Indexed OCR Text
Pages 381-400
٣٨١ كتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٤٣ (وقال ابن عباس) فيما وصله ابن أبي حاتم (﴿طائركم)) [يَس: ١٩] أي (مصائبكم). ولم يذكر المؤلف حديثًا مرفوعًا هنا، وعلى الباب وتاليه الخ علامة السقوط فقط في الفرع وأصله من غير عزو. ٤٣ - باب قول الله تعالى: ﴿ذِکرُ رحمةِ ربِّكَ عبدَهُ زکریا إِذ نادی ربَّه نِداءٌ خَفِيًّا قال ربِّ إِني وَهَنَ العظمُ مني واشتعَلَ الرأسُ شَيبًا﴾ - إِلى قولهِ - ﴿لم تجعلْ لهُ من قبلُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٣-٧]. قال ابنُ عباسٍ: مِثلاً. يقال ﴿رَضيًا﴾: مَرضيًا. ﴿عتيًا﴾: عَصِيًّا، عتا يَعتو. ﴿قال ربِّ أَنَّى يكونُ لي غلامٌ﴾ - إلى قولِهِ - ﴿ثلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ ويقال صحيحًا ﴿فخرَجَ على قومهِ منَ المِحراب فأوحى إليهم أنْ سبِّحوا بُكرَةً وعَشِيًّا﴾. ﴿فأوحى﴾: فأشارَ. ﴿يا يَحيىُ خُذِ الكِتابَ بِقُوَّة﴾ - إِلى قولِه - ﴿ويومَ يُبعَثُ حَيَّا﴾. ﴿حَفِيًّا﴾: لَطِيفًا. ﴿عاقرًا﴾: الذَّكَرُ والأنثى سَواء. (باب قول الله تعالى: ﴿ذكر رحمة ربك﴾) خبر سابقه أن أوّل بالسورة أو القرآن فإنه مشتمل عليه أو خبر محذوف أي هذا المتلو ذكر رحمة ربك (﴿عبده﴾) مفعول الرحمة أو الذكر على أن الرحمة فاعله على الاتساع (﴿زكريا﴾) بدل منه أو عطف بيان له (﴿إذ نادى ربه نداء خفيًا﴾) قال في الكشاف: لأن الجهر والإخفاء عند الله سيان فكان الإخفاء أولى لأنه أبعد من الرياء، وأدخل في الإخلاص. وعن الحسن نداء لا رياء فيه. قال في فتوح الغيب: فيكون الإخفاء ملزومًا للإخلاص الذي هو عدم الرياء لأن الإخفاء أبعد من الرياء ولما عبر عن عدم الرياء بالخفاء علم أن لا اعتبار للظاهر وأن الأمر یدور على الإخلاص حتی أنه لو نادی جهرًا بلا ریاء دخل أو نادى سرًا بلا إخلاص خرج منه، وقيل إنما نادى خفيًا لئلا يلام على طلب الولد في إبان الكبر أو لأن ضعف الهرم أخفى صوته واختل في سنه فقيل ستون وخمس وستون وسبعون وخمس وسبعون وخمس وثمانون، ثم فسر النداء بقوله: (﴿قال رب إني وهن العظم مني﴾) ضعف بدني، وإنما كنى عنه بقوله (وهن العظم مني) وخص العظم بالذكر لأنه كالأساس للبدن وكالعمود للبيت، وإذا وقع الخلل في الأس وسقط العمود تداعى الخلل في البناء وسقط البيت، فالكناية مبنية على التشبيه أو أن العظم أصلب ما في الإنسان فيلزم من وهنه وهن جميع الأعضاء بالطريق الأولى فالكناية غير مسبوقة بالتشبيه قاله الطيبي. (﴿واشتعل الرأس شيبًا﴾﴾ [مريم: ٢- ٣ - ٤] شبه الشيب في بياضه وإنارته بشواظ النار وانتشاره وفشوّه في الشعر باشتعالها ثم أخرجه مخرج الاستعارة ثم أسند الاشتعال إلى الرأس الذي هو محل الشيب مبالغة وجعله تمييزًا إيضاحًا للمقصود (إلى قوله ﴿لم نجعل له من قبل سميًا﴾) [مريم: ٧] وسقط قوله إذ نادى إلى آخر قوله شيبًا لأبي ذر. ٣٨٢ کتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٤٣ (قال ابن عباس): فيما وصله ابن أبي حاتم من طريق أبي طلحة أي (مثلاً) أو شبهًا لأنه لم بهم بمعصية قط ولأنه كان سيدًا وحصورًا وعنه أيضًا عنده من طريق عكرمة قال لم يسم باسم يحيى قبله غيره، وأخرجه الحاكم في المستدرك فيه فضيلة ليحيى إذ تولى الله تعالى تسميته باسم لم يسبق إليه ولم يكل ذلك إلى أبويه (يقال ﴿رضيا﴾) في قوله تعالى ﴿واجعله رب رضيا﴾ [مريم: ٦] أي (مرضيًا) أي ترضاه أنت وعبادك. (﴿عتيًا﴾) [مريم: ٨] في قوله تعالى: (﴿وقد بلغت من الكبر عتبًا﴾ عصيا) بفتح العين وكسر الصاد المهملتين قالوا، والصواب بالسين. وروى الطبراني بإسناد صحيح عن ابن عباس قال: ما أدري أكان رسول الله وَله يقرأ عتيًا أو عسيًا. يقال عتا الشيخ يعتو عتيًا، وعسا يعسو عسيًا إذا انتهى سنه وكبر وشيخ عات وعاس إذا صار إلى حالة الييس والجفاف (عنا) كذا ولأبي ذر وأبي الوقت وهو ساقط لغيرهما (يعتو). مثل غزا يغزو فهو واوي. (﴿قال رب أنّى﴾) من أين (﴿يكون﴾) أو كيف يكون ﴿لي غلام وكانت امرأتي عاقرًا﴾ لا تلد ﴿وقد بلغت من الكبر عتيًا﴾ (إلى قوله ﴿ثلاث ليال سويًا﴾﴾ [مريم: ١٠] أي متتابعات (ويقال صحيحًا) ما بك من خرس ولا بكم، وهذا أصح لأنه لم يقدر أن يتكلم مع الناس إلا بذكر الله وإنما ذكر الليالي هنا والأيام في آل عمران للدلالة على أنه استمر عليه المنع ثلاثة أيام ولياليهن وسقط قوله: (وكانت امرأتي) إلى آخر (عتيًّا) لغير أبي ذر (﴿فخرج﴾) زكريا (﴿على قومه من المحراب﴾) من المصلى (﴿فأوحى إليهم أن سبحوا﴾) صلوا ونزهوا ربكم (﴿ربكم وعشيًا﴾) [مريم: ١١] طرفي النهار. وقوله: ((فأوحى﴾) أي (فأشار) ببعض الجوارح بعين أو حاجب أو يد، وقيل كانت بالمسبحة لقوله إلا رمزًا وقيل كتب لهم على الأرض (﴿يا يحيى﴾) فيه حذف تقديره ووهبنا له يحيى وقلنا له يا يحيى (﴿خذ الكتاب﴾) هو التوراة (﴿بقوّة﴾) بجدّ (إلى قوله ﴿ويوم يبعث حيًا﴾) قال الطيبي: وسلام معطوف من حيث المعنى على قوله ﴿وآتيناه الحكم صبيًا﴾ وجعلناه برًا بوالديه، وسلمناه في تلك المواطن الموحشة فعدل إلى الجملة الاسمية لإرادة الثبات والدوام وهي كالخاتمة وهي كالخاتمة للكلام السابق. (﴿حفيا﴾) في قوله تعالى عن إبراهيم ﴿إنه كان بي حفيًا﴾ [مريم: ٤٧] أي (لطيفا) وقال في الأنوار أي بليغًا في البر والإلطاف (﴿عاقرًا﴾ الذكر والأنثى سواء). فيقال للرجل الذي لا يولد له عاقر كالمرأة التي لا تلد. ٣٤٣٠ - حدثنا هُذْبة بن خالدٍ حدَّثَنا همامُ بنُ يحيى حدَّثنا قَتادةُ عن أنسِ بنِ مالك عن مالك بنِ صَعْصعةَ: ((أنَّ نبيَّ اللّهِ وَهِ حدَّثهم عن ليلة أُسرِيَ بهِ: ثمَّ صَعِدَ حتى أتى السماءَ الثانية، فاستَفتَح، قيلَ مَن هذا؟ قال: جِبريلُ. قيل: ومَن معك؟ قال: محمدٌ. قيل: وقد أرسِلَ إِليهِ؟ قال: نعم. فلمّا خَلَصتُ فإِذا يحيى وعيسى وهما ابنا خالةٍ. قال: هذا يحيى وعيسى، فسلّمْ عليهما، فسألَّمتُ، فرَدًا، ثم قالا: مَرحبًا بالأخِ الصالح والنبيِّ الصالح)). ٣٨٣ کتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٤٤ وبه قال: (حدثنا هدبة بن خالد) بضم الهاء وبعد الدال المهملة الساكنة موحدة مفتوحة ابن الأسود القيسي قال: (حدثنا همام بن يحيى) بن دينار العوذي بفتح العين المهملة وسكون الواو وكسر الذال المعجمة قال: (حدثنا قتادة) بن دعامة (عن أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة) الأنصاري (أن نبي الله وَلي حدثهم عن ليلة أسري به) ثبت به لأبي ذرّ، والحديث المسوق بتمامه بنحوه في باب ذكر الملائكة إلى أن قال: (ثم صعد حتى أتى السماء الثانية فاستفتح قيل من هذا؟ قال: جبريل قال: ومن معك؟ قال: محمد قيل وقد أرسل إليه) للعروج به (قال) جبريل: (نعم فلما خلصت) من الصعود إلى السماء الثانية ووصلت إليها (فإذا يحيى وعيسى وهما ابنا خالة) وكان اسم أم مريم حنة بمهملة ونون مشدّدة بنت فاقود واسم أختها والدة يحيى إيشاع، وعند ابن أبي حاتم من طريق عبد الرَّحمن بن القاسم سمعت مالك بن أنس يقول: بلغني أن عيسى ابن مريم ويحيى بن زكريا كان حملهما جميعًا فبلغني أن أم يحيى قالت لمريم إني أرى ما في بطني يسجد لما في بطنك. قال مالك: أراه لفضل عيسى على يحيى (قال) جبريل (هذا يحيى وعيسى فسلم عليهما فسلمت) عليهما (فردا) علي السلام (ثم قالا) لي: (مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح) أي أصبت رحبًا لا ضيقًا والصلاح اسم جامع لسائر الخلال المحمودة. ٤٤ - باب قولِ اللَّه تعالى: ﴿واذكُرْ في الكتابِ مريمَ إذ انتَذَتْ مِن أهلِها مكانًا شرقًا﴾ [مريم: ١٦]. ﴿إذ قالتِ الملائكة يا مريمُ إن الله يُبَشِّرُكِ بكلمةٍ﴾ [آل عمران: ٤٥]. ﴿إِنِ اللّهَ اصطفى آدَمَ ونوحًا وآلَ إبراهيمَ وآلَ عِمرانَ على العالَمِين﴾ - إِلى قولهِ - ﴿يَرْزُقُ من يشاءُ بغيرِ حساب﴾ [آل عمران: ٣٣]. قال ابنُ عباسٍ ﴿وآل عمران﴾. المؤمنونَ من آل إبراهيم وآل عمرانَ وآلٍ ياسينَ وآلٍ محمد نَّهِ. يقول: ﴿إن أولى الناسِ بإبراهيمَ الَّذِينَ اتَّبَعوه﴾ [آل عمران: ٦٨] وهمُ المؤمنون، ويقال: ﴿آل يعقوبَ﴾ أهل يعقوب. فإذا صغَّروا ((آل)) ثم ردُّوهُ إلى الأصل قالوا: أُهَيل. (باب قول الله تعالى): سقط التبويب لأبي ذر وقال قول بالرفع (﴿واذكر في الكتاب﴾) في القرآن ((مريم)) أي قصة مريم (﴿إذ انتبذت﴾) إذ اعتزلت (﴿من أهلها مكانًا شرقيًا﴾) [مريم: ١٦] في شرقي بيت المقدس أو شرقي دارها (﴿إذ﴾) ولأبي ذر وإذ (﴿قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة﴾) [آل عمران: ٤٥] عيسى لوجوده بها وذلك قوله كن وهو من إطلاق السبب على المسبب (﴿إن الله اصطفى آدم ونوحًا﴾) اسم أعجمي لا اشتقاق له عند المحققين وهو منصرف وإن كان فيه العلمية والعجمة خفة بنائه لكونه ثلاثيًا ساكن الوسط (﴿وآل إبراهيم﴾) إسماعيل وإسحاق وأولادهما ومحمد والر من آل إبراهيم (﴿وآل عمران﴾). موسى ٣٨٤ كتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٤٤ وهارون ابني عمران يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم فالمراد موسى وهارون وأتباعهما من الأنبياء أو المراد عمران بن قامان والد مريم وكان من نسل سليمان بن داود عليهما السلام قالوا وكان بين العمرانين ألف وثمانمائة سنة (﴿على العالمين)) [آل عمران: ٣٣] متعلق باصطفى، واستدل القائلون بأن البشر أفضل من الملائكة بهذه الآية. (إلى قوله) تعالى (﴿يرزق من يشاء بغير حساب)) [آل عمران: ٣٧] أي بغير تقدير لكثرته أو بغير استحقاق فضلاً منه. (قال ابن عباس) رضي الله عنهما فيما وصله ابن أبي حاتم: ((وآل عمران﴾) كآل إبراهيم عام أريد به الخصوص فالمراد المؤمنون من آل إبراهيم (المؤمنون من آل إبراهيم و) المؤمنون من (آل عمران و) المؤمنون من (آل ياسين) في قوله تعالى: (وإن الياس و) المؤمنون من (آل محمد والي يقول) أي ابن عباس (﴿إن أولى الناس بإبراهيم الذين اتبعوه﴾) [آل عمران: ٦٨] (وهم المؤمنون) فمن خالفه ليس من آله (ويقال ﴿آل يعقوب﴾) أصله (أهل يعقوب) فقلبت الهاء همزة (فإذا) ولأبوي الوقت وذر إذا (صغروا آل ثم ردوه إلى الأصل) لأن التصغير يرد الأشياء إلى أصلها (قالوا: أهيل). وسقط لأبوي ذر والوقت لفظ: ثم. ٣٤٣١ - حدّثنا أبو اليمانِ أخبرَنا شعيبٌ عنِ الزُّهريِّ قال: حدثني سعيد بن المسيبِ قال: قال أبو هريرة رضيَ اللّهُ عنه: ((سمعتُ رسولَ اللّهِ وَلَه يقول: ما مِن بَني آدم مولودٌ إلا يَمسُّهُ الشيطان حينَ يولد فيَستَهِلْ صارخًا مِن مَسٌ الشيطانِ، غيرَ مريمَ وابنها. ثم يقول أبو هريرة: ﴿وإِنِي أُعِيذُها بكَ وذُرّيَّتَها مِن الشيطانِ الرجيم﴾ [آل عمران: ٣٦])). وبه قال: (حدثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم أنه (قال: حدثني) بالإفراد (سعيد بن المسيب قال: قال أبو هريرة رضي الله عنه سمعت رسول الله ◌َلا يقول): (ما من بني آدم مولود إلا يمسه الشيطان حين يولد) وفي باب صفة إبليس كل بني آدم يطعن الشيطان في جنبيه بإصبعه حين يولد (فيستهل صارخًا) نصب على المصدر كقولك فم قيامًا (من مس الشيطان) وهذا ابتداء تسليطه (غير مريم وابنها) عيسى صلوات الله وسلامه عليه زاد في باب صفة إبليس ذهب يطعن فطعن في الحجاب أي المشيمة التي فيها الولد قال القرطبي فحفظ الله تعالى مريم وابنها منه ببركة دعوة أمها حنة كما أشير إلى ذلك بقوله (ثم يقول أبو هريرة) مما هو موقوف عليه (﴿وإني أعيذها بك وذريتها﴾) ولم يكن لها ذرية غير عيسى (﴿من الشيطان الرجيم﴾﴾ [آل عمران: ٣٦] المطرود. وهذا الحديث أخرج نحوه في باب صفة إبليس وأخرجه مسلم أيضًا. ٣٨٥ كتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٤٥ ٤٥ - باب ﴿وإِذٍ قالتِ الملائكةُ يا مريمُ إِنَّ اللّهَ اصطفاكِ وطَهَّركِ واصطفاكِ على نساءِ العالَمين يا مريمُ اقتُتي لربِّكِ واركعي مع الرّاكعين ذلكَ من أنباءِ الغيبِ نُوحيهِ إِليكَ وما كنتَ لدَيهم إذ يُلقونَ أقلامَهم أيُّهم يَكفُلُ مريمَ وما كنتَ لدَيهم إذ يَختَصِمون﴾ [آل عمران: ٤٢] يقال: ﴿يكفُلُ﴾: يَضُمُّ. كفَلَها: ضمَّها، مخفّفة، ليس من كفالةِ الدُّيون وشِبهِها. هذا (باب) بالتنوين من غير ترجمة وهو كالفصل من سابقه (﴿وإذ قالت الملائكة﴾) جبريل وحده لدلالة ما في سورة مريم على أن المتكلم معها جبريل حيث قال الله: ﴿فأرسلنا إليها روحنا﴾ [مريم: ١٧] (﴿يا مريم إن الله اصطفاك)) بأن قبلك للنذيرة ولم يقبل أنثى غيرك وتفريغك للعبادة وإغنائك برزق الجنة عن الكسب (﴿وطهّرك﴾) مما يستقذر من النساء (﴿واصطفاك﴾) بالهداية وإرسال جبريل إليك وتخصيصك بالكرامات السنية كالولد من غير أب وتبرئتك مما قذفتك اليهود بإنطاق الطفل (﴿على نساء العالمين﴾) وقد دلت هذه الآية على أنها أفضل من سائر النساء (﴿يا مريم اقنتي لربك﴾) اعبديه ﴿واسجدي﴾ صلي، وتسمية الشيء بأشرف أجزائه مجاز مشهور (﴿واركعي مع الراكعين﴾) لم يقل مع الراكعات لأن الاقتداء بالرجل حال الاختفاء من الرجال أفضل من الاقتداء بالنساء، وقدم السجود على الركوع إما لكونه كذلك في شريعتهم أو أن الواو لا تقتضي ترتيبًا (﴿ذلك﴾) مبتدأ أي ما ذكر من القصص خبره (﴿من أنباء الغيب﴾) وجملة (﴿نوحيه إليك﴾) مستأنفة والضمير في نوحيه إليك عائد على الغيب أي الأمر والشأن أنا نوحي إليك الغيب ونعلمك به ونظهرك على قصص من تقدمك مع عدم مدارستك لأهل العلم والإخبار، ولذلك أتى بالمضارع في نوحيه (﴿وما كنت لديهم﴾) بحضرتهم (﴿إذا يلقون أقلامهم﴾) أي سهامهم للاقتراع أو أقلامهم التي كانوا يكتبون بها التوراة تبركًا ينظرون أو يقولون (﴿أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون﴾) [آل عمران: ٤٢ - ٤٣- ٤٤] تنافسًا في كفالتها إما لأن أباها عمران كان رئيسًا لهم، أو لأن أمها حررتها لعبادة الله تعالى ولخدمة بيته، وسقط لأبي ذر من قوله ﴿وطهرك﴾ إلى آخر قوله ﴿أقلامهم﴾ وقال بعد (اصطفاك) الآية إلى قوله (أيهم). (يقال ﴿يكفل﴾) أي (يضم كفلها) أي (ضمها) زكريا إلى نفسه حال كون كفلها (مخففة) وهي قراءة نافع وأبي عمرو وابن كثير وابن عامر، وقراءة الكوفيين بالتشديد أي كفلها الله تعالى ولا مخالفة بين القراءتين لأن الله تعالى لما كفلها إياه كفلها (ليس من كفالة الديون) بالجمع وفي نسخة الدين (وشبهها). قال في اللباب: الكفالة الضمان في الأصل ثم يستعار للضم والأخذ يقال منه كفل يكفل وكفل كعلم يعلم كفالة، وكفلاً فهو كافل وكفيل والكافل هو الذي ينفق على إنسان وہتم بإصلاح حاله. إرشاد الساري/ ج ٧/ م ٢٥ ٣٨٦ کتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٤٥ ٣٤٣٢ - حقثني