Indexed OCR Text

Pages 401-420

٤٠١
كتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٤٨
إليه وأنّ دينه متصل بدينه ليس بينهما نبيّ وأنّ عيسى عليه الصلاة والسلام كان مبشرًا به ممهدًا
لقواعد دينه داعي الخلق إلى تصديقه. (والأنبياء) عليهم الصلاة والسلام (أولاد علاّت) بفتح العين
وتشديد اللام. والعَّة: الضرّة؛ مأخوذة من العلل وهي الشربة الثانية بعد الأولى، وكأن الزوج قد
عَلَّ منها بعدما كان ناهلاً من الأخرى. وأولاد العلاّت: أولاد الضرّات من رجل واحد. يريد أن
الأنبياء أصل دينهم واحد وفروعهم مختلفة، فهم متفقون في الاعتقاديات المسماة بأصول الدين
كالتوحيد وسائر علم الكلام، مختلفون في الفروع وهي الفقهيات. وإن عيسى (ليس بيني وبينه
نبيّ) وهو كالشاهد لقوله: ((أنا أولى الناس بابن مريم)). لا يقال إنه ورد أن الرسل الثلاثة الذين
أرسلوا إلى أصحاب القرية المذكورة قصتهم في سورة يس كانوا من أتباع عيسى عليه السلام وأن
جرجيس وخالد بن سنان كانا نبيين وكانا بعد عيسى؛ لأن هذا الحديث الصحيح يضعف ذلك.
وهذا الحديث من إفراد.
٣٤٤٣ - حدثنا محمدُ بنُ سِنَانٍ: حدثنا فُلَيْحُ بنُ سليمانَ: حدثنا هِلالُ بنُ عليٍّ عن
عبد الرَّحْمْنِ بن أبي عَمْرَةَ عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: قال رسولُ اللهِ وَل ◌ِ: ((أنا أَوْلَى
النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ في الدُّنيا والآخرةِ، والأَنبياءُ إخوةٌ لِعِلاَّتٍ أُمَّهَاتُهُمْ شَتَى ودِينُهُمْ واحدٌ».
وقال إبراهيمُ بنُ طَهْمَانَ عن موسى بنِ عُقْبَةَ عن صَفْوانَ بنِ سُلَيْمٍ عن عَطاءِ بنِ يَسَارٍ عن أبي
هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: قال رسول الله أَلّ.
وبه قال: (حدثنا محمد بن سنان) الباهلي البصري قال: (حدثنا فليح بن سليمان) بضم الفاء
مصغرًا، أو فليح لقب واسمه عبد الملك، قال: (حدثنا هلال بن علي) واسم جده أسامة العامري
المدني (عن عبد الرَّحمن بن أبي عمرة) بفتح العين وسكون الميم الأنصاري المدني. ولد في
عهده وَّر. قال ابن أبي حاتم: ليس له صحبة. (عن أبي هريرة) رضي الله عنه أنه (قال: قال
رسول الله وَد):
(أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة) لكونه مبشّرًا بي قبل بعثتي وممهدًا
لقواعد ملتي في آخر الزمان تابعًا لشريعتي ناصرًا لديني، فكأننا واحد. (والأنبياء إخوة
لعلات) استئناف فيه دليل على الحكم السابق، وكأن سائلاً سأل عما هو المقتضي لكونه أولى
الناس به فأجاب بذلك. (أمهاتهم شتى ودينهم) في التوحيد (واحد). ومعنى الحديث أن
حاصل أمر النبوّة والغاية القصوى من البعثة التي بعثوا جميعًا لأجلها دعوة الخلق إلى معرفة
الحقّ وإرشادهم إلى ما به ينتظم معاشهم ويحسن معادهم، فهم متفقون في هذا الأصل وإن
اختلفوا في تفاريع الشرع التي هي كالوصلة المؤدية والأوعية الحافظة له؛ فعبّر عما هو الأصل
المشترك بين الكلّ بالأب ونسبهم إليهم، وعبّر عما يختلفون فيه من الأحكام والشرائع المتفاوتة
بالصورة المتقاربة في الغرض بالأمهات، وهو معنى قوله: ((أمهاتهم شتّى ودينهم واحد)). أو
أن المراد أن الأنبياء وإن تباينت أعصارهم وتباعدت أيامهم فالأصل الذي هو السبب في
إرشاد الساري/ ج ٧ / م ٢٦

٤٠٢
کتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٤٨
إخراجهم وإبرازهم كلاَّ في عصره أمرٌ واحد وهو الدين الحق، فعلى هذا فالمراد بالأمهات
الأزمنة التي اشتملت عليهم.
(وقال إبراهيم بن طهمان) بفتح الطاء المهملة وسكون الهاء، الخراساني، فيما وصله
النسائي. وسقطت واو ((وقال)) لأبي ذرّ. (عن موسى بن عقبة) الإمام في المغازي (عن صفوان بن
سليم) المدني الزهري مولاهم (عن عطاء بن يسار) الهلالي المدني مولى ميمونة (عن أبي هريرة)
رضي الله عنه أنه (قال: قال رسول الله وَل#) كذا ساقه معلقًا مختصرًا، وفائدته تعوّد طرق حديث
أبي هريرة.
٣٤٤٤ - وحدثنا عبدُ اللَّه بنُ مُحَمَّدٍ: حدَّثنا عبدُ الرَّزَّاقِ: أخبرنا مَعْمَرٌ عن همام عن أبي
هُريرة رضي الله عنه عن النبيِّ وَّ قال: ((رأَى عِيسَى ابْنُ مَزْيَمَ رَجُلاً يسرقُ، فقال له: أَسَرَقْتَ؟
قال: كلاّ والله الَّذي لا إله إلاّ هو! فقال عِيسَى: آمَنْتُ باللّهِ وكذَّبْتُ عَيْنِي)).
وبه قال: (وحدثنا) ولأبي ذرّ: وحدثني، بالإفراد. (عبد اللَّه بن محمد) المسندي قال:
(حدثنا عبد الرزاق) بن همام الصنعاني قال: (أخبرنا معمر) بفتح الميمين بينهما عين مهملة ساكنة،
ابن راشد (عن همام) بفتح الهاء وتشديد الميم الأولى، ابن منبه (عن أبي هريرة رضي الله عنه عن
النبي ◌َّة) أنه (قال:
(رأى عيسى ابن مريم) سقط ((ابن مريم)) لأبي ذر. (رجلاً يسرق) لم يسمّ الرجل ولا
المسروق (فقال له: أسرقت)؟ بهمزة الاستفهام في الفرع وأصله، وفي غيرهما: ((سرقت)) بغير
همزة. (قال: كلا) نفيّ للسرقة أكّده بقوله: (والله الذي) ولأبي ذرّ: ((والذي)) (لا إله إلا هو)
وللحموي والمستملي: إلا الله. (فقال عيسى: آمنت بالله) أي صدقت من حلف بالله (وكذبت
عيني) بالإفراد وتشديد ذال ((كذبت)). وللمستملي: ((وكَذَبت)) بتخفيفها. والتشديد هو الظاهر لما
رُوي في الصحيح من رواية معمر: ((وكذبت نفسي)) رواه مسلم وذكره الحميدي في جمعه في
الثامن والسبعين بعد المائتين من المتفق عليه، أعني رواية معمر بعد ذكر حديث همام هذا. وقوله:
((وكذبت نفسي)) خرج مخرج المبالغة في تصديق الحالف لا أنه كذب نفسه حقيقة، أو أراد صدقه
في الحكم لأنه لم يحكم بعلمه وإلاّ فالمشاهدة أعلى اليقين فكيف يكذب عينه ويصدق قول المدعي؟
وقول القرطبي: وظاهر قول عيسى ((سرقتَ)) أنه خبر جازم عما فعل الرجل من السرقة لكونه رآه
أخذ مالاً من حرز في خفية، وقوله ((وكذبتُ نفسي)) أي كذبت ما ظهر لي من كون الأخذ سرقة،
إذ يحتمل أن يكون الرجل أخذ ما له فيه حق أو ما أذن له صاحبه في أخذه أو أخَذَه ليقلبه وينظر
فيه، ولم يقصد الغصب والاستيلاء. ويحتمل أن يكون عيسى عليه السلام كان غير جازم بذلك،
وإنما أراد استفهامه بقوله: ((سرقتَ)) وتكون أداة الاستفهام محذوفة، وهو سائغ. اعتُرض
بجزمه وَ﴿ حيث قال: ((إن عيسى رأى رجلاً يسرق)) فالاستفهام بعيد، وبأن احتمال كونه أخذ ما
يحلّ له بعيد أيضًا بهذا الجزم اهـ. وهذا يمكن على حذف الهمزة، أما على رواية إثباتها ففيه نظر

