Indexed OCR Text
Pages 181-200
١٨١ مقدمة مسلم / باب صحة الاحتجاج بالحديث المعنعن - روَايَتَه عَنْهُمَا ذكْرُ السَّمَاعِ مِنْهُمَا، وَلَا حَفِظْنَا فِى شَىْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ يَزِيدَ شَفَهَ حُذَيْفَةَ وَبَا مَسْعُودِ بِحَدِيثٍ قَطُّ، وَلاَ وَجَدَنَا ذِكْرَ رُّؤْيَتِهِ إِيَّهُمَا فِى رِوَايَةٍ بِعَيْنِهَا. وَلَمْ نَسْمَعْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ العِلمِ مِمّنْ مَضَى ، وَلا مِمَّنْ أَدْرَكْنَا، أَّهُ طَعَنَ فى هَذَّيْنِ الْخَرَيْنِ، اللذَيْنِ رَوَاهُمَا عَبْدَّ اللهِ بْنُّ يَزِيدٍ عَنْ حُذَيْفَةَ وَأَبِى مَسْعُودِ ، بِضَعْفُ فِيهِمَا، بَلْ هَّمَا وَمَا أَشْبَهَهُمَاَ، عِنْدَ مَنْ لاقَيْنَا مِنْ أَهَّلِ العِلمِ بِالحَدِيثِ، مِنْ صِحَاحِ الأَسَانِيدِ وَقَوِيَّهَا، يَرَوْنَ اسْتِعْمَالَ مَا نُقِلَ بِهَا ، وَالاحْتِجَاجَ بِمَا أَتَتْ مِنْ سُنَنِ وَآثَارِ. وَهِىَ فِى زُعْمٍ مَنْ حَكَيْنَا قَوْلُهُ، مِنْ قَبْلُ، وَهِيَةٌ مُهْمَةٌ، حَتَّى يُصِيبَ سَمَاعَ الرَّاوِى عَمَّنْ رَوَى. وَلَوْ ذَهَنَا نُعَدِّدُ الأَخْبَارَ الصِحَاحَ عِنْدَ أَهْلِ العِلمِ مِمَّنْ بَهِنُّ بِزَعْمِ هَذَا القَائِلِ، وَنُحْصِيهَا - لعَجِزْنَا عَنْ تَقَصِّ ذِكْرِهَا وَإِحْصَائِهَا كُلِهَا . ولكنَّا أَحْبَيْنَا أَنْ تَنْصِبَ مِنْهَا عَدَدًا يَكُونُ سِمَةً لِمَا سَكَتْنَا عَنَّهُ مِنْهَا . وَهَذَا أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِىُّ وَأَبُو رَافِعِ الصَّائِغُ، وَهُمَا ممَّنْ أَدْرَكَ الْجَاهليَّةَ وَصَحِبًا أَصْحَبَ رَسُول الله عَّهِ مِنَ الْبَدْرِيِّينَ هَلَمْ جَرًا. وَنَقْلَا عَنَّهُمُ الأَخْبَارَ حَتَّى نَزَلَا إلى مثْل ءے أَبِى هُرَيْرَةَ وَابْنِ عُمَرَ وَذَوِهِمَا ، قَدْ أَسْنَدَ كُل وَاحِد مِنْهُمَا عَنْ أُبَّىِّ بْنِ كَعْبٍ ، عَنِ النّبِىِّ ٠٠٠ نفقة الرجل على أهله ، وقد خرَّجه الإمامان فى صحيحيهما(١) ، وأما حديثه عن حذيفة فهو قوله: ((أخبرنى النبى معَّ بما هو كائن))(٢) الحديث أخرجه مسلم. ٩/ ب وذكر مسلم أن أبا عثمان النهدى وأبا / رافع الصايغ وأنهما ممن أدرك الجاهلية وصحب أصحاب النبى معَّه من البدريين هلم جرا، وذكر أن كل واحد منهما أسند عن أبى هريرة وأبى بن كعب عن النبى معَّه حديثا، فأما حديث أبى عثمان عن أُبيِّ فقوله: (( [ قال رجل ](٣): لا أعلم أحدا أبعدَ بيتًا من المسجد منه ... )) الحديث، وفيه قول النبى معَّه له: (١) الحديث أخرجه مسلم فى الزكاة فى فضل النفقة والصدقة على الأقربين والزوج والأولاد ٣/ ٤٠، والبخارى فى النفقات، ب فضل النفقة على الأهل ولفظه: (( إذا أنفق المسلم نفقة على أهله وهو يحتسبها كانت له صدقة))، كما أخرجه أحمد فى المسند ٤/ ١٢٠ - ١٢٢. (٢) فى الفتن ٧٤١/٥. وعبد الله بن يزيد هو الخطمى، الأنصارى ، كان صغيرا على عهد رسول الله عَنّة ، أحد من بايع بيعة الرضوان ، وكان عمره يومئذ سبع عشرة سنة ، وكان والده يزيد من الصحابة الذين توفوا فى حياة النبى عَّه. مات قبل السبعين، وله نحو من ثمانين سنة - رضى الله عنه. الطبقات الكبرى ١٨/٦، طبقات خليفة: ٩٣٥، الجرح والتعديل ١٩٧/٥، رجال صحيح مسلم ٣٤٧/١، سير ١٩٧/٣، تهذيب التهذيب ٧٨/٦. (٣) فی ت : کان رجلاً. مقدمة مسلم / باب صحة الاحتجاج بالحديث المعنعن ١٨٢ بَّهِ حَدِيثَا، وَلَمْ تَسْمَعْ فِى رِوَايَةٍ بِعَيْنِهَا أَنَّهُمَا عَايَنَا أُبَيَا أَوْ سَمِعَاً مِنْهُ شَيْئًا . وَأَسْنَدَ أَبُو عَمْرو الشَّيَانِىُّ، وَهُوَ مِمَّنْ أَدْرَكَ الْجَاهِلِيَّةَ، وَكَانَ فِى زَمَنِ النَِّىِّ ◌َُّ رَجُلاً، وَأَبُو مَعْمَرِ عَبَّدُ الله بْنُ سَخْبَرَةَ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ أَبِى مَسْعُودِ الأَنْصَارِىِّ، عَنْ النَِّّ ◌َثُ، خَرَيْنِ . ((أعطاك الله ما احتسبت)) أخرجه مسلم (١). وأما حديث أبى رافع عنه فهو أن النبى عَّه كان يعتكف فى العشر الآخر فسافَر عاما ، فلما كان العام المقبل اعتكف عشرين يوما خرّجه ابن أبى شيبة فى مسنده(٢). ت ٢١ /أ وقول مسلم : ((هلم جرا))(٣) ليس موضعه/ لأنها أنما تستعمل فيما اتصل إلى زمان المتكلم بها ، وإنما أراد بها مسلم فمن بعدهم من الصحابة. وذكر مسلم أن أبا عمرو الشيبانى وأبا معمر عبد الله بن سخبرة أسند كل واحد منهما عن أبى مسعود الأنصارى عن النبى معَّه خبرين. أما خبر الشيبانى فأحدهما حديث : جاء رجل إلى النبى معَّه فقال: ((إنه أُبدع بى)) (٤). والآخر: جاء رجل إلى النبى عَّه بناقة مخطومة فقال: ((لك بها يوم القيامة سبعمائة (١) الحديث أخرجه مسلم ، ك المساجد ومواضع الصلاة، ب فضل كثرة الخطا إلى المساجد، لكن بلفظ: ((إنَّ لك ما احتسبت)) وفى لفظ آخر: (( قد جمع الله لك ذلك كله)» يعنى ممشاه ورجوعه إلى أهله ٤٦١/١. وأبو عثمان النهدى هو شيخ الوقت أبو عبد الرحمن بن مُلّ البصرى ، المخضرم المُعمّر ، غزا فى خلافة عمر وبعدها غروات. وحدث عن عمر ، وعلى ، وابن مسعود ، وأبى بن كعب ، وبلال ، وسعد بن أبى وقاص ، وسلمان الفارسى ، وحذيفة بن اليمان ، وأبى موسى الأشعرى ، وأسامة بن زيد، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ، وأبى هريرة ، وابن عباس ، وطائفة سواهم . حدّث عنه قتادة، وعاصمُ الأحول ، وحميد الطويل، وأيوب السّختيانى، وخالد الحذَّاء ، وخلق ، وشهد وقعة اليرموك، وثقه على بن الأنبارى ، وأبو زرعة ، وجماعة. مات سنة مائة. الطبقات الكبرى ٩٧/٧، الجرح والتعديل ٢٨٣/٢، سير ١٧٥/٤، تهذيب التهذيب ٢٧٧/٦. (٢) ١٩/ ٢٤٧. (٣) جاء فى اللسان هَلُمَّ بمعنى أقْبل، وهى تركيبةٌ من (ها) التى للتنبيه ومن ( لُمَّ ) ، وقال ابن الأنبارى : معنى هلم جَرأ ، سيروا وتمهلوا فى سيركم وتثبتوا. وهو من الجرّ ، وهو ترك النَعم فى سيرها فيستعمل فيما دووم عليه من الأعمال. قال ابن الأنبارى : فانتصب جراً على المصدر ، أى جروا جراً ، أو على الحال ، أو على التمييز. (٤) مسلم ، ك الإمارة، ب فضل إعانة الغازى فى سبيل الله بمركوب وغيره ١٥٠٦/٣ ولفظه : == ٠٠ ١٨٣ مقدمة مسلم / باب صحة الاحتجاج بالحديث المعنعن وَأَسْنَدَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، زَوْجِ النَّبِىِّنَّهُ، عَنِ النَّبِّ ◌َّهِ حَدِيثًا. وَعُبَيْدُ ابْنُ عُمَيْرٍ وُلِدَ فِى زَمَنِ النَِّّ ◌َهَ. وَأَسْنَدَ قَيْسُ بْنُ أَبِى حَازِمٍ ، وَقَدْ أَدْرَكَ زَمَنَ النَّبِىِّ ◌َّهُ عَنْ أَبِى مَسْعُودِ الأَنْصَارِىِّ، عَنِ النَّبِىِّ ◌َّهُ، ثَلاثَةَ أَخْبَارِ . ١ [ناقة] (١))) انفرد بها مسلم فى صحيحه(٢). وأما حديثا(٣) أبى معمر فأحدهما: ((كان النبى ◌َّه يمسح مناكبنا فى الصلاة)) خرجه مسلم(٤)، والآخر: ((لا تجزى صلاه لا يُقيم الرجل صلبه فيها فى الركوع )) خرجه ابن أبى شيبة . قال مسلم : وأسند عبيد بن عمير عن أم سلمة زوج النبى عمّه حديثا هو قولها : (( لما مات أبو سلمة قلت : غريبةٌ فى أرض غربة لأبكينه بكاءً يتحدث به)) خرَّجه مسلم(٥) . قال [مسلم] (٦): ((وأسند قيس بن أبى حازم عن أبى مسعود الأنصارى ثلاثة أخبار)) هى حديث: ((الإيمان ها هنا (٧))) وحديث: ((إن الشمس والقمر لا يكسفان)) وحديث : (( إنى أبدع بى)) ومعنى أبدع بى : أى هلكت دابتى. = واسم أبى عمرو: سعد بن إياس الكوفى. قال الذهبى: ((أدرك الجاهلية وكاد أن يكون صحابيا)). حدث عن على ، وابن مسعود ، وحذيفة ، وطائفة. وروى عن الأعمش ، وسليمان التيمى ، وإسماعيل ابن أبى خالد، وآخرون وهو من رجال الكتب الستة. قال فيه يحيى بن معين: ((كوفى ثقة)). الطبقات