Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
كتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٨
قال: (حدثنا حماد بن زيد) اسم جده درهم الأزدي الجهضمي البصري (عن أيوب) السختياني (عن
محمد) هو ابن سيرين (عن أبي هريرة رضي الله عنه) أنه (قال: لم يكذب إبراهيم عليه الصلاة
والسلام) لم يصرح برفعه في رواية حماد بن زيد هذه إلى رسول الله بَّر على المعتمد الموافق لرواية
النسفي وكريمة كما رواه عبد الرزاق عن معمر، والأصل رفعه كما في رواية جرير بن حازم
السابقة ورواية هشام بن حسان عند النسائي والبزار وابن حبان.
ورواه البخاري عن الأعرج عن أبي هريرة في البيوع وفي النكاح عن سليمان بن حرب عن
حماد بن زيد فصرح برفعه أيضًا في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر ولفظه قال: قال
رسول الله وَ﴾ (لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات) بسكون الذال عند ابن الحطيئة عن أبي ذر
كما في اليونينية. وقال في المصابيح بفتح الذال، وفي فتح الباري عن أبي البقاء أنه الجيد لأنه جمع
كذبة بسكون الذال وهو اسم لا صفة تقول كذب كذبة كما تقول ركع ركعة ولو كان صفة لسكن
في الجمع، وليس هذا من الكذب الحقيقي الذي يذم فاعله حاشا وكلا، وإنما أطلق عليه الكذب
تجوزًا وهو من باب المعاريض المحتملة للأمرين لمقصد شرعي ديني كما جاء في الحديث المروي
عند البخاري في الأدب المفرد من طريق قتادة عن مطرف بن عبد اللَّه عن عمران بن الحصين أن
في معاريض الكلام مندوحة عن الكذب، ورواه أيضًا البيهقي في الشعب والطبراني في الكبير
ورجاله ثقات، وهو عند ابن السني من طريق الفضل بن سهل مرفوعًا. قال البيهقي رحمه الله :
والموقوف هو الصحيح، وروي أيضًا من حديث علي مرفوعًا وسنده ضعيف جدًا، وعند ابن أبي
حاتم عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَلّر: في كلمات إبراهيم الثلاث التي قال
ما منها كلمة إلا ما حل بها عن دين الله أي جادل ودافع، وفي حديث ابن عباس عند أحمد: والله
إن جادل بهن إلا عن دين الله، وقال ابن عقيل: دلالة العقل تصرف ظاهر إطلاق الكذب عن
إبراهيم، وذلك أن العقل قطع بأن الرسول ينبغي أن يكون موثوقًا به ليعلم صدق ما جاء به عن
الله ولا ثقة مع تجويز الكذب عليه، فكيف مع وجود الكذب منه، وإنما أطلق عليه ذلك لكونه
بصورة الكذب عند السامع وعلى كل تقدير فلم يصدر من إبراهيم عليه الصلاة والسلام إطلاق
الكذب على ذلك أي حيث يقول في حديث الشفاعة: وإني كنت كذبت ثلاث كذبات إلا في
حال شدّة الخوف لعلو مقامه وإلاّ فالكذب في مثل تلك المقامات يجوز، وقد يجب لتحمل أخف
الضررين دفعًا لأعظمهما، وقد اتفق الفقهاء فيما لو طلب ظالم وديعة عند إنسان ليأخذها غصبًا
وجب على المودع عنده أن يكذب بمثل أنه لا يعلم موضعها بل يحلف على ذلك، ولما كان ما
صدر من الخليل عليه السلام مفهوم ظاهره خلاف باطنه أشفق أن يؤاخذ به لعلو حاله فإن الذي
كان يليق بمرتبته في النبوة والخلة أن يصدع بالحق ويصرح بالأمر كيفما كان ولكنه رخص له فقبل
الرخصة، ولذا يقول عندما يسأل في الشفاعة: إنما كنت خليلاً من وراء وراء ويستفاد منه أن
الخلة لم تكن بكمالها إلا لمن صح له في ذلك اليوم المقام المحمود، وأما قول الإمام فخر الدين:
لا ينبغي أن ينقل هذا الحديث لأن فيه نسبة الكذب إلى إبراهيم، وقول بعضهم له: فكيف يكذب

٢٨٢
کتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٨
الراوي العدل؟ وجواب الإمام له بأنه لما وقع التعارض بين نسبة الكذب إلى الراوي وبين نسبة
الكذب إلى الخليل كان من المعلوم بالضرورة أن نسبته إلى الراوي أولى فليس بشيء إذ الحديث
صحيح ثابت، وليس فيه نسبة محض الكذب إلى الخليل، وكيف السبيل إلى تخطئة الراوي مع
قوله: (﴿إني سقيم﴾) و (﴿بل فعله كبيرهم)) [الأنبياء: ٦٣]. هذا. وعن سارة أختي إذ ظاهر
هذه الثلاثة بلا ريب غير مراد (ثنتين منهن) أي من الثلاث (في ذات الله) لأجله (عز وجل) محضًا
من غير حظ لنفسه بخلاف الثالثة وهي قصة سارة فإنها تضمنت حظًا ونفعًا له.
فالأولى (قوله) تعالى حاكيًا عنه لما طلبه قومه ليخرج معهم إلى معبدهم وكان أحب أن يخلو
بآلهتهم ليكسرها ﴿إني سقيم﴾ [الصافات: ٨٩]. مريض القلب بسبب إطباقكم على الكفر والشرك
أو سقيم بالنسبة إلى ما يستقبل يعني مرض الموت، واسم الفاعل يستعمل بمعنى المستقبل كثيرًا أو
خارج المزاج عن الاعتدال خروجًا قلّ من يخلو منه، وقال سفيان: سقيم أي طعين وكانوا يفرّون
من المطعون، وعن ابن عباس في رواية العوفي قالوا له وهو في بيت آلهتهم أخرج فقال: إني
مطعون فتركوه مخافة الطاعون. فإنه كان غالب أسقامهم الطاعون وكانوا يخافون العدوى، وأما
حكاية قول بعضهم: إنه كان تأتيه الحمى في ذلك الوقت فبعيد لأنه لو كان كذلك لم يكن كذبًا لا
تصريحًا ولا تلويجا.
(و) الثانية (قوله) لما كسر آلهتهم كسرًا وقطعًا إلا كبيرًا لهم فاستبقاه وكانت فيما قيل اثنين
وسبعين صنمًا بعضها من ذهب وبعضها من فضة وبعضها من حديد وبعضها من رصاص وحجر
وخشب، وكان الكبير من الذهب مرصعًا بالجواهر وفي عينيه ياقوتتان تتقدان وجعل الفأس في
عنقه لعلهم إليه يرجعون فيسألونه: ما بال هؤلاء مكسرين وأنت صحيح والفأس في عنقك؟ إذ
من شأن المعبود أن يرجع إليه أو المراد أنهم يرجعون إلى إبراهيم لتفرده واشتهاده بعداوة آلهتهم
فيحاجهم أو يرجعون إلى توحيد الله عند تحققهم عجز آلهتهم فلما رجعوا من عيدهم إلى بيت
آلهتهم ورأوا أصنامهم مكسرة وقالوا لإبراهيم ﴿أأنت فعل هذا بآلهتنا يا إبراهيم﴾
[الأنبياء: ٦٢]. قال: ﴿بل فعله كبيرهم هذا﴾ وهذا الإضراب عن جملة محذوفة أي لم أفعله إنما
الفاعل حقيقة هو الله وإسناد الفعل إلى كبيرهم من أبلغ المعاريض، وذلك أنهم لما طلبوا منه
الاعتراف ليقدموا على إيذائه قلب الأمر عليهم وقال: ﴿بل فعله كبيرهم هذا﴾ لأنه عليه السلام
غاظته تلك الأصنام حين أبصرها مصطفة وكان غيظه من كبيرها أشد لما رأى من زيادة تعظيمهم
له فأسند الفعل إليه لأنه هو السبب في استهانته لها والفعل كما يسند إلى مباشره يسند إلى الحامل
عليه أو أن إبراهيم عليه السلام قصد تقرير الفعل لنفسه على أسلوب تعريضي وليس قصده نسبة
الفعل إلى الصنم وهذا كما لو قال لك من لا يحسن الخط فيما كتبته أأنت كتبت هذا فقلت له بل
كتبته أنت قاصدًا بذلك تقريره لك مع الاستهزاء لا نفيه عنك وإثباته له ذكرهما الزمخشري،
وتعقب الأول منهما صاحب الفرائد بأنه إنما يستقيم إذا كان الفعل دائرًا بين إبراهيم وبين الصنم
الكبير لاحتمال أن يكون كسرها غير إبراهيم، والثاني منهما بأنه ضعيف لأن غيظه من عبادة غير

٢٨٣
کتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٨
الله يستوي فيه الكبير والصغير. والجواب أنه دل تقديم الفاعل المعنوي في قوله ﴿أأنت فعلت﴾
على أن الكلام ليس في الفعل لأنه معلوم بل في الفاعل كقوله تعالى: ﴿وما أنت علينا بعزيز﴾
[هود: ٩١]. ودل قولهم ﴿سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم﴾ وقولهم ﴿قالوا فأتوا به على
أعين الناس﴾ على أنهم لم يشكوا أن الفاعل هو فإذن لا يكون قصدهم في قولهم: ﴿أأنت فعلت
هذا﴾ إلا بأن يقرّ بأنه هو فلما رد بقوله: ﴿بل فعله كبيرهم﴾ تعريضًا دار الأمر بين الفاعلين أو
المعنى على التقديم والتأخير أي بل فعله كبيرهم إن كانوا ينطقون فاسألوهم فجعل النطق شرطًا
للفعل إن قدروا على النطق قدروا على الفعل فأراهم عجزهم وفي ضمنه أنا فعلت ذلك.
وقال: (بينا) بغير ميم (هو) أي إبراهيم (ذات يوم وسارة) بنت هاران ملك حران زوجته
معه وزاد مسلم وكانت من أحسن الناس وجواب بينا قوله (إذا أتى) أي مرّ (على جبار من
الجبابرة) اسمه صادوق فيما ذكره ابن قتيبة وهو ملك الأردن أو سنان أو سفيان بن علوان فيما
ذكره الطبري أو عمرو بن امرىء القيس بن سبأ وكان على مصر ذكره السهيلي (فقيل له: إن ههنا
رجلاً) ولأبي ذر عن الكشميهني هذا رجل (معه امرأة من أحسن الناس فأرسل) الجبار (إليه) أي
إلى الخليل (فسأله عنها فقال: من هذه) المرأة (قال) الخليل هي (أختي) أي في الإسلام، ولعله
أراد بذلك دفع أحد الضررين بارتكاب أخفهما لأن اغتصاب الملك إياها واقع لا محالة لكن إن
علم أن لها زوجًا حملته الغيرة على قتله أو حبسه وإضراره بخلاف ما إذا علم أن لها أخًّا فإن
المغيرة حينئذٍ تكون من قبل الأخ خاصة لا من قبل الملك فلا يبالي به، وقيل خاف أنه إن علم أنها
زوجته ألزمه بطلاقها (فأتى) الخليل (سارة قال): ولأبي ذر: فقال (يا سارة ليس على وجه الأرض)
التي وقع بها ذلك (مؤمن غيري وغيرك) بفتح الراء عند ابن الحطيئة عن أبي ذر وتخصيص الأرض
بالأرض التي وقع بها ذلك دافع لاعتراض من قال إن لوطًا كان مؤمنًا معه قال تعالى: (﴿فآمن له
لوط﴾ وإن هذا) الجبار (سألني) عنك (فأخبرته أنك أختي) في الإيمان (فلا تكذبيني) بقولك هو
زوجي (فأرسل) الجبار (إليهما فلما دخلت عليه ذهب) ولأبي ذر عن الكشميهني: وذهب
(يتناولها) ولأبي ذر تناولها بإسقاط التحتية بلفظ الماضي (بيده فأخذ) بضم الهمزة وكسر المعجمة
مبنيًا للمفعول أي اختنق حتى ركض برجله كأنه مصروع. وعند مسلم أنه لما أرسل إليها قام
إبراهيم يصلي، وفي رواية الأعرج في البيوع في باب: شراء المملوك من الحربي وهبته وعتقه
فأرسل بها إليه فقام إليها فقامت تتوضأ وتصلي فقالت: اللهم إن كنت آمنت بك وبرسولك
وأحصنت فرجي إلاّ على زوجي فلا تسلط عليّ الكافر فغطّ حتى ركض برجله، وفي مسلم لما
دخلت عليه لم يتمالك أن بسط يده فقبضت يده قبضة شديدة (فقال) لها: (ادعي الله لي) وعند
مسلم ادعي الله أن يطلق يدي (ولا أضرّك) ولأبي ذر: ولا أضرك بفتح الراء (فدعت الله فأطلق
ثم تناولها الثانية) ولأبي ذر ثانية بغير ألف ولام (فأخذ) بضم الهمزة (مثلها) أي الأولى (أو أشد)
منها (فقال) لها (ادعي الله لي) أن يخلصني (ولا أضرك) بفتح الراء وضمها كالسابقة (فدعت الله
فأطلق فدعا بعض حجبته) بفتح الحاء المهملة والجيم جمع حاجب ولمسلم ودعا الذي جاء بها. قال

