Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
مقدمة مسلم / باب بيان أن الإسناد من الدين ... إلخ ـ-
والثانى : أن يكون الرجلُ إنما تُرِك لأجل (١) غلطه وسوء حفظه، أو يكون ممن أكثر
فأصاب وأخطأ فتروى أحاديثه ، والحفاظ يعرفون وهمه وغلطه وما وافق فيه الأثبات وما
خالفهم فيه ، فيدعون تخليطه(٢)، ويستظهرون بصحيح حديثه لموافقته غيره ، وبهذا احتجّ
الثورى حين نهى عن الكلبى (٣) فقيل له: أنت تروى عنه؟! قال : أنا أعلم صدقه من
كذبه ، وهم لا يروون شيئاً منها للحُجَّة بها والعمل بمقتضاها .
= وقال النسائى : متروك الحديث . كتاب الضعفاء والمتروكين : ١٤٨، ويمثله قال الدارقطنى فى الضعفاء
والمتروكين : ١٤٨ .
وإليك ما به ذهب من ذهب إلى تركه :
قال أحمد : قال عفان : أول من أهلك أبان بن أبى عياش أبو عوانة ، جمع حديث الحسن عامته من
البصرة ، فجاء به إلى أبان ، فقرأه عليه . العلل ٢ / ٦٢ .
وحدثنى عمرو الناقد قال : حدثنا عبد الله بن إدريس ، قال : رأيت شعبة فى النوم قبل أن ألقاه ،
وكان يعجبنى لقاؤه ، فلقيته ، فسألته فقلت : يا أبا بسطام ، مالك ولأبان بن أبى عياش فإن مهدى بن
ميمون أخبرنى عن مسلم العلوى أنه رأى أبان بن أبى عياش يكتب عند أنس . قال : سليم ذاك الذى كان
يرى الهلال قبل أن يراه الناس بيومين . السابق ٢٥/٢ .
ولم يزد أحمد عند قراءة ابنه للحديث عليه أن طلب إليه أن يضرب على حديث أبان . السابق
٢٠٨/٢.
أقول : وعلى ذلك فترك من ترك رواية عياش ليست لكذبه . ولهذا لم يزد الذهبى فى الميزان فيه عن
أنه قال: ((قال النسائى فى ((الكنى)»: ليس بثقة. ١٥/١. وقال ابن عدى: له روايات ، وعامة ما يرويه
لا يتابع عليه . وهو بين الأمر فى الضعف ، وقد حدّث عنه الثورى ومعمر وابن جريج ، وإسرائيل ،
وحماد بن سلمة ، وغيرهم ممن لم نذكرهم ، وأرجو أنه ممن لا يتعَمّد الكذب إلا أن يُشبه عليه ويغلط ،
وعامة ما أتى أبان من جهة الرواة لا من جهته ، لأن أبان روى عنه قوم مجهولون لما أنه فيه ضعف ، وهو
إلى الضعف أقرب منه إلى الصدق كما قال شعبة. الكامل ٣٨٧/١ .
وقال الحافظ : قال مالك بن دينار : أبان بن أبى عياش طاوس القراء ، وقال أيوب : مازلنا نعرفه بالخير
منذ دهر ، وقال : روى له أبو داود حديثا واحداً مقروناً بقتادة فى الصلاة : (( خمس من جاء بهن )) ، وقال
ابن المدينى : كان ضعيفاً . تهذيب ١/ ١٠١ .
وما نقله القاضى عن احتجاج يحيى بن معين أخرجه الخليلى فى الإرشاد عن أحمد بن حنبل ، بإسناد
صحيح بلفظ : قال أحمد بن حنبل ليحيى بن معين - وهما بصنعاء - ويحيى يكتب عن عبد الرزاق عن
معمر عن أبان بن أبى عياش: تكتب نسخة أبان بن أبى عياش وتعلم أنه كذابٌ يضع الحديث ؟ فقال :
يرحمُك الله يا أبا عبد الله ، أكتبه حتى لو جاء كذابٌ يرويه عن معمر عن ثابت عن أنس ، أقول له :
كذبت ، ليس هذا من حديث ثابت ، إنما هو من حديث أبان . الإرشاد ١٧٩/١ . وانظر : الضعفاء
والمجروحين ٣١/١، والحاكم فى المدخل ٨٦، والخطيب فى الجامع ٢/ ١٩٢ . وبهذا يظهر أن السائل
ليحيى هو أحمد بن حنبل ، وقد سبق استقصاء أقواله قبل فيه .
(١) فى ت : من أجل .
(٢) فى ت : تخبيطه .
(٣) العلامة الإخبارى محمد بن السائب بن بشر الكلبى ، كان رأساً فى الأنساب ، إلا أنه متروك الحديث .
أخرج ابن أبى حاتم عن زيد بن حباب يقول : سمعت سفيان الثورى يقول : عجبا لمن يروى عن
الكلبى قال ابن أبى حاتم : فذكرته لأبى وقلت له : إن النورى يروى عن الكلبى ، قال : كان لا يقصد
الرواية عنه، ويحكى حكايةً تعجباً فيعلقه من حضره ويجعلونه رواية عنه. الجرح ٧/ ٢٧٠.

١٤٢
مقدمة مسلم / باب بيان أن الإسناد من الدين ... إلخ
حَدَّثَنَا أُبُو غَسَّانَ، مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرو الرَّازِىُّ، قَالَ: سَمِعْتُ جَرِيرًا يَقُولُ : لَقِيتُ جَابِرَ
وذكر مسلم نهى أبى عبد الرحمن السُّلمى عن مجالسة شقيق، قال: وليس بأبى وائل ،
ت١٣/ ب وشقيق / هذا الذى نهى عن مجالسته لتهمته برأى الخوارج هو شقيق الضبى (١) القاص،
كوفى (٢)، ضعَّفَه النسائى، ويكنى بأبى عبد الرحيم، قال بعضهم : وهو أبو عبد الرحيم
الذى حذَّر منه إبراهيم فى الكتاب قبل هذا [بشىء] (٣) وقيل : إن أبا عبد الرحيم الذى
حذَّر منه إبراهيم قبل هذا هو سلمة بن عبد الرحمن النخعى ، وذكر ذلك ابن أبى حاتم
الرازى فى كتابه عن ابن (٤) المدينى (٥) .
وقول مسلم: ((وليس بأبى وائل))، يعنى ليس شقيق (٦) هذا الذى نهى عن
مجالسته بشقيق (٧) بن سلمة أبى وائل الأسدى المشهور ، معدود(٨) فى كبار التابعين ، وقد
أدرك (٩) النبى معَّه ولم يسمع منه، قاله البخارى وغيره. قال أبو وائل: بعث النبى عَّ
وأنا ابن عشر سنين (١٠) .
وذكر مسلم جابراً الجُعفى (١١) وأنه أظهر الإيمان بالرجعة - هذه الكلمةُ بفتح الراء وقد
(١) فى الأصل : بالمهملة .
(٢) التاريخ الكبير ٢٤٧/٤، ميزان الاعتدال ٢٧٩/٢، وقال فيه: ((من قدماء الخوارج، صدوق فى نفسه ، وكان
يقصّ بالكوفة . وكان أبو عبد الرحمن السُّلُمى يذُمُّه )).
(٥) لم أعثر عليه به .
(٤) فى ت : إبراهيم .
(٣) ساقطة من الأصل .
(٦) فى الأصل : شفيق .
(٧) بالأصل بالفاء أيضاً .
(٨) فى ت : المعدود .
(٩) فى ت : لقى .
(١٠) فهو إذن من المخضرمين. حدث عن عمر، وعثمان، وعلى، وعمار، ومعاذ، وابن مسعود، وأبى الدرداء،
وأبى موسى، وحذيفة، وعائشة ، وخبّاب .، وأسامة بن زيد، والأشعث بن قيس ، وأبى هريرة ، وخلق
سواهم . وقيل : إنه روى عن أبى بكر الصديق : وحدث عنه الأعمش ، وعطاء بن السائب ، وحماد
الفقيه، وخلقٌ كثير، قال ابن سعد: كان ثقةً كثير الحديث. وقال الذهبى: كان رأسا فى العلم والعمل .
مات سنة اثنين وثمانين . طبقات ابن سعد ٩٦/٦: ١٨٠، تاريخ البخاري ٢٤٥/٤، تاريخ بغداد
٢٦٨/٩، تهذيب التهذيب ٣٦١/٤، سير ٤ /١٦١ .
(١١) هو جابر بن يزيد بن الحارث الجُعفى، الكوفى، أحدُ علماء الشيعة . روى عن أبى الطفيل والشعبى
وخلق وعنه شعبة ، وأبو عوانة ، وعدة . قال ابن مهدى عن سفيان : كان جابر الجعفى ورعاً فى الحديث،
ما رأيت أورع منه فى الحديث ، وقال شعبة : صدوق ، كان إذا قال : أخبرنا وحدثنا وسمعتُ فهو من
أوثق الناس ، وقال وكيع: ما شككتم فى شىء فلا تشكوا أن جابراً الجعفى ثقة قال سفيان : كان يؤمن
بالرجعة ، وقال النسائى وغيره : متروك ، وقال يحيى : لا يكتب حديثه ولا كرامة . قال الذهبى بعد أن
ساق حديث عائشة أنها وهبت الحسن والحسين ديناراً : رواته الثلاثة رافضة ، ولكن لا يتهمون فى نقل
فضل عائشة . ميزان ٣٢٨/١ .
وقال أبو حنيفة: ما رأيت أكذب من جابر، ما أتيته بشىء من رأى إلا أتانى فيه بأثر، وزعم أن عنده ثلاثين
ألف حديث قال الصدفى: عامَّةُ ما قذفوه به أنه آمن برجعة على بن أبى طالب-رضى الله عنه- إلى الدنيا.
توفى سنة ثمان وعشرين ومائة، الطبقات الكبرى ٣٤٥/٦، طبقات خليفة ٣٧٨/١، تاريخ خليفة ٢/ ٥٧٢ ،
الجرح والتعديل ٤٩٧/٢، تاريخ جرجان: ٥٠٧، ميزان الاعتدال ٣٧٩/١، تهذيب التهذيب ٤٦/٢،
الوافي بالوفيات ٣٢/١١ .

