Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠١
كتاب الإيمان / باب تفاضل أهل الإيمان فيه ... إلخ
٨٩ - ( ... ) حدّثْنا عَبْدُ الله بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمانِ عَنْ شُعَيْبٍ، عَنِ
الزُّهْرِىِّ، حَدَّثَنِى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّب؛ أَنَّأَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِىَّ ◌َّهُ يَقُول: (جَاءَ
أَهْلُ الْيَمَن ، هُمْ أَرَقُّ أَفْدَةً وَأَضْعَفُ قُلُوبًا ، الإِيمَانُ يَمَان وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيةٌ، السَّكينَةُ فى
أَهْلِ الْغَنَمِ ، وَالْفَخْرُ وَالْخُيَلاءُ فِى الْفَدَِّدِينَ أَهْلِ الْوَبَرِ ، قِبَلَ مَطْلِعِ الشَّمْسِ» .
ومعنى: ((أرق أفئدة وقلوباً وألين وأضعف)) متقارب ، وكلها راجع إلى ضد القسوة
والغلظ ، وذلك أنَّ من رق قلبه ولان قبل المواعظ ، وخضع للزواجر ، وسارع إلى الخير،
وصفى للإيمان (١) والفقه والحكمة ، بخلاف من قسا قلبه وغلظ وكثفت حَجُب الكبر
والفخر والعجب عليه .
وقد يكون ذكر القلوب والأفئدة ها هنا بمعنى واحد ، تكررت باختلاف لفظ كما
اختلف اللفظ الذى قبلها ، وقد يكون بينهما فرق إذا قيل : إن الفؤاد داخل القلب ،
فوصف القلب باللين والضعف والفؤاد بالرقة ، أى أن قلوبهم أسرع انعطافاً وتقلباً للإيمان
[ من غيرها؛ إذ أفئدتها أرق وأصفى لقبول الإيمان ] (٢) والحكمة ، وأقل حجباً وأغشية
من غيرها ، وقد يكون الإشارة بلين القلب إلى خفض الجناح ، ولين الجانب ، والانقياد
والاستسلام وترك الغلو ، وهذه صفة الظاهر ، والإشارة برقة الأفئدة إلى الشفقة على الخلق
والعطف عليهم والنصح لهم ، وهذه صفة الباطن ، وكأنه (٣) أشار إلى أنهم أحسن
أخلاقاً ظاهراً وباطناً .
= وقد نقل الذهبى عن المدائنى عن عبد الله بن فائد قال : كانت أم البنين بنت عُيينة عند عثمان ، فدخل
عيينة على عثمان بلا إذْن فعتبه عثمان ، فقال : ما كنت أرى أنى أحجب عن رجلٍ من مضَر ، فقال
عثمان : ادْنُ فأصب من العشاء، قال : إنى صائم ، قال : تصوم الليل ؟! قال : إنى وجدت صوم الليل
أيسر علىَّ. هذا ما كان من بعض شأن عيينة ، وما حملنا على الإسهاب فيه إلا التأكيد على كلام القاضى
فى سبب الحديث .
راجع فى أخبار عيينة: الطبقات الكبرى ٥٧٨/٣، تاريخ الطبرى ٣٥٥/٢، الجرح والتعديل ١٤١/٧،
الاستيعاب ٢٥٦/٣، الإصابة ٢٣٧/٣، أسد الغابة ٢٠٥/٤، البداية والنهاية ٢٢١/٧، أنساب الأشراف
٢٣٩/١، الكامل فى التاريخ ٩٦/٢، ١٩٩/٣، تاريخ الإسلام - عهد الخلفاء ٣٤٧ .
(١) فى الأصل : الإيمان.
(٢) سقط من الأصل ، واستدرك بهامشه بسهم .
(٣) فى ت : فكأنه .

٣٠٢
كتاب الإيمان / باب تفاضل أهل الإيمان فيه ... إلخ
٩٠ - (.) حدّثَنا أَبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْب، قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةً عَن
الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ قالَ: قال رَسُولُ اللّهِ عَّةُ: ((أَنَاكُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ،
هُمْ أَلْيَنُ قُلُوبًا وَأَرَقُّ أَفْدَةً ، الإِيمَانُ يَمان وَالْحِكْمَةُ يَمَنِيَةٌ، رَأْسُ الْكُفْرِ قِبَلَ الْمَشْرِقِ)) .
( .. ) وحدّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعيد وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالا: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ بِهِذَا
الإِسْنَادِ. وَلَمْ يَذْكُرْ: ((رَأْسُ الْكُفْرِ قِبَلَ المَشْرِقِ)) .
٩١ - ( .. ) وحدّثْنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عَدِى. ح وَحَدَّثَنِى بِشْرُ بْنُ
خَالد، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ - يَعْنِى ابْنَ جَعْفَرَ - قَالا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الأَعْمَشِ بِهِذَا الإِسْنَادِ،
مِثْلَ حَدِيثِ جَرِيرٍ ، وَزَادَ : (( وَالْفَخْرُ وَالْخُيَلاءُ فِى أَصْحَابِ الإِيلِ ، وَالسَّكِيَةُ وَالْوَقَارُ فِى
أَصْحَابِ الشَّاء)).
وقد يكون الإشارة بلين القلوب ورقة الأفئدة إلى كثرة الخوف والانزعاج للمواعظ
والأذكار .
ومعنى قوله: ((الإيمان يمان)): أى معظم أهله يمانون، والقائمون به يمانون
والناصرون له ، أو مستقره - إن كان المراد الأنصار - أو مبتدؤه وظهوره عندهم - على ما
أشار إليه من قال : إن المراد به مكة والمدينة . وقيل : معناه : أهل اليمن أكمل الناس
إيمانا .
وقوله: ((الحكمة يمانية)): الحكمة عند العرب ما يمنع (١) من الجهل ، والحكيم من
منعه عقله وحكمته عن الجهل . حكاه ابن عرفة ، مأخوذ من حكَمة الدابة ، وهى الحديدة
التى فى لجامها لمنعها إياها. وقيل فى قوله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ﴾ (٢): إنها
الإصابة فى القول والفقه والفهم ، وقيل : الحكمة طاعة الله والاتباع له ، والفقه فى الدين،
وقيل : الحكمة الفهم عن الله من أمره ونهيه ، وقال مالك [ فى ] (٣) الحكمة : الفقه فى
الدين يدخله الله فى القلوب. وقيل غير هذا، وقد مَرَّ فى بعض روايات الأم: ((الفقه
يمان، والحكمة يمانية)).
(١) فى ت : منع .
(٢) البقرة : ٢٦٩.
(٣) ساقطة من ق .
١