٤٠٣
كتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٤٨
فليتأمل. واستنبط منه منع القضاء بالعلم، وهو مذهب المالكية والحنابلة مطلقًا، وجوّزه الشافعية
إلا في الحدود. وهذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا.
٣٤٤٥ - حدثنا الحُمَيْديُّ: حدثنا سُفيانُ قال: سمعتُ الزُّهْريَّ يقول: أخبرني عُبَيْدُ اللَّه بنُ
عبدِ اللَّه عن ابنِ عَبَّاسٍ: سَمِعَ عُمَرَ رضي الله عنه يقول على المِثْبَرِ: سمعتُ النبيِّ وَّه يقول:
((لا تُطْرُوني كما أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، فإنما أنا عَبْدُهُ؛ فقولوا: عَبْدُ اللَّه ورَسُولُهُ».
وبه قال: (حدثنا الحميدي) عبد الله بن الزبير قال: (حدثنا سفيان) بن عيينة (قال: سمعت
الزهري) محمد بن مسلم (يقول: أخبرني) بالإفراد (عبيد اللَّه) بضم العين (ابن عبد اللَّه) بن
عتبة بن مسعود (عن ابن عباس) أنه (سمع عمر) بن الخطاب (رضي الله عنه) حال كونه (يقول
على المنبر: سمعت النبي ◌ٌَّ يقول):
(لا تطروني) بضم التاء وسكون الطاء المهملة، من الإطراء؛ أي لا تمدحوني بالباطل، أو لا
تجاوزوا الحدّ في مدحي (كما أطرت النصارى) عيسى (ابن مريم) في ادعائهم إلهيته وغيرها (فإنما
أنا عبده) ورسوله (فقولوا: عبد اللَّه ورسوله).
فإن قلت: هل ادّعى أحد في نبينا عليه السلام ما ادعي في عيسى؟ أُجيب بأنهم قد كادوا
أن يفعلوا نحو ذلك حين قالوا له عليه الصلاة والسلام: أفلا نسجد لك؟ فقال: ((لو كنت آمرًا
أحدًا أن يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها)) فنهاهم عمّا عساه أن يبلغ بهم من العبادة.
وهذا الحديث طرف من حديث السقيفة ذكره مطوّلاً في كتاب المحاربين.
٣٤٤٦ - حدّثنا محمدُ بنُ مُقاتلٍ: أخبرنا صالحُ بنُ حَيٍّ: أنَّ رَجُلاً مِنْ أَهْلِ خُراسَانَ قال
للشَّغبيِّ، فقال الشَّغْبِيُّ: أخبرني أبو بُرْدَةً عَنْ أبي موسى الأَشْعَريّ رضي الله عنه قال: قال
رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إذا أَدَّبَ الرَّجُلُ أَمَتَهُ فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَها، وعَلَّمها فَأَحْسَنَ تعليمَها، ثُمَّ أَعْتَقَها
فتزوَّجها كان له أَجْرَانٍ؛ وإذا آمَنَ بعيسَى ثم آمَنَ بي فله أَجْرانِ، والعبْدُ إذا اتَّقَى رَبَّهُ وأَطاعَ مَوَالِيَهُ
فله أَجْرانِ».
وبه قال: (حدثنا محمد بن مقاتل) المروزي المجاور بمكة، قال: (أخبرنا عبد اللَّه) بن المبارك
المروزي، قال: (أخبرنا صالح بن حيّ) بفتح الحاء المهملة ضد الميت، هو صالح بن صالح
الهمداني (أنّ رجلاً من أهل خراسان) الإقليم العظيم (قال الشعبي) عامر بن شراحيل (فقال
الشعبي) حذف السؤال، وقد ذكره في رواية حبان بن موسى عن ابن المبارك فقال: إنّا نقول عندنا
إن الرجل إذا أعتق أمّ ولده ثم تزوجها فهو كالراكب بدنته؟ فقال الشعبي: (أخبرني) بالإفراد (أبو
بردة) بضم الموحدة، عامر أو الحرث (عن) أبيه (أبي موسى) عبد الله بن قيس (الأشعري رضي
الله عنه) أنه (قال: قال رسول الله وَال﴿):

٤٠٤
كتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٤٨
(إذا أدّب الرجل أَمَته) لتتخلق بالأخلاق الحسنة (فأحسن تأديبها) برفق ولطف من غير عنف
(وعلّمها) ما يجب تعليمه (فأحسن تعليمها، ثم أعتقها فتزوجها) بعد أن أصدقها (كان له) للرجل
(أجران) أجر العتق وأجر التزويج (وإذا آمن بعيسى) ابن مريم (ثم آمن بي فله أجران) أجر إيمانه
بعيسى وأجر إيمانه بنبينا وَّ ر (والعبد) المملوك (إذا اتّقى ربه وأطاع مواليه فله أجران) أجر اتقاء
ربه وأجر طاعة مواليه.
وهذا الحديث قد سبق في باب تعليم الرجل أمته من كتاب العلم وفي العتق والجهاد، ويأتي
في النكاح إن شاء الله تعالى.
٣٤٤٧ - حدثنا محمدُ بنُ يُوسُفَ: حدَّثنا سفيانُ عن المُغِيرَةِ بْنِ النُّعمانِ عن سَعِيدِ بنِ
جُبَيْرٍ عَنِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: قال رسولُ اللهِّهِ: ((تُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُزْلاً).
ثم قرأ: ﴿كما بَدَأْنَا أوَّلَ خَلْقِ نُعِيدُهُ وَعْدًا علينا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] ((فأوّلُ مَنْ
يُكْسَى إبراهيمُ، ثُمَّ يُؤْخَذُ برجالٍ من أَصحابي ذاتَ اليمينِ وذاتَ الشّمالِ، فأقولُ: أَصحابي!
فيُقال: إنَّهم لم يَزالوا مُرْتَدِينَ على أعقابهم منذ فَارَقْتَهُمْ. فأقول كما قال العَبْدُ الصالحُ عيسى
ابنُ مَزْيَمَ: ﴿وكُنْتُ عليهم شَهِيدًا ما دُمْتُ فيهم فلمَّا تَوَفَيْنَي كُنْتَ أنْتَ الرَّقيبَ عليهم وأَنْتَ
على كُلِّ شيءٍ شَهِيدٌ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فإِنَّهم عِبَادُكَ وإنْ تَغْفِرْ لهم فإنّكَ أنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾
[المائدة: ١١٧، ١١٨])).
قال محمدُ بْنُ يُوسُفَ الفِرَبْرِيُّ: ذُكر عند أَبِي عَبْدِ اللَّه عَنْ قَبِيصَةَ قالَ: ((هُمُ المُرْتَدُونَ
الذين ارْتَدُوا على عَهْدِ أبي بَكْرٍ فقاتلهم أَبُو بكرٍ رضي الله عنه)).
وبه قال: (حدثنا محمد بن يوسف) الفريابي قال: (حدثنا سفيان) الثوري (عن المغيرة بن
النعمان) النخعي الكوفي (عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما) أنه (قال: قال
رسول الله اَلر):
(تُحشرون) عند الخروج من القبور حال كونكم (حفاة) بلا خُفّ ولا نعل (عراة) بلا ثياب،
وبعضكم بثيابه لحديث أبي سعيد صححه ابن حبان مرفوعًا: ((إنّ الميتَ يُبْعَثُ بثيابِهِ الّتي يَمُوتُ
فيها)). (غرلاً) غير مختونين (ثم قرأ: ﴿كما بدأنا أول خلق نعيده﴾) أي نوجده بعينه بعد إعدامه
مرة أخرى (﴿وعدًا علينا إنا كنا فاعلين﴾) الإعادة والبعث. (فأول من يكسى) من الأنبياء يوم
القيامة (إبراهيم) الخليل بعد حشر الناس كلهم عراة أو بعضهم كاسيًا أو بعد خروجهم من
قبورهم بأثوابهم التي ماتوا فيها، ثم تتناثر عنهم عند ابتداء الحشر فيحشرون عراة، ثم يكون أول
من يكسى إبراهيم. (ثم يؤخذ برجال من أصحابي ذات اليمين) وهي جهة الجنة (وذات الشمال)
جهة النار (فأقول): هؤلاء (أصحابي)! مرة واحدة (فيقال: إنهم لم) بالميم (يزالوا مرتدين على

٤٠٥
کتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٤٩
أعقابهم) بالكفر (منذ فارقتهم. فأقول كما قال العبد الصالح عيسى ابن مريم: ﴿وكنت عليهم
شهيدًا ما دمت فيهم﴾) مشاهدًا لأحوالهم من كفر وإيمان (فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم)
المراقب لأحوالهم (وأنت على كل شيء شهيد) مطلع عليه مراقب له (إن تعذبهم فإنهم عبادك) ولا
اعتراض على المالك المطلق فيما يفعل في ملكه (﴿وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم﴾) الذي
لا يثيب ولا يعاقب إلا عن حكمة. وثبت: ((إن تعذبهم ... الخ)» ولأبي ذرّ. وعند غيره بعد
قوله: ((شهيدًا)) إلى قوله: ((العزيز الحكيم)).
(قال محمد بن يوسف الفربري) سقط لفظ ((الفربري)) لغير أبي ذر (ذكر) بضم الذال المعجمة
مبنيًّا للمفعول (عن أبي عبد الله) محمد بن إسماعيل البخاري مما وصله الإسماعيلي (عن
قبيصة) بن عقبة السوائي العامري، وهو شيخ البخاري، أنه (قال) في قوله ((فيقال إنهم لم يزالوا
مرتدين ... الخ)): (هم المرتدون) من الأعراب (الذين ارتدوا) عن الإسلام (على عهد أبي بكر)
الصدّيق في خلافته (فقاتلهم أبو بكر رضي الله عنه) وهذا وصله الإسماعيلي. ولا ريب أن من
ارتدّ سُلب اسم الصحبة لأنها نسبة شريفة إسلامية فلا يستحقّها من ارتدّ بعد أن اتّصف بها.
والحاصل أنه حمل قوله ((من أصحابي)) أي باعتبار ما كان قبل الردّة لأنهم ماتوا على ذلك.
٤٩ - باب نزول عيسى ابن مريم عليهما السلام
من السماء إلى الأرض آخر الزمان. وسقط لفظ ((باب)) لأبي ذرّ، فـ ((نزولُ)) رفع.
٣٤٤٨ - حدثنا إسحاقُ: أخبرنا يَعْقُوبُ بنُ إبراهيمَ: حدَّثنا أبي عن صالحٍ عن ابنِ
شِهَابٍ: أنَّ سَعِيدَ بْنَ المُسَيَّبِ سَمِعَ أبا هريرةَ رضي الله عنه قال: قال رَسُولُ اللهِ وَّ: ((والّذي
نَفْسِي بيده! لَيُوشِكَنَّ أنْ ينزِلَ فِيكُمُ ابنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَذْلاً، فَيَكْسِرَ الصليبَ ويَقْتُلَ الخِنْزِيرَ ويَضَعَ
الجِزْيَةَ، ويَفِيضَ المالُ حتّى لا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ، حتّى تكونَ السَّجْدَةُ الواحدةُ خَيْرٌ من الدُّنْيا وما فيها».
ثم يقول أبو هريرة رضي الله عنه: واقْرَءُوا إنْ شئتُمْ: ﴿وإنْ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ إلاّ لَيُؤْمِنَنَّ به قَبْلَ
مَوْتِهِ ويَوْمَ القيامةِ يَكُونُ عليهم شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٥٩].
وبه قال: (حدثنا إسحاق) بن راهويه قال: (أخبرنا يعقوب بن إبراهيم) الزهري قال:
(حدثنا أبي) إبراعيم بن عبد الرَّحمن بن عوف (عن صالح) هو ابن كيسان (عن ابن شهاب)
محمد بن مسلم الزهري (أن سعيد بن المسيب سمع أبا هريرة رضي الله عنه قال: قال
رسول الله ◌َد):
(و) الله (الذي نفسي بيده) بقدرته وتصريفه. قال في فتح الباري: فيه الحلف في الخبر
مبالغة في تأكيده. (ليوشكن) بكسر المعجمة وفتح الكاف: ليقربن سريعًا (أن ينزل فيكم ابن مريم
حكمًا عدلاً) عند مسلم من طريق الليث عن ابن شهاب: ((وحكمًا مقسطًا)) أي حاكمًا عادلاً يحكم

