Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
كتاب الكفالة/ باب ١
شهيدًا فقلت كفى بالله شهيدًا فرضي بك) ولأبي ذر عن الكشميهني: فرضي بذلك. وقال العيني
كالحافظ ابن حجر قوله فرضي بذلك للكشميهني ولغيره فرضي به أي بالهاء، وفي رواية الإسماعيلي
فرضي بك أي بالکاف انتهى.
والذي في الفرع وغيره من الأصول المعتمدة التي وقفت عليها بك لغير الكشميهني وبذلك له
على أن في المتن الذي ساقه العيني بك بالكاف في الموضعين فالله أعلم.
(وإني جهدت) بفتح الجيم والهاء (أن أجد مركبًا أبعث إليه الذي له) في ذمتي (فلم أقدر) على
تحصيلها (وإني أستودعكها) بكسر الدال وضم العين ولأبوي ذر والوقت استودعتكها بفتح الدال
وسكون العين وبعدها مثناة فوقية (فرمى بها في البحر حتى ولجت فيه) بتخفيف اللام أي دخلت في
البحر (ثم انصرف وهو) أي والحال أنه (في ذلك يلتمس) أي يطلب (مركبًا يخرج إلى بلده) أي إلى
بلد الذي أسلفه (فخرج الرجل الذي كان أسلفه) حال كونه (ينظر لعل مركبًا قد جاء بماله) الذي
أسلفه للرجل (فإذا بالخشبة التي فيها المال فأخذها لأهله) يجعلها (حطبًا) للإيقاد (فلما نشرها) أي
قطعها بالمنشار (وجد المال) الذي له (والصحيفة) التي كتبها الرجل إليه بذلك (ثم قدم) الرجل (الذي
كان أسلفه فأتى بالألف دينار) ذكر ابن مالك فيه ثلاثة أوجه.
أحدها: أن يكون أراد بالألف ألف دينار على البدل وحذف المضاف وأبقى المضاف إليه على
حاله من الجر. قال ابن الدماميني المضاف هنا مجرور فلِمَ لم يقل أن المضاف إليه أقيم مقام المضاف.
الثاني: أن يكون أصله بالألف الدينار ثم حذف من الخط لصيرورتها بالإدغام دالاً فكتبت على
اللفظ. قال في مصابيح الجامع: لكن الرواية بتنوين دينار ولو ثبت عدم تنوينه برواية معتبرة تعين
هذا الوجه وكثيرًا ما يعتمد هو وغيره التوجيه باعتبار الخط ويلغون تحقيق الرواية .
الثالث: أن يكون الألف مضافًا إلى دينار والألف واللام زائدتان فلم يمنعا الإضافة ذكره أبو
علي الفارسي.
(فقال) بالفاء ولأبي الوقت: وقال للذي أسلفه (والله ما زلت جاهدًا في طلب مركب لآتيك
بمالك فما وجدت مركبًا قبل الذي أتيت فيه قال) الذي أسلفه (هل كنت بعثت إلي بشيء)
وللحموي والمستملي: إلّ شيئًا (قال أخبرك أني لم أجد مركبًا قبل الذي جئت فيه) وللحموي
والمستملي: جئت به (قال فإن الله قد أدى عنك) المال (الذي) وللحموي والمستملي: التي أي الألف
التي (بعثت) بها أو به (في الخشبة) ولأبوي الوقت وذر عن الكشميهني: بعثت والخشبة نصب على
المفعولية (فانصرف) بكسر الراء والجزم على الأمر (بالألف الدينار) التي أتيت بها صحبتك حال
كونك (راشدًا) قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسم هذا الرجل لكن رأيت في مسند الصحابة
الذين نزلوا مصر لمحمد بن الربيع الجيزي بإسناد له فيه مجهول عن عبد الله بن عمرو بن العاصي
يرفعه أن رجلاً جاء إلى النجاشي فقال أسلفني ألف دينار إلى أجل فقال من الحميل بك قال الله

٢٦٢
کتاب الكفالة/ باب ٢
فأعطاه الألف دينار فضرب بها الرجل أي سافر بها في تجارة، فلما بلغ الأجل أراد الخروج إليه
فحبسه الريح فعمل تابوتًا فذكر الحديث نحو حديث أبي هريرة فاستفدنا منه أن الذي أقرض هو
النجاشي فيجوز أن تكون نسبته إلى بني إسرائيل بطريق الاتباع لهم لا أنه من نسلهم انتهى.
وتعقبه العيني فقال هذا الكلام في البعد إلى حدّ السقوط لأن السائل والمسؤول منه كلاهما من
بني إسرائيل على ما صرّح به ظاهر الكلام وبين الحبشة وبين بني إسرائيل بعد عظيم في النسبة وفي
الأرض، ويبعد أن يكون ذلك الانتساب إلى بني إسرائيل بطريق الاتباع وهذا يأباه من له نظر تام في
تصرفه في وجوه معاني الكلام على أن الحديث المذكور ضعيف لا يعمل به انتهى.
وأجاب في انتقاض الاعتراض بأن المراد بالاتباع الاتباع في الدين فيستوي بعيد الأرض
وقريبها وبعيد النسب وقريبه وكان جمع من أهل اليمن دخلوا في دين بني إسرائيل وهي اليهودية ثم
دخل من يقابل أهل اليمن من الحبشة في دين بني إسرائيل أيضًا وهي النصرانية وكان النجاشي ممن
تحقق ذلك الدين ودان به قبل التبديل والملك لما بلغه دعوة الإسلام بادر إلى الإجابة لما عنده من العلم
حتى قال لما سمع قوله تعالى: ﴿إنما المسيح عيسى ابن مريم﴾ [النساء: ١٧١] الآية لا يزيد عيسى
على هذا.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا مختصرًا في الاستقرار واللقطة والاستئذان والشروط وسبق في البيع
والزكاة .
٢ - باب قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿والذينَ عاقَدَتْ أيمانكم فَآتُوهم نصيبَهم﴾
(باب قول الله تعالى: ﴿والذين عاقدت أيمانكم﴾) مبتدأ ضمن معنى الشرط فوقع خبره مع
الفاء وهو قوله: (﴿فآتوهم نصيبهم﴾﴾ [النساء: ٣٣] ويجوز أن يكون منصوبًا على قولك زيدًا فاضربه
ويجوز أن يعطف على الولدان ويكون الضمير في فآتوهم للموالي، والمراد بالذين عاقدت أيمانكم
موالي الموالاة كان الرجل يعاقد الرجل فيقول دمي دمك وثأري ثأرك وحربي حربك وسلمي سلمك
وترثني وأرثك وتطلب بي وأطلب بك وتعقل عني وأعقل عنك فيكون للحليف السدس من ميراث
الحليف فنسخ بقوله تعالى: ﴿وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض﴾ [الأحزاب: ٦] ووجه دخول هذا
الباب هنا كما قاله ابن المنير أن الحلف كان في أول الإسلام يقتضي استحقاق الميراث فهو مال أوجبه
عقد التزام على وجه التبرع فلزم وكذلك الكفالة إنما هي التزام مال بغير عوض تطوّعًا فلزم.
٢٢٩٢ - حدثنا الصَّلْتُ بنُ محمدٍ حدَّثَنا أبو أُسامةَ عن إدريسَ عن طلحةَ بنِ مُصرّفٍ عن
سعيدِ بنِ جُبَيرٍ عنِ ابنِ عبّاسٍ رضيَ اللَّهُ عنهما: ﴿ولِكلِّ جَعَلْنَا مَوالِيَ﴾ قال: ورثة ﴿والَّذِينَ
عاقَدَتْ أيمانُكم﴾ قال: كان المُهاجِرون لما قدِموا المدينةَ يَرِثُ المهاجِرُ الأنصاريّ
دونَ ذوي رَحِمهِ، للأخوَّةِ التي آخى النبيُّ ◌َِّ بِينَهم، فلمّا نَزَلَتْ ﴿ولِكلِّ جَعَلْنَا مَوالِيَ﴾ نَسَخَتْ.

