Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
كتاب الإيمان / باب السؤال عن أركان الإسلام
فهبنا أن نسأله )) ليس فيه تعارُض، نُهُوا عن سؤاله عن أشياء إن تبد لهم تسؤهم ، ولم
ينهوا عن غير ذلك ، وإذا أذن لهم فى السؤال فلم يرتكبوا نهياً .
وقوله: ((ثائر الرأس))(١) أى: قائمة منتفشة (٢)، وقوله: ((يُسمَعُ دَوَىُّ صوتِهِ)) (٣)
بفتح الدال ، أى: بُعده فى الهواء مأخوذ من دَوِى الرعْد .
وقوله: ((أفلح إن صدَق أو دخل الجنة إن صدق)): هذه الجملة الأخيرة تفسير للأولى (٤)،
وقد وردت فى الرواية الأخرى منفردة بمعناها ،والفلاح البقاء ، ومنه: ( حى على الفلاح ) ،
أى: العمل المؤدى إلى الجنة والبقاء فيها وهو الفَلَح . قال الأعشى:
هل لحىِّ نال قومى من فَلَحِ
أى: بقاء ، قال الهروى : العرب تقول لكل من أصاب خيراً: مُفْلِحٌ ، وأفلح الرجلُ
إذا فاز بما يغبط به ، وقيل فى قوله : ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُون ﴾ (٥) أى: فازوا . [ قال ابن
دريد: أفلح الرجل وأنجح إذا أدرَك مطلوبه ، وقال القاضى أبو الوليد الباجى : استعمل
رسول الله عَّةٌ] (٦) الصدق هنا فى خبر المستقبل ، وقد قال القتبى : الكذب مخالفة الخبر
فى الماضى والخلف فى المستقبل (٧) فيجب على هذا أن يكون الصدق فى الخبر عن الماضى
والوفاء فى المستقبل . وما ورد عن النبى معَّه هنا يرد على ابن قتيبة .
وفى قوله: ((أفلح إن صدق)): ردُّ على المرجئة (٨) ، إذ فيه فلاحه بشرط صِدْقه فى
ألا ينقص مما ألزمه من الأعمال والفرائض .
(١) سبق برقم (١١).
(٢) ومنه ثارت الفتنة. وقد زيد بعدها فى ق: (وفيه أن قوله مثل هذا) ومقدار أربع كلمات غير واضحة ٩٠ ب .
(٣) سبق برقم (١١).
(٤) فى الأصل : الأولى ، والمثبت من ت .
(٥) المؤمنون : ١ .
(٦) سقط من ق .
(٧) وسمى المطابقة فى المستقبل وفاء .
(٨) المرجئة الخالصة وهم اليونسية أصحاب يونس السمرى ، زعم أن الإيمان هو المعرفة بالله ، والخضوع له ،
وترك الاستكبار عليه ، والمحبة بالقلب . فمن اجتمعت فيه هذه الخصال فهو مؤمن ، وما سوى المعرفة من
الطاعة فليس من الإيمان ، ولا يضر تركها حقيقة الإيمان ، ولا يعذب على ذلك إذا كان الإيمان خالصاً ،
واليقين صادقاً .
وزعم أن إبليس - لعنه الله ــ كان عارفاً بالله وحده غير أنه كفر باستكباره عليه .
قال : ومن تمكن فى قلبه الخضوع لله والمحبة له على خلوص ويقين لم يخالفه فى معصية ، وإن
صدرت منه معصية فلا يضر بيقينه وإخلاصه ، والمؤمن إنما يدخل الجنة بإخلاصه ومحبته لا بعلمه وطاعته.
الملل والنحل ١ / ١٤٦ .

٢٢٢
كتاب الإيمان / باب بيان الإيمان الذى يدخل به الجنة .... إلخ
(٤) باب بيان الإيمان الذى يدخل به الجنة
وأن من تمسك بما أقر به دخل الجنة
١٢ - (١٣) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْد الله بْنِ نُمَيْرِ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ
عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ طَلْحَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِى أَبُوَ أَيُّوبَ؛ أَنَّ أَعْرَابَيَا عَرَضَ لِرَسُول الله
◌َُّ وَهُوَ فِى سَفَرَ ، فَأَخَذَ بِخِطَامِ نَاقَتِهِ - أَوْ بِزِمَامِهَا - ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ الله أَوْ يَا مُحَمَّدُ،
أَخْبِرْنِى بِمَّا يُقَرِبُنَّ مِنَ الْجَنَّةَ وَمَّا يُبَاعِدُنِى مِنَ النَّارِ؟ قَالَ: فَكَفَّ النَّبِىُّ عَّهِ، ثُمَّ نَظَرَ فِى
أَصْحَابِهِ، ثُمَّ قَالَ: (( لَقَدْ وُقِّقَ أَوْ لَقَدَّ هُّدِىَّ)) قَالَ: (( كَيْفَ قُلْتَ ؟)) قَالَ: فَأَعَدَ. فَقَالَ
النَّبِىُّ عَّةُ: « تَعْبُدُ اللهَ لا تُشْرِكُ بِه شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلاةَ، وَتُؤْتِى الزَّكَاةَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ ،
دَعِ النَّاقَةَ)) .
١٣ - ( .. ) وحدّثْنى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتم، وعَبَدُ الرَّحْمنِ بْنُ بِشْر؛ قَالاَ: حَدَّثَنَا بَهْز،
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْن عَبْدَ الله بْنِ مَوْهَب ، وَأَبُوهُ عُثْمَانُ ؛ أَنَّهُمَا سَمعَا
مُوسَى بْنَ طَلحَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِى أَيُّوبَ، عَنِ النَّبِىِّ ◌َّهِ، بِمِثْلِ هَذَا الْحَديث.
١٤ - ( ... ) حدّثْنا يَحَّْى بْنُ يَحْتَى التَّميمِىُّ، أَخْبَرَنَا أُبُوَ الأَحْوَصِ. ح وَحَدَّثْنَا أَبُو
بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيَّةَ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَص، عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ، عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِى
أَبُوَبَ، قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِىِّ يَُّ فَقَالَ: دُلَّنِى عَلَى عَمَلِ أَعْمَلُهُ يُدْنِنِى مِنَ الْجَنَّةِ
وَيُبَاعِدُنِى مِنْ النَّارِ؟ قَالَ: ((تَعْبُدُ اللهَ لا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلاةَ، وَتُؤْتِىَ الزَّكَاةَ،
وَتَصلُ ذَا رَحمِكَ )). فَلَمَّا أَدْبَرَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ:((إِنْ تَمَسَّكَ بِمَا أُمَرَ بِهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ)) .
وَفِى رِوَايَةِ ابْنِ أَبِى شَيْبَةَ: ((إِنْ تَمَسَّكَ بِهِ )) .
وقوله: (( وتصل ذا رحمك)) ، قال الإمام : ينبغى أن تتأمَّل هذا مع قول النحاة: إن
لفظة (( ذا)) إنما تضاف إلى الأجناس ، فلعل الإضافة هنا مقدر انفصالها ، والإضافة بمعنى
تقدير الانفصال موجودة .
قال القاضى: لفظة ((ذا)) و((ذى)) و((ذو)) عند أهل العربية إنما تضاف إلى
الأجناس ولا تضاف عندهم لغيرها من الصفات ، والمضمرات ، والأفعال ، والأسماء
المفردات ؛ لأنها فى نفسها لا تنفك عن إضافة . وقد جاءت مفردة ومضافة إلى مفرد وإلى
فعل ومجموعة ومثناة وكله عندهم شاذٌ ، كقولهم : ذو يزن ، وذو نواس ، وقالوا فيهم :
الذّوين والأذواء (١) وقالوا: افعل كذا بذى تسلم .
(١) فى ت : الذؤاء والذَّوين .
1
.٠

٢٢٣
كتاب الإيمان / باب بيان الإيمان الذى يدخل به الجنة .... إلخ
١٥ - (١٤) وحدّثنى أُبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، حدثنا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا
يَخَْى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِى زُرْعَةَ ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ أَعْرَابِيَا جَاءَ إِلَى رَسُول الله عَّ فَقَالَ:
يَارَسُولَ اللهِ، دُلَّنِى عَلَى عَمَل إِذَا عَمَلْتُهُ دَخَلْتُ الْجَنَّةَ. قَالَ: (( تَعْبُدُ اللّهَ لا تُشْرِكُ به
شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلاَةَ المَكْتُوبَةَ، وَتُؤَدِّى الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ)). قَالَ: وَالَّذِىّ
نَفْسِى بِيَدَه، لا أَزِيدُ عَلَى هَذَا شَيْئًا أَبَدًا، وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُ. فَلَمَّا وَلَّى، قَالَ النَّبِىُّ ◌َلَّهُ: ((َمَّنْ
سَرَّهُ أَنْ يَظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنّةِ، فَلَنْظُرْ إِلَى هَذَا » .
١٦ - (١٥) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةً، وَأَبُو كُرَيْب ـ- وَاللَّفْظُ لأَبِى كُرَيْب -
قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرِ؛ قَالَ: أَتَّى النَّبِيَّ ◌َُّ
الثُّعْمَانُ بْنُ قَوْقَل. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ إِذَا صَلَّيْتُ الْمَكْتُوبَةَ، وَحَرَّمْتُ الْحَرَامَ ،
وَأَحْلَلْتُ الْحَالَّ، أَدْخُلُ الجَنَّةَ؟ فَقَالَ النَّبِىُّ عَهُ: ((نَعَمْ)) .
١٧ - ( ... ) وحدّثَنِى حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، وَالْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، قَالا: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ
الله بْنُ مُوسَى، عَنْ شَيْبَانَ، عَنْ الأَعْمَثِ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ ، وَأَّبِىِ سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ ؛ قَالَ
١
[ وتقدير هذا عندهم على الانفصال كما قال، أى: الذى له كذا أو الذى تسلم ] (١)،
كذلك قوله: (( ذا رحمك)) أى: الذى له رحم معك أو يشاركك فيها ، ونحوه، ومعنى
ذو: صاحب . قيل : وأصله ذوو (٢) لأنهم قالوا فى تثنيته : ذوا مال . والله أعلم.
قال القاضى : استدل البخارى وغيره من حديث النجدى على جواز القراءة على العالم
عليه والتحديث بها بقوله: ((وأخبر به من ورائى)) وهو الصحيح ، والحجة فيه من هذا
الحديث بيّنة، وقد تقدم الكلام على هذا المعنى وقول النبى عَّهُ فيه: (( نعم)) قد يحتج به
من يُلزمَ من الظاهرية الشيخ الإقرار بنعم بعد تقرير الراوى له ، وقوله له : هو كما قرأناه
عليك ؟ ولا حجة فيه ؛ لأن هذا مستفهم للنبى عَّه ، طالب منه جواب نعم ، بخلاف
القارئ والذى يعرض على الشيخ .
قال غيره: وفيه بسط الكلام بين يدى الحاجة لقوله: ((إنى سائل فمشدّدٌ عليك))،
وفيه جواز التحليف والتأكيد للأمور المهمة والأخبار الهائلة ، وجواز الحلف فى ذلك كما قال
(١) سقط من أصل ت، واستدرك بالهامش بسهم باختلاف، والعبارة فيه: وتقدير هذا عندهم على
الانفصال كما قال : أى الذى قال كذا والذى تسلم . ثم كتب بعدها : كذلك نقل .
(٢) فى الأصل : ذوى ، والمثبت من ت ، وهو الصحيح بدليل الألف فى التثنية.