٣٠٣
كتاب الإيمان / باب تفاضل أهل الإيمان فيه ... إلخ
٩٢ - (٥٣) وحدّثَنَا إِسْحِقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللّه بْنُ الْحَارث الْمَخْزُومِىُّ،
عَنِ ابْنِ جُرَيِّج، قالَ : أَخْبَرَنِى أَبُو الزُّبَيْرِ ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْد اللّه يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ
اللّهِ عَهُ: ((غلَظُالْقُلُوبِ، وَالْجَفَاءُ فِى الْمَشْرِقِ ، وَالإِيمَانُ فِى أَهْلِ الْحِجَازِ».
وقوله: (( والإيمان فى أهل الحجاز)) : فى تلك الرواية إشارة إلى ما تقدم ، وحجة
لمن قال : أراد مكة والمدينة ، ولأن المراد مبتدؤه ومستقره وظهوره ؛ لأن مكة والمدينة من
بلاد الحجاز ، وقد قالوا: إنَّ حدَّ الحجاز من جهة الشام سعفة (١) وبدر، ومما يلى تهامة
بدرٌ وعكاظ ، قال القتبى : سُمى حجازاً لحجزه بين نجد [ وتهامة ، وقد قال ابن دريد :
لحجزه بين نجد ] (٢) والسراة .
قال الأصمعى: إذا انحدَرْت من نجد [ من] (٣) ثنايا ذات عرق فقد اتهمت إلى
البحر، فإذا استقبلتك الجراز وأتت فذلك الحجاز، سميت بذلك لأنها حجزت بالجراز الخمس (٤).
وقد يكون المراد بالحجاز هنا المدينة فقط، ويؤيده قوله فى الحديث الآخر: ((إن
الإيمان ليأرز إلى المدينة ... )) الحديث (٥).
وفى هذا الحديث دليل على ترجيح فقه أهل الحجاز وأهل المدينة ، وترجيح فقه مالك
- رحمه الله - وهو يمانى النسب يمانى البلد، والمدينة دار أهل اليمن الذين (٦) نسب إليهم
النبى عَّ الفقه والحكمة .
وقوله: ((والسكينة والوقار فى أهل الغنم)): السكينة السكون والطمأنينة والوقار، كما
جاء فى الحديث نفسه ، وهو ضد معنى الفدادين وأهل الخيلاء .
وقد يكون السكينة بمعنى الرحمة ، حكاه شمِر ، فيكون ضد معنى القسوة . والجفاء
والغلظ فى وصف الآخر (٧) .
(١) فى جميع الأصول : شعب، والتصويب من إكمال الإكمال.
(٢) سقط من الأصل، واستدرك فى الهامش بسهم دون لفظة: (وقد).
(٣) ساقطة من الأصل.
(٤) قال الفراء : الجرُزُ أن تكون الأرض لا نبات فيها، يقالُ: قد جُرزت الأرضُ فهى مجروزة. وربما قالوا:
أرض أجراز، قال تعالى: ﴿أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الأَرْضِ الْجُرُزِ﴾ [السجدة: ٢٧]. لسان العرب.
(٥) الحديث متفق عليه ، وسيرد إن شاء الله فى هذا الكتاب برقم (٢٣٣) .
(٦) فى ت : الذى .
(٧) قال النووى : وأما أسانيد الباب فكل رجاله كوفيون إلا يحيى بن حبيب ومعتمرا، فإنهما بصريان واسم ابن
أبى شيبة : عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن أبى شيبة ، وأبو أسامة هو حماد بن أسامة ، وابن نمير =

٣٠٤
كتاب الإيمان / باب بيان أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون ... إلخ
(٢٢) باب بيان أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون ، وأن محبة المؤمنين من
الإيمان وأن إفشاء السلام سبب لحصولها
٩٣ - (٥٤) حدّثنا أُبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ وَوَكِيعٌ عَنِ الأَعْمَشِ ،
عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ قالَ : قَالَ رَسُولُ اللّهِ عَّهُ: (( لا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى
تُؤْمِنُوا ، وَلا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَلا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَىْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَيْتُمْ؟ أَفْشُوا
السَّلَامَ بَيْنَكُمْ )) .
٩٤ - ( ... ) وحدّثَنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْب، أَنْبَأَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعَمشِ بِهذَا الإِسْناد، قالَ:
قالَ رَسُولُ اللّهِ عَّهُ: (( وَالَّذِى نَفْسِى بَيَدَه، لا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا)) بِمِثْلِ حَديث
أَبِى مُعَاوِيَةَ وَوَكِيْعٌ .
وقوله عَّه: ((لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا (١) حتى تحابوا)): أى لا
يتم إيمانكم ولا يكملُ ولا تصلح حالكم فى الإيمان إلا بالتحاب والألفة (٢) ، ويعضده
قوله بعدُ: (( ألا أدلكم على شىء إذا فعلتموه تحاببتم ، أفشوا السلام بينكم)).
وفيه حض على ما تقدم من إفشاء السلام على من عرف ومن لم يعرف ، والسلام
أول درجات البر ، وأول خصال التألف (٣)، ومفتاح استجلاب المودة ، وفى إفشائه
يمكن (٤) ألفة المسلمين بعضهم ببعض ، وإظهار شعارهم المميز لهم بينهم ، وإلقاء الأمن
= هو محمد بن عبد الله بن نمير . وأبو كريب اسمه محمد بن العلاء . وابن إدريس هو عبد الله . وأبو
خالد اسمه هرمز ، وقيل : سعد ، وقيل : كثير . وأبو مسعود هو عقبة بن عمرو الأنصارى البدرى،
واليمان هو الحكم بن نافع . وأبو معاوية اسمه محمد ابن حازم . وأبو صالح اسمه ذكوان . وابن جريج
هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، وأبو الزبير اسمه محمد بن مسلم بن تدرس . نووى ٢٣٦/١ .
(١) فى الأصل: تؤمنون . وكلاهما صحيح ، فعلى كون لا نافية يكون حذف النون للتخفيف فى الأولين،
وهو جائز ، وقد قال النووى: (( إنه فى جميع الأصول والروايات ولا تؤمنوا - بحذف النون من آخره ،
وهى لغة معروفة صحيحة )) ٢٣٦/١.
(٢) وإنما قال القاضى ذلك تأويلاً لظاهر اللفظ الذى يقتضى وقف دخول الجنة على التحاب ، ضرورة أن
الموقوف على الموقوف على شىء موقوف على ذلك الشىء ، وعلى ذلك لا يدخل الجنة كاره . ولم يقل
به قائل من أهل السنة .
(٣) فى الأصل : التأليف .
(٤) فى الأصل : تمكن .

٣٠٥
كتاب الإيمان / باب بيان أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون ... إلخ
والطمأنينة بينهم ، وهو معنى السلام ، واستدراج محبة كافتهم، كما قال عَّ ، ودليل
التواضع والتواصل بسبب الإسلام، لا لغرض الدنيا ، خلاف ما أنذر به عَّ ، آخر
الزمان من كون السلام للمعرفة فيقطع سبب التواصل .

٣٠٦
كتاب الإيمان / باب بيان أن الدين النصيحة
(٢٣) باب بيان أن الدين النصيحة
٩٥ - (٥٥) حدّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّاد المَكِّىُّ، حَدَّثَنَا سُفْيانُ. قالَ: قُلْتُ لِسُهَيْل: إنَّ
عَمْرًا حَدَّثَنَا عَنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبيِكَ. قالَ: وَرَجَوْتُ أَنْ يُسْقِطَ عَنِّى رَجُلاً. قَالَ: فَقَالَ:
سَمِعْتُهُ مِنَ الَّذِى سَمِعَهُ مِنْهُ أَبِى، كَانَ صَدِيقًا لَهُ بِالشَّامِ. ثُمَّ حَدَّثَنَا سُفْيان عَنْ سُهَيّل، عَنْ
عَطَاءِ بْنَ يَزِيدَ، عَنَّ تَمِيَمِ الدَّارِىِّ؛ أَنَّالنَّبِىَّ ◌َّ قالَ: ((الدِّينُ النَّصِيحَةُ)) قُلْنا: لَّمَنْ؟
قالَ: ((لله وََّكِتابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَِّ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَتِهِم )) .
٩٦ - ( ... ) حدّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتم، حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِىٌّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سُهَيْل
ابْنِ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ عَطَاءِ بِنْ يَزِيدَ اللَِّىِّ، عَنْ تَمِيمِ الدَّارِىِّ، عَنِ النّبِىِّ ◌َهِ، بِمِثْلِهِ.
( .. ) وحدّثْنى أُمَّةُ بْنُ بِسْطام، حَدَّثْنا يَزِيدُ - يَعْنِى ابْنِ زُرَيْعٍ - حَدَّثَنَا رَوْحٌ - وَهُوَ
ابْنُ الْقَاسِمِ - حَدَّثَنَا سُهَيْلٌ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ ، سَمِعَهُ وَهُوَ يُحَدِّثُ أَبَا صَالِحٍ عَنْ تَمِيمٍ
الدَّارِىِّ، عَنْ رَسُول اللّه عَلَّ بمثله.
٠٠٠
.--- -
وقوله عَّ: ((الدين النصيحة))، قال الإمام : النصيحة يحتمل أن تكون مشتقة من
نصحت العسل إذا صفيته ، ويحتمل أن تكون من النصْح وهى الخياطة والإبرة المنصَحَة ،
والنَّصَاحِ الخيط الذى يخاط به ، والنَّاصح الخَيَّط .
فمعناه (١): أنه يلم شعث أخيه بالنصح / كما تُلم المِنْصَحةُ خَرْق الثوب . قال
[نفطويه: يقالُ: نصح الشىء إذا خَلَص، ونصَحَ له القولَ أى أخلصَه له .
٢٣/أ
وهذا الذى قاله ] (٢) نفطويه يرجع إلى الاشتقاق الأول ؛ لأنه يصفو لأخيه كما
يصفو العسل .
1
قال القاضى : قال الخطابي : النصيحة كلمة جامعة يُعَبَّر بها عن جملة إرادة الخير
للمنصوح له ، وليس يمكن أن يعبر عنها بكلمة واحدة تحصُرُها . ومعناها فى اللغة :
الإخلاص ، من قولهم : نصحت العسل إذا صفيته . وقال أبو بكر الصوفى : النصح :
فعل الشىء الذى به الصلاح والملاءمة (٣) مأخوذ من النصاح وهو الخيط .
(١) فى نسخ الإكمال بغير فاء ، والمثبت من المعلم .
(٢) سقط من ت ، واستدرك بهامشه .
(٣) فى ت : والملازمة.

