Indexed OCR Text

Pages 501-520

٥٠١
کتاب الجهاد والسير/ باب ١٥٧
المسلمين فكأنه حضّهم على ذلك ولو مرة واحدة وإن كان من الكفار فكأنه حذرهم من مكرهم ولو
وقع مرة واحدة فلا ينبغي التهوّن بهم لما ينشأ عنه من المفسدة ولو قلّ.
٣٠٢٧ - حدّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ محمدٍ حدَّثنا عبدُ الرزّاق أخبرَنا مَعْمرٌ عن همّامٍ عن أبي هريرةَ
رضيَ اللَّهُ عنه عنِ النبيِّ نَِّ قال: ((هَلَكَ كِسرَى، ثم لا يكونُ كِسرَى بعدَه. وقيصَرْ ليَهلِكِنَّ، ثم لا
يكون قَيصرٌ بعدَه. ولتُقسَمنَّ كنوزهما في سبيلِ اللَّهِ)). [الحديث ٣٠٢٧ - أطرافه في: ٣١٢٠،
٣٦١٨، ٦٦٣٠].
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن محمد) المسندي (حدّثنا عبد الرزاق) بن همام قال: (أخبرنا
معمر) هو ابن راشد (عن همام) هو ابن منبه (عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ◌َّ-) أنه (قال):
(هلك) أي مات (كسرى) بكسر الكاف وقد تفتح معرب خسرو أي واسع الملك وهو اسم
لكل من ملك الفرس (ثم لا يكون كسرى بعده) بالعراق وفي رواية: إذا هلك كسرى إلخ ... قال
القرطبي: وبين رواية هلك وإذا هلك بون ويمكن الجمع بأن يكون أبو هريرة سمع أحد اللفظين قبل
أن يموت كسرى والآخر بعد موته قال: ويحتمل أن يقع التغاير بالهلاك والموت فقوله: إذا هلك
کسری أي هلك ملکه وارتفع وقوله مات کسری ثم لا يكون كسرى بعده المراد بعد كسرى حقيقة،
والمراد بقوله هلك كسرى تحقق وقوع ذلك حتى عبّر عنه بلفظ الماضي وإن كان لم يقع بعد للمبالغة
في ذلك كما في قوله تعالى: ﴿أتى أمر الله فلا تستعجلوه﴾ [النحل: ١]. (وقيصر) بغير صرف
للعجمة والعلمية ونوّن في الفرع وصحح عليه مبتدأ خبره (ليهلكن) بفتح الياء وكسر اللام الثانية في
الفرع كأصله وقيصر بالتنوين مصحح عليه وفي نسخة ولا قيصر ليهلكن بالصرف بعد النفي لزوال
العلمية بالتنكير (ثم لا يكون قيصر بعده) بالشام. قال إمامنا الشافعي: وسبب الحديث أن قريشًا
كانت تأتي الشام والعراق كثيرًا للتجارة في الجاهلية فلما أسلموا خافوا انقطاع سفرهم إليها لمخالفتهم
بالإسلام فقال عليه الصلاة والسلام: لا كسرى ولا قيصر بعدهما بهذين الإقليمين ولا ضرر عليكم
فلم يكن قيصر بعده بالشام ولا كسرى بالعراق ولا يكون (ولتقسمن كنوزهما) أي مالهما المدفون
وكل ما يجمع ويدّخر وسقطت ميم كنوزهما في الفرع وأصله (في سبيل الله) عز وجل ولتقسمن
بضم المثناة الفوقية وفتح السين والميم وتشديد النون مبنيًّا للمفعول.
٣٠٢٨ - «وسمى الحربَ خدعة)). [الحديث ٣٠٢٨ - طرفه في: ٣٠٢٩].
(وسمى) النبي بَّ (الحرب خدعة) في غزوة الخندق لما بعث نعيم بن مسعود يخذل بين قريش
وغطفان واليهود قاله الواقدي، وتكون بالتورية وبالكمين وبخلف الوعد وذلك من المستثنى الجائز
المخصوص من المحرّم، وقال النووي: اتفقوا على جواز خداع الكفار في الحرب كيفما أمكن إلا أن
یکون فیه نقض عهد أو أمان فلا يجوز.

٥٠٢
کتاب الجهاد والسير/ باب ١٥٨
وهذا الحديث أخرجه مسلم.
٣٠٢٩ - حدثنا أبو بكرِ بنُ أصرَمَ - اسمهُ بُورُ - أخبرنا عبدُ اللَّهِ أخبرَنا مَعمرٌ عن هَمّامِ بنِ
مُنَبِّهِ عن أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنه قال: ((سمّى النبيُّ وَّ الحربَ خدعة».
وبه قال: (حدّثنا أبو بكر بن أصرم) بفتح الهمزة وسكون الصاد وبعد الراء المفتوحة ميم
ولأبي الوقت: أبو بكر بضم الموحدة وبعد الواو الساكنة راء وهو اسمه ولأبي ذر: اسمه بور المروزي
قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك المروزي قال: (أخبرنا معمر) هو ابن راشد (عن همام بن منبه)
بضم الميم وفتح النون وتشديد الموحدة المكسورة (عن أبي هريرة رضي الله عنه) أنه (قال: سمى
النبي ◌َّ) (الحرب خدعة) وهذه طريقة ثانية لحديث أبي هريرة.
٣٠٣٠ - حقثنا صدَقةُ بنُ الفضلِ أخبرنا ابنُ عيينةَ عن عمرٍو سمعَ جابرَ بنَ عبدِ اللهِ رضيَ
اللَّه عنهما قال: قال النبيُّ وَّهِ: ((الحربُ خدعة)).
وبه قال: (حدّثنا صدقة بن الفضل) المروزي قال: (أخبرنا ابن عيينة) سفيان (عن عمرو) هو
ابن دينار أنه (سمع جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال): (قال النبي ◌َّ):
(الحرب خدعة) وفيه كالسابق الإشارة إلى استعمال الرأي في الحرب بل الاحتياج إليه آكد من
الشجاعة.
وهذا الحديث أخرجه مسلم في المغازي وأبو داود والترمذي في الجهاد والنسائي في السير.
١٥٨ - باب الكذب في الحرب
٣٠٣١ - حدثنا قتيبةُ بنُ سعيدٍ حدَّثَنا سفيانُ عن عمرو بنِ دِينارٍ عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ رضيَ
اللَّهُ عنهما أن النبي ◌َّهِ قال: ((مَن لكعبِ بنِ الأشرف، فإنه قد آذَى اللَّهَ ورسولَه؟ قال محمدُ بنُ
مُسلمةَ: أتحب أن أَقتَلَهُ يا رسولَ اللَّهِ؟ قال: نعم. قال فأتاهُ فقال: إن هذا - يعني النبيَّ ◌َّهِ - قد
عَنّانا وسألَنا الصدَقة. قال: وأيضًا واللَّهِ لَتَمَلُنَّهُ. قال: فإنا اتبعناه فنكرَهُ أن نَدَعَهُ حتى ننظر إلى ما
يَصيرُ أمرُه. قال: فلم يَزَل يكلِّمهُ حتى استَمكنَ منه فقتله)).
(باب) حكم (الكذب في الحرب).
وبه قال: (حدثنا قتيبة بن سعيد) البلخي قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن عمرو بن دينار
عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي (وَّفير قال):
(من لكعب بن الأشرف) بالشين المعجمة اليهودي القرظي (فإنه قد آذى الله ورسوله) أي آذى
رسول الله وأذاه لرسول الله هو أذى الله لأنه لا يرضى به (قال محمد بن مسلمة) بفتح الميم واللام

٥٠٣
کتاب الجهاد والسير/ باب ١٥٩
الأنصاري (أتحب أن أقتله)؟ بهمزة الاستفهام وأن مصدرية أي أتحب قتله (يا رسول الله. قال):
(نعم) زاد في رواية الباب اللاحق قال: فائذن لي فأقول قال قد فعلت، وبهذه الزيادة تحصل المطابقة
بين الحديث والترجمة فإنه يدخل فيه الإذن في الكذب تصريحًا وتلويجا.
(قال) جابر (فأتاه) أي فأتى محمد بن مسلمة كعبًا (فقال) له: (إن هذا يعني النبي ◌َّ- قد
عنانا) بفتح العين والنون المشددة أتعبنا بما كلفنا به من الأوامر والنواهي التي فيها تعب لكنه في
مرضاة الله وهذا من التعريض الجائز (وسألنا الصدقة) بفتح اللام والصدقة مفعول ثانٍ أي طلبها منّا
ليضعها مواضعها (قال) كعب: (وأيضًا والله) بعد ذلك (لتمنه). بفتح اللام والفوقية والميم وضم
اللام المشددة أي تزيد ملالتكم وتتضجرون منه أكثر وأزيد من ذلك وسقط لأبي ذر لتملنه (قال)
محمد بن مسلمة: (فإنا قد اتبعناه فنكره أن ندعه حتى ننظر إليه ما يصير أمره قال فلم يزل) محمد بن
مسلمة (يكلمه حتى استمكن منه فقتله) في السنة الثالثة من الهجرة وجاء برأسه إلى رسول الله (وَ لچ،
وفيه تجويز الكذب في الحرب تعريضًا وهل يجوز تصريحًا؟ نعم تضمنت الزيادة المنبه عليها آنفًا
التصريح وأصرح منها ما في الترمذي من حديث أسماء بنت يزيد مرفوعًا: لا يحل الكذب إلا في
ثلاث تحديث الرجل امرأته ليرضيها والكذب في الحرب وفي الإصلاح بين الناس. قال النووي:
الظاهر إباحة حقيقية الكذب في الأمور الثلاثة لكن التعريض أولى. وهذا الحديث قد مرّ في باب
رهن السلاح.
١٥٩ - باب الفَتْكِ بأهلِ الحرب
(باب) جواز (الفتك) بفتح الفاء وسكون الفوقية آخره كاف (بأهل الحرب) أي قتلهم على
غفلة .
٣٠٣٢ - حدثنا عبدُ اللَّهِ بنُ محمدٍ حدّثَنا سفيانُ عن عمروٍ عن جابرٍ عنِ النبيِّ وَِّ قال:
((مَن لكعبِ بنِ الأشرَف؟ فقال محمدُ بن مسلمةَ: أتُحِبُّ أن أقتلَهُ؟ قال: نعم. قال: فَأُذَنْ لي
فأقولَ. قال: قد فعلتُ)).
وبه قال: (حدثني) بالإفراد ولأبي ذر: حدثنا (عبد الله بن محمد) المسندي قال: (حدّثنا
سفيان) بن عيينة (عن عمرو) هو ابن دينار (عن جابر) هو ابن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه
(عن النبي (وَلاي) أنه (قال):
(من لكعب بن الأشرف) زاد في الرواية الأولى فإنه قد آذى الله ورسوله (فقال محمد بن
مسلمة) الأنصاري أخو بني عبد الأشهل: (أتحب أن أقتله) زاد ابن إسحق أنا له يا رسول الله
(قال): (نعم) (قال فائذن لي فأقول) بالنصب أي عني وعنك ما رأيته مصلحة من التعريض وغيره مما
لم يحق باطلاً ولم يبطل حقًّا (قال) عليه الصلاة والسلام: (قد فعلت) أي أذنت.

