Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤١
کتاب فضائل أصحاب النبي 36#/ باب ٢
غير طلب الأداء (ويخونون ولا يؤتمنون) لخيانتهم الظاهرة بخلاف من خان مرة واحدة فإن ذلك قد
لا يؤثر فيه (وينذرون) بفتح أوّله وضم الذال المعجمة، ولأبي ذر: وينذرون بكسرها (ولا يفون)
بنذرهم، ولأبي ذر: ولا يوفون (ويظهر فيهم السمن) بكسر السين وفتح الميم أي يعظم حرصهم
على الدنيا والتمتع بلذاتها حتى تسمن أجسادهم.
٣٦٥١ - هقثنا محمدُ بن كثيرٍ أخبرَنا سُفيانُ عن منصورٍ عن إبراهيمَ عن عبيدةً عن
عبدِ اللَّه رضيَ اللَّه عنه أنَّ النبيِّ وَّرِ قال: ((خيرُ الناسِ قَرني، ثمَّ الذين يَلونهم، ثم الذين
يَلونَهم، ثمَّ يَجيء قومٌ تَسبِقُ شهادةُ أحدِهم يَمينَه، ويَمينهُ شهادتَه)». قال: قال إبراهيم: وكانوا
يَضربوننا على الشهادةِ والعهدٍ ونحن صغار.
وبه قال: (حدّثنا محمد بن كثير) بالمثلثة العبدي قال: (أخبرنا سفيان) الثوري (عن منصور)
هو ابن المعتمر (عن إبراهيم) هو النخعي (عن عبيدة) بفتح العين وكسر الموحدة ابن قيس السلماني
بفتح السين وسكون اللام المرادي (عن عبد الله) بن مسعود (رضي الله عنه أن النبي وَلاير قال):
(خير الناس قرني) أي أهله (ثم) أهل القرن (الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) الأول أصحابه
ثم أتباعهم ثم أتباع أتباعهم (ثم مجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته) ليس فيه دور
لأن المراد من حرصهم على الشهادة وترويجها أنهم يحلفون على ما يشهدون تارة قبل وتارة بعد حتى
لا يدري بأيهما البداءة فكأنهما يتسابقان لقلة المبالاة بالدين.
(قال): منصور بن المعتمر (قال إبراهيم): النخعي بالسند السابق (وكانوا يضربونا) ضرب
تأدیب، ولأبي ذر: يضربوننا (على الشهادة والعهد) أي علی قول: أشهد بالله وعلى عهد الله (ونحن
صغار) لم تبلغ حدّ التفقه، وإن كانوا بلغوا الحلم حتى لا يصير لهم ذلك عادة فيحلفون في كل ما
يصلح وما لا يصلح.
ومرّ هذا الحديث في باب لا يشهد على شهادة جور من كتاب الشهادات كسابقه.
٢ - باب مناقبٍ المهاجرينَ وفضلِهم
منهم أبو بكرٍ عبدُ اللَّهِ بن أبي قُحافة التَّميُّ رضيَ اللَّهُ عنه
وقولِ اللَّه تعالى: ﴿للفُقَراء المهاجِرِينَ الذينَ أُخرجوا من دِيارِهم وأموالهم يَبتَغونَ فَضلاً
من اللّهِ ورِضوانًا وينصُرونَ اللَّهَ ورسوله أولئكَ همُ الصادقون﴾ [الحشر: ٨].
وقال: ﴿إِلاَّ تَنصُروهُ فقد نصرهُ اللَّه﴾ - إلى قولهِ - ﴿إِنَّ الله معنا﴾ [التوبة: ٤٠].
قالت عائشةُ وأبو سعيدٍ وابنُ عباسٍ رضيَ الله عنهم: ((وكان أبو بكرٍ مع النبيِّ وَّر في
الغار)).
١٤٢
كتاب فضائل أصحاب النبي وَ*/ باب ٢
(باب مناقب المهاجرين) الذين هاجروا من مكة إلى المدينة. والمناقب: جمع منقبة ضد المثلبة
(وفضلهم) بالجر عطفًا على السابق، وسقط لأبي ذر لفظ باب فمناقب رفع وكذا فضلهم على ما لا
يخفى (منهم) من المهاجرين بل هو أفضلهم وسيدهم (أبو بكر) واسمه على المشهور (عبد الله بن
أبي قحافة) بضم القاف وتخفيف الحاء وبالفاء واسمه عثمان (التيمي) بفتح الفوقية وسكون التحتية
ونسبه إلى جده الأعلى تيم، فهو عبد الله بن عثمان بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم بن
مرة بن كعب بن لؤي بن غالب يجتمع مع النبي ول﴿ في مرة بن كعب، وكان اسمه عتيقًا لأنه
ليس في نسبه ما يعاب به أو لقدمه في الخير أو لسبقه إلى الإسلام أو لحسنه أو لأن أمه استقبلت
به البيت وقالت: اللهم هذا عتيقك من الموت قالته لأنه كان لا يعيش لها ولد أو لأن النبي وَّهه
بشّره بأن الله أعتقه من النار كما في حديث عائشة عند الترمذي وصححه ابن حبان، ولقّب
بالصدّيق لتصديقه النبي ﴿. وعند الطبراني بإسناد رجاله ثقات من حديث علي أنه كان يحلف أن
الله أنزل اسم أبي بكر من السماء الصديق واسم أمه سلمى وتكنى أم الخير بنت صخر بن
مالك بن عامر بن عمرو المذكور أسلمت وهاجرت (رضي الله عنه) وعن والديه وأولاده، ولأبي
ذر: رضوان الله عليه.
(وقول الله تعالى) جر عطفًا على سابقه أو رفع، ولأبي ذر: عز وجل: (﴿للفقراء
المهاجرين﴾ [الحشر: ٨]) قال في الأنوار: بدل من لذي القربى وما عطف عليه لأن الرسول وَل فيلم
لا يسمى فقيرًا انتهى. وذلك لأن الله تعالى رفع منزلته عن أن يسميه فقيرًا وقوله: ﴿الشيطان
يعدكم الفقر﴾ [البقرة: ٢٦٨] دليل على أن الفقر مذموم والفقر أربعة أشياء فقر الحسنات في
الآخرة وفقر القناعة في الدنيا، وفقر المقتنى وفقرهما والغنى بحسبه، فمن فقد القناعة والمقتنى فهو
الفقير المطلق على سبيل الذم ومن فقد القناعة دون القنية فهو الغني بالمجاز الفقير بالحقيقة، ومن
فقد القنية دون القناعة فإنه يقال له فقير وغني (﴿الذين أُخرجوا من ديارهم وأموالهم﴾
[الحشر: ٨]) فإن كفار مكة أخرجوهم وأخذوا أموالهم (﴿يبتغون﴾ [الحشر: ٨]) يطلبون بهجرتهم
(﴿فضلاً من الله ورضوانًا وينصرون الله ورسوله﴾ [الحشر: ٨]) دين الله وشرع رسوله بأنفسهم
وأموالهم (﴿أولئك هم الصادقون﴾) [الحشر: ٨]. الذين ظهر صدقهم في إيمانهم، وسقط قوله:
﴿الذين أخرجوا﴾ إلى آخره لأبي ذر وقال بعد قوله: ﴿المهاجرين) الآية.
(وقال: ﴿إِلاَّ﴾) ولأبي ذر: وقال الله إلا (﴿تنصروه فقد نصره الله﴾) [التوبة: ٤٠] أي وإن
لم تنصروه فسينصره الله إذ أخرجه من الغار (إلى قوله: ﴿إن الله معنا﴾﴾ [التوبة: ٤٠]. أي
بالعصمة والمعونة وسقط قوله إلى قوله: ﴿إن الله معنا﴾ لأبي ذر وقال بعد قوله نصره الله الآية.
(قالت عائشة): مما ذكره في باب الهجرة إلى المدينة الآتي إن شاء الله تعالى (وأبو سعيد)
الخدري مما وصله ابن حبان في صحيحه (وابن عباس) مما أخرجه أحمد والحاكم (رضي الله عنهم:
وكان أبو بكر مع النبي ◌َ﴿ ﴿ في الغار) لما خرجا من مكة إلى المدينة.
١٤٣
کتاب فضائل أصحاب النبي ێ#/ باب ٢
٣٦٥٢ - حدثنا عبدُ اللَّهِ بن رجاء حدَّثَنَا إسرائيلُ عن أبي إسحقَ عنِ البَراء قال: ((اشترى
أبو بكرٍ رضيَ اللَّه عنه من عازبٍ رحلاً بثلاثةَ عشرَ دِرهمًا، فقال أبو بكرٍ لعازب: مُرِ البراءَ
فَلْيَحمِلْ إليَّ رَحلي، فقال عازبٌ: لا، حتَّى تُحدِّثَنا كيف صَنعتَ أنت ورسولُ اللَّهِ ﴿ حينَ
خَرَجتُما من مكةً والمشرِكونَ يطلبونكم. قال: ارتحلْنا من مكةً فأحيَيْنا - أو سَرَينا - لَيلَتنا ويومَنا
حتّى أظهَرْنا وقامَ قائمُ الظهيرة، فرمَيتُ بَبصري هل أرى مِن ظلِّ فآوي إليه، فإذا صَخرةٌ أتيتُها،
فنظرتُ بَقيةَ ظِلُّ لها فَسوَيتُه، ثمَّ فَرَشت للنبيِّ وَّهِ فِيهِ، ثمَّ قلتُ له: اضْطَجع يا نبيَّ اللّه،
فاضطجَعَ النبيِّ وَّ﴿، ثمَّ انطلقت أنظرُ ما حَولي: هل أرى منَ الطلَبِ أحدًا؟ فإذا أنا بِراعي غَنَم
يَسوقُ غنمَهُ إلى الصخرةِ، يريدُ منها الذي أردنا، فسألتهُ فقلتُ له، لمن أنت يا غلامُ؟ فقال
الرجُلٍ من قُرَيشِ سمّاهُ فعرَفتُه، فقلت: هل في غَنَمكَ مِن لَبَن؟ قال: نعم. قلت: فهل أنت
حالِب لنا؟ قال: نعم. فأمَرْتُهُ فاعتَقَلَ شاةً من غَنمهِ، ثمَّ أمرتهُ أن يَنفُضَ ضَرْعها منَ الغُبار، ثمَّ
أمرته أن يَنفُضَ كفّيه فقال هكذا، ضرَبَ إحدَى كفّيهِ بالأخرى فحلَبَ لي كُثبةً مِن لبَن، وقد
جَعلت لرسولِ اللَّهِ وَله إداوة على فمها خِرقةٌ، فصبَيْت على اللبن حتى بردَ أسفلهُ، فانطلقتُ بهِ
إلى النبيِّ ◌َّهِ فوافقتُهُ قدِ استيقظ، فقلت: اشرَب يا رسولَ اللَّهِ، فشرِبَ حتى رضيت. ثمَّ قلت:
قد آنَ الرَّحيلُ يا رسولَ اللَّه، قال: بلى. فارتحَلْنا والقومُ يَطلبوننا، فلم يُدركُنا أحدٌ منهم غيرُ
سُراقة بنِ مالكِ بن جُعْشُم على فَرَسٍ له، فقلتُ: هذا الطلبُ قد لَحِقَنا يا رسولَ اللَّه، فقال: لا
تحزّنْ، إنَّ اللَّهَ معنا» ﴿تُرِيحونَ﴾ [النحل: ٦] بالعَشيّ، ﴿تَسْرَحون﴾ [النحل: ٦] بالغداة.