٢٨٤
کتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٨
الحافظ ابن حجر: ولم أقف على اسمه (فقال: إنكم لم تأتوني بإنسان إنما أتيتموني) ولأبي ذر وابن
عساكر إنك لم تأتني بإنسان إنما أتيتني (بشيطان) أي متمرد من الجن وهو مناسب لما وقع له من
الصرع زاد الأعرج. أرجعوها إلى إبراهيم (فأخدمها هاجر) أي وهبها لها لتخدمها لأنه أعظمها أن
تخدم نفسها وكان أبو هاجر من ملوك القبط (فأتته) أي أتت سارة إبراهيم (وهو قائم يصلي فأومأ
بيده مَهْيَا) بفتح الميم وسكون الهاء وفتح الياء التحتية مقصور من غير همز أي ما حالك وما
شأنك، ولأبي ذر عن الكشميهني: مهيم بالميم بدل الألف، ولابن السكن: مهين بالنون وكلها
بمعنى (قالت) سارة (ردّ الله كيد الكافر أو الفاجر في نحره) هو مثل تقوله العرب لمن رام أمرًا
باطلاً فلم يصل إليه (وأخدم هاجر) وفي حديث مسلم عن أبي زرعة عن أبي هريرة في حديث
الشفاعة الطويل فقال في قصة إبراهيم وذكر كذباته ثم ساقه من طريق أخرى من هذا الوجه وقال
في آخره وزاد في قصة إبراهيم وذكر قوله في الكوكب هذا ربي وقوله لآلهتهم ﴿بل فعله كبيرهم
هذا﴾ [الصافات: ٩١] قال القرطبي فيما قرأته في تفسيره فعلى هذا تكون الكذبات أربعة إلا أن
النبي ◌َّ نفى تلك بقوله: ((لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات إني سقيم وقوله بل فعله كبيرهم
هذا وواحدة في شأن سارة)) ولم يعد عليه قوله في الكوكب هذا ربي كذبة وهي داخلة فيه، لأنه
والله أعلم كان حين قوله ذلك في حال الطفولية وليست حالة تكليف انتهى.
وهذا الذي قاله القرطبي نقله عنه في فتح الباري وأقره وقد اتفق أكثر المحققين على فساده
محتجين بأنه لا يجوز أن يكون الله رسول يأتي عليه وقت من الأوقات إلا وهو موحد عابد وبه
عارف ومن كل معبود سواه بريء، وكيف يتوهم هذا على من عصمه وطهره وآتاه رشده من قبل
وأراه ملكوت السموات والأرض، أفتراه أراه الملكوت ليوقن فلما أيقن رأى كوكبًا قال هذا ربي
معتقدًا، فهذا لا يكون أبدًا. وأيضًا فالقول بربوبية الجماد أيضًا كفر بالإجماع وهو لا يجوز على
الأنبياء بالإجماع، أو قاله بعد بلوغه على سبيل الوضع فإن المستدل على فساد قول يحكيه على ما
يقول الخصم ثم يكر عليه بالإفساد كما يقول الواحد منا إذا ناظر من يقول بقدم الجسم فيقول
الجسم قديم فإن كان كذلك فلم نشاهده مركبًا متغيرًا، فقوله الجسم قديم إعادة لكلام الخصم
حتى يلزم المحال عليه، فكذا هنا قال (هذا ربي) حكاية لقول الخصم ثم ذكر عقبه ما يدل على
فساده وهو قوله: (لا أحب الآفلين) ويؤيد هذا أنه تعالى مدحه في آخر هذه الآية على هذه
المناظرة بقوله: ﴿وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه﴾ [الأنعام: ٨٣] ولذا لم تعد هذه مع تلك
الثلاث المذكورة.
(قال أبو هريرة) رضي الله عنه بالسند السابق يخاطب العرب (تلك) يعني هاجر (أمكم يا
بني ماء السماء) لكثرة ملازمتهم الفلوات التي بها مواقع المطر لرعي دوابهم، وقال الخطابي وقيل
إنما أراد زمزم أنبعها الله لهاجر فعاشوا بها فصاروا كأنهم أولادها. وذكر ابن حبان في صحيحه
إن كل مَن كان من ولد هاجر يقال له ولد ماء السماء لأن إسماعيل ولد هاجر وقد ربي بماء
زمزم وهي ماء السماء الذي أكرم الله به إسماعيل حين ولدته هاجر، فأولادها أولاد ماء السماء،

٢٨٥
کتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٨
وقيل ماء السماء هو عامر جد الأوس والخزرج سمي بذلك لأنه كان إذا قحط الناس أقام لهم
ماله مقام مطر.
وهذا الحديث قد سبق في البيع، وأخرجه في النكاح أيضًا ومسلم في الفضائل.
٣٣٥٩ - حدثنا عُبَيدُ اللّهِ بن موسى - أو ابنُ سلام عنه - أخبرنا ابنُ جُرَيج عن عبدٍ
الحميد بن جُبَير عن سعيدِ بنِ المسيَّب عن أمّ شُرَيكِ رضيَ اللّهُ عنها: ((أنَّ رسولَ اللَّهِ وَ أَمرَ
بقتلِ الوَزَغِ وقال: كان ينفُثُ على إِبراهيمَ عليهِ السلام)).
وبه قال: (حدثنا عبيد الله بن موسى) بضم العين مصغرًا ابن باذام العبسي الكوفي (أو)
حدثنا (ابن سلام) محمد (عنه) أي عن عبيد الله بن موسى وكلاهما من مشايخه، والظاهر أن
المؤلف شك في سماعه للحديث الآتي من عبيد الله بن موسى ثم تحقق أنه سمعه من ابن سلام
عن عبيد اللَّه فساقه هكذا قال عبيد الله (أخبرنا ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز (عن
عبد الحميد بن جبير) بضم الجيم وفتح الموحدة مصغرًا ابن شيبة بن عثمان الحجبي (عن سعيد بن
المسيب عن أم شريك) غزية أو غزيلة العامرية ويقال الأنصارية (رضي الله عنها أن رسول الله واليوم
أمر بقتل الوزغ) بفتح الواو والزاي (وقال) ولأبي ذر قال:
(كان ينفخ) النار (على إبراهيم عليه السلام) حين ألقي فيها وكل دابة في الأرض كانت
تطفئها عنه. وفي حديث عائشة: لما أحرق بيت المقدس كانت الأوزاغ تنفخه ذكره الكمال
الدميري، وفي الطبراني عن ابن عباس مرفوعًا ((اقتلوا الوزغ ولو في جوف الكعبة)) وفي إسناده
عمر بن قيس المكي وهو ضعيف وسقط قوله عليه السلام لأبي ذر.
٣٣٦٠ - حدثنا عمرُ بن حفصٍ بنِ غياثٍ حدثَنا أبي حدَّثنا الأعمشُ قال: حدثني إِبراهيمُ
عن علقمةً عن عبدِ اللّهِ رضيَ اللّهُ عنه قال: ((لما نَزَلَتْ ﴿الذينَ آمَنوا ولم يَلبِسوا إِيمانَهم بظلم﴾
قلنا: يا رسولَ الله، أيُّنا لا يَظلِمُ نفسه؟ قال: ليس كما تقولون، ﴿لم يلبسوا إيمانهم بظلم﴾:
بشِرك. أَوَ لم تَسمَعوا إلى قولِ لقمانَ لابنهِ: ﴿يَا بُنِيَّ لا تُشْرِكْ بالله إِنَّ الشركَ لظلمٌ عظيم﴾)).
وبه قال: (حدثنا عمر بن حفص بن غياث) النخعي الكوفي قال: (حدثنا أبي) حفص قال:
(حدثنا الأعمش) سليمان بن مهران (قال: حدثني) بالإفراد ولأبي ذر: حدثنا (إبراهيم) النخعي
(عن علقمة) بن الأسود (عن عبد اللَّه) يعني ابن مسعود (رضي الله عنه) أنه (قال: لما نزلت
﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم﴾﴾ [الأنعام: ٨٢] معطوف على الصلة فلا محل لها أو الواو
للحال، والجملة بعدها في محل نصب على الحال أي آمنوا غير ملبسين إيمانهم بظلم وهو كقوله
تعالى: ﴿أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر﴾ [مريم: ٢٠] (قلنا: يا رسول الله أينا لا يظلم