١٤٣
مقدمة مسلم / باب بيان أن الإسناد من الدين ... إلخ
ابْنَ يَزِيدَ الجُعْفِىَّ، فَلَمْ أَكْتُبْ عَنْهُ. كَانَ يُؤْمِنُ بِالرَّجْعَةِ .
حَدَّثَنَا الحَسَنُ الْحُلوَانِىُّ، حَدَّثَنَا يَحْبَى بْنُ آدَمَ ، حَدَّثْنَا مِسْعَرٌ، قَال: حَدَّثَنَا جَابِرِ بْنُ
يَزِيدَ ، قَبْل أَنْ يُحَدَثَ مَا أَحْدَثَ .
وَحَدَّثَنِى سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِىُّ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، قَال : كَانَ النَّاسُ
يَحْمِلونَ عَنْ جَابِرِ قَبَلِ أَنْ يُظهَرَ مَا أَظْهَرَ فَلِمَّا أَظْهَرَ مَا أَظْهَرَ اتَّهَمَهُ النَّاسُ فِى حَدِيثِهِ ،
وَتَرَكَهُ بَعْضُ النَّاسِ . فَقيل لهُ : وَمَا أَظْهَرَ؟ قَال: الإِيمَانَ بِالرَّجْعَةِ .
وَحَدَّثَنَا حَسَنٌ الْحُلُوَانِىُّ، حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى الحمَّانِىُّ، حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ وَأَخُوهُ ؛ أَنَّهُمَا
سَمِعَا الْجَرََّحَ بْنَ مَلِيحِ يَقُول: سَمِعْتُ جَابِرًا يَقُول: عِنْدِى سَبْعُونَ أَلْفَ حَدِيث عَنْ أَبِى
جَعْفَرٍ ، عَنْ النَِّّعَّهَ، كُلِهَا.
وَحَدَّثَنِى حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ، قَالَ: سَمِعْتُ زُهَيْرًا يَقُول:
قَالِ جَابِرٌ: أَوْ سَمِعْتُ جَابِرًا يَقُول: إِنَّ عِنْدِى لَخَمْسِينَ أَلَفَ حَديث ، مَا حَدَّثْتُ مِنْهَا
بِشَىْءٍ قَالَ: ثُمَّ حَدَّثَ يَوْمَا بِحَدِيثٍ فَقَالَ: هَذَا مِنَ الَمْسِينَ أَفًا.
وَحَدَّثَنِى إِبْرَاهِيمُ بْنُ خَالدِ الْيَشْكُرِىُّ ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الوَلِيدِ يَقُول: سَمِعْتُ سَلَّمَ
حكى فيها الكسر كرجعة المطلقة ، تلك بالكسر، [و](١) معنى ذلك نحو ما فَسَّره عنه بعد
هذا سفيان من قول الرافضة : إن(٢) علياً فى السحاب ، فلا تخرُج مع من خرَج من ولده
حتى ينادى من السماء أن اخرجوا معه، ويتأولون فيه أنه أخوة يوسف: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ
حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ (٣)، وأما الطائفة المعروفة بالسبَّائية والأخرى المعروفة [ بالناروسية](٤)
فيدَّعون أن علياً لم يمت، وأنه سيخرج فيملأها عدلاً كما ملئت جورا ، وقال ابن سَبَاء
(٢) فى الأصل بفتح الهمزة ، وهو خطأ ، والتصويب من ت .
(١) ساقطة من الأصل .
(٣) يوسف : ٨٠.
(٤) ساقطة من ت، وهى بغير راء ، وهم أتباع رجل يقال له عجلان من ناوس ، من أهل البصرة وقيل :
نسبوا إلى قرية ناوسا ، قالت : إن الصادق حى بعد ، ولن يموت حتى يظهر ، فيظهر أمره وهو القائم
المهدى . قال الشهرستانى: وحكى أبو حامد الزوزنى أن الناوسية زعمت أن عليا مات وستنشق الأرض عنه
يوم القيامة ، فيملأ العالم عدلاً. الملل والنحل بهامش الفصل ٦/٢، مقالات الإسلاميين: ٢٦.
والسبائية هم أصحاب عبد الله بن سبأ . وهم أصحاب المقالة المذكورة ، وذكروا عن ابن سبأ أنه قال
لعلى - رضى الله عنه -: ((أنت أنت))، والسبائية يقولون بالرجعة ، وأن الأموات يرجعون إلى الدنيا.
مقالات الإسلاميين : ١٥ .

مقدمة مسلم / باب بيان أن الإسناد من الدين ... إلخ
١٤٤
ابْنَ أَبِى مُطِيعٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ جَامِرًا الجُعْفِىَّ يَقُول: عِنْدِى خَمْسُونَ أَلْفَ حَدِيثٍ عَنِ النَّبِّعَّهُ
وَحَدَّثَنِى سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ ، حَدَّثَنَا الْحُمَّيْدِىُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلاً
سَأَلِ جَابِرًا عَنْ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَل ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ
خَيْرُ الْحَاكِمِين﴾ (١). فَقَال جَابِرٌ: لمْ يَجِئْ تَأْوِيلِ هَذه. قَال سُفْيَانُ: وَكَذَبَ . فَقُلْنَا
لسُفْيَانَ: وَمَا أَرَادَ بِهَذَا؟ فَقَال: إنَّ الرَّافِضَةَ تَقُول: إنَّ عَليا فى السَّحَابِ ، فَلا نَخْرُجُ مَعَ
مَنْ خَرَجَ مِنْ وَلَدِهِ، حَتَّى يُنَادِىَ مُنَادِ مِنَ السَّمَاءِ. يُرِيدُ عَليا أَنَّهُ يُنَادِى: اخْرُجُوا مَعَ فُلان.
يَقُولِ جَابِرٌ: فَذَا تَأَوِيلِ هَذِ الآيَةِ. وَكَذَب. كَانَتْ فَى إِخْوَةٍ يُوسُفَ عٍَّ.
وَحَدَّثَنِى سَلَمَةُ ، حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِىُّ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرًا يُحَدِّثُ بِنَحْوِ
مِنْ ثَلاثِينَ أَلْفَ حَدِيثٍ: مَا أَسْتَحِلّ أَنْ أَذْكُرَ مِنْهَا شَيْئًا، وَأَنَّلِى كَذَا وَكَذَا .
قَال مُسْلِمٌ: وَسَمِعْتُ أَبَا غَسَّانَ، مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرو الرََّزِىَّ. قَال: سَأَلْتُ جَرِيرَ بْنَ
للذى جاءه بنعى على: لو جئتنا بدماغه فى تسعين صرة لعلمنا أنه لا يموت حتى يسوق
العرب بعصاه، فذكر ذلك لابن عباس فقال: لو علمنا ذلك ما زوَّجنا نساءه ولا قسَّمنا ماله.
قال الإمام أبو عبد الله: [ قال مسلم](٢): (( ثنا سلمةُ بن شبيب ثنا الحميدى ثنا سفيان
قال: سمعت جابرا يُحدّثُ بنحو [ من ](٣) ثلاثين حديثا ما أستحل أن أذكر منها شيئا)).
قال الإمام أبو عبد الله : قال بعضهم : سقط ذكر سلمة بن شبيب بين مسلم
والحميدى [ عند ابن ماهان ](٤)، والصواب [ رواية أبى أحمد الجلودى ](٥) بإثباته ، فإن
مسلماً لم يلق الحميدى (٦) [ولا حدَّث عنه](٧). قال القاضى : الذى رواه شيوخنا فى هذا
(١) يوسف : ٨٠.
(٣) من المعلم .
(٢) لفظ المعلم : وخرج مسلم بعد .
(٥) ما رواه أبو أحمد وغيره ، وفى ت : أبى يحيى.
(٤) لفظ المعلم : فى نسخة أبى العلاء بن ماهان .
(٦) هو عبد الله بن الزبير بن عيسى بن عبيد الله ، صاحب المسند ، حدث عن الفضيل بن عياض ، وسفيان
ابن عيينة ، فأكثر عنه وجود ، ووكيع ، والشافعى ، وليس هو - كما قال الذهبى - بالمكثر ولكن له
جلالةً فى الإسلام. حدّث عنه البخارى ، والذهلى ، ويعقوب الفسوى ، وأبو زرعة الرازى ، وأبو حاتم،
ويعقوب بن شيبة ، وخلقٌ سواهم. قال فيه أحمد بن حنبل : الحميدى عندنا إمام . وقال أبو حاتم : أثبت
الناس فى ابن عيينة الحميدى ، وهو رئيس أصحاب ابن عيينة ، وهو ثقة إمام .
قال الحميدى : جالست سفيان بن عيينة تسع عشرة سنة أو نحوها .
وفيه يقول البخارى : الحميدى إمام فى الحديث. وقال الفسوى : حدثنا الحميدى ، وما لقيت أنصح
للإسلام وأهله منه. مات سنة ٢١٩ هـ. الطبقات ٥٠٢/٥، التاريخ الكبير ٩٦/٥، الجرح ٥٦/٥،
تهذيب التهذيب ٢١٤/٥، سير ٦١٦/١٠ .
وقد طبع مسنده بتحقيق حبيب الرحمن الأعظمى.
(٧) سقط من الأصل.

١٤٥
مقدمة مسلم / باب بيان أن الإسناد من الدين ... إلخ
عَبْد الحَميد . فَقُلتُ: الحارثُ بْنُ حَصِيرَةَ لقيتَهُ؟ قَال: نَعَمْ . شَيْخُ طَوِيلُ السُّكُوت ،
يُصِرُّ عَلَىَ أَمْرٍ عَظِيمٍ.
حَدَّثَنِى أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِىّ ، قَال: حَدَّثَنِى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِىٌّ ، عَنْ
حَمَّادِ بْنِ زَيْدِ. قَال: ذَكَرَ أَيُّوبُ رَجُلاً يَوْمًا. فَقَال: لَمْ يَكُنْ بِمُسْتَقِيمِ اللسَانِ، وَذَكَرَ آخَرَ
فَقَالَ : هُوَ يَزِيدُ فِى الرَّقْمِ .
حَدَّثَنِى حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا سُلِيْمَانُ بْنُ حَرْبِ ، حَدَّثَنَا حَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ ، قَال :
قَال أَيُّوبُ: إنَّ لى جَاراً - ثُمَّ ذَكَرَ مِنْ فَضْلِهِ - وَلَوْ شَهِدَ عِنْدِى عَلَى تَمْرَتَيْنِ مَّا رَأَيْتُ
شَهَادَتَهُ جَائِزَةً .
وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَحَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، قَالا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزََّق ، قَال : قَال
مَعْمَرٌ : مَا رَأَيْتُ أُوبَ اغْتَابٌ أَحَدًا قَطُّ إِلَا عَبْدَ الكَرِيمِ - يَعْنِى أَبَا أُمََّ - فَإِنَّهُ ذَكَرَهُ فَقَال:
رَحمَهَ اللّهُ ، كَانَ غَيْرَ ثِقَة لقَدْ سَأَلْنِى عَنْ حَديث لعكْرِمَةَ . ثُمَّ قَال : سَمِعْتُ عكْرِمَةَ .
الخبر عن سفيان (١) ثلاثين ألف حديث ، وبعضهم الذى حكى عنه هذا الكلام ، ويحكى
عنه ما تعلق (٢) هو الجبائى أبو على شيخنا، وقد جاء عن جابر فى ((الأم)) قبل هذا عندى
سبعون ألف حديث عن أبى جعفر .
قال القاضى : وقال أبو عبد الله بن الحذاء - وهو أحد رواة كتاب/ مسلم -: سألت ١٤/ أت
عبد الغنى بن سعيد : هل روى مسلم عن الحميدى ؟ فقال : لم أره إلا فى هذا الموضوع
وما أبعد ذلك ، أو يكون سقط قبل الحميدى رجلٌ ، وعبد الغنى إنما رأى من مسلم نسخة
ابن ماهان فلذلك قال ما قال ، ولم يكن بعد(٣) دخلت نسخة الجلودى ، وقد ذكر مسلم
قبل هذا : ثنا سلمة ثنا الحميدى - فى حديث آخر - كذا هو عند جميعهم - وهو الصواب
هنا أيضا إن شاء الله تعالى .
٦/ ب
وذكر/ مسلم عن أيوب أنه قال فى رجل : لم يكن مستقيم اللسان ، وعن آخر :
[ إنه] (٤) يزيد فى الرقم ، هذا كله تعريض بالكذب فى نفى استقامة اللسان وفى استعارة
الزيادة فى الرقم كالتاجر الذى يزيد فى رقم السِّلْعَة ويكذب فيها ليربح على الناس ويغرهم
بذلك الرقم ليشتروا عليه .
(١) فى ت : سليمان .
(٣) زيد بعدها فى الأصل لفظة: ((ذلك)).
(٢) فى الأصل : يعلق .
(٤) ساقطة من ت .