الكبرى ١٠٤/٦، التاريخ الكبير ٤٧/٤، سير ١٧٣/٤، تهذيب التهذيب ٤٦٨/٣. (١) ساقطة من الأصل. (٢) الكتاب السابق، ب فضل الصدقة فى سبيل الله وتضعيفها ١٥٠٥/٣. (٣) فى ت : حديث ، وفى الأصل : حديثان ، والصواب ما أثبتناه .. (٤) ك الصلاة، ب تسوية الصفوف وإقامتها ٣٢٣/١. وأبو معمر هو عبد بن سخْبَرة، الأزدى، الكوفى. حدث عن عمر ، وعلى وابن مسعود ، وأبى مسعود وخبّاب ، والمقداد بن الأسود ، وعلقمة ، وطائفة. حدث عنه إبراهيم النخعى ، ومجاهد ، وعمارة بن عمير التيمى وآخرون ، ووثقه يحيى بن معين. قال الذهبى: ((قيل: ولد فى حياة النبى معَّه)). ومات بالكوفة سنة نيّف وستين. الطبقات الكبرى ١٠٣/٦، سير ١٣٣/٤، تهذيب التهذيب ٢٣١/٥ . وحديث: ((لا تجزى صلاة)) أخرجه ابن أبى شيبة فى المصنف ٢٨٧/١، ٢١٩/١٤، كما أخرجه عبد الرزاق فى المصنف ٣٦/١٧، والبيهقى فى السنن الكبرى من طريق شعبة عن الأعمش قال : سمعت عمارة بن عمير يحدث عن أبى معمر الأزدى ... الحديث ٢/ ١١٧ . (٥) ك الجنائز، ب البكاء على الميت، ولفظه: ((غريبٌ وفى أرض غربة)). (٦) ساقطة من الأصل. (٧) فى الأصل : هنا. ١٨٤ مقدمة مسلم / باب صحة الاحتجاج بالحديث المعنعن وَأَسْنَدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى لِيْلِى، وَقَدْ حَفِظَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ، وَصَحِبَ عَلِيا، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، عَنِ النَِّ عَهُ، حَدَّنَا . وَأَسَنْدَ رِبْعِىُّبْنُ حِرَاش، عَن عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْن، عَنِ النَّبِىِّ ◌َّهُ حَدِيثَيْنِ. وَعَنْ أَبِى بَكْرَةَ عَنِ النِّّ ◌َّةِ، حَدِيثَا. وَقَدْ سَمِعَ رِبْعِىٌّ مِنْ عَلَى بْنِ أَّبِى طَالِبٍ، وَرَوَى عَنَهُ. ((لا أكاد أدرك الصلاة مما يطوّل بنا فلان ... )) (١) [أخرجها ثلاثتها ](٢) الإمامان. قال مسلم: ((وأسند عبد الرحمن بن أبى ليلى عن أنس بن مالك عن النبى عَّه حديثا)) هو - حديث -: ((أَمَرَ أبو طلحة أم سُليمٍ: اصنعى طعاما للنبى عَّةِ)) خرَّجه مسلم(٣). قال : وأسند ربعى بن حراش عن عمران بن حصين عن النبى معَّه حديثين ، أحدهما فى إسلام حُصين أبى عمران ، والآخر قوله : ((كان عبد المطلب خيرا لقومك منك))، ذكره ابن أبى شيبة. وذكر له عن أبى بكرة عن النبى معَّ حديثًا هو: ((إذا المسلمان حمل أحدهما على أخيه السلاح فهما (٤) على جُرف جهنم)) رواه مسلم ، وأشار إليه البخارى فى الإيمان . قال : وأسند نافع بن جبير بن مطعم عن أبى شريح الخزاعى عن النبى عمّ حديثا هو قوله: (( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره )) ، خرّجه مسلم. (١) الحديث الأول: أخرجه مسلم، ك الإيمان، ب تفاضل أهل الإيمان فيه بلفظ: ((الإيمان يمان ها هنا)) ٧١/١، والبخارى، ك بدء الخلق، ب خير مال المسلم غَنم يتبع بها شعفَ الجبال ١٥٥/٤ لكن لفظه فيه : ((الإيمان ها هنا)). والحديث الثانى : أخرجه مسلم، ك الكسوف، ب ذكر النداء بصلاة الكسوف، ولفظه: (( إن الشمس والقمر ليس ينكسفان لموت أحد)) ٦٢٨/٢، والبخارى ، ك الكسوف، ب الصلاة فى كسوف الشمس بلفظ: (( لا ينكسفان)). والحديث الثالث : أخرجه مسلم ، ك الصلاة، ب أمر الأئمة بتخفيف الصلاة فى تمام ١/ ٣٤٠، والبخارى، ك الأحكام ، ب هل يقضى الحاكم أو يفتى وهو غضبان؟ ولفظه: ((إنى لأتأخر عن صلاة الصبح من أجل فلان مما يُطيل بنا)). (٢) فى ت : أخرجها. (٣) ك الأشربة ، ب جواز استتباعه غيره إلى دار من يثق برضاه بذلك ١٦١٣/٣ تابعا . وعبد الرحمن بن أبى ليلى الأنصارى ، ولد لست بقين من خلافة عمر ، ومات سنة ثلاث وثمانين. وقال فيه ابن معين: ثقة، وقال العجلى: ((كوفى، تابعى، ثقة)). رجال صحيح مسلم ٤٢٤/١، تهذيب التهذيب ٦/ ٢٦٠. (٤) فى ت : فهو . ١٨٥ مقدمة مسلم / باب صحة الاحتجاج بالحديث المعنعن وَأَسْتَدَ نَافِعُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِى شُرَيْحِ الْحُزَاعِىِّ، عَنِ النَّبِّ ◌َّهِ، حَدِيثًا . وَأَسْنَدَ الثُّعْمَانُ بْنُ أَبِى عَّاش، عَنْ أَبِى سَعِيدِ الْخُدْرِىِّ، ثَلاثَةَ أَحَادِيثَ ، عَنِ النَّبِىِّ ◌َّهُ . قال: وأسند النعمان بن أبى عياش(١)، عن أبى سعيد الخدرى، عن النبى عَّ ثلاثة أحاديث، هى قوله عيّة: (( من صام يوما فى سبيل الله باعد الله وجهه من النار سبعين خريفا))، والثانى: ((إنَّ فى الجنة شجرةً يسير الراكب فى ظلها ... )) خرَّجهما معا الإمامان، والثالث: ((إن أدنى أهل الجنة منزلةً من صرَف الله وجهه عن النار)) الحديث خرجه مسلم (٢) . قال: وأسند سليمان بن يسار (٣)، عن رافع بن خديج عن النبى عَّه حديثا ، هو حديثه فى المحاقلة . خرجه مسلم (٤). قال: وأسند حميد بن عبد الرحمن الحميرى(٥) عن أبى هريرة أحاديث ولم يعدها مسلم. (١) النعمان بن أبى عياش الزرقى، الأنصارى، المدنى، كان شيخاً كبيراً من أفاضل أبناء أصحاب النبى عليه، واسم أبى عياش زيد بن الصامت، وكان فارسا للنبى عَّه قال أبو حاتم الرازى: ((روى عن النبى ◌َّ مُرسلاً، وهو تابعى))، وذكره مسلم فى الطبقة الأولى من أهل المدينة. رجال صحيح مسلم ٢٩٣/٢، تهذيب التهذيب ١٠/ ٤٥٥ . (٢) الحديث الأول : أخرجه مسلم ، ك الصيام ، ب فضل الصيام فى سبيل الله لمن يطيقه ٨٨/١، والبخارى، ك الجهاد ، ب فضل الصوم فى سبيل الله ، كلاهما بلفظ عن النار. والثانى : أخرجه البخارى ، ك التفسير ٥٦ سورة الواقعة ، ب قوله تعالى: ﴿ظلّ ممدودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠]، واللفظ له، ومسلم ، ك الجنة وصفة نعيمها وأهلها ، ب إن فى الجنة شجرة ٢١٧٦/٤. والثالث : أخرجه مسلم ، ك الإيمان ، ب أدنى أهل الجنة منزلة فيها ، ولفظه هناك: (( رجل حرف اللهُ وجهه عن النار قبل الجنة ، ومثل له شجرة ذات ظل فقال : أى رَبُّ ، قدمنى إلى هذه الشجرة أكون فى ظلها» ١٠/ ١٧٥ . (٣) سليمان بن يسار المدنى ، مولى أم المؤمنين ميمونة الهلالية ، عالمُ المدينة ومفتيها ، الفقيه الإمام ، كان من أوعية العلم بحيث إن بعضهم - كما ذكر الذهبى - قد فضله على سعيد بن المسيب. حدث عنه أخوه عطاء، والزهرى ، وربيعة الرأى ، وصالح بن كيسان ، ويحيى بن سعيد الأنصارى ، وخلق سواهم. قال ابن سعد: (( كان ثقة ، عالماً ، رفيعاً ، فقيهاً، كثير الحديث، مات سنة سبع ومائة)). الطبقات الكبرى ٥/ ١٣٠، تاريخ البخارى ٤١/٤٧، سير ٤٤٤/٤ . (٤) كتاب البيوع، ب كراء الأرض بالطعام، ولفظه: كنا نحاقلُ الأرض على عهد رسول الله عَّه فنكريها بالثلث والربع والطعام المسمى .. الحديث ١٨٨١/٣ . جاء فى النهاية: (( والمحاقلة مختلف فيها قيل : هى اكتراء الأرض بالحنطة ، وهو الذى يسميه الزارعون المحارثة ، وقيل : هى المزارعة على نصيب معلوم كالثلث والربع ونحوها. وقيل : هى بيع الطعام فى سنبله بالبر، وقيل: بيع الزرع قبل إدراكه)). قال : (( وإنما نهى عنها لأنها من المكيل ، ولا يجوز فيه إذا كانا من جنس واحد إلا مثلاً بمثل، ويدأ بيد)). النهاية ٤١٦/١. وسيأتى بيانه إن شاء الله فى حينه ومكانه. (٥) حميد بن عبد الرحمن الحميرى ، شيخ بصرى ، ثقة ، عالم ، يروى عن أبى هريرة ، وأبى بكرة الثقفى ، وابن عمر. حدث عنه محمد بن سيرين، وقتادة بن دعامة، وجماعة. قال العجلى: (( تابعی ثقة» ،= ١٨٦ - مقدمة مسلم / باب صحة الاحتجاج بالحديث المعنعن وَأَسْتَدَ عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ الليْثِىُّ عَنْ تَمِيِ الدَّارِىِّ، عَنِ النَِّّ ◌َّهِ حَدِيثًا . وَأَسْنَدَ سُلْمَانُ بْنُ يَسَارِ عَنْ رَافِعٍ بْنِ خَدِيجٍ ، عَنِ النَِّىَِّّهُ، حَدِيثًا . -٠. قال القاضى: منها