Indexed OCR Text
Pages 101-120
١٠١ كتاب الجزية والموادعة/ باب ١٨ ٣١٨٢ - حدثنا عبدُ اللَّهِ بن محمدٍ حدَّثَنا يحيى بن آدَمَ حدَّثنا يزيدُ بن عبدِ العزيز عن أبيهِ حدَّثنا حبيبُ بن أبي ثابتٍ قال: حدَّثني أبو وائلٍ قال: ((كنا بصفْين، فقام سهلُ بْنُ حُنَيفٍ فقال: أيها الناس اتهموا أنفُسَكم، فإنا كنا معَ النبيِّ وَّهِ يومَ الحديبيةِ ولو نرَى قِتالاً لقاتَلْنا، فجاءَ عُمَرُ بن الخطابِ فقال: يا رسولَ اللَّهِ أَلَسْنا على الحقِّ وهم على الباطل؟ فقال: بَلى. فقال: أليسٍ قَتلانا في الجنة وقَتلاهم في النار؟ قال: بلى. قال: فعلام نُعطي الدَّنيةَ في دِيننا؟ أنرجعُ ولا يَحكم اللَّهُ بيننا وبينهم؟ فقال: يا بنَ الخطابِ إني رسولُ اللَّهِ، ولن يُضيعني اللَّهُ أبدًا. فانطلق عمرُ إلى أبي بكر فقال له مثلَ ما قال للنبيِّ بَّه، فقال: إنه رسولُ اللَّه، ولن يُضيعَه اللَّهُ أبدًا. فنزلَتْ سورة الفتح، فقرأَها رسولُ اللَّهِ وَ﴿ على عمرَ إلى آخرها، فقال عمرُ: يا رسولَ اللَّهِ أَوَ فتح هو؟ قال: نعم)). وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن محمد) المسندي قال: (حدّثنا يحيى بن آدم) الكوفي مولى بني أمية قال: (حدّثنا يزيد بن عبد العزيز) من الزيادة (عن أبيه) عبد العزيز بن سياه بكسر المهملة وتخفيف التحتية آخره هاء وصلاً ووقفًا قال: (حدّثنا حبيب بن أبي ثابت) واسمه دينار الكوفي (قال: حدَّثني) بالإفراد (أبو وائل) شقيق بن سلمة (قال: كنا بصفين فقام سهل بن حنيف فقال): لما رأى من أصحاب علي رضي الله عنه كراهة التحكيم (أيها الناس اتهموا أنفسكم) فيما أداه اجتهاد كل طائفة منكم من مقاتلة الأخرى (فإنا كنا مع النبي ◌َلقه يوم الحديبية ولو نرى قتالاً لقاتلنا فجاء عمر بن الخطاب) رضي الله عنه (فقال: يا رسول الله ألسنا على الحق وهم) أي قريش (على الباطل؟) ولابن عساكر وأبي ذر عن الحموي والمستملي وهم على باطل فقال: (بلى فقال: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: بلى. قال: فعلى ما) بألف بعد الميم ولأبي ذر: فعلام بإسقاطها (نعطي الدنية) بفتح الدال وكسر النون وتشديد التحتية أي النقيصة (في ديننا أنرجع ولما) ولأبي ذر وابن عساكر: ولم (يحكم الله بيننا وبينهم؟) ولم يكن سؤال عمر رضي الله عنه وكلامه المذكور شكًا بل طلبًا لكشف ما خفي عليه (فقال) عليه الصلاة والسلام: (ابن الخطاب) بحذف أداة النداء، ولأبي ذر: يا ابن الخطاب (إني رسول الله) زاد في الشروط ولست أعصيه أي إنما أفعل هذا بوحي ولست أفعله برأي (ولن يضيعني الله أبدًا فانطلق عمر إلى أبي بكر) رضي الله عنهما (فقال له مثل ما قال للنبي وَله. فقال) أبو بكر مجيبًا له: (إنه رسول الله ولن يضيعه الله أبدًا) وفيه فضيلة الصديق وغزارة علمه على ما يخفى (فنزلت سورة الفتح) والمراد بالفتح صلح الحديبية (فقرأها رسول الله بَّر على عمر إلى آخرها فقال): ولأبي ذر قال (عمر: يا رسول الله أو فتح هو؟) بواو مفتوحة بعد همزة الاستفهام (قال) عليه الصلاة والسلام: (نعم). والحاصل أن سهلاً أعلم أهل صفين بما جرى يوم الحديبية من كراهة أكثر الناس ومع ذلك فقد أعقب خيرًا كثيرًا وظهر أن رأى النبي ◌َّر في الصلح أتم وأحمد من رأيهم في المناجزة. وهذا الحديث قد سبق. ١٠٢ كتاب الجزية والموادعة/ باب ١٩ ٣١٨٣ - حدّثنا قُتَيبةُ بن سعيدِ حدَّثنا حاتمُ بن إسماعيلَ عن هشام بنِ عُروةَ عن أبيه عن أسماءَ بنت أبي بكر رضيَ اللَّهُ عنهما قالت: ((قَدمتْ عليَّ أُمي وهي مُشركةٌ في عهد قريشٍ إذ عاهدُوا رسولَ اللَّهِ وَّهِ ومُذَّتهم مع أبيها، فاستفْتَت رسولَ اللَّهِ وَهَ فقالت: يا رسولَ اللَّهِ إِنَّ أمي قدِمَتْ عليَّ وهيَ راغبة، أفاصِلُها؟ قال: نعم، صِليها)). وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) الثقفي قال: (حدّثنا حاتم) بالحاء المهملة وكسر الفوقية ولأبي ذر حاتم بن إسماعيل أي الكوفي (عن هشام بن عروة عن أبيه) عروة بن الزبير (عن أسماء ابنة) ولأبي ذر وابن عساكر: بنت (أبي بكر رضي الله عنهما) أنها (قالت: قدمت علّ أمي) قتيلة بنت الحرث بن مدرك كما قاله الزبير بن بكار (وهي مشركة) جملة حالية (في عهد قريش إذ عاهدوا رسول الله (1) يوم الحديبية (ومدتهم) التي كانت معينة للصلح بينهم وبينه عليه الصلاة والسلام (مع أبيها) الحرث المذكور (فاستفتت) أي قال عروة: فاستفتت أسماء (رسول الله وَ﴿ فقالت): ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: فاستفتيت بزيادة تحتية بين الفوقيتين رسول الله ◌َي* فقلت (يا رسول الله إن أمي قدمت علي وهي راغبة) في أن تأخذ مني بعض المال أو راغبة في الإسلام (أفأصلها؟) بهمزة الاستفهام ولأبي ذر: فأصلها بحذفها (قال) عليه الصلاة والسلام: (نعم صليها) فيه جواز صلة الرحم الكافر. وتعلق هذا الحديث بما سبق من حيث إن عدم الغدر اقتضى جواز صلة القريب ولو كان على غير دينه. قاله في العمدة. وهذا الحديث قد سبق في باب: الهدية للمشركين من كتاب الهبة. ١٩ - باب المصالحة على ثلاثة أيام أو وَقتٍ معلوم (باب المصالحة) مع المشركين (على) مدة (ثلاثة أيام أو وقت معلوم). ٣١٨٤ - حدثنا أحمدُ بن عثمانَ بنِ حَكيم حدَّثني شُرَيحُ بن مَسلمَةَ حدَّثَنا إبراهيمُ بن يوسفَ بنِ أبي إسحقَ قال: حدَّثني أبي عن أبي إسحقَ قال: حدَّثني البَراءُ رضيَ اللَّهُ عنه: ((أنَّ النبيَّ ◌َّهِ لما أراد أن يَعتَمِرَ أرسلَ إلى أهلِ مكةَ يَستأذنهم ليَدخُلَ مكةً، فاشتَرَطوا عليهِ أن لا يُقيمَ بها إِلَا ثَلاثَ ليالٍ، ولا يَدخُلُها إلا بجُلُبَانِ السلاح، ولا يَدْعُوَ منهم أحَدًا. قال: فأخذَ يكتب الشرط بينهم عليّ بن أبي طالبٍ، فكتَبَ: هذا ما قاضى عليهِ محمدٌ رسولُ اللَّهِ. فقالوا: لو علمنا أنكَ رسولُ اللَّهِ لم نمنَعْكَ ولبايعْناك، ولكنِ اكتُبْ: هذا ما قاضى عليهِ محمدُ بن عبدِ الله. فقال: أنا واللَّهِ محمدُ بن عبد اللَّه، وأنا واللَّهِ رسولُ اللَّه. قال: وكان لا يكتُبُ، قال فقال لعليّ امحُ رسولَ اللَّه. فقال عليٍّ: واللَّهِ لا أمحاهُ أبدًا. قال: فأرِنيهِ، قال: فأراه إياهُ، فمحاه ١٠٣ كتاب الجزية والموادعة/ باب ٢٠ النبيُّ وَّرَ بِيدِه. فلما دخَلَ ومَضَتِ الأيامُ أتَوْا عليّا فقالوا: مُزْ صاحبَكَ فَلْيَرْتَحِلْ. فذكرَ ذلكَ عليّ رضيَ اللَّهُ عنه الرسولِ اللَّهِ بَّر، فقال: نعم. فارتحل)). وبه قال: (حذَّثنا أحمد بن عثمان بن حكيم) أبو عبد الله الأزدي الكوفي قال: (حدّثنا) بالجمع، ولأبي ذر: حدَّثني (شريح بن مسلمة) بضم الشين المعجمة وفتح الراء وسكون التحتية آخره حاء مهملة ومسلمة بفتح الميم واللام الكوفي قال: (حدّثنا إبراهيم بن يوسف بن أبي إسحاق) الكوفي (قال: حدَّثني) بالإفراد (أبي) يوسف (عن أبي إسحق) عمرو بن عبد الله السبيعي الكوفي (قال: حدَّثني) بالإفراد (البراء) بن عازب (رضي الله عنه أن النبي) وفي نسخة: أن رسول الله (* لما أراد أن يعتمر) في ذي القعدة يوم الحديبية (أرسل إلى أهل مكة يستأذنهم ليدخل مكة فاشترطوا عليه أن لا يقيم بها) إذا دخلها في العام المقبل (إلا ثلاث