٢٢٤
كتاب الإيمان / باب بيان الإيمان الذى يدخل به الجنة .... إلخ
النُّعْمَانُ بْنُ قَوْقَل: يَا رَسُولَ اللهِ، بِمِثْلِه . وَزَادَا فِيهِ: وَلَمْ أَزِدْ عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا .
١٨ - ( .. ) وحدّثْنى سَلَمَةُ بْنُ شَبيب، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا مَعْقُلٌ -
وَهُوَ ابْنُ عُبَيْدِ الله - عَنْ أبى الزُّبَيْرِ، عَنْ جَّابِرِ؛ أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ رَسُولَ اللهِعَهُ فَقَالَ:
أَرَأَيْت إِذَا صَلَّيْتُ الصَّلَوَتِ الْمَكْتُوبَاتِ ، وَصُمَّتُ رَمَضَانَ، وَأَحْلَلْتُ الْحَلَالَ وَحَرَّمْتُ
الْحَرَامَ ، وَلَمْ أَزِدْ عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا، أَأَدْخُلُ الْجَنَّةَ؟ قَالَ: (( نَعَمْ)) . قَالَ : وَالله ! لا أَزِيدُ
عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا .
تعالى: ﴿وَيَسْتَنْئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٍ﴾ (١)، وفيه صبر العالم على جفاء
السائل الجاهل ، وبيان ما يلزمه للمتعلم المسترشد ، وإجابته لما يرى أنه ينفعه ويحتاج إليه
فى دينه ، وفيه جواز قول ما تدعو إليه الضرورة من خشن الكلام ، وجواز الاعتذار منه ،
لقوله ما قال ثم قال: ((لا تَجِدَنَّ علىَّ))، وتسويغ النبى معَّه ذلك له (٢).
وقوله: (( أفلح وأبيه)) (٣): وقد نهى النبى عَّ عن الحلف بالآباء ، لعله كان قبل
النهى ، أو يكون على غير اعتقاد نية الحلف والتعظيم لمن حلف به، على ما جرت به عادة
العرب ، وانطلقت به ألسنتها ، ونهى عن اعتقاد ذلك وقصده . [ وقيل : كان ذلك أول
الإسلام ، وقريب عهدهم بميتات الجاهلية ، فَنُهوا عن ذلك وقيًا لأجله ، وقيل : أضمر
ورب أبيه كما فى أقسام الله فى كتابه بمخلوقاته ، أى : ورب الليل إذا يغشى، ورب
الضحى، ونحوه ](٤) .
--
(١) يونس : ٥٣ .
(٢) قال الأبى : الألفاظ التى أخذت منها هذه الأشياء لم تقع فى مسلم ، وإنما هى فى البخارى من طريق
أنس. إكمال الإكمال ١ / ١٨٣ .
(٣) سبق برقم (١١) .
(٤) من ق .

٢٢٥
كتاب الإيمان / باب بيان أركان الإسلام ودعائمه العظام
(٥) باب بيان أركان الإسلام ودعائمه العظام
١٩ - (١٦) حدّثْنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْد الله بْن نُمَيْرِ الْهَمْدَانِىُّ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالد - يَعْنى
سُلَيْمَانَ بْنَ حَّانَ الأَحْمَرَ - عَنْ أَبِى مَالِكَ الأَشْجَعِىِّ، عَنْ سَّعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنَّ أَبْنِ عُمَّرَ.
عَنِ النَّبِّ ◌َّهُ قَالَ: (( بُنِىَ الإِسْلامُ عَلَىَ خَّمْسَةَ؛ عَلَى أَنْ يُوحَّدَ اللهُ، وَإِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِيْنَاءِ
الزَّكَاةِ، وَصِيَامِ رَمَضَانَ، وَالحَجِّ)). فَقَالَ رَجُلٌ: الْحَجِّ وَصِيَامِ رَمَضَانَ؟ قَالَ : لا، صِيَامٍ
رَمَضَانَ وَالْحَجِّ، هَكَذَا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُول الله عٍَّ.
٢٠ - ( ... ) وحدّثْنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ الْعَسْكَرِىُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا
سَعْدُ بْنُ طَارِقٍ، قَالَ: حَدَّثَنِى سَعْدُ بْنُ عُبَيْدَةَ السُّلُمِىُّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَِّّ ◌َّةُ:
وقوله : فى حديث: (( بنى الإسلام على خمس)) ورد ابن عمر على الراوى لما قدَّم
حج البيت على رمضان إلى (١) أن يقدّم ذكر رمضان، وقال: (( هكذا سمعت من رسول
الله عَّه))، قال الإمام: يحتمل أن يكون مُشاحة ابن عمر فى / هذا لأنه كان لا يرى نقل ١٤ / ب
الحديث بالمعنى وإن أداه بلفظ (٢) يحتمل ، أو يكون يرى الواوَ توجب الترتيب كما قال
بعضُهم ، فيجب التحفظ على الرتبة المسموعة من النبى عَّة ؛ لأنه قد يتعلق بذلك أحكام،
فقد يستدل على تقدمه إطعام [ الفطر فى رمضان ] (٣) على الهدايا الواجبة فى الحج إذا
أوصى بها [ وضاق ] (٤) الثلث عنهما بهذه التقدمة الواقعة فى الحديث ، لإشعارها بأن ما
قدم آكد ، والمعتبر فى الوصايا [ تقدمه ] (٥) الآكد .
قال القاضى : قد مَرَّ من الكلام فى هذه المسألة واختلاف الناس فيها [ ما فيه ] (٦)
كفاية ، والصواب والاستحسان حماية هذا الباب كما تقدم؛ لئلا يتسلط الجاهل بأنه جاهل
على ما لم يحط به علمًا ، وأما فى أدَاء الرواية فآكد ، وقد ذكرنا أنه مذهب مالك فى
حديث النبى عَّه، وأنه كان يتحرى فيه الفاء والواو ، وروى مثله عن أمثاله ، وقد قال
عليه السلام -: ((نضَّر الله امرأ سَمِع مقالتى، فأدّها كما سمعها))، لكنه قد يُسَهّل فى
إصلاح الحرف الذى لا يشك فيه سقوطه ، [ وقد ] (٧) روى هذا عن مالك ، وكذلك
(١) فى الأصل : إلا.
(٢) زيد بعدها فى ق: (( ثيوب متاب ما يسمع وهو مذهب بعض أهل الأصول ، وإن دل لفظ يحتمل بلفظ
لا » .
(٣، ٤) من المعلم.
(٥) ساقطة من ق .
(٦، ٧) سقط من ق . والحديث جزء حديث على المعنى، أخرجه أبو داود فى السنن ، ك العلم ، ب فضل=