١٤٦
مقدمة مسلم / باب بيان أن الإسناد من الدين ... إلخ
حَدَّثَنِى الفَضْلُ بْنُ سَهْلِ. قَالَ: حَدَّثَنَا عَفََّنُ بْنُ مُسْلِمٍ ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، قَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا
أُبُو دَاوُدَ الأَعْمَى، فَجَعَل يَقُوّل: حَدَّثَنَا البَرَاءُ. قَالَ: وَحَدَّثَنَا زَيِّدِ بْنُ أَرْقَمَ. فَذَكَرِنَا ذَلِكَ
لِقَتَادَةَ. فَقَالَ: كَذَبَ. مَا سَمِعَ مِنْهُمْ، إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ سَائِلًا، يَتَكَفَّفُ النَّاسَ زَمَنَ طَاعُون
الجارف .
وَحَدَّثَنِى حَسَنُ بْنُ عَلَىِّ الْحُلوَنِىُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُوُنَ ، أَخْبَرَنَا هَمَّامٌ ، قَال:
دَخَلَ أَبُو دَاوُدَ الأَعْمَى عَلَى قَتَادَةَ. فَلَمَّا قَامَ قَالوا: إنَّ هَذَا يَزْعُمُ أَنَّهُ لقِىَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ بَدْرِيا .
فَقَالِ قَتَادَةُ: هَذَا كَانَ سَائِلاً قَبْلَ الْجَارِفِ ، لا يَعْرِضُ فِى شَىْءٍ مِنْ هَذَا، وَلَا يَتَكَلِمُ فيه،
فَوَاللّه مَا حَدَّثَنَا الَحَسَنُ عَنْ بَدْرِى مُشَافَهَةً، وَلَا حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ عَنْ بَدْرِى
مُثَافَهَةً، إلا عَنْ سَعْدِ بْنِ مَالِكِ .
حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثْنَا جَرِيرٌ ، عَنْ رَقَبَةَ ؛ أَنَّ أَبَا جَعْفَرِ الهَاشِمِىَّ الَدَنِىَّ كَانَ
يَضَعُ أَحَدِيثَ، كَلامَ حَقّ . وَلَيْسَتْ مِنْ أَحَادِيثِ النَّبِيِّ يَّهُ، وَكَانَ يَرْوِيهَا عَن النَّبِىِّ ◌َ﴾.
ء
وذكر مسلم قول قتادة زمانَ طاعون الجارف. قال القاضى - رحمه الله - : كان طاعون
الجارف سنة تسعة عشرة ومائة بالبصرة ، وسُمى بذلك لكثرة من مات فيه من الناس ،
وسُمى الموتُ جارفاً لإجرافه الناس ، والسيل جارفاً لإجرافه ما على وجه الأرض ، والجرف:
الغرفُ من فوق (١) الأرض واكتساح (٢) ما عليها. وذكر مسلم إنكار عوف على عمرو بن
عُبيد روايته عن الحسين: ((من حمل علينا السلاح فليس منا)) وقوله: ((كذب والله،
و[لكنه] (٣) أراد أن يحوذها لقوله الخبيث)) يعنى لمذهبه فى الاعتزال، بإخراج أهل المعاصى من
اسم الإيمان.
قال بعض شيوخنا : العجب من مسلم كيف أدخل هذا فيما أنكر على عمرو ،
والحديث صحيح قد خرَّجه هو [ بعد هذا ](٤) فى كتاب الإيمان .
قال القاضى : لا عيب على مسلم ولا عجب مما أتاه ، فإنه لم يُدخله لوهن الحديث
وضعفه ، وإنما أورده لقول عوف فى عمرو وتجريحه ، ولو كان التعجب من عوف كان
أولى ، ولعل عوفاً إنما كذَّبه فى روايته هذا الحديث عن الحسين(٥) وأنه ليس من حديثه ،
وكان عوف من كبار أصحاب الحسن والحافظين لحديثه ، أو لم يكن عند عوف من الحديث
علم ، ولا بلغه ، وقد خرَّجه مسلم من طرق كثيرة ليس منها عن الحسن (٦) شىء، وقد
(١) فى ت : وجه .
(٤) سقط من الأصل .
(٣) من المطبوعة .
(٢) فى ت : وإكشاح .
(٦) فى ت : الحسين .
(٥) فى ت : الحسن .

١٤٧
مقدمة مسلم / باب بيان أن الإسناد من الدين ... إلخ
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ الْحُلُوَانِىُّ، قَال: حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّد، قَال أَبُو إِسْحَقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ
مُحَمَّد بْنُ سُفْيَانَ: وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْتَى، قَال: حَدَّثَنَا نَعَيْمُ بْنُ حَمَّادِ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ
الطََّالَسِىُّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَّدٍ، قَالَ: كَانَ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدِ يَكْذِّبُ فِى الَحَدِيثِ .
حَدَّثَنِى عَمْرُو بْنُ عَلَىّ، أَبُوحَفْص، قَال: سَمِعْتُ مُعَاذَ بْنَ مُعَاذْ يَقُول: قُلْتُ لعَوْف
ابْنِ أَبِى جَميلةَ : إِنَّ عَمْرَو بْنَ عُبَيْدٍ حَّدَّثَنَا عَنِ الْحَّسَن؛ أَنَّ رَسُول اللّهِ عَهُ قَال: (( مَنَّ
حَمَّلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ فَلْيْسَ مِنَّا)). قَالَ: كَذَبَ، وَاللّه، عَمْرٌو. وَلَكِنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَحُوزَهَا إِلى
قَوْله الخَبيث.
وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللّه بْنُ عُمَرَ القَوَارِيرِىُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، قَال: كَانَ رَجُلٌ قَدْلزمَ
أُّوبَ وَسَمِعَ مِنْهُ ، فَفَقَدَهُ أُوبُ. فَقَالُوا: يَا أَبَا بَكْرٍ ، إِنَّهُ قَدّْلزِمَ عَمْرَو بْنَ عُبَيْدٍ . قَالَ
حَمَّادٌ : فَبَيْنَا أَنَا يَوْمًا مَعَ أَيُّوبَ وَقَدْ بَكَّرْنَا إِلى السُّوقِ، فَاسْتَقْبَلَهُ الرَّجُل. فَسَلَمَ عَلَيْهِ أَيُّوبُ
وَسَأَلُهُ. ثُمَّ قَال لَهُ أُيُوبُ: بَلِغَنَى أَنَّكَ لزمَّتَ ذَاكَ الرَجُلُ. قَال حَمَّدُ : سَمَّاهُ، يَعْنِىَ عَمْرًا.
قَال: نَعَمْ ، يَا أَبَا بَكْرٍ ، إِنَّهُ يَجِئْنَا بِأَشْيَاءً غرائبَ . قَال: يَقُول لهُ أَيُّوبُ : إِنَّمَا نَفْرَ أَوْ نَفْرَقُ
مِنْ تِلكَ الغَرَائِبِ .
وَحَدَّثَنِى حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا سُلِيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ، حَدَّثَنَا ابْنُ زَيْدٍ ، يَعْنِى
حَمَّادًا. قَال: قيل لأَيُّوبَ: إِنَّ عَمْرَو بْنَ عُبَيْدِ رَوَى عَنِ الحَسَنِ قَال: لا يُجْلِدُ السَّكْرَانُ منَ
يكون إنما كذَّبه فى تأويله لمعناه على مذهبه ، ومعنى هذا الحديث عند أهل العلم وأشباهه
من الأحاديث الواردة على مثل هذا: أنه ليس ممن اهتدى بهدينا ، واقتدوا (١) بعلمنا.
وقال الطحاوى : وكأن الله اختار لنبيه الأمور المحمودة ونفى عنه المذمومة ، فمن عمل
المحمودة فهو منه/، ومن عمل المذمومة فليس منه كما قال تعالى عن إبراهيم: ﴿فَمن تبعني ت١٤/ ب
فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ الآية (٢)، وهذا راجع إلى المعنى الأول، وكما يقول(٣) الرجل لولده إذا لم
يرض حاله: لست منی.
وذكر مسلم قول أيوب: (( إنما نَفِرُّ أو نفرَقُ من تلك الغرائب)» : أى نفزع ونتحاشى
من روايتها لئلا نكون أحد الكاذبينَ على رسول الله عَّ ، إن كانت الغرائب من
الأحاديث، وإن كانت من الآراء والمذاهب والفتوى فحذرا من البدع ، ومخالفة الجمهور ،
باتباعه الغريب الذى لا يعرف .
وذكر مسلم الاختلاف عن الحسن فى جَلَدِ السكران من النبيذ ، لم يختلف العلماء أنه
(١) فى ت : واقتدى .
(٣) كتب قبلها بالأصل: ((قال)) وهو خطأ.
(٢) إبراهيم : ٣٦.

مقدمة مسلم / باب بيان أن الإسناد من الدين ... إلخ
١٤٨
النَّبيذ. فَقَال: كَذَبَ. أَنَا سَمِعْتُ الحَسَنَ يَقُول: يُجْلِدُ السَّكْرَانُ منَ النَّبيذ .
وَحَدَّثَنِى حَجَّاجِ، حَدَّثَنَا سُلِيْمَانُ بْنُ حَرْبِ ، قَالَ سَمِعْتُ سَلامَ بْنَ أَبِى مُطِيعٍ يَقُول:
بَلِغَ أَيُّوبَ أَنِّى آَتَى عَمْرًا، فَأَقْبَل عَلَىَّ يَوْمًا فَقَال: أَرَأَيْتَ رَجُلًا لا تَأَمَنُّهُ عَلَى دينه، كَيْفَ
تَأْمَنُهُ عَلى الحَدِيثِ ؟
وَحَدَّثَنِى سَلَمَةُ بْنُ شَبِيب ، حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِىُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا
مُوسَى يَقُولُ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُبَيْدِ قَبْلِ أَنْ يُحْدِثَ .
إذا سكر حُدَّ ، وأن كل مسكر لشدته المطربة حرام ، كان خمرا أو غيره ، وأما إن شرب
من الشراب المختلف فيه ولم يُسكر فمن يبيح شربَه لا يُحِدُّه(١) ومن يمنعه يُحِدُّه، وهو
مالك والشافعي ، وتأول بعضهم قول مالك أنه فى غير المجتهد ، وأما المجتهد الذى يرى
إباحته فلا يُحدّه ، لأنه قد ناظر فى المسألة جماعة من الأئمة الذين كانوا يشربونه ولم يأمر
بحدّهم ، وقد كانت الأمور تجري بأمره وعلى رأيه ، ونص الشافعى على حدّ المجتهد وقال:
أحُدُّه ولا أردُّ شهادتَه(٢) .
(١) القائلون بهذا هم الأحناف، وهذه مسألة تفتقر إلى بسط ، حتى لا يفهم عنهم ما لم يقصدوه .
جاء فى بدائع الصنائع عند بيان أسماء الأشربة المعروفة المسكرة وبيان معانيها وأحكامها وحدّ الإسكار :
((أما السكر والفضيخ ونقيع الزبيب فيحرم شرب قليلها وكثيرها، لما روى عن النبى عَّة: ((الخمر من
هاتين الشجرتين)» وأشار - عليه الصلاة والسلام - إلى النخلة والكرمة .
قال : وأما حكم المطبوخ منها ، أما عصير العنب إذا طبخ أدنى طبخة ـــ وهو الباذق - أو ذهب نصفه
- وهو المنصف - فيحرم شرب قليله وكثيره ، عند عامة العلماء ـرضى الله عنهم -، والدليل على أن
الزائد على الثلث حرام ما روى عن سيدنا عمر أنه كتب إلى عمار بن ياسر : إنى أتيت بشراب من الشام
طبخ حتى ذهب ثلثاه وبقى ثلثه يبقى حلاله ويذهب حرامه وريح جنونه، فمر من قبلك فليتوسعوا من
أشربتهم ، قال : نص على أن الزائد على الثلث حرام ، وأشار إلى أنه ما لم يذهب ثلثاه فالقوة المسكرة
فيه قائمة ، وكان ذلك بمحضر من الصحابة ، ولم ينقل عنهم خلافه فكان إجماعا منهم ، ولا يحد شاربه ما
لم يسكر ، وإذا سكر حد ، ولا يكفر مستحله . فأما إذا طبخ العنب كما هو فقد حكى أبو يوسف عن أبى
حنيفة أن حكمه حكم العصير لا يحل حتى يذهب ثلثاه ، وروى الحسن عن أبى حنيفة أن حكمه حكم
الزبيب حتى لو طبخ أدنى طبخة يحل بمنزلة الزبيب وأما المطبوخ من نبيذ التمر ونقيع الزبيب أدنى طبخة ،
والمنصف منهما فيحل شربه ، ولا يحرم إلا السكر منه ، وهو طاهر ، يجوز بيعه ، ويضمن متلفه ، قال :
وهذا قول أبى حنيفة وأبى يوسف . وعن محمد روايتان : فى رواية لا يحل شربه ، لكن لا يجب الحد إلا
بالسكر ، وفى رواية قال: لا أحرمه ولكن لا أشرب منه. بدائع الصنائع ٢٩٣٤/٦ - ٢٩٤٧ .
(٢) لم أجدها فى كتب الشافعى بهذه السياقةَ، وغاية ما وقفت عليه فى الأم : قال الشافعى : أخبرنا إبراهيم
ابن محمد عن جعفر بن محمد عن أبيه أن على بن أبى طالب قال : لا أوتى بأحد شرب خمرا أو نبيذا
مسكرًا إلا حددته . الأم ٦/ ١٣٠ .
قال : قال بعض الناس : الخمر حرام ، والسكر من كل الشراب، ولا يحرم المسكر حتى يسكر منه ،
ولا يحد من شرب نبيذا مسكراً حتى يسكره . السابق ٦/ ١٣١ .
----