ليال) بأيامها وهذا موضع الترجمة. (ولا يدخلها إلا يجلبان السلاح) بضم الجيم واللام وتشديد الموحدة شبه الجراب من الأدم يوضع فيه السيف مغمودًا (ولا يدعو منهم أحدًا) وفي الصلح: وأن لا يخرج من أهلها بأحد إن أراد أن يتبعه وأن لا يمنع أحدًا من أصحابه إن أراد أن يقيم بها (قال: فأخذ یکتب الشرط بينهم عليّ بن أبي طالب فكتب: هذا)، إشارة إلى ما في الذهن مبتدأ خبره قوله (ما قاضى عليه محمد رسول الله. فقالوا: لو علمنا أنك رسول الله لم نمنعك) عن البيت (ولبايعناك) بالموحدة بعد اللام ولابن عساكر وأبي ذر عن الكشميهني: ولتابعناك بالفوقية بدل الموحدة وبعد الألف موحدة أخرى بدل التحتية، (ولكن اكتب هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد اللَّه (قال) عليه الصلاة والسلام: (أنا والله محمد بن عبد اللَّه، وأنا والله رسول الله قال: وكان) عليه الصلاة والسلام (لا يكتب. قال: فقال لعلّ امح رسول الله فقال عليّ: والله لا أمحاه أبدًا) لغة في أمحوه بالواو (قال) عليه الصلاة والسلام: (فأرنيه قال: فأراه إياه فمحاه النبي ◌َّفي بيده فلما دخل) عليه الصلاة والسلام مكة في العام المقبل (ومضى) ولأبي ذر عن الكشميهني ومضت (الأيام) الثلاثة التي اشترطوا عليه أن لا يقيم أكثر منها (أتوا عليًا فقالوا: مُز صاحبك) أي النبي وَلّر (فلير تحل) فقد مضى الأجل (فذكر ذلك لرسول الله) ولأبي ذر وابن عساكر ذلك عليّ رضي الله عنه لرسول الله (صل﴿ فقال: نعم ثم ارتحل) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي فارتحل. وهذا الحديث قد مرّ في باب: كيف يكتب الصلح من كتاب الصلح. ٢٠ - باب المُوادَعةِ من غيرٍ وقت، وقولِ النبيِّ نَّهِ: (أُقِرُّكم على ما أقرَّكم اللَّهُ)) (باب الموادعة) أي المصالحة والمتاركة (من غير) تعيين (وقت. وقول النبي (وَ﴿) لأهل خيبر (أقركم ما) ولأبي ذر: على ما (أقركم الله به) سقط لأبي ذر وابن عساكر لفظة به. ١٠٤ كتاب الجزية والموادعة/ باب ٢١ وهذا طرف من حديث ابن عمر سبق موصولاً في باب إذا قال رب الأرض أقرك ما أقرك الله وليس في أمر المهادنة حدّ معلوم وإنما ذلك راجع إلى رأي الإمام والله أعلم. ٢١ - باب طرح جِيَفِ المشركينَ في البئر، ولا يُؤْخَذُ لهم ثمَن (باب) جواز (طرح جيف المشركين في البئر، ولا يؤخذ لهم) أي لجيفهم (ثمن) ذكر ابن إسحاق في مغازيه أن المشركين سألوا النبي ◌َّر أن يبيعهم جسد نوفل بن عبد الله بن المغيرة وكان قد اقتحم الخندق فقال النبي والقر: لا حاجة لنا بثمنه ولا جسده. قال ابن هشام: بلغنا عن الزهري أنهم بذلوا فيه عشرة آلاف. ٣١٨٥ - حقّثنا عَبدانُ بن عثمانَ قال: أخبرني أبي عن شعبةً عن أبي إسحقَ عن عمرو بنِ مَيمونٍ عن عبدِ اللَّهِ رضيَ اللَّهُ عنه قال: ((بَيْنا النبيُّ نََّ ساجدٌ وحَولهُ ناسٌ من قريشٍ منَ المشركين إِذِ جاءهُ عقبةُ بن أبي مُعَيطٍ بِسَلَى جَزُورٍ فَقَذَفَهُ على ظَهرِ النّبِيِّ ◌َِّ، فلم يَرفَعْ رَأْسَه حتّى جاءت فاطمة عليها السلام فأخذَتْ من ظَهرِهِ ودَعَتْ على مَن صَنعَ ذلك، فقال النبيُّ ◌َّه: اللَّهِمَّ عليك المَلأَ من قريش، اللَّهمَّ عليكَ أبا جهل بن هشام وعتبةً بن ربيعةً وشَيبةً بن ربيعة وعُقبةَ بنَ أبي مُعَيطٍ وأُميَّةَ بنَ خَلَفٍ - أو أَبيَّ بِنَ خَلَفِ - فلقد رأيتهم قُتِلوا يومَ بَدٍ فألقوا في بئرٍ، غيرَ أميَّة - أو أبيّ - فإنه كان رجلاً ضَخمًا، فلما جَرُّوهُ تقطّعَتْ أوصاله قبلَ أن يُلقَى في البئر)). وبه قال: (حدّثنا عبدان بن عثمان) وللحموي والمستملي عبد اللَّه بن عثمان وهو اسم عبدان (قال: أخبرني) بالإفراد (أبي) عثمان بن جبلة (عن شعبة) بن الحجاج (عن أبي إسحاق) السبيعي (عن عمرو بن ميمون) بفتح العين الكوفي الأودي (عن عبد الله) أي ابن مسعود (رضي الله عنه) أنه (قال: بينا) بغير ميم (رسول الله) ولأبي ذر: النبي (8 * ساجد) أي عند الكعبة (وحوله ناس من قريش المشركين) ولأبي ذر وابن عساكر: من المشركين (إذ جاء عقبة) بحذف ضمير النصب ولأبي ذر: إذ جاءه عقبة (بن أبي معيط بسلى جزور) بفتح السين المهملة وتخفيف اللام مقصورًا وهي اللفافة التي يكون فيها الولد في بطن الناقة، والجزور بفتح الجيم وضم الزاي بمعنى المفعول أي المنحور من الإبل (فقذفه) بالفاء قبل القاف ولأبي ذر: وقذفه أي طرحه (على ظهر النبي له فلم يرفع رأسه حتى جاءت فاطمة) بنته (عليه السلام فأخذت) ذلك السلى (من ظهره ودعت على مَن صنع ذلك. فقال النبي ◌َّةٍ): (اللَّهم) ولأبي ذر فقال: اللهم (عليك الملأ) نصب بنزع الخافض أي خذ الجماعة (من) كفار (قريش) وأهلكهم ثم فصل ما أجمل فقال (اللهم عليهك أبا جهل بن هشام وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وعقبة بن أبي معيط وأمية بن خلف أو أبيّ بن خلف) قال عبد اللَّه: (فلقد رأيتهم ١٠٥ کتاب الجزية والموادعة/ باب ٢٢ قتلوا يوم بدر) والمراد أنه رأى أكثرهم لأن ابن أبي معيط إنما حمل أسيرًا وقتله النبي ◌َّو بعد انصرافه من بدر على ثلاثة أميال مما يلي المدينة (فألقوا في بئر) تحقيرًا لهم ولئلا يتأذى الناس برائحتهم (غير أمية) بن خلف (أو) غير (أبيّ فإنه كان رجلاً ضخمًا فلما جرّوه) براء واحدة بعدها واو ساكنة (تقطعت أوصاله قبل أن يُلقى في البئر). ٢٢ - باب إثم الغادر للبَرُ والفاجر (باب إثم الغادر) الذي يواعد على أمر ولا يفي به (للبرّ والفاجر) أي سواء كان من برّ الفاجر أو برّ أو من فاجر لبرّ أو فاجر. ٣١٨٦ - ٣١٨٧ - حدثنا أبو الوليدِ حدَّثنا شُعبة عن سليمانَ الأعمش عن أبي وائلٍ عن عبدِ اللَّهِ - وعن ثابتٍ عن أنسٍ - عن النبيِّ وَّر قال: ((لكل غادرٍ لواءٌ يومَ القيامةِ، قال أحدُهما يُنصَبُ - وقال الآخر: يُرَى - يومَ القيامةِ يُعرَفُ بهِ)). وبه قال: (حدّثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن سليمان) بن مهران (الأعمش) الكوفي (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة (عن عبد اللَّه) أي ابن مسعود (وعن ثابت) قال في الفتح: قائل ذلك هو شعبة بينه مسلم في روايته من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن شعبة عن ثابت (عن أنس) كلاهما (عن النبي ◌َّ) أنه (قال): (لكل غادر لواء) أي: علم (يوم القيامة قال أحدهما) أي أحد الراويين (ينصب) أي اللواء (وقال الآخر: يُرى يوم القيامة يعرف به). ولمسلم من طريق غندر عن شبعة يقال: هذه غدرة فلان. ٣١٨٨ - حدثنا سُليمانُ بن حربٍ حدَّثنا حمَّادُ بن زيد عن أيوبَ عن نافع عنِ ابنِ عمرَ رضيَ اللَّه عنهما قال: ((سمعتُ النبيَّ وََّ يقول: لكلُ غادرٍ لواءٌ يُنصَبُ يومَ القيامة بغذْرتِهِ)). [الحديث ٣١٨٨- أطرافه في: ٦١٧٧، ٦١٧٨، ٦٩٦٦، ٧١١١]. وبه قال: (حدثنا سليمان بن حرب) الواشحي قال: (حدّثنا حماد) ولأبي ذر: حماد بن زيد (عن أيوب) السختياني (عن نافع) مولى ابن عمر (عن ابن عمر رضي الله عنهما) أنه (قال: سمعت النبي صل* يقول): (لكل غادر لواء ينصب) زاد أبو ذر: يوم القيامة الغدرته) باللام وفتح الغين المعجمة أي لأجل غدرته في الدنيا أو بقدرها، ولأبي ذر وابن عساكر: بغدرته بالموحدة بدل