.
كتاب الإيمان / باب بيان أركان الإسلام ودعائمه العظام
٢٢٦ -
قَالَ: (( بُنِىَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْس ؛ عَلَى أَنْ يُعْبَدَ اللهُ وَيُكْفَرَ بِمَا دُونَهُ، وَإِقَامِ الصَّلاةِ،
وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ، وَحَجِّ الْبَيْتِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ » .
٢١ - ( .. ) حدّثْنا عُبَيْدُ الله بْنُ مُعَاذ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ - وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّد
ابْنِ زَيّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ - عَنْ أَبِيه ؛ قَالَ: قَالَ عَبْدُ الله: قَالَ رَسُولُ اللهِعَهُ: ((بُنِىَّ
الإِسْلامُ عَلَى خَمْس ؛ شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إلا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبَّدُهُ وَرَسُولُهُ، وَإِقَامِ الصَّلاةِ،
وَإِيْتَاءِ الزَّكَاةِ ، وَحَجّالْبَيْتِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ )) .
٢٢ - ( ... ) وحدّثَنِ ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثْنَا حَنْظَلَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ عكْرِمَةَ
ابْنَ خَالد يُحَدِّثُ طَاوُسًا؛ أَنَّ رَجُلاً قَالَ لَعَبْد الله بْنِ عُمَرَ : أَلا تَغْزُو؟ فَقَالَ: إِنِّى سَمِعْتُ
٠٠٠
اللحن البيّنُ. قال الشعبى (١): يُعْرَبُ، وقاله أحمد بن حنبل قال : لأنهم لم يكونوا
يلحنون ، وقال النسائى : إذا كان شيئًا تقوله العرب فلا يُغير ، وإن لم يكن من لغة
قريش ؛ لأنه عَّه كان يكلم الناس بألسنتهم ، وإن كان لا يوجد فى كلام العرب فرسول
الله عَّه لا يلحن، وقد هاب بعضُهم أيضاً هذا ، ورووا الحرف على ما وجدوه ونبَّهوا
عليه، وهذا موجود فى الموطأ وكتب الصحيح وغيرها ، حتى فى حروف القرآن تركوها فيها
كما رووها ووقع الوهم فيها ممن وقع ، وقد يكون رد ابن عمر على الرجل إلى تقديم
رمضان لِتَقَدّم فريضة رمضان على فريضة الحج ، فجاء بالفرائض على نسقها فى التاريخ ،
والله أعلم .
قول حنظلة : سمعت عكرمة بن خالد يُحدثُ طاوساً: أن رجلاً قال لعبد الله بن
عُمَر: ألا تغزو (٢)، قال الإمام : هكذا أتى مُجوداً فى رواية الجلودى ، وفى نسخة ابن
= نشر العلم ١ / ٢٨٦، الترمذى فى السنن، ك العلم، ب ما جاء فى الحث على تبليغ السماع ٥ / ٣٣
من حديث زيد بن ثابت، وقال عقبه: (( حديث زيد بن ثابت حديث حسن)) ، كما أخرجه من حديث
عبد الله بن مسعود وقال: ((هذا حديث حسن صحيح)). ابن ماجه فى السنن ، المقدمة ، ب من بلغ
علما ١ / ٨٤ من حديث زيد بن ثابت، وجبير بن مطعم ، وعبد الله بن مسعود ، وأنس بن مالك ، ك
المناسك ، ب الخطبة يوم النحر ٢ / ١٠١٥ من حديث جبير بن مطعم ، والدارمى فى السنن المقدمة ، ب
الاقتداء بالعلماء ١ / ٧٤ من حديثهما وحديث أبى الدرداء ، أحمد فى المسند ١ / ٤٣٦، ٤٣٧ من
حديث ابن مسعود، ٣ / ٢٢٠ من حديث أنس، ٤ / ٨٠ من حديث جبير، ٥ / ١٨٣ من حديث
زيد بن ثابت . كما أخرجه الشافعى فى الرسالة ، ب الحجة فى تثبيت خبر الواحد ووجوبه ٦٩ ، والسيوطى
فى مفتاح الجنة .
(١) فى ت : الشافعى .
(٢) جاءت فى الأصل : تعرف .

٢٢٧
.كتاب الإيمان / باب بيان أركان الإسلام ودعائمه العظام
رَسُولَ اللهِ عَّهُ يَقُولُ : ((إنَّ الإِسْلامَ بُنِىَ عَلَى خَمْسِ: شَهَادَةٍ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ، وَإِقَامٍ
الصَّلَاةِ، وَإِيْنَاءِ الزَّكَاةِ، وَصِيَامِ رَمَضَانَ، وَحَجِّ البَيْتِ)) .
الحذّاء عن أبى [ العلاء: سمعت ] (١) عكرمة يُحدث عن طاوس: [ أن رجلا ] (٢)،
وهذا وَهْم، والصحيح الأول .
قال القاضى: وقول ابن عمر لهذا السائل عن الغزو : سمعت رسول الله عَّه ، وذكر
حديث: (( بُنى الإسلام على خمسٍ)) ، يُستدل به على سقوط فرض الجهاد ، وأنه ليس من
مبانى الإسلام ، وإنما هو من فروض الكفايات (٣) ، وهو قول جماعة من العلماء أن فرضه
نسخ بعد فتح مكة ، وذكر أنه مذهب ابن عمر والثورى وابن شبرمة ، ونحوه لسحنون من
أصحابنا ، إلا أن ينزل العدو بقومٍ ، أو يأمر الإمام بالجهاد ، ويستنفر الناس فتلزمهم (٤)
طاعته . وقال الداودى : لما فتحت مكة سقط فرض الجهاد عمن بَعُد من الكفار وبقى فرضه
على من يليهم ، وكان أولاً فرضاً على الأعيان.
(١) فى نسخ المعلم : عن أبى العلاء عكرمة .
(٢) من المعلم .
(٣) جاء فى المغنى : معنى فرض الكفاية : الذى إن لم يقم به من يكفى أثم الناسُ كُلُّهم ، وإن قام به مَنْ يكفى
سقط عن سائر الناس ، فالخطاب فى ابتدائه يتناول الجميع كفرض الأعيان ، ثم يختلفان فى أن فرض الكفاية
يسقط بفعل بعض الناس له ، وفرض الأعيان لا يسقط عن أحد بفعل غيره .
قال : والجهاد من فروض الكفايات فى قول عامة أهل العلم . المغنى ١٣ / ٦، ٧ .
(٤) فى الأصل : فيلزمهم .

٢٢٨
كتاب الإيمان / باب الأمر بالإيمان بالله تعالى ورسوله عليه ... إلخ
(٦) باب الأمر بالإيمان بالله تعالى ورسوله عَيّ وشرائع الدين
والدعاء إليه ، والسؤال عنه ، وحفظه ، وتبليغه من لم يبلغه
٢٣ - (١٧) حدّثَنَا خَلَفُ بْنُ هشَامٍ، حَدَّثَنَا حَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَبِى جَمْرَةَ ؛ قَالَ :
سَمِعْتُ ابْنُ عَبَّاس. ح وَحَدَّثْنَا يَحْيَى بْنُ يَحْنَى، وَاللَّفْظُ لَهُ، أَخْبَرَنَا عَبَّادُ بْنُ عَبَّاد، عَنْ أَبِى
جَمَرَةَ، عَنِ ابْنٍ عِبَّاسٍ ؛ قَالَ: قَدِمَ وَقْدُ عَبْدِ الْقَيْسِ عَلَى رَسُولِ اللهِ عَّهُ فَقَالُوا: يَا رَسُوَلَ
الله، إنَّا هَذَا الحَىَّ مِنْ رَبِيعَةِ، وَقَدْ حَالَتْ بَيْنَا وَبَيْنَكَ كُفَّارُ مُضَرَ، فَلا نَخْلُصُ إِلَيْكَ إِلا فِى
شَهْرِ الْحَرَامِ ، فَمُرْنَا بِأَمْرِ نَعْمَلُ بِهِ، وَنَدْعُو إِلَيْهِ مَنْ وَرَاءَنَا. قَالَ: ((آمُرُكُمْ بِأَرْبَعِ ،
وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: الإِيْمَانِ بِالله - ثُمَّ فَسَّرَهَا لَهُمْ فَقَالَ -: شَهَادَةٍ أَنْ لا إِلَهَ إلاَّ اللهُ وَأَنَّ
وقوله فى حديث عبد القيس: (( آمركم بأربع، وأنهاكم عن أربع؛ الإيمان بالله، ثم
فسَّرَها لهم فذكر الشهادتين والصلاة والزكاة وأداء الخمس))، وفى بعض طرقه: ((أمرهم
بأربع، ونهاهم عن أربع ، أمرهم بالإيمان بالله وحده، وقال: هل تدرون ما الإيمان؟ شهادة
أن لا إله إلا الله، وذكر الصلاة والزكاة والصوم وأداء الخُمس)) (١)، وفى رواية أخرى:
((اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وذكر الصلاة والزكاة والصوم وأداء الخُمس)) (٢)، قال
الإمام : ظن بعض الفقهاء أن فى هذا دلالة على أن الصلاة والزكاة من الإيمان ، خلافا
للمتكلمين من الأشعرية القائلين بأن ذلك ليس من الإيمان (٣) ، وهذا الذى ظنه غير
صحيح؛ لاحتمال أن يكون الضمير فى قوله : ثم فسرها لهم (٤) عائداً على الأربع لا على
الإيمان كما ظن هذا الظان، ويحتمل فى الحديث الثانى أن يكون قوله: (( وأقام الصلاة ))
معطوفاً على الأربع .
(١) وهو طريق أبى بكر بن أبى شيبة هنا، غير أن لفظه: ((فأمرهم».
(٢) وهو طريق يحيى بن أيوب .
(٣) وكذلك أبو حنيفة وأصحابه، مقالات ١٣٨ .
والأشعرية هم: أصحاب أبى الحسن على بن إسماعيل الأشعرى المنتسب إلى أبى موسى الأشعرى
صاحب رسول الله عمّ، وكان - كما يقول الذهبى - عجباً فى الذكاء وقوة الفهم ، ولما برع فى معرفة
الاعتزال كرهه وتبرأ منه . مات ببغداد سنة أربع وعشرين وثلاثمائة .
قال الذهبى : رأيت للأشعرى كلمة أعجبتنى ، وهى ثابتة ، رواها البيهقى ، سمعت حازم العبدَوىَّ ،
سمعت زاهر بن أحمد السرخسِى يقول : لما قربَ حضور أجل أبى الحسن الأشعرى فى دارى ببغداد
دعانى فأتيته ، فقال: اشهد علىَّ أَنى لا أكفّرُ أحداً من أهل القبلة ؛ لأن الكلّ يشيرون إلى معبود واحد ،
وإنما هذا كله اختلاف عبارات. سير ١٥ / ٨٥ - ٨٨ .
وإنما قال الأشعريون - كغيرهم من أئمة السنة ـــ فى الإيمان: إنه التصديق بالقلب، وإن التصديق
باللسان والعمل على الأركان ففروعه ، وذلك فراراً من التكفير بالمعصية ، وهو الذى أوقع المعتزلة فيما
وقعوا فيه لما قالوا : إن الإيمان هو جميع الطاعات. مقالات ٢٦٦، الملل والنحل ١/ ١٠٧ .
(٤) فى الأصل : له ، وصححت بهامش ت ، وفى المعلم على الصواب.