٢٨٦
كتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٩
نفسه)؟ حملوه على العموم لأن قوله بظلم نكرة في سياق النفي فبين لهم الشارع وَيقر أن الظاهر
غير مراد بل هو من العام الذي أريد به الخاص حيث (قال) عليه الصلاة والسلام:
(ليس كما تقولون) بل المراد (﴿لم يلبسوا إيمانهم بظلم)) [الأنعام: ٨٢] أي (بشرك) أي لم
ينافقوا (أو لم تسمعوا إلى قول لقمان لابنه) أنعم أو مشكم (﴿يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم
عظيم﴾) [لقمان: ١٣] لأن التسوية بين من يستحق العبادة ومن لا يستحقها ظلم عظيم لأن
وضع العبادة في غير موضعها، وسقط قوله: يا بني لأبي ذر.
فإن قلت: ما وجه مناسبة هذا الحديث لما ترجم به؟ فالجواب أن قوله: ﴿الذين آمنوا﴾ من
كلام إبراهيم جوابًا عن السؤال في قوله: فأي الفريقين أو من كلام قومه وإنهم أجابوه بما هو
حجة عليهم، وحينئذٍ فالموصول خبر مبتدأ محذوف أي هم الذين آمنوا فظهرت المناسبة بين الحديث
والترجمة، ويكفي أدنى إشارة كما هي عادة المؤلف رحمه الله في دقائق التراجم وفي حديث علي
عند الحاكم أنه قرأ ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم﴾ وقال: نزلت هذه الآية في إبراهيم
وأصحابه ليس في هذه الأمة.
وحديث الباب سبق في الإيمان في باب ظلم دون ظلم وأخرجه أيضًا في التفسير.
٩ - باب يَزْفُّون: النَّسَلانُ في المشي
هذا (باب) بالتنوين من غير ذكر ترجمة فهو كالفصل من سابقه (﴿يزفون﴾) في قوله تعالى
في سورة الصافات ﴿فأقبلوا إليه﴾ [الصافات: ٩٤] أي إلى إبراهيم لما بلغهم خبر كسر أصنامهم
ورجعوا من عيدهم حال كونهم يزفون وهو (النسلان) فيما وصله الطبري عن مجاهد بلفظ الوزيف
النسلان وهو بفتح النون وسكون السين المهملة وبعد اللام ألف ونون وعن مجاهد وغيره أي
يسرعون (في المشي) ووقع في فرع اليونينية علامة سقوط الباب لأبي ذر وثبوت يزفون النسلان في
المشي للحموي والكشميهني وثبوت كل لابن عساكر، وقال ابن حجر سقط ذلك من رواية
النسفي، وثبت في رواية المستملي باب بغير ترجمة، ووهم من وقع عنده باب يزفون النسلان في
المشي فإنه كلام لا معنى له، والذي يظهر ترجيح ما وقع عند المستملي لأن باب بغير ترجمة
كالفصل من السابق وتعلقه بما قبله واضح.
٣٣٦١ - حدثنا إِسحاقُ بن إبراهيمَ بن نصرٍ حدَّثنا أبو أُسامةَ عن أبي حيّانَ عن أَبي زرعة
عن أبي هريرةَ رضيَ اللّهُ عنه قال: ((أَتِيَ النبيُّ ◌َّهُ يومًا بلحم، فقال: إِن اللّهَ يَجمعُ يومَ القِيامةِ
الأوَّلينَ والآخِرِينَ في صَعيدٍ واحد، فيُسمِعُهُمُ الداعي وينفِذُهُمُ البصر، وتدنو الشمسُ منهم
- فذكر حديثَ الشفاعة - فيأتون إِبراهيمَ فيقولونَ: أنتَ نبيَّ اللّهِ وخَليله منَ الأرض، اشفَعْ لنا إِلى
ربِّك، فيقول : - فذكر كذباتهِ - نَفْسي نفسي، اذهبوا إلى موسى)). تابَعَهُ أنسٌ عنِ النبيِّ ◌َّ.

٢٨٧
كتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٩
وبه قال: (حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن نصر) السعدي المروزي قال: (حدثنا أبو أسامة)
حماد بن أسامة (عن أبي حيان) بفتح الحاء المهملة وتشديد التحتية يحيى بن سعيد التيمي تيم الرباب
الكوفي (عن أبي زرعة) هرم بن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي الكوفي (عن أبي هريرة رضي
الله عنه) أنه (قال: أتي النبي بَّه) بضم الهمزة وكسر الفوقية مبنيًّا للمفعول (يومًا بلحم فقال):
(إن الله يجمع يوم القيامة الأوّلين والآخرين) في باب قول الله تعالى ﴿إنا أرسلنا نوحًا﴾
قال: كنا مع النبي بَّه في دعوة فرفع إليه الذراع وكانت تعجبه فنهس منها نهسة وقال: أنا سيد
الناس يوم القيامة هل تدرون بم يجمع الله الأولين والآخرين (في صعيد واحد) أرض مستوية
واسعة (فيسمعهم الداعي) بضم الياء من الإسماع (وينفذهم البصر) بضم الياء والذال المعجمة في
الفرع وبعضهم فيما حكاه الكرماني فتح الياء، والمعنى أنه يحيط بهم بصر الناظر لا يخفى عليه منهم
شيء لاستواء الأرض، وذكر أبو حاتم أنه إنما هو بالدال المهملة وإن المحدثين يروونه بالمعجمة
والمعنى يبلغ أولهم وآخرهم حتى يراهم كلهم ويستوعبهم (وتدنو الشمس منهم فذكر حديث
الشفاعة) إلى أن قال: (فيأتون إبراهيم فيقولون) له (أنت نبي الله وخليله من الأرض) هذا موضع
الترجمة وزاد إسحاق بن راهويه ومن طريقه الحاكم في المستدرك من وجه آخر عن أبي زرعة عن
أبي هريرة قد سمع بخلتك أهل السموات والأرض (اشفع لنا إلى ربك فيقول) بالفاء ولأبي ذر
ويقول أي لست هنا كم (فذكر كذباته) بفتح الذال المعجمة التي هي من باب المعاريض وليست
من الكذب الحقيقي المذموم بل كانت في ذات الله تعالى وإنما أشفق منها في هذا الحل لعلو مقامه
كما مر قريبًا فراجعه (نفسي نفسي) مرتين وزاد أبو ذر ثالثة (اذهبوا إلى موسى) الحديث الخ وسبق
في باب قول الله تعالى: ﴿إنا أرسلنا نوحًا إلى قومه قريبًا﴾ [نوح: ١] (تابعه) أي تابع أبا هريرة
على رواية هذ الحديث (أنس) رضي الله عنه (عن النبي نَّر). فيما وصله المؤلف في التوحيد.
٣٣٦٢ - حدثنا أحمد بن سعيد أبو عبدِ اللّه حدَّثنا وَهبُ بن جَريرٍ عن أبيهِ عن أيوبَ عن
عبدِ اللهِ بن سعيدٍ بن جُبير عن أبيهِ عنِ ابن عباس رضي اللّهُ عنهما عن النبيِّ وَّر قال: ((يَرَحمُ
الله أمَّ إِسماعيلَ، لولا أنها عَجِلَت لكان زَمزمُ عينًا مَعِينًا».
وبه قال: (حدثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدثنا (أحمد بن سعيد أبو عبد اللَّه) الرباطي بضم
الراء وتخفيف الموحدة المروزي الأشقر قال: (حدثنا وهب بن جرير) بفتح الجيم (عن أبيه)
جرير بن حازم بن زيد الأزدي البصري (عن أيوب) السختياني (عن عبد الله بن سعيد بن جبير
عن أبيه) سعيد بن جبير الأزدي الفقيه الورع (عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي وَّ) أنه
(قال):
(يرحم الله أم إسماعيل) هاجر (لولا أنها عجلت) بكسر الجيم لما عطش إسماعيل وجاء
جبريل عليه السلام فبحث بعقبه حتى ظهر الماء فجعلت تخوّضه وتغرف من الماء في سقائها (لكان
زمزم) بغير تاء تأنيث بعد النون (عينًا معينًا) بفتح الميم أي سائلاً على وجه الأرض، والقياس أن

٢٨٨
كتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٩
يقول معينة فالتذكير حملاً على اللفظ ووزنه مفعل من عانه إذا رآه بعينه وأصله معيون فبقي كمبيع
أو فعيل من أمعنت في الشيء إذا بالغت فيه، قال ابن الجوزي: ظهور زمزم نعمة من الله محضة
من غير عمل عامل، فلما خالطها تحويض هاجر داخلها كسب البشر فقصرت على ذلك.
٣٣٦٣ - قال الأنصاريُّ حدَّثنا ابنُ جُرَيج قال: أما كثيرُ بن كثير فحدَّثني قال: ((إني
وعثمانَ بنَ أبي سليمانَ جُلوسٌ مع سعيدِ بنِ جُبَير فقال: ما هكذا حدَّثني ابنُ عباسٍ، ولكنَّهُ
قال: أقبلَ إبراهيمُ بِإسماعيلَ وأمَّهِ عليهمُ السلام - وهيَ تُرضِعه - معها شَنَّة لم يَرفَعْهُ، ثم جاء بها
إبراهيمُ وبابنِها إِسماعيلَ)).
(قال) ولأبي ذر وقال (الأنصاري) محمد بن عبد الله بن مثنى بن عبد الله بن أنس مما
وصله أبو نعيم في مستخرجه (حدثنا ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز (أما) ولأبي ذر قال أما
(كثير بن كثير) بالمثلثة فيهما السهمي (فحدّثني) بالإفراد (قال: إني) إن واسمها (وعثمان بن أبي
سليمان) عطف على المنصوب ابن جبير بن مطعم القرشي (جلوس) أي جالسان (مع سعيد بن
جبير) زاد الأزرقي من طريق مسلم بن خالد الزنجي والفاكهي من طريق محمد بن جعشم كلاهما
عن ابن جريج عن كثير بن كثير بأعلى المسجد ليلاً فقال سعيد بن جبير: سلوني قبل أن تروني
فسأله القوم فأكثروا فكان مما سئل عنه أن قال له رجل: أحق ما سمعنا في المقام مقام إبراهيم أن
إبراهيم حين جاء من الشام حلف لامرأته أن لا ينزل بمكة حتى يرجع فقربت إليه امرأة إسماعيل
المقام فوضع رجله عليه حتى لا ينزل. (فقال) سعيد بن جبير (ما هكذا حدثني) بالإفراد (ابن
عباس. قال): ولأبي ذر وابن عساكر: ولكنه قال (أقبل إبراهيم بإسماعيل وأمه) هاجر (عليهم
السلام) مكة (وهي ترضعه) بضم الفوقية وكسر الضاد المعجمة والواو للحال (معها شنّة) بفتح
المعجمة وتشديد النون قربة يابسة (لم يرفعه) أي الحديث. (ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل)
وسقط قوله ثم جاء بها الخ لأبي ذر وابن عساكر.
٣٣٦٤ - حدثنا عبدُ اللَّهِ بن محمدٍ حدَّثنا عبدُ الرزّاق أخبرَنا مَعْمَرٌ عن أيوبَ
السَّخْتِيانيّ وكَثيرٍ بن كثير بن المطّلب بن أبي وَداعة - يزيدُ أحدُهما على الآخرِ - عن سعيدِ بنِ
جُبِيرٍ قال ابن عبّاسٍ: ((أول ما اتخذَ النساءُ المِنطَقَ من قِبَلِ أمِّ إِسماعيلَ انَّخذَتْ مِنْطقًا لتُعَفِّيَ أثرَها
على سارة، ثم جاء بها إِبراهيمُ وبابنِها إِسماعيلَ. وهيَ تُرضِعُهُ - حتى وَضَعَهما عندَ البيتِ عند
دَوحةٍ فَوقَ زَمزَم في أعلى المسجدِ، وليسَ بمكةَ يَومَئذٍ أحد، وليس بها ماءٌ فَوَضعَهما هنالك،
ووضعَ عندَهما جِرابًا فيهِ تمرٌ وسِقاءً فيهِ ماءٌ، ثم قَفَّى إِبراهيمُ مُنَطلِقًا، فَتَبِعَتْهُ أُمُّ إِسماعيلَ فقالت:
يا إبراهيمُ أينَ تَذهَبُ وتترُكنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إِنسٌ ولا شيء، فقالت له ذلكَ مِرارًا،
وجَعلَ لا يَلتفِتُ إِليها. فقالت له: آللّهُ أمرَكَ بهذا؟ قال: نعم. قالت: إِذَن لا يُضيِعُنا، ثمَّ
رَجعتَ. فانطَلَقَ إِبراهيمُ حتى إِذا كان عندَ الثَّنيَّةِ حيثُ لا يَرونَهُ استقبَلَ بوَجههِ البيتَ ثمَّ دَعا