أحمدُ بنُ رجاءِ حدَّثَنا النَّضرُ عن هِشام قال: أخبرني أبي قال: سمعتُ عبدَ اللهِ بنَ جعفرٍ قال: سمعتُ عليا رضيَ اللّهُ عنه يقول: ((سمعتُ النبيِّ وَّه يقول: خيرُ نسائها مريم ابنةُ عِمرانَ، وخيرُ نسائها خديجةُ)). [الحديث ٣٤٣٢ - طرفه في: ٣٨١٥]. وبه قال: (حدثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدثنا (أحمد بن أبي رجاء) بالجيم عبد الله بن أيوب الحنفي الهروي قال: (حدثنا النضر) بالضاد المعجمة ابن شميل (عن هشام) أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (أبي) عروة بن الزبير بن العوام (قال: سمعت عبد الله بن جعفر) بن أبي طالب (قال: سمعت عليًا رضي الله عنه يقول: سمعت النبي ◌َّهر يقول): (خير نسائها) أي خير نساء أهل الدنيا في زمانها (مريم ابنة عمران) وليس المراد أن مريم خير نسائها لأنه يصير كقولهم: يوسف أحسن إخوته، وقد صرحوا بمنعه لأن أفعل التفضيل إذ أضيف وقصد به الزيادة على من أضيف له اشترط أن يكون منهم مثل: زيد أفضل الناس فإن لم يكن منهم فلا يجوز كما في يوسف أحسن إخوته لخروجه عنهم بإضافتهم إليه. وقال الزركشي: في قوله هنا خير فيه وجهان. أحدهما: أن يجعل خير بمعنى الخير لا على جهة التفضيل، وثانيهما: وهو الأصح أن الضمير راجع إلى الدنيا كما في زيد أفضل أهل الدنيا، ويجوز أن يكون على تقدير مضاف محذوف أي خير نساء زمانها مريم فيعود الضمير على مريم، وإنما جاز أن يرجع الضمير للدنيا وإن لم يجر لها ذكر لأنه يفسره الحال والمشاهدة. وقد رواه النسائي من حديث ابن عباس بلفظ: أفضل نساء أهل الجنة، وحينئذٍ فالمعنى خير نساء أهل الجنة مريم، وفي رواية خير نساء العالمين وهو كقوله تعالى: ﴿واصطفاك على نساء العالمين﴾ [آل عمران: ٤٢] وظاهره: أنها أفضل من جميع النساء، وقول من قال على عالمي زمانها ترك للظاهر. قال القرطبي: خص الله تعالى مريم بما لم يؤته أحدًا من النساء، وذلك أن روح القدس كلمها وطهرها ونفخ في درعها، وليس هذا لأحد من النساء وصدقت بكلمات ربها ولم تسأل آية عندما بشرت كما سأل زكريا عليه الصلاة والسلام عن الآية، ولذلك سماها الله تعالى صديقة فقال: ﴿وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين﴾ [التحريم: ١٢] فشهد لها بالصديقية والتصديق والقنوت، ويحتمل أن يكون المراد كما قال الكرماني نساء بني إسرائيل أو من فيه مضمرة كما قال القاضي عياض: (وخير نسائها) أي هذه الأمة (خديجة) أم المؤمنين. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في فضل خديجة ومسلم في الفضائل والترمذي والنسائي في المناقب. ٣٨٧ كتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٤٦ ٤٦ - باب قولهِ تعالى: ﴿إِذ قالتِ الملائكة يا مريمُ﴾- إلى قولهِ - ﴿فإنما يقول له کُنْ فيكون﴾ [آل عمران: ٤٥-٤٨]. ﴿يُبَشِّرُكِ﴾: ويَبْشِرُكِ واحد. ﴿وَجيهَا﴾: شريفًا. وقال إبراهيم المسيحُ: الصدِّيق. وقال مجاهد الكهل: الحليم. والأكْمهُ: مَن يُبْصِرُ بالنهار ولا يُبْصِرُ بالليل. وقال غيرُه: مَن يولّدُ أعمى. (باب قول الله تعالى): سقط التبويب لأبي ذر فقول رفع وهو واضح (﴿إذ قالت الملائكة﴾) جبريل ﴿يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه﴾ [آل عمران: ٤٥] هو عيسى لوجوده بها وهو قول كن فهو من باب إطلاق السبب على المسبب ﴿اسمه المسيح﴾ مبتدأ أو خبر ﴿عيسى﴾ بدل أو عطف بيان ﴿ابن مريم﴾ صفة لعيسى على أن عيسى خبر مبتدأ محذوف، وإنما قيل ابن مريم والخطاب لها تنبيهًا على أنه يولد من غير أب إذ الأولاد تنسب إلى الآباء ولا تنسب إلى الأم إلا إذا فقد الأب (إلى قوله) تعالى: ﴿كن فيكون﴾ عقب الأمر من غير مهلة، وثبت قوله ﴿إن الله يبشرك﴾ إلى آخر (فيكون) لأبي ذر، وقال غيره بعد (﴿يا مريم)) إلى قوله (﴿فإنما يقول له كن فيكون﴾) [مريم: ٣٥] (﴿يبشرك)) مشددة (وبشرك) مخففة (واحد) في المعنى والثاني قراءة حمزة والكسائي والآخر قراءة الباقين. (﴿وجيهًا﴾) أي (شريفًا) في الدنيا بالنبوة وفي الآخرة بالشفاعة. (وقال إبراهيم) النخعي فيما وصله سفيان الثوري في تفسيره: (المسيح الصدّيق) بكسر الصاد والدال المهملتين المشددتين، وقال غيره هو فعيل بمعنى فاعل فحوّل مبالغة فقيل لأنه يمسح الأرض بالسياحة أي يقطعها، وقيل لأنه يمسح ذا العاهة فيبرأ، وقيل بمعنى مفعول لأنه مسح بالبركة واللام فيه للغلبة. (وقال مجاهد) فيما وصله الفريابي (الكهل) في قوله تعالى ﴿ويكلم الناس في المهد وكهلاً﴾ [آل عمران: ٤٦] هو (الحليم) باللام وهذا فيه شيء، فقد قال أبو جعفر النحاس: إنه لا يعرف في اللغة. وقال في اللباب: الكهل من بلغ سن الكهولة، وأوّلها ثلاثون أو اثنتان وثلاثون أو ثلاث وثلاثون أو أربعون وآخرها خمسون أو ستون، ثم يدخل في سن الشيخوخة، فلعل مجاهدًا فسّره بلازمه الغالب لأن الكهل غالبًا يكون فيه وقار وسكينة، وهل كهلاً نسق على وجيهًا أو حال من الضمير في يكلم أي يكلمهم حال كونه طفلاً وكهلاً كلام الأنبياء من غير تفاوت؟ قال في الفتح: وعلى الأول يتجه تفسير مجاهد. (والأكمه) في قوله ﴿وأبرىء الأكمه﴾ [آل عمران: ٤٩] (من يبصر بالنهار ولا يبصر بالليل) قاله مجاهد فيما وصله الفريابي وهو قول شاذ، والمعروف أن ذلك هو الأعشى. (وقال غيره): غير مجاهد الأكمه (من يولد أعمى) وهذا قول الجمهور، وقال ابن عباس: من ولد مطموس العين، وقال عكرمة: الأعمش. ٣٨٨ كتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٤٦ ٣٤٣٣ - حدثنا آدمُ حدَّثنا شعبةُ عن عمرو بنِ مُرَّةَ قال: سمعتُ مُرَّةَ الهِمْدانيَّ يُحدِّثُ عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: ((قال النبيُّ وَلّى: فضلُ عائشةَ على النساء كفضلِ الثّريد على سائرِ الطعام. كَملَ من الرجالِ كثير، ولم يَكمُلْ منَ النساءِ إِلا مريمُ بنتُ عِمرانَ وآسيةُ امرأةٌ فِرعَونَ). وبه قال: (حدثنا آدم) بن أبي إياس قال: (حدثنا شعبة) بن الحجاج (عن عمرو بن مرة) المرادي الأعمى أنه (قال: سمعت مرة) بن شراحيل (الهمداني) بفتح الهاء وسكون الميم وبالدال المهملة الكوفي (يحدث عن أبي موسى) عبد اللَّه بن قيس (الأشعري رضي الله عنه قال: قال النبي ڑ) : (فضل عائشة) بنت الصديق (على النساء) أي نساء هذه الأمة (كفضل الثريد) بالمثلثة (على سائر الطعام) لأنه أفضل طعام العرب لنفعه والشبع منه وسهولة مساغه والالتذاذ به وتيسر تناوله (كمل) بفتح الميم وتضم وتكسر (من الرجال كثير ولم يكمل) بضم الميم (من النساء إلا مريم بنت عمران) أم عيسى (وآسية امرأة فرعون) احتج القائلون بنبوتهما بالحصر في قوله: ولم يكمل من النساء إلا مريم وآسية في كلام سبق في باب قول الله تعالى: ﴿وضرب الله مثلاً للذين آمنوا﴾ واحتج المانعون بقوله تعالى: ﴿وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً﴾. وأجاب المجوزون بأنه لا حجة فيه لأن المدعي النبوّة لا الرسالة. ٣٤٣٤ - وقال ابنُ وهبٍ أخبرَني يونُسُ عنِ ابنِ شهابٍ قال: حدَّثني سعيد بن المسيبِ أنَّ أبا هريرةَ قال: سمعتُ رسولَ اللّهِ وَ﴿ يقول: ((نساء قريشٍ خيرُ نساءٍ ركِينَ الإبل: أحناهُ على طِفلٍ، وأرعاهُ على زوجٍ في ذات يدِه)). يقولُ أبو هريرةَ على إثرِ ذلكَ: ولم تركبْ مريمُ بنت عِمرانَ بعيرًا قطُ . تابعه ابنُ أخي الزُّهريّ وإسحاقُ الكلبيُّ عن الزُّهريّ. [الحديث ٣٤٣٤ - طرفاه في: ٥٠٨٢، ٥٣٦٥]. (وقال ابن وهب) عبد الله المصري فيما وصله مسلم (أخبرني) بالإفراد (يونس) بن يزيد الأيلي (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري أنه (قال: حدثني) بالإفراد (سعيد بن المسيب أن أبا هريرة) رضي الله عنه (قال: سمعت رسول الله وَلفي يقول): (نساء قريش) مبتدأ خبره (خير نساء ركبن الإبل) كناية عن نساء العرب (أحناه على طفل) أي أحنى هذا الجنس يعني أشفقه على ولد بحسن التربية وغيرها، والأصل أن يقول: أحناهن، لكن قالوا: إن العرب لا تتكلم في مثله إلا مفردًا (وأرعاه على زوج في ذات يده) أي في ماله المضاف إليه بالأمانة وحسن التدبير في النفقة وغيرها. ٣٨٩ کتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٤٧ (يقول أبو هريرة على إثر ذلك): بكسر الهمزة وسكون المثلثة أي عقبه (ولم تركب مريم بنت عمران بعيرًا قط) فلم تدخل في الموصوفات بركوب الإبل فهي أفضل النساء مطلقًا. (تابعه) أي تابع يونس الإيلي (ابن أخي بالزهري) محمد بن عبد الله بن مسلم المدني فيما وصله ابن عدي في كامله (وإسحاق) بن يحيى (الكلبي) فيما وصله الذهلي في الزهريات (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب. ٤٧ - باب قوله: ﴿يا أهلَ الكتاب لا تَغلوا في دينكم ولا تقولوا على اللّهِ إِلا الحقّ إِنَّما المسيحُ عيسى ابن مريمَ رسولُ اللّهِ وكلمته ألقاها إلى مريمَ ورُوحٌ منه فَآمِنوا بالله ورسُلِه ولا تقولوا ثلاثةٌ انتَهُوا خَيرًا لكم إنما اللّهُ إِلهٌ واحد سبحانه أنْ يكون له ولد له ما في السموات وما في الأرض وكفى باللّهِ وكيلاً﴾ [النساء: ١٧١]. قال أبو عُبيدٍ: ﴿كلمته﴾ كنْ فكان. وقال غيره: ﴿وَرُوحٌ منه﴾: أحياهُ فجعله روحًا ﴿ولا تقولوا ثلاثة﴾ . (باب قوله عز وجل): وفي نسخة: باب قوله تعالى: (﴿يا أهل الكتاب)) قال القاضي عياض: وقع في رواية الأصيلي هنا (قل يا أهل الكتاب) ولغيره بحذف (قل) وهو الصواب أي في هذه الآية. نعم ثبت في آية المائدة ﴿قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق﴾ [المائدة: ٧٧] والمراد هنا آية النساء (﴿لا تغلوا في دينكم﴾) الخطاب للنصارى أي لا تجاوزوا الحد في تعظيم المسيح، وذلك أن الملكانية اتخذوه إلهًا، واليعقوبية يقولون: إنه ابن الله، والمرقوسية يقولون: ثالث ثلاثة أو الخطاب مع الفريقين، وذلك أن اليهود بالغوا في الحط حتى قالوا: إنه غير رشيد وذلك في الدين حرام (﴿ولا تقولوا على الله إلاّ الحق﴾) استثناء مفرّغ فالنصب على المفعولية لتضمنه معنى القول نحو: قلت خطبة أو نعت مصدر محذوف أي إلا القول الحق. أي نزهوه عن الصاحبة والولد والشريك والحلول والاتحاد (﴿إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم﴾) أوصلها إليها، المسيح مبتدأ وعيسى بدل منه أو عطف بيان وابن مريم صفة ورسول الله خبر المبتدأ وكلمته عطف عليه، وألقاها جملة في موضع الحال من الضمير المستتر في كلمته العائد على عيسى (﴿وروح منه﴾) أي وذو روح صدرت منه بأمره لجبريل أن ينفخ في درع مريم فحملت به، أو لأنه كان يحيي الأموات أو القلوب (﴿فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة﴾) خبر مبتدأ مضمر أي لا تقولوا آلهتنا ثلاثة، والجملة في موضع نصب بالقول: ﴿انتهوا﴾ عن التثليث ((خيرًا لكم﴾) ثم أكد التوحيد بقوله: (﴿إنما الله إله واحد﴾) بالذات لا تعدد فيه بوجه ما ثم نزه نفسه عن الولد بقوله: ((سبحانه أن یکون له ولد﴾) وتقدیره من أن یکون أي نزهوه من أن یکون له ولد فإنه یکون لمن يعادله مثل ويتطرق إليه فناء (﴿له ما في السموات وما في الأرض﴾) ملكًا وخلقًا وعيسى ومريم في جملة ذلك (﴿وكفى بالله وكيلاً﴾) كافيًا في تدبير المخلوقات وحفظ المحدثات لا يحتاج معه إلى آخر يعينه مستغنيًا ٣٩٠ کتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٤٧ عمن يخلفه من ولد أو غيره، وسقط قوله: ﴿ولا تقولوا﴾ الخ لأبي ذر وقال بعد قوله ﴿في دینکم﴾ إلى ﴿وکیلاً﴾. (قال أبو عبيد) القاسم بن سلام (﴿كلمته﴾) في قوله تعالى: ﴿إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته﴾ [النساء: ١٧١] هي قوله جل وعلا: (كن فكان) من غير واسطة أب ولا نطفة. (وقال غيره): غير أبي عبيد القاسم (﴿وروح منه﴾) [النساء: ١٧١] أي (أحياه فجعله روحًا) وهذا قول أبي عبيدة معمر بن المثنى وسبق قريبًا غيره ﴿ولا تقولوا ثلاثة﴾ [النساء: ١٧١] أي آلهة ثلاثة الله والمسيح ومريم ويشهد له قوله تعالى: ﴿أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إليهن من دون الله﴾ [المائدة: ١١٦] أو أنهم يقولون إن الله جوهر واحد وله ثلاثة أقانيم فيجعلون كل أقنوم إلهًا، ويعنون بالأقانيم الوجود والحياة والعلم، وربما يعنون بالأقانيم الأب وابن وروح القدس، ويريدون بالأب الوجود، وبالروح الحياة، وبالمسيح العلم، أو الأب الذات والابن العلم " والروح الحياة في كلام لهم فيه تخبيط، ومحصله يؤول إلى التمسك بأن عيسى إليه كان يجري الله تعالى على يديه من الخوارق وقالوا: قد علمنا خروج هذه الأمور عن مقدور البشر، فينبغي أن يكون المقتدر عليها موصوفًا بالإلهية فيقال لهم: لو كان ذلك من مقدوراته وكان مستقلاً به كان تخليصه من أعدائه من مقدوراته وليس كذلك، فإن اعترفوا بذلك سقط استدلالهم وإن لم يسلموا فلا حجة لهم أيضًا لأنهم معارضون بخوارق العادات الجارية على أيدي غيره من الأنبياء كفلق البحر وقلب العصا حية لموسى. وبه قال: ٣٤٣٥ - حدّثنا صدَقةُ بن الفضلِ حدَّثَنَا الوَليدُ عنِ الأوزاعيِّ قال: حدَّثني عُميرُ بن هانيءٍ قال: حدَّثني ◌ُنادةُ بن أبي أُميَّةَ عن عُبادةَ رضيَ الله عنه عن النبيِّ وَّ قال: ((مَن شهِدَ أن لا إِلهَ إلا اللّهُ وحدَهُ لا شريكَ له، وأَنَّ محمدًا عبدُهُ ورسوله، وأنَّ عيسى عبدُ الله ورسوله وكلمتهُ ألقاها إلى مريمَ ورُوحٌ منه، والجنةُ حَقِّ والنارُ حقٌّ، أدخَلَهُ اللّهُ الجنةَ على ما كانَ منَ العَمل)). (حدثنا صدقة بن الفضل) المروزي قال: (حدثنا) ولأبي ذر: أخبرنا (الوليد) بن مسلم الدمشقي (عن الأوزاعي) عبد الرَّحمن أنه قال: (حدثني) بالإفراد (عمير بن هانىء) بضم العين وفتح الميم مصغرًا وهانىء مهموز العنسي بعين وسين مهملتين بينهما نون ساكنة الدمشقي الداراني (قال: حدثني) بالإفراد أيضًا (جنادة بن أمية) بضم الجيم وتخفيف النون الأزدي (عن عبادة) بن الصامت (رضي الله عنه عن النبي وَلي) أنه (قال): (من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله وأن عيسى عبد الله) زاد ابن المديني وابن أمته (ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه) ذكر عيسى تعريضًا بالنصارى وإيذانًا بأن إيمانهم مع القول بالتثليث شرك محض لا يخلصهم من النار وأنه رسوله تعريضًا باليهود في إنكارهم رسالته وانتمائهم إلى ما لا يحل من قذفه وقذف أمه وأنه ابن أمته ٣٩١ كتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٤٨ تعريضًا بالنصارى أيضًا وتقريرًا لعبديته أي هو عبد الله وابن أمته، فكيف ينسبونه إلى الله عز وجل بالنبوة (والجنة) كذا (حق والنار) كذا (حق) أخبر عنهما بالمصدر مبالغة في الحقية، وأنهما عين الحق كزيد عدل تعريضًا بمنكري