١٤٩
مقدمة مسلم / باب بيان أن الإسناد من الدين ... إلخ
حَدَّثَنِى عُبَيْدُ اللّه بْنُ مُعَاذ العَنْبَرِىُّ، حَدَّثَنَا أَبِى، قَال: كَتَبْتُ إلى شُعْبَةَ أَسْأَلَهُ عَنْ أَبِى
شَيْبَةَ قَاضِى وَاسِطٍ ، فَكَتَبَ إِلَىَّ: لا تَكْتُبْ عَنْهُ شَيْئًا، وَمَزَّقْ كِتَابِى.
وَحَدَّثَنَا الْحُلوَانِىُّ، قَال: سَمِعْتُ عَفَّانَ قَال: حَدَّثْتُ حَمَّادَ بْنَ سَلِمَةَ [ عَنْ](١)
صَالِحِ الْمُرِّيِّ بِحَدِيث عَنْ ثَابِت . فَقَالَ: كَذَبَ . وَحَدَّثْتُ هَمَّامًا عَنْ صَالِحِ الْمُرِّيِّ بِحَدِيثٍ
فَقَال : كَذَبَ .
وَحَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلانَ ، حَدَّثَنَا أُبُو دَاوُدَ ، قَال: قَال لى شُعْبَةُ : أَيْتِ جَرِيرَ بْنَ
وذكر مسلم كتاب شعبة لمعاذ العنبرى: (( لا تكتب عن أبى شيبة)). قال القاضى -
رحمه الله -: وقوله: ((ومزّق كتابى)): لعله أمره بتمزيقه حذرا أن يعتقد عليه ذلك أبو
شيبة أو من له أمر الطعن على من قدموا . وذكر مسلم هنا فى صدر كتابه حديث الصلاة
على قتلى أحد وعلى أولاد الزنا .
جاءت الآثار الصحاح عن جابر؛ أن النبى يُّه: «لم يُصل على قتلى أحد صلاته على
الميت))(٢)، وعن ابن عباس وابن الزبير أنه صلى يوم [أحد](٣) [على](٤) قتلى أحد
[ولم يغسَّلُوا](٥) ومثله عن أنس، وروى عقبة بن عامر أن النبى عَُّ خرج يوماً فصلى
(١) ساقطة من نسخة الشعب .
(٢) حديث جابر أخرجه البخارى، ك الجنائز، ب دفن الرجلين والثلاثة فى قبر واحد ١١٥/٢، وأبو داود، ك
الجنائز ، ب الشهيد يغسل ١٧٤/٢، وكذا الترمذى والنسائى ، ك الجنائز، ب ٦١ وابن عبد البر فى
التمهيد ٢٤١/٢٤.
ولفظ حديث جابر عند البخارى : ((أن رسول الله عَّ كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد فى ثوب
واحد ثم يقول: ((أيهم أكثرُ أخذا للقرآن؟)) فإذا أشير له إلى أحدهما قدمه فى اللحد ، وقال: ((أنا
شهيد على هؤلاء))، وأمر بدفنهم بدمائهم ولم يُصل عليهم ولم يغسّلهم)) ١١٥/٢.
زاد أبو داود والترمذى والنسائى: « أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة ))، ولفظ أنس عند أبى داود : أن
شهداء أحد لم يغسلوا ، ودفنوا بدمائهم ولم يصل عليهم .
ثم ساق عن أنس بمثل معنى حديث جابر . وأخرجه الترمذى وقال: (( غريب لا نعرفه من حديث
أنس إلا من هذا الوجه)». معالم السنن ٤/ ٢٩٧ .
ولفظ ابن عباس قال : أمر رسول الله عَّه بقتلى أحد أن ينزع عنهم الحديد والجلود وأن يدفنوا بدمائهم
وثيابهم . كما أخرجه ابن ماجه أيضا .
قال الخطابى : فى إسناده على بن عاصم الواسطى وقد تكلم فيه جماعة ، وعطاء بن السائب ،وفيه
مقال. معالم السنن ٢٩٤/٤. والطبرانى عن ابن عباس أن رسول الله صلى على قتلى أحد فكبر
تسعا وتسعا ، ثم سبعا وسبعا ، ثم أربعاً وأربعاً، حتى لحق بالله . قال الهيثمى : رواه الطبرانى فى الكبير
والأوسط وإسناده حسن . مجمع ٣٥/٣ وحديث عقبة أخرجه البخارى فى الصحيح الكتاب والباب
السابقین، وهو جزء حدیث له .
(٣) ساقطة من الأصل.
(٥) سقط من ت .
(٤) زيادة يقتضيها السياق.

.
مقدمة مسلم / باب بيان أن الإسناد من الدين ... إلخ
١٥٠ -
حَازِمِ فَقُل لهُ : لا يَحِلُّلِكَ أَنْ تَرْوِىَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عُمَارَةَ، فَإِنَّهُ يَكْذِبُ. قَالَ: أَبُو دَاوُدَ:
قُلْتُ لِشُعْبَةَ: وَكَيْفَ ذَاكَ؟ فَقَالَ: حَدَّثْنَا عَنِ الْحَكَمِ بِأَشْيَاءِ لمْ أَجِدْ لَهَا أَصْلا. قَال: قُلْتُ
له : بِأَىِّ شَىْءٍ؟ قَال: قُلتُ للحَكَمِ أَصَلَى النَِّىُّ عَّهُ عَلَّى قَتْلَى أُحُدٍ؟ فَقَال: لِمْ يُصَل
عَلَيْهِمْ . فَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ، عَنِ الْحَكَمِ ، عَنْ مِقْسَمْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ النَّبِىَّ عَّهُ
على أهل أحد [ صلاته على الميت ](١) وعن ابن عباس وابن الزبير أنه صلى يوم أحد على
قتلى أحد . فاختلف العلماء فى غسلهم والصلاة عليهم باختلاف هذه الأحاديث ، فذهب
مالك والشافعى وأحمد والليث فى جماعة أنهم لا يُغَسَّلون ولا يُصلى عليهم ، وذهب أبو
حنيفة والأوزاعى والثورى إلى إنهم لا يغسلون ويُصلى عليهم (٢)، وذهب ابن المسيب
والحسن إلى غُسْلهم والصلاة عليهم (٣)، وحجة مالك ومن وافقه الأحاديث المتقدمة وأن
حديث عقبة (٤) كان بعد دفنهم بسنين ، ويعنى(٥) الدعاء والترحم عليهم، ولأن الصلاة على
(١) سقط من ت ، وقيد بعدها فى ت : ولم يغسلوا.
(٢) قال ابن عبد البر : وبذا قال أحمد بن حنبل ، والأوزاعى وإسحق وداود وجماعة فقهاء الأمصار ، وأهل
الحديث وابن علية . التمهيد ٢٤/ ٢٤٢ .
(٣) وحجتهم فى ذلك أنه عَّ لم يغسل شهداء أحد لكثرتهم ، وللشغل عن ذلك، واحتج بعض المتأخرين
من ذهب مذهب الحسن وسعيد بقوله عَّه فى شهداء أحد: (( أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة )) وقال :
هذا يدل على خصوصهم ، وأنهم لا يشركهم فى ذلك غيرهم .
قال ابن عبد البر : ولم يقل بقول سعيد والحسن هذا أحد من فقهاء الأمصار إلا عبيد الله بن الحسن
العنبرى البصرى . وليس ماذكروا من الشغل عن غسل شهداء أحد علة ؛ لأن كل واحد منهم كان له ولی
يشتغل به . ويقوم بأمره ، والعلة - والله أعلم - فى ترك غسلهم ما جاء فى الحديث المرفوع فى دمائهم
أنها تأتى يوم القيامة كريح المسك. قال: رواه الزهرى عن عبد الله بن ثعلبة. تمهيد ٢٤/ ٢٢٤.
قلت : وأخرجه النسائى فيما سبق وأن ذكرت ، قال - مشيرا إلى قول سعيد والحسن والمتأخرين ممن
ذهب مذهبهما - : القول بهذا خلاف على الجمهور ، وهو يشبه الشذوذ ، والقول بترك غسلهم أولى
لثبوت ذلك عن النبى عَّة فى قتلى أحد وغيرهم .
واحتج لذلك بما أخرجه أبو داود عن أبى الزبير عن جابر قال : ورمى رجل بسهم فى صدره أو فى
حلقه فمات ، فأدرج فى ثيابه كما هو ، قال : ونحن مع رسول الله عَ﴾ .
قال أبو عمر : وأما الصلاة عليهم ، فإن العلماء اختلفوا فى ذلك ، واختلفت فيه الآثار : فذهب
مالك والليث والشافعى ، وأحمد وداود ، إلى ألا يصلى عليهم ، لحديث الليث عن الزهرى عن ابن
كعب بن مالك عن جابر .
وقال فقهاء الكوفة والبصرة ، والشام : يصلى عليهم ، قال : ورووا آثارا كثيرة أكثرها مراسيل أن
النبي ◌ّ صلى على حمزة، وعلى سائر شهداء أحد. تمهيد ٢٤/ ٢٤٤ .
قلت : حديث عقبة بن عامر يدفع هذا القول ، فهو متصل فى الصحيح . قال الحافظ فى الفتح: قال
الزين بن المنير فى حديث عقبة: ((إن النبى ◌َّ خرج يوما فصلى على أهل أحد صلاته على الميت»
تحت باب الصلاة على الشهيد قال : أراد باب حكم الصلاة على الشهيد ، ولذلك أورد فيه حديث جابر
الدال على نفيها وحديث عقبة الدال على إثباتها ، قال : ويحتمل أن يكون المراد باب مشروعية الصلاة
على الشهيد فى قبره لا قبل دفنه ، عملا بظاهر الحديثين . فتح ٢٤٩/٣ .
(٥) فى ت : وبمعنى .
(٤) فى ت : عتبة ، وهو خطأ.