٤٠٦
کتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٤٩
بهذه الشريعة المحمدية ولا يحكم بشريعته التي أنزلت عليه في أوان رسالته. (فيكسر الصليب)
الفاء تفصيلية لقوله ((حكمًا عدلاً)). (ويقتل الخنزير) أي يبطل دين النصرانية بكسر الصليب
حقيقة، أو يبطل ما تزعمه النصارى من تعظيمه. واستدلّ به على تحريم اقتناء الخنزير وأكله
ونجاسته؛ لأن الشيء المنتفع به لا يجوز إتلافه. لكن في الطبراني الأوسط من طريق أبي صالح
عن أبي هريرة: ((فيكسر الصليب ويقتل الخنزير والقرد)) وإسناده لا بأس به. وحينئذ فلا يصح
الاستدلال به على نجاسة عين الخنزير لأن القرد ليس بنجس اتفاقًا. (ويضع الجزية) من أهل
الكتاب لأنه لا يقبل إلا الإسلام ولعدم احتياج الناس إلى المال لما تلقيه الأرض من بركاتها كما
قال: (ويفيض المال) بفتح الياء: يكثر (حتى لا يقبله أحد) وليس عيسى بناسخ لحكم الجزية بل
نبينا محمد ◌ّ هو المبين للنسخ بهذا، فعدم قبولها هو من هذه الشريعة لكنه مقيّد بنزول عيسى.
ولأبي ذرّ عن الحموي والمستملي: ((ويضع الحرب)) بالحاء المهملة والراء الساكنة والموحدة بدل
الجزية. (حتى تكون السجدة الواحدة خير) بالرفع. ولأبي ذرّ والأصيلي: ((خيرًا)) بالنصب خبر
((كان)). (من الدنيا وما فيها) و ((حتى)) الأولى متعلقة بقوله: ((ويفيض المال)) والثانية غاية لمفهوم
قوله: ((فيكسر الصليب ... الخ)) والمعنى أنهم لا يتقربون إلى الله بالتصدّق بالمال بل بالعبادة لكثرة
المال إذ ذاك وعدم الانتفاع به، وإلا فمعلوم أن السجدة الواحدة دائمًا خير من الدنيا وما فيها.
(ثم يقول أبو هريرة) بالإسناد السابق، مستدلاً على نزول عيسى في آخر الزمان تصديقًا
للحديث: (واقرؤوا إن شئتم: ﴿وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمننّ به﴾) بعيسى (قبل موته) أي وإن
من أهل الكتاب أحد إلا ليؤمنن بعيسى قبل موت عيسى وهم أهل الكتاب الذين يكونون في
زمانه فتكون الملة واحدة وهي ملّة الإسلام. وبهذا جزم ابن عباس فيما رواه ابن جرير من طريق
سعيد بن جبير عنه بإسناد صحيح. وقيل: المعنى: ليس من أهل الكتاب أحد يحضره الموت إلا
آمن عند المعاينة قبل خروج روحه بعيسى وأنه عبد اللَّه وابن أَمَتِهِ، ولكن لا ينفعه الإيمان في
تلك الحالة. وظاهر القرآن عمومه في كل كتابيّ يهوديّ أو نصراني في زمن نزول عيسى وقبله.
فإن قلت: ما الحكمة في نزول عيسى دون غيره من الأنبياء؟ أجيب: للردّ على اليهود حيث
زعموا أنهم قتلوه فبين الله تعالى كذبهم وأنه الذي يقتلهم. (﴿ويوم القيامة يكون عليهم شهيدًا﴾)
أنه قد بلغهم رسالة ربه ومقرًّا بالعبودية على نفسه، وكل نبيّ شاهد على أمته.
٣٤٤٩ - حدثنا ابنُ بُكَيْرِ: حدثنا اللّيثُ عن يُونُسَ عن ابنِ شِهَابٍ عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى أبي قَتَادَةً
الأَنصاريّ أنَّ أبا هُرَيْرَةَ قال: قال رسولُ اللهِ وَرَ: ((كَيْفَ أَنْتُمْ إِذا نَزَلَ ابنُ مَرْيَمَ فيكم وإِمامُكُمْ
مِنْكُمْ)). تابعه عُقَيْلٌ والأَوْزَاعيُّ.
وبه قال: (حدثنا ابن بكير) بضم الموحدة مصغرًا؛ هو يحيى بن عبد الله بن بكير المخزومي
البصري، قال: (حدثنا الليث) بن سعد إمام المصريين الفهمي (عن يونس) بن يزيد الأيلي (عن
ابن شهاب) الزهري (عن نافع) أبي محمد بن عباس بالموحدة (مولى أبي قتادة الأنصاري) للملازمة

٤٠٧
کتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٥٠
له، وإلا فهو مولى امرأة من غفار. (إن أبا هريرة) رضي الله عنه (قال: قال رسول الله وَ اليد):
(كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم) في الصلاة (منكم) كما في مسلم: ((أنه يقال
له: صَلِّ لنا، فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة لهذه الأمة)). قال ابن الجوزي: لو
تقدم عيسى إمامًا لوقع في النفس إشكال ولقيل: أتراه نائبًا أو مبتدئًا شرعًا؟ فصلى مأمومًا لئلا
يتدنس بغبار الشبهة وجه قوله: ((لا نبيّ بعدي). وقال الطيبي: معنى الحديث أن يؤمكم عيسى
حال كونكم في دينكم. وصحح المولى سعد الدين التفتازاني أنه يؤمهم ويقتدي به المهدي لأنه
أفضل، فإمامته أولى. وهذا يعكر عليه حديث مسلم السابق. وقال الحافظ أبو ذرّ الهروي: حدثنا
الجوزقي عن بعض المتقدمين أن معناه أنه يحكم بالقرآن لا بالإنجيل. وهذا الحديث أخرجه مسلم
في الإيمان.
(تابعه) أي تابع يونس (عقيل) بضم العين مصغرًا، ابن خالد، فيما وصله ابن منده.
(والأوزاعي) عبد الرَّحمن فيما وصله ابن منده أيضًا وابن حبان والبيهقي.
وفي حديث ابن عمر عند مسلم: ((أن مدة إقامة عيسى بالأرض بعد نزوله سبع سنين)).
وفي حديث ابن عباس عند نعيم بن حماد في كتاب الفتن: ((أنه يتزوج في الأرض ويقيم بها تسع
عشرة سنة)). وعند بإسناد فيه متّهم عن أبي هريرة: ((يقيم بها أربعين سنة)).
بسم الله الرحمن الرحيم
(بسم الله الرحمن الرحيم) سقطت البسملة لأبي ذرّ.
٥٠ - باب ما ذُكر عن بني إسرائيل
(باب ما ذكر عن بني إسرائيل) ذرية يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم من الأعاجيب التي
كانت في زمنهم.
٣٤٥٠ - حدثنا موسى بنُ إسماعيلَ: حدثنا أبو عَوَانَةَ: حدثنا عبد الملكِ بنُ عُمَيْرٍ عن
رِبْعِيِّ بنِ حِرَاشٍ قال: قال عُقْبَةُ بنُ عَمْرٍو لحُذَيفَةَ: ألا تحدّثُنا ما سمعتَ من رسولِ اللهِ وَّ؟
قال: إنّي سمعتُه يقولُ: ((إنَّ مَعَ الدَّجَّالِ إذا خَرَجَ ماءَ ونارًا؛ فأمَّا الَّذِي يَرَى النَّاسُ أَنَّهَا النَّارُ فماءٌ
باردٌ، وأمَّا الَّتِي يَرَى النَّاسُ أنّه ماءٌ باردٌ فَنَارٌ تُخْرِقُ. فَمَنْ أدركَ ذلك منكم فَلْيَقَعْ في الَّذِي يَرَى
أنها نارٌ فَإِنَّهَا عَذْبٌ بارِدٌ)). [الحديث ٣٤٥٠ - طرفه في: ٧١٣٠].
وبه قال: (حدثنا موسى بن إسماعيل) المنقري قال: (حدثنا أبو عوانة) الوضّاح بن عبد الله
اليشكري قال: (حدثنا عبد الملك) بن عمير الكوفي (عن ربعي بن حراش) بكسر الراء وسكون
الموحدة وكسر العين المهملة؛ وحراش بالحاء المهملة وبعد الراء المخففة ألف فمعجمة، الغطفاني،