٥٠٤
كتاب الجهاد والسير/ باب ١٦٠ و ١٦١
وهذا مختصر من الحديث السابق ووجه المطابقة بينه وبين الترجمة من معناه لأن ابن مسلمة غرّ
ابن الأشرف وقتله وهو الفتك على ما تقرر. فإن قلت: كيف قتله بعد أن غرّه؟ فالجواب: لأنه
نقض العهد وأعان على حرب النبي وَلل وهجاه. فإن قلت: كيف أمنه ثم قتله؟ أجيب: بأنه لم
يصرح له بالتأمين وإنما أوهمه وآنسه حتى تمكن من قتله.
١٦٠ - باب ما يجوزُ منَ الاحتيالِ، والحذَر معَ مَن يخشى مَعرَّته
(باب ما يجوز من الاحتيال، والحذر من يخشى) بالتحتية والفوقية (معرته) بفتح الميم والعين
المهملة والراء المشددة والنصب على المفعولية ولأبي ذر تخشى بضم أوّله مبنيًّا للمفعول معرته بالرفع
نائبًا عن الفاعل أي فساده وشرّه.
٣٠٣٣ - قال الليثُ: حدّثني عُقَيلٌ عنِ ابنِ شهابٍ عن سالمٍ بن عبد اللَّهِ عن عبدِ اللهِ بنِ
عمرَ رضيَ اللَّهُ عنهما أنه قال: ((انطَلَقَ رسولُ اللَّهِ بَّهِ ومعهُ أَبِيُّ بَنُ كعبٍ قِبَلَ ابنِ صَيادٍ - فحُدِّثَ
به في نخلٍ - فلما دخلَ عليه رسولُ اللَّهِ وَّهِ النَّخل، طَفِقَ يَتَّقِي بِجُذُوعِ النَّخلِ وابنُ صَيّادٍ فِي قَطِيفَةٍ
لَهُ فيها رَمْرَمة، فرأت أُمُ ابنٍ صيّادٍ رسولَ اللَّهِ وَّهِ فقالت: يا صافِ هذا محمدٌ، فَوَثَبَ ابنُ صيّادٍ،
فقال رسولُ اللَّهِ ﴿: لو تَرَكَتْهُ بَيَّن)).
(قال) ولأبي ذر: وقال (الليث) بن سعد الإمام مما وصله الإسماعيلي (حدّثني) بالإفراد
(عقيل) بضم العين وفتح القاف ابن خالد (عن ابن شهاب) الزهري (عن سالم بن عبد الله عن) أبيه
(عبد الله بن عمر رضي الله عنهما) وسقط لأبي ذر لفظ عبد الله (أنه قال: انطلق رسول الله الفيلم
ومعه أُبيّ بن كعب قبل) بكسر القاف وفتح الموحدة أي جهة (ابن صياد فحدّث به) بضم الحاء وكسر
الدال مبنيًّا للمفعول أي فأخبر بابن صياد والحال أنه (في نخل) بالنون والخاء المعجمة (فلما دخل
عليه رسول الله وَّل في النخل طفق) جعل عليه الصلاة والسلام (يتقي) يخفي نفسه (بجذوع النخل)
حتى لا يراه ابن صياد. قال العيني: وهذا احتيال وحذر لأن أم ابن صياد ممن يخشى معرته (وابن
صياد في قطيفة) كساء له خمل (له فيها) أي لابن صياد في القطيفة (رمرمة) براءين مهملتين وميمين
أي صوت (فرأت أم ابن صياد رسول الله ربيّله فقالت: يا صاف) بكسر الفاء وأوّله صاد مهملة وهو
اسم ابن صياد (هذا محمد فوثب ابن صياد فقال رسول الله وَظله): (لو تركته) أي أمه بحيث لا يعرف
بقدومه ◌َّار (بين) لكم باختلاف كلامه ما يهوّن عليكم أمره ويظهر حاله.
١٦١ - باب الرَّجز في الحَربِ، ورفعِ الصَّوتِ في
حَفرِ الَخَندَق فيهِ سهلٌ وأنَسّ عنِ النبيِّ وَِّ، وفيهِ يزيدُ عن سَلمَة
(باب) إنشاد (الرجز في الحرب و) جاء في (رفع الصوت في حفر الخندق) يوم الأحزاب

٥٠٥
كتاب الجهاد والسير/ باب ١٦٢
(فيه) أي في هذا الباب (سهل) بفتح السين وسكون الهاء ابن سعد الساعدي مما وصله في غزوة
الخندق (وأنس مما سبق موصولاً في حفر الخندق كلاهما (عن النبي ◌َّ﴿) وفيه اللهمّ لا عيش إلاّ
عيش الآخرة (وفيه) أيضًا (يزيد) بن أبي عبيد (عن) مولاه (سلمة) بن الأكوع مما سيأتي في غزوة
خيبر وفيه (اللهم لولا أنت ما اهتدينا).
٣٠٣٤ - حدثنا مُسدَّدٌ حدَّثَنا أبو الأحوَصِ حدَّثَنا أبو إسحقَ عنِ البراءِ رضيَ اللَّهُ عنه قال:
((رأيتُ رسولَ اللَّهِ وَلَهَ يومَ الخندَقِ وهوَ ينقلُ التراب حتى وارَى الترابُ شعرَ صَدرهِ - وكان رِجُلاً
كثيرَ الشعَرِ - وهوَ يَرتجزُ برَجَزِ عبدِ اللَّهِ:
اللهمَّ لولا أنتَ ما اهتدَينا ولا تَصدَّقنا ولا صلَّينا
وثَبِّتِ الأقدامَ إن لاقَينا
فأنزِلَن سَكينةً علينا
إن الأعداءَ قد بَغَوا علينا إذا أرادوا فِتنةً أبينا
یرفَعُ بها صَوتَه)».
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا أبو الأحوص) سلام بن سليم الحنفي
قال: (حدّثنا أبو إسحلق) عمرو بن عبد الله السبيعي (عن البراء) بن عازب (رضي الله عنه) أنه
(قال: رأيت النبي) ولأبي ذر: رأيت رسول الله (رَ ﴿ يوم الخندق وهو ينقل التراب) الواو للحال
(حتى وارى) أي ستر (التراب شعر صدره) الشريف (وكان رجلاً كثير الشعر. وهو يرتجز برجز
عبد الله بن رواحة): الأنصاري البدري النقيب الشاعر، وسقط لأبي ذر عن الكشميهني والحموي
لفظ ابن رواحة (اللهم لولا أنت ما اهتدينا. ولا تصدقنا ولا صلينا).
(فأنزلن سكينة علينا. وثبّت الأقدام إن لاقينا).
(إن الأعداء) بفتح اللام وسكون العين آخره همز ممدود.
(قد بغوا) أي استطالوا (علينا إذا أرادوا فتنة أبينا).
من الإباء وهو الامتناع (يرفع بها صوته). حال من قوله وهو يرتجز.
وهذا الحديث قد سبق في باب حفر الخندق.
١٦٢ - باب مَن لا يَثبُتُ على الخَيلِ
(باب) (من لا يثبت على الخيل).
٣٠٣٥ - حدثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ نُمَيرٍ حدَّثَنا ابنُ إدريسَ عن إسماعيلَ عن قَيسٍ عن
م

٥٠٦
كتاب الجهاد والسير/ باب ١٦٣
جَرِيرٍ رضيَ اللَّهُ عنه قال: ((ما حَجَبَني النبيُّ وَّرِ منذُ أسلمتُ، ولا رآني إلا تَبسمَ في وجهي)).
[الحديث ٣٠٣٥ - طرفاه في: ٣٨٢٢، ٦٠٩٠].
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (محمد بن عبد الله بن نمير) بضم النون وفتح
الميم مصغرًا قال: (حدّثنا ابن إدريس) عبد الله (عن إسماعيل) بن أبي خالد الأحمسي البجلي الكوفي
(عن قيس) هو ابن أبي حازم (عن جرير) هو ابن عبد الله الأحمسي (رضي الله عنه) أنه (قال): (ما
حجبني النبي ◌َّ﴾﴾ أي ما منعني مما التمست منه أو من دخول منزله ولا يلزم منه النظر إلى أمهات
المؤمنين رضي الله عنهن (منذ أسلمت ولا رآني إلاّ تبسم في وجهي) ولأبي ذر عن المستملي في وجهه
وهو التفات من التكلم إلى الغيبة.
٣٠٣٦ - «ولقد شكوتُ إليه أني لا أثبُتُ عَلَى الخيل، فضَربَ بيدهِ في صدري وقال: اللهمَّ
ثَبِّتُهُ واجعَلْهُ هادِیًا مَهدیًّا)).
(ولقد شكوت إليه أني لا أثبت على الخيل فضرب بيده في صدري) لأنه محل القلب ولأبي ذر
عن المستملي في صدره وهو على طريق الالتفات كالسابق (وقال): (اللهم ثبّته واجعله هاديًا) لغيره
حال كونه (مهديًّا) بفتح الميم في نفسه قال ابن بطال فيه تقديم وتأخير لأنه لا يكون هاديًا لغيره إلاّ
بعد أن يهتدي هو فیکون مهدیًّا اهـ.
وأجيب: بأنه حال من الضمير فلا تقديم ولا تأخير وأيضًا فليس هنا صيغة ترتيب.
١٦٣ - باب دواءِ الجرحِ بإحراقٍ الحصیرِ
وغَسلِ المرأةِ عن أبيها الدَّمَ في وَجههِ، وحملِ الماءِ في التُّرس
(باب دواء الجرح) بفتح الجيم (بإحراق الجصير) وحشوه به (وغسل المرأة عن أبيها الدم عن
وجهه وحمل الماء في الترس) لأجل ذلك.
٣٠٣٧ - حدثنا عليَّ بنُ عبدِ اللَّهِ حدَّثَنا سفيانُ حدَّثنا أبو حازم قال: ((سألوا سهلَ بنَ سَعْدٍ
الساعدِيَّ رضيَ اللهُ عنه: بأيّ شيءٍ دُووِي جُرحُ رسولِ اللَّهِ وَ؟ فقال: ما بقيَ أحدٌ منَ الناسِ
أعلمَ بهِ مني، كان عليّ يَجيءُ بالماءِ في تُرسهِ، وكانت - يعني فاطمةَ - تَغِلُ الدمَ عن وَجههِ،
وأُخِذَ حصيرٌ فَأُحرِقَ، ثمَّ حُشِيَ به جُرحُ رسولِ اللَّهِ وَلِ﴾ .
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة قال: (حدّثنا أبو
حازم) سلمة بن دينار الأعرج (قال: سألوا سهل بن سعد الساعدي) الأنصاري (رضي الله عنه بأي
شيء) الجار متعلق بدووي والمجرور للاستفهام (دووي) بواو ساكنة بعد الدال المضمومة ثم واو