٣٠٧
كتاب الإيمان / باب بيان أن الدين النصيحة
٩٧ _ (٥٦) حدّثَنا أَبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللّه بْنُ نُمَيْرِ وَأَبُو أُسَامَةَ، عَنْ
إِسْمَعِيلَ بْنِ أَبِى خَالِدِ ، عَنْ قَيْس، عَنْ جَرِير ؛ قالَ : بِأَيَعْتُ رَسُولَ اللّهِ عَّهُ عَلَى إَقامِ
الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ.
٩٨ - ( ... ) حدّثْنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبِ وَابْنُ نُمَيْرِ، قَالُوا: حَدَّثَنَا
سُفْيَانِ عَنْ زِيادِ بْنِ عِلَاقَةَ، سَمِعَ جَرِيرَ بْنِ عَبْدِ اللّهِ يَقُولُ : بايَعْتُ النَِّىَّ ◌َّهُ عَلَى النُّصْحِ
لكُلِّ مُسْلِمٍ.
وقال نحوه الزجاج .
فالنصح لله - تعالى - : صحة الاعتقاد له بالوحدانية ، ووصفه بصفات الإلهية ،
وتنزيهه عن النقائص والرغبة فى محابه والبعد من مساخطه ، والإخلاص فى عبادته .
ونصيحة كتابه : الإيمان به ، والعمل بما فيه ، والتخلق بآدابه ، وتحسين تلاوته ،
والخشوع عند ذلك ، وتوقيره وتعظيمه ، وتفهم معانيه وتدبر آياته ، والتفقه فى علومه ،
والدعاء إليه ، والذبُّ عنه من تأويل الغالين ، وتحريف المبطلين ، وطعن الملحدين .
والنصيحة لرسوله : التصديق بنبوَّته ، وطاعته فيما أمر به ونهى عنه ونصرته حيا
ومَيِّنَا، ومعاداة من عاداه ، ومحاربة من حاربه ، وبذل النفوس والأموال دونه فى حياته ،
وإحياء سنته بعد موته بالبحث عنها ، والتفقه فيها ، والذب عنها ، ونشرها ، والدعاء
إليها ، والتخلق بأخلاقه الكريمة ، والتأدب بآدابه الجميلة ، وتوقيره ، وتعظيمه ، ومحبة
آل بيته ، وأصحابه ، ومجانبة من ابتدع فى سُنَّتِهِ .
ونصيحة أئمة المسلمين : طاعتهم فى الحق ومعونتهم عليه ، وأمرهم به ، وتذكيرهم
إياه على أحسن الوجوه ، وإعلامهم بما غفلوا عنه ولم يبلغهم من أمور المسلمين ، وترك
الخروج عليهم ، وتأليف قلوب الناس لطاعتهم .
والنصح لعامة المسلمين : إرشادهم لمصالحهم ، ومعونتهم فى أمر دينهم ودنياهم
بالقول والعمل ، وتنبيه غافلهم وتعليم جاهلهم ، ورفد محتاجهم ، وستر عوراتهم ، ودفع
المضار عنهم ، وجلب المنافع فى الدين والدنيا إليهم .
وقول سفيان فيه : قلت لسُهيل : إن عمراً أنبأ عن القعقاع عن أبيك ، ورجوت أن
تُسقط عنى رجلا ، فقال: سمعته ممن سمعه منه أبى ، فيه دليلٌ على طلب الأئمة علو

٣٠٨
كتاب الإيمان / باب بيان أن الدين النصيحة
٩٩ - ( ... ) حدّثنا سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ وَيَعْقُوبُ الدَّوْرَقِىُّ، قَالا: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ عَنْ
سَيَّارِ، عَنِ الشَّعْبِىِّ، عَنْ جَرِير ؛ قَالَ: بايَعْتُ النَّبِىَّ عَّهُ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ ، فَلَقَّنَى
(فيماَ اسْتَطَعْتَ) وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ. قَالَ يَعْقُوبُ فِى رِوَايَتِهِ: قالَ: حَدَّثَنَا سِيَّارٌ.
١
الإسناد واختصار الطريق - كما قدمناه ـ واتفق لسفيان فى هذا سقوط رجلين أكثر مما
طلب، لأنه ظن أن سهيلاً سمعه من أبيه ، فإذا به سمعه من شيخ أبيه .
وقول جرير: ((بايعت رسول الله عَّه على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل
مسلم)) وفى الرواية الأخرى: ((على السمع والطاعة ، فلقننى: فيما استطعت))، ومثله
فى حديث ابن عمر فى صحيح البخارى، واختلفت ألفاظ بيعة النبى عَّ ، فروى ما
ذكرناه، وفى حديث سلمة أنهم [ كانوا ] (١) بايعوه يوم الحديبية على الموت ، وفى حديث
عبادة: ((بايعنا النبى عَّ بيعة الحرب على السمع والطاعة فى المنشط والمكره ، وألا ننازع
الأمر أهله، وأن نقول - أو نقوم - بالحق .. )).
وهذه قصص بحسب اختلاف الأحوال .
فأما حديث عُبادة: (( فى المنشط والمكره)) فهى كانت بيعة الأنصار فى العقبة الثانية
على بذل الأنفس والأموال دونه ، وكذلك بيعة الشجرة .
وأما قوله: ((فيما استطعت)) فلقوله: ﴿ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾(٢) وذكر جرير
الصلاة والزكاة من بين سائر دعائم الإسلام ؛ فلكونهما قرينتين ، وأهمّ أمور الإسلام
وأظهرها، ولم يذكر الصوم وغيره من الشرائع ؛ لأنه داخل فى السمع والطاعة .
(١) من هامش ت.
(٢) البقرة : ٢٨٦ .

٣٠٩
كتاب الإيمان / باب بيان نقصان الإيمان بالمعاصى ... إلخ
(٢٤) باب بيان نقصان الإيمان بالمعاصى ، ونفيه عن
المتلبس بالمعصية ، على إرادة نفى كماله
١٠٠ - (٥٧) حدّثَنِى حَرْمَلَهُ بْنُ يَحْتَى بْنِ عِمْرَانَ النُّحِسِىُّ، أَنْبَنَا ابْنُ وَهْب، قالَ:
أَخْبَرَنِى يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَبٍ ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ بَنَ عَبْدِ الرَّحْمنِ وَسِّعِيدَ بْنَ
الْمُسَيَّبِ يَقُولان: قالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: إِنَّ رَسُولَ اللّهِ عَّهُ قالَ: (( لا يَزْنِى الزََّنِى حِينَ يَزْنِى
وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلاَ يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُّ الْخَمْرَّ حِينَ يَشْرَبُهَاَ
وَهُوَ مُؤْمِنٌ)) .
قالَ ابْنُ شِهَابِ : فَأَخْبَرَنَى عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِى بَكْرِ بْن عَبْد الرَّحْمنِ؛ أَنَّ أَباً بَكْر كَانَ
يُحَدِّثَهُمْ هُؤُلاءَ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ. ثُمَّ يَقُولُ: وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُلَحِقُ مَعَهَّنَّ: (( وَلَا يَنْتَّهِبُ
نُهْبَةَ ذَتَ شَرَفٍ ، يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ، حِينَ يَنْتَهِبُهَا، وَهُو مُؤْمِنٌ )).
١٠١ - ( ... ) وحدّثَنى عَبْدُ المَلكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدِ، قالَ: حَدَّثَنِى أَبِى
عَنْ جَدِّى، قالَ: حَدَّثَنِى عُقَّيْلُ بْنُ خَالدَ. قالَ : قَالَ ابْنُ شهابٍ: أَخْبَرَنَى أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ
الرَّحْمِنِ بْنِ الْحَارِثِ بَنِ هِشَامٍ، عَنْ أَبِّى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّهُ قالَ: إِنَّ رَسُولَ اللّهِ عََّ قَالَ: ((لا
يَزْنِى الزَّانِى)) وَقْتَصَّ الَحَدِيثُّ بِمِثْلِهِ ، يَذْكُرُ مَعَ ذِكْرِ النُّهْبَةِ. وَلَمْ يَذْكُرْ ذَاتَ شَرَف .
قالَ ابْنُ شهاب: حَدَّثَنِى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ ، عَنْ أَبِى
هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ الَّهِ عَّهُ بِمِثْلٍ حَدِيثِ أَبِى بَكْرِ هِذَا ، إلا النُّهْبَةَ.
١٠٢ - ( .. ) وحدّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِىُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِى عِيسى بْنُ يُونُسَ ،
حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِىُّ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ وَأَبِى سَلَمَةَ وَأَبِى بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ
ابْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَِّ نَّهُ. بِمِثَلٍ حَدِيثَ عُقَيِّلٍ ، عَنِ
الزُّهْرَىِّ، عَنْ أَبِى بَكْرِ بَّنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ. وَذَكَرَ النُّهيَةَ، وَلَمْ يَقُلَّ: ذَاتَّ
شَرَف .
١٠٣ - ( ... ) حدّثْنِى حَسَنُ بْنُ عَلَىِّ الْحُلْوَانِىُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا
ء

٣١٠
كتاب الإيمان / باب بيان نقصان الإيمان بالمعاصى ... إلخ
عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُطَّلِبِ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارِ ، مَوْلَى مَيْمُونَةَ ،
وَحُمَيْدِ بْنِ عَّدِ الرَّحْمنِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَِّّ ◌َّه. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ،
حَدَّثَنَا عَبْدُ الرََّّاقِ، أَخْرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ بْنِ مُنٍَّ، عَنْ أَبِى هُرَيَّةَ، عَن النِّّ ◌َّهِ.
( .. ) حدّثَنا قُتَيْبَهُ بْنُ سَعيد. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِى الدَّرَاوَرْدِىَّ - عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ
عَبْدِ الرَّحْمنِ ، عَنْ أَبيِهِ ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِىِّ ◌َّهُ، كُلُّ هَؤُلاءِ بِمِثْلِ حَدِيثِ
الزُّهْرِىِّ. غَيْرَ أَنَّ الْعَلَاءِ وَصَفْوَنَ بْنَ سُلَيْمِ لَيْسَ فِى حَدِيثِهِمَا: ((يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا
أَبْصَارَهُمْ)) ، وَفِى حَدِيثِ هَمَّام: (( يَرْفَعُ إَيْهِ الْمُؤْمِنُونَ أَعْيُنَهُمْ فَيَهَا وَهُوَ حِينَ يَنْتَهِبُهَا
مُؤْمِنٌ) وَزَادَ : (( وَلَا يَغُلُّ أَحَدُكُمْ حِينَ يَغُلُّ وَهُو مُؤْمِنٌ، فَُِّمْ إِيَّاكُمْ))
١٠٤ - ( ... ) حدّثَنى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عَدِى عن شُعْبَةَ، عَنْ
سُلَيْمانَ، عَنْ ذَكْوَانَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ◌َّهَ قالَ: ((لا يَزْنِى الزَّانِى حِينَ يَزْنِى
وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا
وَهُوَ مُؤْمِنٌ ، وَلَنَّوْبَةُ مَعْرُوضَةٌ بَعْدَ)) .
١٠٥ - ( ... ) حدّثْنى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا سُفْيانُ عَنِ
الأَعْمَشِ ، عَنْ ذَكْوَانَ ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ، رَفَعَهُ؛ قالَ : (( لا يَزْنِى الزَّانِى)) ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلٍ
حَدِيثِ شُعْبَةَ .
وقوله: (( لا يزنى الزانى حين يزنى وهو مؤمن)) الحديث، قال الإمام : قيل : معنى
مؤمن : أى من (١) عذاب الله، [ ويحتمل أن يكون معناه ] (٢): مستحلا لذلك،
[وقد] (٣) قيل: معناه: [أى ] (٤) كامل الإيمان، وهذا [ على ] (٥) قول من يرى أن
الطاعات تسمى إيماناً ، وهذه التأويلات تدفع قول الخوارج : إنه كافر بزناه ، وقول
المعتزلة: إن الفاسق الملّى لا يُسمى مؤمنا - تعلقاً من الطائفتين بهذا الحديث - وإذا احتمل
ما قلناه لم تكن لهم فيه حجةٌ .
..--
(١) فى ق : آمن ، وهو تصحيف .
(٢) جاءت عبارة المعلم هكذا : ويحتمل أن يحمل على أن معناه أن يكون .
(٣ - ٥) من المعلم.