٢٢٩
كتاب الإيمان / باب الأمر بالإيمان بالله تعالى ورسوله عَّه ... إلخ
مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامِ الصَّلاة، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَأَنْ تُؤَدُّوا خُمُسَ مَا غَنَمْتُمْ، وَأَنْهَاكُمْ
عَنْ الدَّبَّاءِ، وَالْحَنْتَمِ، وَالنَّقَيرِ، وَالمُقَيَّرِ)). زَادَ خَلَفٌ فِى رِوَايَتَهِ: (( شَهَادَةٍ أَنْ لا إِلَهَ إِلا
اللهُ وَعَقَدَ وَاَحدَةً.
٢٤ - ( .. ) حدّثْنا أَبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْبَةً، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّار -
وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ - قَالَ أَبُو بَكْر: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ
ابْنُ جَعْفَر، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِى جَمْرَةَ قَالَ : كُنْتُ أُتَرْجِمُ بَيْنَ يَدَىِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَبَيْنَ
قال القاضى : أشكل معنى هذا الحديث على بعض الناس حتى تكلف له ما لا يحتاج
إليه لما ذكر أربعاً (١)، ثم جاء فى بعض الروايات الأخر بأربع غير الشهادتين قال (٢):
وفَّىَ لهم بما وعدهم ثم زادهم ، وهذا ليس بسديد ، بل الأربع التى أخبرهم بها لا يُعَدُّ
فيها الإيمان ولا عبادة الله، وترك الإشراك المذكور فى الحديث؛ إذ كان هذا قد تقرر عندهم
وأتوه ، وإنما سألوه عن غيره بما لم يعلموا من قواعد الشريعة، ويدل عليه قوله: (( آمركم
بالإيمان ، أتدرون ما الإيمان بالله؟ )) ثمَّ فسَّرَه لهم بالشهادتين، ثم ذكر الأربع بعد ذلك ،
وأما على الرواية الأولى فهى أربع بالشهادة وقد قال فى آخر الحديث : وذكر الشهادة قال:
وعقد واحدة ، وإسقاط الصوم منه وهمٌ والله أعلم ، لا تفاق الروايات الأخر عليه . وأما
الحج لم يكن فرض بعد ؛ لأن وفادة عبد قيس كانتُ عام الفتح قبل خروج النبى معَّه إلى
مكة ، وفريضة الحج بعدها سنة تسع على الأشهر ، والله أعلم . وقد يحتمل أن يكون
الأربع التى أمرهم بها الشهادتين والصلاة والزكاة والصيام التى سألوا عنها ، وهى قواعد
الإسلام وأصول العبادات ، وفروض الأعيان ، ثم أخبرهم أنه يلزمهم إخراج خمس ما
غنموه وأداؤه للمسلمين ، لما أخبروه بمجاورتهم كفار مضر وعداوتهم لهم يقصد إلى ذكر
مجاهدتهم بعدها من قواعد الإسلام (٣) والجهاد بعد لم يكن فُرض (٤) ؛ لأن فرضه العام
نزل فى سورة براءة سنة ثمان بعد الفتح ، بل نبههم على أداء خمس ما يأخذونه منهم ،
ولا يبعد إطلاق اسم الإيمان على هذه الجملة؛ إذ بها يتم الإيمان ويكمل الإسلام ، ويكون
قوله: (( آمركم بالإيمان بالله)) عائد على كل ما أمرهم به ونهاهم عنه ، أو يكون إضراباً
عن تفصيل الأعداد ، وأمر بالإيمان الشامل لها ولغيرها ، والله أعلم .
(١) قال الأبى : المستشكل هو ابن بطال ، وجواب القاضى الأول أولى أن يكون غير سديد. إما أنه تكلف ،
فإن الظاهر عطف صلاة على الشهادتين ، وإعرابه بغير هذا تكلف ، وإما أنه غير سديد معنى فلأن جعل
الأربع مابعد الشهادتين يوجب أن يكون أداء الخمس ركناً ، وهو نص أن الجهاد حينئذ لم يكن فرض .
قال: وجوابه الثانى هو جواب ابن بطال الذى زيف وغايته أنه قرره .
(٢) فى الأصل : وقال .
(٣) فى ق : الإيمان.
(٤) قلت : بل الجهاد مفروض من قبل هذا ، فقد فرض عقب الهجرة .

كتاب الإيمان / باب الأمر بالإيمان بالله تعالى ورسوله علمه ... إلخ
٢٣٠
النَّاسِ، فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ تَسْأَلُهُ عَنْ نَبِيذِ الْجَرَ. فَقَالَ: إِنَّ وَقْدَ عَبْد الْقَيْسِ أَوْاْ رَسُولَ اللهَِّهُ ،
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ لَّهِ: (( مَنِ الْوَقَدُ؟ أَوْ مَنِ الْقَوْمُ ؟)). قَالُوا:َ رَبِيعَةُ. قَال:((مَرْحبًا بِالْقَوْمِ،
أَوْ بالْوَقْد ، غَيْرَ خَزَايَا وَلَا النَّدَامَى)). قَالَ: فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا نَأَتِيكَ مِنْ شُقَّةً بَعِيدَةَ،
وَإِنَّ بَيْنَا وَبَيْنَكَ هَذَا الْحَىَّ مِنْ كُفَّارٍ مُضَرَ، وَإِنَّا لا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيَكَ إِلَ فِىَ شَهْرِ اَلْحَرَامِ،
فَمَرْنَا بِأَمْرٍ فَصْل، نُخْبِرُ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا نَدْخُلُ بَهِ الْجَنَّةَ. قَالَ: فَمَّرَهُمَّ بِرَبَعٍ ، وَهَهُمْ عُّنْ
أَرْبَعِ. قَالَ: أَمَرَهُمْ بِالإِيمَانِ بِاللهِ وَحْدَهُ. وَقَالَ: ((هَلْ تَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ بالله؟)). قَالُوا: الله
وقوله: ((مرحباً بالقوم أو الوفد غير خزايا ولا نداما)) ويروى: ((ولا النّدامى)) (١).
وقوله: ((ولا ندَامى )): مراده به جمع الواحد الذى هو نادم ، ولكنه جاء هاهنا على
غير القياس اتباعاً لخزايا . قال ابن قتيبة وغيره : قال الفراءُ وغيره : العربُ إذا ضمت حرفاً
إلى حرف فربما أجروه على بنيته ، ولو أفردوه لتركوه على جهته الأولى، من ذلك قولهم :
إنى لآتيه بالغدايا والعشايا ، فجمعوا الغداة غدايا ، لما ضُمَّت إلى العشايا .
وأنشد :
هنَّاك (٢) أخبية
ولاج أبْوِية
تخلط بالجدمنه
البُرُّ واللینا
وء
فجمع الباب أبويةً ؛ إذ كان مُتَّبعا لأخبية ، ولو أفرده لم يجُزُ .
قال الفرَّاء: وأرى قوله فى الحديث: (( ارجعن (٣) مأزورات غير مأجورات)) (٤) من
هذا ، ولو أفردوا لقالوا : موزورات .
قال غيره : وإنما يجمع على ندامى النَّدهمان الذى هو النديم ، وقال القَّزاز فى جامعه :
يقال فى النادم (٥) : ندمان ، فعلى هذا يكون الجمع جارٍ (٦) على الأصل ، لا على جهة
الاتباع .
(١) جاء فى المعلم عقبها : قال الشيخ - وفقه الله -: معنى خزايا أذلاء ومهانين، ومنه قول الله تعالى: ﴿مِن
قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَى ﴾ يقال : خزى الرجل يخزى خزيا إذا هلك وهان ، وخزی خَزَايه إذا استحى ، وخزايا
جمع خزيان مثل حيارى جمع حَيْرَان .
وفى ق زيد بعدها : خزايا جمع خزية ، وقيل : خيارى جمع خيزان .
(٢) فى ت : هنّاد .
(٣) فى الإكمال : يرجعن ، والمثبت من المعلم .
(٤) جزء حديث أخرجه ابن ماجه فى ك الجنائز، ب ما جاء فى اتباع النساء الجنائز ١ / ٥٠٣، البيهقى فى
السنن الكبرى ٤ / ٧٧ عن على - رضى الله عنه - وفى إسناده دينار بن عمر ، ذكره ابن حبان فى
الثقات ، وقال الخليلى فى الإرشاد : كذاب ، وبقية رجاله ثقات . قال البيهقى عقب سياقته للحديث : وفى
حديث الروذبارى : ((موزورات)).
(٥) فى المعلم : للنادم .
(٦) فى المعلم : جاريا .