اللام أي بسبب غدرته والمراد شهرته فى القيامة بصفة الغدر ليذمه أهل الموقف وفيه غلظ تحريم الغدر لا سيما من صاحب الولاية العامة لأن غدره يتعدى ضرره وقيل المراد نهي الرعية عن الغدر بالإمام فلا تخرج عليه . ١٠٦ كتاب الجزية والموادعة/ باب ٢٢ وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الفتن ومسلم في المغازي. ٣١٨٩ - حدثنا عليّ بن عبدِ اللَّه حدَّثنا جريرٌ عن منصورٍ عن مُجاهدٍ عن طاوُسٍ عنِ ابنِ عبَّاس رضيَ اللَّهُ عنهما قال: ((قال رسولُ اللَّهِ وَهِ يَومَ فتح مكة: لا هِجرةَ، ولكنْ جهادٌ ونيّة، وإذا استُنفِرتم فانفِروا. وقال يومَ فَتح مكةً: إنّ هذا البلدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ يومَ خلقَ السَّماواتِ والأرض، فهوَ حَرَامٌ بحُرمةِ اللَّهِ إلى يوم القيامة، وإنه لم يَحلْ القتال فيهِ لأحدٍ قَبلي، ولم يَحِلَّ لي إلاَّ ساعةً من نهار، فهو حرامٌ بحُرمةِ اللَّهِ إلى يوم القيامة: لا يُعضَدُ شوكه، ولا يُنَفَّرُ صَيدُه، ولا يَلْتَقِطُ لُقَطَّتَهُ إلا من عرَّفها، ولا يُخْتَلى خلاهُ. فقال العبَّاس: يا رسولَ اللَّهِ إلا الإذْخِرَ، فإنه لقَيْنهم ولبيوتهم. قال: إلا الإذْخِرَ)). وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد اللَّه) المديني قال: (حدّثنا جرير) هو ابن عبد الحميد (عن منصور) هو ابن المعتمر السلمي الكوفي (عن مجاهد) بن جبر الإمام في التفسير (عن طاوس) هو ابن كيسان اليماني (عن ابن عباس رضي الله عنهما) أنه (قال: قال رسول الله وَلاتر يوم فتح مكة): (لا هجرة) من مكة إلى المدينة بعد الفتح لأن مكة صارت دار إسلام (ولكن) لكم طريق في تحصيل الفضائل وهو (جهاد) في سبيل الله (ونية) في كل شيء من الخير (وإذا استنفرتم فانفروا) بكسر الفاء أي إذا طلبكم الإمام للخروج إلى الجهاد فاخرجوا. (وقال) عليه الصلاة والسلام: (يوم فتح مكة: إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض) ولم يحرمه الناس (فهو حرام بحرمة الله) زاد أبو ذر في رواية الكشميهني: إلى يوم القيامة (وأنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي ولم يحل لي) القتال فيه (إلا ساعة من نهار فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة لا يعضد) بالرفع ويجوز الجزم أي لا يقطع (شوكه) غير المؤذي والتعبير بالشوك يدل على منع قطع سائر الأشجار بالطريق الأولى (ولا ينفر صيده) فإن نفره عصى (ولا يلتقط) أحد (لقطته إلا من عرفها) أبدًا ولا يتملكها فخالفت لقطة سائر البلاد بهذا (ولا يختلى) بضم أوله وسكون المعجمة أي لا يجز (خلاه) مقصور حشيشة الرطب (فقال العباس: يا رسول الله إلاَّ الإذخر؟) النبت الذكي الرائحة المعروف (فإنه لقينهم) حدادهم وصائغهم (ولبيوتهم) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: وبيوتهم أي لسقف بيوتهم جيلاً بعد جيل (قال) عليه الصلاة والسلام: (إلاَّ الاذخر). وهذا محمول على أنه أوحي إليه وَّ في الحال باستثناء الإذخر وتخصيصه من العموم أو أوحي إليه قبل ذلك أنه إن طلب أحد استثناء شيء فاستثن أو أنه اجتهد في الجميع قاله النووي. وهذا الحديث قد سبق في العلم والحج وغيرهما. وهذا آخر كتاب الجهاد نجزت كتابته على يد مؤلفه في ثامن عشر جمادى الآخرة سنة تسع وتسعمائة أعاننا الله تعالى على التكميل وجعله خالصًا لوجهه ونفع به جيلاً بعد جيل بمنّه وكرمه آمین. بسم الله الرحمن الرحيم ٥٩ - كتاب بدء الخلق سقطت البسملة لأبي ذر. (كتاب بدء الخلق) قال في القاموس: بدأ به كمنع ابتدأ والشيء فعله ابتداء كابتدأه وأبدأه والله الخلق خلقهم والخلق بمعنى المخلوق، ورقم في اليونينية رقم علامة أبي ذر عن المستملي بثبوت كتاب بدء الخلق. وقال العيني كالحافظ ابن حجر: وقع في رواية النسفي ذكر بدء الخلق بدل كتاب بدء الخلق. ١ - باب ما جاءَ في قول اللَّهِ تعالى: ﴿وهو الذي يُبْدأُ الخَلْقَ ثمَّ يُعيدُه وهو أهونُ عليهِ﴾ [الروم: ٢٧] قال الرَّبيعُ بن خُثَيم والحسنُ كلٌّ عليه هَيّن. هيْنٌّ وهيِّن: مثلْ لَيْنِ وَلَيْنِ، ومَيْت وميّت، وضيقٌ وضيّق. ﴿أَفَعيينا﴾: أَفأعيا علينا. حِينَ أنشأكم وأنشأَ خَلْقَكم. ﴿لِغُوب﴾: النَّصَب. ﴿أطوارًا﴾: طَورًا كذا، وطَورًا كذا. عَدا طَورَه: أي قَدْرَه (ما جاء) ولأبي ذر باب: ما جاء (في قول الله تعالى: ﴿وهو الذي يبدأ الخلق﴾) أي المخلوق (﴿ثم يعيده﴾) بعد الإهلاك ثانيًا للبعث (﴿وهو أهون عليه﴾) [الروم: ٢٧]. أي الإعادة أسهل عليه من الأصل بالإضافة إلى قدركم والقياس على أصولكم وإلا فهما عليه سواء لا تفاوت عنده سبحانه بين الإبداء والإعادة وتذكير هو لأهون وسقط لغير أبي ذر وهو أهون عليه. (قال) ولأبي ذر: وقال (الربيع) بفتح الراء (ابن خثيم) بضم الخاء المعجمة وفتح المثلثة وسكون التحتية الثوري الكوفي التابعي مما وصله الطبري أيضًا من طريق منذر الثوري عنه (و) قال (الحسن) البصريّ مما وصله الطبري أيضًا من طريق قتادة عنه (كل عليه هين) بتشديد الياء (هين) بسكونها ولأبي ذر: وهين بالواو مع التخفيف أيضًا (وهين) بالتشديد يريد أنهما لغتان كما ١٠٨ كتاب بدء الخلق / باب ١ جاء في ألفاظ أخر وهي (مثل لين ولين، وميت وميت، وضيق وضيق) ثم أشار المؤلف إلى قوله تعالى: (﴿أفعيينا)) [قَ: ١٥]. بالخلق الأول أي (أفأعيا علينا حين أنشأكم وأنشأ خلقكم) أي ما أعجزنا الخلق الأول حين أنشأناكم وأنشأنا خلقكم حتى نعجز عن الإعادة من عيي بالأمر إذا لم يهتد لوجه علمه والهمزة فيه للإنكار وعدل عن التكلم في قوله أنشأكم إلى الغيبة التفاتًا. قال الكرماني: والظاهر أن لفظ حين أنشأكم إشارة إلى آية أخرى مستقلة وأنشأ خلقكم إلى تفسيره وهو قوله تعالى: ﴿إذ أنشأكم من الأرض﴾ [النجم: ٣٢]. فنقله البخاري بالمعنى حيث قال: حين أنشأكم بدل إذ أنشأكم أو هو محذوف في اللفظ واستغنى بالمفسر عن المفسر. (﴿لغوب)) [قَ: ٣٨]. (النصب) يشير إلى قوله تعالى: ﴿ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسّنا من لغوب﴾ [ق: ٣٨]. من تعب ولا نصب ولا إعياء وهو ردّ لما زعمت اليهود من أنه تعالى بدأ خلق العالم يوم الأحد وفرغ منه يوم الجمعة واستراح يوم السبت واستلقى على العرش تعالى عن ذلك علوًا كبيرًا. وقد أجمع علماء الإسلام قاطبة على أن الله تعالى خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام كما دل عليه القرآن. نعم اختلفوا في هذه الأيام أهي كأيامنا هذه أو كل يوم كألف سنة على قولين والجمهور على أنها كأيامنا هذه. وعن ابن عباس ومجاهد والضحاك وكعب أن كل يوم كألف سنة مما تعدون. رواه ابن جرير وابن أبي حاتم. وحكى ابن جرير في أول الأيام ثلاثة أقوال: فروي عن محمد بن إسحاق أنه قال: يقول أهل التوراة ابتدأ الله الخلق يوم الأحد ويقول أهل الإنجيل ابتدأ الله الخلق يوم الاثنين، ونقول نحن المسلمون فيما انتهى إلينا عن رسول الله وَله: ابتدأ الله الخلق يوم السبت، ويشهد له حديث أبي هريرة خلق الله التربة يوم السبت والقول بأنه الأحد رواه ابن جرير عن السدي عن أبي مالك وأبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وعن