داري الثواب والعقاب (أدخله الله الجنة على ما كان من العمل). فيه أن عصاة أهل القبلة لا يخلدون في النار لعموم قوله: مَن شهد أن لا إله لا الله وأنه تعالى يعفو عن السيئات قبل التوبة واستيفاء العقوبة، لأن قوله على ما كان من العمل حال من قوله أدخله الله الجنة، ولا ريب أن العمل غير حاصل حينئذٍ بل الحاصل حال إدخاله استحقاق ما يناسب عمله من الثواب والعقاب لا يقال إن ما ذكر يستدعي أن لا يدخل أحد من العصاة لأن اللازم منه عموم العفو وهو لا يستلزم عدم دخول النار لجواز أن يعفو عن بعضهم بعد الدخول وقبل استيفاء العذاب. «وإن زنى وإن سرق علی رغم أنف أبي ذر)). وحديث الباب أخرجه مسلم في الإيمان والنسائي في التفسير وفي اليوم والليلة. وقال الطيبي: التعريف في العمل للعهد والإشارة به إلى الكبائر يدل له نحو قوله ((وإن زنى وإن سرق)) في حديث أبي ذر، وقوله: على ما كان حال، والمعنى من شهد أن لا إله إلا الله يدخل الجنة في حال استحقاقه العذاب بموجب أعماله من الكبائر أي حال هذا مخالف للقياس في دخول الجنة، فإن القياس يقتضي أن لا يدخل الجنة من شأنه هذا كما زعمت المعتزلة: وإلى هذا المعنى ذهب أبو ذر في قوله ((وإن زنى وإن سرق)»؟ وردّ بقوله (قال الوليد): هو ابن مسلم بالإسناد السابق (حدثني) بالإفراد، ولأبي ذر: وحدّثني (ابن جابر) هو عبد الرَّحمن بن يزيد بن جابر الأزدي (عن عمير) هو ابن هانىء (عن جنادة) هو ابن أبي أمية بالحديث السابق عن عبادة (وزاد) بعد قوله أدخله الله الجنة على ما كان من العمل (من أبواب الجنة الثمانية أيها شاء). بنصب أيّ وجره الداخل أو شاء الله تعالى من الباب المعدّ لذلك العمل. ٤٨ - باب قولِ اللّهِ: ﴿واذكُرْ في الكتابِ مريمَ إِذْ انْتَذَتْ من أهلها﴾ [مريم: ١٦]. نبذناهُ: ألقَيناهُ. اعتزَلَت شرقًا: مما يلي الشرق. فأجاءها: أفعَلْتُ من جئتُ، ويقال ألجأها: اضطرها. تَسّاقَطْ: تَسقُطْ. قَصِيًّا: قاصِيًا. فَرِيًّا: عظيمًا. قال ابنُ عباسٍ نَسِيًّا: لم أكن شيئًا. وقال غيره النسيُّ: الحقير. وقال أبو وائل: علمتْ مريمُ أنَّ التَّقيَّ ذو نُهْيةٍ حينَ قالت: ﴿إن كنتَ تَقيًّا﴾. وقال وكيعٌ عن إسرائيلَ عن أبي إسحاقَ عنِ البَراءِ ﴿سَرِيًّا﴾: نهرٌ صغير بالسُّريانية. هذا (باب) بالتنوين (﴿واذكر﴾) ولأبي ذر: باب قول الله تعالى واذكر (﴿في الكتاب مريم إذ ٣٩٢ کتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٤٨ انتبذت من أهلها﴾﴾ [مريم: ١٦] قال ابن عباس فيما وصله الطبري في قوله تعالى: ﴿فنبذناه﴾ [الصافات: ١٤٥] في قصة يونس أي (ألقيناه) بالقاف (اعتزلت) ﴿شرقيًا﴾، قال أبو عبيدة: (مما يلي الشرق) من بيت المقدس أو من دارها للعبادة لا يقال هذا تكرار، فقد سبق باب في قول الله تعالى: ﴿واذكر في الكتاب مريم﴾ لأن هذا الباب معقود لأخبار عيسى والسابق لأخبار أمه مريم ﴿فأجاءها﴾ المخاض من (أفعلت من جئت) أي من مزيد جاء تقول جئت إذا أخبرت عن نفسك ثم إذا أردت تعدى به إلى غيرك تقول: أجأت زيدًا فالضمير هنا يرجع إلى مريم وفاعل أجاء المخاض (ويقال: ألجأها) أي (اضطرها) المخاض وهو الطلق إلى جذع النخلة وكانت يابسة. قال في الكشاف: أجاء منقول من جاء إلا أن استعماله قد تغير بعد النقل إلى معنى الإلجاء. ﴿تساقط﴾ [مريم: ٢٥] بتشديد السين أصله تتساقط فأدغمت التاء الثانية في السين وهي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر والكسائي أي (تسقط) بفتح أوله وضم ثالثه، وهذا قول أبي عبيد لكنه ضبط تساقط بضم أوله من الرباعي وهي قراءة حفص روي أنها كانت نخلة يابسة ولا رأس لها ولا ثمرة وكان الوقت شتاء فهزته فجعل الله له رأسًا وخوصًا ورطبًا يسليها بذلك لما فيه من المعجزة الدالة على براءة ساحتها. ﴿قصيًا﴾ في قوله تعالى: ﴿فانتبذت به مكانًا قصيًا﴾ [مريم: ٢٢] أي (قاصيًا) قال ابن عباس: أقصى وادي بيت لحم فرارًا من قومها أن يعيِّروها بولادتها من غير زوج (فريًا) في قوله: ﴿لقد جئت شيئًا فريًا﴾ [مريم: ٢٧] أي (عظيمًا) وقيل منكرًا (قال ابن عباس: نسيًا) في قوله تعالى: ﴿يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيًا﴾ [مريم: ٢٣] أي (لم أكن شيئًا وقال غيره) أي غير ابن عباس: (النسي) هو (الحقير) وهذا قول السدي. (وقال أبو وائل) بالهمزة شقيق بن سلمة: (علمت مريم أن التقي ذو نهية) بضم النون وبعد الهاء الساكنة تحتية مفتوحة. وقال عياض بالضم: الرواية، وقد يقال بفتحها أي عقل لأنه ينهى صاحبه عن القبائح ويقال فيه ذو نهاية حكاه ثابت، وقد تكون النهية من النهي بمعنى الفعلة الواحدة منه والنهية بالفتح واحد النهي مثل ثمرة وتمر أي أن له من نفسه في كل حال زاجرًا ينهاه كما يقال التقي ملجم يقال نهيته ونهوته (حين قالت) لجبريل عليه السلام لما أتاها بصورة شاب أمرد سويّ الخلق لتستأنس بكلامه: إني أعوذ بالرحمن منك (﴿إن كنت تقبّا﴾) أي تتقي الله وتحتفل بالاستعاذة فانته عني. (وقال) بالواو ولغير أبي ذر قال (وكيع) هو ابن الجراح (عن إسرائيل) بن يونس (عن) جدّه (أبي إسحاق) السبيعي(عن البراء) بن عازب (﴿سريًا﴾﴾ [مريم: ٢٤] في قوله تعالى: ﴿قد جعل ربك تحتك سريًا﴾ [مريم: ٢٤] هو: (نهر صغير بالسريانية) رواه ابن أبي حاتم هكذا عن الراء موقوفًا، وفي تفسير ابن مردويه عن ابن عمر مرفوعًا: السريّ في هذه الآية نهر أخرجه الله لمريم لتشرب منه. ٣٩٣ کتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٤٨ ٣٤٣٦ - هذّلنا مسْلمُ بن إبراهيمَ حدثَنا جريرُ بنُ حازِمٍ عن محمدِ بنِ سِیرینَ عن أبي هريرةً عنِ النبيِّ نَِّ قال: ((لم يتكلمْ في المهدِ إلا ثلاثة: عيسى. وكان في بني إسرائيلَ رجلٌ يقال له جُرَيج كان يُصلِّي، فجاءتهُ أمُّه فَدَعَتْه، فقال: أجيبُها أو أُصلّي؟ فقالت: اللهمَّ لا تُمِتْه حتّى تُرِيَّهُ وُجوه المومِسات، وكان جُرَيجٌ في صَومَعته، فتعرَّضَتْ له امرأةٌ وكلَّمَتْه فأبى، فأَتَت راعيًا فأمكنَتْهُ من نفسِها، فوَلَدَت غُلامًا، فقالت: مِن جُرَيج، فأتَوهُ فكسروا صَومعتَهُ وأنزلوهُ وسَبُّوه، فتوضَّأَ وصلَّى، ثم أتى الغُلامَ فقال: مَن أبوكَ يا غُلامُ؟ قال: الراعي، قالوا: نَبني صَومعتَكَ من ذهب؟ قال: لا، إِلا مِن طِين. وكانت امرأة تُرضِعُ ابنًا لها من بني إسرائيلَ، فمرَّ رجلٌ راكبٌ ذو شارة، فقالت: اللهمّ اجعلْ ابني مثلَهُ، فترَكَ ثَديَها وأقبلَ على الراكبِ فقال: اللهمَّ لا تجعلني مثلَه، ثمَّ أقبلَ على ثَدِها يَمَصُّه، قال أبو هريرة: كأني أنظرُ إلى النبيِّ ◌َّ يَمصُّ إِصبَعَه، ثمَّ مرَّ بأمةٍ فقالت: اللهمَّ لا تجعَلْ ابني مثلَ هذهِ، فترَكَ ثَديَها فقال: اجعلني مثلها، فقالت: لم ذاك؟ فقال: الراكبُ جبّارٌ منَ الجبابرة، وهذهِ الأمة يقولن سرقتِ زنيتٍ ولم تفعل». وبه قال: (حدثنا مسلم بن إبراهيم) الفراهيدي قال: (حدثنا جرير بن حازم) بالحاء المهملة والزاي ابن زيد الأزدي (عن محمد بن سيرين) الأنصاري (عن أبي هريرة) رضي الله عنه (عن النبي ◌َّ﴾﴾ أنه (قال): (لم يتكلم في المهد) وهو ما يهيأ للصبي أن يربى فيه (إلا ثلاثة). واستشكل الحصر بما روي من كلام غير الثلاثة. وأجيب: باحتمال أن يكون المعنى لم يتكلم في بني إسرائيل أو قاله قبل أن يعلم الزيادة أو الثلاثة بقيد المهد. فالأول: (عيسى) ابن مريم عليهما السلام. (و) الثاني (كان في بني إسرائيل رجل يقال له جريج) وفي حديث أبي سلمة أنه كان تاجرًا وكان ينقص مرة ويزيد أخرى فقال: ما في هذه التجارة خير لألتمسن تجارة هي خير من هذه فبنى صومعة وترهب فيها. وعند أحمد وكانت أمه تأتيه فتناديه فيشرف عليها فتكلمه و(كان يصلي) يومًا (جاءته) ولأبي ذر عن الكشميهني فجاءته (أمه فدعته) فقالت يا جريج (فقال) في نفسه: (أجيبها) وأقطع صلاتي (أو أصلي) فآثر الصلاة على إجابتها بعد أن دعته ثلاثًا كما في الرواية الأخرى أنها دعته ثلاثًا (فقالت: اللهم لا تمته حتى تريه وجوه المومسات) بضم الميم الأولى وكسر الثانية بينهما واو ساكنة الزانيات ولم تدع عليه بوقوع الفاحشة مثلاً رفقًا منها. (وكان جريج في صومعته فتعرضت له امرأة) راعية ترعى الغنم أو كانت بنت ملك القرية (فكلمته) أن يواقعها بالفاء في الفرع وفي اليونينية وكلمته بالواو بدل الفاء (فأبى) أن يفعل ذلك (فأتت راعيًا فأمكنته من ٣٩٤ کتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٤٨ نفسها) فواقعها فحملت منه (فولدت غلامًا) فقيل لها: ممن هذا الغلام؟ (فقالت: من جريج) زاد أحمد فأخذت وكان من زنى منهم قتل، وزاد أبو سلمة في روايته فذهبوا إلى الملك فأخبروه فقال: ادركوه فأتوني به (فأتوه فكسروا) بالفاء ولأبي ذر وكسروا (صومعته) بالفؤوس والمساحي (وأنزلوه) منها (وسبوه) زاد أحمد عن وهب بن جرير وضروبه فقال ما شأنكم قالوا: إنك زنيت بهذه. وعند أحمد أيضًا من طريق أبي رافع أنهم جعلوا في عنقه وعنقها حبلاً وجعلوا يطوفون بهما على الناس، وفي رواية أبي سلمة أن الملك أمر بصلبه (فتوضأ) بالفاء، ولأبي ذر: وتوضأ فيه أن الوضوء لا يختص بهذه الأمة خلافًا لمن زعم ذلك. نعم الذي يختص بها الغرة والتحجيل في الآخرة (وصلى) في حديث عمران فصلى ركعتين وزاد وهب بن جرير ودعا (ثم أتى الغلام فقال: من أبوك يا غلام)؟ زاد في رواية وهب بن جرير فطعنه بإصبعه، وفي رواية أبي سلمة فأتي بالمرأة والصبي وفمه في ثديها فقال له جريج: يا غلام من أبوك؟ فنزع الغلام فمه من الثدي (فقال): ولغير أبي ذر قال (الراعي) لم يسم، وزاد في رواية وهب بن جرير فوثبوا إلى جريج فجعلوا يقبلونه. وفي هذا إثبات كرامات الأولياء ووقوع ذلك لهم باختيارهم وطلبهم (قالوا: نبني) لك (صومعتك من ذهب. قال) جريح: (لا إلاّ من طين) كما كانت ففعلوا. (و) الثالث (كانت امرأة) لم تسم (ترضع ابنًا لها) لم يسم أيضًا (من بني إسرائيل فمر بها رجل راكب) لم يسم (ذو شارة) بالشين المعجمة والراء المخففة صاحب حسن أو هيئة أو ملبس حسن يتعجب منه ويشار إليه (فقالت) المرأة المرضعة: (اللهم اجعل ابني مثله) في الهيئة الجميلة (فترك) المرضع (ثديها وأقبل) بالواو ولأبي ذر فأقبل (على) الرجل (الراكب فقال: اللهم لا تجعلني مثله ثم أقبل على ثديها يمصه) بفتح الميم. (قال أبو هريرة) بالسند السابق (كأني أنظر إلى النبي ◌َّه يمص إصبعه) فيه المبالغة في إيضاح الخبر بتمثيله بالفعل. (ثم مرّ) بضم الميم وتشديد الراء مبنيًا للمفعول (بأمه) زاد وهب بن جرير عند أحمد تضرب (فقالت: اللهم لا تجعل ابني مثل هذه) المرأة (فترك ثديها فقال): ولأبي ذر وقال (اللهم اجعلني مثلها. فقالت): أي الأم لابنها و (لم) قلت (ذاك)؟ ولأبي ذر فقالت له ذلك أي عن سبب ذلك (فقال) الابن: أما (الراكب) هو (جبار من الجبابرة) وفي رواية الأعرج فإنه كافر (و) أما (هذه الأمة) فهم (يقولون سرقت زنيت) بكسر التاء فيهما على المخاطبة للمؤنث، ولأبي ذر: سرقت زنت بسكونها على الخبر (و) الحال أنها (لم تفعل) شيئًا من السرقة والزنا. وفي رواية الأعرج يقولون لها: تزني. وتقول: حسبي الله، ويقولون لها: تسرقي. وتقول: حسبي الله. والرابع: شاهد يوسف قال تعالى ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ [يوسف: ٢٦] وفسّر بأنه كان ابن خال زليخا صبيًا تكلم في المهد وهو منقول عن ابن عباس وسعيد بن جبير والضحاك. والخامس: الصبي الرضيع الذي قال لأمه وهي ماشطة بنت فرعون لما أراد فرعون إلقاء أمه في النار اصبري يا أماه فإنا على الحق رواهما أحمد والبزار وابن حبان والحاكم من حديث بلفظ: لم ٣٩٥ کتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٤٨ يتكلم في المهد إلا أربعة فذكرها ولم يذكر الثالث الذي هنا، لكنه اختلف في شاهد يوسف فروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس ومجاهد أنه كان ذا لحية. وعن قتادة والحسن أيضًا أنه كان حكيمًا من أهلها، ورجح بأنه لو كان طفلاً لكان مجرد قوله إنها كاذبة كافيًا وبرهانًا قاطعًا لأنه من المعجزات ولما احتيج أن يقول من أهلها فرجح كونه رجلاً لا طفلاً وشهادة القريب على قريبه أولى بالقبول من شهادته له. السادس: ما في قصة الأخدود لما أتي بالمرأة ليلقى بها في النار لتكفر ومعها صبي مرضع فتقاعست فقال لها: يا أماه اصبري فإنك على الحق. رواه مسلم من حديث صهيب. السابع: زعم الضحاك في تفسيره أن يحيى بن زكريا عليهما السلام تكلم في المهد أخرجه الثعلبي، وفي سيرة الواقدي أن نبينا وير تكلم في أوائل ما ولد. وعن ابن عباس: قال: كانت حليمة تحدّث أنها أول ما فطمت رسول الله وَ ل# تكلم فقال: ((الله أكبر كبيرًا والحمد لله كثيرًا وسبحان الله بكرة وأصيلاً)). الحديث رواه البيهقي. وعن معيقيب اليماني قال: حججت حجة الوداع فدخلت دارًا فيها رسول الله وَ لتر ورأيت منه عجبًا جاءه رجل من أهل اليمامة بغلام يوم ولد فقال له رسول الله وَ لجر: ((يا غلام من أنا»؟ قال: أنت رسول الله. قال: ((صدقت بارك الله فيك)). ثم إن الغلام لم يتكلم بعد حتى شبّ فكنا نسميه مبارك اليمامة رواه البيهقي من حديث معرض بالضاد المعجمة. ٣٤٣٧ - حدثنا إبراهيم بن موسى أخبرَنا هِشامٌ عن مَعْمرِ ح. وحدَّثني محمودٌ حدَّثنا عبدُ الرزّاقِ أخبرَنا مَعْمرٌ عن الزُّهريّ قال: أخبرني سعيد بن المسيَّبِ عن أبي هريرةَ رضيَ اللّهُ عنه قال: ((قال النبيُّ ونَ﴿ ليلة أُسرِيَ بهِ: لقيتَ موسى، قال: فنعتَه فإِذا رجلٌ حسبتُهُ قال مُضْطربٌ رَجِل الرأس كأنه من رجالٍ شَنُوءة. قال: ولقيتُ عيسى، فنعتَه النبيُّ نَّرَ فقال: رَبعةٌ أحمرُ، كأنَّما خرج من دِيماسٍ - يعني الحمام - ورأيتُ إبراهيمَ وأنا أشبَه ولدِهِ به. قال: وأُتّيتُ بإِناءَين أحدُهما لَبن والآخَرُ فيهِ خمر، فقيلَ لي: خُذ أيُّهما شئتَ، فأخذتُ اللبنَ فشرِبتُه، فقيل لي: هُدِيتَ الفِطرةَ - أو أصَبتَ الفِطرةَ - أما إنكَ لو أخَذْتَ الخمرَ غَوَتْ أُمَّتُك)) . وبه قال: (حدثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدثنا (إبراهيم بن موسى) أبو إسحاق التميمي الفراء الرازي الصغير قال: (أخبرنا هشام) هو ابن يوسف الصنعاني (عن معمر) هو ابن راشد الأزدي (ح) لتحويل السند قال: (وحدثني) بالإفراد (محمود) هو ابن غيلان قال: (حدثنا عبد الرزاق) بن همام الصنعاني ولفظ الحديث هنا لعبد الرزاق قال: (أخبرنا معمر) هو ابن راشد (عن الزهري) محمد بن مسلم أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه) أنه (قال: ٠٠ ٣٩٦ كتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٤٨ رسول الله) ولأبي ذر النبي (188 ليلة أسري به) إلى بيت المقدس ولأبي ذر عن