وبه قال: (حدّثنا عبد اللّه بن رجاء) الغداني بضم الغين المعجمة وتخفيف الدال المهملة وبعد
الألف نون مخففة البصري قال: (حدّثنا إسرائيل) بن يونس (عن) جدّه (أبي إسحاق) عمرو بن
عبد الله السبيعي (عن البراء) بن عازب الأنصاري رضي الله عنه أنه (قال: اشترى أبو بكر)
الصديق (رضي الله عنه من) أبيه (عازب رحلاً) بفتح الراء وسكون الحاء المهملة للناقة (بثلاثة عشر
درهما فقال أبو بكر لعازب: مُر البراء) ابنك (فليحمل إلي) بتشديد الياء التحتية (رحلي، فقال) له
(عازب: لا حتى تحدثنا كيف صنعت أنت ورسول الله وَ لخير حين خرجتما من مكة) في الهجرة إلى
المدينة (والمشركون) من أهل مكة (يطلبونكم) أي هما ومن معهما (قال): أبو بكر (ارتحلنا من مكة
فأحيينا أو سرينا) بفتح السين (ليلتنا ويومنا) والشك من الراوي (حتى أظهرنا) ولأبي ذر عن
الكشميهني ظهرنا بغير ألف والأول هو الصواب أي صرنا في وقت الظهيرة (وقام قائم الظهيرة)
شدّة حرها عند الزوال (فرميت ببصري هل أرى من ظل فآوي إليه) بمد الهمزة وفتح التحتية في
اليونينية وفرعها مصححًا عليه (فإذا صخرة) فلما رأيتها (أتيتها فنظرت بقية ظل لها فسويته) أي
موضعًا. وفي علامات النبوة: فنزلنا عنده أي عند الظل وسوّيت للنبي وَله مكانًا بيدي ينام عليه
(ثم فرشت للنبي 18 فيه) في الظل (ثم قلت له: اضطجع يا نبي الله فاضطجع النبي وَلغيره، ثم
١٤٤
کتاب فضائل أصحاب النبي {143/ باب ٢
انطلقت أنظر ما حولي هل أرى من الطلب أحدًا فإذا أنا براعي غنم) لم يسم الراعي ولا مالك
الغنم (يسوق غنمه إلى الصخرة يريد منها الذي أردنا) من الظل (فسألته فقلت له: لمن أنت يا
فلام؟ فقال: لرجل من قريش سماه فعرفته فقلت): له (هل في غنمك من لبن؟ قال: نعم.
قلت): له (فهل أنت حالب لبنًا؟) ولأبي ذر عن الكشميهني: لنا (قال: نعم فأمرته فاعتقل شاة
من غنمه ثم أمرته أن ينفض ضرعها من الغبار ثم أمرته أن ينفض كفيه) بالتثنية (فقال: هكذا
ضرب إحدى كفيه بالأخرى) فيها إطلاق القول على الفعل واستحباب التنظيف لما يؤكل ويشرب
(فحلب لي كثبة) بضم الكاف وسكون المثلثة بعدها موحدة مفتوحة قليلاً (من لبن،. و) كنت (قد
جعلت لرسول الله * إدارة) بكسر الهمزة من جلد فيها ماء (على فمها خرقة) كذا في الفرع
خرقة بالنصب وفي اليونينية وغيرها بالرفع (فصبيت) منها (على اللبن حتى برد أسفله) بفتح الراء
(فانطلقت به) باللبن المشوب بالماء (إلى النبي ◌َفر فوافقته قد استيقظ) من نومه (فقلت له: اشرب
يا رسول الله فشرب حتى رضيت) أي طابت نفسي لكثرة ما شرب وفيه: أنه أمعن في الشرب
وقد كانت عادته المألوفة عدم الإمعان (ثم قلت: قد آن الرحيل يا رسول الله) أي دخل وقته
(قال): عليه الصلاة والسلام:
(بلى) قد آن، وسقط لفظ: بلى لأبي ذر (فارتحلنا والقوم) كفار قريش (يطلبونا) ولأبي ذر:
يطلبوننا (فلم يدركنا أحد منهم غير سراقة بن مالك بن جعشم) بجيم مضمومة فعين مهملة ساكنة
فشين معجمة مضمومة فميم (على فرس له فقلت هذا الطلب قد لحقنا يا رسول الله. فقال: لا
تحزن إن الله معنا).
وهذا الحديث قد مرّ في علامات النبوة.
(﴿تريحون﴾) في قوله تعالى: ﴿ولكم فيها جمال حين تريحون﴾ أي: (بالعشي ﴿وحين
تسرحون﴾) أي (بالغداة) [النحل: ٦]. قال في الفتح: والصواب أن يثبت هذا في حديث عائشة
في الهجرة فإن فيه: ويرعى عليهما عامر بن فهيرة ويريحها عليهما، وثبت هذا في رواية أبي ذر
عن الكشميهني وسقط لغيره.
٣٦٥٣ - حدثنا محمدُ بنُ سِنانٍ حدَّثَنا همامٌ عن ثابت عن أنسٍ عن أبي بكرٍ رضيَ اللَّهُ
عنه قال: ((قلت للنبيّ وَ﴿ وأنا في الغارِ: لو أنَّ أحدَهم نظرَ تحت قَدَمَيهِ لأبصرنا. فقال: ما
ظتُّكَ يا أبا بكرِ باثنينِ اللَّهُ ثالثُهما)). [الحديث ٣٦٥٣ - طرفاه في: ٣٩٢٢، ٤٦٦٣].
وبه قال: (حدّثنا محمد بن سنان) العوقي بفتح العين المهملة والواو وكسر القاف قال:
(حدّثنا همام) بفتح الهاء وتشديد الميم الأولى ابن يحيى بن دينار العوذي بفتح العين المهملة وسكون
الواو وكسر المعجمة (عن ثابت) البناني (عن أنس بن مالك الأنصاري (عن أبي بكر) الصديق
(رضي الله عنه) أنه (قال: قلت للنبي ◌َ ﴿ وأنا في الغار) زاد في رواية موسى بن إسماعيل عن
١٤٥
کتاب فضائل أصحاب النبي {33#/ باب ٣
همام في الهجرة فرفعت رأسي فرأيت أقدام القوم فقلت (لو أن أحدهم نظر تحت قدميه) بالتثنية
(لأبصرنا. فقال): عليه الصلاة والسلام.
(ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما) أي جاعلهما ثلاثة بضم نفسه تعالى إليهما في المعية
المعنوية التي أشار إليها بقوله: ﴿إن الله معنا﴾ [التوبة: ٤٠] وهو من قوله: ﴿ثاني اثنين إذ هما في
الغار﴾ [التوبة: ٤٠] الآية.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الهجرة والتفسير ومسلم في الفضائل والترمذي في التفسير.
٣ - باب قولِ النبيِّ وَّهِ: ((سدُّوا الأبوابَ إلا بابَ أبي بكرٍ))
قاله ابنُ عباسٍ عن النبيِّ وَّ
(باب قول النبي (13): (سدوا الأبواب) كلها (إلا باب أبي بكر) الصديق بنصب باب على
الاستثناء (قاله ابن عباس) رضي الله عنهما (عن النبي ( 18) فيما وصله المؤلف في باب الخوخة
والممرّ من كتاب الصلاة بمعناه.
٣٦٥٤ - حدثنا عبدُ اللَّهِ بن محمدٍ حدَّثَنا أبو عامرٍ حدَّثَنَا فُلَيحْ قال: حدّثني سالم أبو
النّضْر عن بُسْرٍ بن سعيد عن أبي سعيد الخُذْريّ رضي الله عنه قال: ((خَطِبَ رسولُ اللَّهِ وَّ
الناسَ وقال: إنَّ الله خَيّر عبدًا بين الدُّنيا وبينَ ما عنده، فاختار ذلك العبدُ ما عندَ الله. قال فبكى
أبو بكر، فعَجِبْنا لِبُكائِهِ أنْ يُخبرَ رسولُ اللَّهِ لَ﴾ عن عبدٍ خُيُر، فكان رسولُ اللهِوَلخر هو المخيّر،
وكان أبو بكرٍ أعلَمنا. فقال رسولُ اللَّهِ وَّهِ: إِنَّ أمنّ الناس عليَّ في صحبته ومالهِ أبو بكر، ولو
كنتُ مُتَّخِذًا خَليلاً غير ربي لاتخذتُ أبا بكر، ولكنْ أُخُوَّة الإسلام وموَدَّته، لا يَبقَينَّ في المسجدِ
بابٌ إلا سُدِّ، إلا بابَ أبي بكر.
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (عبد الله بن محمد) المسندي قال: (حدّثني)
بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا. وفي اليونينية بالجمع فقط (أبو عامر) عبد الملك بن عمرو العقدي
قال: (حدّثنا فليح) بضم الفاء وفتح اللام وسكون التحتية بعدها حاء مهملة ابن سليمان الخزاعي
(قال: حدّثني) بالإفراد (سالم أبو النضر) بالنون المفتوحة والضاد المعجمة الساكنة القرشي المدني
(عن بسر بن سعيد) بضم الموحدة وسكون المهملة وسعيد بكسر العين مولى ابن الحضرمي (عن أبي
سعيد الخدري رضي الله عنه) أنه (قال: خطب رسول الله ﴿ ﴿ الناس) في مرضه قبل موته بثلاث
لیال (وقال): بالواو.