٤٠٨
کتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٥٠
يقال إنه تكلم بعد الموت. أنه (قال: قال عقبة بن عمرو) بفتح العين وسكون الميم، الأنصاري
المعروف بالبدري (لحذيفة) بن اليمان (ألا) بالتخفيف (تحدثنا ما سمعت من رسول الله وَل﴿؟ قال:
إني سمعته يقول):
(إن مع الدجال إذا خرج ماء ونارًا، فأما الذي) ولأبي ذرّ عن الكشميهني: ((فأما التي)) (يرى
الناس أنها النار فماء بارد، وأما الذي يرى الناس أنه ماء بارد فنار تحرق؛ فمن أدرك) ذلك (منكم
فليقع في الذي يرى أنها نار فإنه) ماء (عذب بارد). وفي مسلم عن أبي هريرة: ((وإنه يجيء معه
مثل الجنة والنار، فالتي يقول إنه جنة هي النار وهذا من فتنته التي امتحن الله بها عباده، ثم
يفضحه الله تعالى ويظهر عجزه)) .
٣٤٥١ - قال حُذَيفةُ: وسمعته يقولُ: ((إنَّ رَجُلاً كان فِيمَنْ كان قَبْلَكُمْ أَتَاهُ المَلَكُ لِيَقْبِضَ
رُوحَهُ، فقيل له: هَلْ عَمِلْتَ مِنْ خَيْرِ؟ قال: ما أَعْلَمُ. قيل له: انْظُرْ. قال: ما أعْلَمُ شَيْئًا، غير
أَنِّي كنتُ أُبَايِعُ النَّاسَ في الدُّنْيَا فَأُجَازِيهِمْ فَأُنْظِرُ المُوسِرَ وَأَتجاوَزُ عَنِ المُعْسِرِ. فَأَدْخَلَهُ اللَّهُ
الجَنَّةَ)» .
(قال حذيفة) بالإسناد السابق (وسمعته) وَالر (يقول):
(إنّ رجلاً) لم يسمّ (كان فيمن كان قبلكم أناه الملك ليقبض روحه، فقيل) أي فقبضها فبعثه
الله فقال (له: هل عملت من خير؟ قال: ما أعلم. قيل له: انظر. قال: ما أعلم شيئًا غير أني
كنت أبايع الناس في الدنيا فأجازيهم) بضم الهمزة وبالجيم والزاي: أتقاضاهم الحق آخذ منهم
وأعطيهم (فأنظر الموسر وأتجاوز عن المعسر. فأدخله الله الجنة) وهذا سبق في البيع.
٣٤٥٢ - فقال: وسمعته يقول: ((إنَّ رَجُلاً حَضَرَهُ المَوْتُ، فلما يَئِسَ مِنَ الحياةِ أَوْصَى
أَهْلَهُ: إذا أَنَا مُتُّ فاجْمَعُوا لي حَطَبًا كثيرًا وأَوْقِدُوا فيه نَارًا، حَتَّى إذا أَكَلَتْ لَخْمي وخَلَصَتْ إلى
عَظْمي فامْتَحَشَتْ فخُذُوهَا فاطْحَنُوها ثُمَّ انْظُرُوا يَوْمًا رَاحًا فَاذْرُوهُ في اليَمِّ. فَفَعَلُوا. فجَمَعَهُ فقال
له: لِمَ فَعَلْتَ ذلك؟ قال: مِنْ خَشْيَتِكَ. فَغَفَرَ اللَّهُ له)).
قال عُقبةُ بنُ عَمْرٍو: ((وأنا سمعته يقول ذاك، وكانَ نَبَّاشًا)».
(فقال) ولأبي ذر: ((قال)) أي حذيفة (وسمعته) وَل (يقول):
(إنّ رجلاً) لم يسمّ (حضره الموت، فلما يئس من الحياة أوصى أهله: إذا أنا مت فاجمعوا لي
حطبًا كثيرًا وأوقدوا) لي (فيه) في الحطب (نارًا) وألقوني فيها (حتى إذا أكلت) أي النار (لحمي
وخلصت) بفتح اللام، أي وصلت (إلى عظمي فامتحشت) بفتح الفوقية والحاء المهملة والشين
المعجمة. ولأبي ذرّ: ((فامتُحشت)) بضم التاء وكسر الحاء: احترقت. (فخذوها) أي العظام المتحرقة
(فاطحنوها، ثم انظروا يومًا راحًا) براء مفتوحة بعدها ألف فحاء مهملة منوّنة: كثير الريح.

٤٠٩
کتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٥٠
(فاذروه) بالذال المعجمة ووصل الألف، أي طيروه (في اليمّ) في البحر (ففعلوا) ما أوصاهم به
(فجمعه فقال) ولأبي ذرّ عن الكشميهني: ((فجمعه الله فقال)» (له: لم فعلت ذلك؟ قال: من
خشيتك. فغفر الله له. قال عقبة بن عمرو) البدري لحذيفة: (وأنا سمعته) وَالر (يقول ذاك) بألف
من غير لام (وكان) أي الرجل الموصي (نبّاشًا) للقبور يسرق الأكفان. وظاهره أنه من زيادة
عقبة بن عمرو، ولكن أورده ابن حبان من طريق ربعي عن حذيفة قال: ((توفي رجل كان نبّاشًا،
فقال لولده: أحرقوني)) فدلّ على أن قوله ((وكان نبّاشًا)) من رواية حذيفة وعقبة معًا.
٣٤٥٣ - ٣٤٥٤ - حدثني بِشْرُ بنُ مُحَمَّدٌ: أخبرنا عبدُ اللَّه: أخبرني مَعْمَرٌ ويُونُسُ عَنِ
الزُّهْرِيِّ قال: أخبرني عُبَيْدُ اللَّهِ بنُ عَبْدِ اللَّه أنَّ عَائِشَةَ وابْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهم قالا: لما نَزَلَ
برسولِ اللهِ وَ﴿ُ طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً على وَجْهِهِ، فإذا اغْتَمَّ كَشَفَها عن وَجْهِهِ، فقال وهو
كذلك: (لَعْنَةُ اللَّهِ على اليَهُودِ والنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ)). يُحذّرُ ما صَنَعُوا.
وبه قال: (حدثني) بالإفراد. ولأبي ذرّ: حدّثنا (بشر بن محمد) بكسر الموحدة وسكون
المعجمة: السختياني المروزي، قال: (أخبرنا عبد اللَّه) بن المبارك المروزي قال: (أخبرني) بالإفراد
(معمر) هو ابن راشد (ويونس) بن يزيد الأيلي، كلاهما (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب
أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (عبيد الله) بضم العين (ابن عبد الله) بن عتبة بن مسعود (أن عائشة
وابن عباس رضي الله عنهم قالا لما نزل برسول الله (18) بفتح نون ((نزل)) وزايه: أي الموت أو
الملك لقبض روحه الشريفة زادها الله تعالى شرفًا (طفق) جعل (يطرح خميصة) كساء له أعلام (على
وجهه) الشريف (فإذا اغتمّ) بالغين المعجمة، أي تسخّن بالخميصة وأخذ بنفسه من شدّة الحر
(كشفها عن وجهه، فقال وهو كذلك) أي في حالة الطرح والكشف:
(لعنة الله على اليهود والنصارى) وكأنه سئل ما سبب لعنهم، فقال: (اتخذوا قبور أنبيائهم
مساجد) وكأنه قيل الراوي: ما حكمة ذكر ذلك في ذلك الوقت؟ فقال: (يحذّر) أمته أن يصنعوا
بقبره المقدس مثل (ما صنعوا) أي اليهود والنصارى بقبور أنبيائهم. وهذا الحديث قد سبق في
الصلاة في باب مفرد عقب باب الصلاة في البيعة. ومراد المؤلف منه هنا ذمّ اليهود والنصارى في
اتخاذ قبور أنبيائهم مساجد.
٣٤٥٥ - حقّثني محمدُ بنُ بَشّارٍ: حدّثنا محمدُ بنُ جَعْفَرٍ: حدّثنا شُعْبَةُ عَنْ فُراتِ القَزَّازِ
قال: سمعتُ أبا حازم قال: قَاعَدْتُ أبا هُرَيْرَةَ رضي الله عَنْهُ خَمْسَ سِنِين، فسمعتُه يُحدِّثُ عن
النبيِّ نَ﴿ قال: ((كانتْ بَنُو إسرائيلَ تَسُوسُهُمُ الأنْبياءُ، كلَّما هلكَ نبيَّ خَلَفَهُ نبِيٍّ، وإنَّهُ لا نبيَّ
بَعْدي، وسيكونُ خُلَفَاءُ فيكثُرون)). قالوا: فما تَأْمُرُنا؟ قال: ((فُوا بَيْعَةِ الأَوَّلِ فالأَوَّلِ، أَعْطُوهُمْ
حَقِّهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ)).

٤١٠
کتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٥٠
وبه قال: (حدثني) بالإفراد (محمد بن بشار) بالموحدة والمعجمة المشدّدة: بندار، قال:
(حدثنا محمد بن جعفر) غندر قال: (حدثنا شعبة) بن الحجاج (عن فرات) بضم الفاء وبعد الراء
المخففة ألف ففوقية: ابن أبي عبد الرَّحمن (القزّاز) بفتح القاف وتشديد الزاي الأولى، أنه (قال:
سمعت أبا حازم) بالحاء المهملة والزاي: سلمان الأشجعي (قال: قاعدت أبا هريرة) عبّر بباب
المفاعلة ليدلّ على قعوده متعلقًا بأبي هريرة وملازمته له (خمس سنين، فسمعته يحدث عن النبي ◌َّ)
أنه (قال):
(كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء) تتولى أمورهم كما تفعل الولاة برعاياهم حال كونهم
(كلما هلك نبي خلفه) بفتح اللام المخففة: قام مقامه (نبيّ) يقيم لهم أمرهم ويزيل ما غيروا
من أحكام التوراة إلى غير ذلك كإنصاف الظالم من المظلوم. (وإنه لا نبي بعدي) يجيء فيفعل ما
كانوا يفعلون (وسيكون خلفاء) بعدي (فيكثرون) بالمثلثة المضمومة والتحتية المفتوحة. (قالوا: فما
تأمرنا) الفاء جواب شرط محذوف، أي إذا كثر بعدك الخلفاء فوقع التشاجر والتنازع بينهم فما
تأمرنا نفعل؟ (قال) عليه الصلاة والسلام: (فوا) بضم الفاء أمر من الوفاء (ببيعة الأول فالأول)
الفاء للتعقيب والتكرير والاستمرار، ولم يرد به زمان واحد بل الحكم هذا عند تجدد كل زمان
وبيعة؛ قاله الطيبي. وقال في الفتح: أي إذا بويع الخليفة بعد خليفة فبيعة الأول صحيحة يجب
الوفاء بها وبيعة الثاني باطلة؛ قال النووي: سواء عقدوا للثاني عالمين بالأول أم لا، سواء كانوا
في بلد واحد أو أكثر، سواء كانوا في بلد الإمام المنفصل أم لا. هذا هو الصواب الذي عليه
الجمهور. وقيل: تكون لمن عقدت له في بلد الإمام دون غيره. وقيل: يقرع بينهما. قال:
وهما قولان فاسدان. وقال القرطبي: في هذ الحديث حكم بيعة الأول وأنه يجب الوفاء بها.
وسكت عن بيعة الثاني، وقد نصّ عليه في حديث عرفجة في صحيح مسلم حين قال:
«فاضربوا عنق الآخر)).
(أعطوهم حقهم) من السمع والطاعة فإن في ذلك إعلاء كلمة الدين وكفّ الفتن والشرّ.
وهمزة ((أعطوهم)) مفتوحة، قال في شرح المشكاة: وهو كالبدل من قوله: ((فوا ببيعة الأول)). (فإن
الله) أي أعطوهم حقهم وإن لم يعطوكم حقكم فإن الله (سائلهم) يوم القيامة (عما استرعاهم)
ويثيبكم بما لكم عليهم من الحقوق. وهذا الحديث أخرجه مسلم في المغازي وابن ماجه في
الجهاد .
٣٤٥٦ - هقثنا سعيدُ بْنُ أبي مَرْيَمَ: حدَّثنا أبو غَسَّانَ قال: حدثني زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ عَن
عَطَاءِ بنِ يسارٍ عن أبي سَعيدٍ رضي الله عنه أنَّ النبيَّ وَِّ قال: ((لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كان قبلكم شِبْرًا
بِشِبْرٍ وذِرَاعًا بذِراعٍ، حتَّى لو سَلَكُوا جُخْرَ ضَبِّ لسَلَكْتُمُوهُ)). قلنا: يا رسولَ الله! اليَهُودَ
والنصارَى؟ قال: ((فَمَنْ))؟. [الحديث ٣٤٥٦ - طرفه في: ٧٣٢٠].