٣١١
كتاب الإيمان / باب بيان نقصان الإيمان بالمعاصى ... إلخ
قال القاضى : قال أبو جعفر الطبرى: يحكى عن محمد بن يزيد بن واقد بن عمر بن
الخطاب (١) إنكار هذا الحديث، وتغليط الرواة فيه، وأن النبى معَّه إنما قال: ((لا يزنى
[مؤمن ] (٢) حين يزنى، ولا يسرق [مؤمن] (٣) حين يسرق وهو مؤمن)).
وعن ابن عباس : لا يفعل ذلك مستحلاً لفعله مؤمن ، وقال الحسن : ينزع منه اسم
المدح الذى يسمى به أولياء الله المؤمنين ، ويستحق اسم الذم الذى يُسمى به المنافقون .
واختاره الطبرى ، قال : يقال له : زان [ و] (٤) سارق [ وفاجر وفاسق ] (٥) ، ويزول
عنه اسم الإيمان بالكمال ، وحكى البخارى عن ابن عباس : ينزع منه نور الإيمان (٦)،
وروى فى ذلك حديثا عن النبى معَّهُ: ((من زنا نزع نور الإيمان من قلبه ، فإن شاء أن يرده
إليه رده)). قال أبو القاسم المهلب : معنى هذا : أن ينزع منه بصيرته فى طاعة الله (٧) .
وسئل الزهرى عن معنى الحديث، فقال: أمِرُّوا هذه الأحاديث كما أمرَّها من [كان](٨)
قبلكم ، فإن أصحاب رسول الله عَّه أمَرُّوها، ورآها من المشكل .
قال القاضى : وقيل : هو على النهى لا على الخبر (٩) ، وهذا بعيدٌ لا يعطيه نظم
الكلام ولا تساعده الرواية (١٠) ، وهو من نحو ما تقدم لابن واقد . ولا خلاف بين أهل
السنة أن هذا الحديث ليس على ظاهره ، وأن المعاصى لا تُخرجُ أحداً من سواد أهل الإيمان
- على ما قدمناه - ثم اختلفوا فى تأويله وإمراره على ما جاء بعد تحقيق الأصل المتقدم ،
ويُفسّرِّه حديث أبى ذرٍ: (( من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة، وإن زنا وإن سرق))،
(١) لم أجده بهذا الاسم ، ولعله هو محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر، أبو واقد ، فواقدٌ ابن محمد وليس
أباه ، هذا إذا كان والد محمد زيداً وليس يزيدا ، وواقد ذكره ابن حبان فى الثقات . أما محمد فهو قليل
الحديث مع توثيق أبى حاتم له . التاريخ الكبير ٨٤/١، الجرح والتعديل ٢٥٦/٧ ، تهذيب التهذيب
١٧٢/٩، سير ١٠٥/٥ .
(٢ - ٥) من ق .
(٦) فى ك الحدود، ب لا يشرب الخمر ١٩٥/٨. والذى روى فى ذلك حديثاً هو الطبرى وليس البخارى ،
كما توهمه العبارة، وأخرجه من طريق مجاهد عن ابن عباس ولفظه: سمعت النبى معَّه يقول: ((من
زنى نزع الله نورَ الإيمان من قلبه. فإن شاء أن يرده إليه رده)) فتح ١٢ / ٦٠.
(٧) وعبر عن هذا ابن الجوزى بقوله : فإن المعصية تذهله عن مراعاة الإيمان ، وهو تصديق القلب ، فكأنه
نسى من صدق به . قال الحافظ : قال ذلك فى تفسير نزع نور الإيمان ، ولعل هذا هو مراد المهلب. السابق
١٢/ ٦٢.
(٨) من ت .
(٩) وهو ما أخرجه الطبرى من طريق محمد بن زيد السابق، والمعنى: ((لا يزنينَّ مؤمنٌ، ولا يسرقنَّ مؤمنٌ»
قال الحافظ : وقال الخطابى : كان بعضهم يرويه: ولا يشْرَب ـ بكسر الباء على معنى النهى . فتح
١٢/ ٦٢ .
(١٠) وقد رد بعض العلماء هذا القول بأنه لا يبقى للتقييد بالظرف فائدة، فإن الزنى منهىٌ عنه فى جميع الملل،
وليس مختصاً بالمؤمنين . السابق .

٣١٢
كتاب الإيمان / باب بيان نقصان الإيمان بالمعاصى ... إلخ
ومعلوم أنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن ، فالحديث الأول يقطع حجة المرجئة القائلين : إن
المعاصى لا تضر المؤمن ، والحديث الآخر يقطع حجة المعتزلة والخوارج وبعض الرافضة
القائلين بأن المعاصى تخرج من الإيمان وتوجب الخلود فى النار .
وأهل السنة والهدى جمعوا بين معانيها ، وقرروا الأحاديث على أصولها ، واستدلوا
من حديث أبى ذر على منع التخليد ، ومن هذا الحديث على نقص الإيمان بالمعاصى كما
وردت مُفَسرةً فى أحاديث كثيرة وآى من القرآن [ منيرة ] (١)، [ وقد جاء بعد ذلك ] (٢) فى
[آخر] (٣) الحديث: ((ولا تنتهب نُهبة (٤) ذات شرف)): أى يستشرف الناسُ النظر إلى
نُهبته ويرفعون أبصارهم إليها (٥) - كما فسَّره فى الحديث - كذا هو شرف بالشين المعجمة
عندنا فى الأم. ورواه الحربى ((سرف)) بالسين المهملة وقال: معناها: ذات [ سرف، أى
ذات] (٦) قدر كبير ينكره الناس ويستشرفون له ، كنهب الفسَّاق فى الفتن الحادثة المال
العظيم القدر مما يستعظمه الناسُ بخلاف التمرة والفَلس وما لا خَطَر له .
وقد أشار بعض العلماء أن فى هذا الحديث تنبيهاً على جماع (٧) أبواب المعاصى
والتحذير منها ، فنَبَّه بالزنا على جميع الشهوات . إذ ورد أن جميع الجوارح تزنى ،
وبالسرقة على الرغبة فى الدنيا والحرص على جميع ما حرَّم الله ، وبشُرب الخمر على جميع
ما يَصُد عن الله ويوجب الغفلة عن حقوقه، وبالانتهاب الموصوف على الاستخفاف بعباد
الله [سبحانه] (٨)، وترك توقيرهم والحياء منهم، وجمع أمور الدنيا من غير وجهها سراً
أو علناً بذكر السرقة (٩) والنهبة (١٠).
(١) ساقطة من ت .
(٢) فى الأصل كتبت : وقد جاء ذلك بعد . وهو خطأ .
(٣) ساقطة من ق .
(٤) المراد بالنهبة : المأخوذة جهراً قهراً.
(٥) وقد يكون كما ذكر الحافظ أن الإشارة إلى حال المنهوبين فإنهم ينظرون إلى من ينهبهم ولا يقدرون على
دفعه ولو تضرعوا إليه ، قال : ويحتمل أن يكون كناية عن عدم التستر بذلك ، فيكون صفة لازمة للنهب،
بخلاف السرقة والاختلاس ، فإنه يكون خفية ، والانتهاب أشدّ لما فيه من مزيد الجراءة وعدم المبالاة . فتح
٦٠/١٢.
(٦) سقط من ق . ومن هذا شرط بعض الشافعية لكون الغصب كبيرة أن يكون المغصوب نصاباً ، وكذا
السرقة. فتح ١٢ / ٦٣ .
(٧) نقلها الحافظ فى الفتح جميع ، وعبارة القاضى أدق .
(٨) ساقطة من ت .
(١٠) كتب أمامها بهامش ت : بلغت المقابلة .
(٩) فى الأصل : السرق .

٣١٣
-كتاب الإيمان / باب بيان خصال المنافق
(٢٥) باب بيان خصال المنافق
١٠٦ - (٥٨) حدّثّنا أُبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللّه بْنُ نُمَيْر. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ
نُمَيْرٍ ، حَدَّثَنا أَبِى. حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ حَ وَحَدَّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَّنَا وَكِيعٌ. حَدَّثَنَا
سُفْيَاَنُ، عَنِ الأَعْمَشِ ، عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوق، عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ :
قالَ رَسُولُ اللّهِ عَّهُ: ((أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فَهِ كَانَ مُنافِقاً خَالِصاً، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَلَّةٌ مِنْهُنَّ
كَانَتْ فِيهِ خَلَّةٌ مِنْ نفاقِ حَتَّى يَدَعَها: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ ، وَإِذَا وَعَدَ
أَخْلَفَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَّرَ )) غَيْرَ أَنَّ فِى حَدِيثِ سُفْيَانَ: (( وَإِنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ
كانْت فيه خصْلة مِنَ النِّفاق» .
١٠٧ - (٥٩) حدّثْنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وقُتَيْبَةُ بْنُ سَعيد، وَاللَّفْظِ لَيَحْبَى. قالا: حَدَّثَنَا
إِسْماعيلُ بْنُ جَعْفَرِ. قَالَ: أَخْبَرَنِى أَبُو سُهَيْلِ نَافِعُ بْنُ مَالِكَ بْنِ أَّبِى عَامِرٍ ، عَنْ أَبِهِ ، عَنْ
ے
وقوله عَّ: ((أربعٌ من كُن فيه (١) كان منافقا)) وفى بعضها : خالصاً (٢) ، وفى
الحديث الآخر: ((ثلاث)) وفى بعضه: ((وإن صام وصلى)) وذكر مسلم الحديث ، قال
الإمام : قد توجد هذه الأوصاف الآن فيمن لا يطلق عليه اسم النفاق ، فيحتمل أن يكون
الحديث محمولاً على زمنه عَّه ، وكان ذلك علامة للمنافقين من أهل زمانه . ولا شك أن
أصحابه كانوا مبرئين من هذه النقائص مطهرين منها ، وإنما كانت تظهر فى زمانه فى أهل
النفاق، أو يكون عَّ أراد بذلك من غلب عليه فعل هذه واتخذها عادةً تهاوناً بالديانة ،
أو يكون أراد النفاق اللغوى الذى هو إظهار خلاف المضمر .
وإذا تأملت هذه الأوصاف وجدت فيها معنى ذلك ؛ لأن الكاذب يُظهر إليك أنه
صدق (٣) ويبطن خلافه، والخَصمُ يظهر أنه أنصف ويُضمر الفجور ، والواعد يظهر أنه
سيفعل وينكشفُ الباطنُ بخلافه ، وقد قال ابن الأنبارى: فى تسمية المنافق منافقاً ثلاثة
(١) أى: وغلبن عليه، لا من ندرن فيه، ومعنى: ((كان منافقا خالصاً)): أى شديد الشبه بالمنافقين بسبب
هذه الخصال . نووى ١/ ٢٤٧ .
(٢) فى ق : خلاصاً .
(٣) فى ت : صادق ، والمثبت من المعلم والأصل .