٢٨٩
كتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٩
بهؤلاءِ الكلماتِ ورَفعَ يَدَيهِ فقال: ﴿ربَّنا إني أسكّنتُ من ذُرِّيَّتِي بوادٍ غير ذي زرع﴾ - حتى بلغَ .
﴿يَشْكُرُون﴾. وجَعَلت أمُّ إسماعيلَ تُرضِعُ إِسماعيلَ وتَشربُ من ذلك الماء، حتى إِذا نَفِدَ ما في
السِّقاءِ عَطِشَت وعطِشَ ابنُها، وجعَلَت تَنظُرُ إِليه يَتلوَّى - أو قال: يَتلبَّط - فانطلَقَتْ كراهيةً أن
تَنظُرَ إِليه، فوَجدَتِ الصَّفا أقرَبَ جَبلٍ في الأرضِ يَليها، فقامَت عليهِ، ثمَّ استقبَلَتِ الوادِيَ تَنظُرُ
هل تَرَى أحدًا، فلم تَرَ أحدًا، فهبَطَت مِنَ الصَّفا، حتى إِذا بلَغَتِ الواديَ رَفعَت طَرَفَ دِرعِها، ثمّ
سَعَتِ سَعِيَ الإِنسانِ المجهودِ حتى جاوَزَتِ الواديَ، ثمَّ أتَتِ المَرْوَةَ فقامت عليها فنظَرَت هل
تَرَى أحدًا؛ فلم تَرَ أحدًا، ففعلت ذلكَ سبعَ مراتٍ. قال ابنُ عبّاسٍ قال النبيُّ: فذلك سعيُ الناسِ
بينهما. فلما أشرَفَت على المروةِ سَمِعَتَ صوتًا فقالت: صَهِ - تريدُ نفسَها - ثمَّ تسمَّعَتْ أيضًا
فقالت: قد أسمعتَ إن كان عندَكَ غِواث، فإِذا هيَ بالملَكِ عند مَوضِعِ زَمزم، فَبَحَثَ بعَقبِهِ - أو
قال بجَناحهِ - حتى ظهرَ الماءُ، فجعَلَت تَحُوضهُ وتقول بيدِها هكذا، وجعلت تَغْرِفُ منَ الماءِ في
سِقائها وهوَ يَفورُ بعدَ ما تَغْرِفُ. قال ابنُ عبّاسٍ قال النبيُّ نَّهِ: يَرحَمُ اللّهُ أَمَّ إِسماعيلَ لو تَرَكَت
زمزمَ - أو قال: لو لم تَغْرِفْ منَ الماء - لكانت زمزمُ عَيْنَا مَعينًا. قال: فَشَرِبَت وأرضَعتْ ولَدَها،
فقال لها الملَكُ: لا تخافوا الضَّيعة، فإِنَّ ها هنا بيتَ اللّه يَبني هذا الغلامُ وأبوه، وإِنَّ اللّهَ لا
يُضيعُ أهلَه. وَكَانَ البيتُ مرتفعًا منَ الأرضِ كالرابية، تأتيهِ السيولُ فتأخُذ عن يمينهِ وشمالهِ،
فكانت كذلكَ حتى مرَّت بهم رُفقة من جُرهم - أو أهل بيت في جرهم مُقبِلِينَ من طريقٍ كَداء،
فنزّلوا في أسفَلِ مكةَ، فرَأوا طائرًا عائفًا، فقالوا: إِنَّ هذا الطائرَ لَيَدورُ على ماء، لَعهدُنا بهذا
الوادي وما فيه ماء، فأرسَلُوا جَرِيًّا أو جَرِئَينِ فإِذا هم بالماء، فرَجَعوا فأخبروهم بالماءِ، فأقبلوا
- قال وأمُّ إِسماعيلَ عندَ الماء - فقالوا: أتأذَنينَ لنا أن نَنزِلَ عندَكِ؟ فقالت: نعم، ولكنْ لا حقَّ لكم
في الماء. قالوا: نعم. قال ابنُ عباسٍ قال النبيُّ وَّهِ: فألفى ذلكَ أُمَّ إِسماعيلَ وهيَ تحبُّ الإِنسَ،
فنزّلوا، وأرسلوا إلى أهلِيهم فنزلوا معهم، حتى إذا كان بها أهلُ أبياتٍ منهم، وشبَّ الغُلامُ وتعلّمَ
العربيةَ منهم، وأنفَسَهُم وأعجبَهم حينَ شَبَّ، فلما أدركَ زوَّجوهُ امرأةً منهم. وماتَت أمُّ إِسماعيلَ،
فجاء إبراهيمُ بعدَ ما تَزوَّجَ إِسماعيلُ يُطالِعُ تَرِكتَهُ، فلم يَجدْ إِسماعيل، فسألَ امرأتَهُ عنه فقالت:
خرَجَ يَبتغي لنا، ثم سألها عن عَيشِهم وهَيْئَتِهم فقالت: نحنُ بشَرّ، نحنُ في ضِيقٍ وشدَّة. فشكَتْ
إليه. قال: فإِذا جاءَ زوجُكِ فاقرَئي عليهِ السلامَ وقولي لهُ يُغَيِّرْ عَتبةَ بابه. فلما جاء إِسماعيلُ كأنهُ
آنَسَ شيئًا فقال: هل جاءكم من أحد؟ قالت: نعم، جاءنا شيخٌ كذا وكذا، فسأَلَنا عنك فأخبرتُه،
وسألني كيف عَيشُنا، فأخبرتهُ أنا في جهدٍ وشِدَّة. قال: فهل أوصاك بشيء؟ قالت: نعم، أمرَني
أن أقرَّأَ عليكَ السلام، ويقول: غَيِّر عتبةَ بابك. قال: ذاكِ أبي، قد أمرَني أن أُفارٍقَكِ، الحَقِي
بأهلِكِ. فطلّقَها، وتزوجَ منهم أُخرَى. فَلَبِثَ عنهم إبراهيمُ ما شاءَ اللّه، ثم أتاهم بعدُ فلم يَجِدْه،
إرشاد الساري/ ج ٧ / م ١٩

٢٩٠
كتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٩
فدخَلَ على امرأته فسألها عنه فقالت: خَرَجَ يَبتغِي لنا. قال: كيفَ أنتم؟ وسألها عن عيشِهم
وهَيئتِهم فقالت: نحن بخيرٍ وسَعَة، وأثنَتْ على الله. فقال: ما طعامُكم؟ قالتِ: اللحمُ. قال فما
شرابُكم؟ قالتِ الماء. قال: اللّهمَّ بارك لهم في اللحم والماء. قال النبيُّ مَل﴿: ولم يكن لهم
يومَئذٍ حَبّ، ولو كان لهم دعا لهم فيه، قال: فهما لا يَخْلو عليهما أحدٌ بغيرِ مكةً إلا لم
يُوافِقاهُ. قال: فإِذا جاءَ زوجُكِ فاقرَئي عليهِ السلامَ، ومُرِيهِ يُثبتُ عتبةً بابه. فلما جاءَ إسماعيلُ
قال: هل أتاكم مِن أحد؟ قالت: نعم، أتانا شَيخْ حَسنُ الهيئةِ - وأثنَتْ عليهِ - فسألني عنكَ
فأخبَرْتُهُ، فسألني كيف عيشُنا فأخبرتهُ أنّا بخيرٍ. قال: فأوصاكِ بشيءٍ؟ قالت: نعم، هو يقرأُ
عليكَ السلامَ، ويأمُرُكَ أن تُثبِتَ عتبةَ بابِك. قال: ذاكِ أبي، وأنتِ العتبة، أمَرَني أن أُمسِكُكِ. ثم
لَبِثَ عنهم ما شاءَ الله، ثم جاء بعدَ ذلك وإسماعيلُ يَبري نَبْلاً له تحتَ دَوحةٍ قريبًا منَ زَمزَمَ،
فلمّا رآهُ قام إليه، فصَنَعا كما يَصنَعُ الوالدُ بالوَلَد والوَلَدُ بالوالد. ثم قال: يا إِسماعيلُ، إن اللّهَ
أمَرَني بأمر. قال: فاصْنَعْ ما أمَرَكَ ربُّك. قال، وتُعِينُني؟ قال: وأُعِينُك. قال: فإِن اللّهَ أمَرَني أن
أبنِي هاهنا بيتًا - وأشارَ إلى أكمة مُرتفعةٍ عَلَى ما حَوْلَها . قال: فعندَ ذلكَ رَفَعا القواعدَ منَ
البَيت، فجعلَ إِسماعيلُ يأتي بالحجارةِ وإبراهيم يبني. حتى إذا ارتَفَعَ البناءُ جاءَ بهذا الحجَرِ
فوضّعَهُ لهُ، فقامَ عليهِ وهو يَبني وإسماعيلُ يُناوِلهُ الحِجارةَ، وهُما يَقولانِ: ﴿رَبَّنا تقبّلْ منَّا إِنكَ
أنتَ السميعُ العَليم﴾ قال: فجَعَلا يبنيانِ حتى يَدُورا حَولَ البيتِ وهُما يَقولان: ﴿ربَّنا تقبَّلْ منَّا
إنكَ أنتَ السميعُ العَليم﴾ [البقرة: ١٢٧])).
قال المؤلف بالسند: (وحدثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدثنا (عبد الله بن محمد) المسندي
قال: (حدثنا عبد الرزاق) بن همام قال: (أخبرنا معمر) هو ابن راشد (عن أيوب السختياني) بفتح
السين وكسر الفوقية (وكثير بن كثير المطلب) بتشديد الطاء وكسر اللام (ابن أبي وداعة) بفتح الواو
وتخفيف الدال (يزيد أحدهما على الآخر عن سعيد بن جبير) سقط ابن جبير لأبي ذر أنه (قال ابن
عباس: أول ما اتخذ النساء المنطق) بكسر الميم وفتح الطاء بينهما نون ساكنة ما تشده المرأة على
وسطها عند الشغل لئلا تعثر في ذيلها (من قبل) بكسر القاف وفتح الموحدة من جهة (أم إسماعيل
اتخذت منطقًا) وذلك أن سارة وهبتها للخليل عليه السلام فحملت منه بإسماعيل فلما وضعته
غارت فحلفت لتقطعن منها ثلاثة أعضاء فاتخذت هاجر منطقًا فشدت به وسطها وهربت وجرت
ذيلها (لتعفي) بضم الفوقية وفتح العين المهملة وتشديد الفاء المكسورة لتخفي (أثرها) وتمحوه (على
سارة). وقال الكرماني: معناه أنها تزيت بزيّ الخدم إشعارًا بأنها خادمتها لتستميل خاطرها وتصلح
ما فسد يقال: عفى على ما كان منه إذا أصلح بعد الفساد اهـ وقيل إن الخليل شفع فيها وقال
حللي يمينك بأن تثقبي أذنيها وتخفضيها فكانت أول من فعل ذلك، وعند الإسماعيلي من رواية ابن
علية أول ما اتخذت العرب جر الذيول عن أم إسماعيل.