(إن الله) عز وجل (خيّر عبدًا) من التخيير (بين الدنيا وبين ما عنده) عز وجل في الآخرة
(فاختار ذلك العبد ما عند الله) عز وجل.
إرشاد الساري/ ج ٨/ م ١٠
١٤٦
کتاب فضائل أصحاب النبي {#/ باب ٣
(قال): أبو سعيد (فبكى أبو بكر) الصديق رضي الله عنه (فعجبنا لبكائه أن يخبر) بالموحدة
من الخبر (رسول الله * عن عبد خيّر فكان رسول الله وَ ﴿﴿ هو المخير) بفتح التحتية المشددة
(وكان أبو بكر) رضي الله عنه (أعلمنا) بالمراد من الكلام المذكور فبكى جزعًا على فراقه عليه
الصلاة والسلام (فقال رسول الله (15): (إن من أمن الناس عليّ في صحبته وماله) بفتح الهمزة
والميم وتشديد النون فعل تفضيل من المنّ بمعنى العطاء والبذل أي أن من أبذل الناس لنفسه وماله
(أبا بكر) بالنصب اسم إن والجار والمجرور خبرها وهذا واضح، ولبعضهم فيما قاله في الفتح
وغيره أبو بكر بالرفع، ووجه بتقدير ضمير الشأن أي أنه والجار والمجرور بعده خبر مقدم وأبو
بكر مبتدأ مؤخر، أو على أن مجموع الكنية اسم فلا يعرب ما وقع فيها من الأداة.
وقال صاحب المصابيح، قال ابن بري: هو خبر إن واسمها محذوف، ومن أمن الناس
صفته، والمعنى أن رجلاً أو إنسانًا من أمن الناس عليّ، ومن زائدة على رأي الكسائي وهو
ضعيف، وحمله على حذف ضمير الشأن حمل على الشذوذ، ولو قيل بأن إنّ بمعنى نعم وأبو بكر
مبتدأ وما قبله خبره لاستقام من غير شذوذ ولا ضعف انتهى. أو هو على مذهب من جوّز أن
يقال عليّ بن أبو طالب. قاله الكرماني.
وفي حديث ابن عباس عند الطبراني رفعه: ((ما أحد أعظم عندي يدًا من أبي بكر واساني
بنفسه وماله وأنكحني ابنته)). وفي حديث ملاك بن دينار عند ابن عساكر عن أنس رفعه: ((إن
أعظم الناس علينا منّا أبو بكر زوّجني ابنته وواساني بنفسه وأن خير المسلمين مالاً أبو بكر أعتق
منه بلالاً وحملني إلى دار الهجرة)). وعند ابن حبان عن عائشة قال: أنفق أبو بكر على النبي (115
أربعين ألف درهم.
(ولو كنت متخذًا خليلاً) من الناس (غير ربي لاتخذت) منهم (أبا بكر خليلاً) لأنه أهل
لذلك لولا المانع فإن خلة الرحمن تعالى لا تسع محالة شيء غيره أصلاً، وسقطت لفظة خليلاً الثانية
من اليونينية وثبتت في فرعها التنكزي (ولكن أخوّة الإسلام ومودته) أي مودة الإسلام أي
حاصلة. وفي حديث ابن عباس الآتي بعد باب إن شاء الله تعالى أفضل، وفيه إشكال يذكر في
موضعه إن شاء الله تعالى. (لا يبقين) بنون التأكيد المشددة (في المسجد باب) رفع على الفاعلية
والنهي راجع للمكلفين لا إلى الباب فكني بعدم البقاء عن عدم الإبقاء لأنه لازم له كأنه قال: لا
يبقيه أحد حتى لا يبقى (إلا) بابًا (سدّ) فحذف المستثنى والفعل صفته (إلاّ باب أبي بكر) بنصب
باب على الاستثناء أو برفعه على البدل وهو استثناء مفرغ، والمعنى لا تبقوا بابًا غير مسدود إلا
باب أبي بكر فاتركوه بغير سدّ. قيل: وفيه تعريض بالخلافة لأن ذلك إن أريد به الحقيقة فذاك لأن
أصحاب المنازل الملاصقة للمسجد كان لهم الاستطراق منها إلى المسجد فأمر بسدها سوى خوخة
أبي بكر تنبيهًا للناس على الخلافة لأنه يخرج منها إلى المسجد للصلاة وإن أريد به المجاز فهو كناية
عن الخلافة، وسدّ أبواب المقالة دون التطرق والتطلع إليها.
١٤٧
كتاب فضائل أصحاب النبي 3 #/ باب ٤
قال التوريشتي: وأرى المجاز أقوى إذ لم يصح عندنا أن أبا بكر كان له منزل بجنب
المسجد، وإنما كان منزله بالسنح من عوالي المدينة انتهى. وتعقبه في الفتح بأنه استدلال ضعيف
لأنه لا يلزم من كون منزله كان بالسنح أن لا يكون له دار مجاورة للمسجد، ومنزله الذي كان
بالسنح هو منزل أصهاره من الأنصار، وقد كان له إذ ذاك زوجة أخرى وهي أسماء بنت عميس
بالاتفاق، وقد ذكر عمر بن شبة في أخبار المدينة أن دار أبي بكر التي أذن له في إبقاء الخوخة
منها إلى المسجد كانت ملاصقة للمسجد، ولم تزل بيد أبي بكر حتى احتاج إلى شيء يعطيه لبعض
من وفد عليه فباعها فاشترتها منه أم المؤمنين حفصة بأربعة آلاف درهم، وقد وقع في حديث
سعد بن أبي وقاص عند أحمد والنسائي بإسناد قوي أمر رسول الله صل﴿ بسدّ الأبواب الشارعة في
المسجد وترك باب علي.
وفي رواية للطبراني في الأوسط برجال ثقات من الزيادة فقالوا: يا رسول الله سددت أبوابها
فقال: ((ما أنا سددتها ولكن الله سدها)). ونحوه عند أحمد والنسائي والحاكم ورجاله ثقات عن
زيد بن أرقم وابن عباس وزاد: فكان يدخل المسجد وهو جنب ليس له طريق غيره، رواه أحمد
والنسائي ورجاله ثقات، ونحوه من حديث جابر بن سمرة عند الطبراني.
وبالجملة فهي كما قاله الحافظ ابن حجر أحاديث يقوّي بعضها بعضًا وكل طريق منها صالح
للاحتجاج فضلاً عن مجموعها، لكن ظاهرها يعارض حديث الباب والجمع بينهما بما دل عليه
حديث أبي سعيد عند الترمذي أنه وصل﴿ قال لعلي: ((لا يحل لأحد أن يطرق هذا المسجد غيري
وغيرك)). والمعنى أن باب علّ كان إلى جهة المسجد ولم يكن لبيته باب غيره، فلذلك لم يأمر
بسدّه، ومحصل الجمع أن الأمر بسدّ الأبواب وقع مرتين، ففي الأولى استثنى عليًا لما ذكر، وفي
الأخرى استثنى أبا بكر، ولكن لا يتم ذلك إلا بأن يحمل ما في قصة علّ على الباب الحقيقي،
وما في قصة أبي بكر على الباب المجازي، والمراد به الخوخة كما صرح به في بعض طرقه، وكأنهم
لما أُمروا بسدّ الأبواب سدّوها، وقد صرح أبو بكر الكلاباذي في معاني الأخبار بأن باب بيت أبي
بكر كان له باب من خارج المسجد وخوخة إلى داخل المسجد وبيت علي لم يكن له باب إلا من
داخل المسجد انتهى ملخصًا من فتح الباري.
٤ - باب فضلٍ أبي بكرٍ بعدَ النبيِّ وَّهـ
(باب فضل أبي بكر بعد) فضل (النبي (وَ ل98) والمراد بالبعدية هنا الزمانية أما البعدية في الرتبة
فيقال فيها الأفضل بعد الأنبياء أبو بكر، وقد أطبق السلف على أنه أفضل الأمة. حكى الشافعي
وغيره إجماع الصحابة والتابعين على ذلك.
٣٦٥٥ - هذّثنا عبدُ العزيز بنُ عبدِ اللَّه حدَّثَنَا سُليمانُ عن يحيى بن سعيدٍ عن نافعٍ عن
ابنِ عمرَ رضيَ اللَّهُ عنهما قال: ((كنّا نخيرُ بينَ الناسِ في زمنِ النبيِّ وَّرَ فِنُخيِّرُ أبا بكر، ثمَّ
١٤٨
کتاب فضائل أصحاب النبي ێ#/ باب ٥
عمرَ بن الخَطّاب، ثمَّ عثمانَ بن عَفَّانَ رضيَ اللَّهُ عنهم)). [الحديث: ٣٦٥٥- طرفه في:
٣٦٩٧].
وبه قال: (حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله) الأويسي قال: (حدثنا سليمان) بن بلال (عن
يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن نافع) مولى ابن عمر (عن ابن عمر رضي الله عنهما) أنه (قال:
كنا نخيّر بين الناس في زمن النبي) ولأبي ذر: في زمان رسول الله (وَ﴿) بأن نقول فلان خير من
فلان (فنخير) فنفضل (أبا بكر) على جميع البشر بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام (ثم) نفضل
بعده (عمر بن الخطاب) بعد عمر (عثمان بن عفان رضي الله عنهم) وسقط لفظ ابن الخطاب وابن
عفان ولأبي ذر: زاد في رواية عبيد الله بن عمر عن نافع في مناقب عثمان، ثم نترك أصحاب
النبي ◌َّر فلا نفاضل بينهم، وزاد الطبراني في رواية فيسمع رسول الله وَلقر ذلك فلا ينكره ولا
يلزم من سكوتهم إذ ذاك عن تفضيل علّ عدم تفضيله.