١٥١
مقدمة مسلم / باب بيان أن الإسناد من الدين ... إلخ
صَلَى عَلَيْهِمْ وَدَفَتَهُمْ. قُلتُ لِلحَكَمِ : مَا تَقُول فِى أَوْلادِ الزَّنَا؟ قَال: يُصَلَى عَلَيْهِمْ. قُلتُ:
مِنْ حَديثِ مَنْ يُرْوَى؟ قَال: يُرْوَى عَنِ الحَسَنِ البَصْرِىِّ . فَقَال الحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ: حَدَّثَنَا
الحَكَمُ عَنْ يَحْتَى بْنِ الْجَزَّارِ عَنْ عَلِىِّ.
وَحَدَّثَنَا الحَسَنُ الْحُلوَانِى. قَال: سَمِعْتُ يَزِيدَ بْنَ هَرُونَ ، وَذَكَرَ زِيَادَ بْنَ مَيْمُون ،
فَقَالَ: حَلَفْتُ أَلَا أَرْوِىَ عَنْهُ شَيْئًا، وَلا عَنْ خَالدِ بْنِ مَحْدُوجِ . وَقَال : لقيتُ زِيَادَ بْنَ
مَيّمُونَ . فَسَأَلْتُهُ عَنْ حَدِيثِ فَحَدَّثَنِى بِهِ عَنْ بَكْرِ المُزَنِىِّ . ثُمَّ عُدْتُ إِليْهِ فَخَّدَّتِىَ بِهِ عَنْ
مُؤَرِّقٍ. ثُمَّ عُدْتُ إِليْهِ فَخَّدَتّى بِهِ عَنْ الْحَسَنِ. وَكَانَ يَتَسْبُهُمَا إِلى الكَّذِبِ .
قَال الْحُلوَانِىُّ: سَمِعْتُ عَبّدَ الصَّمَدِ، وَذَكَرْتُ عِنْدَهُ زِيَادَ بْنَ مَيْمُونِ، فَنَسَهُ إِلى الكَّذِبِ.
وَحَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلانَ، قَالَ : قُلْتُ لأَبِى دَاوُدَ الطََّالسِىِّ: قَدْ أَكْثَرَتَ عَنْ عَبّادِ بنِ
مَنْصُورٍ ، فَمَا لَكَ لَمْ تَسْمَعْ مِنْهُ حَدِيثَ العَطَّارَةِ الذى رَوَى لَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ؟ قَال لِى:
الموتى، وقد أخبر الله تعالى أن الشهداء أحياء ، ولأنهم يبعثون فى دمائهم وريحها ريح
مسك والغسل (١) يذهبها ، فوجب ألا تغير أحوالهم ، ولم تصح عندهم الأحاديث الأخر
حتى تُعارض بها تلك الأحاديث الصحيحة، وأما ولد الزنا فليس فيه أثر يعول عليه ،
وعامة العلماء على الصلاة عليه كغيره من أولاد المسلمين ، إلا قتادة فقال: لا يصلى عليه،
وسيأتى هذا البابُ كله فى [الصلاة على الأطفال](٢) فى كتاب الجنائز، إن شاء الله تعالى.
وذكر مسلم حديث العطارة ولم يفسّره . هو حديث رواه زياد بن ميمون أبو عمار عن
أنس ، أن امرأة يقال لها : الحولاء عطَّارة ، كانت بالمدينة فدخلت على عائشة وذكرت
خبرها مع زوجها، وأن النبى معَّ ذكر [لها](٣) فى فضل الزوج ، وهو حديث طويل غير
صحيح، ذكره ابن وضاح (٤) بكماله فى كتاب ((القُطعان)) له ، ويقال: إن هذه العطَّارة
[الحولاء هى](٥) بنت تويْتِ المذكورة فى غير هذا الحديث .
(١) فى الأصل: والغسيل، والمثبت - وهو الأصوب - من ت.
(٢) فى ت : والصلاة على أطفال المسلمين.
(٣) ساقطة من ت .
(٤) هو كمال الدين أبو الحسن على بن محمد بن محمد بن وضاح بن أبى سعيد، محمد بن وضاح نزيل
بغداد، فقيه، حنبلى، نحوى، زاهد، كاتب، محدث، سمع صحيح مسلم من المروزى، وببغداد من ابن
القطيعى، وابن روزية، صحيح البخارى عن أبى الوقت، ومن عمر بن كرم جامع الترمذى، ومن عبد اللطيف
ابن القطيعى سنن الدار قطنى، كان صديقا للشيخ محيى الدين الصرصرى . قال ابن رجب: كان سمح
النفس، له إجازات من جماعات كثيرة منهم من دمشق الشيخ موفق الدين بن قدامة. توفى رحمه الله سنة
اثنتين وسبعين وستمائة، ودفن بحضرة قبر الإمام أحمد بن حنبل عند رجليه . شذرات٣٣٦/٥، ذيل طبقات
الحنابلة: ٣١٥، هدية العارفين ٧١٢/١، معجم المؤلفين ٢٣١/٧ .
(٥) فى ت : هى الحولاء .

١٥٢
مقدمة مسلم / باب بيان أن الإسناد من الدين ... إلخ
اسْكُتْ . فَأَنَا لقيتُ زِيَادَ بْنَ مَيْمُون، وَعَبْدُ الرَّحْمَن بْنَ مَهْدِيٍّ . فَسَأَلْنَاهُ فَقُلْنَا لَهُ: هَذه
الأَحَادِيثُ التى تَرْوِيهَا عَنْ أَنَس ؟ فَقَال: أَرَأَيْتُمَا رَجُلًا يُذْنَبُ فَيَتُوبُ أَلْيْسَ يَتُوبُ اللَّهُ
عَلَيْهِ؟ قَالَ: قُلْنَا نَعَمْ. قَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْ أَنَسٍ، مِنْ ذَا قَلِيلا وَلَا كَثِيرًا، إِنْ كَانَ لا يَعْلِمُ
النَّاسُ فَأَنْتُمَا لا تَعْلِمَانِ أَنِّى لَمْ أَلْقَ أَنَسَّاً .
قَالَ أَبُو دَاوُدَ : فَبَلْغَنَا، بَعْدُ أَنَّهُ يَرْوِى. فَأَتَيْنَهُ أَنَا وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ فَقَال: أَتُوبُ، ثُمَّ كَانَ،
بَعْدُ، يُحَدِّثُ . فَتَرَكْنَاهُ .
حَدَّثَنَا حَسَنٌ الْحُلوَانِىُّ قَالَ: سَمِعْتُ شَبَابَةٍ. قَال: كَانَ عَبْدُ القُدُّوس يُحَدِّثَنَا فَيَقُول:
سُوَيْدُ بْنُ عَقَلَةَ . قَال شَبَابَةٌ: وَسَمِعْتُ عَبْدَ القُدُّوسِ يَقُول: نَهَى رَسُول اللّهِ عَّهُ أَنْ يُتَخَذَ
الرَّوْحُ عَرْضًا . قَال فَقيل له : أَىُّ شَىْءٍ هَذَا؟ قَال: يَعْنِى تُتَّخَذُ كُوَّةٌ فِى حَائِطِ لِيَدْخُل عَلَيْهِ
الرَّوْحُ.
وذكر مسلم عن عبد القدوس أنه كان يقول: ((سويد بن عقَلةَ))، بالعين المهملة
والقاف . و((أن تتخذَ الرَّوح عرْضا)) بفتح الراء فى الأولى والعين المهملة وسكون الراء فى
الثانية ، وتفسيره لذلك بما ذكره ، وإنما أراد مسلم أنه صحف فى ذلك ، وأخطأ فى الرواية
والتفسير، وإنما صوابه سُويد بن غفلةَ - بالغين المعجمة والفاء ، والروح بضم الراء وغَرَضًا
بالغين المعجمة وفتح الراء ، أى يتخذ ما فيه روح غَرَضًا للرمى وشبهه(١) ، وقد ذكره فى
كتاب الصيد(٢) على الصواب، وهذا مثل نهيه - عليه السلام - عن قتل المصبورة والمجثَّمة،
وهى ذات الروح من الطير وغيره ، تُصْبَر ، أى تَحَسُ ليُرمى عليها ، وسيأتى هذا فى
كتاب الصيد ، ولم يختلف العلماء فى منع أكلها وأنها غير ذكيَّة . وفائدة الحديث : النهى
عن قتل الحيوان لغير منفعة والعبث بقتله . وقال الطبرى : فيه دليل على منع قتل ما أُحِل
أكله من الحيوان ما وُجد إلى تزكيته سبيل ، ثمَّ فيه فسادُ المال .
وذكر أبا سعيد الوُحاظى (٣)، هو بضم الواو، وحاظة بطن من بطون حمير (٤)، كذا
قيدناه عن شيوخنا ، وحُكى عن أبى الوليد الباجى فيه فتح الواو .
(٢) فى الأصل : التقييد .
(١) قيدت فى الأصل بالإهمال.
(٣) هو عبد القدوس بن حبيب الكلاعى الوحاظى الشامى. يروى عن عطاء، ونافع ، والشعبى . قال ابن
المبارك : لأن أقطع الطريق أحب إلى من أن أروى عنه ، وقال يحيى : ضعيف ، وقال مرة : متروك
الحديث ، وقال إسماعيل بن عياش : أشهد عليه بالكذب ، وقال البخارى : أحاديثه مقلوبة ، وقال
الفلاس: أجمع أهل العلم على ترك حديثه ، وقال مسلم : ذاهب الحديث ، وقال أبو داود : ليس
بشىء، وقال ابن حبان : يضع الحديث على الثقات، لا يحل كتب حديثه، وقال النسائى: متروك الحديث،
وقال أبو زرعة: ضعيف الحديث. الجرح ٥٥/٦، الضعفاء والمتروكين ١١٣/٢، الضعفاء الصغير ٢٠٨ .
(٤) مراد مسلم هنا بيان نوع من أنواع التدليس .