٥٠٧
کتاب الجهاد والسير/ باب ١٦٤
أخرى مكسورة على البناء للمفعول من المداواة (جرح رسول الله (#) الذي جرحه بأُحُد (فقال)
سهل: (ما بقي أحد من الناس أعلم به مني) قال ذلك لأنه كان آخر من بقي من الصحابة بالمدينة
(كان عليّ) هو ابن أبي طالب (يجيء بالماء في ترسه وكانت يعني فاطمة) رضي الله عنهما (تغسل الدم
عن وجهه) الشريف (وأخذ حصير) بالواو وضم الهمزة مبنيًّا لما لم يسمّ فاعله كقوله (فأحرق ثم
حشي به جرح رسول الله ◌َي) والفاعل لذلك فاطمة كما وقع التصريح به في الطب.
وهذا الحديث سبق في باب غسل المرأة أباها الدم عن وجهه في الطهارة.
١٦٤ - باب ما يُكرَهُ منَ التنازُعِ
والاختلافِ في الحربِ، وعقوبةٍ مَن عَصى إمامَه
وقال اللَّهُ عزَّ وجلَّ: ﴿ولا تَنازَعوا فَتَفْشَلوا وَتَذْهَبَ ريحُكم﴾ [الأنفال: ٤٦] يعني الحربَ.
قال قتادةُ: الريحُ الحربُ.
(باب ما يكره من التنازع) وهو التخاصم والتجادل (والاختلاف في) المقاتلة في أحوال
(الحرب) بأن يذهب كل واحد منهم إلى رأي (و) بيان (عقوبة من عصى إمامه) أي بالهزيمة. (وقال
الله تعالى): ولأبي ذر: عز وجل بعد أن أمر المؤمنين بالثبات عند ملاقاتهم العدوّ والصبر على
مبارزتهم (﴿ولا تنازعوا﴾) باختلاف الآراء كما فعلتم بأُحُد (﴿فتفشلوا﴾) جواب النهي فتجبنوا من
عدوّكم (﴿وتذهب ريحكم)) [الأنفال: ٤٦] مستعارة للدولة من حيث إنها في نفوذ أمرها مشبهة
بالريح في هبوبها وقيل المراد بها الحقيقة فإن النصرة لا تكون إلا بريح يبعثها الله تعالى وفي الحديث
نصرت بالصبا وأهلکت عاد بالدبور.
(قال قتادة): فيما وصله عبد الرزاق في تفسيره (الريح الحرب). وهو تفسير مجازي وسقط
لأبي ذر قوله وقال قتادة الريح الحرب وثبت له في روايته عن الكشميهني قال يعني الحرب.
٣٠٣٨ - حدثنا يحيى حدَّثَنا وَكيعٌ عن شُعبةَ عن سعيدِ بنِ أبي بُرْدَةً عن أبيهِ عن جدِّهِ: ((أنَّ
النبيَّ وَّرَ بعَثَ مُعاذًا وأبا موسى إلى اليَمنِ قال: يَسْرا ولا تُعسِّرا، وبَشِّرا ولا تُنفِّروا، وتطاوَعا ولا
تختلِفا».
وبه قال: (حدّثنا يحيى) هو ابن جعفر بن أعين البيكندي أو ابن موسى بن عبد الله الختي
بالخاء المعجمة وتشديد الفوقية السختياني البلخي قال: (حدّثنا وكيع) هو ابن الجراح الرؤاسي بضم
الراء فهمزة فمهملة الكوفي (عن شعبة) بن الحجاج (عن سعيد بن أبي بردة) عامر (عن أبيه) أبي بردة
عامر (عن جده) أي جدّ أبي سعيد أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري رضي الله عنه (أن
النبي وَ﴿ بعث معاذًا) هو ابن جبل (وأبا موسى) الأشعري (إلى اليمن) قبل حجة الوداع (قال) لهما:

٥٠٨
كتاب الجهاد والسير/ باب ١٦٤
(يسرا) بفتح المثناة التحتية وتشديد السين المهملة المكسورة أي خذا بما فيه التيسير (ولا تعسرا)
من التعسير وهو التشديد (وبشرا) بالموحدة والشين المعجمة من التبشير وهو إدخال السرور (ولا
تنفرا) من التنفير أي لا تذكرا شيئًا ينهزمون منه ولا تقصدا ما فيه الشدة (وتطاوعا) بفتح الواو تحابا
(ولا تختلفا) فإن الاختلاف يوجب الاختلال ويكون سببًا للهلاك.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في المغازي والأحكام والأدب ومسلم في الأشربة والمغازي
والنسائي في الأشربة والوليمة وابن ماجه في الأشربة.
٣٠٣٩ - حدثنا عمرُو بنُ خالدٍ حدَّثَنَا زُهَيرٌ حدَّثَنا أبو إسحاق قال: سمعتُ البراءَ بنَ عازِبٍ
رضيَ اللَّهُ عنهما يُحدّثُ قال: ((جَعلَ النبيُّ وَّرِ على الرجالةِ يومَ أُحُدٍ - وكانوا خمسينَ رجُلاً .
عبدَ اللَّهِ بنَ جُبيرٍ فقال: إن رأيتُمونا تَخْطفُنا الطَّيرُ فلا تَبَرَحوا مكانكم هذا حتّى أُرسِلَ إليكم، وإن
رأيتُمونا هَزَمْنا القومَ وأوطَأناهم فلا تَبرحوا حتّى أُرسل إليكم. فهزَموهم. قال: فأنا واللَّهِ رأيتُ
النساءَ يَشدُدْنَ، قد بَدَتْ خَلاخِلُهنَّ وأسوقُهنَّ، رافعاتٍ ثيابهنَّ. فقال أصحابُ ابنِ جُبَيرٍ: الغَنيمةَ أي
قوم الغنيمةَ، ظهرَ أصحابُكم فما تنتظرون؟ فقال عبدُ اللَّهِ بنُ جُبِيرٍ: أَنَسِيتم ما قال لكم رسولُ
اللَّهِ وَلَ؟ قالوا: واللَّهِ لنَأتيَنَّ الناس فَلنُصيبَنَّ منَ الغنيمةِ فلما أتَوهُم صُرفَتْ وُجوهُهم، فأقبلوا
مُنهزمينَ، فذاك إذ يَذْعوهُم الرسولُ في أُخراهم، فلم يَبقَ مع النبيِّوَِّ غيرُ اثنَيْ عَشرَ رجُلاً، فأصابوا
منّا سبعين، وكان النبيُّ نَّه وأصحابهُ أصابَ منَ المشركينَ يومَ بَدرٍ أربعينَ ومائةٌ وسبعينَ أسيرًا
وسبعينَ قتيلاً، فقال أبو سفيانَ: أفي القومِ محمدٌ؟ ثلاثَ مراتٍ. فنهاهمُ النبيُّ وَّهِ أن يُجيبوهُ. ثم
قال: أفي القوم ابنُ أبي قُحافةً؟ ثلاثَ مراتٍ. ثم قال: أفي القومِ ابنُ الخَطابِ؟ ثلاثَ مراتٍ ثم
رجَعَ إلى أصحابهِ فقال: أمّا هؤلاء فقد قُتلوا. فما ملكَ عمرُ نفسَهُ فقال: كذَبتَ واللَّهِ يا عدُوَّ اللَّه،
إن الذين عدَدْتَ لأحياءٌ كلُّهم، وقد بَقِيَ لكَ ما يَسوؤُك. قال: يومٌ بيوم بَدر، والحربُ سِجال.
إنكم ستَجِدونَ في القَومِ مُثْلةً لم آمُر بها ولم تَسُؤْني. ثم أخذَ يرْتجِزُ: أُعَلُ هُبَل، أُعل هُبَل. قال
النبي وَّ: ألا تجيبونَه؟ قالوا: يا رسولَ اللَّهِ ما نقولُ؟ قال: قولوا: اللَّهُ أعلى وأجلُّ قال: إن لنا
العُزَّى ولا عُزَّى لكم. فقال النبيُّ وَّ: ألا تجيبونَه؟ قال: قالوا يا رسولَ اللَّهِ ما نقولُ؟ قال:
قولوا: اللَّهُ مَولانا ولا مَولى لكم)). [الحديث ٣٠٣٩ - أطرافه في: ٣٩٨٦، ٤٠٤٣، ٤٠٦٧،
٤٥٦١].
وبه قال: (حدّثنا عمرو بن خالد) بفتح العين الحراني من إفراده قال: (حدّثنا زهير) هو ابن
معاوية قال: (حدّثنا أبو إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي (قال: سمعت البراء بن عازب رضي
الله عنهما) حال كونه (يحدّث قال: جعل النبي ◌َّهر على الرجالة) بفتح الراء والجيم المشددة جمع راجل