٢٣١
كتاب الإيمان / باب الأمر بالإيمان بالله تعالى ورسوله عَّه ... إلخ
وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ . قَالَ : (( شَهَادَةُ أَنْ لا إِلَهَ إلا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، وَإِقَامُ الصَّلاة،
وَيْتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُؤَدُّوا خُمُسًا مِنَ الْمَغْنَمِ)) . وَنَهَاهُّمْ عَنِ الدِّاءِ
وَالْحَنْتَمِ وَالْمُزَقَّتِ . قَالَ شُعْبَةُ: وَرَبَّمَا قَالَ: النَّقيرِ. قَالَ شُعْبَةُ وَرَبَّمَا قَالَ: الْمُقَيَّرِ . وَقَالَ:
((احْفَظُوهُ وَأَخْبِرُوا بِهِ مِنْ وَرَاتِكُمْ)) . وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ فِى رِوَيَتِهِ: ((مَنْ وَرَاءَكُمْ )) وَلَيْسَ فِى
ورڪ
رِوَتِهِ الْمُقَيِِّ .
قال القاضى: قال الهروى فى الحديث المأثور: ((غير خزايا ولا نادمين)»: أى غير
مستحيين ، مأخوذ من الخزاية وهى الاستحياء ، فجاءت رواية الهروى هذه على جمع نادم ،
والمعنى : إنكم بادرتم بإسلامكم دون حرب تفضحكم وتخزيكم ، أو توجب الاستحياء من
تأخر إسلامكم ، أو من عنادكم وحربكم لنا ، والندم على ما فاتكم من المبادرة . وقوله :
((مرحباً)) نُصِب على المصدر ، استعملته العرب فى البر وحسن اللقاء ، ومعناه : صادف
رُحباً وسعةً وبراً .
وفيه جواز قول مثل هذا ، وقد جاء فى غير حديث (١) .
وقوله فيه: ((وأنهاكم عن الدُّبَّاء والحنتم والنَّقير والمُقَيَّر)): هذا موضع ذكره ، ووقعٍ
فى المُعلم مُقَدَّماً فى غير موضعه (٢) ، قال الإمام : الدَّبَّاء ممدود ، قال الهروى : الدّبا
القرعَةُ، كانت يُنْتَبَدُ فيها وتُخَمَّر (٣). قال أبو عبيد: الحنتم (٤) جرار خُضرٌ كانت تحمل
فيها إلى المدينة الخمر ، وذكر ابن حبيب أن الحنْتَم الجَر ، وكل ما كان من فخارِ أبيض أو
أخضر (٥) . قال بعض أهل العلم : ليس كما قال ابن حبيب ، وإنما الحنتم ما طلى من
الفخار بالحنتم المعمول من الزجاج وغيره، وهو يعجل الشدة فى الشراب ، وأما الفخار
الذى لم يُطْلَ فليس كذلك، وحكمه حكم الجرّ . قال أبو عبيد: النقير أصله النخلة يُنْقَر
جوفها ثم يُشْدَخُ فيه الرطبُ والبُسْرُ فيدعونه (٦) حتى يَهْدُر ثم يموتَ ، وفى كتاب مسلم أن
(١) قالها عَّ لفاطمة ابنته - رضى الله عنها -: ((مرحباً بابنتى))، وقد أخرجه البخارى فى ك المناقب، ب
علامات النبوة ٤ / ٢٤٨ عن عائشة، كذلك مسلم فى فضائل الصحابة ، أحمد فى المسند ٦/ ٢٨٢.
وقالها ◌ّه للسائب بن أبى السائب يوم الفتح: «مرحباً بأخى وشريكى، كان لا يدارى ولا يمارى)»،
المسند ٣ / ٤٢٥، وقالها عَّ لابنة خالد بن سنان العبسى، وذلك فيما أخرجه ابن أبى شيبة: ((مرحباً
بابنة أخى)) ١٢ / ٢٠٠، وقالها عَّه للأنصار: ((مرحباً بالأنصار)) مجمع الزوائد ١٠/ ٤٠.
(٢) ذكرها عقب كلامه عن رواية عمر فى تقديمه الصيام على الحج .
(٣) فى المعلم : وتصرى ، وهى غير واضحة فى ت ، وجاءت فى أ: ونُضَّرا ، ولعله يقصد ما فى المعلم .
(٤) فى المعلم : والحنتم .
(٥) فى المعلم : وأخضر .
(٦) فى الأصل : يدعونه ، وفى المعلم : ثم يدعونه .

٢٣٢
كتاب الإيمان / باب الأمر بالإيمان بالله تعالى ورسوله عليه ... إلخ
النقير جذع يُنْقَرُ [ فيه ] (١) فيقذفون فيه من القُطيعاء. قال ابن ولاد (٢) [ وغيرُهُ] (٣):
القُطيعاء [ بالمد ] (٤) نوع من التمر يقال له: السهريزُ (٥).
قال غيرُهُ: والمقَيَّرُ : ما طُلى بالقار وهو الزفتُ .
قال الإمام : أما الحنتَم فروى ابن حبيب (٦) عن مالك أنه أرخصَ فى الحنتم . وروى
القاضى أبو محمد المنْعَ منه على التحريم ، وأما المنقور فروى عن مالك الكراهية والرخصةُ
فيه، وأما الدَُّّاء والمزفتُ فكره مالك نبيذهما ، قال ابن حبيب: والتحليل أحبُّ إلىَّ (٧).
قال القاضى : حكى أبو إسحاق الحربى عن أنس بن مالك : الحناتم قلالٌ يجاء بها
من مُضرَ مقيّراتُ الأجواف ، وذكر نحوه عن ابن أبى ليلى (٨)، وزاد جُمْراً ، قال :
وليست بالخضر الطويلة ؛ إذْ أنها ضيّقَة أفواهها يُساق فيها الخمرُ ، وفى رواية أخرى عنه :
يؤتى بها من الشام ، وعن عائشة هى جرار حُمر أعناقها فى جنوبها ، يُجلبُ فيها الخمر
من مُضَر . وعن أبى هريرة وابن مُغَفّلٍ ، هو كل جرِّ أخضر وأبيض ، وعن ابن أبى ليلى
أيضاً : أفواهها فى جنوبها ، يجلب فيها الخمرُ من الطائف ، وكان ناسٌ ينتبذون فيها
يَضاهون به الخمر . وعن إبراهيم : هى جرِّ مُقَيِّرَةٌ يؤتى بها من الشام. وعن ابن المسيب
مُزْفَتَة يؤتى بها من الشام ، فحدثت هذه الخضرُ ، فشرب فيها [ ناس ] (٩) وكرهه آخرون.
(١) ساقطة من الأصل .
(٢) هو محمد بن ولاد التميمى ، أبو الحسين ، نحوى ، أخذ بمصر عن أبى على الدينورى ، ثم رحل إلى
العراق، وأخذ عن المبرد، وثعلب . توفى عام ٢٩٨ هـ. معجم الأدباء ١٩ / ١٠٥.
(٣) غير مذكورة فى المعلم ، وهو الأصوب لمجيئها مرة ثانية .
(٤) من المعلم .
(٥) فى المعلم بالشين ، وكلاهما صحيح ، جاء فى اللسان : السّهريزُ والشَّهريزُ ضربُ من التمر ، معرب ،
ويقال فيه : سهریز وشهريز .
(٦) هو الإمام العلامة ، فقيه الأندلس ، أبو مروان ، عبد الملك بن حبيب بن سُليمان بن هارون بن جاهمة ،
ابن الصحابى عباس بن مرداس السَّلمىّ، العباسى، الأندلسى ، القرطبى المالكى . ولد فى حياة الإمام
مالك بعد السبعين ومائة . أخذ وحمل العلم عن ابن الماجشون ، والليث ومُطرّف بن عبد الله اليسارى ،
وعدَّة من أصحاب مالك . وكان موصوفاً بالحذْق فى الفقه ، كثير التصانيف ، قال الذهبى : إلا أنه فى
الرواية ليس بمتقن ، بل يحمل الحديث تهورا كيف اتفق ، وينقله وجادَةً ، وإجازة، ولا يتعانى أصحاب
الحديث . مات سنة ثمان وثلاثين ومائتين . ترتيب المدارك ٣ / ٣٠، إنباه الرواة ٢ / ٢٠٦، سير ١٢ /
٠١٠٢
(٧) عبارة ابن حبيب كما نقلها الباجى: والتخليل أحبُّ إلىَّ فيها، وبه أقول. المنتقى ٣ / ٤ .
(٨) هو عبد الرحمن بن أبى ليلى، الإمام، العلامة، الحافظ ، أبو عيسى، الأنصارى ، الكوفى ، من أبناء
الأنصار ، ولد فى خلافة الصديق ، أو قبل ذلك ، حدَّث عن عمر ، وعلى ، وأبى ذر ، وابن مسعود ،
وبلال ، وأبى كعب ، وصهيب . حدث عنه الحكم بن عتيبة ، والأعمش ، وعبد الملك بن عمير . قتل
سنة اثنتين وثمانين. الطبقات الكبرى ٦ / ١٠٩، تاريخ البخارى ٥ / ٣٦٨، سير ٤ / ٢٦٢.
(٩) ساقطة من ت .