٢٦٣
كتاب الكفالة/ باب ٢
ثم قال: ﴿والذينَ عاقَدَتْ أيمانُكم﴾ إلا النصر والرِّفادةَ والنصيحةَ - وقد ذَهبَ المِيراثُ - ويوصى
له)). [الحديث ٢٢٩٢ - طرفاه في: ٤٥٨٠، ٦٧٤٧].
وبه قال (حدّثنا الصلت بن محمد) بفتح الصاد المهملة وسكون اللام آخره مثناة فوقية ابن
عبد الرحمن الخاركي بخاء معجمة البصري قال: (حدّثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة (عن إدريس) بن
يزيد من الزيادة ابن عبد الرحمن الأودي بفتح الهمزة وسكون الواو وبالدال المهملة (عن طلحة بن
مصرف) بكسر الراء المشددة ابن عمرو بن كعب اليامي بالتحتية الكوفي (عن سعيد بن جبير عن ابن
عباس رضي الله عنهما) أنه قال في قوله تعالى: (﴿ولكلِّ جعلنا موالي﴾) [النساء: ٣٣] (قال): تفسير
موالي (ورثة) وبه قال مجاهد وقتادة وزيد بن سلم والسدي والضحاك ومقاتل بن حيان (﴿والذين
عاقدت أيمانكم)) أي عاقدت ذوو أيمانكم ذوي أيمانهم، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي عقدت بغير
ألف أسند الفعل إلى الإيمان وحذف المفعول أي عقدت أيمانكم عهودهم فحذف العهود وأقيم
الضمير المضاف إليه مقامه كما حذف في الأولى.
(قال) أي ابن عباس (كان المهاجرون لما قدموا) زاد أبو ذر على النبي وَ لّر (المدينة يرث) فعل
مضارع ولأبي ذر عن الكشميهني: ورث (المهاجر الأنصاري دون ذوي رحمه) أقربائه (للأخوة التي
آخى النبي ◌َّ﴿ بينهم) بين المهاجرين والأنصار (فلما نزلت ﴿ولكلِّ جعلنا موالي﴾ نسخت) أي آية
الموالي آية المعاقدة (ثم قال) ابن عباس في قوله تعالى (﴿والذين عاقدت أيمانكم) إلا النصر والرفادة)
بكسر الراء أي المعاونة (والنصيحة) مستثنى من الأحكام المقدرة في الآية المنسوخة أي نسخت تلك
الآية حكم نصيب الإرث لا النصر وما بعده، والاستثناء منقطع أي لكن النصر باقٍ ثابت (وقد ذهب
الميراث) بين المعاقدين (ويوصى له) بفتح الصاد مبنيًّا للمفعول والضمير للذي كان يرث بالأخوة
وهذا الحديث أخرجه البخاري في التفسير والفرائض وأبو داود والنسائي جميعًا في الفرائض.
٢٢٩٣ - حدّثنا قُتَيبة حدَّثَنا إسماعيل بنُ جعفرٍ عن حُميدٍ عن أنس رضيَ اللهُ عنهُ قال: ((قَدِمَ
علينا عبدُ الرحمنِ بنُ عَوفٍ، فَآخى رسولُ اللَّهِ وَلَّهِ بَينَهُ وبينَ سعدِ بنِ الرَّبيع)).
وبه قال: (حدّثنا قتيبة) بن سعيد قال: (حدّثنا إسماعيل بن جعفر) الأنصاري الزرقي أبو
إسحق القاري (عن حميد) الطويل (عن أنس رضي الله عنه) أنه (قال: قدم علينا عبد الرحمن بن
عوف) الزهري أحد العشرة رضي الله عنه (فَآخى رسول الله وَّر بينه وبين سعد بن الربيع)
الأنصاري الخزرجي أحد نقباء الأنصار.
وهذا حديث مختصر من حديث طويل سبق في البيوع والغرض منه إثبات الحلف في
الإسلام.

٢٦٤
کتاب الكفالة/ باب ٣
٢٢٩٤ - حدثنا محمدُ بنُ الصبّاحِ حدَّثنا إسماعيلُ بنُ زكريّاءَ حدَّثَنا عاصمٌ قال: ((قلتُ
لأَنَس رضيَ اللَّهُ عنه: أبلَغَكَ أنَّ النبيَّ وَ لَّ قال: لا حِلْفَ في الإسلام؟ فقال: قد حالفَ النبيُّ وَل
بين قُرَيشٍ والأنصارِ في داري)). [الحديث ٢٢٩٤ - طرفاه في: ٦٠٨٣، ٧٣٤٠].
وبه قال: (حدّثنا) بالجمع ولأبي ذر: حدّثني (محمد بن الصباح) بالمهملة والموحدة المشددة
وبعد الألف حاء مهملة الدولابي البغدادي قال: (حدّثنا إسماعيل بن زكريا) الخلقاني بالخاء المعجمة
المضمومة واللام الساكنة بعدها قاف وبعد الألف نون الكوفي قال: (حدّثنا عاصم) هو ابن سليمان
المعروف بالأحول (قال: قلت لأنس) ولأبي ذر زيادة ابن مالك (رضي الله عنه أبلغك) بهمزة
الاستفهام الاستخباري (أن النبي وَ ير قال):
(لا حلف) بكسر الحاء المهملة وسكون اللام آخره فاء أي لا عهد (في الإسلام) على الأشياء
التي كانوا يتعاهدون عليها في الجاهلية (فقال) أنس له (قد حالف) آخى (النبي ◌َّ بين قريش
والأنصار في داري) أي بالمدينة على الحق والنصرة والأخذ على يد الظالم كما قال ابن عباس رضي
الله عنهما إلا النصر والنصيحة والرفادة ويوصى له وقد ذهب الميراث.
وهذا الحديث أخرجه المؤلف أيضًا في الاعتصام ومسلم في الفضائل وأبو داود في الفرائض.
٣ - باب من تكفَّل عن ميتٍ دَيئًا فليسَ لهُ أن يَرجِعَ وبهِ قال الحسنُ
(باب من تكفل عن ميت دينًا فليس له أن يرجع) عن الكفالة لأنها لازمة له واستقر الحق في
ذمته (وبه) أي بعدم الرجوع (قال الحسن) البصري وهو قول الجمهور.
٢٢٩٥ - حدثنا أبو عاصم عن يزيدَ بنِ أبي عُبَيدِ عن سَلمةَ بنِ الأكْوَعِ رضيَ اللَّهُ عنه «أنَّ
النبيَّ وَ أُتِيَ بِجَنازةٍ ليُصَلِّيَ عليها فقال: هل عليهِ من دَينٍ؟ قالوا: لا، فصلَّى عليه. ثمَّ أُتَيَ بجَنازةٍ
أُخرىُ فقال: هل عليهِ من دَين؟ قالوا: نعم، قال: صلُّوا على صاحِبكم. قال أبو قتادةَ: عليَّ دَينهُ
يا رسولَ اللَّهِ، فصلَّی علیه».
وبه قال: (حدّثنا أبو عاصم) الضحاك النبيل الشيباني البصري (عن يزيد بن أبي عبيد) بضم
العين مصغرًا من غير إضافة الأسلمي مولى سلمة بن الأكوع (عن سلمة بن الأكوع) هو ابن
عمرو بن الأكوع (رضي الله عنه أن النبي وَلّ أَتَيَ بجنازة) بضم الهمزة (ليصلي عليها فقال):
(هل عليه) أي الميت (من دين. فقالوا: لا. فصلى عليه) زاد في باب: إن أحال دين
الميت على رجل جاز قال: (ثم أتي بجنازة أخرى فقال: هل عليه من دين؟ قالوا نعم)
عليه دين زاد في الرواية السابقة ثلاثة دنانير (قال: صلوا) ولأبي ذر: فصلوا (على
صاحبكم. قال أبو قتادة) الحرث بن ربعي الأنصاري (علّ دينه) ولابن ماجة: أنا أتكفل به (يا رسول