فى هذا الكتاب: (( أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم))، هذه جملة الأحاديث التى نبَّه عليها مسلم ولم يعينها ، وقد نبهنا على أطرافها ، ليتنبه بها من طالع شيئا من علم الحديث ، واشتغل به ، وعرف الأحاديث على الجملة فيعلم بالطرف بقيَّة الحديث ، وليهتدى بما ذكرناه من لا علم عنده وهو مذهب البخارى فيطلبها فى مظانها من هذه الكتب ، وإنما اقتصرنا على ذكرها فى المواضع التى عليها من هذه الكتب ، وإن كانت موجودة فيها وفى غيرها من التصانيف ، لكن بأسانيد غير التى أشار إليها مسلم ، وسيأتى الكلام على ما خرج منها مسلم فى مواضعه ، إن شاء الله تعالى . ذكر مذهب مسلم فى كتابه فى أداء الحديث والفرق بين حدثنا وأخبرنا وأنبأنا وذهب معظم الحجازيين والكوفيين إلى أن حدثنا وأخبرنا واحدٌ ، وأن القراءة على الشيخ كالسماع من لفظه يجوز فى ذلك حدثنا وأخبرنا وأنبأنا ، وهو قول مالك، والزهرى وسفيان بن عيينة ويحيى بن سعيد القطان ، ومنصور ، وأيوب ، ومعمر ، والحسن ، وعطاء بن أبى رباح ، واختلف فيه على أبى حنيفة، وابن جُريج ، والثورى ، وهو مذهب البخارى وجماعة من المحدثين ، والمحققين ، وهو قول الحسن فى القراءة ، وذكر مالك أنه مذهب متقدمى أئمة المدينة ، وروى عن على وابن عباس : القراءة على العالم كقراءته عليك ولم يعِدَّها مسلم. وأجاز بعضهم فى القراءة : سمعت فلانا ، وهو قول الثورى ، وروى عن مالك أن القراءة على العالم أحبُّ إليه من السماع منه ؛ لأنه أثبت للراوى ، وعلل ذلك بأن الشيخ قد يهم فلا يرد عليه إذ لا يُعلم وهمهُ ، وقد يُعلم فَيُوَقَّر، ومثل هذا لا يُتَخَيَّل من الشيخ بحمل للقارئ ، فهو يعلم ما أخطأ القارئ فيه من حديثه ويرده عليه ، واحتج لذلك بقراءة الصكوك على من عليه الحق ، وأن إقراره بذلك يلزمه (١). = ثم قال: (( كان ابن سيرين يقول: هو أفقه أهل البصرة)). سير ٢٩٣/٤، تهذيب ٤٦/٣. والحديث الذى أسنده مسلم عن أبى هريرة ، وأشار إلى لفظه القاضى ، أخرجه مسلم ، ك الصيام، ب فضل صوم المحرم ٢/ ٨٢١. (١) قلت: وهو قول شعبة، فقد حدث عنه ابن مهدى أنه قال: ((القراءة أثبت عندى من السماع ، وكان يقول: قرأت على منصور، وقرأت على هشام بن عروة)). الكفاية : ٣٩٩. وأحد القولين ليحيى بن سعيد، فقد جاء عنه: (( إذا قرأت على المحدث كان أحبَّ إلىَّ ، لأنه يُصح لى كتابى)). السابق : ٤٠٠. ١٨٧ مقدمة مسلم / باب صحة الاحتجاج بالحديث المعنعن وَأَسْنَدَ حُمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الحِمْرِىُّ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنْ النَِّّ ◌َُّ، أَحَادِيثَ . فَكُلِّ هَؤُلاءِ التَّابِعِينَ الذِينَ نَصَيْنَا رِوَايَتَهُمْ عَنِ الصَّحَابَةِ الذِينَ سَمَّيْنَاهُمْ، لَمْ يُحْفَظْ عَّهُمْ سَمَاعٌ عَلِمْتَهُ مِنَّهُمْ فِى رِوَايَةَ بِعَيْنِهَا وَلَا أَنَّهَمَ لَّقُوهُمْ فِى نَفْسِ خَبَرِ بِعِيِّهِ . وَهِىَ أَسَانِيدُ عِنْدَ ذَوِى المَعْرِفَةِ بِالأَخْبَارِ وَالرِّوَايَاتِ مِنْ صِحَاحِ الأَسَانِيدِ، لا نَعْلَمُهُمْ وَهَنُّوا مِنْهَا شَيْئًا قَطُّ . وَلَاَ التَمَسُوا فِيهَا سَمَاعَ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ. إذ السَّمَاعُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُمْكِنٌ مِنْ صَاحِبِهِ غَيْرٌ مُسْتَنْكَرِ ، لِكَوْنِهِمْ جَمِيعاً كَانُوا فِى العَصْرِ الذِىِ اتَّفَقُوا فِهِ . وَكَانَ هَذَا القَوْل الذى أَحْدَثَهُ القَائِلُ الذى حَكَيْنَاهُ فِى تَوْهِينِ الحَدِيثِ ، بِالعِلةِ التِى وَصَفَ - أَقَلَّ مِنْ أَنْ يُعَرَّجَ عَلَيْهِ وَيُثَارَ ذكْرُهُ . إِذْ كَانَ قَوْلاً مُحْدَثَاً وَكَلاما خَلفا لمْ يَقُلُهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ العِلمِ سَلفَ ، وَيَسْتَنْكِرُهُ مَنْ بَعْدَهُمْ خَلَفَ . فَلاَ حَاجَةَ بِنَا فِى رَدِّهِ بِأَكْثَرَ مِمََّ شَرَحْنَا، إِذْ كَانَ قَدْرُ الْمَقَالَةِ وَقَائِلهَاَ القَدْرَ وأبى جمهور أهل المشرق من إطلاق ((حدثنا)) فى القراءة على العالم ، وأجازوا فيه ((أخبرنا)) ليفرقوا بين الموضعين ، وسموا القراءة عرضا ، وهو مذهب أبى حنيفة والشافعى فى آخرين ، وإليه ذهب مسلم ، وقالوا : إن أول من أحدث الفرق بين هذين اللفظين ابن وهب (١) بمصر، وقالوا: لا يكون ((حدثنا)) إلا فى المشافهة من المخبر ، وقال بعضهم: لا (١) هو عبد الله بن وهب القرشى المصرى. روى عن مالك والليث ، وابن أبى ذئب ، والسفيانين ، وابن جريج ، ونحو أربعمائة شيخ من المصريين والحجازيين ، والعراقيين ، وقرأ على نافع ، وروى عنه الليث ، وقيل : إن مالكا روى عنه عن ابن لهيعة. قال أبو عمر: (( يقولون : إن مالكا لم يكتب لأحد بالفقيه إلا إلى ابن وهب)). قال فيه ابن معين : «ثقة»، وكذا قال النسائى فيه. مات سنة ست وتسعين ومائة . ترتيب المدارك ٢٢٨ : ٢٤٠. قال ابن الصلاح : حدثنا وأخبرنا أرفع من سمعت من جهة ، لأنه ليس فى ((سمعت)) دلالة على أن الشيخ رواه الحديث وخاطبه، وفى حدثنا وأخبرنا دلالة عليه. المقدمة: ١٢٠، فتح المغيث ٢/ ٢٠، التدريب ٢/ ١٠. وقال الخطيب: أرفع العبارات فى ذلك سمعت ، ثم حدثنا وحدثنى ، ثم يتلو ذلك أخبرنا، وهو كثير فى الاستعمال حتى إن جماعات كثيرين من المتقدمين الحفاظ كانوا لا يكادون يخبرون عما سمعوه من لفظ الشيخ إلا بأخبرنا ، وكان هذا قبل أن يشيع تخصص أخبرنا بما قرئ على الشيخ ، ثم يتلو أخبرنا ، أنبأنا ، ونبأنا وهو قليل فى الاستعمال . الكفاية : ٢٨٤. مقدمة مسلم / باب صحة الاحتجاج بالحديث المعنعن ١٨٨ الذى وَصَفْنَاهُ ، وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى دَفْعِ مَا خَالفَ مَذْهَبَ العُلَمَاءِ وَعَلَيْهِ التُّكْلانُ .. ١٠/أ يقول ((حدثنا)) و((أخبرنا)) إلا فيما / سمع من الشيخ، وليقل: قرأتُ - وقرئ عليه وأنا أسمعُ ، وإلى هذا نحوا [يحيى بن يحيى التميمى وابن المبارك وابن حنبل والنسائى وجماعة، وحكى عن إسحق بن راهويه وغيره أنه اختار فى السماع](١) والقراءة أخبرنا ، وأنه أعمُّ من حدثنا(٢). وشرط بعض أهل الظاهر فى صحة الإخبار بالقراءة أن يقول القارئ للشيخ : هو كما قرأته عليك ؟ فيقول : نعم ، وأباه إذا سكت القارئ ولم يقرره هذا التقرير(٣). وقد جاء داخل ((الأم)) أشياء من هذا الباب فى حديث يحيى بن يحيى عن مالك وغيره(٤) ، وإن كان قد روى عن مالك إنكارُ مثل هذا لمن سأله وقال له : ألم أُفَرغ لكم نفسى وسمعتُ عَرْضكم وأقمت سقطه وزلله ؟ وإلى ما ذهب إليه مالك من جواز الحديث بالقراءة دون التقرير ذهب الجمهور ، ولم يختلفوا أنه يجوز أن يقول فيما سمع من لفظ الشيخ : حدثنا وأخبرنا وسمعت ، وقال لنا وذكر لنا ، واختار القاضى أبو بكر فى أمة من المحققين أن يفصل بين السماع والقراءة فيطلق فيما سمع : حدثنا ، ويُقيّد فيما يقرأ: حدثنا وأخبرنا قراءة ، أو قرأت عليه أو سمعت يقرأ عليه ، ليزول إبهام اختلاط أنواع الأخذ ، وتظهر نزاهة الراوى وتحفظه. وقد اصطلح متأخرو المحدثين على تفريق فى هذا ، فقال الحاكم أبو عبد الله : الذى أختاره فى الرواية وعهدتُ عليه أكثر مشايخى وأئمة عصرى أن يقال : فيما يأخذه من المحدث لفظا وحده : حدثنى ، وإن كان معه غيره : حدثنا، وفيما قرأه عليه وحده : أخبرنى ، وما قرئ عليه وهو حاضر : أخبرنا ، وما عُرض عليه فأجازه له شفاها : أنبأنى ، وما كتب به إليه ولم يشافهه : كتب إلى (٥) ، وعن الأوزاعى نحو ما (١) سقط من ت. (٢، ٣) راجع: إحكام الأحكام لابن حزم ٢/ ٣٢٣. (٤) هو ابن بكير بن عبد الرحمن التميمى : روى عن مالك الموطأ ، قال عياض فى ترتيب المدارك : وقيل : إنه قرأه عليه ، ولازمه مدة للاقتداء به روى عن الليث ، والحمادين ، وأبى عوانة ، وابن لهيعة ، وابن عيينة، وهشيم ، وابن المبارك . قال: (( قال أبو عمر : كان ثقة ، مأمونا ، مرضيا. روى عنه جماعة من الأئمة كإسحق بن راهويه ، والذهلى، والبخارى ، ومسلم ، وخرجا عنه فى الصحيحين كثيرا)). قال ابن خلاد الرامهرمزى : ((رحل إلى مصر والشام ، واليمامة ، والعراق ، وكان أحمد بن حنبل يثنى عليه ويقول : ما أخرجت خراسان بعد ابن المبارك مثله ، وكان من ورعه يشك فى الحديث كثيرا حتى سموه الشكاك. وقال إسحق بن راهويه : لم أكتب العلم عن أحد أوثق فى نفسى منه ، ومن الفضل بن موسى السّينائى)). وقال أبو بكر بن إسحق: « لم يكن بخراسان أعقل من يحيى بن يحيى ، وكان أخذ تلك الشمائل من مالك بن أنس - رحمه الله - أقام عليه لأخذها سنة بعد أن فرغ من سماعه ، فقيل له فى ذلك ، فقال : إنما أقمت مستفيدا لشمائله ، فإنها شمائل الصحابة والتابعين)). قال: قال البخارى: ((توفى سنة ست وعشرين ومائتين)). ترتيب المدارك ٢١٦/٣. (٥) الحاكم فى معرفة علوم الحديث : ٢٦٠ . ١٨٩ مقدمة مسلم / باب صحة الاحتجاج بالحديث المعنعن ذكره الحاكم ، قال : فى السماع. حدثنا ، وفى القراءة : أخبرنا ، وفى الإجازة خبرنا ، وفى رواية أخرى عنه : أنبأنا ، وفرَّق بين حديثه وحده أو فى جماعة كما قال الحاكم ، وقال الأوزاعى أيضا : قل فى المناولة : قال فلان عن فلان ولا تقل : حدثنا. قال القاضى : وقد جوَّز قوم إطلاق حدَّثْنا وأخبرنا فى الإجازة ، وحكيت عن جماعة من السلف ، وحكى الوليد بن بكر (١) فى كتاب ((الوجازة)) له أنه مذهب أهل المدينة وقال: شعبة مرة يقول : أنبأنا وروى عنه أيضا : وأخبرنا ، واختار أبو حاتم الرازى(٢) أن يقول فى الإجازة مشافهةً: ((أجاز لى)) وفيما كتب إليه: كتب إلى وذهب الخطابى (٣) إلى أن يقول فى الإجازة : أخبرنا فلان أن فلانا حدثه ، ليبين بهذا أنه إجازة ، وذكر ابن خلاد (٤) القاضى فى كتابه ((الفاصل)) مثل هذا عن بعض أهل الظاهر قال : ولا يقل : إن فلاناً قال: حدثنا فلان ، لأن هذا ينبئ عن السماع. وهذه كلها اصطلاحات لا يقوم على تحقيقها حجة ، إلا من وجه الاستحسان والمواضعة بين أهل الصنعة لتميز أنواع الروايات (٥) ، وقد رأيت الفقهاء والمتأخرين يقولون فى الإجازة: حدثنا فلانٌ إذنا ، وفيما أذن لى فيه ، وبعضهم يقول فيما كتب لى بخطه ، لقيه (١) هو الوليد بن بكر بن مخلد، الحافظ ، اللغوى. الأندلسى ، أحد الرحالة فى الحديث. حدث عنه عبد الغنى بن سعيد الحافظ ، وأبو عبد الله الحاكم ، وأبو ذر الهروى ، وغيرهم ، قال الخطيب: ((كان ثقة أمينا، كثير السماع، سافر الكثير)). توفى بالدينور سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة)). تاريخ بغداد ١٣ / ٤٥٠، الصلة ٦٤٢/٢، سير ١٧ / ٦٥. واسم الكتاب « الوجازة فى تجويز الإجازة». معجم المؤلفين ١٣ / ١٧٠ . (٢) هو الإمام الحافظ ، الناقد، شيخ المحدثين ، الحنظلى، كان من بحور العلم ، طوَّف البلاد ، وبرع فى المتن والإسناد ، وجمع وصَنَّفَ وعدَّل وجرَّح، وصحح وعَلل. وهو من نظراء البخارى ومن طبقته ، ولكنه عُمِّر بعده أزيد من عشرين عاماً. ارتحل بابنه عبد الرحمن ولقى به أصحاب ابن عيينة ووكيع. قال ابن أبى حاتم : «سمعت يونس بن عبد الأعلى يقول : أبو زرعة وأبو حاتم إماما خراسان ، ودعا لهما وقال: بقاؤهما صلاح للمسلمين)). سير ٢٤٧/١٣، وانظر : الجرح والتعديل ٣٤٩/١، تاريخ بغداد ٧٣/٢، تهذيب التهذيب ٣١/٩. (٣) هو الإمام العلامة ، الحافظ اللغوى، أبو سليمان ، حمد بن محمد بن إبراهيم بن خطاب النسفى، صاحب التصانيف حدث عنه أبو عبد الله الحاكم وهو من أقرانه فى السن والسّنَد ، والعلامة أبو عبيد الهروى ، وعلى بن الحسن السجزى الفقيه ، وطائفة سواهم. توفى ببست سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة. العبر ٣٩/٣، طبقات الشافعية الكبرى ٢٨٢/٣، سير ٢٣/١٧. (٤) هو الرامهر مزى الإمام الحافظ، البارع، محدث العجم وكتابه المشار إليه هو ((المحدث الفاصل بين الراوى والواعى)) قال فيه الذهبى: (( وما أحسنه من كتاب ، وهو كتاب ينيئ بإمامته)). وقال الحافظ ابن حجر - فيما نقله عنه صاحب كشف الظنون -: ((هو أول كتاب صنف فى علوم الحديث فى غالب الظن)). ١٦١٢. تذكرة الحفاظ ٩٠٥/٣، العبر ٣٢١/٢، سير ٧٣/١٧. قلت : وقد حققه الدكتور محمد عجاج الخطيب ، ونشره بدار الفكر بدمشق. (٥) قال الخطيب فى الكفاية : هذا هو المستحب وليس بواجب عند كافة أهل العلم ٢٩٤٠. وبعد أن نقله النووى وحكاه فى الإرشاد قال : فيجوز أن يقول فيما سمع وحده : حدثنا وأخبرنا ، وفيما سمعه فى جماعة حدثنى وأخبرنى، والله أعلم . إرشاد طلاب الحقائق ٣٥٩/١. وانظر: الإلماع: ١٣٢. ١٩٠ مقدمة مسلم / باب صحة الاحتجاج بالحديث المعنعن أو لم يلقه : حدثنا فيما كتبه لى، وحدثنا كتابةً ومن كتابه ، وحدثنا فيما أطلق لى الحديث به(١)، والتمييز بين الإجازة وبين السماع أولى للخلاف فى صحتها والعمل بها ، وهو الذى شاهدته من أهل التحرى فى الرواية ممن أخذنا عنه ، فقد اختلف فى الإجازة والعمل بها دون قراءة ولا سماع ولا دفع كتاب ، وتُنُوزع فيها ، فالمشهور عن عامَّة الفقهاء والمحدثين جوازها ، كالزهرى ومنصور بن المعتمد وأيوب السختيانى وسعيد بن الحجاج وربيعة وعبد العزيز بن الماجشون والأوزاعى والثورى وابن عيينة والليث ، وأباها بعض أهل الظاهر وحكى ذلك عن الشافعى ، وروى الوجهان عن مالك ، والجواز عنه أشهر ، وهو مذهب أصحابه من أهل الحديث وغيرهم ، وظاهر رواية الكراهة عنه لمن لا يستحقها لا لنفسها(٢). وقال أحمد بن مُيَسَّر(٣) من أئمتنا: ((الإجازة عندى خير من السماع الردىء)). واختلف من أجازها فى وجوب العمل بها ، فالجمهور على وجوبه كالسماع والقراءة (٤)، وقال قوم من أهل الظاهر : لا يجب عمل بما رُوِىَ بها (٥) ، والمناوَلَةُ أقوى درجة منها ، وهو الذى يسميه بعضهم العرض ، وهو أن يُحضِر الشيخ بعض حديثه أو بعض كتبه أو يكون عند الطالب ويقول له : هذا سماعى من فلان فاحمله عنى أو أجزتُها لك ، فيذهب (١) قال الخطيب : واختلفوا فى العبارة بالتحديث بها ، فقال مالك: قل فى ذلك ما شئت من حدثنا أو أخبرنا، وقال غيره : قل : أنبأنا ، وهو مذهب الأوزاعى ، وروينا مثله عن شعبة ، وقال آخرون: يقول: أجاز لى وأطلق لى التحديث. لا غير . الكفاية : ٤٧٤ . (٢) فقد جاء عنه لصحة اعتبارها عنده أن يكون المجيز عالماً بما يجيز ، ثقة فى دينه وروايته ، معروفاً بالعلم ، والمجاز به معارضاً بالأصل حتى كأنه هو ، وأن يكون المجاز له من أهل العلم ، أو متبما بسمته ، حتى لا يوضع العلم إلا عند أهله . وشرط ابن عبد البر أن يكون المجاز له ماهرا بالصناعة ، حاذقا فيها ، يعرف كيف يتناولها ، وأن تكون فى ما لا يشكل إسناده. مقدمة : ٢٧٦ ، فتح المغيث ٢ / ٩٥. (٣) أحمد بن مُيَسَّر هو: أحمد بن محمد بن خالد بن ميَسَّر ، كنيته أبو بكر الإسكندرانى ، كان فقيه الإسكندرية ، وأفقه من يقول بقول مالك فى زمانه. توفى سنة تسع وثلاثمائة. ترتيب المدارك ٥/ ٥٢ . قلت : وقد ادعى أبو الوليد الباجى المالكى الإجماع فى جواز الرواية بها ، وهو منتقض بما ذكرنا. راجع : إرشاد ١/ ٣٧١. (٤) قال الخطيب: ((وهذا قول الدهماء من العلماء)). وقال السخاوى: ((لأنه خبر متصل الرواية فوجب العمل به كالسماع )). الكفاية: ٤٤٦، فتح المغيث ٦٦/٢ . (٥) وحجتهم فى ذلك أنها جارية مجرى المراسيل والرواية عن المجاهيل ، وقد رد الخطيب عليهم بقوله : «اعتلال من لم يقبل أحاديث الإجازة بأنها تجرى مجرى المراسيل والرواية عن المجاهيل فغير صحيح ، نعرف المجيز بعينه وأمانته وعدالته ، فكيف يكون بمنزلة من لا نعرفه )). الكفاية : ٤٥٦. وقال ابن الصلاح : وهذا باطل لأنه ليس فى الإجازة ما يقدح فى اتصال المنقول بها ، ولا فى الثقة به. مقدمة : ٢٦٤. زاد السخاوى : بخلاف المرسل فلا إخبار فيه البتة . فتح المغيث ٦٦/٢ . ١٩١ مقدمة مسلم/ باب صحة الاحتجاج بالحديث المعنعن بها ويرويها عنه ، فأجازها معظم الأئمة والمحدثين ، وهو مذهب يحيى بن سعيد الأنصارى(١)، وحيْوةَ (٢) بن شريح [الخزاعى](٣) والزهرى (٤)، وهشام بن عروة (٥) ، وابن جريج، ومالك بن أنس ، وعبد الله العُمرى(٦)، والأوزاعى(٧). (١) هو الإمام ، العلامة، المجود ، عالم المدينة فى زمانه ، وشيخ عالم المدينة، وتلميذ الفقهاء السبعة. مولده قبل السبعين ، زمن ابن الزبير. سمع من أنس بن مالك ، والسائب بن يزيد ، وأبى أمامة بن سهل ، وسعيد بن المسيّب ، والقاسم بن محمد ، وخلق سواهم. وروى عنه الزهرى - مع تقدمه - وابن أبى ذئب ، وشعبة ، ومالك ، وسفيان الثورى ، وابن عيينة ، وحماد بن سلمة، والأوزاعى، وخلق سواهم. وهو صاحب حديث: (( الأعمال بالنيات))، وعنه اشتهر حتى يقال رواه عنه نحو المائتين. مات - رضى الله عنه - سنة ثلاث وأربعين ومائة. طبقات خليفة: ٢٧٠، التاريخ الكبير ٢٧٥/٨، طبقات الحفاظ : ٥٧، سير ٤٦٨/٥. (٢) هو شيخ الديار المصرية ، إمام ربانى ، حدَّث عن يزيد بن حبيب ، وعقبة بن مسلم ، وعنه ابن المبارك ، وابن وهب ، والمقرئ ، وثقه أحمد بن حنبل وغيره ، مات سنة ثمان وخمسين ومائة. طبقات خليفة : ٢٩٦، تاريخ البخارى ٣/ ١٢٠، سير ٤٠٤/٦. (٣) ساقطة من الأصل. (٤) هو محمد بن مسلم بن شهاب الزهرى ، الإمام العالم ، حافظ زمانه ، المدنى ، نزيل الشام. روى عن ابن عمر ، وجابر بن عبد الله شيئا ، قال الذهبى : ويحتمل أن يكون سمع منهما ، وأن يكون رأى أبا هريرة وغيره . روى عن سهل بن سعد ، وأنس بن مالك ، ولقيه بدمشق ، والسائب بن يزيد ، ومحمود ابن الربيع ، وسعيد بن المسيّب وجالسه ثمان سنوات ، وتفقه به ، وعلى بن الحسين ، وعروة بن الزبير ، ومحمد بن النعمان بن بشير وخلق سواهم. وعنه عطاء بن أبى رباح - وهو أكبر منه - وعمر بن عبد العزيز - ومات قبله ببضع وعشرين سنة - وقتادة بن دعامة ، وطائفة من أقرانه ، ومنصور بن المعتمر ، وأيوب السختيانى ، ويحيى بن سعيد الأنصارى ، وابن جريج ، ومعمر بن راشد ، والأوزاعى ، ومالك ابن أنس ، والليث بن سعد ، وابن أبى ذئب ، وأمم سواهم. قال الدراوردى : أول من دون العلم وكتبه ابن شهاب . وقال عمر بن عبد العزيز ما ساق الحديث أحدٌ مثل الزهرى . وقال أبو حاتم : ((أثبت أصحاب أنس الزهرى)). مات سنة أربع أو ثلاث وعشرين ومائة. طبقات خليفة: ٢٦١، التاريخ الكبير ١/ ٢٢٠، الجرح والتعديل ٧١/٨، تذكرة الحفاظ ١٠٨/١، سير ٣٢٦/٥، تهذيب التهذيب ٤٤٥/٩. (٥) هو هشام بن عروة بن الزبير ، الإمام الثقة ، شيخ الإسلام. ولد سنة إحدى وستين ، سمع من أبيه ، وعمه ابن الزبير ، وطائفة من كبراء التابعين منهم عمر بن عبد الله بن عمر ، وعمرو بن شعيب ، وابن شهاب ، وقد رأى ابن عمر وحفظ عنه أنه دعا له ومسح رأسه. حدث عنه شعبة ، ومالك ، والثورى ، وخلق كثير، ولحق البخارى بقايا أصحابه كعبيد الله بن موسى. قال ابن سعد : كان ثقةً ، ثبتا ، كثير الحديث ، حجة ، وقال أبو حاتم الرازى : ثقةً إماما فى الحديث مات سنة ست وأربعين ومائة. طبقات خليفة ٢٦٧ ، التاريخ الكبير ١٩٣/٤، الثقات ٣/ ٢٨٠، سير ٣٤/٦، تهذيب التهذيب ٤٨/١١. (٦) هو الإمام القدوة الزاهد العابد عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله ابن صاحب رسول الله عَّه عبد الله بن عمر بن الخطاب. روى عن أبيه ، وعن أبى طُوالة، وعيينة بن عيينة ، وابن المبارك ، وغيرهم. وهو قليل الرواية ، مشتغل بنفسه، قوَّالٌ بالحق ، أمَّارٌ بالمعروف ، لا تأخذه فى الله لومة لائم. مات سنة أربع وثمانين ومائة. طبقات خليفة : ٣٢٣، تاريخ خليفة ١٤٦، سير ٣٧٣/٨ . (٧) هو عالم أهل الشام عبد الرحمن بن عمرو بن يُحْمَد، شيخ الإسلام، أبو عمرو. حدث عن= ١٩٢ مقدمة مسلم / باب صحة الاحتجاج بالحديث المعنعن [فى آخرين ](١)، وكافة أهل النقل والتحقيق لأن الثقة بكتابه مع إذنه أكثر من الثقة بالسماع(٢) وأثبت. واختلفوا، إذا قال له : هذا مسموعى وروايتى، ولم يقل له : اروه عنى ، فمنع بعضهم الرواية [به](٣)، كالشاهد إذا لم يُشْهد على شهادته وسُمع بذكرها ، وأجازها بعضهم (٤) ، وإليه ذهب بعض أهل الظاهر وطائفةٌ من أئمة المحدثين والنظار ، وقاله القاضى ابن خَلادِ ، وهو مذهب ابن حبيب(٥) من أصحابنا ، وهى التى بغى (٦) عليه = عطاء بن أبى رباح ، وأبى جعفر الباقر ، وعمرو بن شعيب ، ومكحول ، وقتادة ، والزهرى ، ومحمد ابن سيرين ، ونافع مولى ابن عمر ، وخلق كثير من التابعين وغيرهم. وكان مولده فى حياة الصحابة. روى عنه ابن شهاب الزهرى ، ويحيى بن أبى كثير - وهما من شيوخه - وشُعبة ، والثورى ، ومالك ، وابن المبارك، وأبو عاصم النبيل ، وخلق كثير. قال فيه ابن سعد : كان ثقةً ، خيّراً ، فاضلاً ، مأمونا ، كثير العلم والحديث ، والفقه ، حجة . توفى سنة سبع وخمسين ومائة. الطبقات الكبرى ٤٨٨/٧ ، التاريخ الكبير ٣٢٦/٥، سير ١٠٧/٧، تهذيب ٢٣٨/٦. (١) فى الأصل : والآخرين ، وكتب أمامها بالهامش: بيان وآخرين ، مما يقوى صحة ما أثبتناه وهو من ت. (٢) فى الأصل : من السماع، والمثبت من ت وهو الأصح ، لما فى الأول من التعقيد غير المحمود. (٣) ساقطة من أصل النسخ، واستدركت فى هامش الأصل بسهم. (٤) الضمير يعود على التحمل بالإجازة. (٥) هو فقيه الأندلس ، الإمام العلامة أبو مروان عبد الملك بن حبيب بن سليمان بن هارون بن جاهمة ابن الصحابى عباس بن مرداس. أحد الأعلام. ولد فى حياة الإمام مالك بعد السبعين ومائة كان موصوفا بالحذق فى الفقه، كبير الشأن ، بعيد الصيت - كما ذكر الذهبى - وقال: (( كثير التصانيف ، إلا أنه فى باب الرواية ليس بمتقن )). وسبب ذلك عنده أنه يحمل الحديث تهورا ، كيف اتفق وينقُلُه وجادَةً ، وإجازةً ، ولا يتعانى تحريرَ أصحاب الحديث . سير ١٢/ ١٠٢ . وهذا الذى رماه به الذهبى فى باب الرواية وتسويغه التحمل فيها بالإجازة هو عين ما يستدل به القاضى على جواز التحمل بها . وسبب الحمل عليه - كما جاء فى ترتيب المدارك - ((نقل الباجى وابن حزم عن ابن عبد البر أنه كان يكذبه بسبب تحمله بالإجازة وبخاصة عن أسد)). قال القاضى : وليس فيما تحومل بها عليه ما تقوم به دلالة على تكذيبه وترجيح نقل غيره على نقله . ثم ذكر الواقعة فقال: قال ابن وضاح : قال لى الحزامى : أتانى صاحبكم ابن حبيب بغرارة مملوءة كتباً ، فقال لى : هذا علمك تجيزه لى ؟ فقلت له : نعم. ما قرأ على منه حرفا ، ولا قرأته عليه. قال ابن أبى مريم : كان ابن حبيب عندنا نازلاً بمصر ، وما كنت رأيتُ أدوم منه على الكتاب ، دخلت إليه فى القائلة فى شدة الحر ، وهو جالس على سدة ، وعليه طويلة ، فقلتُ : قلنسوةٌ فى مثل هذا ؟ فقال : هى تيجاننا. فقلت : فما هذه الكتب ؟ متى تقرأ هذه ؟ فقال : ما أشتغل بقراءتها ، قد أجازها لى صاحبُها. فخرجت من عنده ، فأتيتُ أسداً ، فقلتُ : أيها الشيخ ! تمنعنا أن نقرأ عليك وتجيز لغيرنا ؟ فقال : أنا لا أرى القراءة ، فكيف أجيز؟ إنما أخذ منى كتبى يكتب عنها ليردها على . قال القاضى : قال خالد : إقرار أسد له بروايتها ، ودفع كتبه لنسخها هى الإجازة بعينها. وذكر عن يونس قال : أعطانا يونس كتبه عن ابن وهب ، فقابلنا بها ، فقلت : أصلحك الله ! كيف نقول فى هذا ؟ قال: إن شئتم قولوا : حدثنا ، وإن شئتم قولوا: أخبرنا. قال القاضى - منتصرا لهذا المذهب: وقد قال مالك لمن سأله عن الأحاديث التى كتبها من حديث ابن شهاب ليحيى بن سعيد الأنصارى وقال له: أقرأها عليك ؟ فقال: كان أفقه من ذلك - أى أن مثل هذا يغنى عن القراءة. ترتيب المدارك ١٢٢/٤: ١٤١ بتصرف. (٦) فى الأصل : نعى ، والمثبت من ت. ٠ ١٩٣ مقدمة مسلم / باب صحة الاحتجاج بالحديث المعنعن من لا يعرف مذهبه ، قال ابن خلاد : حتى لو قال له : هذه روايتى ولكن لا تروها عنى لم يلتفت إلى نهيه وكان له أن يرويها عنه كما لو سمع منه حديثا ثم قال له : لا تروه عنى ولا أجيزه لك لم يضر ذلك روايته ، والصواب : جواز هذا كله لأنه إخبار وشهادة على إقرار(١). ت ٢٢ / أ قال القاضى : بخلاف الشهادة على الشهادة التى لا تصح إلا مع الإشهاد(٢) ويضر(٣) الرجوع عنها ، ولا فرق فى التحقيق بين سماعه كتابا عليه وقراءتهَ أو دفعه إليه بخطه أو تصحيحه/ وقوله له : اروه عنى أو هذه روايتى (٤) ، إذ كله إخبار بأنَّ ما سمع منه وما رأى عنده من حديثه يجوز له التحديث به عنه ، وما مثل هذا الفصل إلا القراءة على الشيخ وهو ساكت - عند من لا يشترط التقرير - وهو كما قدمنا الصحيح ، و [هو ](٥) مذهب الجمهور، وعلى هذا يأتى الحديث عن الكُتب المُوصَّى بها ، فقد رُوى عن أيوب أنه قال لمحمد - يعنى ابن سيرين - : إنَّ فُلاناً أوصى إلىَّ بكتُبه ، أفأحدّث بها عنه ؟ قال : نعم ، ثم قال لى بعد ذلك : لا آمُرُك ولا أنهاك. فهذا إن كان قد أعلمه أنها روايته فهو من هذا الباب ، أو يكون فى معنى الوصيّة إذنه بالحديث بها أو الإعلام بأنها من حديثه (٦)، وأما المناولة المجرّدة من كتاب لم يتركه الشيخ عند الراوى ولا دفعه إليه حتى يحدّث منه أن ينقل نسخة منه - كما أحدثه بعض المتأخرين وتمالأ عليه الناس اليوم - فلا معنى له زائد على الإجازة - وإن كان بعض [ الناس ](٧) والمشايخ قد ذهب إلى أنه متى عيَّن الكتاب أو سمَّاه فهو (٨) مناولة صحيحة ، وذكر أنه لا يختلف فيها ، وإنما الخلاف فى الإجازة المطلقة لغير شىء مُعَين. ولا فرق(٩) بين حدّثنا وأخبرنا وأنبأنا وخبَّرنا ونبأنا فى اللغة وعُرْفِ الكلام لمن فرَّق، (١) شرط ابن الصلاح - وتبعه النووى - لذلك أن يكون الشيخ غير مسندٍ منعه لذلك إلى أنه أخطأ فيه أو شك ونحوه. المقدمة: ٢٦١، إرشاد ٣٦٧/١. قال السخاوى : وبه صرح غير واحد من الأئمة. فتح المغيث ٥٣/٢، المحدث الفاصل: ٤٥٢، الإلماع: ١١٠، الباعث الحثيث : ١١٨. (٢) لأن الشهادة تقتضى شرعا خاصا يختص بالمشهود له، والرواية تقتضى شرعا عاما فى حق الجميع. نهاية السول وحاشية منهاج العقول ٢٨٦/٢ . (٣) فى الأصل : ويضمر ، والمثبت من ت. (٤) الفرق المنتفى عند الجمهور هو ما بين القراءة والسماع ، أما الإجازة فإنها على ما عرض له القاضى قبل من وقوع الخلاف فيها . (٥) ساقطة من الأصل. (٦) التحمل بالوصيّة هو القسم الرابع من أقسام التحمل عند ابن الصلاح ومن تبعه ، وهى أن يوصى الراوى عند موته أو سفره بكتاب يرويه لشخص. ومثلوا له بتحمل أيوب السختيانى به عن شيخه أبى قلابة الجرمى حيث أوصى له بكتبه عند موته وهو بالشام وأيوب بالبصرة وقال : ادفعوا كتبى إلى أيوب إن كان حيّا ، وإلا فأحرقوها . المحدث الفاصل : ٤٥٩، الإلماع: ١١٦، إرشاد ٤١٧/١. وممن أجازها محمد بن سيرين فيمن أجازها من المتقدمين. (٧) ساقطة من ت. (٩) فى ت : ولا فى. (٨) فى ت : فهى . ١٩٤ ---- مقدمة مسلم / باب صحة الاحتجاج بالحديث المعنعن لكن تفريق القاضى ولَمتَّه لتنويع الرواية أنزه للمحدِّث(١) وأميز لمناحى(٢) روايته. وبالله التوفيق . واختلف بعدُ من أجاز الإجازة فى الإجازة للمجهول بشرط كقولك : أجزت لكل من قرأ علىَّ ، أو من كان من طلبة العلم ، أو من دخل بلد كذا من طلبة العلم ، أو من شاء أن يروى عنى ، وفى الإجازة للمعدوم كقولك لكل من يولد لفلان ، أو لجميع قريش أو قيس أو أهل بغداد ، أو [ أهل ] (٣) مصر ، فلم يقع فيها للصدر الأول كلام ، ووقع إجازتها لبعض من جاء من بعدهم من شيوخ المحدثين (٤). واختلف فيها متأخرو الفقهاء ، فأجازها للمعدوم منهم جماعة ، وإلى إجازتها ذهب أبو الفضل بن عُمْروس البغدادى(٥) من أئمتنا والقاضى الدامغانى من أصحاب أبى حنيفة (٦)، وذهب القاضى أبو الطيب الطبرى الشافعى (٧) إلى جوازها للمجهول الموجود كقوله : أجزت لأهل بلد كذا ولبنى هاشم ، فتجوز لمن كان موجودا ولم يجزها للمعدوم منهم ولا لمن يُولد بعد ، ومنع ذلك كله القاضى أبو الحسن الماوردى وكذلك منع أبو الطيب تعلقَها بِشَرْطِ كقوله : أجزت لمن شاء أن يُحدث عنى أو لمن شاء فلان ، وأجازها ابن عمروس والدامغانى ، والمعروف من مذهب مشايخ المغاربة جواز هذا كله ، وقد رأيته فى إجازات جماعة من متقدميهم ومتأخريهم ، ومن أدركناه ، وهو مذهب أبى بكر بن ثابت الحافظ [ الخطيب ](٨) وغيره(٩)، ومنعوا كلهم الإجازة للمجهول المبهم جملة (١٠) كقوله : أجزت لبعض الناس، أو إجازة ما لم (١) فى الأصل : للحديث ، والمثبت من ت. (٢) فى الأصل : لمتأخى، والمثبت من ت. (٣) ساقطة من الأصل. (٤) راجع: الإلماع: ١٠١، مقدمة ابن الصلاح: ٢٦٨، فتح المغيث ٢/ ٧٥، نزهة النظر: ٦٥. (٥) هو شيخ المالكية الإمام العلامة ، محمد بن عبيد الله بن أحمد بن محمد بن عمروس البغدادى. مولده سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة. روى عنه الخطيب وقال : انتهت إليه الفتوى ببغداد. توفى سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة. تاريخ بغداد ٣٣٩/٢، ترتيب المدارك ٧٦٢/٤، الديباج المذهب ٢٣٨/٢. (٦) هو العلامة البارع مفتى العراق أبو عبد الله محمد بن على الدامغانى الحنفى. تفقه بخراسان ، وحصّل المذهب على فقر شديد. قال الذهبى : وكان القاضى أبو الطيب يقول : الدامغانى أعرف بمذهب الشافعى من كثيرٍ من أصحابنا. كان ذا جلالة وحشمة، يُنَظَّرُ بالقاضى أبى يوسف فى زمانه. مات فى رجب سنة ثمان وسبعين وأربعمائة ، ودفن بقبة الإمام أبى حنيفة إلى جانبه. الجواهر المضيّة ٩٦/٢ ، تاريخ بغداد ١٠٩/٣، سير ٤٨٥/١٨. (٧) هو الإمام العلامة ، شيخ الإسلام طاهر بن عبد الله بن طاهر ، الطبرى الشافعى ، فقيه بغداد. قال الخطيب : كان شيخنا أبو الطيب ورِعاً ، عاقلاً ، عارفاً بالأصول والفروع ، محققاً ، حسن الخلق ، صحيح المذهب ، اختلفتُ إليه ، وَعَلَّقْتُ عنه الفقه سنين. مات سنة خمسين وأربعمائة. تاريخ بغداد ٣٥٨/٩، وفيات الأعيان ٢/ ٥١٢، سير ٦٦٨/١٧. (٨) ساقطة من ت ، وعليها ما يشبه الضرب فى الأصل مع سقوط ما قبلها منه ، واستدركت بهامشه بسهم. (١٠) فى الأصل رسمت هكذا : حقله، والمثبت من ت. (٩) فى ت : وغيرهم. ١٩٥ مقدمة مسلم / باب صحة الاحتجاج بالحديث المعنعن يصح له روايته عند الإجازة كقوله : أجزت له ما رويت/ وما أرويه. والكلام فى هذا الباب ت٢٢/ب كثير يحتاج إلى بسط ، وقد ذكرنا منه ما يحتاج إليه من له تَهَمَّمُ بهذا الباب وعلمه ، وبسطنا الكلام فى هذه الفصول فى كتاب الإلماع لمعرفة أصول الرواية والسماع ، وأشرنا منه إلى نكت غريبة لعلك لا تجدها مجموعةً فى غير هذين الكتابين. ١٩٦ كتاب الإيمان / باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان ... إلخ بسم الله الرحمن الرحيم ١ - كتاب الإيمان (١) باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان ووجوب الإيمان بإثبات قدر الله سبحانه وتعالى وبيان الدليل على التبرّى ممن لا يؤمن بالقدر ، وإغلاظ القول فى حقه قَالَ أَبُو الْحُسَينِ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ الْقُشَيْرِىُّ - رَحمَهُ الهُ -: بِعَوْن الله نَبْتَدَىُّ، وَإِيَّاهُ نَسْتَكْفِى ، وَمَا تَوْفِيقُنَا