الكشميهني بي بدل به. (لقيت موسى قال فنعته) أي وصفه (فإذا رجل) قال عبد الرزاق بن همام (حسبته) أي معمرًا (قال مضطرب) أي طويل غير شديد أو خفيف اللحم، وفي رواية هشام في قصة موسى بلفظ: ضرب، وفسر بتخفيف اللحم، ورجح القاضي عياض هذه على التي في هذا الباب لما فيها من الشك. قال: وقد وقع في الرواية الأخرى جسيم وهو ضدّ الضرب إلا أن يراد بالجسيم الزيادة في الطول. قال في الفتح: وهذا الذي يتعين المصير إليه ويؤيده قوله في الرواية الآتية بعد هذه إن شاء الله تعالى كأنه من رجال الزط وهم طوال غير غلاظ (رجل) شعر (الرأس) مسترسله، وقال ابن السكيت: شعر رجل، إذا لم يكن شديد الجعودة ولا سبطًا (كأنه) لطوله (من رجال شنوءة) بفتح الشين المعجمة وضم النون وبعد الواو الساكنة همزة مفتوحة ثم هاء تأنيث حيّ من الیمن. (قال) عليه الصلاة والسلام: (ولقيت عيسى فنعته) أي وصفه (النبي ◌َظافر فقال: ربعة) ليس طويلاً ولا قصيرًا والتأنيث على تأويل النفس (أحمر كأنما خرج من ديماس) قال عبد الرزاق (يعني الحمام) ولم يقع ذلك في رواية هشام. (ورأيت إبراهيم وأنا أشبه ولده به. قال: وأتيت) بضم الهمزة مبنيًا للمفعول (بإناءين أحدهما لبن) كان القياس أن يقول فيه لبن كما قال في اللاحق فيه خمر ولكنه أراد تكثير اللبن فكأن الإناء انقلب لبفّنا (والآخر فيه خمر) قبل أن يحرم (فقيل لي) القائل جبريل (خذ أيهما شئت فأخذت اللبن فشربته فقيل لي) القائل هو أيضًا جبريل (هديت الفطرة) الإسلامية (أو أصبت الفطرة) بالشك من الراوي (أما) بفتح الهمزة وتخفيف الميم (إنك لو أخذت الخمر غوت أمتك) لأنها أم الخبائث وجالبة لكل شرّ. وهذا الحديث قد سبق في باب: وكلم الله موسى تكليمًا. وتأتي بقية مباحثه إن شاء الله تعالى بعون الله في الكلام على الإسراء من السيرة النبوية. ٣٤٣٨ - حدثنا محمدُ بن كثيرٍ أخبرَنا إسرائيلُ أخبرنا عثمانُ بنُ المغيرة عن مجاهدٍ عن ابنِ عبّاسٍ رضي اللّهُ عنهما قال: قال النبيُّ ◌َ: «رأيتُ عيسى وموسى وإبراهيمَ، فأما عيسى فأحمرُ جَعْدٌ عَريضُ الصدرِ، وأما موسى فآدَمُ جَسيمٌ سبطٌ كأنه مِن رجالِ الزُّطْ)). وبه قال: (حدثنا محمد بن كثير) العبدي البصري قال: (أخبرنا إسرائيل) بن يونس بن أبي إسحاق قال: (أخبرنا عثمان بن المغيرة) الثقفي مولاهم الكوفي الأعشى (عن مجاهد) هو ابن جبر بفتح الجيم وسكون الموحدة المخزومي مولاهم المكي الإمام في التفسير (عن ابن عمر رضي الله عنهما) تعقبه الحافظ أبو ذر كما هو بهامش اليونينية ونقله عنه غير واحد من الأئمة بأن الصواب ابن عباس بدل ابن عمر، فالغلط من الفربري أو البخاري حدث به كذا، وجزم به الغساني ٣٩٧ کتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٤٨ والتيمي وغيرهما وهو المحفوظ، واحتج لذلك بأنه في جميع الطرق عن محمد بن كثير وغيره عن مجاهدٌ عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه (قال: قال النبي ◌ََّ): (رأيت عيسى وموسى وإبراهيم فأما عيسى فأحمر) اللون وهو عند العرب الشديد البياض مع الحمرة (جعد) بفتح الجيم وسكون العين أي جعد الشعر ضد السبط (عريض الصدر أما موسى فآدم) بالمد أي أسمر كأحسن ما يُرى (جسيم) اعترضه التيمي بأن الجسيم إنما ورد في صفة الدجال. وأجيب: بأن الجسامة تطلق على السمن وعلى الطول والمراد هنا طويل (سبط) بفتح السين وسكون الموحدة وكسرها وفتحها (كأنه من رجال الزط) بضم الزاي وتشديد الطاء المهملة جنس من السودان أو نوع من الهنود طوال الأجساد مع نحافة، وهذا يؤيد أن معنى قوله جسيم طويل. ٣٤٣٩ - حدثنا إبراهيمُ بنُ المُنْذِرِ حدثنا أبو ضَمْرة حدثنا مُوسَى عن نافع قال عَبْدُ اللَّه: ذَكَرَ النبيُّ نَّهِ يَوْمًا بين ظَهْرَي النَّاسِ المسيحَ الدَّجَّالَ فقال: ((إنَّ اللَّهَ ليس بأَعْوَرَ، ألا إنَّ المسيحَ الدَّجَّالَ أَغْوَرُ العَيْنِ الْيُمْنَى كأنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طافِيةٌ». وبه قال: (حدثنا إبراهيم بن المنذر) الحزامي المدني قال: (حدثنا أبو ضمرة) أنس بن عياض المدني قال: (حدثنا موسى) بن عقبة (عن نافع) مولى ابن عمر أنه قال: (قال عبد اللَّه) بن عمر رضي الله عنهما: (ذكر النبي وَر) بفتح الذال والكاف مبنيًّا للفاعل، والنبيّ فاعل (يومًا) ظرف (بين ظهري الناس) بفتح الظاء المعجمة وسكون الهاء بلفظ التثنية. ولأبي ذرّ: ظهراني الناس؛ بزيادة الألف والنون للتأكيد، أي جالسًا في وسط الناس مستظهرًا لا مستخفيًا (المسيح الدجال) فعّال من أبنية المبالغة. وأصل الدجل الخلط، يقال: دجّل إذا خلّط ومؤَّه؛ والدجّال: هو الذي يظهر آخر الزمان ويدّعي الإلهية (فقال): (إنّ الله ليس بأعور، ألا) بالتخفيف للتنبيه (إنّ المسيح الدجال أعور العين اليمنى) وفي حديث ((أنه أعور العين اليسرى)). وفي حديث حذيفة عند مسلم ((أنه ممسوح العين عليها ظفرة غليظة)). وجُمع بأن إحدى عينيه غائرة، والأخرى معيبة؛ فيصح أن يقال لكل واحدة عوراء، إذ الأصل في العَوَر أنه العيب (كأنّ عينه عنبة طافية) بالمثناة التحتية؛ أي بارزة: وهي التي خرجت عن نظائرها في الثّتُوِّ من العنقود. ومَن همزها جعلها فاعلة من طفئت كما يطفأ السراج، أي ذهب نورها. ٣٤٤٠ - «واراني اللَّيْلَةَ عند الكَعْبَةِ في المَنَام، فإذا رَجُلٌ آدمُ كأحْسَنِ ما يُرَى من أُدْمِ الرجال، تَضْرِبُ لِمَّتُهُ بين مَنْكِبَيْهِ، رَجِلُ الشّعرِ يَقْطُرُ رَأْسُهُ ماءً، واضعًا يَدَيْهِ على مَنْكِبَيْ رَجُلَين وهو يَطُوفُ بالبيتِ؛ فقلتُ: مَنْ هذا؟ فقالوا: هذا المَسِيحُ ابنُ مَزْيَّمَ. ثم رأيتُ رَجُلاً وراءَهُ جَعْدًا قَطِطًا أَغْوَرَ عَيْنِ الْيُمْنَى كَأَشْبَهِ مَنْ رَأيتُ بابنِ قَطَنٍ، واضِعًا يَدَيْهِ على مَنْكِبَيْ رَجُلٍ يَطُوفُ بالبيتِ. ٣٩٨ كتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٤٨ فقلتُ: مَنْ هذا؟ قالوا: المَسِيحُ الدَّجَّالُ)). تابعه عُبَيْدُ اللَّه عن نافع. [الحديث ٣٤٤٠- أطرافه في: ٣٤٤١، ٥٩٠٢، ٦٩٩٩، ٧٠٢٦، ٧١٢٨]. (وأَراني الليلة) بفتح الهمزة، أي: أرى نفسي في اللّيلة (عند الكعبة في المنام، فإذا رجل آدم) بالمدّ: أسمر (كأحسن ما يرى من أدم الرجال) بضم الهمزة وسكون الدال (تضرب لمته بين منكبيه) بكسر اللام وتشديد الميم، وهي الشعر إذا جاوز شحمتي الأذنين وألم بالمنكبين، فإذا جاوز المنكبين فجمّة، وإن قصر عنها فوفرة (رَجِل الشعر) بكسر الجيم: قد سرّحه ودهنه (يقطر رأسه ماء) حقيقة، فيكون من الماء الذي سرح به، أو كنى به عن مزيد النظافة والنضارة حال كونه (واضعًا يديه على منكبي رجلين) لم يسمّيا (وهو يطوف بالبيت) الحرام (فقلت: من هذا) الطائف؟ (فقالوا: هذا المسيح) عيسى (ابن مريم) عليهما السلام (ثم رأيت رجلاً وراءه جعدًا قططًا) بفتح الطاء وكسرها: شديد جعودة الشعر (أعور عين اليمنى) بإضافة (أعور) لتاليه، من إضافة الموصوف إلى صفته. وهو عند الكوفيين ظاهر، وعند البصريين تقديره: عين صفة وجهه اليمنى. ولأبي ذرّ: أعور العين اليمنى. (كأشبه من رأيت) بضم التاء في اليونينية وفرعها؛ وزاد الكرماني فتحها. (بابن قطن) بفتح القاف والطاء المهملة بعدها نون؛ عبد العزّى هلك في الجاهلية. حال كونه (واضعًا يديه على منكبي رجل يطوف بالبيت، فقلت: من هذا) الذي يطوف؟ وضبّب في الفرع وأصله على قوله: ((فقلت من هذا)). (قالوا) ولأبي ذرّ: فقالوا (المسيح الدجال) وهذا الحديث أخرجه مسلم في الإيمان وفي الفتن. (تابعه) أي تابع موسى بن عقبة (عبيد الله) بضم العين مصغرًا: ابن عمر العمري (عن نافع) عن ابن عمر فيما وصله مسلم في ذكر الدجال فقط إلى قوله: ((عنبة طافية)) ولم يذكر ما بعده . ٣٤٤١ - حدثنا أحمدُ بنُ محمدِ المكْيُّ قال: سمعتُ إبراهيمَ بْنَ سَعْدٍ قال: حدثني الزُّهريّ عن سالم عَنْ أبيه قال: لا والله ما قال النبيُّ بَّ لِعِيسَى((أحْمَرُ)) ولكن قال: ((بينما أنا نائمٌ أَطُوفُ بالكَغْبَةِ، فإذا رَجُلٌ آدَمُ سَبْطُ الشَّعَرِ يُهَادَى بين رَجُلَيْنِ يَنْطُفُ رَأْسُهُ ماءَ - أَو يُهَرَاقُ رأسُهُ ماءً - فقلتُ: مَنْ هذا؟ قالوا: ابنُ مَرْيَمَ. فذهبتُ أَلْتَفِتُ فإذا رَجُلٌ أَحْمَرُ جَسِيمٌ جَعْدُ الرأسِ أغْوَرُ عَيْنِهِ الْيُمْنَى كأنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طافيةٌ، قلتُ: مَنْ هذا؟ قالوا: هذا الدَّجَّالُ. وأقْرَبُ الناسِ به شَبَهَا ابْنُ قَطَنٍ)). قال الزُّهْرِيُّ: رجلٌ من خُزَاعَةَ هلكَ في الجاهليَّةِ. وبه قال: (حدثنا أحمد بن محمد) بن الوليد (المكي) الأزرقي (قال: سمعت إبراهيم بن سعد) بسكون العين، ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوف (فقال: حدّثني) بالإفراد (الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (عن سالم عن أبيه) عبد الله بن عمر بن الخطاب (قال: لا والله، ما قال النبي ◌ِّي لعيسى) أي عن عيسى (أحمر) أقسم على غلبة ظنّه أن الوصف اشتبه على الراوي ٣٩٩ كتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٤٨ وأن الموصوف بكونه أحمر إنما هو الدجّال لا عيسى؛ وكأنه سمع ذلك سماعًا جزمًا في وصف عيسى بأنه آدم كما في الحديث السابق، فساغ له الحلف على ذلك لما غلب على ظنه أن من وَصَفه بأنه أحمر فقد وهم. وقد وافق أبو هريرة على أن عيسى أحمر، فظهر أن ابن عمر أنكر ما حفظه غيره. والأحمر عند العرب: الشديد البياض مع الحمرة. والآدم: الأسمر. وجمع بين الوصفين بأنه احمرّ لونه بسبب كالتعب وهو في الأصل أسمر. (ولكن قال: بينما) بالميم (أنا نائم) رأيت أني (أطوف بالكعبة، فإذا رجل آدم) أسمر (سبط الشعر) أي مسترسل الشعر غير جعد. وفي الحديث السابق في باب قوله تعالى: ﴿وهل أتاك حديث موسى﴾ [طه: ٩] من حديث ابن عباس: ((جعد)) وهو ضد السبط. وجمع بينهما بأنه سبط الشعر جعد الجسم لا الشعر؛ والمراد اجتماعه واكتنازه؛ قال الجوهري: رجل سبط الشعر وسبط الجسم أي حسن القدّ والاستواء، قال الشاعر: فجاءَتْ به سَبْطَ العظام كأنّما عِمَامَتُهُ بين الرِّجالِ لواءُ (يهادى بين رجلين) بضم الياء وفتح الدال؛ أي يمشي متمايلاً بينهما (ينطف) بضم الطاء المهملة. ولأبي ذرّ: ((ينطِف)) بكسرها؛ أي يقطر (رأسه ماء) نصب على التمييز (- أو يهراق رأسه ماء -) بضم الياء وفتح الهاء وتسكّن. والشكّ من الراوي. (فقلت: من هذا؟ قالوا: ابن مريم. فذهبت ألتفت فإذا رجل أحمر) اللّون (جسيم جعد) شعر (الرأس أعور عينه اليمنى) بالإضافة، و ((عينه)) بالجرّ، و((اليمنى)) صفته. وفي ذلك أمران: أحدهما أن قوله: ((أعور عينه)) من باب الصفة المجردة عن اللام المضافة إلى معمولها المضاف إلى ضمير الموصوف، نحو: حسن وجهه. وسيبويه وجميع البصريين يجوّزونها على قبح في ضرورة فقط. وأنشد سيبويه للاستدلال على مجيئها في الشعر قول الشمّاخ: أَقَامَتْ على رَبْعَيْهِمَا جَارَتَا صَفّا كُمَيْتِ الأَعالي جَوْنَتَا مُضْطَلاهما فـ ((جونتا مصطلاهما)) نظير ((حسن وجهه)). وأجازه الكوفيون في السعة بلا قبح. وهو الصحيح، لوروده في هذا الحديث وفي حديث صفة وَّلفيه: ((شئن الكفين طويل أصابعه)) قال أبو علي - وهو ثقة -: كذا رويته بالخفض. وذكر الهروي وغيره في حديث أم زرع: ((صفر وشامها)). ومع جوازه ففيه ضعف لأنه يشبه إضافة الشيء إلى نفسه. ثانيهما: أن الزجاج ومتأخري المغاربة ذهبوا إلى أنه لا يتبع معمول الصفة المشبهة بصفة؛ مستندين فيه إلى عدم السماع من العرب، فلا يقال: زيد حسن الوجه المشرق، بجر ((المشرق)) على أنه صفة للوجه. وعلّل بعضهم المنع بأن معمول الفة لما كان سببًا غير أجنبي أشبه الضمير لكونه أبدًا محالاً على الأول وراجعًا إليه، والضمير لا ينعت فكذا ما أشبهه. قال ابن هشام في المغني: ويشكل عليهم الحديث في صفة الدجال أعور عينه اليمنى؛ قال في المصابيح: خرّجه بعضهم على ٤٠٠ كتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٤٨ أن ((اليمنى)) خبر مبتدأ محذوف لا صفة لعينه، وكأنه لما قيل: أعور عينه، قيل أي عينيه؟ فقيل: اليمنى، أي هي اليمنى. وللأصيلي كما في الفتح: ((عينُه)) بالرفع، بقطع إضافة ((أعور عينه)) ويكون بدلاً من قوله ((أعور)) أو مبتدأ حذف خبره تقديره: عينه اليمنى عوراء، وتكون هذه الجملة صفة كاشفة لقوله: ((أعور)) قاله في العمدة. (كأن عينه عنبة طافية) بغير همز: بارزة خرجت عن نظائرها. وضبّب في الفرع على قوله: ((عينه)) الذي بالتحتية والنون. ولأبي ذرّ والحموي والمستملي: ((كأن عنبة طافية)) بإسقاط ((عينه)) واحدة العيون، وإثبات ((عنبة)) بالموحدة ونصبها كتاليها اسم ((كأنّ)) والخبر محذوف، أي: كأن في وجهه عنبة طافية، كقوله: إن مَحَلاَّ وإن مُرْتَحَلاً أي: إن لنا محلاًّ وإن لنا مرتحلاً. وأعربه الدماميني بأن قوله ((اليمنى)) مبتدأ، وقوله ((كأن عنبة طافية)) خبره، والعائد محذوف تقديره: كأن فيها. قال: ويكون هذا وجهًا آخر في دفع ما قاله ابن هشام، يعني من الاستشكال في صفة الدجال السابق قريبًا. ولأبي ذرّ عن الكشميهني: ((كأنّ عينه طافية)) بإسقاط ((عنبة)) بالموحدة ورفع ((طافية)) خبر ((كأنّ)) وهو مما أقيم فيه الظاهر مقام المضمر فيحصل الربط، وقد أجازه الأخفش؛ والتقدير: اليمنى كأنها طافية. قاله في المصابيح. (قلت) كذا في اليونينية، وفي فرعها: ((فقلت)) بالفاء (من هذا؟ قالوا: هذا الدجال) استشكل بأن الدجال لا يدخل مكة ولا المدينة. وأجيب بأن المراد لا يدخلهما زمن خروجه ولم يرد بذلك نفي دخوله في الزمن الماضي. (وأقرب الناس به شبهًا ابن قطن) عبد العزى. (قال الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب بالسند السابق (رجل من خزاعة هلك في الجاهلية) قبل الإسلام. وهذا الحديث من أفراده. ٣٤٤٢ - حقّثنا أبو اليَمَانِ: أخبرنا شُعَيْبٌ عن الزُّهْرِيِّ قال: أخبرني أبو سَلَمَةَ أنْ أبا هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: سمعتُ رسولَ اللهِ وََّ يقول: ((أنا أَوْلَى النّاسِ بابْنِ مَرْيَمَ، والأنبياءُ أولادُ عَلاَّتٍ، ليس بيني وبَيْنَهُ نبِيٍّ)). [الحديث ٣٤٤٢ - طرفه في: ٣٤٤٣]. وبه قال: (حدثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (أبو سلمة) ولأبي ذرّ: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرَّحمن، أي ابن عوف الزهري. (أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله پڼ بقول): (أنا أولى الناس بابن مريم) زاد في رواية عبد الرَّحمن بن أبي عمرة عن أبي هريرة الآتية قريبًا: ((في الدنيا والآخرة)). وقال البيضاوي: الموجب لكونه أولى الناس به أنه كان أقرب المرسلين