٢٦٥
كتاب الكفالة/ باب ٣
الله فصلى عليه) صلوات الله وسلامه عليه واقتصر في هذه الطريق على اثنين من الأموات الثلاثة
المذكورة في الرواية السابقة.
ووجه المطابقة هنا أنه لو كان لأبي قتادة أن يرجع لما صلى عليه النبي وَّ حتى يوفي أبو قتادة
الدين لاحتمال أن يرجع فيكون قد صلى على مدیان دينه باقٍ عليه فدل على أنه ليس له أن يرجع.
٢٢٩٦ - حدثنا عليُّ بنُ عبدِ اللهِ حدَّثَنا سُفيانُ حدَّثَنا عمرٌو سمعَ محمد بن عليٍّ عن
جابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ رضيَ اللهُ عنهم قال: ((قال النبيُّ وَّهَ: لو قد جاءَ مالُ البَحْرِينِ قد أعطيتُكَ هكذا
وهكذا، فلم يَجىءُ مالُ البَحرينِ حتى قُبِضَ النبيُّ ◌ََّ، فلما جاءَ مالُ البحرين أمرَ أبو بكرٍ فنادَى:
مَن كان له عندَ النبيِّ وَ عِدَةٌ أو دَيْنٌ فَلْيأْتِنا، فأتيتُهُ فقلت: إنَّ النبي ◌َّ قال لي كذا وكذا، فحَثى
لي حثيةً، فعدَذْتُها، فإذا هيَ خَمسُمائةٍ وقال: خُذْ مِثْلَيها)). [الحديث ٢٢٩٦ - أطرافه في:
٢٥٩٨، ٢٦٨٣، ٣١٢٧، ٣١٦٤، ٤٣٨٣].
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة قال: (حدّثنا عمرو)
هو ابن دينار أنه (سمع محمد بن علي) أي ابن الحسين بن علي بن أبي طالب (عن جابر بن عبد الله)
الأنصارى (رضي الله عنهم) أنه (قال: قال النبي وَلّر: لو قد جاء مال البحرين) موضع بين البصرة
وعمان أي لو تحقق المجيء (قد أعطيتك هكذا وهكذا) زاد في غير رواية أبي الوقت وهكذا زاد في
الشهادات فبسط يديه ثلاث مرات فيه اقتران الماضي الواقع جوابًا (للو)) بقد. قال ابن هشام وهو
غريب كقول جرير :
لو شئت قد نقع الفؤاد بشربة تدع الصوادي لا يجدن غليلا
يقال: نقع الماء العطش سكنه والذي وقع هنا يؤيده كحديث ابن عباس عند البخاري في
باب: رجم الحبلى من الزنا الذي فيه ذكر البيعة بعد وفاة النبي وَله. قال عبد الرحمن بن عوف: لو
رأيت رجلاً أتى أمير المؤمنين فقال: يا أمير المؤمنين هل لك في فلان يقول لو قد مات عمر لقد
بايعت فلانًا ففيه كالذي قبله ورود جواب لو وشرطها جميعًا مقترنين بقد، وفلان المشار إليه بالبيعة
هو طلحة بن عبيد كما في فوائد البغوي (فلم يجىء مال البحرين حتى قبض النبي وَلّ، فلما جاء
مال البحرين أمر أبو بكر الصديق رضي الله عنه رجلاً (فنادى من كان له عند النبي ◌َّ عدة) أي
وعد (أو دين فليأتنا) قال جابر: (فأتيته فقلت) له: (إن النبي ◌َّ قال لي كذا وكذا فحثا لي) أبو بكر
رضي الله عنه (حثية) بفتح الحاء المهملة وبالثاء المثلثة فيهما. قال ابن قتيبة: هي الحفنة. وقال ابن
فارس ملء الكفّين (فعددتها فإذا هي خمسمائة وقال: خذ مثليها) أي مثلي خمسمائة فاجملة ألف
وخمسمائة وذلك لأن جابرًا لما قال: إن النبي ◌َّ﴾ قال لي كذا وكذا ثلاث مرات حثا له أبو بكر حثية

٢٦٦
كتاب الكفالة/ باب ٤
فجاءت خمسمائة فقال خذ مثليها لتصير ثلاث مرات كما وعده ◌ّل#9 وكان من خلقه الوفاء بالوعد،
فنفذه أبو بكر بعد وفاته عليه الصلاة والسلام.
ومطابقته للترجمة من جهة أن أبا بكر رضي الله عنه لما قام مقام النبي ◌َّ و تكفل بما كان عليه
من واجب أو تطوع، فلما التزم لزمه أن يوفي جميع ما عليه من دين أو عدّة.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الخمس والمغازي والشهادات ومسلم في فضائل النبي مَثّر.
٤ - باب جِوارِ أبي بكرٍ في عهدِ النبيِّ ◌ٌَّ وعَقْدِه
(باب جوار أبي بكر) الصديق رضي الله عنه أي أمانه قال تعالى: ﴿وإن أحد من المشركين
استجارك فأجره﴾ [التوبة: ٦] أي أمنه وجيم جوار بالكسر ويجوز الضم (في عهد النبي ومصير) أي في
زمنه (وعقده) أي وعقد أبي بكر.
٢٢٩٧ - حدثنا يحيى بنِ بُكيرِ حدَّثَنا الليثُ عن عُقَيلٍ قال ابنُ شهابٍ فأخبرَني عُروةُ بنُ
الزُّبِيرِ أنَّ عائشةَ رضيَ اللَّهُ عنها زوجَ النبيِّ ◌َّ قالت: ((لم أعقِلْ أبويَّ إلاّ وهما يَدينانِ الدِّينَ)).
وقال أبو صالح حدَّثني عبدُ اللَّهِ عن يونسَ عن الزُّهريِّ قال: أخبرَني ◌ُروةُ بنُ الزُّبَيرِ أنَّ عائشةَ
رضيَ اللَّهُ عنها قالت: ((لم أعقِلْ أبَويَّ قطُ إلاّ وهما يَدينانِ الدِّينَ، ولم يَمُرَّ علينا يومٌ إلاّ يأتينا فيهِ
رسولُ اللَّهِ وَلَ طَرَفَي النهارِ بُكرةٌ وعَشِية. فلما ابتُلِيَ المسلمونَ خرَجَ أبو بكرٍ مُهاجِرًا قِبَل الحبشةِ
حتّى إذا بَلغَ بَرْكَ الغِمادِ لِقِيهُ ابنُ الدَّغِنَة، وهوَ سيِّدُ القارةِ فقال: أينَ تُريدُ يا أبا بكرٍ؟ فقال أبو بكرٍ :
أخرَجَني قومي، فأنا أُريدُ أن أسيحَ في الأرضِ فأعبُدَ ربي. قال ابنُ الدَّغنةِ: إِنَّ مِثلَكَ لا يَخْرُجُ ولا
يُخرَجُ. فإنكَ تَكْسِبُ المعدومَ، وتصِلُ الرجِم، وتحمِلُ الكَلَّ، وتَقرِي الضَّيفَ، وتُعينُ على نَوائبٍ
الحقِّ، وأنا لكَ جار. فارجِعْ فاعْبُدْ ربَّكَ ببلادِك، فارتَحَلَ ابنُ الدَّغِنةِ فرجَعَ مع أبي بَكرٍ فطافَ في
أشرافِ كُفارِ قُرَيشٍ فقال لهم: إنَّ أبا بكرٍ لا يَخرُجُ مِثلُه ولا يُخرَجُ، أَتُخرِجونَ رجُلاً یکسِبُ
المَعدومَ، ويَصِلُ الرَّحِمَ، ويَحمِلُ الكَلَّ، ويَقرِي الضيفَ ويُعينُ على نَوائبِ الحقّ؟ فأنفَذَتْ قُرِيشٌ
جِوارَ ابن الدَّغنةِ، وآمَنوا أبا بكرٍ، وقالوا لابنِ الدَّغنةِ: مُز أبا بكر فلْيَعبُد ربَّهُ في داره، فلْيُصَلِ
وليقرأ ما شاءَ ولا يُؤْذِينا بذلك، ولا يَسْتعلِنُ بهِ، فإنا قد خَشِينا أن يَفْتِنَ أبناءَنا ونِساءَنا. قال ذلك
ابنُ الدَّغنةِ لأبي بكرٍ، فَطَفِقَ أبو بكرٍ يَعْبُدُ ربَّهُ في دارهِ ولا يَستعلِنُ بالصلاةِ ولا القِراءةِ في غيرِ
داره. ثمَّ بَدا لأبي بكر فابتَنى مَسجدًا بفِناءِ دارهِ، وبَرَزَ، فكانَ يُصلِّي فيهِ ويَقرَأُ القُرآنَ، فَيَتقصَّفُ
عليهِ نساءُ المشركينَ وأبناؤهم يَعجبونَ ويَنظُرونَ إليهِ، وكان أبو بكرٍ رَجُلاً بَكَاءٌ لا يَملِكُ دمعَهُ حِينَ
يقرأُ القرآن، فأفزَعَ ذُلكَ أشرافَ قُريشٍ منَ المُشركينَ، فأرسَلوا إلى ابنِ الدَّغِنِةِ فَقَدِمَ عليهم فقالوا