جماعة من الصحابة وهو نص التوراة، ومال إليه طائفة آخرون وهو أشبه بلفظ الأحد فبهذا كمل الخلق في ستة أيام فكان آخرهن الجمعة فاتخذه المسلمون عيدهم في الأسبوع. (﴿أطوارًا﴾﴾ [نوح: ١٤]. أشار إلى قوله تعالى: ﴿وقد خلقكم أطوارًا﴾ أي (طورًا كذا، وطورًا كذا). مرتين أي خلقهم تارات إذ خلقهم أولاً عناصر ثم مركبات ثم أخلاطًا ثم نطفًا ثم علقًا ثم مضغًا ثم عظامًا ولحومًا ثم أنشأهم خلقًا آخر فإنه يدل على أنه يمكن أن يعيدهم تارة أخرى ويقال فلان (عدا طوره أي قدره) أي: جاوزه وسقط لابن عساكر لفظة (أي). ٣١٩٠ - حقثنا محمدُ بن كثيرٍ أخبرَنا سفيانُ عن جامع بن شدَّاد عن صَفْوانَ بنِ مُخرِزٍ عن عِمرانَ بنِ حُصَين رضيَ اللَّهُ عنهما قال: ((جاءَ نَفَرٌ من بني تميم إلى النبيِّ ◌َّـ فقال: يا بني تميم أبشِروا. فقالوا: بَشَرْتَنا فأعطنا. فتغيرَ وَجههُ. فجاءَهُ أهلُ اليَمَنِ، فقال: يا أهلَ اليمنِ اقبَلوا ١٠٩ كتاب بدء الخلق / باب ١ البُشرى إذ لم يَقبَلْها بنو تميم. قالوا: قبِلْنا. فأخذَ النبيُّ وَلهَ يحدِّثُ بَدْءَ الخَلْقِ والعَرشِ. فجاءَ رَجُلٌ فقال: يا عمرانُ راحِلَتْكَ تَفلَّتَتْ. لَيتَني لم أقمْ)). [الحديث ٣١٩٠ - أطرافه في: ٣١٩١، ٤٣٦٥، ٤٣٨٦، ٧٤١٨]. وبه قال: (حدّثنا محمد بن كثير) بالمثلثة العبدي قال: (أخبرنا سفيان) الثوري (عن جامع بن شداد) بالمعجمة وتشديد الدال المهملة الأولى أبي صخر المحاربي (عن صفوان بن محرز) بضم الميم وسكون الحاء المهملة وكسر الراء بعدها زاي المازني البصري (عن عمران بن الحصين) بضم أوله (رضي الله عنهما) أنه (قال: جاء نفر) عدة رجال من ثلاثة إلى عشرة سنة تسع (من بني تميم إلى النبي ◌َلة فقال): (يا بني تميم أبشروا). بهمزة قطع بما يقتضي دخول الجنة وذلك حيث عرّفهم أصول العقائد التي هي المبدأ والمعاد وما بينهما ولما لم يكن جل اهتمامهم إلاّ بشأن الدنيا والاستعطاء (قالوا): ولأبي ذر: فقالوا (بشرتنا) وإنما جئنا للاستعطاء (فأعطنا) من المال قيل من القائلين الأقرع بن حابس كان فيه بعض أخلاق البادية والفاء فصيحة (فتغير وجهه) عليه السلام أسفًا عليهم كيف آثروا الدنيا أو لكونه لم يكن عنده ما يعطيهم فيتألفهم به (فجاءه أهل اليمن)، وهم الأشعريون قوم أبي موسى (فقال) عليه الصلاة والسلام: (يا أهل اليمن اقبلوا البشرى إذ لم يقبلها بنو تميم قالوا: قبلنا) ها (فأخذ) أي شرع (النبي ◌َّير يحدّث بدء الخلق) نصب بنزع الخافض (والعرش. فجاء رجل) لم يسم (فقال: يا عمران) يعني ابن حصين (راحلتك) بالرفع على الابتداء، ولابن عساكر وأبي الوقت: إن راحلتك (تفلتت) بالفاء أي تشرّدت قال عمران (ليتني لم أقم) من مجلس رسول الله وَ الر حتى لم يفتني سماع كلامه. وهذا الحديث أخرجه في المغازي وبدء الخلق والتوحيد والترمذي في المناقب والنسائي في التفسير. ٣١٩١ - حدثنا عمرُ بن حفصٍ بنِ غِياث حدّثنا أبي حدَّثنا الأعمشُ حدَّثنا جامِعُ بن شدّاد عن صَفوانَ بن مُحرِزٍ أنهُ حدَّثهُ عن عمرانَ بن حُصَين رضيَ اللَّهُ عنهما قال: ((دخلتُ على النبيِّ وَّهِ وعَقَلْتُ ناقتي بالباب. فأتاهُ ناسٌ من بني تميم فقال: اقبلوا البُشرَى يا بني تميم. قالوا: قد بَشِّرْتنا فأعطنا (مرّتين). ثمَّ دخلَ عليه ناسٌ من أهلِ اليَمنِ فقال: اقبلوا البشرىُ يا أهلَ اليمن إذ لم يقبَلْها بنو تميم. قالوا: قد قبِلْنا يا رسولَ اللَّهِ. قالوا: جِئنا نسألكَ عن هذا الأمرِ. قال: كان اللَّهُ ولم يكُنْ شيءٌ غيرُه. وكان عَرشُهُ على الماء. وكتبَ في الذكر كلَّ شيء. وخَلَقَ السماواتِ والأرض. فنادَى مُنادٍ: ذهبتْ ناقتُكَ يا بنَ الحصَين. فانطلَقْتُ فإذا هيَ يقطَعُ دونَها السَّراب. فواللهِ لوّدِذْتُ أني كنتُ ترَكتها)). ١١٠ كتاب بدء الخلق / باب ١ وبه قال: (حدّثنا عمر بن حفص بن غياث) بضم العين قال: (حدّثنا أبي) حفص النخعي الكوفي قاضي بغداد أوثق أصحاب الأعمش قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان بن مهران قال: (حدّثنا جامع بن شداد) المحاربي (عن صفوان بن محرز) بضم الميم المازني (أنه حدثه عن عمران بن حصين رضي الله عنهما) أنه (قال: دخلت على النبي ◌َّه وعقلت ناقتي بالباب فأتاه ناس من بني تميم فقال) عليه الصلاة والسلام لهم: (اقبلوا البشرى يا بني تميم) أي اقبلوا مني ما يقتضي أن تبشروا بالجنة من التفقه في الدين (قالوا: قد بشرتنا) للتفقه (فأعطنا مرتين) أي من المال (ثم دخل عليه ناس من أهل اليمن) وهم الأشعريون وسقط قوله أهل لأبي ذر (فقال) عليه الصلاة والسلام لهم: (اقبلوا البشرى يا أهل اليمن إذ لم) ولأبي ذر: إن لم (يقبلها بنو تميم قالوا): قد (قبلنا) ها (يا رسول الله. قالوا: جئناك) بكاف الخطاب مرقومًا عليها علامة الكشميهني وفي الفتح حذفها له وإثباتها لغيره (نسألك) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: لنسألك (عن هذا الأمر) كأنهم سألوه عن أحوال هذا العالم (قال) عليه الصلاة والسلام مجيبًا لهم: (كان الله) في الأزل منفردًا متوحدًا (ولم يكن شيء غيره) وهذا مذهب الأخفش فإنه جوز دخول الواو في خبر كان وأخواتها نحو كان زيد وأبوه قائم على جعل الجملة خبرًا مع الواو أو ولم يكن شيء غيره حال أي كان الله حال كونه لم يكن شيء غيره، وأما ما وقع في بعض الكتب في هذا الحديث كان الله ولا شيء معه وهو الآن على ما عليه كان. فقال ابن تيمية: هذه زيادة ليست في شيء من كتب الحديث (وكان عرشه على الماء). استشكل بأن الجملة الأولى تدل على عدم من سواه والثانية على وجود العرش والماء فالثانية مناقضة للأولى. وأجيب: بأن الواو في وكان بمعنى ثم فليس الثانية من تمام الأولى بل مستقلة بنفسها وكان فيهما بحسب مدخولها ففي الأولى بمعنى الكون الأزلي، وفي الثانية بمعنى الحدوث بعد العدم. وعند الإمام أحمد عن أبي رزين لقيط بن عامر العقيلي أنه قال: يا رسول الله أين كان ربنا قبل أن يخلق السماوات والأرض؟ قال: ((في عماء ما فوقه هواء ثم خلق عرشه على الماء)). ورواه عن يزيد بن هارون عن حماد بن سلمة به ولفظه: أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه وباقيه سواء. وأخرجه الترمذي عن أحمد بن منيع وابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة ومحمد بن الصباح ثلاثتهم عن يزيد بن هارون. وقال الترمذي: حسن. وفي كتاب صفة العرش للحافظ محمد بن عثمان بن أبي شيبة عن بعض السلف أن العرش مخلوق من ياقوتة حمراء بعد ما بين قطريه مسيرة خمسين ألف سنة واتساعه خمسون ألف سنة وبعدما بين العرش إلى الأرض السابعة مسيرة خمسين ألف سنة، وقد ذهب طائفة من أهل الكلام إلى أن العرش فلك مستدير من جميع جوانبه محيط بالعالم من كل جهة وربما سموه الفلك التاسع والفلك الأطلس. قال ابن كثير: وهذا ليس بجيد لأنه قد ثبت في الشرع أن له قوائم تحمله الملائكة ١١١ كتاب بدء الخلق / باب ١ والفلك لا يكون له قوائم ولا يحمل وأيضًا فإن العرش في اللغة عبارة عن السرير الذي للملك وليس هو فلك والقرآن إنما نزل بلغة العرب فهو سرير ذو قوائم تحمله الملائكة وكالقبة على العالم وهو