٤١١
کتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٥٠
وبه قال: (حدثنا سعيد بن أبي مريم) هو سعيد بن محمد بن الحكم بن أبي مريم المصري،
قال: (حدثنا أبو غسان) بفتح الغين المعجمة والسين المهملة المشددة وبعد الألف نون: محمد بن
مطرف (قال: حدثني) بالإفراد (زيد بن أسلم) العدوي مولى عمر (عن عطاء بن يسار) بالتحتية
والمهملة المخففة: الهلالي المدني مولى ميمونة (عن أبي سعيد) سعد بن مالك الخدري (رضي الله عنه
أن النبي ◌َّ قال):
(لتتبعن) بتشديد الفوقية الثانية وكسر الموحدة وضمّ العين وتشديد النون (سنن من كان
قبلكم) بفتح السين: سبيلهم ومنهاجهم (شبرا بشبر وذراعًا بذراع) بالذال المعجمة، و((شبرًا))
نصب بنزع الخافض، أي لتتبعن سنن من كان قبلكم اتباعًا بشبر متلبس بشبر وذراع متلبس
بذراع؛ وهو كناية عن شدة الموافقة لهم في المخالفات والمعاصي لا في الكفر، وكذا قوله: (حتى
لو سلكوا جحر ضبّ لسلكتموه) بضم الجيم وسكون الحاء المهملة. والضبّ حيوان بري معروف
يشبه الورل؛ قال ابن خالويه: إنه يعيش سبعمائة سنة فصاعدًا ولا يشرب الماء، وقيل: إنه يبول
في كل أربعين يومًا قطرة ولا يسقط له سنّ. وفي كتاب العقوبات لابن أبي الدنيا عن أنس: أن
الضبّ ليموت في جحره هزالاً من ظلم بني آدم. وخصّ جحر الضبّ بذلك لشدّة ضيقه ورداءته،
ومع ذلك فإنهم لاقتفائهم آثارهم واتباعهم طرائقهم لو دخلوا في مثل هذا الضيق الرديء
لوافقوهم؛ قاله ابن حجر.
(قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمن) استفهام إنكاري؛ أي ليس المراد غيرهم.
ولأبي ذرّ: ((قال النبي ◌َّر: فمن)).
٣٤٥٧ - حدّثنا عِمْرَانُ بنُ مَيْسَرَةَ: حدّثنا عبد الوارثِ: حدّثنا خالدٌ عن أبي قِلَابَةَ عَنْ أَنَسٍ
رضي الله عنه قال: ((ذكروا النّارَ والنَّقُوسَ فذكروا اليَهُودَ والنَّصَارَى، فَأُمِرَ بلالٌ أنْ يَشْفَعَ الأَذانَ
وأَنْ يُوتِرَ الإقامَةَ)).
وبه قال: (حدثنا عمران بن ميسرة) ضد الميمنة الأدمي البصري قال: (حدثنا
عبد الوارث) بن سعيد التنوري قال: (حدثنا خالد) الحذاء (عن أبي قلابة) بكسر القاف
عبد اللَّه بن زيد (عن أنس رضي الله عنه) أنه (قال): لما كثر الناس وأرادوا أن يعلموا وقت
الصلاة بشيء يعرفونه (ذكروا النار) يوقدونها كالمجوس (والناقوس) يضربونه (فذكروا اليهود
والنصارى). وهذا موضع الترجمة لأجل ذكر اليهود لأنهم من بني إسرائيل (فأمر بلال أن يشفع
الأذان) يأتي بألفاظه مثنى إلا لفظ التكبير أوله فإنه أربع، وإلا كلمة التوحيد في آخره فإنها مفردة
فالمراد معظمة (وأن يوتر الإقامة) إلا لفظ الإقامة فإنه يثنى.
وقد سبق هذا الحديث في بدء الأذان من كتاب الصلاة.

٤١٢
كتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٥٠
٣٤٥٨ - حدثنا محمدُ بن يوسُفَ حدَّثَنَا سُفيانُ عنِ الأعمشِ عن أبي الضُّحى عن مَسروقٍ
((عن عائشةَ رضي اللّهُ عنها كانت تَكرَهُ أن يَجعلَ المصلِّي يدَهُ في خاصِرتِهِ وتقول: إِنَّ اليهودَ
تفعله».
تابعَهُ شُعبةُ عنِ الأعمش.
وبه قال: (حدثنا محمد بن يوسف) البيكندي قال: (حدثنا سفيان) بن عيينة (عن الأعمش)
سليمان (عن أبي الضحى) مسلم بن صبيح (عن مسروق) هو ابن الأجدع (عن عائشة رضي الله
عنها أنها كانت تكره أن يجعل المصلي يده في خاصرته وتقول: إن اليهود) وهم من بني إسرائيل
(تفعله) فيكره التشبه بهم كراهة تنزيه وهو فعل الجبابرة واستراحة أهل النار. (تابعه) أي تابع
سفيان بن عيينة (شعبة) بن الحجاج (عن الأعمش) سليمان ووصل هذه المتابعة ابن أبي شيبة.
وروى الحديث المؤلف معلقًا من طريق ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي ◌َّ في باب:
الخصر في أواخر الصلاة.
٣٤٥٩ - حدثنا قُتَيْبةُ بن سعيدِ حدَّثنا ليثٌ عن نافعِ عنِ ابنِ عمرَ رضيَ اللّه عنهما عن
رسولِ اللَّهِ وَ﴿ل قال: ((إنما أجَلُكم - من أجَلٍ من خَلا من الأمم - ما بينَ صلاةِ العصرِ إلى مغربٍ
الشمس. وإنما مَثَلُكم ومَثَلُ اليهودِ والنصارَى كرجُلٍ استعملَ عُمالاً فقال: مَن يَعملُ لي إِلى
نصفِ النهار على قيراط قيراط؟ فعملتِ اليهودُ إلى نصفِ النهارِ على قيراط قيراط. ثمّ قال: مَن
يَعمَلُ لي من نصفِ النهارِ إلى صلاةِ العصرِ على قيراط قيراط؟ فعمِلَتِ النصارَى من نصفِ النهار
إلى صلاةِ العصرِ على قيراط قيراط. ثمّ قال: مَن يَعمل لي من صلاةٍ العصر إلى مَغربِ الشمس
على قيراطين قيراطين؟ ألا فأنتمُ الذين يَعملونَ مِن صلاةِ العصر إِلى مَغرِبِ الشمس على قيراطين
قيراطين، ألا لكمُ الأجرُ مرَّتين. فغضِبَتِ اليهودُ والنصارى فقالوا: نحنُ أكثرُ عملاً وأقلُ عَطاءً،
قال اللّهُ: هل ظلمتُكم من حَقْكم شيئًا؟ قالوا: لا. قال: فإنه فضلي، أُعطِيهِ مَن شئتُ)).
وبه قال: (حدثنا قتيبة بن سعيد) الثقفي مولاهم البلخي قال: (حدثنا ليث) هو ابن سعد
الإمام ولأبي ذر: الليث (عن نافع) مولى ابن عمر (عن ابن عمر رضي الله عنهما عن
رسول الله ◌َاء) أنه (قال):
(إنما أجلكم) أي زمانكم أيها المسلمون (في أجل من خلا) في زمان من مضى (من الأمم
ما بين صلاة العصر) المنتهية (إلى مغرب الشمس) وفي الصلاة من طريق سالم عن أبيه إلى غروب
الشمس (وإنما مثلكم) أيها المسلمون مع نبيكم (ومثل اليهود والنصارى) مع أنبيائهم (كرجل
استعمل عمالاً) بضم العين وتشديد الميم جمع عامل بأجرة (فقال: من يعمل لي) عملاً (إلى نصف
النهار على قيراط قيراط) وهو نصف دائق والمراد به هنا النصيب (فعملت اليهود إلى نصف النهار