وفي بعض طرق الحديث عند ابن عساكر عن عبد الله بن يسار عن سالم عن ابن عمر
قال: إنكم لتعلمون أنا كنا نقول على عهد رسول الله وَله: أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ يعني في
الخلافة كذا في أصل الحديث، ففيه تقييد الخيرية المذكورة والأفضلية بما يتعلق بالخلافة، فقد أطبق
السلف على خيريتهم عند الله على هذا الترتيب كخلافتهم، وذهب بعض السلف إلى تقديم علّ
على عثمان، وممن قال به سفيان الثوري لكن قيل: إنه رجع، وقال مالك في المدونة، وتبعه
يحيى بن القطان وغيره لا يفضل أحدهما على الآخر، وقالت الشيعة وكثير من المعتزلة الأفضل بعد
النبي عليّ.
وهذا الحديث من أفراده ورجال إسناده مدنيون.
٥ - باب قولِ النبيِّ وَ اليقول: ((لو كنتُ متخذًا خليلاً)) قاله أبو سعيد
(باب قول النبي ◌َّل): (لو كنت متخذًا خليلاً) (قاله أبو سعيد) الخدري رضي الله عنه عن
النبي ◌َّر في الباب السابق.
٣٦٥٦ - هذّثنا مُسلمُ بن إبراهيمَ حدَّثَنا وُهَيبٌ حدَّثَنا أيوبُ عن عكرمةَ عنِ ابن عبّاسٍ
رضيَ اللَّهُ عنهما عنِ النّبِيِّ وَ ◌ّ قال: ((لو كنتُ مُتَّخذًا خَليلاً لاتخَذتُ أبا بكر، ولكن أخي
وصاحبي).
وبه قال: (حدّثنا مسلم بن إبراهيم) الفراهيدي الأزدي مولاهم قال: (حدثنا وهيب) بضم
الواو مصغرًا ابن خالد بن عجلان البصري قال: (حدّثنا أيوب) السختياني (عن عكرمة) مولى ابن
عباس رضي الله عنهما عن النبي (وَ﴿) أنه (قال).
١٤٩
کتاب فضائل أصحاب النبي ێ#/ باب ٥
(لو كنت متخذًا من أمتي خليلاً) أرجع إليه في الحاجات وأعتمد عليه في المهمات (لاتخذت
أبا بكر) وإنما الذي ألجأ إليه وأعتمد في جملة الأمور عليه هو الله تعالى، وسقط قوله: من أمتي
لأبي ذر (ولكن) بتخفيف النون أبو بكر (أخي) في الإسلام (وصاحبي) في الغار والدار، وهو
استدراك على مضمون الجملة الشرطية كأنه قال: ليس بيني وبينه خلة ولكن أخوّة في الإسلام
فنفى الخلة المنبئة عن الحاجة وأثبت الإخاء المقتضي للمساواة قاله البيضاوي.
٣٦٥٧ - حدّثنا مُعلَّى بنُ أسدٍ وموسى بنُ إسماعيلَ التَّبوذكيُّ قالا حدّثَنَا وُهَيبٌ عن أيوبَ
قال: ((لو كنتُ متَّخِذًا خليلاً لاتخَذُهُ خليلاً، ولكنْ أُخوةُ الإسلام أفضل)).
حدثنا قُتِبَةُ حدِّثَنا عبدُ الوهابِ عن أيوبَ .. مثلَه.
وبه قال: (حدّثنا معلى بن أسد) العمي البصري وسقط أبن أسد لغير أبي ذر (وموسى) من
غير نسبة ولأبي ذر موسى بن إسماعيل التنوخي كذا في الفرع وأصله عن أبي ذر التنوخي بالخاء
المعجمة. قال الحافظ ابن حجر: وهو تصحيف والصواب التبوذكي (قالا: حدثنا وهيب) هو ابن
خالد (عن أيوب) هو السختياني أي عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي ◌َّر (وقال):
(لو كنت متخذًا خليلاً لاتخذته) يعني أبا بكر (خليلاً ولكن أخوة الإسلام أفضل) فزاد لفظ
أفضل، وكذا عند الطبراني من طريق عبد الله بن تمام عن خالد الحذاء ولفظه: ((ولكن أخوة
الإيمان والإسلام أفضل)) قاله في الفتح.
واستشكل بأن الخلة أفضل من أخوّة الإسلام فإنها تستلزم ذلك وزيادة. وأجيب: بأن المراد
أن مودة الإسلام مع النبي # أفضل من مودته مع غيره. قال: ولا يعكر على هذا اشتراك جميع
الصحابة في هذه الفضيلة فإن رجحان أبي بكر عرف من غير ذلك وأخوّة الإسلام ومودته متفاوتة
بين المسلمين في نصر الدين وإعلاء كلمة الحق وتحصيل كثرة الثواب، ولأبي بكر من ذلك أكثره
وأعظمه.
وبه قال: (حدّثنا قتيبة) بن سعيد قال: (حدّثنا عبد الوهاب) الثقفي (عن أيوب) السختياني
(مثله) أي مثل الحديث السابق.
٣٦٥٨ - هقائنا سليمانُ بنُ حربٍ أخبرَنا حمّادُ بن زيدٍ عن أيوبَ عن عبد اللَّهِ بنِ أبي
مُليكةً قال: كتب أهلُ الكوفةِ إلى ابن الزُّبَيرِ في الجَدّ، فقال: أما الذي قال رسول الله وَّه: ((لو
كنتُ متَّخذًا من هذه الأمَّةِ خليلاً لاتخَذتُه، أَنزَلَهُ أَبًا، يعني أبا بكر)).
وبه قال: (حدثنا سليمان بن حرب) الواشحي قال: (أخبرنا) ولأبي ذر: حدّثنا (حماد بن
زيد) بن درهم الجهضمي (من أيوب) السختياني (عن عبد الله بن أبي مليكة) بضم الميم مصغرًا
أنه (قال: كتب أهل الكوفة) أي بعضهم وهو عبد الله بن عتبة بن مسعود، وكان ابن الزبير
١٥٠
کتاب فضائل أصحاب النبي {آ/#/ باب ٥
جعله على قضاء الكوفة كما أخرجه أحمد (إلى ابن الزبير) عبد الله (في) مسألة (الجد) وميراثه
(فقال): ابن الزبير مجيبًا لابن عتبة (أما الذي قال رسول الله وَ ليز) فيه.
(لو كنت متخذًا من هذه الأمة خليلاً لاتخذته) فإنه (أنزله أبا) أي أنزل الجد منزلة الأب في
استحقاقه الميراث، وفيه أنه أفتاهم بمثل قول أبي بكر. وسيأتي إن شاء الله تعالى مزيد لذلك في
باب ميراث الجد مع الأخوة من كتاب الفرائض (يعني) ابن الزبير بالذي أنزل الجد أبًا (أبا بكر)
الصديق، والغرض منه هنا قوله: لو كنت متخذًا خليلاً، وقد أشعر هذا بأن درجة الخلة أرفع من
درجة المحبة، وقد ثبتت محبته لجماعة من أصحابه كأبي بكر وفاطمة، ولا يعكر عليه اتصاف
إبراهيم بالخلة ومحمد بالمحبة فتكون المحبة أرفع من رتبة الخلة إذ محمد عليه الصلاة والسلام قد
ثبتت له الخلة أيضًا كما في حديث ابن مسعود عند مسلم: وقد اتخذ الله صاحبكم خليلاً.
وأما ما ذكره القاضي عياض في الشفاء من الاستدلال لتفضيل مقام المحبة على الخلة بأن
الخليل قال: لا تخزين والحبيب قيل له: يوم لا يخزي الله النبي إلى غير ذلك مما ذكره ففيه نظر،
لأن مقتضى الفرق بين الشيئين أن يكونا في حدّ ذاتهما يعني باعتبار مدلول خليل وحبيب فما
ذكره يقتضي تفضيل ذات محمد وي على ذات إبراهيم عليه الصلاة والسلام من غير نظر إلى ما
جعله علة معنوية في ذلك من وصف المحبة والخلة، فالحق أن الخلة أعلى وأكمل وأفضل من
المحبة، ثم إن قوله عليه الصلاة والسلام: ((لو كنت متخذًا خليلاً غير ربي)) يشعر بأنه لم يكن له
خليل من بني آدم.
وأما ما أخرجه أبو الحسن الحربي في فوائده من حديث أبيّ بن كعب قال: إن أحدث
عهدي بنبيكم قبل موته بخمس دخلت عليه وهو يقول: ((إنه لم يكن نبي إلاّ وقد اتخذ من أمته
خليلاً وإن خليلي أبو بكر فإن الله عز وجل اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً). فهو معارض
بحديث جندب عند مسلم أنه سمع النبي ◌َّته يقول قبل موته بخمس: ((إني أبرأ إلى الله عز وجل
أن يكون لي منكم خليل)». والذي في الصحيح لا يقاومه غيره، وعلى تقدير ثبوت حديث أبيّ
رضي الله عنه فيمكن الجمع بينهما بأنه إنما برىء من ذلك تواضعًا لربه وإعظامًا له ثم أذن الله له
فيه في ذلك اليوم لما رأى من تشوّقه إليه وإكرامًا لأبي بكر رضي الله عنه بذلك وحينئذ فلا تنافي
بين الخبرين. قاله في الفتح.
وهذا الحديث من أفراده، وفي بعض النسخ هنا وهو ثابت في اليونينية مرقوم عليه علامة
السقوط لأبي ذر.
هذا (باب) بالتنوين بغير ترجمة فهو كالفصل من سابقه.
٣٦٥٩ - حدّثنا الحُميديَّ ومحمدُ بن عبدِ اللَّه قالا: حدّثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ عن أبيه عن
محمدِ بن جُبِيرٍ بن مُطعِم عن أبيهِ قال: ((أَتَتِ امرأةٌ النبيّ وَّهِ فأمرَها أن ترجِعَ إليه، قالت:
١٥١
كتاب فضائل أصحاب النبي ◌َ#/ باب ٥
أرأيتَ إن جئتُ ولم أجدكَ - كأنها تقول الموتَ - قالِ وَّ: ((إن لم تجدِيني فأتي أبا بكر)).
[الحديث ٣٦٥٩ - طرفاه في: ٧٢٢٠، ٧٣٦٠].