٢٩١
كتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٩
(ثم جاء بها) بهاجر (إبراهيم وبابنها إسماعيل) على البراق (وهي ترضعه) الواو للحال (حتى
وضعهما) ولأبي ذر عن الكشميهني: فوضعهما (عند) موضع (البيت) الحرام قبل أن يبنيه (عند
دوحة) بدال وحاء مفتوحتين مهملتين بينهما واو ساكنة شجرة عظيمة (فوق زمزم) ولأبي ذر عن
الحموي والمستملي فوق الزمزم (في أعلى) مكان (المسجد وليس بمكة يومئذٍ أحد) ولا بناء (وليس
بها ماء فوضعهما هنا لك ووضع عندهما جرابًا) بكسر الجيم من جلد (فيه تمر وسقاء فيه ماء)
بكسر السين قربة صغيرة (ثم قفى إبراهيم) بفتح القاف والفاء المشددة ولّ راجعًا حال كونه
(منطلقًا) إلى أهله بالشام وترك إسماعيل وأمه عند موضع البيت، (فتبعته أم إسماعيل فقالت) له
(يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا) ولأبي ذر في هذا (الوادي الذي ليس فيه أنس) بكسر الهمزة
ضد الجن ولأبي ذر وابن عساكر أنيس (ولا شيء؟ فقالت: له ذلك مرارًا. وجعل) إبراهيم (لا
يلتفت إليها فقالت له: آلله الذي أمرك بهذا)؟ بمدّ همزة الله وسقط لأبي ذر الذي (قال) إبراهيم:
(نعم). وفي رواية عمر بن شبة في كتاب مكة من طريق عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير
أنها نادته ثلاثًا فأجابها في الثالثة فقالت له من أمرك بهذا قال الله (قالت: إذًا لا يضيعنا) وفي
رواية ابن جريج فقالت حسبي (ثم رجعت) إلى موضع الكعبة (فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند
الثنية) بالمثلثة وكسر النون وتشديد التحتية بأعلى مكة حيث دخل النبي وَيقر مكة (حيث لا يرونه
استقبل بوجهه البيت) أي موضعه (ثم دعا بهؤلاء الكلمات) ولأبي ذر بهؤلاء الدعوات (ورفع يديه
فقال رب) ولأبي ذر عن الكشميهني: ربنا وهو الموافق للتنزيل (إني أسكنت) ذرية (من ذرّيتي)
فالجار: صفة لمفعول محذوف أو من مزيدة عند الأخفش والمراد بالذرية إسماعيل ومن ولد منه فإن
إسكانه متضمن لإسكانهم (بوادٍ) أي في واد هو مكة (غير ذي زرع) قال في الكشاف: لا يكون
فيه شيء من زرع قط كقوله: قرآنًا عربيًا غير ذي عوج بمعنى لا يوجد فيه اعوجاج ما فيه إلا
الاستقامة لا غير اهـ.
قال الطيبي: هذه المبالغة يفيدها معنى الكناية لأن نفي الزرع يستلزم كون الوادي غير صالح
للزرع ولأنه نكرة في سياق النفي. (عند بيتك المحرم) الذي يحرم عنده ما لا يحرم عند غيره أو
حرمت التعرض له والتهاون به أو لم يزل معظمًا بهابه كل جبارًا وحرم من الطوفان أي منع منه
كما سمي عتيقًا لأنه أعتق من الطوفان أو لأنه موضع البيت حرم يوم خلق السموات والأرض
وحف بسبعة من الملائكة (حتى بلغ يشكرون) أي تلك النعمة .
قال في الكشاف: فأجاب الله دعوة خليله فجعله حرمًا آمنًا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقًا
من لدنه ثم فضله في وجود أصناف الثمار فيه على كل ريف وعلى أخصب البلاد وأكثرها ثمارًا
وفي أي بلد من بلاد الشرق والغرب ترى الأعجوبة التي يريكها الله بواد غير ذي زرع وهي
اجتماع البواكير والفواكه المختلفة الأزمان من الربيعية والصيفية والخريفية في يوم واحد وليس ذلك
من آياته بعجب أعادنا الله إلى حرمه بمنّه وكرمه ووفقنا لشكر نعمه وثبت قوله عند بيتك المحرم
في رواية أبي ذر.

٢٩٢
كتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٩
(وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء حتى إذا نفد) بكسر الفاء أي
فرغ (ما في السقاء عطشت وعطش ابنها) إسماعيل بكسر الطاء فيهما، وزاد الفاكهي من حديث
أبي جهم فانقطع لبنها، وكان إسماعيل حينئذٍ ابن سنتين (وجعلت) هاجر (تنظر إليه يتلوى) يتقلب
ظهرا لبطن (أو قال يتلبط) بالموحدة المشددة بعد اللام آخره طاء مهملة أي يتمرغ ويضرب بنفسه
على الأرض من لبط به إذا صرع. وقال الداودي: يحرك لسانه وشفتيه كأنه يموت، وللكشميهني:
يتلمظ بميم وظاء معجمة بدل الموحدة والمهملة. (فانطلقت) هاجر حال كون انطلاقها (كراهية أن
تنظر إليه) في هذه الحالة الصعبة (فوجدت الصفا) بالقصر (أقرب جبل في الأرض يليها فقامت
عليه ثم استقبلت الوادي) حال كونها (تنظر هل ترى أحدًا فلم ترَ فهبطت من الصفا) بفتح الموحدة
من هبطت. وعند الفاكهي من حديث أبي جهم تستغيث ربها وتدعوه (حتى إذا بلغت الوادي
رفعت طرف درعها) بفتح الطاء والراء ودرعها بكسر الدال وسكون الراء أي قميصها لئلا تعثر في
ذيله (ثم سعت سعي الإنسان المجهود) أي الذي أصابه الجهد وهو الأمر الشاق (حتى جاوزت
الوادي، ثم أتت المروة فقامت عليها ونظرت) ولأبي ذر فنظرت بالفاء بدل الواو (هل ترى أحدًا
فلم ترَ أحدًا ففعلت ذلك سبع مرات).
(قال ابن عباس قال النبي ◌َّر: فلذلك سعي الناس) بسكون العين وجر الناس ولأبي ذر
وابن عساكر فلذلك سعى الناس (بينهما) بين الصفا والمروة.
(فلما أشرفت على المروة سمعت صوتًا فقالت: صه) بفتح الصاد وكسر الهاء منونة في الفرع
وفي بعض الأصول بسكونها أي اسكتي (تريد نفسها) لتسمع ما فيه فرج لها (ثم تسمعت) أي
تكلفت السماع واجتهدت فيه (فسمعت أيضًا فقالت قد أسمعت) بفتح التاء (إن كان عندك غواث)
أي فأغثني فجزاء الشرط محذوف. وغواث بكسر الغين المعجمة وفتح الواو مخففة وبعد الألف
مثلثة كذا في الفرع وأصله وفيه لأبي ذر غواث بضم الغين. وقال الحافظ ابن حجر: غوائ
بفتحها للأكثر، وقال في المصابيح: وبذلك قيده ابن الخشاب وغيره من أئمة اللغة. وقال في
الصحاح: غوّث الرجل إذا قال واغوثاه والاسم الغوث والغواث والغواث. قال الفراء يقال أجاب
الله دعاءه وغوائه. قال: ولم يأت في الأصوات شيء بالفتح غيره، وإنما يأتي بالضم مثل البكاء
والدعاء وبالكسر مثل النداء والصياح قال الشاعر:
بعثتك مائرًا فلبثت حولاً متى يأتي غوائك من تغيث
وقال في القاموس: والاسم الغوث والغواث بالضم وفتحه شاذ واستغاثني فأغثته إغاثة
ومغوثة والاسم الغياث بالكسر، (فإذا هي بالملك) جبريل (عند موضع زمزم فبحث) بالمثلثة (بعقبه)
أي حفر بمؤخر رجله. قال السهيلي في تفجيره إياها دون أن يفجرها باليد أو غيرها إشارة إلى أنها
لعقب إسماعيل وراثة وهو محمد وأمته كما قال تعالى ﴿وجعلها كلمة باقية﴾ [الزخرف: ٢٨] في
عقبه أي في أمة محمد ◌َلير (أو قال بجناحه) شك من الراوي (حتى ظهر الماء فجعلت) هاجر

٢٩٣
كتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٩
(تحوّضه) بالحاء المهملة المفتوحة والواو المشدّدة المكسورة وبالضاد المعجمة أي تصيره كالحوض لئلا
يذهب الماء (وتقول بيدها هكذا) هو حكاية فعلها وهو من إطلاق القول على الفعل (وجعلت
تغرف من الماء في سقائها وهو يفور بعدما تغرف) أي ينبع كقوله تعالى: ﴿وفار التنور﴾
[هود: ٤٠].
(قال ابن عباس) بالسند السابق (قال النبي ◌َّله يرحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم أو قال
لو لم تغرف من الماء) شك من الراوي (لكانت زمزم عينًا معينًا) بفتح الميم جاريًا على وجه الأرض
لأنها لما داخلها كسب هاجر قصرت على ذلك (قال: فشربت) هاجر (وأرضعت ولدها فقال لها
الملك) جبريل (لا تخافوا الضيعة) بفتح الضاد المعجمة وسكون التحتية الهلاك وعبر بالجمع على
القول بأن أقل الجمع اثنان أو هما وذرية إسماعيل أو أعم. وفي حديث أبي جهم لا تخافي أن ينفد
الماء وعند الفاكهي من رواية عليّ بن الوازع عن أيوب لا تخافي على أهل هذا الوادي ظمأ فإنها عينٍ
يشرب بها ضيفان الله (فإن ههنا بيت الله) بنصب بيت اسم إن ولأبي ذر عن الحموي والمستملي
هذا بيت الله (ييني هذا الغلام وأبوه) بحذف ضمير المفعول وعند الإسماعيلي يبنيه بإثباته (وإن الله
لا يضيع أهله) بضم التحتية الأولى وكسر الثانية مشددة بينهما معجمة مفتوحة (وكان البيت) الحرام
(مرتفعًا من الأرض كالرابية) بالراء وبعد الألف موحدة ثم تحتية ما ارتفع من الأرض. وعند ابن
إسحاق أنه كان مدرة حمراء (تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وشماله فكانت) هاجر (كذلك) تشرب
وترضع ولدها، ولعلها كانت تغتذي بماء زمزم فيكفيها عن الطعام والشراب (حتى مرت بهم
رفقة) بضم الراء جماعة مختلطون (من رهم) بضم الجيم والهاء بينهما راء ساكنة غير منصرف حيّ
من اليمن وكانت جرهم يومئذٍ قريبًا من مكة (أو أهل بيت من جرهم) حال كونهم (مقبلين)
متوجهين (من طريق كداء) بفتح الكاف ممدودًا. قال في الفتح: وهو في جميع الروايات كذلك
وهو أعلى مكة. نعم في رواية ابن عساكر كما في اليونينية كدى بضم الكاف والقصر، ولعل
الحافظ ابن حجر لم يقف عليها. (فنزلوا في أسفل مكة فرأوا طائرًا عائفًا) بالعين المهملة والفاء
وهو الذي يتردّد على الماء ويحوم حوله ولا يمضي عنه (فقالوا: إن هذا الطائر ليدور على ماء
لعهدنا) بلام مفتوحة للتأكيد (بهذا الوادي) ظرف مستقر لا لغو (وما فيه ماء) الواو للحال
(فأرسلوا جريًا) بجيم مفتوحة وراء مكسورة فتحتية مشدّدة رسولاً واحدًا لينظر هل هناك ماء أم لا
(أو جريين) رسولين اثنين وسمى الرسول جريًا لأنه يجري مجرى مرسله أو يجري مسرعًا في حاجته
والشك من الراوي (فإذا هم) الجريّ أو الجريان ومن تبعهما (بالماء فرجعوا) إلى جرهم (فأخبروهم
بالماء فأقبلوا) إلى جهة الماء (قال: وأم إسماعيل) كائنة (عند الماء فقالوا) لها: (أتأذنين لنا أن ننزل
عندك؟ فقالت): ولأبي ذر قالت (نعم) أذنت لكم في النزول (ولكن لا حق لكم في الماء. فقالوا:
نعم). لا حق لنا فيه.
(قال ابن عباس) بالسند السابق: (قال النبي ◌َّلتر: فألفى) بهمزة مفتوحة وسكون اللام
وفتح الفاء أي وجد (ذلك) الحي الجرهمي (أم إسماعيل) بنصب أم مفعول الحي كما قرره في