٤١٣
کتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٥٠
على قيراط قيراط) فأعطوا كل واحد قيراطًا (ثم قال: من يعمل لي) عملاً (من نصف النهار إى
صلاة العصر على قيراط قيراط). فعملت النصارى من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط
قيراط. ثم قال: من يعمل لي عملاً (من صلاة العصر إلى مغرب الشمس على قيراطين قيراطين؟
قال: ألا) بالتخفيف وفي بعض النسخ قيراطين قيراطين ألا بإسقاط قال وفي اليونينية ألا ورقم
عليها لا علامة السقوط وفوقها قال (فأنتم) أيها الأمة المحمدية (الذين يعملون) ولأبي ذر تعملون
بالمثناة الفوقية (من صلاة العصر إلى مغرب الشمس على قيراطين قيراطين). سقط على قيراطين
قيراطين لأبوي الوقت وذر (ألا) بالتخفيف (لكم الأجر مرتين، فغضبت اليهود والنصارى) يعني
الكفار منهم (فقالوا: نحن أكثر عملاً وأقل عطاء قال الله) عز وجل (هل) ولأبي ذر عن
الكشميهني وهل (ظلمتكم) نقصتكم (من حقكم شيئًا؟ قالوا: لا. قال: فإنه فضلي أعطيه من
شئت). وهذا الحديث سبق في الصلاة.
٣٤٦٠ - حدثنا عليّ بن عبدِ اللَّهِ حدَّثنا سفيانُ عن عمرٍو عن طاوُسٍ عنِ ابنِ عباسٍ قال:
(سمعتُ عمرَ رضيَ اللّهُ عنه يقول: قاتلَ اللّهُ فلانًا، ألم يَعلَم أنَّ النبيَّ ◌َ ◌ّ قال: لعنَ اللّهُ
اليهودَ، حُرِّمَتْ عليهم الشحومُ فجمّلوها فباعوها)). تابعه جابرٌ وأبو هريرةَ عنِ النبيِّ ◌ََِّ.
وبه قال: (حدثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدثنا سفيان) بن عيينة (عن عمرو) بفتح
العين ابن دينار (عن طاوس) هو ابن كيسان اليماني (عن ابن عباس) رضي الله عنهما أنه (قال:
سمعت عمر) بن الخطاب (رضي الله عنه يقول: قاتل الله) لعن الله (فلانًا) يعني سمرة بن جندب
لأنه باع خمرًا كان أخذها من أهل الكتاب عن قيمة الجزية معتقدًا جواز بيعها، ولذلك اقتصر عمر
رضي الله عنه على ذمه ولم يعاقبه، ويحتمل أنه لم يرد الدعاء عليه بل أراد بها التغليظ عليه كعادة
العرب، ولعل الراوي لم يصرح باسمه تأدبًا (ألم يعلم) فلان (أن النبي ◌ٍَّ قال):
(لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم) أكلها مطلقًا من الميتة وغيرها وجمع الشحم
لاختلاف أجناسه وإلا فهو اسم جنس حقه الإفراد (فجملوها) بفتح الجيم والميم أي أذابوها
(فباعوها) يعني فبيع فلان الخمر مثل بيع اليهود الشحم المذاب وكل ما حرم تناوله حرم بيعه.
وهذا الحديث سبق في كتاب البيع.
(تابعه) أي تابع ابن عباس في تحريم الشحوم (جابر) هو ابن عبد الله الأنصاري فيما وصله
المؤلف في أواخر البيوع (وأبو هريرة) أيضًا فيما وصله البخاري أيضًا في باب: لا يذاب شحم
الميتة (عن النبي ◌َّ).
٣٤٦١ - حدثنا أبو عاصم الضحاكُ بن مَخْلَدٍ أخبرَنا الأوزاعيَّ حدَّثنا حسانُ بن عَطيَّةً عن
أبي كبشةً عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمَرٍو أنَّ النبيَّ وََّ قال: «بلغوا عني ولو آيةً، وحدّثوا عن بني
إسرائيلَ ولا حَرَج، ومَن كذَبَ عليَّ مُتَعَمِّدًا فليتَبوَّأْ مَقعدَهُ منَ النار)).
,

٤١٤
کتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٥٠
وبه قال: (حدثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد) بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة وبعد اللام
المفتوحة دال مهملة قال: (أخبرنا الأوزاعي) عبد الرَّحمن بن عمرو قال: (حدثنا حسان بن عطية)
المحاربي مولاهم الدمشقي (عن أبي كبشة) بفتح الكاف وسكون الموحدة وفتح المعجمة السلولي
واسمه كنيته (عن عبد الله بن عمرو) أي ابن العاص (أن النبي ◌َّر قال):
(بلغوا عني ولو آية) من القرآن أو المراد بالآية العلامة الظاهرة أي ولو كان المبلغ فعلاً أو
إشارة ونحوهما (وحدّثوا عن بني إسرائيل). بما وقع لهم من الأعاجيب، وإن استحال مثلها في
هذه الأمة كنزول النار من السماء لأكل القربان مما لا تعلمون كذبه (ولا حرج) لا ضيق عليكم
في الحديث عنهم لأنه كان عليه الصلاة والسلام زجرهم عن الأخذ عنهم والنظر في كتبهم قبل
استقرار الأحكام الدينية والقواعد الإسلامية خشية الفتنة ثم لما زال المحذور أذن لهم أو أن قوله
أوّلاً حدثوا صيغة أمر تقتضي الوجوب فأشار إلى عدمه وأن الأمر للإباحة بقوله: ولا حرج أي
في ترك التحديث عنهم، أو المراد رفع الحرج عن الحاكي لما في أخبارهم من ألفاظ مستبشعة
كقولهم: اجعل لنا إلهًا واذهب أنت وربك، أو المراد جواز التحديث عنهم بأيّ صيغة وقعت من
انقطاع أو بلاغ لتعذر الاتصال في التحديث عنهم بخلاف الأحكام المحمدية فإن الأصل فيها
التحديث بالاتصال. (ومن كذب علي متعمدًا فليتبوأ) بسكون اللام فليتخذ (مقعده من النار). أي
فيها والأمر هنا معناه الخبر أي أن الله تعالى يبوئه مقعده من النار أو أمر على سبيل التهكم أو دعاء
على معنى بوأه الله، ولو نقل العالم معنى قوله بلفظ غير لفظه لكنه مطابق لمعنى لفظه فهو جائز
عند المحققین کما ذکر في محله.
وهذا الحديث أخرجه الترمذي في العلم.
٣٤٦٢ - حدثنا عبدُ العزيزِ بن عبدِ اللَّهِ قال: حدَّثني إِبراهيمُ بن سعدٍ عن صالحٍ عن ابنِ
شهابٍ قال: قال أبو سلمةَ بنُ عبدِ الرَّحمن إِنَّ أبا هريرةَ رضيَ الله عنه قال: إِنَّ رسولَّ اللّهُ وَل
قال: ((إنَّ اليهودَ والنصارَى لا يَصبغون، فخالفوهم)). [الحديث ٣٤٦٢ - طرفه في: ٥٨٩٩].
وبه قال: (حدثنا عبد العزيز بن عبد اللَّه) الأويسي (قال: حدثني) بالإفراد، ولأبي ذر:
حدثنا (إبراهيم بن سعد) بسكون العين القرشي (عن صالح) هو ابن كيسان (عن ابن شهاب)
الزهري أنه (قال: قال أبو سلمة بن عبد الرَّحمن) بن عوف (أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: إن
رسول الله صل* قال):
(إن اليهود والنصارى لا يصبغون) شيب اللحية والرأس (فخالفوهم). أي واصبغوا بغير
السواد لما في مسلم من حديث جابر أنه وَلچر قال: ((غيروه وجنبوه السواد)» وقد اختار النووي
تحريم الصبغ بالسواد نعم يستثنى المجاهد اتفاقًا.
هذا الحديث أخرجه النسائي في الزينة.

٤١٥
كتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٥٠
٣٤٦٣ - حدثنا محمدٌ قال: حدَّثنا حجاجٌ حدَّثنا جريرُ عنِ الحسنِ حدَّثَنا جُنْدبُ بن
عبدِ اللَّهِ في هذا المسجدِ، وما نَسِينا منذُ حدَّثَنا، وما نَخشى أن يكونَ جُندبٌ كذبَ على
النبيِّ وَّه قال: قال رسولُ اللَّهِ وَّ: ((كان فيمن كان قبلكم رجُلٌ بهِ جُرحٌ فجزِعَ فأخذَ سكينًا
فحزَّ بها يَده، فما رَقَّأَ الدمُ حتى مات، قال اللّهُ تعالى: بادَرَني عبدي بنفسِه، حَرَّمتُ عليه
الجنة)).
وبه قال: (حدثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدثنا (محمد) هو ابن معمر بن ربعي القيسي
البحراني بالموحدة والحاء المهملة أو هو محمد بن يحيى الذهلي (قال: حدثني) بالإفراد، ولأبي ذر:
حدثنا (حجاج) هو ابن منهال قال: (حدثنا جرير) هو ابن حازم (عن الحسن) البصري أنه (قال:
حدثنا جندب بن عبد الله) بضم الجيم وسكون النون وفتح الدال وضمها (في هذا المسجد) مسجد
البصرة (وما نسينا) ما حدثنا به (منذ حدثنا) بل حققناه واستمرّينا ذاكرين له لقرب العهد به (وما
نخشى أن يكون جندب كذب على رسول الله) ولأبي ذر: على النبي (وَ*) لأن الصحابة عدول
(قال: قال رسول الله (صَلخد):
(كان فيمن قبلكم) من بني إسرائيل أو من غيرهم (رجل) قال الحافظ ابن حجر: لم أقف
على اسمه (به جرح) بضم الجيم وسكون الراء بعدها حاء مهملة في يده (فجزع) بفتح الجيم وكسر
الزاي لم يصبر على ألمه (فأخذ سكينًا) بكسر السين (فحزّ) بالحاء المهملة والزاي المشددة قطع (بها
يده) من غير إبانة (فما رقأ) بفتح الراء والقاف والهمزة أي لم ينقطع (الدم حتى مات. قال الله
تعالى) ولأبي ذر عز وجل بدل تعالى (بادرني عبدي بنفسه) أي استعجل الموت (حرّمت عليه الجنة)
لأنه استحل ذلك فكفر به فيكون مخلدًا بكفره لا بقتله، أو كان كافرًا في الأصل وعوقب بهذه
المعصية زيادة على كفره، أو حرمت عليه الجنة في وقت ما كالوقت الذي يدخل فيه السابقون أو
الوقت الذي يعذب فيه الموحدون ثم يخرجون أو جنة معينة كالفردوس مثلاً أو غير ذلك مما يطول
ذكره.
وقال الطيبي: وليس في قوله حرمت عليه الجنة ما يدل على الدوام والإقناط الكلي، ولما
كان الإنسان بصدد أن يحمله الضجر والغضب على إتلاف نفسه ويسوّل له الشيطان أن الخطب فيه
يسير وأنه أهون من قتل نفس أخرى محرمة أعلم و ﴿ أن ذلك في التحريم كقتل سائر النفوس
المحرمة انتهى.
واستشكل قوله: بادرني بنفسه إذ مقتضاه أن من قتل فقد مات قبل أجله وليس أحد
يموت بأيّ سبب كان إلا بأجله، وقد علم الله أنه يموت بالسبب المذكور وما علمه لا يتغير.
وأجيب: بأنه لما وجدت منه صورة المبادرة بقصده ذلك واختياره له والله جل وعلا لم يطلعه
على انقضاء أجله فاختار هو قتل نفسه فاستحق المعاقبة لعصيانه والحديث أصل كبير في تعظيم