٥٠٩
کتاب الجهاد والسير/ باب ١٦٤
على خلاف القياس وهم الذين لا خيل معهم (يوم أُحُد) نصب على الظرفية (وكانوا خمسين رجلاً
عبد الله بن جبير) بضم الجيم وفتح الموحدة الأنصاري استشهد يوم أَحُد وعبد الله نصب بجعل
(فقال) عليه الصلاة والسلام لهم:
(إن رأيتمونا تخطفنا الطير) بفتح الفوقية وسكون الخاء المعجمة وفتح المهملة مخففة لأبي ذر
تخطفنا بفتح الخاء وتشديد الطاء وأصله تتخطفنا بتاءين حذفت إحداهما أي إن رأيتمونا قد زلنا من
مكاننا وولينا منهزمين أو إن قتلنا وأكلت الطير لحومنا (فلا تبرحوا مكانكم هذا حتى أرسل إليكم)
وعند ابن إسحاق قال انضحوا الخيل عنّا بالنبل لا يأتونا من خلفنا (وإن رأيتمونا هزمنا القوم
وأوطأناهم) بهمزة مفتوحة فواو ساكنة فطاء فهمزة ساكنة أي مشينا عليهم وهم قتلى على الأرض (فلا
تبرحوا) أي فلا تزالوا مكانكم (حتى أرسل إليكم). وعند أحمد والحاكم والطبراني من حديث ابن
عباس أن النبي ◌ّير أقامهم في موضع ثم قال احموا ظهورنا فإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا وإن
رأيتمونا قد غنمنا فلا تشركونا (فهزموهم) وللأربعة فهزمهم أي هزم المسلمون الكفار.
(قال) أي البراء (فأنا والله رأيت النساء) المشركات (يتشددن) بمثناة فوقية بعد الشين المعجمة
وكسر الدال الأولى يفتعلن أي يسرعن المشي أو يشتددن على الكفار يقال شد عليه في الحرب أي
حمل عليه ولأبي ذر عن الحموي والمستملي يشددن بإسقاط الفوقية وضم الدال الأولى. وقال عياض
وقع للقابسي في الجهاد يسندن بضم أوله وسكون السين المهملة بعدها مكسورة ودال مهملة أي
يمشين في سند الجبل يردن أن يصعدنه حال كونهن (قد بدت) ظهرت (خلاخلهن) بفتح الخاء وفي
اليونينية بكسرها (وأسوقهن) بضم الواو جمع ساق وضبطه بعضهم بالهمزة لأن الواو إذا انضمت جاز
همزها نحو أدور وأدؤر ليعينهن ذلك على الهرب حال كونهن (رافعات ثيابهن) وسمى ابن إسحق
النساء المذكورات وهن: هند بنت عتبة خرجت مع أبي سفيان، وأم حكيم بنت الحرث بن هشام
خرجت مع زوجها عكرمة بن أبي جهل، وفاطمة بنت الوليد بن المغيرة مع زوجها الحرث بن
هشام، وبرزة بنت مسعود الثقفية مع صفوان بن أمية وهي أم ابن صفوان، وريطة بنت شيبة
السهمية مع زوجها عمرو بن العاصي وهي والدة ابنه عبد الله، وسلافة بنت سعد مع زوجها
طلحة بن أبي طلحة الحجبي، وخناش بنت مالك أم مصعب بن عمير، وعمرة بنت علقمة وعند
غيره كان النساء اللواتي خرجن مع المشركين يوم أُحُد خمس عشرة امرأة وإنما خرجت قريش بنسائها
لأجل الثبات.
(فقال أصحاب عبد الله بن جبير) وهم الرجالة (الغنيمة أي قوم) أي يا قوم (الغنيمة) نصب
على الإغراء فيهما وفي اليونينية الغنيمة مرة واحدة (ظهر) أي غلب (أصحابكم) المؤمنون الكفار (فما
تنتظرون؟ فقال عبد الله بن جبير: أنسيتم ما قال لكم رسول الله وَل﴾﴾؟ والهمزة في أنسيتم
للاستفهام الإنكاري (قالوا: والله لنأتين الناس فلتصيين من الغنيمة. فلما أتوهم صرفت وجوههم)
أي قلبت وحوّلت إلى الموضع الذي جاؤوا منه (فأقبلوا) حال كونهم (منهزمين) عقوبة لعصيانهم قوله

٥١٠
کتاب الجهاد والسير/ باب ١٦٤
عليه الصلاة والسلام لا تبرحوا (فذاك إذ) حين (يدعوهم الرسول في أخراهم) في جماعتهم المتأخرة
إلي عباد الله أنا رسول الله من يكرّ فله الجنة (فلم يبق مع النبي ◌َّ﴿ غير اثني عشر رجلاً) منهم أبو
بكر وعمر وعلي وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام
وأبو عبيدة بن الجراح وحباب بن المنذر وسعد بن معاذ وأسيد بن حضير (فأصابوا منّا) أي من
طائفة من المسلمين ولأبي ذر عن الحموي والمستملي منها (سبعين) منهم حمزة بن عبد المطلب
ومصعب بن عمير (وكان النبي ◌َليزر وأصحابه أصاب) ولأبي ذر عن الكشميهني أصابوا (من
المشركين يوم بدر أربعين ومئة وسبعين أسيرًا وسبعين قتيلاً) سقط قوله قتيلاً من
بعض النسخ (فقال أبو سفيان): صخر بن حرب (أفي القوم محمد ثلاث مرات؟ فنهاهم النبي ◌َّر أن
يجيبوه ثم قال: أفي القوم ابن أبي قحافة) أبو بكر الصديق (ثلاث مرات؟ ثم قال: أفي القوم ابن
الخطاب) عمر (ثلاث مرات)؟ والهمزة في الثلاثة للاستفهام الاستخباري ونهيه عليه الصلاة والسلام
عن إجابة أبي سفيان تصاونًا عن الخوض فيما لا فائدة فيه وعن خصام مثله وكان ابن قميئة قال لهم
قتلته (ثم رجع) أبو سفيان (إلى أصحابه فقال: أما هؤلاء) بتشديد الميم (فقد قتلوا فما ملك عمر
نفسه فقال: كذبت والله يا عدوّ الله، إن الذين عددت لأحياء كلهم) وإنما أجابه بعد النهي حماية
للظن برسول الله ولو أنه قتل وأن بأصحابه الوهن فليس فيه عصيان له في الحقيقة (وقد بقي لك ما
يسوءك) يعني يوم الفتح (قال): أي أبو سفيان (يوم بيوم بدر) أي هذا اليوم في مقابلة يوم بدر
(والحرب سجال) أي دول مرة لهؤلاء ومرة لهؤلاء (إنكم ستجدون في القوم مثلة) بضم الميم
وسكون المثلثة أي أنهم جدعوا أنوفهم وبقروا بطونهم وكان حمزة رضي الله عنه ممن مثل به (لم آمر
بها) يعني أنه لا يأمر بفعل قبيح لا يجلب لفاعله نفعًا (ولم تسؤني) أي لم أكرهها وإن كان وقوعها بغير
أمري وعند ابن إسحاق والله ما سخطت وما نهيت وما أمرت وإنما لم تسؤه لأنهم كانوا أعداء له وقد
كانوا قتلوا ابنه يوم بدر (ثم أخذ يرتجز) بقوله: (أعل هبل أعل هبل) بضم الهمزة وسكون العين
المهملة وهبل بضم الهاء وفتح الموحدة اسم صنم كان في الكعبة أي علا حزبك يا هبل فحذف
حرف النداء (قال) ولأبي الوقت فقال (النبي ◌َّ):
(ألا تجيبوا له) أي لأبي سفيان وتجيبوا بحذف النون بدون ناصب لغة فصيحة ولأبي ذر
والأصيلي ألا تجيبونه بالنون بدل اللام ولأبي ذر ألا تجيبوه بحذف النون (قالوا يا رسول الله ما نقول؟
قال): (قولوا الله أعلى وأجلّ) بقطع همز الله في اليونينية (قال) أبو سفيان: (أن لنا العزى) صنم كان
لهم (ولا عزى لكم. فقال النبي وَّ): (ألا تجيبوا له) باللام ولأبي ذر والأصيلي ألا تجيبونه ولأبي ذر
أيضًا ألا تجيبوه بحذف النون (قال: قالوا يا رسول الله ما نقول؟ قال: قولوا: الله مولانا ولا مولى
لکم) أي الله ناصرنا.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في المغازي والتفسير وأبو داود في الجهاد والنسائي في السير
والتفسير.
1