٢٦٧
كتاب الكفالة/ باب ٤
له: إنّا كنّا أجَرْنا أبا بكرٍ على أن يَعْبُدَ ربَّهُ في دارهِ، وإنهُ جاوَزَ ذُلِكَ فَابْتَنَى مَسجدًا بفِناءِ دارهِ،
وأعلنَ الصلاةَ والقِراءةَ، وقد خَشِينا أن يفتِنَ أبناءَنا ونساءَنا، فأَتِهِ، فإن أحبَّ أن يَقتصِرَ على أن يَعبُدَ ربَّهُ
في دارهِ فَعلَ، وإنْ أبى إلا أن يُعلِنَ ذُلكَ فسَلْهُ أن يَرُدَّ إليكَ ذِمَّتكَ، فإناكَرِ هْنا أن نُخفِرَك، ولَسنا
مُقرِّينَ لأبي بَكْرِ الاسْتعلانَ. قالت عائشةُ: فأتى ابنُ الدَّغنةِ أبابكرٍ فقال: قد عَلمتَ الذي عقَدْتُ
لكَ عليهِ، فإما أن تَقتَصِرَ على ذلكَ، وإما أن تَرُدَّإليَّ ذِمَّتي؛ فإني لا أُحِبُّ أن تَسمعَ العَرَبُ أني أُخفِرْتُ
في رجُلٍ عَقَدتُ له. قال أبو بكرٍ: إني أرُدُ إليكَ جِوارَكَ وأرضى بجوارِ اللَّه - ورسولُ اللَّهِ وَهُ
يومَئذٍ بمكة - فقال رسولُ اللَّهِ وَهِ: قد أُريتُ دارَ هِجرَتِكم، رأيتُ سَبْخةً ذاتَ نخلٍ بينَ لابَتَين،
وهما الحَرَّتان. فهاجَرَ مَن هاجَرَ قِبَلَ المدينةِ حِينَ ذَكرَ ذُلكَ رسولُ اللَّهِ وَ، ورجَعَ إلى المدينةِ
بعضُ مَن كان هاجَرَ إلى أرضِ الحَبشةِ. وتَجهَّزَ أبو بكرٍ مهاجرًا، فقال لهُ رسولُ اللَّهِ وَّ: على
رِسْلِكَ، فإني أرجو أن يُؤْذَنَ لي. قال أبو بكرٍ: هل تَرجو ذُلكَ بأبي أنتَ؟ قال: نعم. فحبَسَ أبو
بكرِ نفسَهُ على رسولِ اللَّهِ وَ لَه لِيَصْحَبَهُ، وعَلَفَ راحِلَتينِ كانتا عندَهُ وَرَقَ السَّمُر أربعة أشهُر)).
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) نسبه لجده لشهرته به وأبوه عبد الله المخزومي قال: (حدّثنا
الليث) بن سعد الإمام (عن عقيل) بضم العين ابن خالد أنه قال: (قال ابن شهاب) محمد بن مسلم
(فأخبرني) الفاء عاطفة على محذوف تقديره أخبرني فلان بكذا فأخبرني (عروة بن الزبير) بن العوام
(أن عائشة رضي الله عنها زوج النبي ◌َّفي قالت: لم أعقل) بكسر القاف أي لم أعرف (أبوي) أبا بكر
وأم رومان، وزاد أبو ذر عن الكشميهني هنا قط بتشديد الطاء المضمومة للنفي في الماضي (إلا وهما
يدينان الدين) بكسر الدال المهملة والنصب على نزع الخافض أي يدينان بدين الإسلام.
(وقال أبو صالح) سليمان بن صالح المروزي، وفي نسخة بالفرع وأصله سلموية بفتح المهملة
واللام وضم الميم وسكون الواو وفتح التحتية آخره تاء تأنيث. قال الحافظ ابن حجر: وهذا التعليق
قد سقط من رواية أبي ذر: وساق الحديث عن عقيل وحده (حدّثني) بالإفراد (عبد الله) بن المبارك
(عن يونس) بن يزيد (عن الزهري قال: أخبرني) بالإفراد (عروة بن الزبير أن عائشة رضي الله عنها
قالت: لم أعقل أبوي قطّ إلا وهما يدينان الدين ولم يمر علينا يومًا إلا يأتينا فيه رسول الله وكلفه طرفي
النهار بكرة وعشية) تفسير لقوله طرفي النهار وهو منصوب على الظرف، (فلما ابتلي المسلمون) بأذى
المشركين وأذن وّلّر لأصحابه في الهجرة إلى الحبشة (خرج أبو بكر) رضي الله عنه حال كونه (مهاجرًا
قبل الحبشة) بكسر القاف وفتح الموحدة أي إلى جهة الحبشة ليلحق بمن سبقه من المسلمين فسار
(حتى إذا بلغ برك الغماد) بفتح الموحدة وسكون الراء بعدها كاف والغماد بكسر الغين المعجمة
وتخفيف الميم، ولأبي ذر: برك بكسر الموحدة. قال في المطالع: وبكسر الموحدة وقع للأصيلي
والمستملي والحموي قال: وهو موضع بأقاصي هجر، وقيل اسم موضع باليمن، وقيل وراء مكة
بخمس ليال (لقيه ابن الدغنة) بفتح الدال المهملة وكسر الغين المعجمة وفتح النون المخففة ولأبي ذر:

٢٦٨
كتاب الكفالة/ باب ٤
الدغنة بضم الدال والغين وتشديد النون كذا في الفرع وأصله لأبي ذر، وعند المروزي الدغنة بفتح
الدال والغين والنون المخففة. قال الأصيلي: وكذا رواه لنا المروزي، وقيل إن ذلك كان لاسترخاء
في لسانه والصواب فيه الكسر وهو اسم أمه واسمه الحرث بن يزيد كما عند البلاذري. وحكى
السهيلي مالك وعند الكرماني أن ابن إسحق سماه ربيعة بن رفيع وهو وهم من الكرماني لأن ربيعة
المذكور آخر يقال له ابن الدغنة أيضًا لكنه سلمي والذي هنا من القارة فافترقا (وهو سيد القارة)
بالقاف وتخفيف الراء قبيلة مشهورة من بني الهون بضم الهاء وسكون الواو ويوصفون بجودة الرمي،
واسم ابن الدغنة قال مغلطاي اسمه مالك، وعند البلاذري في حديث الهجرة أنه الحرث بن يزيد.
قال الحافظ ابن حجر: وهو أولى ووهم من زعم أنه ربيعة بن رفيع (فقال: أين تريد يا أبا بكر؟
فقال أبو بكر) رضي الله عنه: (أخرجني قومي) أي تسببوا في إخراجي (فأنا أريد أن أُسيح) بفتح
الهمزة وسين مهملة مكسورة وبعد التحتية حاء مهملة أي أسير (في الأرض).
فإن قلت: حقيقة السياحة أن لا يقصد موضعًا بعينه ومعلوم أنه قصد التوجّه إلى أرض
الحبشة. أجيب: بأنه عمي عن ابن الدغنة جهة مقصده لكونه كان كافرًا، ومن المعلوم أنه لا يصل
إليها من الطريق التي قصدها حتى يسير في الأرض وحده زمانًا فيكون سائحًا.
(فأعبد) بالفاء، ولأبي ذر: وأعبد (ربي: قال ابن الدغنة: إن مثلك لا يخرج ولا يُرج) بفتح
أوّل الأوّل وضم أوّل الثاني مبنيًّا للفاعل والثاني للمفعول (فإنك تكسب المعدوم) بفتح المثناة الفوقية
أي تعطي الناس ما لا يجدونه عند غيرك. قيل: والصواب المعدم بدون الواو أي الفقير لأن المعدوم
لا يكسب. وأجيب: بأنه لا يمتنع أن يطلق على المعدم المعدوم لأنه كالمعدم الميت الذي لا تصرف
له. وقال الزركشي: وتكسب العديم أي الفقير فعيل بمعنى فاعل وهذا أحسن من الرواية السابقة
أول الكتاب في حديث خديجة تكسب المعدوم انتهى.
ولم أقف على شيء من النسخ كما ادّعاه ولعله وقف عليها في نسخة كذلك. (وتصل الرحم)
أي القرابة (وتحمل الكل) بفتح الكاف وتشديد اللام الذي لا يستقل بأمره أو الثقل بكسر المثلثة
وسكون القاف (وتقري الضيف) بفتح المثناة الفوقية من الثلاثي أي تهيىء له طعامه ونزله (وتعين على
نوائب الحق) أي حوادثه وإنما قال نوائب الحق لأنها تكون في الحق والباطل، وهذا كقول خديجة
رضي الله عنها للنبي وَل قر لما أخبرها بأول مجيء الملك له (وأنا لك جار) أي مجير لك مؤمنك ممن
أخافك منهم. (فارجع فاعبد ربك ببلادك فارتحل ابن الدغنة فرجع مع أبي بكر) استشكل بأن القياس
أن يقال رجع أبو بكر معه عكس المذكور كما لا يخفى.
وأجيب: بأنه من باب إطلاق الرجوع وإرادة لازمه الذي هو المجيء أو هو من قبيل المشاكلة
لأن أبا بكر كان راجعًا أو أطلق الرجوع باعتبار ما كان قبله بمكة، وفي باب الهجرة فرجع أي أبو
بكر وارتحل معه ابن الدغنة وهو الأصل، والمراد فى الروايتين كما قال ابن حجر مطلق المصاحبة.