وبه قال: (حدثنا الحميدي) عبد الله بن الزبير المكي (ومحمد بن عبد الله) بفتح العين غير
مصغر في الفرع ابن حوشب الطائفي وقال العيني: ابن عبيد اللّه أي بضم العين مصغرًا وكذا هو
في اليونينية والناصرية وفرع آقبغا وهو عبيد الله بن محمد بن زيد القرشي الأموي يعني مولى
عثمان بن عفان وهو سهو (قالا: حدّثنا إبراهيم بن سعد) ثبت ابن سعد لأبي ذر (عن أبيه)
سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف (عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه) جبير أنه
(قال: أنت امرأة) قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسمها (النبي) ولأبي ذر: إلى النبي (َّ)
زاد في باب الاستخلاف من كتاب الأحكام فكلمته في شيء ولم يسم ذلك الشيء (فأمرها أن
ترجع إليه قالت: أرأيت) أي يخبرني وفي الاعتصام فكلمته في شيء فأمرها بأمر فقالت: أرأيت يا
رسول الله (إن جئت ولم أجدك) قال: جبير بن مطعم أو من بعده (كأنها تقول الموت) أي إن
جئت فوجدتك قد مت ماذا أفعل؟ (قال ◌َ﴿): ولغير أبي ذر كما في اليونينية قال عليه الصلاة
والسلام:
(إن لم تجديني فأتي أبا بكر) قال ابن بطال: استدل النبي وَّر بظاهر قولها إن لم أجدك أنها
أرادت الموت فأمرها بإتيان أبي بكر. قال: وكأنه اقترن بسؤالها حاله أفهمت ذلك وإن لم تنطق به.
قال في الفتح: وإلى ذلك وقعت الإشارة بقوله: كأنها تقول الموت، وفي الأحكام كأنها تريد
الموت، وفي الاعتصام كأنها تعني الموت، لكن قولها: فإن لم أجدك أعم في النفي من حال الحياة
وحال الموت، ودلالته لها على أبي بكر مطابقة لذلك العموم، وفيه الإشارة إلى أن أبا بكر هو
الخليفة بعد النبي ◌َ ﴿، ولا يعارض هذا جزم عمر أن النبي وَ له لم يستخلف لأن مراده نفي النص
على ذلك صريحًا.
وفي الطبراني حديث قلنا يا رسول الله إلى من ندفع صدقات أموالنا بعدك؟ قال: ((إلى أبي
بكر الصديق)) وهذا لو ثبت كان أصرح من حديث الباب في الإشارة إلى أن الخليفة بعده أبو بكر
لكن إسناده ضعيف.
٣٦٦٠ - هذثنا أحمدُ بن أبي الطيب حدَّثَنا إسماعيلُ بن مُجالدٍ حدَّثَنَا بَيانُ بن بِشْرِ عن
وَبِرَةَ بن عبد الرحمنِ عن همام قال: سمعتُ عَمَّارًا يقول: ((رأيتُ رسولَ اللَّهِ وَهِ وما معَهُ إلا
خمسةُ أعبُدٍ وامرأتان وأبو بكر)). [الحديث ٣٦٦٠ - طرفه في: ٣٨٥٧].
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (أحمد بن أبي الطيب) سليمان المروزي البغدادي الأصل وصفه
أبو زرعة بالحفظ وضعفه أبو حاتم، لكن ليس له في البخاري إلا هذا الحديث، وقد أخرجه من
رواية غيره في إسلام أبي بكر قال: (حدّثنا إسماعيل بن مجالد) بضم الميم وفتح الجيم الهمداني
١٥٢
كتاب فضائل أصحاب النبي 858#/ باب ٥
الكوفي قوّاه يحيى بن معين وجماعة ولينه بعضهم وليس له في البخاري غير هذا الحديث قال:
(حدّثنا بيان بن بشر) بالموحدة والتحتية المفتوحتين وبعد الألف نون وبشر بكسر الموحدة وسكون
المعجمة الأحمسي بالمهملتين (عن وبرة بن عبد الرحمن) بفتح الواو والموحدة والراء بوزن شجرة
الحرثي (عن همام) بفتح الهاء وتشديد الميم الأولى ابن الحرث النخعي الكوفي أنه (قال: سمعت
عمارًا) هو ابن ياسر رضي الله عنه (يقول: رأيت رسول الله وَ ل﴿ وما معه) من أسلم معه (إلا
خمسة أعبُد) بلال وزيد بن حارثة وعامر بن فهيرة وأبو فكيهة مولى صفوان بن أمية بن خلف
وعبيد بن زيد الحبشي، وذكر بعضهم عمار بن ياسر بدل أبي فكيهة (وامرأتان) خديجة أم المؤمنين
وأم أيمن أو سمية (وأبو بكر) الصديق وكان أول من أسلم من الأحرار البالغين رضي الله عنه.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في إسلام أبي بكر وفيه ثلاثة من التابعين.
٣٦٦١ - هذاثنا هشامُ بن عمّارٍ حدَّثَنا صدَقةُ بن خالدٍ حدَّثَنا زيدُ بن واقدٍ عن بُسرٍ بن
عُبيدِ اللَّه عن عائدِ اللهِ أبي إدريسَ عن أبي الدّرداءِ رضيَ اللَّهُ عنه قال: ((كنتُ جالسًا عندَ
النبيِّ وَ﴿، إذ أقبَلَ أبو بكر آخِذًا بطرَفِ ثوبه حتى أبدى عن ركبتهِ، فقال النبيِّ ◌َ ﴾: أمّا
صاحِبُكم فقد غامَرَ، فسلْم وقال: يا رسولَ الله، إني كان بيني وبينَ ابن الخطاب شيءٌ،
فأسرَعْتُ إليه ثمَّ نَدِمتُ، فسألته أن يَغْفِرَ لي فأبى عليَّ، فأقبلتُ إليك. فقال: يَغفرُ اللَّهُ لك يا أبا
بكر (ثلاثًا). ثمّ إنَّ عمرَ ندِمَ، فأتى منزلَ أبي بكر فسألَ: أثمَّ أبو بكر؟ فقالوا: لا. فأتى إلى
النبيِّ ◌َ﴿، فجعلَ وَجْهُ النبيِّ ◌َِ﴿ يَتمعِّرُ، حتى أشفقَ أبو بكرٍ فَجثا على رُكبتَيهِ فقال: يا
رسولَ اللَّهِ، واللَّهِ أنا كنتُ أظلمَ (مرّتَين). فقال النبيُّ وَّهِ: إِنَّ اللَّهَ بَعثني إليكم، فقلتم: كذبتَ،
وقال أبو بكرٍ: صدقَ، وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تارِكو لي صاحبي؟ (مرَّتين). فما أوذِيَ
بعدَها)). [الحديث ٣٦٦١ - طرفه في: ٤٦٤٠].
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (هشام بن عمار) أبو الوليد السلمي
الدمشقي قال: (حدّثنا صدقة بن خالد) الأموي مولاهم أبو العباس الدمشقي قال: (حدّثنا زيد بن
واقد) بكسر القاف الدمشقي الثقة وليس له في البخاري إلا هذا الحديث (عن بسر بن عبيد اللَّه)
بضم الموحدة وسكون السين وعبيد اللّه بضم العين مصغرًا الحضرمي الشامي (عن عايد الله) بالذال
المعجمة (أبي إدريس) بن عبد الله الخولاني بالخاء المعجمة المفتوحة (عن أبي الدرداء) عويمر بضم
العين مصغرًا آخره راء ابن زيد بن قيس الأنصاري (رضي الله عنه) أنه (قال: كنت جالسًا عند
النبي 88# إذ أقبل أبو بكر) حال كونه (آخذًا بطرف ثوبه حتى أبدى) بألف بعد الدال من غير همز
أي أظهر (عن ركبته) بالإفراد وفيه أن الركبة ليست عورة (فقال النبي ◌َ ﴿) لما رآه:
(أما) بالتشديد (صاحبكم) يعني أبا بكر، ولأبي ذر عن الكشميهني: صاحبك بالإفراد
يخاطب أبا الدرداء (فقد غامر) بغين معجمة مفتوحة وبعد الألف ميم مفتوحة أيضًا فراء أي خاصم
١٥٣
کتاب فضائل أصحاب النبي آلات/ باب ٥
ولابس الخصومة وقسيم أما صاحبكم محذوف تقديره نحو قوله: وأما غيره فلا أعلمه (فسلم)
رضي الله عنه على النبي ◌َّر (وقال: يا رسول الله إنه كان بيني وبين ابن الخطاب) عمر رضي الله
عنه (شيء) في التفسير محاورة بالحاء المهملة أي مراجعة، وعند أبي يعلى من حديث أبي أمامة
معاتبة (فأسرعت إليه ثم ندمت) على ذلك (فسألته أن يغفر لي) ما وقع مني (فأبى علّ). وعند أبي
نعيم في الحلية من طريق محمد بن المبارك فتبعته إلى البقيع حتى خرج من داره (فأقبلت إليك
فقال) النبي وَلافر: (يغفر الله لك يا أبا بكر ثلاثًا) أي أعاد هذه الكلمات يغفر الله لك ثلاث
مرات.
(ثم إن عمر) رضي الله عنه (ندم) على ذلك (فأتى منزل أبي بكر) ليزيل ما وقع بينه وبين
الصديق (فسأل) أهله (أثمّ أبو بكر) بفتح الهمزة والمثلثة أي هنا أبو بكر (فقالوا): مجيبين له (لا،
فأتى إلى النبي ﴿ فسلم عليه فجعل وجه النبي وَّر يتمعر) بالعين المهملة المشددة أي تذهب
نضارته من الغضب، ولأبي ذر: يتمغر بالغين المعجمة (حتى أشفق) أي خاف (أبو بكر) أن ينال
عمر من رسول الله وَ﴿ ما يكرهه (فجثا) بالجيم والمثلثة أي برك أبو بكر (على ركبتيه) بالتثنية
(فقال: يا رسول الله والله أنا كنت أظلم) منه في ذلك (مرتين). قال الكرماني: ظرف لقال أو
لكنت وإنما قال ذلك لأنه الذي بدأ.