٥١١
كتاب الجهاد والسير/ باب ١٦٥ و١٦٦
١٦٥ - باب إذا فزعوا بالليل
(باب) بالتنوين (إذا فزعوا بالليل) ينبغي لإمام العسكر أن يكشف الخبر بنفسه أو بمن يندبه
لذلك.
٣٠٤٠ - حدثنا قُتَيبةُ بن سعيدٍ حدَّثَنا حمادٌ عن ثابتٍ عن أنسٍ رضيَ اللَّهُ عنه قال: ((كان
رسولُ اللَّهِ وَل﴿ل أحسنَ الناس، وأجْوَدَ الناس، وأشجعَ الناس. قال وقد فزعَ أهلُ المدينة ليلاً.
سمعوا صوتًا. قال: فتلقاهُمُ النبيُّونَ ﴿ على فَرَسٍ لأبي طلحةَ عُزْىٍ وهوَ متقلْدٌ سيفَهُ فقال: لم
تُراعوا لم تُراعوا. ثم قال رسولُ اللَّهِ وَلَّهِ: وجَدْتَهُ بَحرًا. يَعني الفَرسَ)).
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) الثقفي قال: (حدّثنا حماد) هو ابن زيد (عن ثابت) البناني
(عن أنس رضي الله عنه) أنه (قال: كان رسول الله وَل أحسن الناس وأجود الناس وأشجع الناس
قال): أي أنس (وقد فزع) بكسر الزاي أي خاف (أهل المدينة ليلة) ولأبي ذر عن الكشميهني ليلاً
(سمعوا صوتًا قال) أنس: (فتلقاهم النبي ( #) راجعًا واستبرأ الخبر (على فرس) اسمه المندوب (لأبي
طلحة عري) بضم العين وسكون الراء بغير سرج (وهو متقلد سيفه فقال):
(لم تراعوا لم تراعوا) مرتين أي لا تخافوا خوفًا مستقرًا أو خوفًا يضركم (ثم قال رسول
الله ◌َ﴾): (وجدته بحرًا). بصيغة التوحيد (يعني الفرس) وشبهه به لسعة جريه.
وسبق هذا الحدیث مرارًا.
١٦٦ - باب من رأى العدُوَّ
فنادى بأعلى صوته: يا صباحاه. حتى يُسمِعَ الناس
(باب من رأى العدوّ) وقد أقبل (فنادى بأعلى صوته يا صباحاه) أي أغيثوني وقت الصباح أي
وقت الغارة (حتى يسمع الناس) بضم المثناة التحتية من الإسماع والناس نصب على المفعولية.
٣٠٤١ - حقئنا المكيُّ بنُ إبراهيمَ أخبرنا يزيدُ بنُ أبي عُبيدٍ عن سلمةَ أنهُ أخبرَهُ قال:
(خرجتُ منَ المدينةِ ذاهبًا نحوَ الغابةِ. حتى إذا كنتُ بثَنيةِ الغابةِ لَقِيَني غلامٌ لعبدِ الرحمنِ بنِ
عَوفٍ. قلتُ: ويحَكَ، ما بِك؟ قال: أُخِذَت لِقاحُ النبيِّ وَّهَ. قلت: مَن أخذَها؟ قال: غَطَفانُ
وفَزارةُ. فصرختُ ثلاثَ صرَخاتٍ أسمعتُ ما بينَ لابَتَيها: يا صباحاه، يا صباحاه. ثمَّ اندفَعتُ حتّى
ألقاهم وقد أخذوها، فجعلتُ أرميهم وأقول: أنا ابنُ الأكْوَع، واليوم يومُ الرُّضَّع. فاستَنقَذْتُها منهم
قبلَ أن يَشرَبوا، فأقبلْتُ، فَلَقِيَنِي النبيُّ وَ لَهَ فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، إنَّ القومَ عِطاش، وإني أعجَلتُهم

٥١٢
کتاب الجهاد والسير/ باب ١٦٦
أن يَشربوا سِقيَهم، فابعَثْ في إثرهم. فقال: يا بنَ الأكْوَعِ مَلَكتَ فأسْجِخ، إن القومَ يُقْرَون في
قَومهم)). [الحديث ٣٠٤١ - طرفه في: ٣١٩٤].
وبه قال: (حدّثنا المكي بن إبراهيم) بن بشير بن فرقد البرجمي البلخي قال: (أخبرنا يزيد بن
أبي عبيد) مصغرًا من غير إضافة (عن) مولاه (سلمة) بن الأكوع سنان بن عبد الله أنه (أخبره قال:
خرجت من المدينة) حال كوني (ذاهبًا نحو الغابة) بالغين المعجمة وبعد الألف موحدة وهي على بريد
من المدينة في طريق الشام (حتى إذا كنت بثنية الغابة) هي كالعقبة في الجبل (لقيني غلام
لعبد الرحمن بن عوف) لم يسم الغلام ويحتمل أنه رباح الذي كان يخدم النبي ◌َّ (قلت) له (ويحك
ما بك قال: أخذت) بضم الهمزة آخره مثناة فوقية ساكنة مبنيًّا للمفعول ولأبي ذر عن الحموي
والمستملي أخذ بإسقاط الفوقية (لقاح النبي ◌َ*) بكسر اللام بعدها قاف وبعد الألف حاء مهملة
مرفوع نائبًا عن الفاعل واحدها لقوح وهي الحلوب وكانت عشرين لقحة ترعى بالغابة وكان فيهم
عيينة بن حصن الفزاري (قلت: من أخذها؟ قال: غطفان وفزارة) بفتح الفاء والزاي قبيلتان من
العرب فيها أبو ذر (فصرخت ثلاث صرخات أسمعت ما بين لابتيها) أي لابتي المدينة واللابة الحرة
(يا صباحاه يا صباحاه) مرتين بفتح الصاد والموحدة وبعد الألف حاء مهملة فألف فهاء مضمومة،
وفي الفرع سكونها وكذا في أصله منادى مستغاث والألف للاستغاثة والهاء للسكت، وكأنه نادى
الناس استغاثة بهم في وقت الصباح. وقال ابن المنير: الهاء للندبة وربما سقطت في الوصل، وقد
ثبتت في الرواية فيوقف عليها بالسكون. وقال القرطبي: معناه الإعلام بهذا الأمر المهم الذي دهمهم
في الصباح وهي كلمة يقولها المستغيث. (ثم اندفعت) بسكون العين أسرعت في السير وكان ماشيًا
على رجليه (حتى ألقاهم وقد أخذوها فجعلت أرميهم) بالنبل (وأقول: أنا ابن الأكوع واليوم يوم
الرضع) بضم الراء وتشديد الضاد المعجمة بعدها عين مهملة والرفع فيهما، ولأبي ذر نصب المعرف
أي يوم هلاك اللئام من قولهم لئيم راضع وهو الذي رضع اللؤم من ثدي أمه، وكل من نسب إلى
لؤم فإنه يوصف بالمص والرضاع. وفي المثل: ألأم من راضع، وأصله أن رجلاً من العمالقة طرقه
ضيف ليلاً فمص ضرع شاته لئلا يسمع الضيف صوت الحلب فكثر حتى صار كل لئيم راضعًا سواء
فعل ذلك أو لم يفعله. وقيل: المعنى اليوم يعرف من رضع كريمة فأنجبته أو لئيمة فهجنته أو اليوم
يعرف من أرضعته الحرب من صغره وتدرب بها من غيره. (فاستنقذتها) بالقاف والذال المعجمة
(منهم) أي استخلصت اللقاح من غطفان وفزارة (قبل أن يشربوا) أي الماء (فأقبلت بها) حال كوني
(أسوقها فلقيني النبي ◌َّه) وكان قد خرج عليه الصلاة والسلام إليهم غداة الأربعاء في الحديد متقنعًا
في خمسمائة. وقيل: سبعمائة بعد أن جاء الصريخ ونودي: يا خيل الله اركبي وعقد للمقداد بن
عمرو لواء وقال له: امضٍ حتى تلحقك الخيول وأنا على أثرك.
(فقلت: يا رسول الله إن القوم) يعني غطفان وفزارة (عطاش) بكسر العين المهملة (وإني
أعجلتهم أن يشربوا) مفعول له أي كراهة شربهم (سقيهم) بكسر السين وسكون القاف أي حظهم

٥١٣
کتاب الجهاد والسير/ باب ١٦٧
من الشرب (فابعث في إثرهم) بكسر الهمزة وسكون المثلثة. وعند ابن سعد قال سلمة: فلو بعثتني
في مائة رجل واستنقذت ما بأيديهم من السرح وأخذت بأعناق القوم. (فقال) عليه الصلاة والسلام:
(يا ابن الأكوع ملكت) أي قدرت عليهم فاستعبدتهم وهم في الأصل أحرار (فأسجح)، بهمزة
قطع وسين مهملة ساكنة وبعد الجيم المكسورة حاء مهملة أي فارفق وأحسن بالعفو ولا تأخذ بالشدة
(إن القوم) غطفان وفزارة (يقرون) بضم المثناة التحتية وسكون القاف والواو بينهما راء مفتوحة آخره
نون أي يضافون (في قومهم) يعني أنهم وصلوا إلى غطفان وهم يضيفونهم ويساعدونهم فلا فائدة
في البعث في الأثر لأنهم لحقوا بأصحابهم وزاد ابن سعد فجاء رجل من غطفان فقال: مرّوا على
فلان الغطفاني فنحر لهم جزورًا فلما أخذوا يكشطون جلدها رأوا غبرة فتركوها وخرجوا هرابًا؛
الحديث. وفيه معجزة حيث أخبر عليه الصلاة والسلام بذلك وكان كما قاله. وفي بعض الأصول
من البخاري يقرون بضم الراء مع فتح أوله أي: ارفق بهم فإنهم يضيفون الأضياف فراعى ◌َ و ذلك
لهم رجاء توبتهم وإنابتهم، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: يقرون بفتح أوله وكسر القاف وتشديد
الراء، ولأبي ذر: من قومهم.
وهذا الحديث الثاني عشر من ثلاثيات البخاري، وأخرجه أيضًا في المغازي وكذا مسلم،
وأخرجه النسائي في اليوم والليلة.
١٦٧ - باب من قال: خُذها وأنا ابن فُلان
وقال سَلمةُ: خُذها وأنا ابنُ الأنْوَع.
(باب من قال: خُذها) أي الرمية (وأنا ابن فلان وقال سلمة) في حديثه السابق: (خذها وأنا
ابن الأكوع). المشهور في الرمي بالإصابة عن القوس وهذا على سبيل الفخر وهو منهي عنه إلا في
هذه الحالة لاقتضاء الحال هنا فعله لتخويف الخصم.
٣٠٤٢ - حدّثنا عبيدُ اللَّهِ عن إسرائيلَ عن أبي إسحقَ قال: ((سَألَ رَجُلٌّ البَراء رضيَ اللَّهُ عنه
فقال: يا أبا عُمارةَ، أَوَلَّيتُم يومَ حُنينٍ؟ قال البراءُ وأنا أسمعُ: أمّا رسولُ اللَّهِ وَّهِ لم يُوَلْ يَومَئذٍ،
كان أبو سُفيانَ بنُ الحارث آخِذًا بعِنانِ بَغْلتِهِ، فلما غَشِيَهُ المشركون نزَلَ فجعل يقول: أنا النبيُّ وَله
لا كَذِب، أنا ابنُ عبدِ المطَّلِب. قال: فما رُئِيَ منَ الناسِ يومَئذٍ أشدُ منه».
وبه قال: (حدّثنا عبيد الله) بتصغير العبد ابن موسى بن باذام العبسي الكوفي (عن
إسرائيل) بن يونس (عن) جده (أبي إسحق) عمرو بن عبد الله السبيعي أنه (قال: سأل رجل) من
قيس (البراء) بن عازب (رضي الله عنه فقال: يا أبا عمارة) بضم العين وهي كنية البراء (أوليتم) أي
أدبرتم منهزمين (يوم) غزوة (حنين) والهمزة للاستفهام الاستخباري (قال البراء: وأنا أسمع) هو من
إرشاد الساري/ ج ٦/ م ٣٣