سقف المخلوقات اهـ. وأشار بقوله: ((وكان عرشه على الماء)) إلى أنهما كانا مبدأ العالم لكونهما خلقا قبل كل شيء. وفي حديث أبي رزين العقيلي مرفوعًا عند الإمام أحمد وصححه الترمذي أن الماء خلق قبل العرش وعن ابن عباس كان الماء على متن الريح. وعند الإمام أحمد وابن حبان في صحيحه والحاكم وصححه من حديث أبي هريرة قلت: يا رسول الله إني إذا رأيتك طابت نفسي وقرّت عيني أنبئني عن كل شيء. قال: ((كل شيء خلق من الماء)»، وهذا يدل على أن الماء أصل لجميع المخلوقات وماذتها وأن جميع المخلوقات خلقت منه. وروى ابن جرير وغيره عن ابن عباس أن الله عز وجل كان عرشه على الماء ولم يخلق شيئًا غير ما خلق قبل الماء فلما أراد أن يخلق الخلق أخرج من الماء دخانًا فارتفع فوق الماء فسما عليه فسمي سماء ثم أيبس الماء فجعله أرضًا واحدة ثم فتقها فجعلها سبع أرضين ثم استوى إلى السماء وهي دخان فكان ذلك الدخان من نفس الماء حين تنفس ثم جعلها سماء واحدة ثم فتقها فجعلها سبع سموات. وقال الله تعالى: ﴿والله خلق كل دابة من ماء﴾ [النور: ٤٥]. وقول من قال إن المراد بالماء النطفة التي يخلق منها الحيوانات بعيد لوجهين. أحدهما: أن النطفة لا تسمى ماء مطلقًا بل مقيدًا كقوله: ﴿خُلِقَ من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب﴾ [الطارق: ٦]. والثاني: أن من الحيوانات ما يتولد من غير نطفة كدود الخل والفاكهة فليس كل حيوان مخلوقًا من نطفة، فدل القرآن على أن كل ما يدب وكل ما فيه حياة من الماء ولا ينافي هذا قوله: ﴿والجان خلقناه من قبل من نار السموم﴾ [الحجر: ٢٧]. وقوله عليه الصلاة والسلام: ((خلقت الملائكة من نور)) فقد دلّ ما سبق أن أصل النور والنار الماء ولا يستنكر خلق النار من الماء بانحداره يصير بخارًا والبخار ينقلب هواء والهواء ينقلب نارًا. (وكتب) أي قدر (في) محل (الذكر) وهو اللوح المحفوظ (كل شيء) من الكائنات (وخلق السماوات والأرض فنادى مناد) لم يسم (ذهبت ناقتك يا ابن الحصين فانطلقت) خلفها (فإذا هي يقطع دونها السراب) رفع على الفاعلية وهو بالمهملة الذي تراه نصف النهار كأنه ماء والمعنى فإذا هي يحول بيني وبين رؤيتها السراب (فوالله لوددت) بكسر الدال الأولى (أني كنت تركتها) ولم أقم لأنه قام قبل أن يكمل رسول الله وَ لقول حديثه فتأسف على ما فاته من ذلك. ٣١٩٢ - ورَوَى عيسى عن رقبةً عن قيس بنِ مُسلمٍ عن طارق بنِ شِهابٍ قال: ((سمعتُ عمرَ رضيَ اللهُ عنه يقول: قامَ فينا النبيِّ وَ﴿ مَقامًا، فأخبرَنا عن بَدْءِ الخلقِ حتَّى دَخَلَ أهلُ الجنَّةِ مِنَازِلَهم وأهلُ النار منازِلَهم، حفِظَ ذلك من حَفِظَه، ونَسِيَهُ من نَسِيه)». ١١٢ كتاب بدء الخلق / باب ١ (وروى) ولابن عساكر ورواه (عيسى) هو ابن موسى البخاري بالموحدة والخاء المعجمة التيمي الملقب بغنجار بغين معجمة مضمومة فنون ساكنة فجيم وبعد الألف راء لاحمرار خدّيه المتوفى سنة سبع أو ست وثمانين ومائة وليس له في البخاري إلا هذا الموضع (عن رقبة) بفتح الراء والقاف والموحدة ابن مصقلة بالصاد المهملة والقاف العبدي الكوفي كذا للأكثر وسقط منه رجل بين عيسى ورقبة وهو أبو حمزة محمد بن ميمون السكري كما جزم به أبو مسعود. وقال الطرقي: سقط أبو حمزة من كتاب الفربري وثبت في رواية حماد بن شاكر ولا يعرف لعيسى عن رقبة نفسه شيء، وقد وصله الطبراني من طريق عيسى عن أبي حمزة عن رقبة (عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب) الأحمسي الكوفي أنه (قال: سمعت عمر) بن الخطاب (رضي الله عنه يقول: قام فينا النبي بَّرِ مقامًا) يعني على المنبر (فأخبرنا عن بدء الخلق حتى دخل أهل الجنة منازلهم وأهل النار منازلهم). قال الطيبي: حتى غاية أخبرنا أي أخبرنا مبتدئًا من بدء الخلق حتى انتهى إلى دخول أهل الجنة الجنة ووضع الماضي موضع المضارع للتحقق المستفاد من قول الصادق الأمين ودلّ ذلك على أنه أخبر بجميع أحوال المخلوقات منذ ابتدأت إلى أن تفنى إلى أن تبعث، وهذا من خوارق العادات ففيه تيسير القول الكثير في الزمن القليل. وفي حديث أبي زيد الأنصاري عند أحمد ومسلم قال: صلى بنا رسول الله وَّر صلاة الصبح وصعد المنبر فخطبنا حتى حضرت الظهر ثم نزل فصلى بنا الظهر ثم صعد المنبر فخطبنا ثم العصر كذلك حتى غابت الشمس، فحدّثنا بما كان وما هو كائن فبين في هذا المقام المذكور زمانًا ومكانًا في حديث عمر رضي الله عنه، وأنه كان على المنبر من أول النهار إلى أن غابت الشمس. (حفظ ذلك من حفظه ونسيه) ولأبي ذر: أو نسيه (من نسيه). ٣١٩٣ - حدثنا عبدُ اللَّه بنُ أبي شيبةً عن أبي أحمدَ عن سُفيانَ عن أبي الزناد عنِ الأعرجِ عن أبي هريرةَ رضيَ اللَّه عنه قال: ((قال رسولُ اللَّهِ وَّهِ: قال اللَّهُ تعالى: يشتُمني ابنُ آدَمَ. وما ينبغي لهُ أن يشتُمَني ويكذّبني وما ينبغي له. أما شتمُهُ فقوله: إنَّ لي ولدًا. وأما تكذيبهُ فقوله: ليسَ يُعِيدُني كما بَدَأني)). [الحديث ٣١٩٣- طرفاه في: ٩٤٧٤، ٤٩٧٥]. وبه قال: (حدّثنا) بالجمع ولغير أبي ذر: حدَّثني (عبد اللَّه بن أبي شيبة) هو عبد الله بن محمد بن أبي شيبة واسم أبي شيبة إبراهيم بن عثمان العبسي الكوفي (عن أبي أحمد) محمد بن عبد الله الزبيري الأزدي (عن سفيان) الثوري (عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة رضي الله عنه) أنه (قال: قال رسول الله) ولغير أبي ذر قال النبي (كير): (أُراه) بضم الهمزة أظنه (يقول الله) عز وجل (شتمني) بلفظ الماضي ولابن عساكر بلفظ ١١٣ کتاب بدء الخلق/ باب ١ المضارع ولأبي ذر بدل قوله: أراه الخ ... (قال الله تعالى: يشتمني ابن آدم) بلفظ المضارع المفتوح الأول وكسر التاء والشتم الوصف بما يقتضي النقص (وما ينبغي له أن يشتمني ويكذبني وما ينبغي له). أن يكذبني (أما شتمه فقوله: أن لي ولدًا) لاستلزامه الإمكان المستدعي للحدوث وذلك غاية النقص في حق الباري تعالى عن ذلك علوًا كبيرًا. (وأما تكذيبه فقوله: ليس يعيدني كما بدأني) وهذا قول منكري البعث من عباد الأوثان وهو موضع الترجمة وهو من الأحاديث الآلهيات. ٣١٩٤ - حدثنا قتيبةُ بن سعيدٍ حدَّثنا مُغيرةُ بن عبد الرحمن القُرَشيّ عن أبي الزناد عن الأعرجِ عن أبي هريرةَ رضيَ اللَّهُ عنه قال: قال رسولُ اللَّهِ وَله: «لما قَضى اللَّهُ الخلقَ كتبَ في كتابهِ، فهوَ عندَهُ فوقَ العَرشِ: إِنَّ رَخمتي غلَبَتْ غَضَبي)). [الحديث ٣١٩٤ - أطرافه في: ٧٤٠٤، ٧٤١٢، ٧٤٥٣، ٧٥٥٣، ٧٥٥٤]. وبه قال: (حدَّثنا قتيبة بن سعيد) سقط ابن سعيد لأبي ذر قال: (حدّثنا مغيرة بن عبد الرحمن القرشي عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة رضي الله عنه) أنه (قال: قال رسول الله: ﴿): (لما قضى الله الخلق) أي خلقه كقوله تعالى: ﴿فقضاهن سبع سموات﴾ [فصلت: ١٢]. أو أوجد جنسه. وقال ابن عرفة: قضاء الشيء إحكامه وإمضاؤه والفراغ منه (كتب) أي أمر القلم أن يكتب (في كتابه فهو عنده) أي فعلم ذلك عنده (فوق العرش): مكنونًا عن سائر الخلائق مرفوعًا عن حيز الإدراك ولا تعلق لهذا بما يقع في النفوس من تصوّر المكانية تعالى الله عن صفات المحدثات فإنه