٢٩٤
كتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٩
الكواكب. وقال في العمدة فاعل فألفى قوله ذلك وأم إسماعيل مفعوله وذلك إشارة إلى استئذان
جرهم، والمعنى فألفى استئذان جرهم بالنزول أم إسماعيل (وهي) أي والحال أنها (تحب الأنس)
بضم الهمزة ضدّ الوحشة ويجوز كسرها وهو الذي في الفرع كأصله أي تحب جنسها (فنزلوا)
عندها (وأرسلوا إلى أهليهم فنزلوا معهم) بمكة (حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم وشب الغلام)
إسماعيل بين والدان جرهم (وتعلم العربية منهم) ظاهره يعارض حديث ابن عباس المروي في
مستدرك الحاكم أوّل من نطق بالعربية إسماعيل. وأجيب: بأن المعنى أوّل من تكلم بالعربية من
ولد إبراهيم إسماعيل، وروى الزبير بن بكار في النسب من حديث علي بإسناد حسن: أوّل من
فتق الله لسانه بالعربية المبينة إسماعيل. قال في الفتح: وبهذا القيد يجمع بين الخبرين فتكون أوّليته
في ذلك بحسب الزيادة في البيان لا الأوّلية المطلقة، فيكون بعد تعلمه أصل العربية من جرهم
ألهمه الله العربية الفصيحة المبينة فنطق بها قال: ويشهد لهذا ما حكى ابن هشام عن الشرقي بن
قطامي أن عربية إسماعيل كانت أفصح من عربية يعرب بن قحطان وبقايا حمير وجرهم
(وأنفسهم) بفتح الفاء والسين عطف على تعلم أي رغبهم فيه وفي مصاهرته. يقال: أنفسني فلان
في كذا أي رغبني فيه. وقال في المصابيح: أي صار نفيسًا فيهم رفيعًا يتنافس في الوصول إليه
ويرغبون فيه وفي مصاهرته.
وقوله في الفتح: وأنفسهم بفتح الفاء بلفظ أفعل التفضيل من النفاسة تعقبه في العمدة فقال
إنه غلط وليس هو إلاّ فعلاً ماضيًا من الإنفاس والفاعل فيه إسماعيل. (وأعجبهم حين شب فلما
أدرك) الحل (زوّجوه امرأة منهم) اسمها عمارة بنت سعد بن أسامة فيما قاله ابن إسحاق أو هي
الجداء بنت سعد فيما قاله السهيلي والمسعودي أو حيي بنت أسعد بن عملق فيما قاله عمر بن شبة
(وماتت أم إسماعيل) قيل ولها من العمر تسعون سنة ودفنها بالحجر (فجاء إبراهيم) عليه الصلاة
والسلام (بعدما تزوج إسماعيل يطالع تركته) بكسر الراء أي يتفقد حال ما تركه هناك، واستدل
بعضهم بهذا على أن الذبيح إسحاق محتجًا بأن إبراهيم ترك إسماعيل رضيعًا وعاد إليه وقد تزوج
لأن الذبح كان في الصغر في حياة أمه قبل تزوجه فلو كان إسماعيل الذبيح لذكره بين زمان
الرضاع والتزويج. وأجيب: بأنه ليس في الحديث نفي مجيئه بين الزمانين، وفي حديث أبي جهم
أن إبراهيم كان يزور هاجر كل شهر على البراق يغدو غدوة فيأتي مكة ثم يرجع فيقيل في منزله
بالشأم. (فلم يجد إسماعيل فسأل امرأته عنه فقالت: خرج يبتغي لنا) أي يطلب لنا الرزق (ثم
سألها عن عيشهم وهيئتهم فقالت) له (نحن بشرّ نحن في ضيق وشدة فشكت إليه قال) إبراهيم
عليه السلام لها: (إذا جاء زوجك) إسماعيل (فاقرئي) بفتح الراء (عليه السلام) ولأبي ذر اقرئي
بحذف الفاء (وقولي له: يغير بابه) بفتح الغين المهملة والفوقية والموحدة كناية عن المرأة. (فلما جاء
إسماعيل كأنه آنس شيئًا) بفتح الهمزة الممدودة والنون وفي رواية فلما جاء إسماعيل وجد ريح
أبيه (فقال: هل جاءكم من أحد؟ قالت: نعم جاءنا شيخ كذا وكذا) وفي رواية عطاء بن السائب
عند عمر بن شبة كالمستخفة بشأنه (فسألنا عنك) بفتح اللام (فأخبرته) أنك خرجت تبتغي لنا

٢٩٥
كتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٩
(وسألني كيف عيشنا فأخبرته أنا في جهد) بفتح الجيم (وشدة قال) إسمعيل: (فهل أوصاك
بشيء؟ قالت: نعم. أمرني أن أقرأ عليك السلام ويقول لك غير عتبة بابك. قال: ذاك) بكسر
الكاف (أبي) إبراهيم (وقد أمرني أن أفارقك الحقي بأهلك) بفتح الحاء المهملة (فطلقها وتزوج منهم)
أي من جرهم (أخرى) اسمها أسامة بنت مهلهل فيما قاله المسعودي تبعًا للواقدي أو بشامة
بموحدة فمعجمة مخففة بنت مهلهل بن سعد بن عوف أو عاتكة وعن ابن إسحاق فيما حكاه ابن
سعد رعلة بنت مضاض بن عمرو الجرهمية وقيل غير ذلك (فلبث) بكسر الموحدة (عنهم إبراهيم
ما شاء الله ثم أتاهم بعد فلم يجده) أي لم يجد إسماعيل (فدخل على امرأته فسألها عنه فقالت:
خرج يبتغي لنا) الرزق (قال: كيف أنتم وسألها عن عيشهم وهيئتهم فقالت: نحن بخير وسعة)
بفتح المهملة (وأثنت على الله) عز وجل خيرًا بما هو أهله (فقال) لها: (ما طعامكم؟ قالت:
اللحم. قال فما شرابكم؟ قالت: الماء) وزاد في حديث أبي الجهم اللبن (قال) إبراهيم: (اللهم
بارك لهم في اللحم والماء قال النبي ◌َلّر: ولم يكن لهم يومئذٍ حب) حنطة أو نحوها (ولو كان
لهم دعا لهم فيه قال: فهما) أي اللحم والماء (لا يخلو عليهما) بالخاء المعجمة وللكشميهني كما
في الفتح لا يخلوان بالتثنية وقال ابن القطوية: خلوت بالشيء واختليت به إذا لم أخلط به غيره،
ويقال خلى الرجل اللبن إذا شرب غيره. وقال الكرماني أي لا يعتمدهما (أحد) ويداوم عليهما
(بغير مكة إلا لم يوافقاه) لما ينشأ عنهما من انحراف المزاج إلا في مكة فإنهما يوافقانه وهذا من
جملة بركاتها وأثر دعاء الخليل عليه السلام.
وفي حديث أبي جهم: ليس أحد يخلو على اللحم والماء بغير مكة إلا اشتكى بطنه، وزاد
في حديثه فقالت له: انزل رحمك الله فاطعم واشرب. قال: إني لا أستطيع النزول. قالت: فإني
أراك شعثًا أفلا أغسل رأسك وأدهنه؟ قال: بلى إن شئت فجاءته بالمقام وهو يومئذٍ أبيض مثل
المهاة وكان في بيت إسماعيل ملقى فوضع قدمه اليمنى وقدم إليها شق رأسه وهو على دابته
فغسلت شق رأسه الأيمن، فلما فرغ حوّلت له المقام حتى وضع قدمه اليسرى وقدم إليها برأسه
فغسلت شق رأسه الأيسر، فالأثر الذي في المقام من ذلك ظاهر فيه موضع العقب والإصبع.
(قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام ومريه يثبت عتبة بابه) ثم مضى إبراهيم (فلما
جاء إسماعيل قال: هل أتاكم من أحد؟ قالت: نعم أتانا شيخ حسن الهيئة وأثنت عليه) خيرًا
(فسألني عنك فأخبرته فسألني كيف عيشنا فأخبرته أنا بخير) وسعة (قال: فأوصاك بشيء؟ قالت:
نعم. هو يقرأ عليك السلام ويأمرك أن تثبت عتبة بابك) زاد أبو جهم في حديثه فإنها صلاح
المنزل (قال) إسماعيل لها (ذاك أبي) بكسر الكاف (وأنت العتبة أمرني أن أمسكك) زاد أبو جهم
ولقد كنت علي كريمة ولقد ازددت علي كرامة فولدت لإسماعيل عشرة ذكور (ثم لبث عنهم)
إبراهيم (ما شاء الله ثم جاء) إليهم (بعد ذلك وإسماعيل يبري) بفتح التحتية وسكون الموحدة
وكسر الراء من غير همز (نبلاً له) بفتح النون وسكون الموحدة أي سهمًا قبل أن يركب فيه نصله
وريشه وهو السهم العربي (تحت دوحة) بفتح الدال والحاء المهملتين بينهما واو ساكنة شجرة وهي