١٥٣
مقدمة مسلم / باب بيان أن الإسناد من الدين ... إلخ
قَال مُسْلِمٌ: وَسَمِعْتُ عُبَيْدَ اللّه بْنَ عُمَرَ القَوَارِيرِىَّ يَقُول: سَمِعْتُ حَمَّادَ بْنَ زَيْد
يَقُول ◌ِرَجُلٍ، بَعْدَ مَا جَلَسَ مَهْدِىُّ بْنُّ هِلالِ بِأَيْامٍ: مَا هَذِهِ العَيْنُ المَالِحَةُ التِى نَبَعَتْ قِبَلَكُمْ؟
قَالَ : نَعَمْ . يَأَبَا إِسْمَاعِيلَ .
وَحَدَّثَنَا الحَسَنُ الْحُلوَانِىُّ، قَالَ: سَمِعْتُ عَفَّانَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَوَاتَةَ قَال: مَا بَلَغَنِى
عَنْ الْحَسَنِ حَدِيثٌ، إلا أَتَيْتُ بِهِ أَبَانَ بْنَ أَبِى عَيَّاشِ، فَقَرَهُ عَلَىَّ.
وَحَدَّثَنَا سُوَيّدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَلَىُّ بْنُ مُسْهِرٍ، قَال: سَمِعْتُ أَنَا، وَحَمْزَةُ الزَّيَّاتُ
مِنْ أَبَانَ بْنِ أَبِى عَيَّشِ نَحْوَا مِنْ أَلْفِ حَدِيث .
قَال عَلَىٌّ: فَلقيتُ حَمْزَةَ فَأَخْبَرَنِى أَنَّهُ رَأَى النَّبِىَّ ◌َّهُ فِى الَنَامِ ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ مَا سَمِعَ
مِنْ أَبَانَ ، فَمَا عَرَفَ مِنْهَا إِلا شَيْئًا يَسِيراً، خَمْسَةً أَوْ سَّةً .
حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِىُّ، أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِىَّ ، قَال لِى أَبُو
إِسْحَقَ الفَزَارِىُّ: اكْتُبْ عَنْ بَقِيَّةَ مَا رَّوَى عَنِ المَعْرُوفِينَ، وَلاَ تَكْتُبْ عَنْهُ مَارُوُىَ عَنْ غَيْرِ
الَعْرُوفِينَ، وَلَا تَكْتُبْ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنَ عَّاشِ مَا رَوَى عَنِ المَعْرُوفِينَ، وَلَا عَنْ غَيْرِهِمْ.
١
وذكر مسلم عن حمزة الزيات ، أنه رأى النبى معَّه فى المنام فعَرَض عليه ماسَمِعٍ من
أبان فما عرف منها (١) إلا شيئاً يسيراً . هذا ومثله استئناس واستظهار على ما تقرر من
ضعف أبان لا أنه يقطع بأمر المنام ، ولا أن تبطل بمثله سُنَّة ثبتت ، ولا يُثبت به سُنَّة لم
تثبت بإجماع [ من ](٢) العلماء. وقوله - عليه السلام -: ((من رآنى [ فى المنام ] (٣) فقد
رآنى [أو قد] (٤) رأى الحق - فإن الشيطان لا يتمثل بى)) أى إن رؤياه/ - عليه السلام - ت١٥/ب
حق ليس فيها للشيطان عمل ولا تلبيس ، وأن الشيطان غير متسلط على التصور فى المنام
على صورته ، أو يكون ما رؤى فيه من الرؤيا الصحيحة لا من أضغاث الأحلام ، وقيل:
فقد رآنى حقا، ورأى شخصه المكرَّم حقيقةً ، وسيأتى كلام الإمام أبى عبد الله على هذا
الحديث وما ذيلناه به فى كتاب العبارة إن شاء الله تعالى .
وذكر مسلم عن جماعة من الأئمة رَموا جماعة بالكذب : اعلم أن الكاذبين على
ضربين : ضرب عرِف (٥) بذلك فى حديث النبى عَّ ، وهم على أنواع :
منهم من يضع عليه ما لم يقله أصلاً إما تراقعًا (٦) واستخفافا ، كالزنادقة وأشباههم
(١) فى ت : منه .
(٣) سقط من الأصل .
(٥) فى الأصل : عرفوا ، والمثبت من ت .
(٦) فى ت جاءت بالفاء .
(٢) من ت .
(٤) فى الأصل : وفقد .

١٥٤
المقدمة / باب بيان أن الإسناد من الدين ... إلخ
وحَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الخَنْظَلِىُّ، قَال : سَمِعْتُ بَعْضَ أَصْحَابِ عَبّد الله قَال :
ممن لم يرج للدين وقارا(١)، أو حسْبَة بزعمهم (٢)، أو تديُّنَا كجهلة المتعبِّدة الذين وضعوا
الأحاديث فى الفضائل والرغائب (٣) ، أو إغراباً وسُمْعَةً كفسقة المحدثين ، أو تعصبا
واحتجاجا كدُعاة المبتدعة ومتعصبى المذاهب (٤) ، أو اتباعا لهوى أهل الدنيا فيما أرادوه
وطلب العذر لهم فيما أتوه(٥) ، وقد تعيَّن جماعةٌ من كل طبقة من هذه الطبقات عند أهل
الصنعة وعلم الرجال .
ومنهم من لا يضع من الحديث ، ولكن ربما وضع للمتن الضعيف إسنادًاً صحيحاً
مشهورًا .
ومنهم من يقلب الأسانيد(٦) ، أو يزيد فيها ويتعمَّدُ ذلك إما للإغراب على غيره أو
لرفع الجهالة عن نفسه .
(١) مثال ذلك فيما أخرجه البخارى فى الأوسط والخزرجى فى الخلاصة عن عمر بن صحيح بن عمران
التميمى أنه قال: (( أنا وضعت خطبة النبى عَّة)). تهذيب ٧/ ٤٦٣، كتاب الضعفاء والمتروكين ٢٢١/٢.
قال ابن عدى: (( منكر الحديث))، وقال ابن حبان : يضع الحديث على الثقات ، لا يحل كتب حديثه إلا
على وجه التعجب . وقال الدارقطنى : متروك . وقال الأزدى : كذاب .
(٢) مثاله فيما ذكره الذهبى وغيره عن محمد بن عيسى الطباع ، قلت لميسرة بن عبد ربه : من أين جئت بهذه
الأحاديث : من قرأ كذا كان له كذا ؟ قال: وضعته أرغب الناس. ميزان ٢٣٠/٤، لسان ١٣٨/٦.
(٣) ومثاله فيما ذكره الحاكم فى شأن أبى عصمة نوح بن أبى مريم، قال: (( إنه وضع حديث فضائل القرآن
الطويل)). المغنى ٧٠٣/٢، ميزان ٢٧٩/٤، الباعث الحثيث: ٨١.
(٤) يدل عليه ما ذكره الرامهرمزى فى كتابه المحدث الفاصل من طريق عبيد الله بن عمرو عن عبد الكريم
قال: (( قال له رجل من الخوارج : إن هذا الحديث دين ، فانظروا عمن تأخذون دينكم ، فإنا كنا إذا هوينا
أمراً صيرناه حديثا)) ٤١٥، ٤١٦، وما رواه ابن حبان فى المجروحين قال: ((سمعت عبد الله بن على
الجبلى يقول: سمعت محمد بن أحمد بن الجنيد الدقاق يقول : سمعت عبد الله بن يزيد المقرى يقول :
عن رجل من أهل البدع رجع عن بدعته، جعل يقول : انظروا هذا الحديث ممن تأخذون ، فإنا كنا إذا
رأينا رأيًا جعلنا له حديثا)) ٦٩/١. وللوقوف على مزيد الأمثلة له يراجع : الموضوعات لابن الجوزى .
(٥) من ذلك ما أخرجه الخطيب بسنده إلى أبى سعيد العقيلى قال: (( لما قدم الرشيد المدينة أعظم أن يرقى منبر
رسول الله عَّه فى قباءَ أسود ومنطقة ، فقال أبو النجدى : حدثنى جعفر بن محمد عن أبيه قال : نزل
جبريل على النبى عَّه وعليه قباء ومنطقةُ مخنجرا فيها بخنجر. تاريخ بغداد ٤٥٢/١٣ . وله بسنده إلى أبى
عبيد الله قال: ((قال لى أمير المؤمنين المهدى: لما أتانا نعى مقاتل ، اشتد ذلك على، فذكرته لأمير المؤمنين
أبى جعفر فقال : لا يكبر عليك ، فإنه كان يقول : انظر ما تحب أن أحدثه فيك حتى أحدثه )). تاريخ بغداد
١٦٧/١٣ وهذا النوع بالنسبة إلى سوابقه قليل .
راجع : الوضع فى الحديث للدكتور عمر بن حسن فلاتة .
(٦) قلب الإسناد يكون بتقديم أو تأخير فى اسم الراوى ، ويكون بتغيير الإسناد وتبديله كله أو بعضه.

١٥٥
مقدمة مسلم / باب بيان أن الإسناد من الدين ... إلخ .
-
قَالَ ابْنُ الْبَارَك: نَعْمَ الرَّجُل بَقِيَّةُ، لَوْلا أَنَّهُ كَان يَكْنِى الأَسَامِىَ وَيُسَمِّى الكُنَى. كَانَ دَهْرًا
يُحَدِّثْنَا عَنْ أَبِى سَعِيدِ الوُحَاظِىٌّ، فَتَظَرْنَا فَإِذَا هُوَ عَبْدُ القُدُّوسِ .
ومنهم من يكذب فيدَّعى سماع ما لم يسمع أو لقاء من لم يلق ويُحدّثُ بأحاديثهم
الصحيحة عنهم .
ومنهم من يعمد إلى كلام الصحابة أو غيرهم وحكم العرب والحكماء فينسبها
للنبى عَطِّ (١).
فهؤلاء [ كلهم ](٢) كذابون متروكو الحديث ، وكذلك من تجاسر بالحديث بما لم
يحققه ولم يضبطه أو هو شاك فيه ، فلا تحدّث عن هؤلاء ولا يُقبل ما حدثوا به ، ولو لم
يكن منهم مما جاؤوا به من هذه الأمور إلا المرة الواحدة ، كشاهد الزور إذا تعمد ذلك [مرة
واحدة ](٣) سقطت شهادتُه، واختُلف هل تُقبل فى المستقبل إذا ظهرت توبته أو زادت فى
الخير حالته ؟
والصنف الآخر من لا يستجيز شيئا من هذا كله فى الحديث ، ولكنه يكذب فى حديث
الناس، [قد ] (٤) عُرِف بذلك، فهذا أيضاً لا يُقبل حديثه ولا شهادتُه ، قاله مالك وغيره ،
وتنفعه التوبة ويرجع إلى القبول . فأما من يندُر منه القليل من الكذب ولم يُعرف به فلا
يقطع بتجريحه مثلهم(٥) إذ (٦) يتأول عليه الغلط أو الوهم ، وإن اعترف متعمدُ ذلك المرة
الواحدة ما لم يضر بها مسلما فلا يلحق بمثله الجرحة ، وإن كانت معصيةٌ لندورها ، ولأنها / ت١٦/أ
لا تلحق بالكبائر الموبقات ، ولأن أكثر [ الناس ](٧) قل ما يسلمون من مواقعات(٨) بعض
[هذه ](٩) الهنات، وبهذا قال مالك - رحمه الله - فيمن تُردّ شهادتُه : أن يكون كاذباً فى
غير شىء (١٠) . وقال سحنون فى الذى يقارف بعض الذنب كالزلة : تجوز شهادته، لأنَّ
(١) من ذلك ما كان من قول على بن أبى طالب - رضى الله عنه -: ((الناس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم)).
قال ملا على القارى: (( إنه من كلام عمر - رضى الله عنه - وقيل : إنه من قول على وهو الأشهر
الأظهر)). الأسرار المرفوعة : ٣٦٧.
ومن أمثلة كلام الحكماء الذى ينسبونه كذبا إلى رسول الله عليه ، قول الحارث بن كلدة طبيب العرب :
(( المعدة بيت الداء ، والحميةُ رأس كل دواء)).
قال القارى: ((هو من كلام الحارث بن كلدة طبيب العرب، ولا يصح رفعه إلى النبى عمّ)).
الأسرار المرفوعة : ٣٢٠، المقاصد الحسنة : ٣٨٩، راجع أيضا: رسالة الدكتور عمر بن حسن فلاتة فى
الوضع فى الحديث ٢/ ٦٢ .
(٢) ساقطة من ت.
(٥) فى الأصل : مثله.
(٧) ساقطة من الأصل.
(١٠) راجع: الجرح والتعديل ٣٢/١، والكفاية : ١١٦.
(٣) سقط من الأصل.
(٦) فى الأصل : إذا.
(٨) فى ت : مواقعة.
(٤) ساقطة من ت .
(٩) ساقطة من الأصل.