٥١٤
کتاب الجهاد والسير/ باب ١٦٨
قول أبي إسحاق والواو للحال (أما رسول الله ( * لم يول يومئذٍ) لفرط شجاعته وثقته بوعد الله
ورغبته في الشهادة ولقاء ربه، ولا يجوز على نبي الانهزام ومن نسب أحدًا منهم لذلك قتل، وحذف
الفاء من جواب أما في قوله: لم يول قال ابن مالك هو جائز نظمًا ونئرًا يعني فلا يختص بالضرورة.
(وكان أبو سفيان بن الحرث) بن عبد المطلب (آخذًا بعنان بغلته) البيضاء يكفها عن الإسراع به إلى
العدوّ (فلما غشيه المشركون) أي أحاطوا به وَلقر (نزل) عن بغلته (فجعل يقول):
(أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب) بسكون الموحدة فيهما وفيه التنويه بشجاعته ◌َّلتر وثباته
في الحرب وانتسب لجدّه لشهرته في العرب أو لغير ذلك مما سبق. (قال) أي البراء (فما رئي) بضم
الراء وكسر الهمزة وفتح الياء (من الناس يومئذٍ أشد منه) وَلتر.
وقد سبق هذا الحديث في الجهاد في باب من قاد دابة غيره في الحرب.
١٦٨ - باب إذا نزَلَ العدوُّ على حُكم رجُل
هذا (باب) بالتنوين (إذا نزل العدوّ) من المشركين (على حكم رجل) من المسلمين ينفذ إذا
أجازه الإمام.
٣٠٤٣ - حدثنا سليمانُ بنُ حَربٍ حدّثنا شُعبةُ عن سعدِ بنِ إبراهيمَ عن أبي أُمامةَ هوَ ابنُ
سهلٍ بنِ حُنَيفٍ عن أبي سعيدِ الخُدريِّ رضيَ اللَّهُ عنه قال: ((لما نزَلَتْ بنو قُرَيظةً على حُكم سعدٍ
هو ابنُ مُعاذٍ بَعثَ رسولُ اللَّهِ وَ﴿هـ وكان قريبًا منه - فجاءَ على حمارٍ، فلما دَنا قال رسولُ
اللَّهِ وَله: قوموا إلى سيِّدِكم، فجاء فجلسَ إلى رسولِ اللَّهِ وَه، فقال له: إنَّ هؤلاء نزَلوا على
حُكمِكَ. قال: فإني أحكُم أن تُقْتَلَ المقاتِلةُ، ولن تُسبى الذُّرِّية. قال: لقد حكمتَ فيهم بحُكم
المَلِك)). [الحديث ٤٠٤٣ - أطرافه في: ٣٨٠٤، ٤١٢١، ٦٢٦٢].
وبه قال: (حدثنا سليمان بن حرب) الواشحي قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن سعد بن
إبراهيم) بن عبد الرحمن بن عوف القرشي المدني (عن أبي أمامة) بضم الهمزة وفتح الميمين بينهما
ألف سعد (هو ابن سهل بن حنيف) بضم الجاء المهملة وفتح النون مصغرًا الأنصاري (عن أبي
سعيد) سعد بن مالك بن سنان (الخدري) الأنصاري (رضي الله عنه) أنه (قال: لما نزلت بنو قريظة)
القبيلة المشهورة من اليهود من قلعتهم (على حكم سعد) هو ابن معاذ، وكان عليه الصلاة والسلام
فيما ذكره ابن إسحق قد حاصرهم خمسًا وعشرين ليلة وقذف الله في قلوبهم الرعب فأذعنوا أن
ينزلوا على حكم رسول الله وَقير، فحكم فيهم سعد بن معاذ وكان قد رمي في غزوة الخندق بسهم
قطع منه الأكحل فلما نزلت على حكمه (بعث رسول الله وَ ل*) أي في طلبه (وكان) سعد (قريبًا منه)
لأنه عليه الصلاة والسلام قد جعله في خيمة رفيدة الأسلمية ليعوده من قريب في مرضه الذي أصابه

٥١٥
كتاب الجهاد والسير/ باب ١٦٩
من تلك الرمية (فجاء) ومعه قومه من الأنصار (على حمار) وقد وطؤوا له بوسادة من أدم وأحاطوا به
في طريقهم يقولون له أحسن في مواليك فقال لهم: لقد آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم
وكان رجلاً جسيمًا (فلما دنا) أي قرب من رسول الله وَّ﴿ (قال رسول الله (ضميرٍ):
(قوموا إلى سيدكم) فقاموا إليه وأنزلوه (فجاء) سعد (فجلس إلى رسول الله ( * فقال له) عليه
الصلاة والسلام: (إن هؤلاء) اليهود من بني قريظة (نزلوا على حكمك) فيهم (قال) سعد (فإني
أحكم) فيهم (أن تقتل) الطائفة (المقاتلة) منهم وهم الرجال (وأن تسبى الذرية) أي النساء والصبيان
(قال) عليه السلام: (لقد حكمت فيهم بحكم الملك) بكسر اللام أي بحكم الله. ونقل القاضي
عياض أن بعضهم ضبطه في البخاري بكسر اللام وفتحها فإن صح الفتح فالمراد به جبريل يعني
بالحكم الذي جاء به الملك عن الله، وعورض بأنه لم ينقل نزول ملك في ذلك بشيء ولو نزل بشيء
اتبع وترك الاجتهاد، وبأنه ورد في بعض ألفاظ الصحيح قضيت بحكم الله. نعم ورد في غير
البخاري مما ذكره بعضهم أنه قال في حكم سعد بذلك طرقني الملك سحرًا. قال ابن المنير: ويستفاد
من هذا الحديث لزوم حكم المحكم برضا الخصمين سواء كان في أمور الحرب أو غيرها وهو رد على
الخوارج الذين أنكروا التحكيم على عليّ رضي الله عنه، وفيه أيضًا تصحيح القول بأن المصيب واحد
وأن المجتهد ربما أخطأ ولا حرج عليه ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: ((لقد حكمت بحكم الملك))
فدل ذلك على أن حكم الله في الواقعة متقرر فمن أصابه فقد أصاب الحق ولولا ذلك لم يكن لسعد
مزية في الصواب لا يقال كانت المسألة قطعية والمسائل القطعية لله فيها حكم واحد لأنّا نقول: بل
كانت اجتهادية ظنية، ولهذا كان رأي الأنصار أن يعفى عن اليهود خلافًا لسعد وما كان الأنصار
ليتفق أكثرهم على خلاف الصواب قطعًا، وفيه جواز الاجتهاد في زمنه عليه الصلاة والسلام
وبحضرته فكيف بعد وفاته؟ وفيه أنه يسوغ للإمام الأعظم إذا كانت له حكومة في نفسه أن يولي نائبًا
يحكم بينه وبين خصمه للضرورة وينفذ ذلك على خصمه إذا كان عدلاً ولا يقدح فيه أنه حكم له
وهو نائبه نقله في المصابيح.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في فضائل سعد والاستئذان والمغازي ومسلم في المغازي، وأبو
داود في الأدب، والنسائي في المناقب والسِّيَر والفضائل.
١٦٩ - باب قتل الأسيرِ، وقتلِ الصَّبر
(باب) حكم (قتل الأسير، وقتل الصبر) بأن يمسك ذو روح ثم يرمى بشيء حتى يموت.
وفي الحديث: النهي عن قتل شيء من الدواب صبرًا، وللكشميهني: قتل الأسير صبرًا بزيادة صبرًا.
بعد الأسير وحذف قوله وقتل الصبر وهي أخصر والصبر لغة الحبس وإذا شدت يدا رجل ورجلاه
وأمسكه آخر وضرب عنقه يقال قتل صبرًا.

٥١٦
کتاب الجهاد والسير/ باب ١٧٠
٣٠٤٤ - حدثنا إسماعيلُ قال: حدَّثني مالكٌ عنِ ابنِ شِهابٍ عن أنسٍ بنِ مالكٍ رضيَ اللَّهُ
عنه: أنَّ رسولَ اللَّهِ بَ له دخلَ عامَ الفتحِ وعلى رأسه المِغْفَر، فلما نزَعه جاءَ رجُلٌ فقال: إنَّ ابنَ
خَطَلٍ مُتعلِّقٌ بأستار الكعبة، فقال: اقْتُلوه)).
وبه قال: (حذّثنا إسماعيل) بن أبي أويس (قال: حدّثني) بالإفراد (مالك) الإمام (عن ابن
شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله وَ ﴿ دخل) مكة
(عام الفتح وعلى رأسه المغفر) بكسر الميم وسكون الغين المعجمة وبعد الفاء المفتوحة راء زرد ينسج
من الدروع على قدر الرأس يلبس تحت القلنسوة (فلما نزعه جاء رجل) هو أبو برزة الأسلمي
(فقال): يا رسول الله (إن ابن خطل) بفتح الخاء المعجمة والطاء والمهملة آخره لام اسمه عبد الله أو
عبد العزى (متعلق بأستار الكعبة فقال) عليه الصلاة والسلام:
(اقتلوه) لأنه ارتد عن الإسلام وقتل مسلمًا كان يخدمه وكان يهجو النبي ◌َّلهو وله قينتان تغنيان
بهجاء المسلمين فابتدره سعيد بن حريث أو أبو برزة أو الزبير بن العوام أو سعد بن ذؤيب أو
تعاونوا كلهم على قتله، وهذا مخصص لقوله عليه الصلاة والسلام ((من دخل المسجد فهو آمن)) وفيه
جواز إقامة الحد والقصاص بمكة خلافًا لأبي حنيفة، وتأول الحديث بأنه قتل ابن خطل في الساعة
التي أبيحت له. وأجاب أصحابنا: بأنها إنما أبيحت ساعة الدخول حتى استولى عليها، وإنما قتل
ابن خطل بعد ذلك لأنه وقع بعد نزع المغفر.
وهذا الحديث قد مرّ في باب دخول الحرم ومكة بغير إحرام في أواخر كتاب الحج.
١٧٠ - باب هل يستأسِرُ الرجُلُ؟
ومَن لم يَسْتأسِرْ، ومن ركَع ركعتَينِ عندَ القتل
هذا (باب) بالتنوين (هل يستأسر الرجل)؟ أي هل يسلم نفسه للأسر أم لا؟ (و) بيان حكم
(من لم يستأسر) أي لم يسلم نفسه للأسر (ومن ركع) ولأبي ذر: من صلى (ركعتين عند القتل).
٣٠٤٥ - حدثنا أبو اليَمانِ أخبرَنا شُعيبٌ عن الزُّهريِّ قال: أخبرَني عمرُو بنُ أبي سفيانَ بنِ
أسيدٍ بنِ جاريةَ الثّقَفيَّ - وهو حَلِيفٌ لبني زهرةَ، وكان من أصحابٍ أبي هريرة - أنَّ أبا هريرةَ
رضيَ اللَّهُ عنه قال: ((بَعثَ رسولُ اللَّهِ وَّهِ عَشرةَ رَهطٍ سَرِيةٌ عَينًا، وأمَّرَ عليهم عاصمَ بنَ ثابتٍ
الأنصاريَّ - جَدَّ عاصمِ بنِ عمرَ بنِ الخطابِ - فانطَلَقوا، حتّى إذا كانوا بالهَدأةِ - وهو بينَ عُسْفَانَ
ومكةَ - ذُكِروا لِحيِّ من هُذيل يقال لهم بنو لِخيانَ، فَتَفَروا لهم قريبًا من مائتي رجلٍ كلُهم رامِ،
فاقتَصُوا آثارَهُم حتّى وجَدوا مَأكّلهم تَمرًا تزَوَّدوهُ من المدينة، فقالوا: هذا تمرُ يَثْرِبَ، فاقتَصْوا

٥١٧
کتاب الجهاد والسير/ باب ١٧٠
آثارَهم، فلما رآهم عاصمٌ وأصحابهُ لجؤوا إلى فَدْفَدٍ، وأحاطَ بهمُ القومُ، فقالوا لهم: انزلوا
وأعطُونا بأيديكم، ولكُم العَهدُ والميثاقُ ولا نقتلُ منكم أحَدًا. فقال عاصمُ بن ثابتٍ أميرُ السَّرِيةِ:
أمّا أنا فواللَّهِ لا أُنزِلُ اليومَ في ذمةٍ كافر، اللهمَّ أخبر عنّا نبيَّك، فرمَوهم بالنّبْل، فقتلوا عاصمًا في
سبعةٍ. فنزَّلَ إليهم ثلاثةُ رهطٍ بالعهدِ والميثاق، منهم خُبِيبٌ الأنصاريُّ وابنُ دَئِنةَ ورجلٌ آخر، فلما
استمكنوا منهم أطلقوا أوتارَ قِسِيُّهم فأوثقوهم، فقال الرجلُ الثالثُ: هذا أوَّلُ الغدرِ، واللَّهِ لا
أصحبُهم، إنَّ لي في هُؤُلاء لأسوةً - يُريدُ القَتلى - وجَرَّروهُ وعالجوهُ على أن يَصحَبهم فأبى،
فقتلوهُ، فانطَلقوا بخُبَيْبٍ وابن دَثِنَةَ حتّى باعوهما بمكةَ بعدَ وَقيعةٍ بدرٍ، فابتاعَ خُبَيْبًا بنو الحارثِ بنِ
عامٍ بنِ نوفلٍ بنِ عبدِ مَنافٍ، وكان خُبِيبٌ هو قَتْلَ الحارثَ بنَ عامٍ يومَ بَدٍ، فَلَبِثَ خُبِيبٌ عندَهم
أسِيرًا فأخبرني عبيدُ اللَّهِ بنُ عِياضٍ أنَّ بنتَ الحارثِ أخبرَته أنهم حينَ اجتمعوا استَعارَ منها مُوسى
يَستحِدُّ بها فأعارَتْهُ، فأخذَ ابنًا لي وأنا غافلةٌ حين أتاهُ، قالت: فوجَدْتَهُ مُجْلِسَهُ على فخذِهِ والموسى
بيدهِ، ففَزِعتُ فزْعةً عرَفَها خُبِيبٌ في وجهي، فقال: تَخْشينَ أن أقتُلَهُ؟ ما كنتُ لأفعلَ ذُلك. واللَّهِ
ما رأيتُ أسيرًا قطُ خيرًا من خُبَيْب، واللَّهِ لقد وَجدْتَهُ يومًا يأكلُ من قِطْفِ عِنَبٍ في يدهِ وإنه لموثَقٌ
في الحديدِ وما بمكةَ مِن ثمّرٍ. وكانت تقولُ إنه لرِزْقٌ منَ اللَّهِ رَزَقَهُ خُبَيْبًا. فلما خَرَجوا منَ الحَرَم
ليَقتُلوهُ في الحِلِّ قال لهم خُبَيبٌ: ذُروني أركَعْ رَكَعَتَين. ثمَّ قال: لولا أن تَظُنُّوا أن ما بي جَزَعُ
لطوّلتُها، اللهمَّ أحصِهِمْ عدَدًا:
ولستُ أُبالي حِينَ أُقتَلِ مُسلِمًا على أيُّ شِقّ كان للَّهِ مَصْرَعي
وذلك في ذاتِ الإلهِ، وإن يَشأ يُبارِكْ على أوصالٍ شِلْو مُمزَّع
فقَتَلَهُ ابنُ الحارث، فكانَ خُبِيبٌ هوَ سَنَّ الرَّكعَتَين لكلِّ امرىء مُسلم قُتِلَ صَبرًا. فاستجابَ
اللَّهُ لعاصمِ بنِ ثابتٍ يومَ أُصِيبَ، فأخبرَ النبيُّ وَلَ أصحابَهُ خبرَهم وما أُصِيبوا، وبَعثَ ناسّ من
كفارٍ قُرَيشٍ إلى عاصمِ حينَ حُدِّثوا أنه قُتِلَ ليُؤْتَوا بشيءٍ منهُ يُعرَف، وكان قد قَتَلَ رجُلاً من
عُظِمائهم يومَ بَدْرٍ، فَبُعِثَ على عاصمِ مثلُ الظُلةِ منَ الدِّبْرِ، فحمَتْهَ مِن رسولهم، فلم يقدروا على
أن يقْطَعوا مِن لحمهِ شيئًا)). [الحديث ٣٠٤٥ - أطرافه في: ٣٩٨٩، ٤٠٨٦، ٧٤٠٢].
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن
الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (قال: أخبرني) بالإفراد (عمرو بن أبي سفيان) بفتح العين
وسكون الميم (ابن أسيد بن جارية) بفتح الهمزة وكسر السين المهملة وجارية بالجيم (الثقفي وهو
حليف لبني زهرة) بضم الزاي وسكون الهاء (وكان من أصحاب أبي هريرة أن أبا هريرة رضي الله
عنه قال: بعث رسول الله وَل#) لما قدم عليه بعد أُحُد رهط من عضل والقارة فقالوا: يا رسول الله إن

٥١٨
كتاب الجهاد والسير/ باب ١٧٠
فينا إسلامًا فابعث معنا نفرًا من أصحابك يفقهوننا (عشرة رهط) ما دون العشرة من الرجال ولا
يكون فيهم امرأة (سرية) نصب على البيان (عينًا) أي جاسوسًا وانتصابه بدل من سرية. وعند ابن
إسحاق أنهم كانوا ستة نفر من أصحابه وهم: مرثد بن أبي مرثد الغنوي حليف حمزة بن
عبد المطلب، وخالد بن البكير الليثي حليف بني عديّ، وعاصم بن ثابت بن أبي الأقلح،
وخبيب بن عدي، وزيد بن الدثنة، وعبد الله بن طارق. وما في الصحيح أصح وقد عدّ فيهم
مغيث بن عبيد البلوي حليف الأنصار (وأمّر عليهم عاصم بن ثابت) أي ابن أبي الأقلح (الأنصاري
جدّ عاصم بن عمر بن الخطاب) لأمه لأن أم عاصم بن عمر هي بنت عاصم بن ثابت واسمها جميلة
بفتح الجيم. وقال مصعب الزهري: إنما هو خال عاصم لا جدّه لأن عاصم بن عمر بن الخطاب
أمه جميلة بنت ثابت بن أبي الأقلح أخت عاصم بن ثابت وكان اسمها عاصية. قال الكرماني: وعليه
الأكثر وسقط قوله ابن الخطاب لغير أبي ذر، وعند ابن إسحق وأمّر عليهم مرثد بن أبي مرثد وما في
الصحيح أصح.
(فانطلقوا) أي الرهط العشرة (حتى إذا كانوا بالهدأة) بفتح الهاء وسكون الدال المهملة وفتح
الهمزة، ولغير الكشميهني: بالهدأة بفتح الدال وقد تحذف الهمزة (وهو) موضع (بين عسفان) بضم
العين وسكون السين (ومكة ذكروا) بضم المعجمة وكسر الكاف مبنيًّا للمفعول (لحي من هذيل) بضم
الهاء وفتح الذال المعجمة (يقال لهم بنو لحيان) بكسر اللام، وحكى فتحها وسكون الحاء المهملة وهو
ابن هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر وعند الدمياطي أنهم بقايا جرهم (لا فنفروا لهم) بتشديد
الفاء وفي اليونينية بتخفيفها أي استنجدوا لأجلهم (قريبًا) بالنصب على المفعولية، وفي نسخة: فنفروا
بتخفيف الفاء قريبًا بالنصب بنزع الخافض، وفي أخرى: فنفروا بالتخفيف أيضًا قريب بالرفع أي
خرج إليهم قريب ولأبي الوقت: فنفذوا بذال معجمة بدل الراء (من مائتي رجل كلهم رام) بالنبل
(فاقتصوا) أي اتبعوا (آثارهم حتى وجدوا مأكلهم تمرّا) اسم مكان نصب بتقدير الجار على حَدّ رميت
مرمى زيد وتمرًا نصب مفعول وجدوا (تزودوه من المدينة) صفة لتمرًا (فقالوا: هذا تمر يثرب فاقتصوا
آثارهم فلما رآهم عاصم) أمير السرية (وأصحابه لجؤوا) بالجيم أي استندوا (إلى فدفد) بفاءين
مفتوحتين بينهما دال مهملة ساكنة وآخره دال مهملة أيضًا رابية مشرفة (وأحاط بهم القوم فقالوا لهم:
انزلوا وأعطونا) بهمزة قطع (بأيديكم ولكم العهد والميثاق ولا نقتل منكم أحدًا. قال) ولأبي ذر فقال
(عاصم بن ثابت أمير السرية: أما أنا فوالله لا أنزل اليوم في ذمة كافر) أي في عهده (اللهم أخبر عنّا
نبيّك) وَ# (فرموهم) أي رمى الكفار المسلمين (بالنبل) بفتح النون وسكون الموحدة بالسهام العربية
(فقتلوا عاصمًا) أمير السرية (في) جملة (سبعة) من العشرة، وعند ابن إسحق أنهم كانوا ستة نفر كما
مر وأنهم قتلوا منهم ثلاثة وأسروا ثلاثة (فنزل إليهم ثلاثة رهط بالعهد والميثاق منهم: خبيب) بضم
الخاء المعجمة وفتح الموحدة الأولى بينهما تحتية ساكنة ابن عدي (الأنصاري) الأوسي، (وابن دثنة)
بفتح الدال المهملة وكسر المثلثة وفتحها وفتح النون زيد بن معاوية بن عبيد الأنصاري البياضي،