٢٦٩
اكتاب الكفالة/ باب ٤
(فطاف) أي ابن الدغنة (في أشراف كفار قريش) أي ساداتهم (فقال لهم: إن أبا بكر لا يخرج
مثله) بفتح أوّله وضم ثالثه مبنيًّا للفاعل ولأبي ذر لا يخرج بضم أوّله وفتح ثالثه مبنيًّا للمفعول (ولا
يُخرج) بضم أوله وفتح ثالثه ولأبي ذر بفتح أوله وضم ثالثه (أتخرجون رجلاً) بضم التاء وكسر الراء
والهمزة للاستفهام الإنكاري (يكسب المعدوم) بفتح الياء وضمها كما في الفرع وأصله والجملة في
محل نصب صفة لرجلاً وما بعده عطف عليه (ويصل الرحم ويحمل الكل ويقري الضيف ويعين على
نوائب الحق فأنفذت قريش) بالذال المعجمة بعد الفاء أي أمضوا (جوار ابن الدغنة) ورضوا به
(وآمنوا) بمدّ الهمزة وفتح الميم المخففة أي جعلوا (أبا بكر) في أمن ضد الخوف (وقالوا لابن الدغنة:
مُر أبا بكر فليعبد ربه في داره) دخلت الفاء على شيء محذوف. قال الكرماني تقديره ليعبد ربه فليعبد
ربه قال العيني: لا معنى لما ذكره لأنه لا يفيد زيادة شيء بل تصلح الفاء أن تكون جزاء شرط
تقديره مر أبا بكر إذا قيل ما يشترط عليه فليعبد ربه في داره (فليصلّ) بالفاء، وفي نسخة بالفرع
وأصله: وليصل (وليقرأ ما شاء ولا يؤذينا بذلك) إشارة إلى ما ذكر من الصلاة والقراءة (ولا
يستعلن) لا يجهر (به فإنا قد خشينا أن يفتن) بفتح التحتية وكسر الفوقية أي يخرج (أبناءنا ونساءنا)
من دينهم إلى دينه (قال ذلك) الذي شرطه كفار قريش (ابن الدغنة لأبي بكر فطفق) بكسر الفاء أي
جعل وفي الهجرة فلبث (أبو بكر) رضي الله عنه (يعبد ربه في داره ولا يستعلن بالصلاة ولا القراءة
في غير داره ثم بدا) أي ظهر (لأبي بكر) رضي الله عنه رأي في أمره بخلاف ما كان يفعله (فابتنى
مسجدًا بفناء داره) بكسر الفاء ممدودًا ما امتد من جوانبها وهو أول مسجد بني في الإسلام (وبرز)
ظهر أبو بكر (فكان يصلي فيه ويقرأ القرآن فيتقصف) بالمثناة الفوقية بعد التحتية وللكشميهني
فينقصف بالنون الساكنة بدل الفوقية وتخفيف الصاد (عليه نساء المشركين وأبناؤهم) أي يزدحمون عليه
حتى يسقط بعضهم على بعض فيكاد ينكسر وأطلق يتقصف مبالغة (يعجبون) زاد الكشميهني منه
(وينظرون إليه، وكان أبو بكر رجلاً بكّاءً) بتشديد الكاف أي كثير البكاء (لا يملك دمعه) وفي
الهجرة لا يملك عينيه أي لا يملك إسكانهما عن البكاء من رقة قلبه (حين يقرأ القرآن فأفزع) بالفاء
الساكنة وبعدها زاي أي أخاف (ذلك أشراف قريش من المشركين) لما يعلمون من رقة قلوب النساء
والشباب أن يميلوا إلى دين الإسلام (فأرسلوا إلى ابن الدغنة فقدم عليهم فقالوا له: إنّا كنّا أجرنا)
بالراء الساكنة، وللكشميهني: أجزنا بالزاي بدل الراء (أبا بكر على أن يعبد ربه في داره وإنه جاوز
ذلك فابتنى مسجدًا بفناء داره وأعلن الصلاة والقراءة وقد خشينا أن يفتن) بفتح أوله وكسر ثالثه
(أبناءنا ونساءنا) ولأبي ذر: أن يفتن بضم أوله وفتح ثالثه مبنيًّا للمفعول أبناؤنا ونساؤنا بالرفع نائبًا
عن الفاعل (فائته فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل وإن أبى) امتنع (إلا أن يعلن
ذلك) المذكور من الصلاة والقراءة أي يجهر (فسله) بسكون اللام من غير همز فعل أمر (أن يردّ إليك
ذمتك) عهدك له (فإنّا كرهنا أن نخفرك) بضم النون وسكون الخاء المعجمة وكسر الفاء وفتح الراء أي
ننقض عهدك (ولسنا مقرّين لأبي بكر الاستعلان) أي لا نسكت على الإنكار عليه خوف نسائنا
وأبنائنا .

٢٧٠
كتاب الكفالة/ باب ٥
(قالت عائشة) رضي الله عنها (فأتى ابن الدغنة أبا بكر فقال) له (قد علمت الذي عقدت لك
عليه) مع أشراف قريش (فإما أن تقتصر على ذلك) الذي شرطوه (وإما أن ترد إليّ ذمتي) عهدي (فإني
لا أحب أن تسمع العرب أني أخفرت) مبنيًّا للمفعول أي غدرت (في رجل عقدت له. قال أبو بكر)
الصديق رضي الله عنه: (إني) ولأبي ذر: فإني (أرد إليك جوارك وأرضى بجوار الله) أي بأمانة الله
وحمايته وفيه قوّة يقين الصدّيق رضي الله عنه (ورسول الله وَ له يومئذٍ بمكة فقال رسول الله وَلخر):
(قد أريت) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول (دار هجرتكم رأيت سبخة) بفتح السين المهملة والخاء
المعجمة بينهما موحدة ساكنة، ولأبي ذر سبخة بفتح الموحدة أرضًا يعلوها الملوحة ولا تكاد تنبت إلا
بعض الشجر. قال في المصابيح كالتنقيح: وإذا وصفت به الأرض كسرت الباء (ذات نخل بين
لابتين) بموحدة مخففة تثنية لابة (وهما الحرّتان) بتشديد الراء بعد الحاء المفتوحة المهملة والحرة أرض
بها حجارة سود، وهذا مدرج من تفسير الزهري. (فهاجر) بالفاء ولأبي الوقت: وهاجر (من هاجر)
من المسلمين (قبل المدينة) بكسر القاف وفتح الموحدة (حين ذكر ذلك رسول الله وَّيه ورجع إلى المدينة
بعض من كان هاجر إلى أرض الحبشة وتجهز أبو بكر) رضي الله عنه حال كونه (مهاجرًا) أي طالبًا
للهجرة من مكة (فقال له رسول الله ويقول: على رسلك) بكسر الراء وسكون السين المهملة أي على
مهلك من غير عجلة (فإني أرجو أن يؤذن لي) بضم الياء مبنيًّا للمفعول في الهجرة. (قال أبو بكر:
هل ترجو ذلك بأبي أنت) مبتدأ خبره بأبي أي مقدّى بأبي أو أنت تأكيد لفاعل ترجو وبأبي قسم (قال)
عليه الصلاة والسلام (نعم) أرجو ذلك (فحبس أبو بكر نفسه) أي منعها من الهجرة (على رسول
الله وَ ليصحبه وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السمر) بفتح السين المهملة وضم الميم زاد في
الهجرة وهو الخبط وهو مدرج فيه من تفسير الزهري (أربعة أشهر).
ومطابقة الحديث للترجمة من جهة أن المجير ملتزم للمجار أن لا يؤذى من جهة من أجار منه
وكأنه ضمن أن لا يؤذي وأن تكون العهدة عليه في ذلك، وقد ساق المؤلف الحديث هنا على لفظ
يونس عن الزهري، وساقه في الهجرة على لفظ عقيل كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
وقد سبق صدر هذا الحديث في أبواب المساجد في باب المسجد يكون في الطريق والله أعلم.
٥ - باب الدَّينِ
(باب) بيان حكم (الدين) سقط الباب وترجمته لأبوي ذر والوقت والحديث الآتي إن شاء الله
تعالى من رواية المستملي وعند النسفي وابن شبويه باب بغير ترجمة .
٢٢٩٨ - هذّثنا يحيى بن بُكَيرِ حدَّثَنا الليثُ عن عُقَيلِ عنِ ابنِ شهابٍ عن أبي سَلمَةً عن أبي
هريرةَ رضيَ اللَّهُ عنه: ((أنَّ رسولَ اللَّهِ وَ لَه كان يُؤْتَى بالرَّجُلِ المُتَوَفِّى عليهِ الدَّينُ، فَيَسألُ: هل تَرَكَ
لدَينِهِ فَضْلاً؟ فإن حُدْثَ أنهُ تَرَكَ لدَينِهِ وفاءً صلَّى، وإلا قال للمسلمين: صلُّوا على صاحِبكم. فلما