٤١٦
كتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٥١
قتل النفس سواء كانت نفس الإنسان أو غيره لأن نفسه ليست ملكه أيضًا فيتصرف فيها على
حسب اختياره.
٥١ - باب حديثُ أبرَصَ وأعمى وأقرعَ في بني إسرائيلَ
(حديث أبرص) وهو الذي ابيض ظاهر بدنه لفساد مزاجه (وأقرع) وهو الذي ذهب شعر
رأسه بآفة (وأعمى) وهو الذي ذهب بصره الكائنين الثلاثة (في بني إسرائيل). وسقط لأبي ذر في
بني إسرائيل، وفي بعض النسخ باب حديث أبرص الخ.
٣٤٦٤ - حدثنا أحمدُ بن إسحاقَ حدَّثَنا عمرُو بن عاصم حدَّثنا هماٌ حذَّثنا إِسحاقُ بن
عبدِ اللَّه قال: حدَّثني عبدُ الرَّحمنِ بن أبي عمرةَ أن أبا هريرةً حدثهُ أنه سمعَ النبيَّ وَّر. ح.
وحدَّثني محمدٌ حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بن رجاءٍ أخبرَنا همامٌ عن إسحاقَ بن عبدِ اللَّه قال: أخبرَني
عبدُ الرَّحمن بن أبي عَمرةً أن أبا هريرةَ رضيَ اللّهُ عنه حدثهُ أنه سمعَ رسولَ اللّهِ وَلَه يقول: «إن
ثلاثةً في بني إسرائيلَ أبرَصَ وأقرعَ وأعمى بَدا للهِ عز وجلَّ أن يَبْتَلِيَهم فَبَعثَ إليهم مَلَكًا، فأتى
الأبرصَ فقال: أيُّ شيءٍ أحبُّ إليك؟ قال: لَونٌ حسَنُ وجِلدٌ حسَن، قد قَذِرَني الناس. قال:
فمسَحَهُ فذَهبَ عنه، فأُعطِي لونًا حسنًا وجِلدًا حسنًا. فقال: أيُّ المالِ أحبُّ إِليك؟ قال: الإبلُ
- أو قال: البقرُ - هو شَكَّ في ذلك: إن الأبرصَ والأقرعَ قال أحدُهما: الإبلُ، وقال الآخرُ:
البقر - فأُعطِيَ ناقةٌ عُشَراءَ، فقال: يُبارَكُ لك فيها. وأتى الأقرعَ فقال: أيُّ شيءٍ أحبُّ إليك؟
قال: شَعرٌ حسَنٌ ويَذهَبُ هذا عنّي، قد قَذِرني الناس. قال: فمسحَهُ فذهبَ، وأُعطِيَ شَعرًا
حسَنًا. قال: فأيُّ المال أحبُّ إليك؟ قال: البقرُ. قال: فأعطاه بقرةً حامِلاً، وقال: يُبارَكُ لك
فيها. وأتى الأعمى فقال: أيُّ شيءٍ أحبُّ إليك؟ قال: يَردُّ اللّهُ إِليَّ بَصري فأبصِرُ به الناسَ.
قال: فمسحَهُ، فردَّ اللّهُ إِليهِ بصرَهُ. قال: فأيُّ المال أحبُ إليكَ؟ قال: الغنَمُ، فأعطاهُ شاةً والدًا،
فأنتِجَّ هذانٍ وَوَلَّدَ هذا، فكان لهذا وادٍ مِن الإبل، ولهذا وادٍ من بقر، ولهذا وادٍ منَ الغَنم. ثمَّ
إنه أتى الأبرصَ في صورتهِ وهيئتِهِ فقال: رجلٌ مِسكينٌ تَقطّعَتْ بهِ الحِبالُ في سَفَرَه فلا بَلَاغُ اليومَ
إِلا باللّهِ ثمَّ بكَ، أسألكَ ـ بالذي أعطاكَ اللونَ الحسن والجلِدَ الحسن والمالَ - بَعيرًا أتبلَّغُ بهِ في
سَفري. فقال له: إِنَّ الحقوقَ كثيرة. فقال له: كأني أعرِفك، ألم تكن أبرصَ يَقذَرُكَ الناس فقيرًا
فأعطاكَ الله؟ فقال: لقد ورِثتُ لكابرٍ عن كابر. فقال: إن كنتَ كاذبًا فصيّركَ اللّهُ إلى ما كنتَ.
وأتى الأقرعَ في صورته وهيئتهِ، فقال له مثلَ ما قال لهذا، فردَّ عليهِ مثل ما رد عليه هذا، فقال:
إن كنتَ كاذبًا فصيّركَ اللّهُ إلى ما كنتَ. وأتى الأعمى في صورته فقال: رجلٌ مِسكينٌ وابنُ سبيل
وتقطّعَت به الحبالُ في سفرِه، فلا بلاغَ اليوم إلا بالله ثمَّ بك، أسألك بالذي ردَّ عليك بصرَكَ شاةً

٤١٧
کتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٥١
أتبلغُ بها في سفري. وقال له: قد كنتُ أعمى فردَّ اللّهُ بصري وفقيرًا فقد أغناني، فخذْ ما
شئتَ، فواللّهِ لا أجهَدُك اليومَ بشيءٍ أخذتَهُ لله. فقال: أمسِكْ مالك، فإنما ابتُلِيتُم، فقد رضيَ
اللّهُ عنك، وسَخِطَ على صاحبَيك)). [الحديث ٣٤٦٤ - طرفه في: ٦٦٥٣].
وبه قال: (حدثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدثنا (أحمد بن إسحاق) السرّماري بضم السين
المهملة وتشديد الراء المفتوحة نسبة إلى قرية من قرى بخارا قال: (حدثنا عمرو بن عاصم) بفتح
العين وسكون الميم القيسي الكلابي قال: (حدثنا همام) هو ابن يحيى العوذي بفتح العين المهملة
وسكون الواو وكسر المعجمة قال: (حدثنا إسحاق بن عبد الله) بن أبي طلحة زيد بن سهل
الأنصاري ابن أخي أنس بن مالك (قال: حدثني) بالإفراد (عبد الرَّحمن بن أبي عمرة) بفتح العين
المهملة وسكون الميم الأنصاري (أن أبا هريرة) رضي الله عنه (حدثه أنه سمع النبي زَّوْ ح).
وبه قال: (وحدثني) بالإفراد (محمد) غير منسوب وقد جوز الحافظ أبو ذر الهروي أنه
الذهلي، وقيل هو محمد بن إسماعيل البخاري نفسه قال: (حدثنا عبد الله بن رجاء) بالجيم ابن
المثنى البصري قال: (أخبرنا همام) العوذي (عن إسحاق بن عبد الله) ابن أخي أنس أنه (قال:
أخبرني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدثني (عبد الرَّحمن بن أبي عمرة أن أبا هريرة رضي الله عنه حدثه
أنه سمع رسول الله الفر يقول):
(إن ثلاثة في بني إسرائيل أبرص وأعمى وأقرع) لم يسموا (بدا لله) بفتح الموحدة والمهملة
المخففة بغير همز في الفرع، وأصله وهو الذي رويناه كالأكثرين ومعناه سبق في علم الله فأراد
إظهاره لا أنه ظهر له بعد أن كان خافيًا إذ إن ذلك محال في حق الله تعالى، وخطأ هذا الكرماني
في شرحه تبعًا لابن قرقول ولفظه في مطالعه ضبطناه عن متقني شيوخنا بالهمز أي ابتدأ الله أن
يبتليهم قال: ورواه كثير من الشيوخ بغير همز وهو خطأ انتهى.
وقد سبقه إلى التخطئة الخطابي وليس كذلك، فقد ثبت الرواية به ووجه وأولى ما يحمل عليه
كما في الفتح أن المراد قضى الله أن يبتليهم، وفي مسلم عن شيبان بن فروخ عن همام بهذا
الإسناد أراد الله أن يبتليهم، وقال البرماوي تبعًا للكرماني: بدأ بالهمز الله رفع فاعل أي حكم
وأراد.
(عز وجل أن يبتليهم) أي يختبرهم وقوله عز وجل ثابتة لأبي ذر (فبعث إليهم ملكًا فأتى
الأبرص) الذي ابيض جسده (فقال) له: (أي شيء أحب إليك؟ قال: لون حسن وجلد حسن قد
قذرني الناس) بفتح القاف وكسر الذال المعجمة والنصب على المفعولية أي اشمأزوا من رؤيتي
وعدّوني مستقذرًا وكرهوني، وفي رواية ذكرها الكرماني قذروني وهي على لغة أكلوني البراغيث
(قال: فمسحه) الملك (فذهب عنه) البرص وسقط لأبي ذر لفظة عنه (فأعطي) بالفاء وضم الهمزة
ولأبي ذر: وأعطي (لونًا وجلدًا حسنًا. فقال) له الملك أيضًا: (أي المال) ولغير الكشميهني كما هو
إرشاد الساري/ ج ٧/ م ٢٧