٣١٤
كتاب الإيمان / باب بيان خصال المنافق
أقوال: أحدها : أنه سُمى (١) بذلك لأنه يستر كفره ، فأشبه الداخل للنفق وهو السرب
ليستتر (٢) فيه .
والثانى : أنه شُّبّه باليربوع (٣) الذى له جحر يقال له : النافقاءُ، وآخر يقال له :
القاصعاء (٤)، فإذا طلب من القاصعاء خرج من النافقاء [ وكذلك المنافق ] (٥) ؛ لأنه
يخرج من الإيمان من غير الوجه الذى يدخل فيه .
والثالث : أنه شُبّه باليربوع - أيضاً - ولكن من جهة أن اليربوع يخرق الأرض حتى
إذا كاد يبلغ ظاهرها أرق التراب ، فإذا رابه ريب رفع ذلك التراب برأسه فخرج ، فظاهر
جحره ترابٌ على وجه الأرض وباطنه حُفر ، فكذلك المنافق ظاهره الإيمان وباطنه الكفر .
قال القاضى : اختلف تأويل العلماء لهذا الحديث على الوجوه التى ذكرها وغيرها ،
وأظهرها التشبيه بهذه الخصال بالمنافقين والتخلق بأخلاقهم فى إظهار خلاف ما يبطنون ،
وهو معنى النفاق .
ومعنى: ((كان منافقاً خالصاً)): أى فى هذه الخلال المذكورة فى الحديث فقط ، لا
فى نفاق الإسلام العام ، ويكون نفاقه فى ذلك على من حدَّثه ووعده ، وائتمنه ،
وخاصمه، وعاهده من الناس، لا أنه منافق على المسلمين بإظهار الإسلام وهو يُبطن خلافه،
وقد قال بعضهم : إن الحديث إنما ورد فى منافقى زمان النبى معَّهُ الذين حَدَّثْوا بأنهم آمنوا
فكذبوا ، وائتمنوا على دينهم فخانوا ، ووعدوا فى أمر الدين ونصره فأخلفوا .
وهو قول عطاء بن أبى رباح فى تفسير الحديث ، وإليه رجع الحسن البصرى (٦) ،
١/٢٤ وهو مذهب سعيد بن جبير وابن عمر وابن عباس /، [ وقد روى فى معناه حديث : أن
ابن عمرَ وابن عباس ] (٧) أتيا النبى معَّ، [فذكرا له ما أهمهما من هذا الحديث ،
فضحك النبى معَّ ] (٨) وقال: (( مالكم ولهن ، إنما خصصت بهن المنافقين ، أما قولى:
(٢) فى المعلم : يستر .
(١) فى المعلم : يسمى.
(٣) دويبة فوق الجُرَد .
(٤) وهى التى يدخل منها ، من قصع إذا دخل ، والنافقاء هى التى يخرج منها ، يقال : نافق اليربوع إذا خرج
من نافقائه . الأبى ١/ ١٦٨.
(٥) تكررت فى الأصل ، والصحيح ما أثبتناه ، وهو من المعلم ، ت .
(٦) حكى الترمذى هذا فى سننه فقال - بعد أن ساق الحديث -: ((وإنما معنى هذا عند أهل العلم نفاق
العمل ، وإنما كان نفاق التكذيب على عهد رسول الله عَنّة ، هكذا روى عن الحسن البصرى شيئاً من هذا
أنه قال: النفاق نفاقان، نفاق العَمَل، ونفاق التكذيب)) ٢٠/٥.
(٧) سقط من الأصل ، وقيد بهامشه ، والمثبت من ت .
(٨) سقط من ق .

٣١٥
كتاب الإيمان / باب بيان خصال المنافق
أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ عَّهُ قالَ: (( آيَةُ الْمُنافقِ ثَلاثٌ: إذَا حَدَّثَ كَذَبَ ، وإِذَا وَعَدَ
أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ)) .
١٠٨ - ( ... ) حدّثنا أُبُو بَكْر بْنُ إسْحقَ، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِى مَرْيَم، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
جَعْفَر ، قالَ : أَخْبَرَنِى الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ يَعْقُوبَ، مَوْلَى الْحُرَقَةِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ
أَبِى هُرَيْرَةَ ؛ قالَ : قَالَ رَسُولُ اللّهِ عَّهُ: ((مِنْ عَلَاماتِ الْمُنَافِقِ ثَلاثَةٌ : إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ،
وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ ، وَإِذَا اؤْثُمِنَ خَانَ )) .
((إذا حدَّث كذب)) فذلك فيما أنزل الله علىَّ: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُون ﴾ الآية (١)، أفأنتم
كذلك؟)) قلنا: لا، قال: (( لا عليكم من ذلك ، وأما قولى: إذا وعد أخلف فذلك فيما
أنزل الله علىَّ: ﴿وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ﴾ الآيات الثلاث (٢) . أفأنتم
كذلك؟)) قلنا: لا، قال: ((لا عليكم ، أنتم من ذلك برآء ، وأما قولى : إذا اؤتمن خان
فذلك فيما أنزل الله علىَّ: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْض﴾ الآية (٣)، فكل
إنسان مؤتمن على دينه ، فالمؤمن يغتسل من الجنابة فى السر والعلانية ، ويصوم ويُصلى فى
السر والعلانية ، والمنافق لا يفعل ذلك إلا فى العلانية، أفأنتم كذلك؟ )) قلنا : لا،
قال: (( لا عليكم أنتم من ذلك برآء)) (٤) .
إلى هذا المعنى مال كثير من أئمتنا ، ورجحه الشيخ أبو منصور (٥) فى كتاب المقنع
[وغيره] (٦).
وقوله فى حديث ابن عمرو: ((وإذا عاهد غَدر)) فبمعنى: ((إذا اؤتمن خان ))؛ لأن
الغدر خيانة فيما عليه من عهده .
وأما الخصلة الرابعة، قوله: ((وإذا خاصم فجر)) : أى مال عن الحق وقال الباطل
والكذب .
قال الهروى وغيره : أصل الفجور الميل عن القصد ، ويكون - أيضاً - الكذب.
ومعنى («آية المنافق)) : أى علامته ، وذكره مرة ثلاثاً ومرة أربعاً ، ذكر فى بعضها
(١) المنافقون : ١ .
(٢) التوبة : ٧٥ - ٧٧ .
(٣) الأحزاب : ٧٢ .
(٤) لم أجده ، وليس عليه أنوار النبوة .
(٥) هو تلميذ ابن فورك الإمام محمد بن الحسن بن أبى أيوب ، انظر من كان فى عصره على مذهب
الأشعرى . توفى سنة إحدى وعشرين وأربعمائة . تبيين كذب المفترى ٢٤٩ .
(٦) ساقطة من ت .