إِلاَّ بِاللهِ جَلَّ جَلالُهُ . ١ - (٨) حَدَّثَنِى أَبُو خَيْئَمَةَ زُهْيْرُ بْنُ حَرْبِ، حَدَّثَنَا وَكَيْعٌ، عَنْ كَهْمَس، عَنْ عَبْد الله ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ. ح وَحَدَّثَنَا عُبَّيْدُ اللهِ بْنُ مَعاذ الْعَنْبَرِىُّ، وَهَذَا حَدِيثَهُ: حَدَّثَنَا أَبِى ، حَدََّنَا كَهْمَسُ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ يَحَْى بْنِ يَعْمَرَ ؛ قَالَ : كَانَ أَوَّلَ مَنْ قَالَ فى الْقَدَرِ بِالْبَصْرَةِ مَعْبَدٌ الْجُهَنِىُّ. فَانْطَلَفْتُ أَنَا وَحُمَيَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ الْحِمْيَرِىُّ حَاجَّيْنِ أَوْ مُعْتَمِرَيْنِ فَقُلْنَا: لَوْ لَقِينَا أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُول الله عَِّ فَسَالنَاهُ عَمَّا يَقُولُ هُؤُلاَءِ فى الْقَدَرَ . فَوُفِّقَ لَنَا عَبْدُ الله بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ دَاخِلاً الْمَسْجِدَ، فَاكْتَنَفْتُهُ أَنَا وَصَاحِبِى ، أَحَدُّنَا عَنْ يَمِينِهِ، وَالآخَرُ عَنْ شِمَالَهُ، فَظَنَّنْتُ أَنَّ صَاحِبِى سَيَكِلُ الْكَلاَمَ إلىَّ، فَقُلْتُ: أَبَا عَبْدِ الرَّحْمنِ ، إِنَّهُ قَدْ ظَهَرَ قِبِلَنَا نَاسُ يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ وَيَتَقَفَّرُونَ الْعِلْمَ. وَذَكَر قوله فى الحديث: ((ظَهَرَ قِبلَنا ناسٌ يقرؤون القرآن وَيَتَقَفَّرُونَ العلم))، وفى رواية أخرى: ((وَيَفْتَقِرُونَ العِلْمَ يزعُمُونَ أن لا قَدَرَ، وأن الأمْرَ أَنْفٌ )) (١). قال الإمامَ : يُقالُ : تَقَفَّرْتُ الشىء: إذا قَفَوتُه، قال أبو عُبيد: يُقالُ : قفوتُه: إذا اتبعت أثرَه، واقتفوتُ الأثرَ: تَبعتُه، قال ابن السكيت: يقالُ: قَفَوْا أثرَه واقتفوا أثره (٢). قال القاضى : أكثر روايتنا عن شيوخنا فى هذا الحرف فى الأم : ((يتقفرون)) بتقديم القاف كما ذكر أولاً، وكذلك رويناه فى كتاب أبى داود من طريق ابن داسَة (٣) ، ورويناه فى (١) هى رواية من بعض طرق ابن ماهان ، كما سيأتى . (٢) انظر: لسان العرب، مادة ((قفر)). (٣) ك السنة، ب فى القدر ٢ / ٥٢٦، وانظر: معالم السنن ٧ / ٦٤ . ١٩٧ كتاب الإيمان / باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان ... إلخ الأمّ من بعض طُرق ابن ماهان: ((يتفقرون )) بتقديم الفاء ، ورويناه من طريق ابن الأعرابى فى المُصنَّف: ((يتَقفَّون)) بلا راء ، وكلُّ صحيح متقاربُ المعنى، وقد فسَّر الشارحون - الهروى والخطابى وغيرهما - الرواية الأولى بما حكاه الإمام ، أى يطلبونه ويتبعُونَه ، ومنه حديث شريح: ((إنما اقتفر الأثر)) (١) أى اتبعه، ومثله رواية من روَى: ((يَتَقَفَّونَ)). قال الهروى : قفوتُه وقفيتُه: اتبعت أثره، ومنه سموا القافة، قال تعالى: ﴿ ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم﴾ (٢)، وحكى ابن دريد فى الجمهرة : التقفير : جمعك الشىء ، قفرته تقفيرا ، فمعناه على هذا : تجمعونه ، وأما من رواه : (( يتفقرون )) بتقديم الفاء فصحيح أيضاً ، وهو عندى أشبه [ ببساط] (٣) الحديث ونظم الكلام، ومراده أنهم يُخرجون غامضه ويبحثون عن أسراره ، ويفتحون مغلقه ، ومنه قول عمر - وذكر امرأ القيس فقال - : افتقر عن معَان عُوْرِ [ أصَحَّ بَصَرِ ] (٤) . قال الهروى : أى فتح عن معان غامضة ، فلما كان هؤلاء القوم فى طلب العلم [ وصحة ] (٥) القرائح وتدقيق النظر بهذه الصفة ، ثم قالوا تلك المقالة المبتدعة المستشنعة استُعظمت منهم ، بخلاف لو سمعت من غيرهم من الجهلة ، ألا تراه كيف وصفهم بما تقدّم فقال: يقرؤون القرآن ... وذكر من شأنهم (٦) ما ذكر؟! يُريد وصفَهم بالذكاء (١) غريب الحديث للخطابى ٢ / ٣٩٣ . (٢) الحديد: ٢٧، وجاءت فى النسخ ((وقفينا على آثارهم))، وانظر: الفائق ٣ / ٢١٤، النهاية ٤٦٤/٣، ٠٩٠/٤ (٣) من ق . (٤) رسمت فى ق : أفج بقر ، وانظر : النهاية ٣ / ٤٦٤. وهذا القول من عمر قاله للعباس - رضى الله عنهما - حين سأله عن الشعراء قال : امرؤ القيس سابقهم ، خَسَفَ لهم عن عين الشعر ، فافتقر عن معان عور أصحّ بصر . فخسف من الخسيف ، وهى البئر تحفر فى الحجارة ، فيخرج منها الماء الكثير . قال ابن رشيق : ومعنى عور - بضم العين - يريد أنه يمانى النسب ، نزارى الولد ، واليمن ليس لها فصاحة نزار . ومع ذلك فقد ابتكر معانٍ عورا فتح عنها أصح بصر ، قيل : ولم يسبق الشعراء؛ لأنه قال ما لم يقولوا ، ولكن سبق إلى أشياء استحسنها الشعراء ، فتبعوه فيها . إكمال الإكمال ١ / ٥٤ . (٥) من ق . (٦) هذا من كلام بعض الرواة الذين دون يحيى بن يعمر ، والظاهر أنه من ابن بريدة الراوى عنه مباشرة ، والمحذوفُ هنا هو المفعول ، حذف تعظيماً له بالإبهام ، أى ذكر من شأنهم فى البحث عن العلم واستخراج غوامضه شيئاً عظيماً ، أو الحذف كان للتعميم لتذهب النفس فيه كل مذهب ممكن . أو يكون الغرض من الحذف صون اللسان عن حكاية ما قالوا ، ويكون المعنى : وذكر من شأنهم فى نفى القدر والابتداع فى العقائد ما يجب أن يصان اللسان عن ذكره . قال السنوسى : وعلى كلِّ ففائدة وصفهم بالاجتهاد فى العلم والتوسع فيه الموجب لهم القدوة وتقليد الغير ، المبالغة فى استدعاء ابن عمر - رضى الله عنهما - لاستفراغ الوسع فى النظر - فيما يزعمون - لأن أقوال الأغبياء قد لا يهتيل العلماء بشأنها ، ويكتفون فى ردها بأدنى نظر ، فجواب ابن عمر - رضى الله عنهما - بعد تلك الأوصاف من أثبت شىء وأحقه . قال: وقد يكون الغرض فى ذكر ما وصفهم به من العلم، وكونهم مع ذلك يزعمون ما يزعمون، إظهار = ١٩٨ - كتاب الإيمان / باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان ... إلخ من شَأْنِهِمْ، وَأَنْهُمْ يَزْعُمُونَ أَنْ لاَ قَدَرَ ، وَأَنْ الأَمْرَ أَنفٌ. قَالَ: فَإِذَا لَقِيتَ أُولئكَ فَأَخْبِرُهُمْ والجدّ فى طلب العلم وشبيه هذا، وقيل: ((يتفقرونَ)) أى يطلبون فقَره وغرايبه . ورأيت بعضَهم قال فيه: ((يتقعرون )) بالعين ، وفسّره بأنهم يطلبون قعره ، أى غامضه وخفيَّه، ومنه تقعَّر فى كلامه : إذا جاء بالغريب منه . وقوله: ((الأمر أنف))، قال الإمام : قال الهروى : أى يستأنف استئنافًا من غير أن يسبق به سابق قضاء وتقدير ، وإنما هو مقصور على اختياركَ ودخولك فيه ، وأنف الشىء أوَّلَه، [ وأنف السيل أوله وابتداؤه ] (١) ، قال امرؤ القيس : لاحق الصُّقْلَين محبوك مُمَرّ (٢) قد غدا يحملنى فى أنفه وفى الحديث: ((لكل شىء أُنْفةٌ ، وأُنفةُ الصلاة التكبيرة الأولى)) (٣). قوله: ((أَنْفَةُ الشىء)): ابتداؤه (٤) [ هكذا] (٥) الرواية، والصحيح أُنْفَة، وفى حديث أبى مسلم الخولانى (٦): ((وضعها فى أُنْفِ من الكلاء )) ، يقول : يتِبَّعُ بها المواضع التى لم تُرْع قبل الوقت الذى دخلت فيه ، وفى الحديث: (( أنزلت على سورة = التشكى والتلهف بما نال المسلمين من مصيبتهم ، إلا أن هذا إنما يحسن إذا كان ابن عمر قد أحس ببدعتهم وسوء نظرهم . وإنما سأل ابن عمر - رضى الله عنهما - ليحقق العلم من معدنه ، ويرسخ ما كان فى رويته ، وهذا هو الظاهر ؛ إذ يبعد أن يخفى أمر أقوالهم على مثل يحيى بن يعمر . مكمل ١ / ٥٥ . (١) من المعلم . (٢) ورد فى المكمل : لاحق الأطلين واهى التهم قد غدا يحملنى فى أنفه وعلق عليه محققه - غير المسمى - بقوله: كذا بالأصل، وأنشده فى اللسان والديوان المنسوب إليه ٥٨/١ : لاحق الأيطل محبوك مُمَرُّ وعبارة اللسان قبله: وأنف البرد أوّله وأشدّه، وأنف المطر أول ما أنبت، ثم ساق عبارة امرئ القيس. والأيطل : منقطع الأضلاع من الحَجَبَةِ ، وقيل : الخاصرة كلها ، ومنه قول امرئ القيس : له أيطلا ظبى وساقا نعامة والصقل : الخاصرة ، وقالوا: طالما طالت صُقْلَةُ فَرَس إلاَ قَصُرَ جنباهُ ، وذلك عيْبٌ . وعلى ذلك فمعنى ( لاحق الصّقلين ) : أى قريب الخاصرتين . والمحبوك : المُحكمُ الخلْقِ ، ودابة محبوكة إذا كانت مُدْمَجَةَ الخلق ، وفرس محبوك المتن والعَجزِ ، فيه استواءٌ مع ارتفاع . والممر : المحكمُ القوى . (٣) الحديث بهذا اللفظ لم أقف عليه عند غير أهل اللغة كما فى النهاية ، وقد أخرجه ابن عدى عن أبى هريرة بلفظ: ((لكل شىء صفوة، وصفوة الصلاة التكبيرة الأولى)) ٢ / ٧٤٠، وقال ابن عدى : هو من رواية الحسن بن السكن البصرى ، وهو منكر الحديث . (٤) فى ق : إبداؤه . (٥) من ق ، والمعلم ، وفى ت : كذا ، وفى الأصل : هكذا . (٦) هو سيّد التابعين، واسمه عبد الله بن ثُوَب، أسلم فى أيام النبى عَّة، وقدم من اليمن، فدخل المدينة فى خلافَة الصديق. وحدَّث عن عمر ، ومعاذ بن جبل ، وأبى عُبيدة ، وأبى ذر الغفارى ، وعبادة بن الصامت. مات - رضى الله عنه - بأرض الروم سنة اثنتين وستين. سير ٤ / ٧ ولم أقف على ما ذكره الإمام هنا من حديث . ١٩٩ كتاب الإيمان / باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان ... إلخ آنفا)) (١) أى مستأنفاً، وقال تعالى: ﴿مَاذَا قَالَ / آنفًا﴾ (٢) أى: ماذا قال الساعة؟ مأخوذ ١٢ / أ منٍ استأنفت الشىء : إذا ابتدأته ، وروضة أنف : لم تُرع (٣)، وكأس أنُّف: ابتدئ الشّرب منها ولم يُشْرَب بها قبل ذلك . قال الإمام: وأما قوله: ((لا قدر)) فلا تقول به المعتزلة على الإطلاق، وإنما يقولون: [ إن] (٤) الشرَّ والمعاصى [ تكون ] (٥) بغير قدر الله تعالى ، لكن من لم يتشرع من الفلاسفة ينفى القَدَرَ جُملة . قال القاضى : ذكر أصحاب المقالات أنَّ ما حُكى فى الحديث هو مذهب القدريَّة ، وحكى زرقان (٦) فى مقالاته التى (٧) شرحها أبو عثمان بن الحداد ؛ أن منهم [من يقول](٨): الاستطاعة قبل الفعل والعلم محدَث ، قال : وهم القدرية المحض (٩) ، وحكى أبو القاسم (١) سيرد إن شاء الله فى كتاب الصلاة بلفظ: ((أنزلت علىَّ آنفا سورة)) حديث رقم (٥٣). (٢) محمد : ١٦ . (٣) زيد بعدها فى ت عبارة : قبل الوقت التى دخلت فيه ، وهو خطأ؛ لخلو نسخ المعلم منها ، ويغلب على الظن أنه مكرر مما سبق . (٤) ساقطة من الأصل ، والمثبت من ت، المعلم. (٥) من المعلم . (٦) هو محمد بن شدَّاد بن عيسى ، متكلم ، معتزلى ، وهو آخر من حدَّث عن يحيى بن سعيد القطان ، وأبى زكير يحيى بن محمد المدنى . كان الدارقطنى يقول : لا يكتب حديثهُ. مات سنة ثمان وسبعين ومائتين. سير ١٣ / ١٤٨ ، المقالات ١٨٤ . (٧) فى الأصل : الذى ، والمثبت الصحيح من ت ، ق . (٨) سقط من الأصل ، والمثبت من ت ، ق . (٩) وهذا معنى قول معمر الذى حكاه الأشعرى فى مقالات الإسلاميين : أن القديم لا يوصف بأنه قادر إلا على الجواهر ، وأما الأعراض فلا يجوز أن يوصف بالقدرة عليها ، وأن الأعراض هى فعل الجواهر بطبائعها ، وذلك عنده ؛ لأن من قدر على الحركة قدر أن يتحرك ، ومن قدر على السكون قدر أن يسكن، كما أن من قدر على الإرادة قدر أن يريد ، فإذا قيل : إن البارئ قادر على التحريك والتسكين ، لزم أن يقال : هو قادر على أن يتحرك ويسكن . وقد ردَّ عليهم أهل الحق فقالوا : قد يوصف القديم بالقدرة على إنشاء الحركة ولا يوصف بالقدرة على التحرُّك . المقالات ٥٤٨ . فالقدر الذى قال معمر بنفيه عنوانٌ لبدع قولية كثيرة، كان هذا واحداً منها ، ومن تمام كلامه هنا قوله : إن الله لا يوصف بالقدرة على أن يخلق قدرةً لأحد ، وما خلق الله لأحد قدرة على موت ولا حياة ، ولا يجوز ذلك عليه . السابق ٥٦٤ . وقد أجاب عليه أهل الحق بأن الله - سبحانه - قد أقدر العباد وأحياهم، وأنه لا يقدر أحدٌ إلا بأن يخلق الله له القدرة ، ولا يكون حياً إلا بأن يخلق الله له الحياة . كذلك قال باستحالة أن يجمع الله - سبحانه - بين القدرة والعلم، والإرادة والموت، كما يستحيل أن يجمع بين الحياة والموت . وقد شاركه فى هذا سائر المعتزلة . السابق ٥٦٨ . والقدر - بالفتح والسكون - لغة : مصدر قدرت الشىء: إذا أحطت بمقداره . وهو فى عرف المتكلمين : تعلق علم الله وإرادته أزلا بالكائنات قبل وجودها . مكمل ١ / ٥٥ . كتاب الإيمان / باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان ... إلخ ٢٠٠ البلخى(١) فى مقالاته ومحمد بن زيد الواسطى عن طائفة من المعتزلة تسمى السَّكينة مثله ، قالا: وقد انقرضوا ولم يبق أحد منهم يُذكر. قالا : وهو قول قوم من الرافضة (٢) والجهميّة (٣) ، وذكروا حجتهم: أنَّه - تعالى - لو كان عالما بتكذيبهم لكان فى إرسال الرسل إليهم عابثاً - تعالى الله عن قولهم . فهذا هو أصل القدرية كما ذكر فى الحديث . وقد حكى هذا القول أبو محمد بن أبى زيد فى ردّه على المعتزلى البغدادى ، وأنهم يقولون : إن أفعال العباد لا يعلمها الله حتى تكون. وقد روى بعض أصحاب مالك من القرويين وغيرهم عنه فى تفسير مذهب القدرية مثله. وروى عنه ابن وهب أنه احتج على القدريَّة بقوله - عليه السلام -: ((الله أعلم بما كانوا عاملين)) (٤) وقد احتج البخارى وغيره بذلك (٥) . وهذا كله يُبَيّنُ أنه كان مذهبهم قديما ، وهكذا القدريَّة اليوم ، والمعتزلة تأبى هذا وتنكره من مذهبهم ، ولا شك أنه كان أصل مذهبهم كما ذكروا ، وأخذوه من الفلاسفة الذين بنوا أكثر مذهبهم على منازعتهم فى الإلهيات ومأخذهم ، ولم يقل به المعتزلة ، إذا عَرفت عِظَم ما فيه . إذ كانت القدرية أولاً غير المعتزلة ، وكان القدر هوى بذاته (٦) والاعتزال هوى بذاته. وفى أصلين مفترقين ، ثم قالت المعتزلة بعد ذلك بالقدَرِ ، ورجعت إليه وأطبقت طوائفها - على اختلافها - على القول به مع الاعتزال الذى أصله المنزلة بين المنزلتين (٧) ، وسموا هذا بالعدل، ثم أخذوا مذهب الفلاسفة (١) هو عبد الله بن أحمد بن محمود الكعبى ، كان رأس طائفة من المعتزلة يقال لها: الكعبية ، وكان من كبار المتكلمين ، توفى سنة سبع عشر وثلاثمائة . وفيات الأعيان ٢ / ٤٥، ولم أقف على محمد الواسطى . وأما طائفة السكينة هذه ، فإنى لم أقف لها على تعريف أو تحديد فى كتب الأولين والآخرين ، وغاية ما أستطيع قوله فيها الآن : إنها لعلها منسوبة إلى قول معمر : إن من قدر على السكون قدر أن يسكن ، كما أن من قدر على الإرادة قدر أن يريد . مقالات ٥٤٨ . (٢) هم صنف من الشيعة ، سموا بذلك لرفضهم إمامة أبى بكر وعمر ، وهم مجمعون على أن النبى : نصّ على استخلاف علىّ بن أبى طالب باسمه ، وأظهر ذلك وأعلنه ، وأن أكثر الصحابة ضلُّوا بتركهم الاقتداء به بعد وفاة النبى عنه، وأن الإمامة لا تكون إلا بنص وتوقيف . (٣) هم أتباع جهم بن صفوان، الكاتب المتكلم . كان ينكر الصفات ، وينزه البارى عنها بزعمه ، وقد قتل سنة ١٢٨ . وقد تفرد الجهم بالقول بأن الجنة والنار تبيدان وتفنيان ، وأن الإيمان هو المعرفة بالله فقط . راجع: سير ٦ / ٢٦، مقالات ٢٧٩ . (٤) الحديث أخرجه مسلم فى ك القدر ، ب كل مولود يولد على الفطرة ، رقم (٢٣) عن أبى هريرة ، وسيرد إن شاء الله الكلام عليه فى حينه . ومحل الشاهد قولهم: يا رسول الله، أفرأيت من يموت صغيراً؟ قال: ((الله أعلم بما كانوا عاملين)). ٤ / ٢٠٤٨، والمعنى : أن الله يعلم ما يعملون لو بلغوا . الفتاوى ٨ / ٦٩. (٥) راجع له: كتاب خلق أفعال العباد فى باب أفعال العباد ٣٩ . (٦) وهذا القول كان أول خلاف نشأ فى الاعتقادات . مكمل ١ / ٥١ . (٧) ويعنون بها أن الفاسق ليس بمؤمن ولا كافر ، وقد قالوا فى الفاسق : إيمانه لا نُسميه به مؤمنا ، وفى اليهودىّ إيمانُه لا نسميه به مؤمنا . مقالات ٢٧ . it