(فقال النبي *: إن الله بعثني إليكم، فقلتم كذبت وقال أبو بكر: صدق) بغير تاء في
الفرع كأصله وفي نسخة صدقت (وواساني) ولأبي ذر عن الكشميهني واساني، وفي نسخة آساني
بهمزة بدل الواو والأول أوجه لأنه من المواساة (بنفسه وماله فهل أنتم تاركو لي صاحبي) بإضافة
تاركو إلى صاحبي، وفصل بين المضاف والمضاف إليه بالجار والمجرور عناية بتقديم لفظ الإضافة،
وفي ذلك جمع بين إضافتين إلى نفسه تعظيمًا للصديق، ونظيره قراءة ابن عامر: ﴿وكذلك زين
لكثير من المشركين قتل أولادهم شركائهم﴾ [الأنعام: ١٣٧]. بنصب أولادهم وخفض شركائهم
وفصل بين المضافين بالمفعول.
ومباحث ذلك ذكرتها في كتاب القراءات الأربع عشرة، وفي التفسير هل أنتم تاركون؟
بالنون. قال أبو البقاء: وهي الوجه لأن الكلمة ليست مضافة لأن حرف الجر منع الإضافة وربما
يجوز حذف النون في موضع الإضافة ولا إضافة هنا. قال والأشبه أن حذفها من غلط الرواة
انتھی.
ولا ينبغي نسبة الرواة إلى الخطأ مع ما ذكر وورود أمثلة لذلك (مرتين) أي قال: هل أنتم
تاركو لي صاحبي مرتين. (فما أوذي) أبو بكر (بعدها) أي بعد هذه القصة لما أظهره النبي وَّر من
تعظيمه .
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في التفسير وهو من أفراده.
١٥٤
کتاب فضائل أصحاب النبي ێاد/ باب ٥
٣٦٦٢ - حدثنا مُعلَّ بنُ أسدٍ حدَّثَنا عبدُ العزيز بن المختار قال خالدٌ الحذّاء حدَّثَنا عن
أبي عثمان قال: ((حدَّثني عمرُو بن العاص رضيَ اللَّهُ عنه أنَّ النبيَّ ◌َّهَ بعَثُهُ على جيش ذاتٍ
السلاسلِ، فأَتَيتهُ فقلتُ: أَّ الناسِ أحبُّ إليك؟ قال: عائشة. فقلتُ منَ الرجال؟ قال: أبوها.
قلتُ ثمَّ مَن؟ قال: عائشة. فقلتُ منَ الرجال؟ قال: أبوها. قلتُ ثمَّ مَن؟ قال: ثمَّ عمرُ بن
الخطاب، فعَدَّ رجالاً)). [الحديث ٣٦٦٢ - طرفه في: ٤٣٥٨].
وبه قال: (حدّثنا معلى بن أسد) العمي قال: (حدّثنا عبد العزيز بن المختار) الأنصاري
الدباغ (قال خالد الحذاء) بالحاء المهملة والذال المعجمة ممدودًا (حدّثنا) هو من تقديم الاسم على
الصفة (عن أبي عثمان) النهدي أنه (قال: حدّثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (عمرو بن العاص
رضي الله عنه أن النبي وَلي بعثه على جيش ذات السلاسل) بفتح السين المهملة الأولى وكسر الثانية
سنة سبع قال عمرو: (فأتيته فقلت) وقع عند ابن سعد أنه وقع في نفس عمرو لما أمره
رسول الله وي على الجيش في هذه الغزوة، وفيهم أبو بكر وعمر أنه مقدم عنده في المنزلة عليهم
فسأله فقال: يا رسول الله (أي الناس أحب إليك؟ قال): عليه الصلاة والسلام:
(عائشة). قال عمرو: (فقلت من الرجال؟ فقال): عليه الصلاة والسلام (أبوها) أبو بكر
(فقلت: ثم من؟) أحب إليك بعده (قال): عليه الصلاة والسلام (ثم عمر بن الخطاب فعدّ رجالاً)
زاد في المغازي من وجه آخر فسكتّ مخافة أن يجعلني في آخرهم.
وفي حديث عبد الله بن شقيق عند الترمذي وصححه من حديث عائشة قلت لعائشة: أيّ
أصحاب رسول الله﴿ كان أحبّ إليه؟ قالت: أبو بكر، وفي آخره قالت: أبو عبيدة عامر بن
الجراح. قال في الفتح: فيمكن أن يفسر بعض الرجال الذين أبهموا في حديث الباب بأبي عبيدة.
وحديث الباب أخرجه أيضًا في المغازي، ومسلم في الفضائل، والترمذي والنسائي في
المناقب.
٣٦٦٣ - حدثنا أبو اليمانِ أخبرَنا شُعَيبٌ عنِ الزُّهريّ قال: أخبرني أبو سَلمةَ بن
عبد الرحمنِ بنِ عَوف أنَّ أبا هريرةَ رضيَ اللَّه عنه قال: ((سمعتُ رسولَ اللهِ وَ﴾ يقول: ((بينما
راعٍ في غَنمهِ عَدا عليه الذّئبُ فأخذَ شاة، فطلبَهُ الراعي، فالتفتَ إليهِ الذّئبُ فقال: مَن لها يومَ
السبع، يومَ ليس لها راعٍ غيري؟ وبينما رجلٌ يَسوقُ بقرةً قد حملَ عليها، فالتفتَتْ إليه فكلمَتْه
فقالت: إني لم أُخلقْ لهذا، ولكنّي خُلِقتُ للحزثِ. فقال الناس: سُبحان الله، قال النبيِّ وَّ:
(فإني أُومِنُ بذلكَ وأبو بكر وعمرُ بنُ الخطاب. رضيَ اللَّه عنهما)).
وبه قال: (حدثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن
الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه قال: (أخبرني) بالإفراد (أبو سلمة بن عبد الرحمن بن
١٥٥
کتاب فضائل أصحاب النبي 433#/ باب ٥
عوف) ثبت اسم الجد لأبي ذر (أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﴿ يقول):
(بينما) بالميم (راع) لم يسم (في غنمه عدا عليه الذئب) بالعين والدال المهملتين خبر المبتدأ
الذي هو راع الموصوف بقوله في غنمه (فأخذ منها شاة فطلبه الراعي) ليأخذها منه (فالتفت إليه
الذئب فقال): له (من لها) أي للغنم (يوم السبع) بضم الموحدة وقيل بسكونها (يوم ليس لها) عند
الفتن حين يتركها الناس هملاً (راع) يرعاها (غيري) وقيل غير ذلك مما سبق في حديث بني
إسرائيل (وبينا) بغير ميم ولأبي ذر: وبينما بالميم (رجل) لم يسم (يسوق بقرة قد حمل عليها)
بتخفيف الميم وفي بني إسرائيل يسوق بقرة إذ ركبها فضربها (فالتفتت إليه فكلمته فقالت إني لم
أخلق لهذا) التحميل (ولكني) سقطت الواو لأبوي ذر والوقت (خلقت للحرث) وفي بني إسرائيل
فقالت: إنا لم نخلق لهذا إنما خلقنا للحرث والحصر في ذلك غير مراد اتفاقًا (قال): ولأبي ذر:
فقال (الناس): متعجبين (سبحان الله) زاد في بني إسرائيل بقرة تتكلم (فقال): كذا في الفرع وفي
اليونينية قال (النبي ◌َظاهر: فإني أؤمن بذلك) النطق الصادر من البقرة والفاء فيه جوابًا لشرط محذوف
تقديره فإذا كان الناس يتعجبون منه ويستغربونه فإني لا أتعجب منه ولا أستغربه وأؤمن به أنا
(وأبو بكر وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما) وسقط ابن الخطاب لأبي ذر، وزاد في بني إسرائيل
وما هما ثم وعند ابن حبان من طريق محمد بن عمر عن أبي سلمة عن أبي هريرة في آخره في
القصتين فقال الناس: آمنا بما آمن به رسول الله الله.
وسبق حديث الباب في المزارعة وبني إسرائيل.
٣٦٦٤ - هذّثنا عَبْدانُ أخبرنا عبدُ اللَّهِ عن يُونُسَ عن الزهريِّ قال: أخبرني ابنُ المسيَّبِ
سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول: سمعتُ النبيِّ وَ﴿ يقول: ((بينا أنا نائمٌ رأيتُني على قَلیبٍ
عليها دَلوٌ، فنزَعتُ منها ما شاءَ الله. ثمَّ أخذها ابنُ أبي قُحافةَ فنزعَ بها ذَنوبًا أو ذَنوبَين، وفي
نَزْعهِ ضعفٌ، واللَّهُ يَغْفرُ له ضَعفَه. ثم استحالَتْ غَربًا فأخذها ابنُ الخطّاب، فلم أرَ عَبقريًا منَ
الناسٍ يَنزِعُ نَزْعَ عمر، حتى ضربَ الناسُ بعطَن)). [الحديث ٣٦٦٤- أطرافه في: ٧٠٢١،
٧٠٢٢، ٧٤٧٥].