٣١٦
كتاب الإيمان / باب بيان خصال المنافق
١٠٩ - ( ... ) حدّثْنا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمَ العَمِّىُّ، حَدَّثَنَا يَحْنَى بْنُ مُحَمَّد بْن قَيْس أَبُو
زُكَيْرِ ، قالَ: سَمِعْتُ الْعَلَاءَ بْنَ عَبْد الرَّحْمنِ يُحَدَثُ بِهذَا الإِسْناد، وقالَ: (( آيَةُ الْمُنَافق
ثَلاثُ، وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ )) .
١١٠ - ( .. ) وحدّثَنى أَبُو نَصْرِ التَّمَّارُ وَعَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّاد، قَالا: حَدَّثَنَا حَمَّاهُ
ابْنُ سَلَمَةٍ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أبِى هِنْدٍ، عُنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ؛ قالَ : قالَ
رَسُولُ اللّهِ عَّهُ بِمِثْلِ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْعَلَاءِ. ذَكَرَ فِيهِ: (( وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى
ء
وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ )) .
مالم يذكر فى الآخر ، فقال فى الأربع: ((إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن
خان)) وقال فى الثلاث: ((إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان))، فذكر
اثنتين من الأربع وزاد واحدة . قال الداودى : فهذه خمس خصال ، وذلك يدل أن [ ليس
ما ذكر ] (١) جملة خصال النفاق .
(١) فى ت : ما ذكر ليس جملة خصال النفاق.
أقول: إن للمنافقين صفات غيرها، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ [النساء:
١٤٢] وإنما خصت هذه الخمسة بالذكر، لكونها فيهم أظهر، ولأنهم يقصدون بها مفسدة المؤمنين . الأبى
١٦٩/١ .

٣١٧
كتاب الإيمان / باب بيان حال إيمان من قال لأخيه المسلم : يا كافر
(٢٦) باب بيان حال إيمان من قال لأخيه المسلم : يا كافر
١١١ - (٦٠) حدّثَنا أُبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرِ وَعَبْدُ اللّه بْنُ
نُمَيٍّ، قَالا: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللّهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ الَِّىَّ ◌َّ قالَ: (( إِذَا
كَفَّرَ الرَّجُلُ أَخَاهُ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا» .
( .. ) وحدّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيِى النَّمِيمِىُّ، وَيَحْتَى بْنُ أُوبَ، وَقُتَةُ بْنُ سَعِيد، وَعَلَىُّ
ابْنُ حُجْرِ، جَمِيعًا عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرِ ، قالَ يَحْبَى بْنُ يَحْبَى : أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ
جَعْفَرِ عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ دِينارِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبْنَ عُمَرَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللّهِعَّ: (( أَيُّمَا
امْرِئٍ قَالَ لأَخِهِ: يَا كَافِرُ ، فَقِّدْ بَاءَ بِها أَحَدُّهُمَا إِنْ كَانَ كَمَا قَالَ. وَإِلاَ رَجَعَتْ عَلَيْهِ».
وقوله : ((إذا كَفَّر الرجلُ أخاه فقد باء بها أحدهما)) وفى الحديث الآخر: (( إن كان
كما قال ، وإلا رجعت عليه)) (١) ، قال الإمام : يحتمل أن يكون قال ذلك فى المسلم
مستحلاً فيكفر باستحلاله ، وإذا احتمل ذلك لم يكن فيه حجة لمن كَفَّر بالذنوب ،
ويحتمل [ أيضا ] (٢) أن يكون مراده بقوله: ((باء بها)): أى بمعصية الكذب فى حق القائل
إن كذب .
قال الهروى: أصل البَوْء (٣) اللزوم، وقال فى قوله عَّه فى دعائه: ((أبوء بنعمتك
علىَّ)): أي أُقِرُّ بها وألزمه (٤) نفسى .
قال ابن أبى زمنين (٥) : أصل باء فى اللغة: رجَع ، ولا يقال : باء إلا بشرٍ ، ذكره
.
(١) الذى جاء فى نسخة الإمام: ((أيما امرئ قال لأخيه: كافر فقد باء بها أحدهما)). الحديث ١/ ١١ / أ.
(٢) من المعلم .
(٣) الذى فى المعلم : البواء .
(٤) فى نسخ الإكمال : وألزمها ، والمثبت من المعلم ، وهو الأصح ، إذ الضمير فى الأولى يعود على النعمة،
أما الثانية فعوده على البواء ، وهو الأنسب للتفسير .
(٥) فى ت: رمنين - بالراء - وضبطها الذهبى بفتح الميم ثم كسر النون بعد الزاى - وهو الإمام القدوة الزاهد
أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عيسى، المرى ، الأندلسى الإلبيرى ، شيخ قرطبة - تفنن واستبحر من
العلم، روى عنه أبو عمرو الدانى وجماعة . قال الذهبى: كان من حملة السنة . توفى سنة تسع وتسعين
وثلاثمائة . سير ١٨٨/١٧، معجم المؤلفين ٢٢٩/١٠ .
وتكفير الرجل أخاه يقع بنسبته إلى الكفر بصيغة الخبر نحو : أنت كافر ، أو بصيغة النداء نحو : يا
كافر، أو باعتقاد ذلك فيه ، كاعتقاد الخوارج تكفير المؤمنين بالذنوب . ذكره الأبى ، وقال : وليس من ذلك
تكفيرنا أهل الأهواء ١٦٩/١ .

٣١٨
كتاب الإيمان / باب بيان حال إيمان من قال لأخيه المسلم : يا كافر
فى تفسير قوله تعالى: ﴿ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾ (١) .
وأما قوله: ((إلا حار عليه)) فمعناه: رجع عليه، والْحَور الرجوع ، ومنه قوله
تعالى: ﴿ إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّنْ يَحُورَ﴾ (٢)، وقوله تعَّهُ: ((أعوذ بالله من الْحَوْرِ بعد الكور))
يأتى تفسيره .
قال القاضى : يكون باء هاهنا بمعنى رجع ، كما جاء فى الحديث نفسه .
وقيل : معناه : رجعت (٣) عليه نقيصته (٤) لأخيه كما قال ، إذا لم يكن لذلك أهلاً
بكذبه عليه . وقيل : إذا قاله لمؤمنٍ صحيحٍ الإيمان مثله ورماه بالكفر فقد كفَّر نفسه لأنه
مثله وعلى دينه ، وقد يكون مراده عَّه بهذا الخوارج لتكفيرهم المؤمنين . وهذا تأويل مالك
ابن أنس (٥) .
--------
(١) البقرة : ٩٠ .
(٢) الانشقاق : ١٤ .
(٣) فى الأصل : رجمت.
(٤) أو يكون الضمير عائدا على السيئة المفهومة من السياق ، وذلك حتى لا يكون الحديث حجة للمكفر
بالذنوب، إذ له بغير هذا أن يقول : إنه إذا لم يكن المقول له كذلك فغاية القائل أنه سابٌّ ، أو كاذب ، أو
قاذف ، ولا شيء من ذلك يكفر عندكم ، فلنا أن نقول ما ذكره القاضى وما سقناه .
(٥) لم يذكر النووى للقاضى غير هذا الوجه فى تلك المسألة ، وساق الوجه الذى قبله غير منسوب ، ثم قال
معقباً على هذا الوجه : إنه ضعيف ؛ لأن المذهب الصحيح المختار الذى قاله الأكثرون والمحققون أن
الخوارج لا يكفرون كسائر أهل البدع ٢٩/١ .
قلت : وسبب تضعيف النووى لما نسبه القاضى لمالك ما ظنه من أن يكون مراده تكفيرنا لهم ، وليس
كذلك، فإن مراده من ذلك رجوع تكفيرهم لغيرهم عليهم فقد جاء فى العتبيّة عنه قال : أراه فى
الحرورية، قال ابن رشد : يعنى أن الحرورية تبوء بإثم تكفيرهم المؤمنين بالذنوب . مكمل ١/ ١٧٠ .
وحمل ابن رشد الحديث على أنه كفر حقيقة فيمن كفَّر أخاه حقيقة ؛ لأنه إن كان المقول له كافراً فقد
صدق وإلا كفر القائل ؛ لأن اعتقاده ما عليه المؤمن من الإيمان كفرٌ ، واعتقاد الإيمان كفراً كفر ، قال
تعالى: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُه ﴾ [ المائدة: ٥] السابق.