١٥٦ -
مقدمة مسلم / باب بيان أن الإسناد من الدين ... إلخ
وَحَدَّثَنِى أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الأَزْدِىُّ، قَالِ سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّزَّاقِ يَقُول : مَا رَأَيْتُ ابْنَ
الْبَارَكِ يُفْصِحُ بِقَوْلِهِ: كَذَابٌ إِلا لِعَبْدِالقُدُّوسِ، فَإِّى سَمِعْتُهُ يَقُولَ لَهُ كَذَّبٌ .
وَحَدَّثَنِى عَبْدُ الله بْنُ عَبْدِالرَّحْمَنِ الدَّارِمِىُّ، قَال: سَمِعْتُ أَبَا نُعَيْمٍ، وَذَكَرَ المُعَلَى بْنَ
عُرْفَانِ. فَقَالَ: قَال: حَدَّثَنَا أَبُوَ وَائِلِ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا ابْنُ مَسْعُودٍ بِصِفِينَ، فَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ:
بور وو
أَثْرَاهُ بُعثَ بَعْدَ الَوْتِ ؟.
حَدَّثَنِى عَمْرُو بْنُ عَلَىٌّ وَحَسَنٌّ الْحُلوَانِىُّ، كلاهُمَا عَنْ عَفَّانَ بْن مُسْلِم، قَال: كُنَّا عِنْدَ
إِسْمَاعيل بْنِ عُلِيَّةَ، فَحَدَّثَ رَجُلٌ عَنْ رَجُلٍ . فَقُلتُ: إِنَّ هَذَا لَيْسَ بَثَبْتَ. قَال : فَقَال
الرَّجُلَ: اغْتَتَهُ. قَال إِسْمَعِيل: مَا اغْتَابَهُ. وَلَكِنَّهُ حَكَمَ: أَنَّهُ لَيْسَ بِثَبْتٍ.
وَحَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرِ الدَّارِمِىُّ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ ، قَالَ: سَأَلْتُ مَالكَ بْنَ أَنَس، عَنْ
مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الذِى يَرْوِى عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ؟ فَقَالَ: لَيْسَ بِثِقَةَ. وَسَأَتُهُ
أحداً لا يسلم من مثل هذا ، فإذا تكرّر هذا منه سقطت به شهادته ، وكذلك لا يسقطها
كذبُه فيما هو من باب التعريض أو الغلو فى القول ، إذ ليس بكذب على الحقيقة وإن كان
فى صورة الكذب ، لأنه لا يدخل تحت حدّ الكذب ولا يُريد المتكلم به الإخبارَ عن ظاهر
لفظه، وقد قال عليه السلام: ((أما أبو جهم فلا يضَعُ عصَاه عن عاتقه)) (١). وقال
إبراهيم عليه السلام: (( هذه أختى)»(٢) وقد أشار مالك - رحمه الله - لنحو هذا.
وذكر مسلم عن بقية بن الوليد أنه يكنى الأسامى(٣)، ويسمى الكنى . هذا نوع من
التدليس ، فإذا فعله صاحبه فى الضعفاء ليوهم أمرهم على الناس فهو قبيح ، لأنه يُلْبَّس
بذلك ويخيَّل أن ذلك الراوى ليس هو ذاك الضعيف لتركه اسمه أو كنيته التى عُرِف بها
واشتهر بها ، ويُسميه أو يكنيه بما لا يُعرف به ، فيخرجه إلى حد الجهالة من حَدّ المعرفة
بالجرحة والترك ، فيرفع (٤) رتبته عن الاتفاق(٥) إلى الخلاف أو عن القطع على طرح حديثه
المتروك إلى المسامحة فى رواية حديث المجهول ، وأشد منه أن يكنى الضعيف أو يسميه
بكنية الثقة أو اسمه لاشتراكهما فى ذلك ، وشهرة الثقة بذلك الاسم أو الكنية ، فهذا
الباب مما يقدح فى فاعله ، وسنزيد الكلام/ فيه بسطاً (٦) فى فصل التدليس . ولهذا كان
٧/ ب
(١) سبق قريبا.
(٢) يشير إلى ما سيأتي إن شاء الله فى كتاب الفضائل من قول رسول الله عَّة: ((لم يكذب إبراهيم النبى عليه
السلام قط إلا ثلاث كذبَات ، ثنتين فى ذات الله ... وواحدة فى شأن سارة ».
(٣) فى ت : الأسماء.
(٦) فی ت : بیانا.
(٥) فى الأصل : الإيقاف.
(٤) فی ت : یرفع.

١٥٧
مقدمة مسلم / باب بيان أن الإسناد من الدين ... إلخ -
عَنْ صَالِحِ مَوْلَى التَوْأَّمَةِ؟ فَقَالَ : لِيْسَ بِثِقَةٌ. وَسَأَلْتُهُ عَنْ أَبِى الْحُوَيْرِثِ؟ فَقَالَ : لَيْسَ
بثقة. وَسَأَلْتُّهُ عَنْ شُعْبَةَ الذى رَوَى عَنْهُ ابْنُّ أَبِى ذِئْب؟ فَقَالَ: لَيْسَ بثقَةً. وَسَأَلْتُهُ عَنْ
حَرَامِ بْنِ عُثْمَانَ؟ فَقَالَ: لَيْسَ بِثقَةٍ. وَسَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ هَؤُلاءِ الخَمْسَةَ؟ فَقَالَ : لَيْسُوا
أبو مسهر (١) يقول: احذروا أحاديث بقيَّة(٢) فإنها غير نقية، [ وكونوا من بقيتها على
حذر](٣) .
ذكر مسلم صالحا مولى التَّوْأمة (٤)، كذا صوابُه بفتح التاء المشدَّة وإسكان الواو بعدها
همزة مفتوحة ، وقد تُسَهَّل فَتُفْتح الواو وتُنْقل عليها حركة الهمزة فيقال : التَّوَمة ، ومن
ضم التاء وهمز الواو أخطأ ، وهى رواية أكثر المشايخ والرواة ، وكما قُلناه قَيَّده أصحابُ
(١) عبد الأعلى بن مُسْهِر بن عبد الأعلى بن مهر، الإمامُ، شيخ الشام، الغسَّنى الدمشقى، الفقيه، كان
من أوعية العلم. سمع مالك بن أنس ، وإسماعيل بن عيَّاش ، ومحمد بن مهاجر ، وأخذ بمكة عن ابن
عيينة وأخذ حرف نافع بن أبى نعيم عنه.
روى عنه يحيى بن معين ، وأحمد بن حنبل ، وأبو عبد الله البخارى ، وأبو حاتم الرازى ، وخلق
سواهم ، وقال فيه ابن معين : ما رأيتُ منذ خرجت من بلادى أحدا أشبه بالمشيخة الذين أدركتُهم من أبى
مُسْهر. وقال : كل من ثَبَّتَ أبو مسهر من الشاميين فهو مثبّتٌ، وقال أبو زرعة الدمشقى : قال لى
أحمد بن حنبل: عندكم ثلاثة أصحاب حديث ، الوليدُ ، ومروان بن محمد ، وأبو مُسهِر ، وقال
الذهبى: ((حديثه فى الكتب الستة)). مات سنة ثمان عشرة ومائتين. الطبقات الكبرى ٧/ ٤٧٣ ، التاريخ
الكبير ٧٣/٦، الجرح والتعديل ٢٩/٦، تاريخ بغداد ٧٢/١١، ترتيب المدارك ٤١٦/٢، سير ٢٢٨/١٠،
تهذيب التهذيب ٩٨/٦.
(٢) هو ابن الوليد بن صائد بن كعب بن حريز ، محدث حمص ، الحافظ العالم ، أحد مشاهير الأعلام.
روى عن الأوزاعى ، وشعبة ، ومالك ، وابن المبارك ، كما روى عن تلميذه إسحق بن راهويه. كان من
أوعية العلم ، لكنه - كما ذكر الذهبى - كدر ذلك بالإكثار عن الضعفاء ، والعوام، والحمل عمَّن دبَّ
ودرج .
روى عنه شعبة ، والحمادان ، والأوزاعى ، وابن جريج - وهم من شيوخه - وابن المبارك ، والوليد
ابن مسلم ، ووكيع ـ وهم من أقرانه - وإسماعيل بن عياش - وهو أكبر منه - وإسحق بن راهويه ، ونُعيم
ابن حمّاد، وأمم غير هؤلاء كثير. مات سنة سبع وتسعين ومائة. التاريخ الكبير ٢/ ١٥٠، الضعفاء للعقيلى
٥٩/١، الجرح والتعديل ٤٣٤/٢، الكامل لابن عدى ٤٣/١، تاريخ بغداد ١٢٣/٧، سير ٥١٨/٨،
ميزان ١/ ١٥٤، تهذيب التهذيب ٤٧٣/١ .
(٣) سقط من الأصل ، وفى ت : وكونوا منها على تقية.
(٤) هو ابن نبهان ، قال بشر بن عمر : سألت مالكا عنه فقال : ليس بثقة ، وروى عبد الله بن أحمد عن ابن
معين : ليس بقوى . وقال أحمد : مالك أدرك صالحا وقد اختلط وهو كبير ، وما أعلم به بأسا من سمع
منه قديما ، فقد روى عنه أكابر أهل المدينة ، وقال الجوزجاني : سماع ابن أبى ذئب منه قديم ، وأما
الثورى فجالسه بعد التغير . وروى عباد عن ابن معين : ثقة ، وقد كان خرف قبل أن يموت ، فمن سمع
منه قبل فهو ثبت . ميزان ٢/ ٣٠٢، وفى المغنى للذهبى: تابعى صدوق لكنه عُمّرَ واختلط . المغنى
٣٠٥/٢، وقال ابن الجوزى : كان شعبة لا يروى عنه وينهى عنه . وقال مالك : ليس بثقة، فلا يؤخذن
عنه شيئا . الضعفاء ٢/ ٥١، وانظر: الضعفاء والمتروكين للنسائى : ١٩٥.