وبه قال: (حدّثنا عبدان) هو عبد الله بن عثمان بن جبلة العابد قال: (أخبرنا عبد اللَّه) بن
المبارك المروزي (عن يونس) بن يزيد الأيلي (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه (قال:
أخبرني) بالإفراد (ابن المسيب) سعيد أنه (سمع أبا هريرة رضي الله عنه قال): ولأبي ذر: يقول
(سمعت رسول الله) كذا في الفرع وفي اليونينية النبي (وَ﴿ يقول):
(بينا) بغير ميم (أنا نائم رأيتني على قليب) بئر مقلوب ترابها قبل الطي (عليها دلو فنزعت
منها) من البئر (ما شاء الله ثم أخذها) أي الدلو (ابن أبي قحافة) أبو بكر الصديق رضي الله عنهما
(فنزع منها) أي أخرج الماء من القليب (ذنوبًا أو ذنوبين) بفتح المعجمة فيهما الدلو الممتلىء والشك
١٥٦
کتاب فضائل أصحاب النبي ڑ#/ باب ٥
من الراوي (وفي نزعه ضعف والله يغفر له ضعفه) وليس فيه حط من مرتبته، وإنما هو إخبار عن
حاله في قصر مدة خلافته والاضطراب الذي وجد في زمانه من أهل الردة فزارة وغطفان وبني
سلمة وبني يربوع وبعض بني تميم وكندة وبكر بن وائل وأتباع مسيلمة الكذاب وإنكار بعض
الزكاة فدعا له عليه الصلاة والسلام بالمغفرة ليتحقق السامعون أن الضعف الذي وجد في نزعه من
مقتضى تغيير الزمان وقلة الأعوان لا أن ذلك منه رضي الله عنه لكن نسبه إليه إطلاقًا لاسم المحل
على الحال وهو مجاز شائع في كلام العرب (ثم استحالت) أي تحولت الدلو (غربًا) بفتح الغين
المعجمة وبعد الراء الساكنة موحدة دلوا عظيمة (فأخذها ابن الخطاب) عمر رضي الله عنه (فلم أر
عبقريًا) أي سيدًا عظيمًا قويًا يقال هذا عبقري القوم كما يقال سيدهم وكبيرهم وقويهم، وقيل
الأصل أن عبقر قرية يسكنها الجن فيما يزعمون فكلما رأوا شيئًا فائقًا غريبًا مما يصعب عمله ويدق
أو شيئًا عظيمًا في نفسه نسبوه إليها ثم اتسع فيه فسمي به السيد الكبير والقوي وهو المراد هنا
(من الناس ينزع نزع عمر) وفي رواية أبي يونس فلم أر نزع رجل قط أقوى منه (حتى ضرب
الناس بعطن) بفتح المهملتين آخره نون ما يعد للشرب حول البئر من مبارك الإبل، وعند ابن أبي
شيبة في مناقب عمر: حتى روي الناس وضربوا بعطن، وفي رواية همام فلم يزل ينزع حتى تولى
الناس والحوض يتفجر وفيه إشارة إلى طول مدة خلافة عمر وكثرة انتفاع الناس بها.
وهذا الحديث قد سبق ويأتي إن شاء الله تعالى في كتاب التعبير.
٣٦٦٥ - هذّثنا محمدُ بن مُقاتلِ أخبرنا عبدُ اللَّهِ أخبرَنا موسى بنُ عقبةً عن سالم بن
عبدِ اللَّه عن عبدِ اللَّهِ بن عمرَ رضي الله عنهما قال: قال رسولُ اللَّهِ وَّهِ: (مَنْ جَرَّ ثوبَهُ خَيَلاءَ
لم يَنظرِ اللَّهُ إليه يومَ القيامةِ. فقال أبو بكر: إنَّ أحدَ شقِّيْ ثَوبي يَسترخي، إلا أن أتعاهَدَ ذُلك
منه. فقال رسولُ اللَّه وَّهِ: ((إنكَ لستَ تصنَعُ ذلك خُيلاء)) قال موسى: فقلتُ لسالم أذكرّ
عبدُ اللَّهِ: ((مَن جَرَّ إزارَه)؟ قال: لم أسمعْهُ ذكرَ إلا (ثوبه)). [الحديث ٣٦٦٥- أطرافه في:
٥٧٨٣، ٥٧٩١، ٦٠٦٢].
وبه قال: (حدّثنا محمد بن مقاتل) المروزي المجاور بمكة قال: (أخبرنا عبد اللّه) بن المبارك
قال: (أخبرنا موسى بن عقبة) الإمام في المغازي (عن سالم بن عبد الله عن) أبيه (عبد الله بن
عمر) رضي الله عنهما أنه (قال: قال رسول الله (وَ ﴾):
(من جرّ ثوبه خيلاء) أي لأجل الخيلاء أي كبرًا (لم ينظر الله إليه) نظر رحمة (يوم القيامة.
فقال أبو بكر: إن أحد شقي) بكسر المعجمة أي جانبي (ثوبي يسترخي) بالخاء المعجمة وكان سبب
استرخائه نحافة جسم أبي بكر رضي الله عنه (إلا أن أتعاهد ذلك منه) أي إذا غفلت عنه استرخى
(فقال رسول الله وَله: إنك لست تصنع ذلك خيلاء) فيه أنه لا حرج على من انجرّ إزاره بغير
قصد مطلقًا وهل كراهة ذلك للتحريم أو للتنزيه فيه خلاف.
١٥٧
کتاب فضائل أصحاب النبي ڑ#/ باب ٥
(قال موسى) بن عقبة بالسند السابق (فقلت لسالم) هو ابن عبد الله بن عمر (أذكر) فعل
ماض والهمزة للاستفهام (عبد الله) أي أبوه (من جرّ إزاره؟ قال): سالم (لم أسمعه ذكر إلاّ ثوبه).
ومباحث هذا تأتي إن شاء الله تعالى في اللباس بعون الله وقوته.
٣٦٦٦ - حدثنا أبو اليمانِ أخبرَنا شُعيبٌ عنِ الزُّهريّ قال: أخبرَني حُمَيدُ بن
عبد الرحمنِ بن عَوفٍ أنَّ أبا هريرةَ قال: ((سمعتُ رسولَ اللَّهِ وَّهِ يقول: مَن أنفقَ زَوجَينٍ مِن
شيءٍ من الأشياء في سبيل الله دُعِيَ من أبوابٍ - يعني الجنة - يا عبدَ الله هذا خيرٌ. فمن كان
من أهلِ الصلاةِ دُعي من بابِ الصلاةِ، ومن كان من أهل الجهادِ دُعِيَ من باب الجهاد، ومن
كان من أهل الصدَقةِ دُعيَ من بابِ الصدقة، ومن كان من أهل الصيام دُعيَ من بابِ الصيام
وبابِ الرِّيّان. فقال أبو بكرٍ: ما على هذا الذي يُدعى من تلكَ الأبوابِ من ضَرورة. وقال: هل
يُدعى منها كلّها أحد يا رسولَ الله؟ قال: نعم، وأرجو أن تكونَ منهم يا أبا بكر)).
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: أخبرنا (شعيب) هو
ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (حميد بن
عبد الرحمن بن عوف أن أبا هريرة) رضي الله عنه (قال: سمعت رسول الله وَ ل* يقول):
(من أنفق زوجين) أي شيئين (من شيء من الأشياء) وفسر في بعض الأحاديث ببعيرين
شاتين درهمين. قال التوربشتي: ويحتمل أن يراد به تكرار الإنفاق مرة بعد أخرى. قال الطيبي:
وهذا هو الوجه إذا حملت التثنية على التكرير لأن القصد من الإنفاق التثبيت من الأنفس بإنفاق
كرائم الأموال والمواظبة على ذلك كما قال تعالى: ﴿ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله
وتثبيتًا من أنفسهم﴾ [البقرة: ٢٦٥]. أي ليثبتوا ببذل المال الذي هو شقيق الروح وبذله أشق شيء
على النفس من سائر العبادات الشاقة (في سبيل الله) في طلب ثوابه وهو أعم من الجهاد وغيره من
العبادات أو خاص بالجهاد (دعي من أبواب) بغير تنوين (يعني الجنة) والظاهر أن لفظ الجنة سقط
عند بعض الرواة فلمراعاة المحافظة زاد يعني (يا عبد الله هذا خير) أي من الخيرات وليس المراد
به أفعل التفضيل (فمن كان من أهل الصلاة) المؤدين لفرائضها المكثرين من نوافلها (دعي من باب
الصلاة ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة) المكثرين منها
(دعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام) المكثرين منه (دعي من باب الصيام وباب
الريان) وسقطت الواو من بعض النسخ فيكون باب بدلاً أو بيانًا (فقال أبو بكر: ما على هذا الذي
يدعى من تلك الأبواب من ضرورة؟) قال المظهري: ما نفي ومن في من ضرورة زائدة أي ليس
ضرورة على من دعي من تلك الأبواب إذ لو دعي من باب واحد لحصل مراده وهو دخول الجنة
مع أنه لا ضرورة عليه أن يدعى من جميع الأبواب.
(وقال): أبو بكر الصديق رضي الله عنه (هل يدعى منها كلها أحد يا رسول الله؟
١٥٨
كتاب فضائل أصحاب النبي 3#/ باب ٥
قال): ﴿، ولأبي ذر: فقال (نعم) يدعى منها كلها على سبيل التخيير في الدخول من أيها شاء
لاستحالة الدخول من الكل معًا (وأرجو أن تكون منهم يا أبا بكر).
والحاصل أن كل من أكثر نوعًا من العبادة خصّ بباب يناسبه ينادى منه فمن اجتمع له
العمل بجميعها دعي من جميع الأبواب على سبيل التكريم ودخوله إنما يكون من باب واحد وهو
باب العمل الذي يكون أغلب عليه، وأن الصديق من أهل الأعمال كلها إذ الرجاء منه وَلأول
واجب وفيه أقوى دليل على فضيلة أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه. والحديث سبق في
الصوم.
٣٦٦٧ - حدثنا إسماعيلُ بن عبدِ اللَّه حدَّثَنا سليمانُ بن بِلالٍ عن هشام بن عُروةَ قال
أخبرَني عُروةُ بن الزُّبَيْر عن عائشةَ رضيَ اللَّهُ عنها زوجِ النبيِّ وَّهِ: ((أنَّ رسولَ اللَّهِ وَلِّ مات وأبو
بكرٍ بالسّنْح - قال إسماعيلُ: يعني بالعالية - فقام عمرُ يقول: والله ما مات رسولُ اللهِ وَّةٍ. قالت
وقال عمرُ: والله ما كان يقعُ في نفسي إلا ذاك، ولَيَبعثنَّهُ الله فَلَيقطعَنَّ أيديَ رجالٍ وأرجُلَهم.
فجاء أبو بكرٍ فكشفَ عن رسولِ اللهِ وَ﴿ فقبَّلهُ فقال: بأبي أنتَ وأمي، طِبتَ حيًّا وَيْتًا، والذي
نَفسي بيدِه لا يُذيقُكَ اللَّهُ الموتَتَين أبدًا. ثمَّ خرج فقال: أيُّها الحالفُ، على رِسْلِك. فلما تكلّم
أبو بكرٍ جَلَس عمر).