٢٣٣
كتاب الإيمان / باب الأمر بالإيمان بالله تعالى ورسوله علقة ... إلخ
صَلىالله
٢٥ _ ( .. ) وحدّثنى عُبَيْدُ الله بْنُ مُعَاذ، حَدَّثَنَا أَبِى. ح وَحَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلَىِّ
الْجَهْضَمِىُّ، قَالَ : أَخْبَرَنِى أَبِى، قَالا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالد، عَنْ أَبِى جَمْرَةَ، عَنْ
ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِىِّ ◌َّهُ بِهَذَا الْحَديث، نَحْوِ حَديث شُعْبَةَ، وَقَالَ: ((أَنْهَاكُمْ عَمَّا يُنْبَذُ
فِى الدََّّاءِ وَالنَقِيرِ وَالْحَنْثَمِ وَالْمُزَفَّتِ))، وَزَادَ ابْنُ مُعَاذِ فِى حَدِيثِهِ عَنْ أَبِهِ قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ
الله ◌َّ لِلأَشَجِّ، أَشَجِّ عَبْدِ القَيْسِ: ((إِنَّ فِيكَ خَصْلَيّنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ: الَحِلْمُ وَالأَنَاةُ )) .
٠
وقال أبو سلمة : الحنتم الجر كله ، وعن ابن عمر وسعيد بن جبير نحوه . وعن
عطاء: كانت تعمل من طين يعجن بالدمٍ والشعر .
فلنهيه ◌َّه عنها ثلاثة أوجه (١):
إما لكونها مُزَقَّتَة فَتُعينُ على شِدَّةً ما يُلقى فيها ويُنَّذ، لأجل الزفت (٢) ، أو لأن
الخمرَ كان يُحمَلُ فيها ( فَنهى عن ذلك ؛ مخافة أن تنبذ فيها قبل حسن غسلها وذهاب طعم
الخمر منها ، ومخافة ضراوتها بالخمر ، قيل : أو لنجاستها وقذارتها لعملها بالدم والشعر ،
وليُمتنعَ من عملها بذلك إذا نُهى عن استعمالها .
وقوله: ((لأشج عبد القيس)): واسمه المنذر بن عائذ ، بذال معجمة ، وقيل : عائذ
ابن المنذر، وقيل : المنذر بن الحارث، وقيل: عبد الله بن عوف: ((إنَّ فيك لخصلتين
يحبهما الله: الحلم والأناة)) الحلم: العقلُ، والأناة : التثبتُ وترك العجلة ، ويقال :
تأنى يتأنَّى تأنيا ، ومنه قول الشاعر :
[ فما أنا بالوانى ولا الضَّرِعِ الغُمْرِ ] (٣)
أناةً وحلماً وانتظارًا بهم غدا
وإنما قالَ له النبى معَه هذا؛ لأنه ورد فى هذا الخبر فى غير الأم أن وفد (٤) عبد
القيس لما وصلوا المدينة بادروا إلى النبى معَّه، وأقام الأشجّ فجمع رحالهم وعقَل ناقَتَه ،
ولبس ثياباً جُدداً، ثمَّ أقبل إلى النبى عَّهِ فَقَّربه النبى معَّه وأجلسه لجانبه، ثم إن النبى
◌َّه قال لهم : ((تبايعون على أنفسكم وقومكم ؟ )) فقال القوم: نعم، فقال الأشجُّ : یا
رسول الله، إنك لم تزاول الرجل عن شىء أشدَّ عليه من دينه ، نبايعك على أنفسنا
وترسل معنا من يدعوهُم، فمن اتبعنا كان معنا ومن أبى قاتلناه، قال: ((صدقت ، إن
فيك لخصلتين ... )) الحديث .
(١) فى ت ، ق : وجوه .
(٢) قال ابن حبيب: قال أهل العلم: إنما نهى عنه لئلا يعجل تغيير ما ينبذ فيها. المنتقى ٣ / ١٤٨ .
(٣) سقط من ق .
(٤) قيل فى الوفد : إنه الجمع المختار للقدوم على العظماء من بُعدٍ ، فإن لم يقدموا من بُعدٍ فليس بوفد .
إكمال الإكمال ١ / ٨٨ .

٢٣٤.
كتاب الإيمان / باب الأمر بالإيمان بالله تعالى ورسوله عَّة ... إلخ
٢٦ - (١٨) حدّثْنا يَحْبَى بْنُ أَبُوبَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِى عَرُوبَةَ ،
عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَنْ لَقِىَ الْوَفْدَ الَّذِينَ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ عَّهُ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ.
قَالَ سَعيدٌ: وَذَكَرَ قَتَادَةُ أَبَا نَضْرَةَ، عَنْ أَبِى سَعِيدِ الْخُدْرِىِّ فِى حَديثه هَذَا؛ أَنَّ أُنَاسًا مِنْ
عَبْد الْقَيْسِ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ عَّه فَقَالُوا: يَا نِّىَّاللهِ، إِنَّاَ حَىٌّ مِنْ رَبِيعَةً، وَبَيْنَا وَبَيْنَكَ
كُفَّارُ مُضَرَ، وَلا تَقْدرُ عَلَيْكَ إلا فِى أَشْهُرِ الْحُرُمِ ، فَمُرْنَا بِأَمْرِ نَأْمُرُ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا ، وَنَدْخُلُ
به الجَنَّةَ، إِذَا نَحْنُ أَخَذْنَا بِهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِعَهُ: ((آمُرَّكُمَّ بِأَرْبَعٍ، وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ:
اعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ، وَآتُوا الزَّكَاةَ، وَصُومُوا رَمَضَانَ ،
وَأَعْطُوا الْخُمُسَ مِنَ الغَنَائِ، وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَع: عَنِ الدّاءِ، والحَنْتَمِ، وَالْمُزَقِّتِ، وَالنَّغِيرِ )) .
قَالُوا: يَا نَبِىَّ اللهِ، مَا عِلْمُكَ بِالنَّقِيرِ؟ قَالَ: ((بَلَى، حَذْعٌ تَنْقُرُونَهُ ، فَتَقْذِفُونَ فِيهِ مِنْ
الْقُطَيْعَاء) - قَالَ سَعيدٌ : أَوْ قَالَ: ((مِنْ الثَّمْرِ - ثُمَّ تَصُبُّونَ فِيهِ مِنْ الْمَاءِ، حَتَّى إِذَا سَكَنَ
غَلَيَنْهُ شَرِيْتُمُوهُ، حَتَّى إِنَّ أَحَدَكُمْ - أَوْ إِنْ أَحَدَهُمْ - لِيَضْرِبُ ابْنَ عَمِّهِ بِالسَِّ)) . قَالَ
وَفِى الْقَوْمِ رَجُلٌ أَصَابَتْهُ جِرَاحَةٌ كَذَلِكَ. قَالَ: وَكُنْتُ أَخْبَؤَهَا حَيَاءً مِنْ رَسُولِ اللهٍَِّ .
فَقُلْتُ : فَفِيمَ نَشْرَبُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ : (( فِى أَسْقِيَةُ الأَدَمِ ، الَّتِى يُلاثُ عَلَى أَنْوَاهِهَا)).
فالأولى : تربصه حتى نظَر فى مصالحه ولم يعجل ، وهى الأناة .
والثانية : الحلم ، وهى هذه الآخرة الَدالَة على صحة عقله وجودة نظره للعواقب.
وقوله: ((اشربوا فى آنية الأدم التى يُلاث على أفواهها))، قال الإمام : الأدمُ جمع
أديم، وهو (١) الجلد الذى [ قد ] (٢) تم دباغة وتناهى . قال السيرافى: لم يجمع فعيل
على فَعَلٍ إلا أديم وأدَمٌ وأفيق وأفَقٌّ وقضَيمٌ وقضَمٌ - القضيمُ : الصحيفة ، والأفيق : الجلد
الذى لم يتم دباغة .
قال القاضى: وقوله: (( يلاث على أفواهها )) أى: يربط ويلف بعضها على بعض ،
قال العتبى : أصل اللوث الطى ، ولئتُ العمامةَ : أى لففتُها ، وهذا بمعنى اللفظ الوارد فى
الرواية الأخرى: ((عليكم بالُوكى)) مقصورٌ، أى: بالأسقية التى توكأ ، أى تُربِط
أفواهها بالوكاء ، وهو الخيط الذى يربط بهِ . والقضيمُ : الصحيفة كما قال ، لكنَّها
البيضاء التى لم يكتب فيها بعدُ. وإنَّما حضَّهم ◌َّه على الشراب فى آنية الأدم - وهى
الأسقية - والموكى المذكور فى الأحاديث الآخر (٣) وفى كتاب الأشربة ، لأنها لرقة جلودها
لا يمكن أن يتم فيها فسادُ الأشربة وتخميرها حتى تنشق ويظهر فيها ، بخلاف غيرها من
الأوانى ، فكانت آمَنَ من هذا ، وقد بينَّاه فى كتاب الأشربة .
(١) فى ت : وهى .
(٢) ساقطة من الأصل .
(٣) فى ت : الثلاث .

٢٣٥
كتاب الإيمان / باب الأمر بالإيمان بالله تعالى ورسوله عَّه ... إلخ
قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَرْضَنَا كَثِيرَةُ الْجِرْذَانِ ، وَلا تَبْقَى بِهَا أَسْقِيَةُ الأَدَمِ . فَقَالَ نَبِىُّ الله
◌َُّ: ((وَإِنْ أَكَلَنْهَا الْجِرْذَانُ، وَإِنْ أَكَلَنْهَا الْجِرْذَانُ، وَإِنْ أَكَلَنْهَا الْجِرْذَانُ)) قَالَ : وَقَالَ نَبِىّ
الله عَّ لِأَشَجِّ عَبْدِ الْقَيْسِ: ((إِنَّ فِيكَ لَخَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا الله؛ الْحِلْمُ وَالأَنَةُ )) .
193
٢٧ - حدّثْنى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارِ، قَالا: حَدَثَّنَا ابْنُ أَبِى عَدِى عَنْ سَعِيدٍ،
عَنْ قَتَادَةَ ؛ قَالَ : حَدَّثَنِى غَيْرُ وَاحِدٍ لَقِىَ ذاكَ الْوَفْدَ . وَذَكَرَ أَبَا نَضْرَةَ عَنْ أَبِى سَعِيد
الْخُدْرِىِّ؛ أَنَّ وَفْدَ عَبّدِ الْقَيْسِ لَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ عَّهُ بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ عُلِيَّةً،
غَيْرَ أَنَّ فيه: (( وَتَذِيفُونَ فِيه منَ الْقُطَيِّعَاء أَوِ التَّمْرِ وَالَاءِ)). وَلَمْ يَقُلْ: قَالَ سَعِيدٌ، أَوْ قَالَ:
مِنَ النَّمْرِ .
وقوله: (( وتُذيقون فيه القُطيعاء)): رويناه بالدال المهملة والذال المعجمة ، وتُضمُّ التاء
مع المهملة ، وكلاهما صحيح بمعنى (١) . وقال بعض المتعقبين : صوابه : تدُوفون إذا
أهملت ، أو تذيفون إذا أعجمت كله ثلاثى ، وخلاف هذه الرواية هو خطأ ؛ لأنه ثلاثى
وغيرُهُ قد حكى أذافَ، فالرواية صحيحة. قال ابن دُرَيَد : دُفت الدواء وغيرَه بالماء أدوفُه ـ
بإهمال الدال، وقال غيرُهُ: وذُفتُه أذيفه وسُمٌ مذوف ومَذيف ومدوف ومدووف (٢) ، من
ذاءفتُ (٣) وهو السم المُذاف .
وقوله : ((إنَّهم اعتذروا بكثرة الجرذان فى أرضهم وأنها تأكلها فلم يعذرهم بذلك )) ،
قال الإمام : يحتمل أن يكون إنما راجعوه ؛ لأنهم اعتقدوا أنه إنما يبنى كثيرا من شرعه على
المصالح ، وأنَّ من المصلحة الرخصة عند الضرورات ، فلم يعذرهم عَّه؛ لأنه اعتقد أنه
ليس بأمرٍ غالبٍ يشق التحرزُ منه ، وأن هذا ليس مما يباح للضرورة . وواحد الجرذان
جُرَد - بضم الجيم وفتح الراء وبالذال المعجمة ، على مثال نُغَرِ وحُدَدٍ .
قال القاضى: ذكر فى هذا الحديث قول أبى جمرة: (( كنت أترجم بين يدى ابن
عباس )) ترجم عليه البخارى : الترجمة بين يدى الحاكم (٤) . قال بعضهم : كان
(٢) فى الأصل : ومدوف .
(١) فى ت : بمعنى صحيح .
(٣) فى ت : دافت .
(٤) قال الأبى : فى هذه الترجمة نظر؛ لأن ابن عباس إنما كان مفتياً ، والفتيا أخف من القضاء . إكمال
الإكمال ١ / ٩٢ .