٣١٩
كتاب الإيمان / باب بيان حال إيمان من رغب عن أبيه وهو يعلم
(٢٧) باب بيان حال إيمان من رغب عن أبيه وهو يعلم
١١٢ - (٦١) وحدّثْنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْب، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَد بْنُ عَبْد الْوَارِث،
حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ، عَنِ ابْنِ بُرَيّدَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ ؛ أَنَّ أَبَا الأَسْوَد
حَدَّثَهُ عَنْ أَبِى ذَرٍّ ؛ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُول اللّهِ عَهُ يَقُولُ: ((لَيْسَ مِنْ رَجُل ادَّعَى لِغَيْرِ أَبِيهِ وَهُوَ
يَعْلَمُهُ ، إلا كَفَرَ . وَمَن ادَّعَى مَالَيْسَ لَّهُ فَلَيْسَ مِنَّا، وَلَيَتَبَّواْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ ، وَمَنْ دَعَا
رَجُلًا بالْكُفْرِ، أَوْ قالَ: عَدُوَّ اللّهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إِلا حَارَ عَلَيْهِ )) .
١١٣ - (٦٢) حدّثَنِى هُرُونُ بْنُ سَعيد الأَيْلِى، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قالَ: أَخْبَرَنِى
عَمْرٌّوْ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ ، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكِ ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : إَنَّ رَسُولَ
اللّهِ عَُّ قالَ: ((لا تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ أَبِهِ فَهُوَ كُفْرٌ )).
وقوله: ((من رغب عن أبيه فقد كفر)»: يُريد ترك الانتساب إليه وجحده وانتسب
لسواه يقال : رغبت عن الشىء تركته وكرهته ، ورغبت فيه أحببته وطلبته .
قال الإمام : هذا يتأول على ما تقدم من الاستحلال ، أو يكون أراد الكفر اللغوى
بمعنى جحد حق أبيه (١) وستره (٢).
وقوله: (( فالجنة عليه حرام)) ، قال القاضى : تأويله على ما تقدم من أصول أهل
السنة ، من أن الذنوب لا تُحرم على أحد الجنة البتّة، بل إن شاء الله تعالى أخذ (٣)
وعاقب وحرَّمها للمذنب مُدَّة ثم يدخلها ، وإن شاء عفى، أو يكون تأويل الحديث لفاعله مستحلاً .
وقوله : (( ليس منَّا )) على ما تقدَّم ، أى ليس مهتدياً بهدينا ولا مستناً بسنتنا .
وقوله: (( فليتبوأ مقعده من النار)) : أى استحق ذلك بقوله ، واستوجبه لمعصيته إلا
(١) فى نسخ الإكمال : الله ، والمثبت من المعلم.
(٢) وكان هذا التأويل لازماً ؛ لأن انتسابه لغير أبيه قذف أو كذب ، أو عقوق ولا شىء من ذلك يكفر ،
فلذلك يحمل الحديث على هذا التأويل الذى ذكره الإمام ، أو يقال: إنه معَّه أراد كفر النعمة ، أى جحد
حق أبيه ، وقد ذكر القرطبى تأويلا ثالثاً هو: أنه عَّه أطلق الكفر مجازا لشبهه بفعل أهل الكفر ؛ لأنهم
كانوا يفعلونه فى الجاهلية . قال : وهذا إنما يفعله أهل الجفاء ، والجهل ، والكبر ، لخسة منصب الأب ،
ودناءته ، فيرى الانتساب إليه عاراً ونقصاً فى حقه. المفهم ٢١٩/١.
(٣) فى جميع النسخ التى معنا : وأخذ ، وهو وَهم نساخ .

٣٢٠
كتاب الإيمان / باب بيان حال إيمان من رغب عن أبيه وهو يعلم
أن يعفو عنه ، وقد تقدَّم قول من قال: إنه دعا على فاعله .
وفى الحديث دليل أنه لا يحل لأحد [ أخذ ] (١) شىء يعلم باطله (٢) وأنه مأثوم
حكم له به حاكم [ أم لا ] (٣)، وأنّ حكم الحاكم به لا يحلله (٤) ، كما قال فى الحديث
الآخر: ((فإنما أقطع له قطعة من النار)) (٥)، خلافاً لأبى حنيفة (٦) ، ألا ترى قول أبى
بكرة فى هذا الحديث بعد حكم معاوية لزياد بما حكم .
(١) ساقطة من الأصل .
(٢) فى الأصل : باطنة .
(٣) سقط من ت .
(٤) جاء فى النووى : وفى هذا الحديث تحريم دعوى ما ليس له فى كل شىء سواء تعلق به حق لغيره أم لا،
وفيه أنه لا يحل له أن يأخذ ما حكم له به الحاكم إذا كان لا يستحقه ٢٤٩/١
ونقلها الأبى عنه هكذا : وفيه أن حكم الحاكم لا يجل الحرام ١/ ١٧١ .
ومعنى أنه لا يحله لأنه إنما يغير الظاهر ، وأما الباطن فهو ما كان عليه قبل حكمه .
(٥) سيرد إن شاء الله فى ك الأقضية، ب الحكم بالظاهر واللحن بالحجة برقم (٤)، وهو من الحديث المتفق
عليه ، وهو فى البخارى، ك الحيل، ب ١٠ عن أم سلمة ٣٢/٩ .
(٦) وذلك فيما إذا كان قضاء القاضى بشاهدى زور فيما له ولاية إنشائه فى الجملة ، أما قضاؤه بهما فيما ليس
له ولاية إنشائه أصلا فإنه لا يفيد الحل بالإجماع .
مثال الأول : إذا قضى بعقد أو بفسخ عقد ، فقضاؤه بشاهدى الزور يفيد الحل عنده ، وإذا ادعى
رجلٌ على امرأة أنه تزوجها فأنكرت ، فأقام على ذلك شاهدى زور فقضى القاضى بالنكاح بينهما -
وهما يعلمان أنه لا نكاح بينهما - حل للرجل وطؤها وحل لها التمكين عنده ، وكذا إذا شهد شاهدان
على رجل أنه طلق امرأته ثلاثاً وهو منكر ، فقضى القاضى بالفرقة بينهما ، ثم تزوجها أحد الشاهدين حل
له وطؤها ، وإن كان يعلم أنه شهد بزور لا يحل . ذلك أن قضاء القاضى بما يحتمل الإنشاء إنشاء له ؛
لأن القاضى مأمور بالقضاء بالحق ، ولا يقع قضاؤه بالحق فيما يحتمل الإنشاء إلا بالحمل على الإنشاء ؛
لأن البينة قد تكون صادقة ، وقد تكون كاذبة فيجعل إنشاء ، والعقود والفسوخ مما تحتمل الإنشاء من
القاضى ، فإن للقاضى ولاية إنشائها فى الجملة .
ومثال الثانى : فى الملك والمرسل ، فلو ادعى رجل أن هذه جاريته ، وهى تنكر ، فأقام على ذلك
شاهدين ، وقضى القاضى بالجارية ، لا يحل له وطؤها إذا كان يعلم أنه كاذب فى دعواه ، ولا يحل
لأحد الشاهدين - أيضاً - أن يشتريها ، وذلك أن نفس الملك مما لا يحتمل الإنشاء.
وقد أجاب عن الحديث بما رواه أبو داود عن أم سلمة - رضى الله عنها ـــ أنه كان فى أخوين اختصما
إليه عَُّ فى مواريث درست بينهما ، ولم يكن لهما بينة إلا دعواهما، والميراث ومطلق الملك سواء فى
الدعوى به . راجع فى ذلك بدائع الصنائع ٩/ ٤١٠٧ .