٤١٨
كتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٥١
مفهوم فتح الباري: وأي المال بالواو وكذا هي في اليونينية لأبي ذر عن الحموي والمستملي (أحب
إليك)؟ (قال): أحبه إلي (الإبل. أو قال البقر هو) أي إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الراوي
كما في مسلم (شك في ذلك أن الأبرص) كذا في اليونينية بفتح الهمزة من أن وكسرها وفي
فرعها بفتحها (الأقرع قال أحدهما: الإبل وقال الآخر: البقر فأعطي) بضم الهمزة الذي تمنى الإبل
(ناقة عشراء) بضم العين وفتح المعجمة والراء ممدودًا الحامل التي أتى عليها في حملها عشرة أشهر
من يوم طرقها الفحل وهي من أنفس الإبل (فقال) له الملك: (يبارك لك فيها) بضم التحتية من
يبارك وفي رواية شيبان بن فروخ عن همام عند مسلم بارك الله لك فيها.
(وأتى) الملك (الأقرع) الذي ذهب شعر رأسه (فقال) له: (أي شيء أحب إليك؟ قال: شعر
حسن ويذهب عني هذا) القرع ولأبي ذر ويذهب هذا عني بالتقديم والتأخير (قد قذروني الناس)
كرهوني (قال: فمسحه) الملك على رأسه (فذهب) قرعه (وأعطي) بضم الهمزة (شعرًا حسنًا) ثم
(قال) له (فأي المال أحب إليك؟ قال: البقر قال: فأعطاه بقرة حاملاً وقال) له: (يبارك لك فيها
وأتى الأعمى فقال) له: (أي شيء أحب إليك قال يرد الله إلّ بصري فأبصر به الناس. قال:
فمسحه) الملك على عينيه (فرد الله بصره) ثم (قال) له: (فأي المال أحب إليك قال) له: (الغنم
فأعطاه شاة والدًا) ذات ولد أو حاملاً (فأنتج) بهمزة مضمومة وهي لغة قليلة والمشهور عند أهل
اللغة نتج بضم النون من غير همز (هذان) أي صاحبا الإبل والبقر (وولد) بفتح الواو وتشديد اللام
(هذا) أي صاحب الشاة. قال الكرماني: وقد راعى عرف الاستعمال حيث قال فيهما أنتج وفي
الشاة ولد (فكان لهذا) الذي اختار الإبل (واد) قد امتلأ (من إبل) ولأبي ذر من الإبل (ولهذا)
الذي اختار البقر (واد) قد امتلأ (من بقر ولهذا) الذي اختار الغنم (واد) قد امتلأ (من الغنم)
ولأبي ذر من غنم (ثم إنه) أي الملك (أتى الأبرص) الذي كان مسحه فذهب برصه (في صورته
وهيئته) التي كان عليها لما اجتمع به وهو أبرص (فقال) له إني (رجل مسكين) زاد شيبان وابن
سبيل (تقطعت بي الحبال في سفري) بحاء مهملة مكسورة ثم موحدة خفيفة جمع حبل والمراد
الأسباب التي يقطعها في طلب الرزق أو المستطيل من الرمل أو العقبات ولبعض رواة البخاري
الجبال بالجيم والموحدة قال الحافظ ابن حجر وهو تصحيف ولأبي ذر عن الحموي والمستملي به
الحبال في سفره (فلا بلاغ) فلا كفاية (اليوم إلا بالله) أي ليس لي ما أبلغ به غرضي إلا بالله وفي
الفرع كأصله تضبيب على غين بلاغ فليتأمل (ثم بك) ثم هنا للمرتبة في التنزل لا للترقي وهذا
ونحوه من الملائكة معاريض لا إخبار كما في قول إبراهيم هذا ربي وأختي (أسألك ب) الله (الذي
أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال) الكثير (بعيرًا أتبلغ عليه في سفري) ولأبي ذر عن
الكشميهني: به. وأتبلغ بهمزة وفوقية وموحدة ولام مشددة مفتوحات ثم معجمة من البلغة وهي
الكفاية والمعنى أتوصل به إلى مرادي (فقال) ولأبي ذر: قال (له: إن الحقوق كثيرة فقال له) الملك:
(كأني أعرفك ألم تكن أبرص يقذرك الناس) بفتح التحتية والذال المعجمة من باب علم يعلم حال
كونك (فقيرًا فأعطاك الله فقال) له: (لقد ورثت) هذا المال (لكابر عن كابر) ولأبي ذر عن

٤١٩
کتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٥١
الكشميهني كابرًا عن كابر بإسقاط اللام والنصب أي ورثته عن آبائي وأجدادي حال كون كل
واحد منهم كبير أورث عن كبير فكذب وجحد نعمة الله (فقال) له الملك: (إن كنت كاذبًا) في
مقالتك هذه (فصيرك الله) عز وجل (إلى ما كنت) من البرص والفقر والجملة جواب الشرط
وأدخل الفاء في الفعل الماضي لأنه دعاء.
فإن قلت: فلِمَ عبّر بالماضي؟ أجيب: لقصد المبالغة في الدعاء عليه والشرط ليس على
حقيقته لأن الملك لم يشك في كذبه بل هو مثل قول العامل إذا سوف في عمالته إن كنت عملت
فأعطني حقي.
(وأتى) الملك (الأقرع) الذي كان مسح رأسه فذهب قرعه (في صورته وهيئته) التي كان
عليها أوّلاً (فقال، له مثل ما قال لهذا) الأبرص رجل مسكين تقطعت بي الحبال في سفري إلى
آخره وسأله بقرة (فرد عليه) بالفاء ولأبي ذر ورد وليست هذه في الفرع أي فرد الرجل الأقرع على
الملك (مثل ما رد عليه هذا) الأبرص فقال إن الحقوق كثيرة الخ وسقط لأبي ذر لفظ هذا (فقال)
له الملك: (إن كنت كاذبًا فصيّرك الله إلى ما كنت) عليه من القرع والفقر.
(وأتى) الملك (الأعمى) الذي مسح عينيه فعاد بصره (في صورته) التي كان عليها (فقال:
رجل مسكين وابن سبيل) ولأبي ذر: وابن السبيل (وتقطعت بي الحبال في سفري) ولأبي ذر عن
الحموي والمستملي به الحبال في سفره (فلا بلاغ اليوم إلا بالله ثم بك أسألك ب) الله (الذي رد
عليك بصرك شاة أتبلغ بها في سفري فقال) بالفاء ولأبي ذر وقال له (قد كنت أعمى فرد الله) علّ
(بصري وفقيرًا فقد أغناني) وضبب في الفرع على فقد أغناني وكذا في اليونينية (فخذ ما شئت) زاد
شيبان ودع ما شئت (فوالله لا أجهدك اليوم بشيء أخذته لله) بالجيم الساكنة والهاء في الفرع
وأصله. قال الحافظ ابن حجر: وهي رواية كريمة وأكثر روايات مسلم أي لا أشق عليك في ردّ
شيء تطلبه مني أو تأخذه، ولأبي ذر كما في الفرع وأصله: لا أحمدك بالحاء المهملة والميم بدل
الجيم والهاء لشيء باللام بدل الموحدة أي لا أحمدك على ترك شيء تحتاج إليه من مالي كقوله:
وليس على طول الحياة تندم
أي على فوت طول الحياة. وادعى القاضي عياض أنه لم تختلف رواة البخاري في أنها بالحاء
والميم وما ذكر يرد دعواه، وأما ما حكاه القاضي أن بعضهم لما أشكل عليه معناه أسقط الميم
فصار لا أحدك بتشديد الدال أي لا أمنعك. فقال في المصابيح: إنه تكلف وأساؤوا غير الرواية
وإنه جراءة عظيمة لا يقدم عليها من يتقي الله .
(فقال) الملك له: (أمسك مالك فإنما ابتليتم) اختبركم الله (فقد رضي الله عنك) وسقط
الفاعل لأبي ذر (وسخط) بكسر الخاء (على صاحبيك) بالتثنية.

٤٢٠
کتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٥٢ ر ٥٣
٥٢ - باب ﴿أم حسبتَ أنَّ أصحابَ الكهفِ والرَّقيم﴾
﴿الكهف﴾: الفتحُ في الجبل. ﴿والرَّقيم﴾: الكتاب. ﴿مرقوم﴾: مكتوب، منَ الرقم.
﴿رَبَطَنا على قلوبهم﴾: ألهمناهم صبرًا. ﴿شَطَطًا﴾: إفراطًا. ﴿الوَصِيد﴾: الفِناءُ، وجمعهُ وَصائدٌ
ووُضْد، ويقال: الوَصيد الباب. ﴿مُؤْصَدَةٍ﴾: مُطْبَقة، آصَدَ البابَ وأوصدَ. ﴿بَعثناهم﴾:
أحييناهم. ﴿أزكى﴾: أكثرُ رَيْعًا. ﴿فضرَبَ اللّهُ على آذانهم﴾: فناموا. ﴿رَجْمًا بالغيب﴾: لم
يَستَبن. وقال مجاهد: ﴿تقرضُهم﴾: تتركهم.
(باب ﴿أم حسبت﴾) أي بل حسبت (﴿أن أصحاب الكهف والرقيم﴾) [الكهف: ٩] سقط
لفظ باب لأبي ذر عن المستملي والكشميهني وكذا سقط في فرع اليونينية وأصله وسقط الرقيم
الأبوي الوقت وذر وابن عساكر (﴿الكهف﴾) هو (الفتح في الجبل) قال الضحاك: والذي تظافرت
به الأخبار أنه في بلاد الروم (﴿والرقيم﴾) هو (الكتاب (مرقوم﴾) أي (مكتوب من الرقم) وهو
الكتابة. وعن أبي عبيدة: الرقيم الوادي الذي فيه الكهف، وعن كعب القرية: وعن أنس اسم
الكلب، وعن سعيد بن جبير اسم الصخرة التي أطبقت على الوادي الذي فيه الكهف. وعن ابن
عباس لوح من رصاص كتب فيه أسماء أصحاب الكهف لما توجهوا عن قومهم ولم يعرفوا أين
توجهوا (﴿ربطنا على قلوبهم﴾) أي (ألهمناهم صبرا) على هجر الوطن والأهل والمال وغير ذلك.
(﴿شططًا﴾﴾ [الكهف: ١٤] أي (إفراطًا) في الظلم والنصب على أنه صفة مصدر محذوف تقديره
لقد قلنا إذًا قولاً شططًا.
(﴿الوصيد﴾) [الكهف: ١٨] هو (الفناء) بكسر الفاء والمد أي فناء الكهف (وجمعه وصائد)
بالمد (ووصد) بضم الواو والصاد (ويقال الوصيد) هو (الباب) وقيل العتبة وقوله: (﴿مؤصدة﴾)
أي (مطبقة) يقال (آصد الباب) بالمد وفتح الصاد المهملة أي أغلقه (و) يقال (أوصد) أيضًا.
(﴿بعثناهم﴾) أي (أحييناهم) أو أيقظناهم (﴿أزكى﴾) [الكهف: ١٩] طعامًا أي (أكثر ريعًا)
بالراء المفتوحة والتحتية الساكنة ثم العين المهملة أي نماء وزيادة (فضرب الله على آذانهم فناموا)
نومة لا تنبههم منها الأصوات ومراده قوله فضربنا على آذانهم في الكهف (﴿رجمًا بالغيب﴾)
[الكهف: ٢٢] أي (لم يستبن. وقال): ولابن عساكر فقال (مجاهد) (﴿تقرضهم)) [الكهف: ١٧]
أي (تتركهم). وسقط هذا التفسير كله للنسفي، وثبت في الفرع وأصله للكشميهني والمستملي،
وسقط للحموي وهو ثابت أيضًا في أصول الحفاظ أبي ذر الهروي وأبي محمد الأصيلي وأبي القاسم
الدمشقي وأبي سعد السمعاني.
٥٣ - باب حديث الغار
(حديث الغار).