٢٣٦
كتاب الإيمان / باب الأمر بالإيمان بالله تعالى ورسوله عَّه ... إلخ
٢٨ - ( .. ) حدّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارِ الْبَصْرِىُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمِ، عَنْ ابْنِ جُرَيِّجٍ .
ح وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع - وَاللَّفْظُ لَهُ ـ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْج ، قَالَّ :
أَخْبَرَنِى أَبُو قَزْعَةَ؛ أَنَّأَبَا نُضْرَةَ أَخْبَرَهُ، وَحَسَنَا أَخْبَرَهُمَا؛ أَنَّ أَبَا سَعيد الْخُدْرِىُّ أَخْبَرَهُ؛
أَنَّ وَقْدَ عَبْد الْقَيْسِ لَمَّا أَتَوْا نَبِىَّ الله ◌َّهِ قَالُوا: يَانَبِىَّ الله، جَعَلَنَا اللهُ فِدَاءَكَ، مَاذَا يَصْلُحُ لَنَا
مِنْ الأَشْرِبَةِ؟ فَقَالَ: (( لا تَشْرَبُوا فى النَّقير)) قَالُوا: يَا نَبِىَّ الله، جَعَلَنَا اللهُ فِدَاءَكَ،
أَوَ تَدْرِى مَا النَّقِيرُ؟ قَالَ: ((نَعَمْ . الْجِذْعُ يُنْقَرُ وَسَطُهُ، وَلَا فِى الدَّبَّاءِ وَلَا فِى الَحَنْثَمَةِ ،
وَعَلَكُمْ بِالْمُوكَى».
أبو جمرة يتكلم بالفارسية ، فكان يترجم لابن عباس عمن يتكلم بها .
وفيه جواز الترجمة وقبولها والعمل بها، وجواز المترجم الواحد ؛ لأنه من باب الخبر لا
من باب الشهادة، وفى هذا الأصل تنازعٌ وخلاف فى مذهبنا ، والأشهر الجواز. وفيه جواز قول
الرجل لأخيه: مرحباً ، وقد ترجم البخارى عليه بذلك (١). وفيه وفودُ الرعيَّةِ على إمامها
وتبليغُها عنه أوامره لغيرها، كما قالوا فى الحديث: ((ونُبَلّغُه مَن وراءنا )) كذا روايتنا فيه
بنصب مَنْ ونصب وراءنا على الظرف، وفى آخر الحديث فى الأم الخلاف فى قوله:
((وأخبروا به مَن وراءَكم)) أو ((مِن ورائكم)» مُفَسرٌ فى الأمٍ ، وكلاهما صحيح بمعنى ،
وقوله فى الحديث : ((وفى القوم رجل أصابته جراحة وقيل: اسمه جهمُ بن قُثَم)) ذكر ذلك
ابن أبى خيثمة، وكانت الجراحة فى ساقه. وفيه علم من أعلام النبوة، لإخبار النبى عَّه.
لهم بحالة مَن شرِب النبيذ ، ووصف لهم صفةً قد وقعت لهم على نصّ ما أخبر عَّ به،
وظاهره أن النبى ◌َّهِ أخبرهم بما جرى لهم، لكنه لم يواجههم بذلك أدباً وحسن عشرة.
واختصاصُه فى هذا الحديث النهى عن هذه الأربع من الأشربة دون غيرها من المحرمات ؛
لأنهم سألوا النبى ◌َّ عما يصلح لهم منها فأجابهم بذلك ، وهو مذكور فى الأم فى
حديث محمد بن بكار .
وقوله فى حديث يحيى بن أيوبَ (٢) : قال سعيد ، وذكر قتادة أبا نضرة عن أبى
سعيد [ الخدرى معناه: أن قتادة حُدِّث بالخبر عن أبى نضرة عن أبى سعيد الخدرى](٣)
(١) وفى الحديث غير هذا جواز المدح فى الوجه إذا أمن افتتانه، وقد فعله الرسول عَّه بكثير ، والأصل المنع
حتى يثبت الأمن، لقوله عَّة: ((إياكم والمدح فإنه الذبح)). السابق ١ / ٩٤ .
(٢) لم يرد للإمام فيه شىء .
(٣) سقط من الأصل ، وقيدت بهامشه .

٢٣٧
كتاب الإيمان / باب الأمر بالإيمان بالله تعالى ورسوله علّة ... إلخ
وكذا ذكره سعيد بن منصور مفسراً عن سعيد بن أبى عروبة ، قال قتادة : فذكر أبو نضرة
عن أبى سعيد .
وقوله فى حديث محمد بن بكار البصرى : (( ثنا أبو عاصم عن ابن جريج ثم قال
فيه: أخبرنى أبو قزعَة أن أبا نضرة أخبره وحسناً أخبرهما أن أبا سعيد الخدرى أخبره أن
وفد عبد القيس ... )) [ الحديث] (١)، قال الإمام: فى هذا الضمير من قوله: ((أخبرهما))
إشكالٌ ، على من يرجع ؟ فقال بعضهم : أبو نضرة هو المخبر لأبى قَزْعة وللحسن معَه ،
وإنما اغتر هذا بظاهر سياقة مسلم ، والصواب فى الإسناد عن ابن جريج: أخبرنى أبو قزعة
أن أبا نضرة وحسناً أخبراه أن أبا سعيد أخبره ، وإنما قال : أخبره ، ولم يقل: أخبرهما ؛
لأنه ردَّ الضمير إلى أبى نضرة وحده ، وأسقط الحسن لموضع الإرسال .
والحسن ها هنا هو الحسن البصرى (٢) ، ولم يسمع من أبى سعيد ، وبهذا اللفظ
خرجه ابن السَّكَن فى مصنفه عن ابن جريج أخبرنى أبو قزعة أن أبا نضرة العبدىّ وحسناً
أخبراه أن أبا سعيد أخبره . وأظنه من إصلاح ابن السَّن ، وكذلك خرَّجه أبو مسعود
الدمشقى عن مسلم بن الحجاج عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق عن ابن جريج عن أبى
قزعة عن أبى نضرة [وحده ] (٣) عن الخدرى، ولم يذكر الحسن؛ لأنه لم يلق الخدرىّ
ولا سمع منه . وفى مسند البزار (٤) الكبير عن ابن جريج أخبرنى أبو قزعة قال : ثنا أبو
نضرة وحسن عن الخدرى أن وفد عبد القيس ... الحديث ، قال البزار : حسن هذا هو
الحسن البصرى .
(١) من المعلم .
(٢) هذا قول الغسانى ، وشأن المازرى - كما قال الأبى - تقليده فيما يرجع لعلم الإسناد، والحسن هنا هو
ابن مسلم بن يناق ، قال : لأن الثقة سلمة بن شبيب خرجه بلفظ مسلم ، وعين الحسن أنه ابن مسلم ،
فقال : عن ابن جريج قال: أخبرنى أبو قزعة أن أبا نضرة أخبره وحسن بن مسلم أخبرهما أن أبا سعيد
أخبره قال: والمعنى : أن أبا نضرة أخبر أبا قزعة والحسن بن مسلم، وكرر قوله: ((أخبرهما)) تأكيداً،
كما يقال : جاءنى زيد وعمرو جاءنى. السابق ١ / ٩٧ .
(٣) ساقطة من ت ، وهى مذكورة أيضاً فى المعلم.
(٤) فى المعلم : ابن البزار .