٢٩٦
کتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٩
التي نزل إسماعيل وأمه تحتها أوّل ما قدما مكة كما مرّ (قريبًا من زمزم فلما رآه) إسماعيل (قام
إليه صنعا كما يصنع الوالد بالود والولد بالوالد) من الاعتناق والمصافحة وتقبيل اليد ونحو ذلك.
وفي رواية معمر قال: سمعت رجلاً يقول بكيا حتى أجابهما الطير (ثم قال) إبراهيم عليه السلام
(يا إسماعيل إن الله) عز وجل (أمرني بأمر. قال) إسماعيل (فاصنع ما أمرك) به (ربك. قال:
وتعينني)؟ عليه (قال: وأعينك) ولأبي ذر عن الكشميهني فأعينك (قال) إبراهيم: (فإن الله أمرني
أن ابني ههنا بيتًا وأشار إلى أكمة) بفتح الهمزة والكاف والميم إلى رابية (مرتفعة على ما حولها قال:
فعند ذلك رفعا) إبراهيم وإسماعيل ولأبي ذر رفع بالإفراد أي إبراهيم (القواعد من البيت) جمع
قاعدة وهي الأساس صفة غالبة من القعود بمعنى الثبات ورفعها البناء عليها فإنه ينقلها عن هيئة
الانخفاض إلى هيئة الارتفاع (فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني حتى إذا ارتفع البناء)
زاد أبو جهم وجعل طوله في السماء تسعة أذرع وعرضه في الأرض يعني دوره ثلاثين ذراعًا كان
ذلك بذراعهم (جاء) أي إسماعيل (بهذا الحجر) حجر المقام (فوضعه له) للخليل (فقام عليه وهو
يبني وإسماعيل يناوله الحجارة وهما يقولان: ﴿ربنا تقبل منا إنك أنت السميع﴾) لدعائنا (﴿العليم)) ببنائنا
(قال: فجعلا يبنيان حتى يدورا حول البيت وهما يقولان: ﴿ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم﴾)
وقد قيل: ليس في العالم بناء أشرف من الكعبة لأن الآمر بمعمارته رب العالمين، والمبلغ والمهندس
جبريل الأمين، والباني هو الخليل والتلميذ المعين إسماعيل.
٣٣٦٥ - حدثنا عبدُ اللّهِ بنُ محمدٍ حدَّثنا أبو عامرٍ عبدُ الملكِ بنُ عمرو قال: حدثنا
إِبراهيمُ بن نافعٍ عن كثيرٍ بنِ كثيرٍ عن سعيد بن جُبيرٍ عن ابنِ عبّاسٍ رضيَ اللّهُ عنهما قال: ((لما
كان بينَ إِبراهيمَ وبينَ أهلهِ ما كان خرجَ بِإسماعيلَ وَأُمّ إسماعيلَ، ومعهم شَنَّةٌ فيها ماءٌ، فجعلَتْ
أمُّ إِسماعيلَ تشرَبُ منَ الشَّئَّةِ فَيَدِرُّ لبنها على صبيِّها حتى قدِمَ مكةَ فوَضعَها تحتَ دَوحةٍ، ثمَّ رَجع
إِبراهيمُ إلى أهلهِ، فاتبعَتْهُ أمُّ إِسماعيلَ حتى لما بلَغوا كداءَ نادته مِن ورائهِ: يا إِبراهيمُ إِلى من
تَتْرُكنا؟ قال: إِلى اللّه. قالت: رضيتُ بالله. قال: فرجعَت فجعلَت تَشْرَبُ منَ الشَّنَّةِ ويدِرُّ لبنُها
عَلى صبيِّها، حتى لما فَنِيَ الماءُ قالت: لو ذَهبتُ فنظرتُ لعلِّي أُحسُّ أحَدًا. قال: فذَهَبت
فصعِدَتِ الصَّفا فنظرت ونظرت هل تُحِسُّ أحدًا؟ فلم تحِسَّ أحدًا. فلما بلغتِ الوادي سَعَت
وأتَتِ المروةَ، ففعلَتْ ذلك أشواطًا، ثمَّ قالت: لو ذهبتُ فنظرتُ ما فعلَ - تَعنِي الصبيَّ - فذهَبَتْ
فنظرت فإذا هو على حالهِ كأنهُ يَنشغُ للموت، فلم تُقرَّها نفسُها، فقالت: لو ذهبتُ فنظرتُ لعلّي
أُحسُّ أحدًا، فذهبتْ فصعِدتِ الصفا فنظرت ونظرت فلم تُحِسَّ أحدًا، حتى أتمت سبعًا، ثم
قالت: لو ذَهبتُ فنظرتُ ما فعل، فإِذا هي بصوتٍ، فقالت: أغِثْ إِن كان عندَكَ خيرٌ، فإِذا
جِبريلُ، قال: فقال بعَقِهِ هكذا، وغَمزَ عَقِبَهُ على الأرضِ، قال: فانبثقَ الماء، فدَهَشَت أمُ
إسماعيلَ فجعلت تَحفِرُ، قال: فقال أبو القاسم: لو تَرَكَّتْهُ كان الماء ظاهِرًا، قال: فجعَلَت

٢٩٧
کتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٩
تشربُ منَ الماء ويَدِرُّ لبنُها على صبيِّها. قال فمرَّ ناسٌ من جُرهُمَ ببطن الوادي فإِذا هم بطَيرٍ،
كأنهم أنكروا ذاك، وقالوا: ما يكونُ الطيرُ إِلا على ماءٍ، فبعثوا رسولهم فنظَر، فإِذا هم بالماء،
فأتاهم فأخبرهم، فأتَوا إليها فقالوا: يا أُمَّ إِسماعيلَ أتأذَنينَ لنا أن نكونَ معَكِ، أو نَسكُنَ معكٍ؟
فبلغ ابنُها فنكحَ فيهم امرأةً. قال: ثمَّ إِنهُ بدا لإِبراهيمَ فقال لأهلهِ: إني مُطَّلِعٌ تَرِكَتي. قال: فجاءَ
فسلّمَ فقال: أينَ إِسماعيلُ؟ فقالتِ امرأتهُ: ذهبَ يَصيدُ. قال: قولي لهُ إِذا جاء: غَيّرْ عَتبةَ بابك.
فلما جاءَ أخبَرَته، قال: أنتِ ذاكٍ، فاذهَبِي إِلى أهلِكِ. قال: ثمَّ إنه بَدا لإِبراهيمَ فقال لأهلهِ: إِني
مَطَّلِعْ تَرِكَتي. قال فجاء فقال: أين إِسماعيلُ؟ فقالتِ امرأتهُ: ذهبَ يَصيدُ، فقالت: ألا تَنْزِلُ
فتطعَمَ وتَشرَب؟ فقال: وما طعامكم، وما شرابُكم؟ قالت: طعامُنا اللحمُ وشرابُنا الماء - قال:
اللّهِمَّ بارك لهم في طعامهم وشرابهم. قال: فقال أبو القاسم وَّر: بركةٌ بدعوةِ إِبراهيم. قال: ثمَّ
إنه بَدا لإِبراهيمَ فقال لأهله: إِنِي مُطَّلِع تَرِكتي، فجاءَ فوافقَ إِسماعيلَ من وراءِ زَمزَم يُصلِحُ نَبْلاً
له، فقال: يا إِسماعيلُ إِنَّ ربَّكَ أمَرني أن أبنيَ لهُ بَيْتًا. قال: أطِعْ ربَّك. قال: إنه أمرَني أن
تُعِينَني عليه، قال: إِذَن أفعَلَ - أو كما قال. قال: فقاما فجعل إبراهيمُ يبني وإسماعيلُ يُناوِلهُ
الحجارة، ويقولان: ﴿ربَّنا تقبَّلْ منا إِنك أنتَ السميعُ العَليم﴾ [البقرة: ١٢٧].
وبه قال: (حدثنا عبد الله بن محمد) المسندي قال: (حدثنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو)
بفتح العين وسكون الميم العقدي (قال: حدثنا إبراهيم بن نافع) المخزومي المكي (عن كثير بن
كثير) بالمثلثة فيهما ابن المطلب بن أبي وداعة (عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما)
أنه (قال: لما كان بين إبراهيم) الخليل (وبين أهله) سارة، وسقط وبين لابن عساكر (ما كان) من
جنس الخصومة لما داخل سارة من الغيرة بسبب ولادة هاجر إسماعيل (خرج) إبراهيم (بإسماعيل
وأم إسماعيل) إلى مكة (ومعهم شنة) بفتح الشين المعجمة والنون المشددة قربة يابسة (فيها ماء
فجعلت أم إسماعيل) هاجر (تشرب من الشنة فيدرّ لبنها) بفتح الياء وكسر الدال المهملة (على صبيها
حتى قدم مكة فوضعها) هي وإسماعيل (تحت دوحة) شجرة زاد في الرواية السابقة فوق زمزم في
أعلى المسجد وليس بمكة يومئذٍ أحد وليس بها ماء (ثم رجع إبراهيم إلى أهله فاتبعته) بتشديد
الفوقية (أم إسماعيل) ومعها إسماعيل (حتى لما بلغوا كداء) بفتح الكاف والدال المهملة ممدودًا أعلى
مكة ولأبي ذر وابن عساكر كدى بضم الكاف وتنوين الدال مفتوحة من غير همز والذي في
اليونينية كدى من غير تنوين (نادته) هاجر (من ورائه يا إبراهيم إلى من تتركنا؟ قال: إلى الله). عز
وجل (قالت: رضيت بالله. قال: فرجعت) إلىّ موضعها الأوّل (فجعلت تشرب من الشنة ويدرّ
لبنها على صبيها) أي إسماعيل (حتى لما فني الماء) وانقطع لبنها (قالت: لو ذهبت فنظرت لعليّ
أحس أحدًا) أي أشعر به أو أراه (قال: فذهبت) ولأبي ذر إسقاط لفظ قال (فصعدت الصفا) بكسر
العين (فنظرت ونظرت هل تحس أحدًا فلم تحس أحدًا) فهبطت من الصفا (فلما بلغت الوادي