أ
مقدمة مسلم / باب بيان أن الإسناد من الدين ... إلخ
١٥٨
بِثِقَةٍ فِى حَدِيثِهِمْ. وَسَأَتُهُ عَنْ رَجُلٍ آخَرَ نَسِيتُ اسْمَهُ؟ فَقَالَ: هَلْ رَأَيْتَهُ فِى كُنِى؟ قُلتُ:
لا. قَالَ : لَوْ كَانَ ثقَةً لِرَأَيْتَهُ فِى كُتْبِی .
وَحَدَّثَنِى الفَضْلُ بْنُ سَهْلِ، قَالَ حَدَّثَنِى يَحْيَى بْنُ مَعين، حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ ، حَدَّثَنَا ابْنُ
أَبِى ذِئْبٍ عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ سَعْدٍ، وَكَانَ مَنَّهَمًا .
وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُهْزَادٌ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَقَ الطَّالقَانِىَّ يَقُولُ:
سَمِعْتُ ابْنَ الْمُبَارَكِ يَقُولُ: لَوَ خَيَّرْتُ بَيْنَ أَنْ أَدْخُلَ الجَنَّةَ وَبَيْنَ أَنْ أَلْقَى عَبْدَ الله بْنَ مُحَرِّرٍ،
لاخْتَرْتُ أَنْ أَلَقَاهُ ثُمَّ أَدْخُلَ الجَنَّةَ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُ، كَانَتْ بَعْرَةٌ أَحَبَّ إلىَّ مِنْهُ.
وَحَدَّثَنِى الفَضْلُ بْنُ سَهْلِ ، حَدَّثَنَا وَلِيدُ بْنُ صَالِحٍ ، قَالَ : قَالَ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَمْرو :
قَالَ زَيِّدٌ - يَعْنِى ابْنَ أَّبِى أُنَّيْسَةَ : لَا تَأْخُذُوا عَنْ أَخِى.
حَدَّثَنِى أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِمَ الدَّوْرَقِىُّ، قَالَ: حَدَّثَنِى عَبْدُ السَّلَامِ الوَبِصِىُّ ، قَالَ :
حَدَّثَنِى عَبَدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرِ الرَّقِّىُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِوَ ؛ قَالَ: كَانَ يَحْتَى بْنُ أَبِى أَنَيْسَةَ
كَذَّبًا .
المؤتلف [ والمختلف ](١)، وكذلك أتقنَّاه على أهل المعرفة من شيوخنا ، والتَّوَمةُ هذه هى
بنت أمية بن خلف الجمحى ، قاله البخارى وغيره ، قال الواقدى : وكانت فى بطن مع
أخت لها ، فلذلك سُمّيت الثَّوَمة ، وهى مولاة أبى صالح [ من فوق ](٢) ، وأبو صالح
هذا اسمه نبهان(٣).
وذكر مسلم عن مالك وقد سئل عن رجُل فقال : لو كان ثقةً لرأيته فى كتبى. هذا
ترجيح من مالك - رحمه الله - وتعديل منه صريح لكل من أدخله فى كتبه ، وقد اختلف
العلماء فى رواية الثقة/ عن المجهول ، فذهب بعضهم إلى أنه تعديل (٤) ، وذهب الأكثر
إلى أنه ليس بتعديل حتى يُصرِّح بعدالته بقوله أو ما يدل على ذلك ، فأما من عُرف بمثل
حال مالك ونُقِل عنه مثلُ قوله فروايته عنه وإدخاله فى كتبه تصريح بعدالته.
ت١٦/ب
(١) ساقطة من الأصل.
(٢) هكذا فى الأصل وت.
(٣) المغنى فى ضبط أسماء الرجال : ٥٠.
(٤) هذا إن عرف من حاله أنه لا يروى عن ثقة ولم يأت بحديث منكر ، كمالك وشعبة ويحيى بن سعيد وعبد
الرحمن بن مهدى وأحمد بن حنبل . فتح المغيث : ١٣٤ .

١٥٩
مقدمة مسلم / باب بيان أن الإسناد من الدين ... إلخ
حَدَّثَنَى أَحْمَدُ بْنُ إِيْرَاهِيمَ، قَالَ : حَدَثَنِى سُلِيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ ؛
قَالَ : ذُكرَ فَرْقَدٌ عِنْدَ أَيُّوبَ ، فَقَالَ : إِنَّ فَرْقَدًا ليْسَ صَاحِبَ حَدِيثِ .
وَحَدَّثَنِى عَبِّدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرِ العَبْدِىُّ، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْتَى بْنَ سَعِيدِ القَطَّنَ، ذُكرَ
عنْدَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَرِ الليْثِىُّ، فَضَّعََّهُ جِدًا. فَقِيلَ لِيَخْنَى: أَضْعَفُ
مِنْ يَعْقُوبَ بْنِ عَطَاءِ ؟ قَالَ: نَعَمْ، ثُمَّ قَالَ: مَا كُنْتُ أُرَى أَنَّ أَحَدًا يَرْوِىَ عَنْ مُحَمَّدُ بْنُ
عَبْدِ اللهِ بْنِ عُبِّدِ بْنِ عُمَيْر.
حَدَّثَنِى بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدِ القَطََّنَ ضَعَّفَ حَكِيمَ بْنَ
جُبَيْرٍ وَعَبْدَ الأَعْلِى، وَضَعَََّ يَحْيَى بْنَ مُوسَى بْنِ دِينَار. قَالَ: حَدَيْثُهُ رِيحٌ . وَضَعَّفَ
مُوسَّى بْنَ دِهْقَانَ، وَعِيسَى بْنَ أَبِى عِيسى المَدَنِىَّ. قَالَ: وَسَمِعْتُ الْحَسَنَ بْنَ عِيسَى يَقُولُ:
قَالَ لِى ابْنُ الُبَارَكِ: إِذَا قَدِمْتَ عَلَى جَرِيرٍ فَاكْتُبْ عِلمَهُ كُلُهُ إلا حَدِيثَ ثَلاثَةَ ، لا تَكْتُبْ
حَدِيثَ عُيَّةَ بْنِ مُّعَتِّبٍَ، وَالسَّرِيِّ بْنِ إِسَمَّاعِيلَ، وَمُحَمَِّ بْنِ سَالِمٍ.
قال الإمام أبو عبد الله: قال(١) مسلم فى حديث آخر: ((حدثنى(٢) بشر (٣) بن
الحكم قال : سمعت يحيى القطَّن ضعَّفَ حكيم بن جُبير وعبد الأعلى ، وضعف يحيى
موسى بن دينار)). وكذا صواب (٤) هذا الكلام ، وفى أكثر النسخ: وضعَّف يحيى بن
موسى بن دينار(٥)، وهذا وهم ، وموسى بن دينار هو المكى (٦)، ضعَفَه(٧) يحيى ، وقد
نقل أبو جعفر العقيلى فى كتابه فى (( الضعفاء )) كلام يحيى هذا فى موسى بن دينار وعبد
الأعلى وحكيم بن جبير (٨).
قال القاضى: رواية جميع شيوخنا فى (( الأم)) بغير واو على الوهم ، وهذا يُصَحّحُ
أنه من رُواة مسلم ، والصواب عندهم ما تقدم ، وكذا صحّحه الجيانى والصدفى وغيره من
شيوخنا ، ويحيى هو ابن سعيد القطانُ المذكور أوَّلا .
ذكر مسلم قول ابن عُليَّةً: وقد تكلم رجلٌ فى رجُلِ فقال له آخر : اغتبته ، فقال :
ما اغتابه(٩) ولكنه حكم أنه ليس بثَبتِ ، وقد تقدَّم الكلام أن مثل هذا ليس بغيبة ، بل لو
(١) فى المعلم : وقال.
(٣) لفظ المعلم : حسن.
(٥) وهو الذى عليه ما وصل إلينا من النسخ المطبوعة.
(٦) فى ت : المكنِّى.
(٨) الضعفاء الكبير ٣١٦/١، ٧٥/٣، ١٥٦/٤، ١٥٧.
(٢) فى المعلم : وحدثنى.
(٤) لفظ المعلم : جواب.
(٧) لفظ المعلم : وضعفَّه.
(٩) فى الأصل : ما اعابته.

١٦٠
مقدمة مسلم / باب بيان أن الإسناد من الدين ... إلخ
قَالَ مُسْلِمٌ: وَأَشْبَاهُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ كَلامِ أَهْلِ العِلمِ فِى مُتَّهَمِى رُوَاةِ الحَدِيثِ وَإِخْبَارِهِمْ
عَنْ مَعَايِيهِمْ كَثِيرٌ . يَطُولُ الكِتَابُ بِذِكْرِهِ، عَلَى اسْتَقْصَائِه، وَفِيمَا ذَكَرْنَا كَفَايَةٌ ، لَمنْ تَفَهَّمْ
وَعَقَلَ مَذْهَبَ القَوْمِ ، فِيمَا قَالوا مِنْ ذَلِك وَبَيْنُوا .
وَإِنَّمَا أَلْزَمُوا أَنْفُسَهُمُ الكَشْفَ عَنْ مَعَايِبِ رُوَاةِ الحَديثِ ، وَنَاقِلِى الأَخْبَارِ ، وَأَقْتَوْا
بِذَلَكَ حِينَ سُئِلُوا، لِمَا فِيهِ مِنْ عَظِيمِ الْخَطَرِ، إِذَ الأَخْبَارُ فِى أَمْرِ الدِّينِ إِنَّمَا تَأْتِى بِتَحْلِلِ،
أَوْ تَحْرِيمٍ ، أَوْ أَمْرٍ ، أَوْ نَهَىِ ، أَوْ تَرَغِيبِ أَوْ تَرَّهِبِ ، فَإِذَا كَانَ الرَّاوِىِ لِهَا لَيْسَ بِمَّعْدِّنْ
للصِّدْقِ وَالأَمَانَةِ، ثُمَّ أَقْدَمَ عَلَى الرِّوَايَةِ عَنْهُ مَنْ قَدْ عَرَفَهُ وَلَمْ يُبَيِّنْ مَا فِيهِ لِغَيْرِه ، ممِّنْ
لم يحسن مقصدهُ وقصد محض التنقصِ والعيب لا بيان الحال لأجل الحديث لكان غيبة ،
وكذلك لو لم يكن المتكلم من أهل هذا الشأن، ولا ممن يُلتَفَتُ إلى قوله فيه لما جاز له ذكر
ذلك ولكان غيبةً، وهذا كالشاهد ليس تجريحه غيبةً [ولو عابه](١) [قائل](٢) بما جُرح
به على طريق المشاتمة والتنقص له أُدب له وكانت غيبة ، وقد قيل ليحيى بن سعيد : أما
تخشى أن يكون هؤلاء الذين تركتَ حديثَهم خُصمَاك عند الله ؟ فقال : لأن يكونوا
خُصمائى أحبُّ إلىَّ من أن يكون خصمى رسول الله عَّهِ ، يقولُ: لِمَ حدثت عنى حديثًا
ترى أنه كذب ؟(٣) .
ذكر مسلم تجريح قوم لجماعة فيهم من يوجد تعديلهم لآخرين من الأئمة ، وهذه
مسألة اختلف فيها المحدّثون والفقهاء والأصوليون فى باب الخبر وباب الشهادة ،
وقالوا : إذا عدَّل مُعَدِّلون رجلاً وجَرَّحه آخرون فالجرح أولى ، وحكوا فى ذلك
إجماع العلماء مع الحجة بأن المجرح زاد ما لم يعلمه المعدّلُ ، وهو بين ، ولا خلاف
فى هذا إذا كان عدد مع الحجة بأن المجرح زاد مالم يعلمه المعدّلُ ، وهو بين ولا خلاف فى
هذا إذا كان عددُ المجرحين أكثرُ (٤)، فإن تساووا فكذلك عند القاضى أبى بكر
(٢) ساقطة من ت.
(١) سقط من الأصل.
(٣) المدخل إلى دلائل النبوة ٥٧/١، فتح المغيث ٣٢٣/٣ .
وأخرج ابن عبد البر فى التمهيد ٤٧/١ من طريق يحيى بن سعيد القطان يقول : سمعت عبد الرحمن
ابن مهدى يقول : سألت شعبة وابن المبارك والثورى ومالك بن أنس عن الرجل يتهم بالكذب فقالوا: انشره
فإنه دين .
قال : وروينا عن حماد بن زيد أنه قال : كلمنا شعبةَ فى أن يكف عن أبان بن أبى عياش لسنّه وأهل
بيته ، فقال لى : يا أبا إسماعيل ، لا يحل الكف عنه لأن الأمر دين .
(٤) الترجيح بالكثرة يكون عندما يعيّن الجارح سبب الجرح ، وينفيه المعدّل بطريقٍ يقينى، فيصار إلى الترجيح
بالكثرة أو شدة الورع والتحفظ ، شرح مختصر ابن الحاجب ٧٠٨/١.
وقال السخاوى: (( ينبغى تقييدُ الحكم بتقديم الجرح على التعديل بما إذا فُسّرًا ، أما إذا تعارضا من غير
تفسير فإنه يقدم التعديل. قاله المزى وغيره. شرح الألفية : ١٣١ .