبد الله بن المبارك، وخلق غيرهم . قال فيه محمد بن سعد : كان بربرياً جميلاً،
حسن الهيئة ، كان يفتى بالمدينة ، وولى خراجها ، وكان ثقة ، كثير الحديث .
توفى بالمدينة سنة اثنين وسبعين ومائة . الطبقات الكبرى ٥/ ٤٢٠، سير ٤٢٥/٧.
(٢) سقط من ق .