٢٩٨
كتاب أحاديث الأنبياء/ باب ٩
سعت) سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي (وأتت) بالواو ولأبي ذر أتت (المروة) فقامت
عليها ونظرت هل تحس أحدًا فلم تحس أحدًا (ففعلت) ولأبي ذر وفعلت (ذلك أشواطًا) سبعة (ثم
قالت: لو ذهبت فنظرت ما فعل تعني الصبي) إسماعيل (فذهبت فنظرت) إليه (فإذا هو على حاله
كأنه ينشغ) بتحتية مفتوحة فنون ساكنة فشين مفتوحة فغين معجمتين يشهق من صدره (للموت)
من شدة ما يرد عليه (فلم تقرها نفسها) بضم المثناة الفوقية وكسر القاف وتشديد الراء ونفسها رفع
على الفاعلية أي لم تتركها نفسها مستقرّة فتشاهده في حال الموت (فقالت: لو ذهبت فنظرت لعلّ
أحس أحدًا، فذهبت فصعدت الصفا فنظرت ونظرت فلم تحس أحدًا حتى أتمت سبعًا ثم قالت:
. لو ذهبت فنظرت ما فعل) تعني ولدها (فإذا هي بصوت فقالت: أغث إن كان عندك خير فإذا
جبريل) عند موضع زمزم، وفي حديث عليّ عند الطبري بإسناد حسن: فناداها جبريل، فقال:
من أنت؟ قالت: أنا هاجر أم ولد إبراهيم. قال: فإلى من وكلكما؟ قالت: إلى الله. قال: وكلكما
إلى كافٍ. (قال فقال بعقبه) أشار بها (هكذا وغمز) بغين وزاي معجمتين (عقبه على الأرض قال
فانبثق) بهمزة وصل فنون ساكنة فموحدة فمثلثة مفتوحتين فقاف فانخرق (الماء) وتفجر (فدهشت
أم إسماعيل) بفتح الدال والهاء، ولأبي ذر: فدهشت بكسر الهاء (فجعلت تحفر) بكسر الفاء آخره
راء وللكشميهني تحفن بنون بدل الراء أي تملأ كفيها من الماء والأولى أوجه، ففي رواية عطاء بن
السائب عند عمر بن شبة فعلت تفحص الأرض بيديها (قال فقال أبو القاسم وَر):
(لو تركته كان الماء ظاهرًا) على وجه الأرض (قال: فجعلت تشرب من الماء ويدرّ لبنها على
صبيها) بفتح الياء وكسر الدال (قال: فمرّ ناس من جرهم ببطن الوادي فإذا هم بطير) عائف
(كأنهم أنكروا ذاك وقالوا: ما يكون الطير إلا على ماء) ولم يعهد هنا ماء (فبعثوا رسولهم فنظر)
هو ومن معه من أتباعه (فإذا هم بالماء) ولأبي ذر فنظروا فإذا هو بواو الجمع وميمه ولأبي ذر أيضًا
فنظر فإذا هو بالإفراد فيهما (فأتاهم فأخبرهم) بوجود الماء (فأتوا إليها فقالوا: يا أم إسماعيل
أتأذنين لنا أن نكون معك أو نسكن معك)؟ شك من الراوي، وزاد في الرواية السابقة فقالت:
نعم، ولكن لا حق لكم في الماء. قالوا: نعم فنزلوا وأرسلوا إلى أهليم فنزلوا معهم حتى إذا كان
بها أهل أبيات منهم وشبّ الغلام وتعلم العربية منهم وأنفسهم وأعجبهم حين شبّ (فبلغ ابنها)
الفاء فصيحة أي فأذنت فكان كذا فبلغ كما مرّ (فنكح فيهم امرأة) تسمى عمارة بنت سعد أو
غيرها كما مر قريبًا (قال: ثم إنه بدا) ظهر (لإبراهيم) التوجه إليهما (فقال لأهله): سارة (إني
مطلع) بضم الميم وتشديد الطاء (تركتي) أي ما تركته بمكة وهو إسماعيل وأمه، وعند الفاكهي
من وجه آخر عن ابن جريج عن رجل عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن سارة داخلتها غيرة
فقال لها إبراهيم لا أنزل حتى أرجع إليك (قال فجاء) بعدما تزوّج إسماعيل فلم يجده (فسلم
فقال) لامرأته: (أين إسماعيل؟ فقالت امرأته: ذهب يصيد) وفي رواية ابن جريج وكان عيش
إسماعيل الصيد يخرج فيتصيد وزاد المؤلف في الرواية السابقة، ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم؟
فقالت: نحن بشر نحن في ضيق وشدة فشكت إليه (قال) إبراهيم (قولي له) لإسماعيل (إذا جاء

٢٩٩
كتاب أحاديث الأنبياء/ باب ١٠
غيّر عتبة بابك) ولأبي ذر وابن عساكر بيتك بدل بابك (فلما جاء) إسماعيل (أخبرته) بذلك (قال)
ولأبي ذر فقال (أنت ذاك) المراد بالعتبة أمرني بطلاقك (فاذهبي إلى أهلك) زاد في الرواية السابقة
فطلقها وتزوج منهم أخرى (قال: ثم إنه بدا لإبراهيم) التوجه إلى إسماعيل بمكة (فقال لأهله)
زوجته (إني مطلع تركتي قال فجاء) منزل إسماعيل (فقال أين إسماعيل؟ فقالت امرأته: ذهب
يصيد فقالت ألا) بالتخفيف (تنزل فتطعم وتشرب فقال) لها: (وما طعامكم وما شرابكم؟ قالت)
له: (طعامنا اللحم وشرابنا الماء. قال: اللهم بارك لهم في طعامهم وشرابهم قال فقال أبو
القاسم وَلجر: بركة) أي في طعام مكة وشرابها بركة ففيه حذف (بدعوة إبراهيم ◌َّد) بضمير
التثنية أي نبينا وإبراهيم وثبتت التصلية لأبي ذر (قال ثم إنه بدا لإبراهيم) التوجه لمكة (فقال لأهله:
إني مطلع تركتي فجاء) لمكة (فوافق إسماعيل من وراء زمزم يصلح نبلاً له) بفتح النون وسكون
الموحدة سهامًا عربية بغير نصل ولا ريش (فقال يا إسماعيل إن ربك أمرني أن أبني له بيتًا) ههنا
(قال) إسماعيل: (أطع ربك. قال: إنه قد أمرني أن تعينني عليه. قال) إسماعيل: (إذن أفعل)
نصب (أو كما قال قال فقاما فجعل إبراهيم يبني وإسماعيل يناوله الحجارة ويقولان: ﴿ربنا تقبل
منا إنك أنت السميع العليم﴾ [البقرة: ١٢٧] قال حتى ارتفع البناء وضعف الشيخ) إبراهيم عليه
السلام (على) ولأبي ذر عن الكشميهني: عن (نقل الحجارة فقام على حجر المقام فجعل) إسماعيل
(يناوله الحجارة ويقولان: ﴿ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم)) وفي حديث عثمان ونزل عليه
الركن والمقام، فكان إبراهيم يقوم على المقام يبني عليه ويرفعه إسماعيل، فلما بلغ الموضع الذي
فيه الركن وضعه يومئذٍ موضعه وأخذ المقام فجعله لاصقًا بالبيت فلما فرغ إبراهيم من بناء الكعبة
جاءه جبريل فأراه المناسك كلها، ثم قام إبراهيم على المقام فقال: يا أيها الناس أجيبوا ربكم فوقف
إبراهيم وإسماعيل تلك المواقف وحجه إبراهيم وسارة من بيت المقدس ثم رجع إبراهيم إلى الشام
فمات بالشام زاد في نسخة الصغاني هنا لفظ باب وسقط لغيره.
١٠ - باب
٣٣٦٦ - حدثنا موسى بنُ إسماعيلَ حدثنا عبدُ الواحدِ حدَّثنا الأعمشُ حدثنا إِبراهيمُ
التَّيميُّ عن أبيهِ قال: سمعتُ أبا ذَرِّ رضيَ اللّهُ عنه قال: ((قلت: يا رسولَ اللّهِ أيُّ مسجدٍ وُضعَ
في الأرض أوَّلَ؟ قال: المسجدُ الحرام. قال: قلت: ثمَّ أيٍّ؟ قال: المسجدُ الأقصى قلتُ: كم
كان بينَهما؟ قال: أربعون سنة. ثمَّ أينما أدركَتْكَ الصلاةُ بعدُ فصَلُه، فإِنَّ الفضل فيه)). [الحديث
٣٣٦٦ - طرفه في: ٣٤٢٥].
وبه قال: (حدثنا موسى بن إسماعيل) المنقري قال: (حدثنا عبد الواحد) بن زياد قال:
(حدثنا الأعمش) سليمان بن مهران قال: (حدثنا إبراهيم التيمي عن أبيه) يزيد بن شريك بن
طارق التيمي أنه (قال: سمعت أبا ذر رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله أي مسجد وضع في

٣٠٠
كتاب أحاديث الأنبياء/ باب ١٠
الأرض أوّل)؟ بفتح اللام غير منصرف ولأبي ذر أوّل بضمها ضمة بناء لقطعها عن الإضافة كما
بنيت قبل وبعد قال أبو البقاء وهو الوجه والتقدير أوّل كل شيء ويجوز النصب منصرفًا أي أي
مسجد وضع أوّلاً للصلاة (قال) عليه الصلاة والسلام:
(المسجد الحرام قال) أبو ذر: (قلت) يا رسول الله: (ثم أيّ)؟ بالتنوين مشدّدًا أي ثم أي مسجد
وضع بعد المسجد الحرام (قال) عليه الصلاة والسلام: (المسجد الأقصى) مسجد بيت المقدس بني
بعده وسمي بالأقصى لبعد المسافة بينه وبين الكعبة أو لأنه لم يكن وراءه مسجد أو لبعده عن
الأقذار والخبائث (قلت) يا رسول الله: (كم كان بينكما)؟ أي كم بين بناءي المسجدين (قال) عليه
الصلاة والسلام: بينهما (أربعون سنة) استشكل بأن الخليل بنى الكعبة وسليمان بنى الأقصى
وبينهما أكثر من أربعين سنة. وأجيب: بأنه لا دلالة في الحديث على أن الخليل وسليمان ابتداً
وضعهما لهما بل إنما جددا ما كان أسسه غيرهما، فليس إبراهيم أول من بنى الكعبة ولا سليمان
أول من بنى الأقصى وبناء آدم للكعبة مشهور، فجائز أن يكون لما فرغ آدم من بناء الكعبة وانتشر
ولده في الأرض بنى بعضهم المسجد الأقصى، وفي كتاب التيجان لابن هشام: أن آدم بنى الكعبة
أمره الله تعالى بالمسير إلى بيت المقدس وأن يبنيه فبناه ونسك فيه.
(ثم أينما أدركتك الصلاة بعد) أي بعد إدراك وقتها (فصلّه) بهاء السكت وللكشميهني:
فصلُ (فإن الفضل فيه) أي في فعل الصلاة إذا حضر وقتها زاد من وجه آخر عن الأعمش
والأرض لك مسجدًا.
وهذا الحديث أخرجه المؤلف أيضًا في (١) ... ومسلم في الصلاة والنسائي فيه وفي التفسير
وابن ماجه في الصلاة.
٣٣٦٧ - حدثنا عبدُ اللّهِ بنُ مَسلمةَ عن مالكِ عن عمرو بن أبي عمرٍو مَولى المطَّلِبِ عن
أنسٍ بنِ مالكِ رضي اللّه عنه: ((أنَّ رسولَ اللّهِ وَّوَ طلعَ لهُ أُحُدُ فقال: هذا جبلٌ يُحِبُّنا ونحبُّه،
اللّهم إن إبراهيمَ حرَّمَ مكةَ، وإِني أُحرْمُ ما بينَ لابتَيْها)). رواهُ عبدُ اللّهِ بن زيدٍ عنِ النبيِّ ◌ََّ.
وبه قال: (حدثنا عبد الله بن مسلمة) بفتح الميم واللام القعنبي (عن مالك) الإمام الأعظم
(عن عمرو بن أبي عمرو) بفتح العين فيهما واسمه ميسرة (مولى المطلب) بن عبد الله بن حنطب
القرشي المخزومي (عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله (ؤلغير طلع) ظهر (له أحد) بضم
الهمزة والحاء المهملة جبل معروف بالمدينة (فقال):
(هذا جبل يحبنا) حقيقة أو مجازًا أو هو من باب الإضمار أي يحبنا أهله (ونحبه اللهم إن
إبراهيم حرم مكة) إسناد التحريم إليه لأنه مبلغه وإلاّ فهي حرام بحرمة الله يوم خلق السموات
(١) بياض في الأصل.