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل بن عبد الله) الأويسي (قال: حدثنا سليمان بن بلال) أبو أيوب
القرشي التيمي (عن هشام بن عروة عن) أبيه (عروة بن الزبير) ولأبي ذر: قال (أخبرني) بالإفراد
عروة بن الزبير (عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي ◌َلي أن رسول الله (وَلخير مات وأبو بكر)
غائب عند زوجته بنت خارجة الأنصاري (بالسنح) بالسين المهملة المضمومة والنون الساكنة بعدها
حاء مهملة (قال إسماعيل) بن عبد اللّه الأويسي المذكور (يعني) ولأبي ذر تعني بالفوقية بدل
التحتية أي عائشة بالسنح (بالعالية) وهي منازل بني الحرث (فقام عمر) بن الخطاب حال كونه
(يقول: والله ما مات رسول الله (*) وعند أحمد أن عائشة قالت: جاء عمر والمغيرة بن شعبة
فاستأذنا فأذنت لهما وجذبت الحجاب فنظر عمر إليه فقال: واغشياه ثم قاما فلما دنوا من الباب
قال المغيرة: يا عمر مات. قال: كذبت إن رسول الله ◌َ ﴿ لا يموت حتى يفني الله المنافقين.
الحديث، وهذا قاله عمر بناء على غلبة ظنه حيث أداه اجتهاده إليه، وفي سيرة ابن إسحق من
طريق ابن عباس أن عمر رضي الله عنه قال له: إن الحامل على هذه المقالة قوله تعالى: ﴿وكذلك
جعلناكم أمة وسطًا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣].
فظن أنه وَلهو يبقى في أمته حتى يشهد عليها.
(قالت): عائشة (وقال عمر: والله ما كان يقع في نفسي إلا ذاك) أي عدم موته (وليبعثنه
الله) عز وجل في الدنيا (فليقطعن) بفتح اللام والتحتية وسكون القاف وفتح الطاء، ولأبي ذر:
١٥٩
کتاب فضائل أصحاب النبي {ێ#/ باب ٥
فليقطعن بضم التحتية وفتح القاف وكسر الطاء مشددة (أيدي رجال وأرجلهم) قائلين بموته عليه
الصلاة والسلام (فجاء أبو بكر) رضي الله عنه من السنح (فكشف عن) وجه (رسول الله الخليفي
فقبّله) بين عينيه (فقال): وفي اليونينية والفرع قال: وكشط ما قبلها (بأبي أنت وأمي) أي مفدى
بهما فالباء متعلقة بمحذوف (طبت حيًا وميتًا و) الله (الذي نفسي بيده لا يذيقك الله) برفع يذيق
(الموتتين) في الدنيا (أبدًا) ومراده الرد على عمر حيث قال: إن الله بعثه حتى يقطع أيدي رجال
وأرجلهم لأنه لو صح ما قاله لزم أن يموت موتة أخرى فأشار إلى أنه أكرم على الله من أن يجمع
عليه موتتين كما جمعهما على غيره كالذي مرّ على قرية أو أنه يحيا في قبره ثم لا يموت (ثم خرج)
أبو بكر من عند النبي وَ ل وعمر يكلم الناس (فقال): له (أيها الحالف) أن رسول الله نَ ليه ما مات
(على رسلك) بكسر الراء اتئد في الحلف ولا تستعجل (فلما تكلم أبو بكر جلس عمر) وفي
الجنائز خرج أبو بكر وعمر يكلم الناس فقال: اجلس فأبى.
٣٦٦٨ - ((فحمد اللَّهَ أبو بكر وأثنى عليه وقال: ألا مَن كان يَعبُد محمدًاً لَّه فإنَّ محمدًا قد
مات، ومَن كان يَعبُدُ اللَّهَ فإنَّ اللَّهَ حيٍّ لا يموت وقال: ﴿إِنَّك ميِّتْ وإنهم ميِّتون﴾
[الزمر: ٣٠]. وقال: ﴿وما محمد إلا رسولٌ قد خَلَتْ من قبلهِ الرَّسُلِ أفإنْ مات أو قُتِلَ انقلَبْتم
على أعقابِكم ومَن يَنقلِبْ على عَقبَيهِ فلن يَضُرَّ اللَّهَ شيئًا وسَيَجْزي اللَّهُ الشاكرين﴾ [آل
عمران: ١٤٤]. قال: فنشَجَ الناسُ يَبكون. قال: واجتمعتِ الأنصارُ إلى سعد بن عُبادةَ في
سقيفةٍ بني ساعِدة فقالوا: منّا أميرٌ ومنكم أمير، فذهَبَ إليهم أبو بكرٍ وعمرُ بن الخطّاب وأبو
عبيدةَ بنُ الجَرّاحِ، فذهبَ عمرُ يتكلّم، فأسكتَهُ أبو بكرٍ، وكان عمرُ يقول: واللَّهِ ما أردتُ بذلكَ
إلاّ أني قد هيّأْتُ كلامًا قد أعجبَني خشيتُ أن لا يَبلغَهُ أبو بكر. ثمَّ تكلم أبو بكرٍ فتكلم أبلغَ
الناس، فقال في كلامه: نحنُ الأمراءُ وأنتُم الوزراء. فقال حُبابُ بن المنذر: لا واللَّهِ لا نَفعلُ،
منَّا أميرٌ ومنكم أمير. فقال أبو بكر: لا، ولكنّا الأمراءُ وأنتُم الوزراء. هم أوسَطُ العرَبِ دارًا
وأعرَبُهم أحسابًا، فبايعوا عمرَ أو أبا عُبِيدة. فقال عمرُ: بل نُبايعُكَ أنتَ، فأنتَ سيِّدُنا وخَيْرُنا
وأحبُّنا إلى رسولِ اللَّه وَلِ﴾. فأخذَ عمرُ بيدهِ فبايعَهُ وبايعَهُ الناس. فقال قائل: قَتلتم سعدَ بنَ
عُبادة، فقال عمرُ: قَتَلَهُ الله)).
(فحمد الله أبو بكر وأثنى عليه وقال: ألا) بالتخفيف للتنبيه على ما يأتي بعد (من كان
يعبد محمدًا فإن محمدًا وَ﴿ قد مات) وسقطت التصلية لأبي ذر (ومن كان يعبد الله فإن الله حي
لا يموت، وقال: ﴿إِنك ميت وإنهم ميتون﴾﴾ [الزمر: ٣٠]. فإن الكل بصدد الموت في عداد
الموتى (وقال: ﴿وما محمد إلاّ رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على
أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئًا﴾) بارتداده (﴿وسيجزي الله الشاكرين)) [آل
عمران: ١٤٤]. (قال: فنشج الناس) بنون فشين معجمة فجيم مفتوحات (يبكون) قال
١٦٠
كتاب فضائل أصحاب النبي {185/ باب ٥
الجوهري: نشج الباكي إذا غصّ بالبكاء في حلقه من غير انتحاب أو هو بكاء معه صوت.
(قال: واجتمع الأنصار إلى سعد بن عبادة) الأنصاري الساعدي وكان نقيب بني ساعدة
لأجل الخلافة (في سقيفة بني ساعدة) موضع مسقف كالساباط يجتمع إليه الأنصار (فقالوا): أي
الأنصار للمهاجرين (منا أمير ومنكم أمير) قالوا ذلك على عادة العرب الجارية بينهم أن لا يسود
القبيلة إلا رجل منهم (فذهب إليهم أبو بكر وعمر بن الخطاب وأبو عبيدة) عامر (بن الجراح)
رضي الله عنهم (فذهب عمر يتكلم فأسكته) بالفوقية (أبو بكر، وكان عمر يقول: والله ما أردت
بذلك إلا أني قد هيأت كلامًا قد أعجبني خشيت) أي خفت (أن لا يبلغه أبو بكر ثم تكلم أبو
بکر فتكلم) حال كونه (أبلغ الناس). ويجوز رفع أبلغ خبر مبتدأ محذوف أي فتكلم أبو بكر وهو
أبلغ الناس.
وفي باب رجم الحبلى من الزنا من حديث ابن عباس عن عمر أنه قال: قد كان من خبرنا
حين توفى الله نبيه أن الأنصار خالفونا واجتمعوا بأسرهم في سقيفة بني ساعدة وخالف عنا علي
والزبير ومن معهما واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر رضي الله عنه، فقلت لأبي بكر: انطلق بنا إلى
إخواننا هؤلاء من الأنصار فانطلقنا نريدهم. الحديث إلى أن قال: فلما جلسنا خطب خطيبهم
فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: أما بعد؛ فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام، وأنتم معشر
المهاجرين رهط وقد دفت دافة من قومكم فإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا وأن يحضنونا من
الأمر فلما سكت قال عمر: أردت أن أتكلم وكنت زوّرت مقالة أعجبتني أريد أن أقدمها بين
يدي أبي بكر وكنت أداري منه بعض الحديث، فلما أردت أن أتكلم قال أبو بكر: على رسلك
فكرهت أن أغضبه، فتكلم أبو بكر فكان هو أحلم مني وأوقر والله ما ترك من كلمة أعجبتني في
تزويري إلاّ قال في بديته مثلها أو أفضل منها.
(فقال في) جملة (كلامه: نحن) أي قريش (الأمراء وأنتم الوزراء) المستشارون في الأمور
والخلافة لا تكون إلا في قريش (فقال حباب بن المنذر): بضم الحاء المهملة وفتح الموحدة الأولى
مخففة والمنذر بلفظ الفاعل من الإنذار الأنصاري (لا والله لا نفعل) ذلك (منا أمير ومنكم أمير)
وزاد ابن سعد من رواية يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد: فإنا والله ما ننفس عليكم هذا
الأمر ولكنا نخاف أن يليه أقوام قتلنا آباءهم وإخوانهم (فقال أبو بكر: لا ولكنا الأمراء وأنتم
الوزراء. هم) أي قريش (أوسط العرب دارًا) مكة أي هم أشرف قبيلة (وأعربهم أحسابًا) بالموحدة
في أعربهم وأحسابًا بفتح الهمزة بالموحدة جمع حسب أي شبه شمائل وأفعالاً بالعرب والحسب
الفعال الحسان مأخوذ من الحساب إذا عدّوا مناقبهم فمن كان أكثر كان أعظم حسبًا، ويقال
النسب للآباء والحسب للأفعال (فبايعوا) بكسر التحتية بلفظ الأمر (عمر بن الخطاب أو أبا
عبيدة بن الجراح) ثبت ابن الجراح لأبي ذر (فقال عمر): رضي الله عنه (بل نبايعك أنت فأنت
سيدنا وخيرنا وأحبنا إلى رسول الله#، فأخذ عمر بيده) أي بيد أبي بكر (فبايعه وبايعه الناس)