المباين عن جميع خلقه المتسلط على كل شيء بقهره وقدرته (إن رحمتي) بكسر الهمزة حكاية لمضمون الكتاب وتفتح بدلاً من كتب (غلبت) وفي رواية شعيب عن أبي الزناد في التوحيد تغلب (غضبي) والمراد من الغضب لازمه وهو إرادة إيصال العذاب إلى من يقع عليه الغضب لأن السبق والغلبة باعتبار التعلق أي تعلق الرحمة غالب سابق على تعلق الغضب لأن الرحمة مقتضى ذاته المقدسة، وأما الغضب فإنه متوقف على سابقة عمل من العبد الحادث. وقال التوربشتي: وفي سبق الرحمة بيان أن قسط الخلق منها أكثر من قسطهم من الغضب وأنها تنالهم من غير استحقاق وأن الغضب لا ينالهم إلا باستحقاق ألا ترى أن الرحمة تشمل الإنسان جنينًا ورضيعًا وفطيمًا وناشئًا من غير أن يصدر منه شيء من الطاعة ولا يلحقه الغضب إلا بعد أن يصدر عنه من المخالفات ما يستحق ذلك. وقال في المصابيح: الغضب إرادة العقاب والرحمة إرادة الثواب والصفات لا توصف بالغلبة ولا يسبق بعضها بعضًا، لكن جاء هذا على الاستعارة ولا يمتنع أن تجعل الرحمة والغضب من صفات الفعل لا الذات فالرحمة هي الثواب والإحسان، والغضب هو الانتقام والعقاب، فتكون الغلبة على بابها أي أن رحمتي أكثر من غضبي فتأمله. إرشاد الساري/ ج ٧ / م ٨ ١١٤ کتاب بدء الخلق/ باب ٢ وقال الطيبي: وهو على وزان قوله تعالى: ﴿كتب على نفسه الرحمة﴾ [الأنعام: ١٢]. أي أوجب وعدًا أن يرحمهم قطعًا بخلاف ما يترتب عليه مقتضى الغضب والعقاب فإن الله تعالى كريم يتجاوز بفضله وأنشد: وإني إذا أوعدته أو وعدته لمخلف إبعادي ومنجز موعدي وفي هذا الحديث تقدم خلق العرش على القلم الذي كتب المقادير وهو مذهب الجمهور، ويؤيده قول أهل اليمن في الحديث السابق لرسول الله وَله: جئنا نسألك عن هذا الأمر فقال: ((كان الله ولم يكن شيء غيره وكان عرشه على الماء)). وقد روى الطبراني في صفة اللوح من حديث ابن عباس مرفوعًا: إن الله خلق لوحًا محفوظًا من درة بيضاء صفحاتها من ياقوتة حمراء قلمه نور وكتابته نور الله في كل يوم ستون وثلاثمائة لحظة يخلق ويرزق ويميت ويحيي ويعز ويذل ويفعل ما شاء. وعند ابن إسحق عن ابن عباس أيضًا قال: في صدر اللوح المحفوظ لا إله إلاّ الله وحده دينه الإسلام ومحمد عبده ورسوله فمن آمن بالله وصدق بوعده واتبع رسله أدخله الجنة. قال: اللوح لوح من درّة بيضاء طوله ما بين السماء والأرض وعرضه ما بين المشرق والمغرب وحافتاه الدر والياقوت ودفتاه ياقوتة حمراء وقلمه نور وأعلاه معقود بالعرش وأصله في حجر ملك. وقال أنس بن مالك وغيره من السلف: اللوح المحفوظ في جبهة إسرافيل. وقال مقاتل: هو عن يمين العرش. وحديث الباب أخرجه مسلم في التوبة والنسائي في النعوت. ٢ - باب ما جاءَ في سَبع أرَضينَ، وقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿اللَّهُ الذي خَلَق سبعَ سمواتٍ ومِنَ الأرضِ مِثْلَهنَّ يَتَنَزَّلُ الأمرُ بينهنَّ لتعلَموا أنَّ اللَّهَ على كلُّ شيءٍ قديرٌ وأنَّ اللَّهَ قد أحاط بكلّ شيءٍ علمًا﴾ [الطلاق: ١٢]. ﴿والسَّقفِ المرفوع﴾: السماءُ. ﴿سَمْكها﴾: بناءها. ﴿الحُبُكُ﴾: استواؤها وحُسنها. ﴿وأذِنَتْ﴾: سمِعَت وأطاعت. ﴿وألْقَت﴾: أخرَجت ما فيها منَ الموتى. ﴿وتَخلَّت﴾ عنهم. ﴿طَحاها) أي دحاها. ﴿بالساهِرة﴾: وجه الأرض، كان فيها الحيوان نومُهم وسهَرُهم (باب ما جاء في) وصف (سبع أرضين) بفتح الراء (وقول الله تعالى): بالجر عطفًا على السابق، ولأبي ذر وابن عساكر سبحانه بدل قوله تعالى: (﴿الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن﴾) في العدد، وفيه دلالة على أن بعضها فوق بعض كالسماوات. وعن بعض المتكلمين أن المثلية في العدد خاصة وأن السبع متجاورة. وقال ابن كثير: ومن حمل ذلك على سبع ١١٥ کتاب بدء الخلق/ باب ٢ أقاليم فقد أبعد النجعة وخالف القرآن، واختلف هل أهل هذه الأرضين يشاهدون السماء ويستمدون الضوء منها؟ فقيل: يشاهدونها من كل جانب من أرضهم ويستمدون الضوء منها، وهذا قول من جعل الأرض مبسوطة وقيل لا وإنما خلق الله تعالى لهم ضياء يشاهدونه وهذا قول من جعل الأرض كرة (﴿يتنزل الأمر بينهن﴾) بالوحي من السماء السابعة إلى الأرض السفلى (﴿لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علمًا﴾) [الطلاق: ١٢] علة لخلق أو ليتنزل وهو يدل على كمال قدرته وعلمه. وقال ابن جرير: حدثنا عمرو بن عليّ ومحمد بن مثنى قالا: حدَّثنا محمد بن جعفر، حدَّثنا شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي الضحى عن ابن عباس في هذه الآية قال: في كل أرض مثل إبراهيم ونحو ما على الأرض من الخلق هكذا أخرجه مختصرًا وإسناده صحيح. وأخرجه الحاكم والبيهقي من طريق عطاء بن السائب عن أبي الضحى مطوّلاً وأوله أي سبع أرضین في كل أرض آدم كآدمكم ونوح كنوحكم وإبراهيم کإبراهيمكم وعیسی کعيساكم ونبيّ كنبيكم. قال البيهقي: إسناده صحيح إلا أنه شاذْ بمرة لا أعلم لأبي الضحى عليه متابعًا اهـ. ففيه أنه لا يلزم من صحة الإسناد صحة المتن كما هو معروف عند أهل هذا الشأن، فقد يصح الإسناد ويكون في المتن شذوذ أو علة تقدح في صحته، ومثل هذا لا يثبت بالحديث الضعيف. وقال في البداية وهذا محمول إن صح نقله على أن ابن عباس أخذه من الإسرائيليات اهـ. وعلى تقدير ثبوته يحتمل أن يكون المعنى ثم من يقتدى به مسمى بهذه الأسماء وهم رسل الرسل الذين يبلغون الجن عن أنبياء الله ويسمى كلٌّ منهم باسم النبي الذي يبلغ عنه. وقال الإمام أحمد: حدَّثنا شريح، حدَّثنا الحكم بن عبد الملك عن قتادة عن الحسن عن أبي هريرة قال: بينما نحن عند رسول الله ولله إذ مرّت سحابة فقال: ((أتدرون ما هذه؟)) قال: قلنا الله ورسوله أعلم. قال: ((العنان وروايا الأرض)) الحديث. وفيه: ثم قال: «أتدرون ما هذه تحتكم؟)) قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: ((أرض أتدرون ما تحتها؟)) قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: ((أرض أخرى)) قال: ((أتدرون كم بينهما؟)) قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: ((مسيرة خمسمائة عام حتى عدّ سبع أرضين)). رواه الترمذي عن عبد بن حميد وغير واحد عن يونس بن محمد المؤدب عن شيبان بن عبد الرحمن عن قتادة قال: حدث الحسن عن أبي هريرة وذكره إلا أنه ذكر أن بُعد ما بين كل أرضين خمسمائة عام. ثم قال: هذا حديث غريب من هذا الوجه. ويروى عن أيوب ويونس بن عبيد وعلي بن زيد أنهم قالوا: لم يسمع الحسن من أبي هريرة. ورواه ابن أبي حاتم في تفسيره من حديث أبي جعفر الرازي عن قتادة عن الحسن عن أبي هريرة فذكر مثل لفظ الترمذي. ورواه ابن جرير في تفسيره عن بسر بن زيد عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة مرسلاً، ولعله ١١٦ کتاب بدء الخلق/ باب ٢ أشبه. ورواه البزار والبيهقي من حديث أبي ذر الغفاري عن النبي ◌َّر بنحوه. قال في البداية: ولا يصح إسناده اهـ. وحكى صاحب مناهج الفكر عن أصحاب الآثار مما نقله عن أهل الكتاب أن الله تعالى لما أراد أن يخلق المكانين خلق جوهرة ذكروا من طولها وعرضها ما لا تعجز القدرة عن إيجاده، ولا يسع الموحد إلّ التمسك بعرى اعتقاده. ثم نظر إليها نظر هيبة فانماعت وعلا عليها من شدة الخوف زبد ودخان فخلق من الزبد الأرض ومن الدخان السماء ثم فتقها سبعًا بعد أن كانت رتقًا وفسروا بهذا قوله تعالى: ﴿ثم استوى إلى السماء وهي دخان﴾ [فصلت: ١١]. واختلف أهل الآثار والقدماء في اللون المرئي للسماء هل هو أصلّ أو عرضيّ؟ فذهب الآثاريون إلى أنه أصلي لحديث: ((ما أظلت الخضراء ولا أقلّت الغبراء)). وزعم رواة الأخبار أن الأرض على ماء، والماء على صخرة، والصخرة على سنام ثور، والثور على كمكم، والكمكم على ظهر حوت، والحوت على الريح، والريح على حجاب ظلمة، والظلمة على الثرى، وإلى الثرى انتهى علم الخلائق. وحكى ابن عبد البر في كتاب القصد والأمم إلى معرفة أنساب الأمم: أن مقدار المعمور من الأرض مائة وعشرون سنة تسعون ليأجوج ومأجوج، واثنا عشر للسودان، وثمانية للروم، وثلاثة للعرب، وسبعة لسائر الأمم اهـ. وقد خلق الله الأرض قبل السماء كما قال تعالى: ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات﴾ [البقرة: ٢٩]. وقال تعالى: ﴿أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين﴾ [فصلت: ٩، ١٠]. ثم قال: ﴿وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدّر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين﴾ أي تتمة أربعة أيام كقولك: سرت من البصرة إلى بغداد في عشر، وإلى الكوفة في خمس عشرة، ثم استوى إلى السماء أي قصد نحوها وهي دخان فقال لها وللأرض: ﴿ائتيا طوعًا أو كرهًا قالتا أتينا طائعين فقضاهن سبع سموات في يومين﴾ [فصلت: ١١، ١٢]. وأما قوله: ﴿أأنتم أشدئ خلقًا أم السماء بناها رفع سمكها فسواها وأغطش ليلها وأخرج ضحاها والأرض بعد ذلك دحاها﴾ [النازعات: ٢٧ - ٣٠]. فأجيب عنه بأن الدحي غير الخلق وهذا بعد خلق السماء. وبقية مباحث هذا تأتي إن شاء الله تعالى في تفسير حم السجدة بعون الله وقوته. وعند الإمام أحمد عن أبي هريرة قال: أخذ رسول الله وَله بيدي فقال: ((خلق الله التربة يوم السبت، وخلق الجبال فيها يوم الأحد، وخلق الشجر فيها يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء. وبثّ الدواب فيها يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل)). وهكذا رواه مسلم، لكن اختلف فيه على ابن جريج وقد تكلم فيه فقال البخاري في تاريخه، وقال بعضهم عن كعب الأحبار وهو أصح يعني أنه مما سمعه أبو هريرة وتلقاه عن كعب فوهم بعض الرواة فجعله مرفوعًا. وفي متنه غرابة شديدة فمن ذلك أنه ليس فيه ذكر خلق السموات وفيه ذكر خلق ١١٧ کتاب بدء الخلق/ باب ٢ الأرض وما فيها في سبعة أيام وهذا خلاف القرآن لأن الأرض خلقت في أربعة أيام ثم خلقت السموات في يومين، ووقع في رواية أبي ذر بعد قوله: ﴿ومن الأرض مثلهن﴾ الآية فحذف بقيتها. (﴿والسقف﴾) بالجر عطفًا على المجرور السابق بواو القسم وهو قوله: ﴿والطور المرفوع﴾ [الطور: ٥]. صفة السقف وهو (السماء) وهذا تفسير مجاهد كما أخرجه عبد بن حميد وابن أبي حاتم وغيرهما من طريق ابن أي نجيح عنهما واختاره ابن جريج، واستدل سفيان بقوله تعالى: ﴿وجعلنا السماء سقفًا محفوظًا﴾ [الأنبياء: ٣٢]. وقال الربيع بن أنس: هو العرش يعني أنه سقف لجميع المخلوقات. (﴿سمكها﴾) [النازعات: ٢٨]. بفتح السين المهملة وسكون الميم أراد به قوله تعالى: ﴿رفع سمكها﴾ أي (بناها) بالمد وهذا تفسير ابن عباس كما أخرجه ابن أبي حاتم وزاد في رواية غير أبي ذر وابن عساکر کان فيها حيوان. (﴿الحبك)) [الذاريات: ٧]. ولأبي ذر وابن عساكر والحبك يريد قوله تعالى: ﴿والسماء ذات الحبك﴾ أي (استواؤها وحسنها) قاله ابن عباس كما أخرجه ابن أبي حاتم. وقال الحسن: حبكت بالنجوم عن ابن عباس أيضًا كما نقله ابن كثير من حسنها أنها مرتفعة شفافة صفيقة شديدة البناء متسعة الأرجاء أنيقة البهاء مكللة بالنجوم الثوابت والسيّارات موشحة بالشمس والقمر والكواكب الزاهرات. وعند الطبري عن عبد الله بن عمرو أن المراد بالسماء هنا السابعة. (﴿وأذنت)) يشير إلى قوله تعالى: ﴿إذا السماء انشقت وأذنت﴾ [الانشقاق: ١]. قال ابن عباس من طريق الضحاك أي (سمعت و) من طريق سعيد بن جبير عنه (أطاعت) رواهما ابن أبي حاتم ((وألقت﴾) [الانشقاق: ٤]. أي (أخرجت ما فيها من الموتى ﴿وتخلت﴾ عنهم) قاله مجاهد وغيره. ((طحاها)) [الشمس: ٦]. قال مجاهد فيما أخرجه عبد بن حميد (دحاها) أي بسطها. (﴿الساهرة﴾) [النازعات: ١٤]. ولأبي ذر: بالساهرة. قال عكرمة فيما أخرجه ابن أبي حاتم (وجه الأرض)، وقال مجاهد: كانوا بأسفلها فأخرجوا إلى أعلاها. وقال ابن عباس: الأرض كلها (كان فيها الحيوان نومهم وسهرهم). وقيل: المراد أرض القيامة، وعن سهل بن سعد الساعدي أرض بيضاء عفراء. وقال الربيع بن أنس: فإذا هم بالساهرة. يقول الله تعالى: ﴿يوم تبدل الأرض غير الأرض﴾ [إبراهيم: ٤٨]. فهي لا تعدّ من هذه الأرض وهي أرض لم يعمل عليها خطيئة ولم يهرق عليها دم. ٣١٩٥ - حدّثنا عليّ بن عبدِ اللَّهِ أخبرنا ابنُ عُلَيَّةَ عن عليّ بنِ المباركِ حدَّثنا يحيى بنُ أبي كثيرٍ عن محمدِ بن إبراهيمَ بن الحرثِ عن أبي سلمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ - وكانت بينهُ وبينَ أُناس خصومةٌ في أرضٍ، فدخل على عائشةَ فذكرَ لها ذلك - فقالت: يا أبا سلمةَ اجتنِبٍ الأرضَ، فإن رسولَ اللَّهِ وَّرِ قال: ((مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِيرِ طُوْقُهُ من سبع أرضين)). وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (أخبرنا) ولابن عساكر: حدَّثنا (ابن علية) ١١٨ کتاب بدء الخلق / باب ٢ بضم العين المهملة وفتح اللام وتشديد التحتية اسم أم إسماعيل بن إبراهيم (عن علي بن المبارك) الهنائي بضم الهاء وتخفيف النون ممدودًا أنه قال: (حدّثنا يحيى بن أبي كثير) بالمثلثة الطائي مولاهم (عن محمد بن إبراهيم بن الحرث) بن خالد التيمي المدني (عن أبي سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف واسمه عبد الله أو إسماعيل (وكانت بينه وبين أناس) بهمزة مضمومة ولابن عساكر: وبين ناس بحذفها ولم يقف الحافظ ابن حجر على أسمائهم لكن في مسلم: وكان بينه وبين قومه (خصومة في أرض فدخل على عائشة) رضي الله عنها (فذكر لها ذلك) بلام قبل الكاف ولأبي ذر: ذاك بإسقاطها (فقالت: يا أبا سلمة اجتنب الأرض) فلا تغصب منها شيئًا (فإن رسول الله واله قال) : (من ظلم قيد شبر) بكسر القاف أي قدر شبر أي من الأرض (طوّقه) بضم الطاء المهملة وكسر الواو المشددة وبالقاف (من سبع أرضين) بفتح الراء أي يوم القيامة ففيه التنصيص على أن الأرضين سبع وهو المراد بالترجمة. وهذا الحديث قد سبق في باب إثم من ظلم شيئًا من الأرض من كتاب المظالم. ٣١٩٦ - حقّثنا بشرُ بن محمدٍ قال: أخبرَنا عبدُ اللَّهِ عن مُوسى بن عُقبةَ عن سالمٍ عن أبيه قال: قال النبيُّ وَّهِ: مَن أخذَ شيئًا منَ الأرضِ بغيرِ حقِّهِ خُسِفَ بهِ يومَ القِيامة إلى سبع أرضينَ)). وبه قال: (حدّثنا بشر بن محمد) بكسر الموحدة وسكون المعجمة المروزي (قال: أخبرنا عبد اللَّه) بن المبارك المروزي (عن موسى بن