٢٧١
كتاب الكفالة/ باب ٥
فتحّ اللَّهُ عليهِ الفُتوحَ قال: أنا أولى بالمُؤْمنينَ من أنفُسِهم، فمَنْ تُوُفِّيَ منَ المؤمنينَ فَتَرَكُ دَينًا فعليَّ
قضاؤهُ، ومَن تَرَكَ مالاً فلوَرِثَتهِ)). [الحديث ٢٢٩٨ - أطرافه في: ٢٣٩٨، ٢٣٩٩، ٤٧٨١،
٥٣٧١، ٦٧٣١، ٦٧٤٥، ٦٧٦٣].
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) المخزومي قال: (حدَّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن عقيل)
بضم العين ابن خالد (عن ابن شهاب) الزهري (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن (عن أبي هريرة رضي
الله عنه):
(أن رسول الله ◌َّ و كان يؤتى بالرجل المتوفى) بفتح الفاء المشددة أي الميت حال كونه (عليه
الدين فيسأل) عليه الصلاة والسلام (هل ترك لدينه فضلاً) أي قدرًا زائدًا على مؤونة تجهيزه،
وللكشميهني: قضاء بدل فضلاً وكذا هو عند مسلم وأصحاب السُّنن وهو أولى بدليل قوله (فإن
حدّث) بضم الحاء مبنيًّا للمفعول (أنه ترك لدينه وفاء) أي ما يوفي به دينه (صلى) عليه (وإلا) بأن لم
يترك وفاء (قال للمسلمين صلّوا على صاحبكم فلما فتح الله عليه الفتوح) من الغنائم وغيرها (قال أنا
أولى بالمؤمنين من أنفسهم فمن توفي من المؤمنين فترك دينًا) وزاد مسلم أو ضيعة (فعليّ قضاؤه) مما أفاء
الله علّ (ومن ترك مالاً فلورثته) واستنبط منه التحريض على قضاء دين الإنسان في حياته والتوصل
إلى البراءة منه ولو لم يكن أمر الدين شديدًا لما ترك عليه الصلاة والسلام على المديون وهل كانت
صلاته على المديون حرامًا أو جائزة؟ وجهان. قال النووي: الصواب الجزم بجوازها مع وجود
الضامن كما في حديث مسلم، وفي حديث ابن عباس عند الحازمي أن النبي ◌َّ لما امتنع من
الصلاة على من عليه دين جاءه جبريل فقال إنما الظالم في الديون التي حملت في البغي والإسراف
فأما المتعفف ذو العيال فأنا ضامن له أؤذي عنه فصلى عليه النبي وَ له وقال بعد ذلك: ((من ترك
ضياعًا)) الحديث. قال الحافظ ابن حجر: وهو حديث ضعيف، وقال الحازمي: لا بأس به في
المتابعات ففيه أنه السبب في قوله عليه الصلاة والسلام: من ترك دينًا فعلي فهو ناسخ لتركه الصلاة
على من مات وعليه دین.
وحديث الباب أخرجه أيضًا في النفقات، ومسلم في الفرائض، والترمذي في الجنائز.

بسم الله الرحمن الرحيم
٤٠ - كتاب الوكالة
(بسم الله الرحمن الرحيم).
(كتاب الوكالة) بفتح الواو ويجوز كسرها وهي في اللغة التفويض وفي الشرع تفويض شخص
أمره إلى آخر فيما يقبل النيابة والأصل فيها قبل الإجماع قوله تعالى: ﴿فابعثوا أحدكم بورقكم هذه﴾
[الكهف: ١٩] وقوله تعالى: ﴿اذهبوا بقميصي هذا﴾ [يوسف: ٩٣] وهو شرع من قبلنا وورد في
شرعنا ما يقرره كقوله تعالى: ﴿فابعثوا حكمًا من أهله﴾ [النساء: ٣٥] الآية وفي رواية أبي ذر تقديم
كتاب على البسملة.
١ - باب وكالة الشريكِ الشريك في القسمةِ
وغيرها وقد أشركَ النبيُّ وَّرَ عليًّا فِي هَذِهِ ثم أمرَهُ بقِسمتِها
هذا (باب) بالتنوين (في وكالة الشريك) ولأبي ذر: سقوط الباب وحرف الجر ولفظه كتاب
الوكالة وكالة الشريك. قال الحافظ ابن حجر: وللنسفي كتاب الوكالة ووكالة الشريك بواو العطف
ولغيره باب بدل الواو (الشريك في القسمة) بدل من الشريك الأول، وفي نسخة الشريك بالرفع على
الاستئناف وفي أخرى الشريك بالنصب (وغيرها) أي والشريك في غير القسمة. (وقد أشرك
النبي (8* عليًّا) هو ابن أبي طالب (في هديه) وهذا وصله المؤلف في الشركة من حديث جابر بلفظ
أن النبي ◌ّ أمر عليًّا أن يقيم على إحرامه وأشركه في الهدي (ثم أمره بقسمتها) أي الهدايا.
وهذا وصله أيضًا في الحج من حديث علّ بلفظ أن النبي وَّر أمره أن يقوم على بدنه وأن
یقسم بدنه كلها .
٢٢٩٩ - حدثنا قَبيصةُ حدَّثَنَا سُفيانُ عنِ ابنِ أبي نجيحِ عن مُجاهدٍ عن عبد الرحمنِ بنِ أبي

٢٧٣
کتاب الوكالة/ باب ١
ليلى عن عليٍّ رضيَ اللَّهُ عنه قال: ((أمرَني رسولُ اللَّهِ وَّ أن أتصدَّقَ بجِلالِ البُذْنِ التي نُحرت
وبجلودِها».
وبه قال: (حدّثنا قبيصة) بن عقبة العامري الكوفي السوائي قال: (حدّثنا سفيان) الثوري (عن
ابن أبي نجيح) عبد الله (عن مجاهد) هو ابن جبر الإمام في التفسير (عن عبد الرحمن بن أبي ليلى)
الأنصاري المدني (عن علي رضي الله عنه) أنه (قال):
(أمرني رسول الله وم لو أن أتصدق بجلال البدن) بسكون الدال المهملة بعد الموحدة المضمومة
جمع بدنة والجلال بكسر الجيم جمع جلّ ما تلبسه الدابة (التي نحرت وبجلودها) بضم النون وكسر
الحاء وفتح الراء وسكون التاء على البناء للمفعول والتاء للتأنيث ويجوز فتح النون والحاء وسكون
الراء وضم التاء مبنيًّا للفاعل والضمير للفاعل، والمراد به عليّ رضي الله عنه.
ومطابقته للترجمة من كونه عليه الصلاة والسلام أشركه.
وهذا الحديث قد سبق في الحج وذكر هنا طرفًا منه.
٢٣٠٠ - حدثنا عمرُو بنُ خالد حدَّثَنا اللَّيثُ عن يزيدَ عن أبي الخَيرِ عن عُقبةَ بنِ عامٍ رضيَ
اللَّهُ عنه: ((أنَّ النبيَّ ◌ََّ أعطاهُ غَنَمَا يَقسِمُها على صَحابتهِ، فَبَقِيَ عَتُودٌ، فذكرَهُ للنبِيِّ ◌َّ فقال:
ضَحْ أنتَ)). [الحديث ٢٣٠٠ - أطرافه في: ٢٥٠٠، ٥٥٤٧، ٥٥٥٥].
وبه قال: (حدّثنا عمرو بن خالد) بفتح العين ابن فرّوخ الحرّاني الجزري نزيل مصر قال:
(حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن يزيد) بن أبي حبيب (عن أبي الخير) مرثد بن عبد الله بفتح الميم
والمثلثة بينهما راء ساكنة وآخره دال مهملة (عن عقبة بن عامر رضي الله عنه أن النبي بَّر أعطاه
غنمًا) للضحايا (يقسمها على صحابته) بعد أن وهب جملتها لهم (فبقي عتود) بفتح العين المهملة وضم
المثناة الفوقية وبعد الواو الساكنة دال مهملة الصغير من المعز إذا قوي أو إذا أتى عليه حول (فذكره
للنبي (﴿ فقال: ضخّ أنت) ولأبي ذر: ضحّ به أنت وعلم منه أنه كان من جملة من كان له نصيب
من هذه القسمة فكأنه كان شريكًا لهم وهو الذي تولى القسمة بينهم، لكن استشكله ابن المنير
باحتمال أن يكون ◌َ لـ وهب لكل واحد من المقسوم فيهم ما صار إليه فلا تتجه الشركة. وأجاب بأنه
سيأتي الحديث في الأضاحي من طريق أخرى بلفظ أنه قسم بينهم ضحايا قال فدل على أنه عينّ تلك
الغنم للضحايا فوهب لهم جملتها ثم أمر عقبة بقسمتها فيصح الاستدلال به لما ترجم له.
قال في المصابيح: ينبغي أن يضاف إلى ذلك أن عقبة كان وكيلاً على القسم بتوكيل شركائه في
تلك الضحايا التي قسمها حتى يتوجه إدخال حديثه في ترجمة وكالة الشريك لشريكه في القسم.
وهذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في الضحايا والشركة، ومسلم في الضحايا، والترمذي
والنسائي وابن ماجة فيها أيضًا.
إرشاد الساري/ ج ٥/ م ١٨