٢٣٨
كتاب الإيمان / باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام
(٧) باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام
٢٩ - (١٩) حدّثَنا أَبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعًا
عَنْ وَكِيِعٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثْنَا وَكِيعٌ عَنْ زَكَرِيَّاءَ بْنِ إِسْحَقٌّ، قَالَ: حَدَّثَنَى يَحْمَى بْنُ عَبْد
الله بْنِ صَيِّفِىَّ، عَنْ أَبِى مَعْبَدٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ . قَالَ أَبُو بَكْر: رَبَّمَا قَالَ
وَكِيعٌ: عَنْ ابْنِ عَبَّاس؛ أَنّ مُعَاذَا قَالَ: بَعَثَنِى رَسُولُ اللهِ عَّهُ. قَالَ: (( إِنَّكَ تَأْتِى قَوْمًا مِنْ
أَهْلِ الْكِتَابِ ، فَادْعُهُمَّ إِلَى شَهَدَةٍ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَ اللهُ وَأَنَّى رَسُولُ اللهِ، فَإِنَ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ
فَأَعْلِمُهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِى كُلِّيَوْمٍ وَيْلَةِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ
فَأَعْلِمُهُمْ أَنَّاللّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ فِى فُقَرَائِهِم، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُو
لِذَلَكَ، فَإِنَّكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَتَِّ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ )) .
٣٠ - ( ... ) حدّثْنَا ابْنُ أَبِى عُمَرَ، حَدَّثْنَا بِشْرُ بْنُ السَّرِىِّ، حَلََّا زَكَرِيَّاءُ بْنُ
إِسْحَقَ. ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمِيْدٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصَم ، عَنْ زَكَرِيَّاءَ بْنِ إِسْحَقَ ، عَنْ بَحْبَى
قال القاضى [ رحمه الله ] (١): وبعضهم المذكور أولاً هو عبد الغنى بن سعيد الحافظ
١٥ / أ المصرى ، ولم يقل شيئًا ، والصواب ما ذكره الإمام / بما رده عليه أبو على الجيَّانى بنص ما
تقدم .
وأبو قَزْعة يقال: بفتح الزاءِ وسكونها .
وقوله فى حديث معاذ : حدَّثنى يحيى بن عبد الله بن صيفىّ، عن أبى معبد عن ابن
عباس عن معاذ [ وقال: بعثنى رسول الله ... الحديث. قال بعضُهم ] (٢): وقع عند
ابن ماهان عن أبى معبد الجهنى ، و [ ذكر ] (٣) الجهنى ها هنا وهم ، وإنما هو أبو معبدٍ
مولى ابن (٤) عباس ، واسمه نافذ ــ يعنى بالنون والفاء والذال المعجمة.
وقوله فيه: ((ستأتي قوماً أهل كتاب)) إلى قوله: ((فإذا عرفوا الله فأخبرهم)) هذا يدل
[على] (٥) أنهم غيرُ عارفين بالله تعالى، وهو (٦) مذهب حذاق المتكلمين فى اليهود
والنصارى ، أنهُم غير عارفين بالله تعالى ، وإن كانوا يعبدونه ويظهرون معرفته ، لدلالة
(١) غير مذكورة فى ت .
(٤) فى المعلم : لابن .
(٦) فى المعلم : وهذا .
(٢، ٣) من المعلم.
(٥) من المعلم .

٢٣٩
كتاب الإيمان / باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام
ابْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ صَيْفِىٌّ، عَنْ أَبِى مَعْبَدٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاس؛ أَنَّ النَّبِىَّ ◌َّهُ بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى
الْيَمَنِ . فَقَالَ : ((إِنَّكَ سَأْتِى قَوْمًا)) بِمِثْلِ حَدِيثِ وَكِيع .
٣١ - ( .. ) حدّثْنَا أُمَيَةُ بْنُ بِسْطَامَ العَيْشِىُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرِيْعٍ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ -
وَهُوَ ابْنُ الْقَاسِمِ - عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَّةَ ، عَنْ يَحْبَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ صَيِّفِىٌّ ، عَنْ أَبِى
مَعْبَدٍ ، عَنْ ابْنِ عَّاس؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ عَّهُ لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ قَالَ: (( إِنَّكَ تَقْدَمُ
عَلَى قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابِ، فَلَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ ، فَإِذَا عَرَفُوا اللهَ
فَأَخْبَرْهُمْ أَنَّاللهَ فَرَضََ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِى يَّوْمِهِمْ وَلَيْلَنِهِمْ، فَإِذَا فَعَلُوا فَأَخْبِرُهُمْ
أَنَّ اللهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكَاةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ ، فَإِذَا أَطَاعُوا بِهَا فَخُذْ
مِنْهُمْ وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ )) .
السمع عندهم على هذا ، وإن كان العقل لا يمنع أن يعرف الله تعالى من كذَّب رسوله وظَنَّه
ساحراً ومُخرفاً (١)؛ لأنهما معلومان - لا يشترط ارتباط كل واحد منها بالآخر ، ودلالة
السمع الواردة بالمنع عند هؤلاء [ مع ] (٢) ما ورد من الظواهر المخالفة لها مستقصاة فى
أصول الديانات .
قال القاضى: ما عَرَف الله تعالى من شبَّهه وجسَّمه من اليهود، وأجاز عليه البدا (٣) ،
وأضاف إليه الولد منهم ، أو أضاف إليه الصاحبة والولد ، أو أجاز الحلول عليه والانتقال
والامتزاج من النصارى ، أو وصفه بما لا يليق به ، أو أضاف إليه الشريكَ والمعاند فى
خلقه ومُلكه من المجوس والثنوية ، فمعبودهم الذى عبدوه ليس بالله ، وإن سموه به ؛ إذ
ليس موصوفاً بصفات الإله الواجبة له ، فإذاً ما عرفوا الله ولا عبدوه (٤) ، فتحقق هذه
النكتَة واعتمد عليها ، وقد رأيت معناها لمتقدمى أشياخنا ، وبها قطع الكلام أبو عمران
الفاسى بين عامة أهل القيروان عند (٥) تنازعهم فى هذه المسألة .
وفى قوله عليه السلام لمعاذٍ دليل بَيِّنٌ ألاَّ يطالب أحدًا بفروع الشريعة إلا بعد ثبات
الإيمان ، وحجة لمن يقول: إن الكفَّار غير مخاطبين بفروع الشريعة (٦) لقوله: ((فليكن
(١) فى الأصل : ومتخرقا ، وفى ت : مخرفاً، والمثبت من المعلم .
(٢) من المعلم .
(٣) فى الأصل: الندَّ، وفى ت كتبت ((اليد))، وما أثبتناه هو الأليق صدورا عن الشيخ ؛ إذ المراد بالندية
متحقق فى التشبيه المذكور قبل .
(٤) فى الأصل : عهدوه .
(٦) فى الأصل : الشرائع ، وكذا فى ق أيضاً .
(٥) فى ت : عقد .

كتاب الإيمان / باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام
٢٤٠ -
أول ماتدعوهم (١) إليه عبادة الله ، فإذا عرفوا الله فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس
صلوات )) .
وفى الرواية الأخرى: (( فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأنى رسول الله ، فإن
هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات ... )) ، وقد يحتج من
يقول بالقول الآخر بأن هذا على تقديم الآكد فى التعليم ، ألا تراه كيف رتب ذلك فى
الفروع وبدا بعضها على بعض ؟!
( وفيه بيان لا إله إلا الله محمد رسول الله ) .
وفيه ترتيب الفروض فى التأكيد ، وتبديةُ حقوق الإيمان على حقوق الأموال (٢).
وفيه دليل على أن الإيمان لا يصح إلا بالمعرفة وانشراح الصدر ، ولا يكفى فيه نطق
اللسان (٣) كما تقوله الجهميّةُ، ولا التقليد المجردُ كما يظنه الجهلة . ولم يجئ فى حديث
معاذٍ فرض الصيام والحج ، ولا يصح أن يُقال : إن إرسال معاذٍ كان قبل فرضهما ، فإن
توجيه معاذ إلى اليمن كان من آخر أمر النبى معَِّ سنة تسع ، وفيها فرض الحجُّ ، والصيامُ
فُرضِ سنة ثنتين ، ومات - عليه السلام - ومعاذ باليمن ، وهذه الفروض متقدمة (٤).
وقوله: ((إياك وكرائم أموالهم)»: نهاه عن أن يأخذ فى الصدقة فوق السن الذى يلزمه،
أو كريمة ماله ، ونُخْبَتَه إن كانت فى ذلك السن ، وليأخذ الوسط منه كما نُبِينُه فى الزكاة .
(١) فى الأصل: يدعوهم . وفى قوله : عن ابن عباس عن معاذ، وفى الآخر : أن معاذاً ، احتياط من
مسلم - رضى الله عنه - للحديث ، حيث قال جماعة: إن الرواية بأن غير الرواية بعن ، فالأولى تفيد
الانقطاع ، لكنه مرسل صحابى ، فهو فى حكم المسند ، وإن كانا عند الأكثر واحدا يفيدان الاتصال ،
فلهذا الاختلاف أتى مسلم بالطريقين . راجع : إكمال الإكمال ١ / ٩٨ .
والكتابى كما عرفه الأبى : هو من أنزل على رسول قومه كتاب ، أو التزم أحكامه من غير المسلمين
فيدخل من تهود أو تنصر من المشركين ، ويخرج من فعل ذلك من المسلمين ؛ لأن المرتد لا يُقْر .
قال : وكان بعثه للدعاء لله وتعليم الشرائع كما بعث إلى كسرى، وقيصر، والنجاشى، وملك البحرين ،
وملك اليمامة، وإلى جبلة بن الأيهم ملك غسان، وإلى المقوقس ملك الإسكندرية . إكمال الإكمال ٩٨/١ .
(٢) قيل: إنها قدمت لتوقف القتال عليها. إكمال الإكمال ١ / ٩٨ .
(٣) لأن المعرفة هى العقد عن دليل ، والنطق وحده ليس عقدا عن دليل ، والمقلد أيضاً غير مستدل.
٠٠تسير
قال الأبى: (( ونسب القاضى القول بكفاية التقليد إلى الجهلة مع أنه مذهب الأشعرى وأكثر المتكلمين ،
واختاره من المتأخرين الآمدى والقشيرى والمقترح والشيخ عز الدين . قال : والعذر له أنه لم يحفظه إلا
للمعتزلة ، وهى طريق بعض المتكلمين ، أعنى أنه لم يحكه إلا عن المعتزلة .
قال: واحتجوا على كفايته بأن أكثر من أسلم فى زمنه عَّ لم يكونوا عارفين بالمسائل الأصولية . ومع
ذلك فقد حكم عبد بصحة إيمانهم)). السابق ١ / ١٠٣.
(٤) زيد بعدها فى ق: قال الراوى فى قوله: أطاعوا كذا فأعلمهم كذا . ولا وجه له.
وفى تفسير ترك ذكر الحج والصوم ذهب ابن الصلاح إلى أنه تقصيرٌ من الرواة ، ورده القرطبى بأن
الحديث قد اشتهر ، فلو ذكرها لنقل ، وإنما تركهما لأنه إنما قصد بيان الآكد بالنسبة إليهم فى ذلك الوقت ،
وهى عادته عَّه . إكمال الإكمال ١ / ٩٩ .