عقبة) صاحب المغازي (عن سالم عن أبيه) عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما أنه (قال: قال النبي (وَّر): (من أخذ شيئًا) قلّ أو كثر (من الأرض بغير حقه خسف به) أي بالآخذ غصبًا تلك الأرض المغصوبة (يوم القيامة إلى سبع أرضين) فتصير له كالطوق في عنقه بعد أن يطوّله الله تعالى، أو أن هذه الصفات تتنوع لصاحب هذه الجناية على حسب قوّة هذه المفسدة وضعفها فيعذب بعضهم بهذا وبعضهم بهذا. ٣١٩٧ - حدثنا محمدُ بن المثنَّى حدَّثَنا عبدُ الوَهابِ حدَّثنا أيوبُ عن محمد بن سيرِينَ عن ابن أبي بكرةَ رضيَ اللَّهُ عنه عن النبيِّ وَّرِ قال: ((إِنَّ الزّمانَ قدِ استَدارَ كهيئتهِ يومَ خلقَ السماواتِ والأرضَ. السنةُ اثنا عشرَ شهرًا، منها أربعةٌ حُرُم: ثلاثةٌ مُتَواليات - ذو القعدةِ وذو الحجةِ والمحرَّمُ ـ ورجبُ مضرَ الذي بينَ جُمادَی وشعبان)). وبه قال: (حدّثنا محمد بن المثنى) العنزي الزمن قال: (حدّثنا عبد الوهاب) الثقفي قال: (حدّثنا أيوب) السختياني (عن محمد بن سيرين عن ابن أبي بكرة) عبد الرحمن (عن) أبيه (أبي ١١٩ کتاب بدء الخلق/ باب ٢ بكرة) نفيع بن الحرث الثقفي (رضي الله عنه عن النبي (وَلي) أنه (قال): (الزمان) قال التوربشتي: اسم لقليل الوقت وكثيره وأراد به ههنا السنة (قد استداره) أي الله ولأبي الوقت: استدار بحذف الضمير يعني عاد إلى زمنه المخصوص (كهيئته) الهيئة صورة الشيء وشكله وحالته والكاف صفة مصدر محذوف أي استدار استدارة مثل حالته والذي في اليونينية قال: الزمان قد استدار كهيئته (يوم خلق) الله (السموات والأرض) ولأبي ذر: كهيئة بحذف الضمير يوم خلق الله بذكر الفاعل لا إله إلا هو ولابن عساكر والأرضين بالجمع (السنة اثنا عشر شهرًا) جملة مستأنفة مبينة للجملة الأولى، وأراد أن الزمان في انقسامه إلى الأعوام والأشهر عاد إلى أصل الحساب والوضع الذي ابتدأ منه وذلك أن العرب كانوا إذا جاء شهر حرام وهم محاربون أحلوه وحرموا مكانه شهرًا آخر حتى رفضوا خصوص الأشهر واعتبروا مجرد العدد وهو النسيء المذكور في قوله تعالى: (﴿إنما النسيء﴾) أي تأخير حرمة الشهر إلى آخر ﴿زيادة في الكفر﴾ [التوبة: ٣٧]. لأنه تحريم ما أحل الله وتحليل ما حرمه فهو كفر آخر ضموه إلى كفرهم، قيل: أول من أحدث ذلك جنادة بن عوف الكناني كان يقوم على جمل في الموسم فينادي: إن آلهتكم قد أحلت لكم المحرم فأحلوه، ثم ينادي في القابل: إن آلهتكم قد حرمت عليكم المحلل فحرّموه يفعل ذلك كل سنة بعد سنة فينتقل المحرم من شهر إلى شهر حتى جعلوه في جميع شهور السنة، فلما كانت تلك السنة عاد إلى زمنه المخصوص به قبل ودارت السنة كهيئتها الأولى، فاقتضى الدوران أن يكون الحج في ذي الحجة كما شرعه الله تعالى، وقول الزمخشري: وقد وافقت حجة الوداع ذا الحجة وكانت حجة أبي بكر قبلها في ذي القعدة قاله مجاهد. وفيه نظر إذ كيف تصح حجة أبي بكر وقد وقعت في ذي القعدة وأنى هذا وقد قال الله تعالى: ﴿وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر﴾ [التوبة: ٣] الآية. وإنما نودي بذلك في حجة أبي بكر فلو لم تكن في ذي الحجة لما قال تعالى: ﴿يوم الحج الأكبر﴾ قاله ابن كثير. ونقل الحافظ ابن حجر أن يوسف بن عبد الملك زعم في كتابه تفضيل الأزمنة أن هذه المقالة صدرت من النبي ◌َّر في شهر مارس وهو آذار بالرومية وهو برمهات بالقبطية. (منها) أي من السنة (أربعة حرم: ثلاثة) ولابن عساكر ثلاث بحذف التاء لأن الشهر الذي هو واحد الأشهر بمعنى الليالي فاعتبر لذلك تأنيثه (متواليات) هي (ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر) عطف على ثلاث لا على والمحرم وأضافه إلى مضر لأنها كانت تحافظ على تحريمه أشد من محافظة سائر العرب ولم يكن يستحله أحد من العرب (الذي بين جمادى وشعبان) ذكره تأكيدًا وإزاحة للريب الحادث فيه من النسيء، وقيل: الأشبه أنه تأسيس وذلك أنهم كما مرّ كانوا يؤخرون الشهر من موضعه إلى شهر آخر فينتقل عن وقته الحقيقي، فقال بكليقول: ((رجب مضر الذي بين جمادى وشعبان لا رجب الذي هو عندكم وقد أنسأتموه)). قيل: والحكمة في جعل المحرم أول السنة ليحصل الابتداء بشهر حرام والختم بشهر حرام والتوسط بشهر حرام وهو رجب وأما توالي شهرين في الآخر فلإرادة تعضيد الختام والأعمال بخواتيمها. ١٢٠ کتاب بدء الخلق/ باب ٢ وأما مطابقة الحديث للترجمة فقال العيني: تتأتى بالتعسف لأن الأحاديث المذكورة فيها التصريح بسبع أرضين وهنا المذكور لفظ الأرض فقط ولكن المراد منه سبع أرضين أيضًا اهـ. ولا تعسف، فقد سبق في هذا الحديث هنا أن رواية ابن عساكر والأرضين بالجمع قال الحافظ ابن كثير: ومراد البخاري بذكر هذا الحديث هنا تقرير معنى قوله تعالى: ﴿الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن﴾ [الطلاق: ١٢]. أي في العدد كما أن عدة الشهور الآن اثنا عشر شهرًا مطابقة لعدة الشهور عند الله في كتابه الأول فهذه مطابقة في الزمان كما أن تلك مطابقة في المكان. فائدة : السنة مشتملة على ثلاثمائة وأربعة وخمسين يومًا وسدس يوم كذا ذكره صاحب المهذب من الشافعية في الطلاق قالوا: لأن شهرًا منها ثلاثون، وشهرًا تسع وعشرون إلا ذا الحجة فإنه تسع وعشرون يومًا وخمس يوم وسدس يوم، واستشكله بعضهم وقال: لا أدري ما وجه زيادة الخمس والسدس! وصحح بعضهم أن السنة الهلالية ثلاثمائة وخمسة وخمسون يومًا وبه جزم ابن دحية في كتاب التنوير وذلك مقدار قطع البروج الاثني عشر التي ذكرها الله تعالى في كتابه، وسمي العام عامًا لأن الشمس عامت فيه حتى قطعت جملة الفلك لأنها تقطع الفلك كله في السنة مرة وتقطع في كل شهر برجًا من البروج الاثني عشر. قال تعالى: ﴿وكلُّ في فلك يسبحون﴾ [يَس: ٤٠]. وفرق بعضهم بين السنة والعام بأن العام من أول المحرم إلى آخر ذي الحجة والسنة من كل يوم إلى مثله من القابلة. نقله ابن الخباز في شرح اللمع له. وهذا الحديث يأتي بأتم من هذا في حجة الوداع آخر المغازي إن شاء الله تعالى وبالله المستعان . ٣١٩٨ - حدثنا عُبَيدُ بن إسماعيلَ حدَّثنا أبو أسامة عن هشام عن أبيهِ سعيدِ بن زيدٍ بن عمرٍو بن نفيل: ((أنه خاصّمتْهُ أزوَى - في حقِّ زعمتْ أنه انتقصهُ لها - إلى مَروانَ، فقال سعيدٌ: أنا أنتقص من حقها شيئًا؟ أشهَدُ لسمعتُ رسولَ اللَّه وَه يقول: من أخذَ شبرًا منَ الأرض ظلمًا فإنه يُطوَّقهُ يومَ القيامةِ من سبع أرضين)). قال ابنُ أبي الزّنادِ عن هشام عن أبيه قال: قال لي سعيدُ بن زيد: ((دَخلتُ على النبيِّ ◌َِّر ... )). وبه قال: (حدَّثني) بالإفراد ولأبي ذر وابن عساكر حدَّثنا (عبيد بن إسماعيل) بضم العين مصغرًا واسمه في الأصل عبد الله الهباريّ القرشيّ الكوفيّ قال: (حدّثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة (عن هشام عن أبيه) عروة بن الزبير بن العوام (عن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل) بضم النون وفتح الفاء العدوي أحد العشرة المبشرة رضي الله عنهم (أنه خاصمته أروى) بفتح الهمزة وسكون الراء وفتح الواو مقصورًا بنت أبي أوس بالسين المهملة (في حق زعمت أنه انتقصه لها)