٢٧٤
٠
كتاب الوكالة/ باب ٢
٢ - باب إذا وَكَّلَ المسلمُ
حَربيًّا في دارِ الحربِ - أو في دارِ الإسلامِ - جاز
هذا (باب) بالتنوين (إذا وكل المسلم حربيًّا في دار الحرب أو) وكل المسلم حربيًّا كائنًا (في دار
الإسلام) بأمان (جاز).
٢٣٠١ - حدثنا عبدُ العزِيزِ بنُ عبدِ اللَّهِ قال: حدَّثَنِي يوسُفُ بنُ الماجِشُونِ عن صالحِ بنِ
إبراهيمَ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ عَوفٍ عن أبيهِ عن جدِّهِ عبدِ الرحمنِ بنِ عَوفٍ رضيَ اللَّهُ عنهُ قال:
((كاتبتُ أُميةَ بنَ خَلَفٍ كتابًا بأنْ يَحفَظني في صاغِيَتي بمكة وأحفَظُهُ في صاغِيَتِهِ بالمدينة، فلما
ذكرتُ ((الرحمنَ)) قال: لا أعرفُ الرحمن، كاتِبْني باسمكَ الذي كانَ في الجاهليةِ، فكاتبتهُ («عبدُ
عمرٍو)). فلما كانَ في يومٍ بَدرٍ خرجتُ إلى جبلٍ لأُحرزَهُ حينَ نامَ الناسُ، فأبصَرهُ بلالٌ، فخرجَ
حتى وقفَ على مَجلسٍ منَ الأنصارِ فقال: أُميَّةُ بنُ خَلفٍ، لا نَجَوْتُ إن نَجا أُميةُ. فخَرجَ معهُ
فريقٌ منَ الأنصارِ في آثارِنا، فلمّا خَشِيتُ أن يَلحَقونا خَلَّفتُ لهمُ ابنَه لأشغلَهم فقتلوهُ، ثمَّ أَبُوا حتّى
يتبعونا - وكان رجُلاً ثقيلاً - فلما أدرَكونا قلتُ له: ابرُكْ، فبرَكَ، فألقيتُ عليهِ نَفسي لأمنَعَهُ،
فتخلَّلُوه بالسيوفِ مِن تحتي حتى قَتلوهُ، وأصابَ أحدُهم رِجلي بسيفهِ. وكان عبدُ الرحمنِ بنُ
عَوفٍ يُرينا الأثرَ في ظهرٍ قدمهِ قالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: سَمِعَ يُوسف صَالحًا وَسَمِعَ إبراهيمُ أَبَاهُ. [الحديث
٢٣٠١ - طرفه في ٣٩٧١].
وبه قال: (حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله) بن يحيى القرشي العامري الأويسي المدني الأعرج
(قال: حدّثني) بالإفراد (يوسف بن الماجشون) بكسر الجيم وتفتح وبضم الشين المعجمة وبعد الواو
الساكنة نون مكسورة ومعناه المورّد واسمه يعقوب بن عبد الله بن أبي سلمة المدني (عن صالح بن
إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف) القرشي (عن أبيه) إبراهيم (عن جدّه عبد الرحمن بن عوف) أحد
العشرة المبشرة بالجنة (رضي الله عنه) أنه (قال: كاتبت أمية بن خلف) بضم الهمزة وتخفيف الميم
المفتوحة وتشديد التحتية أي كتبت إليه (كتابًا بأن يحفظني في صاغيتي بمكة) بصاد مهملة وغين
معجمة مالي أو حاشيتي أو أهلي ومن يصغي إليه أي يميل (وأحفظه في صاغيته بالمدينة، فلما ذكرت
الرحمن قال لا أعرف الرحمن) قال ابن حجر: أي لا أعترف بتوحيده، وتعقبه العيني فقال: هذا لا
يقتضيه قوله لا أعرف الرحمن وإنما معناه أنه لما كتب له ذكر اسمه بعبد الرحمن فقال: ما أعرف
الرحمن الذي جعلت نفسك عبدًا له ألا ترى أنه قال: (كاتبني باسمك الذي كان في الجاهلية فكاتبته
عبد عمرو) بفتح العين ورفع عبد كذا في الفرع وفي غيره عبد بالنصب على المفعولية، (فلما كان في
يوم) غزوة (بدر) في رمضان في السنة الثانية من الهجرة وسقط الجار لأبي ذر (خرجت إلى جبل
لأحرزه) بضم الهمزة أي لأحفظه والضمير المنصوب لأمية وفي نسخة: لأحذره (حين نام الناس) أي
حين غفلتهم بالنوم لأصون دمه (فأبصره) أي أمية بن خلف (بلال) المؤذن وكان أمية يعذب بلالاً

٢٧٥
کتاب الوكالة/ باب ٣
بمكة لأجل إسلامه عذابًا شديدًا (فخرج) بلال (حتى وقف على مجلس من الأنصار) ولأبي ذر: على
مجلس الأنصار فأسقط حرف الجر (فقال): دونكم أو الزموا (أمية بن خلف) وفي الفرع وأصله
تضبيب على أمية، ولأبي ذر: أمية بن خلف بالرفع أي هذا أمية بن خلف (لا نجوت إن نجا أمية
فخرج معه فريق من الأنصار في آثارنا فلما خشيت أن يلحقونا خلفت لهم ابنه) عليًّا (لأشغلهم)
بفتح الهمزة وقيل بضمها من الإشغال، ولأبي ذر: لنشغلهم بنون الجمع، وفي نسخة الميدومي :
يشغلهم بإسقاط اللام وبالياء بدل النون أو الهمزة عن أمية بابنه (فقتلوه) أي الابن والذي قتله قيل
هو عمار بن ياسر (ثم أبوا) بالموحدة أي امتنعوا، وفي نسخة أتوا بالمثناة الفوقية من الإتيان (حتى
يتبعونا وكان) أمية (رجلاً ثقيلاً) ضخم الجثة (فلما أدركونا قلت له) لأمية (ابرك فبرك فألقيت عليه
نفسي لأمنعه) منهم، وإنما فعل عبد الرحمن ذلك لأنه كان بينه وبين أمية بمكة صداقة وعهد فقصد
أن يفي بالعهد (فتخللوه) بالخاء المعجمة (بالسيوف) أي أدخلوا أسيافهم خلاله حتى وصلوا إليه
وطعنوا بها (من تحتي) من قولهم خللته بالرمح وأخللته إذا طعنته به، ولأبي ذر عن الكشميهني
والمستملي: فتحللوه بالحاء المهملة كما في الفرع وأصله، وفي رواية: فتجللوه بالجيم أي غشوه
بالسيوف، ونسب هذه في فتح الباري، للأصيلي وأبي ذر قال ولغيرهما بالخاء المعجمة قال: ووقع في
رواية المستملي فتخلوه بلام واحدة مشددة انتهى.
والأولى أظهر من جهة المعنى لقول عبد الرحمن بن عوف فألقيت عليه نفسي فكأنهم أدخلوا
سیوفهم من تحته كما مرّ.
(حتى قتلوه) والذي قتله رجل من الأنصار من بني مازن. وقال ابن هشام ويقال قتله معاذ بن
عفراء وخارجة بن زيد وخبيب بن أساف اشتركوا في قتله. وفي مستخرج الحاكم ما يدل على أن
رفاعة بن رافع الزرقي من جملة المشاركين في قتله، وفي مختصر الاستيعاب أن قاتله بلال.
(وأصاب أحدهم) أي الذين باشروا قتل أمية (رجلي بسيفه) وكان الذي أصاب رجله الحباب بن
المنذر كما عند البلاذري (وكان عبد الرحمن بن عوف يرينا ذلك الأثر في ظهر قدمه).
(قال أبو عبد الله) البخاري: (سمع يوسف) بن الماجشون (صالحًا) هو ابن إبراهيم بن
عبد الرحمن بن عوف، (و) سمع (إبراهيم أباه). وفائدة ذلك تحقيق السماع وسقط قوله قال أبو
عبد الله إلى آخره في رواية غير المستملي.
ورجال هذا الحديث مدنيون، وأخرجه أيضًا في المغازي مختصرًا.
٣ - باب الوكالةِ فِي الصَّرفِ
والميزانٍ وقد وَكَّلَ عمرُ وابنُ عمرَ في الصَّرفِ
(باب) حكم (الوكالة في الصرف) يعني في بيع النقد بالنقد (و) الوكالة في (الميزان) أي في