٥١٩
كتاب الجهاد والسير/ باب ١٧٠
(ورجل آخر) هو عبد الله بن طارق البلوي حليف بني ظفر من الأنصار كما عند ابن هشام في
السيرة (فلما استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قسيّهم فأوثقوهم) بها (فقال الرجل الثالث): وهو
عبد الله بن طارق (هذا أول الغدر والله لا أصحبكم إن في هؤلاء) ولأبي ذر: إن لي في هؤلاء
(الأسوة) بالنصب اسم إن أي اقتداء (يريد القتلى) عاصمًا والستة (فجرّروه) بفتح الراء الأولى المشددة
ولأبي ذر عن الحموي والمستملي وجرروه بالواو بدل الفاء (وعالجوه على أن يصحبهم) إلى مكة (فأبى)
أي فامتنع من الرواح معهم (فقتلوه) بمرّ الظهران فقبره هناك، (فانطلقوا بخبيب وابن دثنة حتى
باعوهما بمكة بعد وقعة بدر) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: وقيعة بدر بكسر القاف ومثناة تحتية
ساكنة. قال الكرماني وقوله بعد وقعة بدر متعلق بقوله بعث رسول الله وَلو إذ الكل كان بعده إلا
البيع فقط أي المذكور في قوله (فابتاع) أي فاشترى (خبيبًا بنو الحرث بن عامر بن نوفل بن عبد
مناف) وهم عقبة وأبو سروعة وأخوهما لأمهما حجر بن أبي إهاب، واشترى ابن دثنة صفوان بن
أمية بضم الهمزة منهم وقتله بمكة بأبيه كما عند ابن إسحق (وكان خبيب هو قتل الحرث بن عامر
يوم بدر) فأخْروه عندهم حتى تنقضي الأشهر الحرم (فلبث خبيب عندهم أسيرًا).
قال ابن شهاب الزهري: (فأخبرني) بالإفراد (عبيد الله) بضم العين مصغرًا (ابن عياض) بكسر
العين المهملة وتخفيف التحتية وبعد الألف ضاد معجمة القباري من القارة (أن بنت الحرث) اسمها
زينب كما عند خلف في الأطراف (أخبرته أنهم حين اجتمعوا) أي لقتله (استعار منها موسى) بعدم
الصرف لأنه على وزن فعلى وبه على أنه على وزن مفعل على خلاف بين الصرفيين والذي في
اليونينية الصرف (يستحدّ بها) أي يحلق بها شعر عانته لئلا يظهر عند قتله (فأعارته) قالت: (فأخذ)
خبيب (ابنًا لي و) الحال (أنا غافلة حين أتاه) ولأبي ذر: حتى (وكان اسم ابنها) هذا أبا الحسين بن
الحرث بن عدي بن نوفل بن عبد مناف وهو جد عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي الحسين المكي
المحدث من أقران الزهري. (قالت: فوجدته مجلسه) بضم الميم وسكون الجيم وكسر اللام أي الصبيّ
(على فخذه) بالخاء والذال المعجمة (و) الحال أن (الموسى بيده) بيد خبيب (ففزعت) بكسر الزاي
وسكون العين (فزعة) بفتح الفاء وسكون الزاي (عرفها خبيب في وجهي فقال: تخشين أن أقتله)
بحذف همزة الاستفهام (ما كنت لأفعل ذلك) وعند ابن سعد: ما كنت لأغدر (والله) أي: قالت
بنت الحرث والله (ما رأيت أسيرًا قطّ خيرًا من خبيب، والله لقد وجدته يومًا يأكل من قطف عنب)
بكسر القاف وسكون الطاء أي عنقود عنب (في يده و) الحال (إنه لموثق) بفتح المثلثة أي لمقيد (في
الحديد و) الحال أن (ما بمكة من ثمر) بفتح المثلثة والميم (وكانت تقول: إنه الرزق من الله رزقه
خبيبًا) وهذه كرامة جعلها الله تعالى لخبيب آية على الكفار وبرهانًا لنبيه وَل# وتصحيحًا لرسالته عند
الكافرة وأهل بلدها الكفار والكرامة ثابتة للأولياء عند أهل السُّنّة والفرق بينها وبين المعجزة التحدي
كما هو مقرر في موضعه. (فلما خرجوا) بخبيب (من الحرم ليقتلوه في الحل قال لهم خبيب:
ذروني) أي اتركوني (اركع ركعتين فتركوه فركع ركعتين) وعند ابن سعد أنه ركعهما في موضع

٥٢٠
كتاب الجهاد والسير/ باب ١٧٠
مسجد التنعيم (ثم قال: لولا أن تظنوا أن ما بي جزع) أي من القتل (لطولتها) يعني الصلاة. وفي
نسخة: لطولتهما أي الركعتين وهو جواب لولا. والظاهر أنه سقط من النسخة التي شرح عليها
الكرماني فقدره بنحو: لزدت على ركعتين أو لأطلتهما بعد أن صرح بحذفه (اللهم أحصهم عددًا) أي
عمهم بالهلاك، وزاد موسى بن عقبة: ولا تبق منهم أحدًا واقتلهم بددًا بفتح الموحدة يعني متفرقين
فلم يحل الحول ومنهم أحد حيّ وقال خبيب بعد فراغه من الدعاء عليهم: (ما أبالي)، ولأبي ذر عن
الكشميهني: وما أن أبالي، وله أيضًا عن الحموي والمستملي: ولست أبالي (حين أقتل مسلمًا - على
أيّ شق) بكسر الشين المعجمة وفي المغازي على أيّ جنب (كان لله مصرعي).
أي مطرحي على الأرض.
(وذلك) أي قتلي (في ذات الإلله) أي في وجه الله وطلب ثوابه (وإن يشأ - يبارك على أوصال
شلو) بكسر الشين المعجمة وسكون اللام أي أوصال جسد (مزع) بضم الميم الأولى وفتح الثانية
والزاي المشددة وبعدها عين مهملة أي مقطع مفرق وهذان البيتان من قصيدة أولها :
لقد جمع الأحزاب حولي وألبوا قبائلهم واستجمعوا كل مجمع
وقد قربوا أبناءهم ونساءهم وقربت من جذع طويل ممنع
ساقها ابن إسحق ثلاثة عشر بيتًا تأتي إن شاء الله تعالى في السير بعون الله.
وقال ابن هشام: أكثر أهل العلم بالشعر ينكرها لخبيب (فقتله ابن الحرث) عقبة بالتنعيم وصلبه
ثم، وقيل بل قتله أبو سروعة بكسر السين المهملة وفتحها عقبة بن الحرث بن عامر بن نوفل كما
رواه أبو داود الطيالسي وغيره (فكان خبيب هو سن الركعتين لكل امرىء مسلم قتل صبرًا) أي
مصبورًا محبوسًا للقتل، وإنما صار فعل خبيب سنّة لأنه فعل في حياة الشارع ◌َّر واستحسنه، وقد
صلى هاتين الركعتين زيد بن حارثة مولاه عليه الصلاة والسلام في حياته عليه الصلاة والسلام لما
أراد رجل قتله كما رويناه من طريق السهيلي بسنده إلى الليث بن سعد بلاغًا عنه (فاستجاب
لعاصم بن ثابت) أمير السرية دعاءه (يوم أصيب) حيث قال: اللهم أخبر عنا نبيك (فأخبر النبي وَله
أصحابه خبرهم وما أصيبوا) أي مع ما جرى عليهم (وبعث ناس من كفار قريش إلى عاصم) أمير
السرية (حين حدثوا) بضم الحاء المهملة وكسر الدال أي حين أخبروا (أنه قتل ليؤتوا) بفتح التاء
(بشيء منه) نحو رأسه (يعرف) به (وكان) أي عاصم (قد قتل رجلاً من عظمائهم يوم) وقعة (بدر)
وهو عقبة بن أبي معيط (فبعث على عاصم مثل) بضم الموحدة وكسر العين المهملة مبنيًّا للمفعول
ومثل بالرفع نائبًا عن الفاعل، ولأبي ذر عن المستملي: فبعث الله على عاصم مثل نصب على المفعولية
(الظلة) بضم المعجمة وتشديد اللام أي السحابة المظلة (من الدبر) بفتح الدال المهملة وإسكان الموحدة
ذكور النحل أو الزنابير (فحمته) أي حفظته (من رسولهم فلم يقدروا على أن يقطع) ولأبي ذر عن
الحموي والمستملي: أن يقطعوا (من لحمه شيئًا) ولأبي ذر عن الكشميهني: فلم يقدر بضم أوله وفتح