٢٧٦
كتاب الوكالة/ باب ٤
الموزون، (وقد وكل عمر) بن الخطاب (وابن عمر) فيما وصله سعيد بن منصور عنهما (في
الصرف).
٢٣٠٢، ٢٣٠٣ - حدثنا عبدُ اللَّهِ بنُ يوسُفَ أخبرنا مالكٌ عن عبدِ المجيدِ بنِ سُهِيلٍ بن
عبدِ الرحمْنِ بنِ عَوفٍ عن سعيدِ بنِ المُسيَّبِ عن أبي سعيدِ الخُذريِّ وأبي هريرةَ رضيَ اللَّهُ
عنهما: ((أنَّ رسولَ اللَّهِ وَ ل﴿ استعملَ رَجُلاً على خَيرَ، فجاءهم بتَمرِ جَنيبٍ فقال: أكلُّ تمر خَيِبرَ
هكذا؟ فقال: إنّا لنَأْخُذُ الصاعَ مِنْ هذا بالصاعَينِ والصاعَينِ بالثلاثةِ. فقال: لا تَفعَلْ، بِعِ الجمعَ
بالدراهمِ ثُمَّ ابتَعْ بالدراهمِ جَنِيبًا. وقال في الميزانِ مِثلَ ذُلك)».
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال (أخبرنا مالك) الإمام (عن عبد المجيد)
بميم مفتوحة قبل الجيم (ابن سهيل بن عبد الرحمن بن عوف) الزهري المدني وسهيل مصغر (عن
سعيد بن المسيب عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهما أن رسول الله وَلفي استعمل
رجلاً) قيل هو سواد بن غزية بفتح السين المهملة والواو المخففة وغزية بغين مفتوحة وزاي مكسورة
معجمتين وتحتية مشددة، وقيل مالك بن صعصعة (على خيبر فجاءهم بتمر جنيب) بفتح الجيم وكسر
النون وبعد التحتية الساكنة موحدة الكبيس أو الطيب أو الذي أخرج منه حشفه ورديئه (فقال) له
عليه الصلاة والسلام ولأبي الوقت: قال:
(أكل تمر خيبر هكذا فقال) الرجل (إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين) سقط في رواية أبي
ذر من هذا وفي نسخة بصاعين منكرًا (والصاعين بالثلاثة، فقال) عليه الصلاة والسلام له (لا تفعل
بع الجمع) أي التمر الذي يقال له الجمع وهو تمر غير مرغوب فيه لرداءته (وبالدراهم ثم ابتع) أي
اشتر (بالدراهم) تمرًا (جنيبًا وقال) عليه الصلاة والسلام (في الميزان) أي الموزون (مثل ذلك) أي لا
يباع رطل برطلين بل بع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم.
ومطابقته للترجمة من قوله عليه الصلاة والسلام لعامل خيبر: بع الجمع بالدراهم إلى آخره لأنه
فوّض أمر ما يكال ويوزن إلى غيره فهو في معنى الوكيل عنه ويلتحق به الصرف.
وهذا الحديث قد سبق في باب إذا أراد بيع تمر بتمر خير منه من كتاب البيوع ويأتي إن شاء الله
تعالى في المغازي والاعتصام.
٤ - باب إذا أبصرَ الراعي أوِ الوكيلُ
شاةً تموتُ أو شيئًا يفْسُدُ ذَبحَ أو أصلحَ ما يَخَافُ عليهِ الفسادَ
هذا (باب) بالتنوين (إذا أبصر الراعي) للغنم (أو الوكيل) أي أبصر الوكيل (شاة) من الغنم
(تموت) أي أشرفت على الموت (أو) أبصر الوكيل (شيئًا يفسد) أي أشرف على الفساد (ذبح) الراعي

٢٧٧
كتاب الوكالة/ باب ٤
الشاة لئلا تذهب مجانًا (أو أصلح) الوكيل (ما يخاف عليه الفساد) بإبقائه كما إذا كان تحت يده فاكهة
مثلاً أو غيرها مما يخاف عليه الفساد ولأبوي ذر والوقت: أو أصلح ما يخاف الفساد، وعزاها العيني
کابن حجر لأبي ذر والنسفي.
قال في الفتح: وعليه جرى الإسماعيلي، ولابن شبويه فأصلح بدل أو أصلح والفاء عاطفة
على أبصر وجواب الشرط محذوف تقديره جاز ونحو ذلك قال: في شرح ابن التين بحذف أو فصار
الجواب أصلح ما يخاف الفساد وأما الأصيلي فعنده أو شيئًا يفسد ذبح أو أصلح انتهى.
٢٣٠٤ - حدثنا إسحاقُ بنُ إبراهيم سمعَ المعتمرَ أنبأنا عُبَيدُ اللَّهِ عن نافعِ أنهُ سمِعَ ابنَ
كعبِ بنِ مالكِ يُحدِّثُ عن أبيهِ أنهُ كانت لهم غنمٌ ترعى بسَلع فأبصرَت جاريةٌ لنا بشاةٍ من غَنمِنا
مَوتًا، فكسرَتْ حَجرًا فذبَحتها بهِ، فقال لهم: لا تأكلُوا حتى أسألَ النبيِّ وَِّ أو أُرسلَ إلى
النبيِّ وَّرَ مَن يسألهُ - وأنهُ سألَ النبيَّ ◌َِّ عن ذاكَ - أو أرسلَ - فأمرَهُ بأكلها)).
قال عُبَيدُ اللَّهِ: فيُعجِبُني أنها أمَةٌ وأنها ذَبحتْ. تابعَهُ عَبدُ عن عُبَيدِ اللَّهِ. [الحديث ٢٣٠٤-
أطرافه في: ٥٥٠١، ٥٥٠٢، ٥٥٠٤].
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (إسحاق بن إبراهيم) بن راهويه أنه (سمع
المعتمر) بن سليمان يقول (أنبأنا عبيد الله) بالتصغير ابن عمر العمري واستعمل الانباء بصيغة الجمع
ولا فرق عنده كآخرين بين لفظ أنبأنا وأخبرنا وحدّثنا وخصّ المتأخرون الأول بالإجازة كما مرّ
تفصيله في أوائل الكتاب (عن نافع) مولى ابن عمر (أنه سمع ابن كعب بن مالك) عبد الله كما جزم
به المزي أو هو أخوه عبد الرحمن قال ابن حجر كالكرماني أنه الظاهر لأنه روى طرفًا من هذا
الحديث كما عند ابن وهب عن أسامة بن زيد عن ابن شهاب عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك
(يحدّث عن أبيه) كعب بن مالك الأنصاري أحد الثلاثة الذين تِيبَ عليهم (أنه) أي أن الشأن (كانت
لهم) بضمير الجمع ولأبي ذر عن الحموي والمستملي له بضمير الإفراد (غنم) شامل الضأن والمعز
(ترعى بسلع) بفتح السين المهملة وبعد اللام الساكنة عين مهملة جبل بطيبة (فأبصرت جارية لنا) لم
يعرف اسمها (بشاة من غنمنا موتًا) بنون الجمع، وللكشميهني: من غنمها أي غنم الجارية التي
ترعاها فالإضافة ليست للملك (فكسرت حجرًا) يجرح كالسكين (فذبحتها به) فيه جواز ذبيحة الحرة
والآمة والذبح بكل جارح إلا السن والظفر فورد استثناؤهما كما سيأتي إن شاء الله تعالى في بابهما.
(فقال لهم) كعب: (لا تأكلوا) منها شيئًا (حتى أسأل النبي) ولأبي ذر: رسول الله (مَّ أو) قال حتى
(أرسل إلى النبي وَلِ﴿ من يسأله) عن ذلك شك الراوي (وأنه سأل النبي بّر عن ذاك) أي عن ذبح
الشاة وفي نسخة عن ذلك باللام (أو أرسل) إلى النبي ◌َلقر من يسأله فسأله (فأمره) عليه الصلاة
والسلام (بأكلها. قال عبيد الله) بن عمر العمري راوي الحديث بالإسناد المذكور إليه (فيعجبني أنها
أمة وأنها ذبحت).

٢٧٨
کتاب الو کالة/ باب ٥
(تابعه) أي تابع المعتمر بن سليمان (عبدة) بفتح العين المهملة وسكون الموحدة ابن سليمان
الكوفي في روايته (عن عبيد الله) المذكور وهذه المتابعة وصلها المؤلف رحمه الله في كتاب الذبائح.
وفي هذا الحديث تصديق الراعي والوكيل فيما ائتمن عليه حتى يظهر عليه دليل الخيانة
والكذب. قال في عمدة القاري: وهو قول مالك وجماعة. وقال ابن القاسم: إذا خاف الموت على
شاة فذبحها لم يضمن ويصدق إن جاء بها مذبوحة، وقال غيره: يضمن حتى يبين ما قال، وقال ابن
القاسم: إذا أنزى على إناث الماشية بغير إذن مالكها فهلكت فلا ضمان عليه لأنه من صلاح المال
ونمائه، وقال أشهب: عليه الضمان.
ومطابقة الترجمة للحديث في مسألة الراعي لأن الجارية كانت راعية للغنم فلما رأت شاة منها
تموت ذبحتها، ولما رفع أمرها إلى النبي وَل أمر بأكلها ولم ينكر على من ذبحها، وأما مسألة الوكيل
فملحقة بها لأن يد كل من الراعي والوكيل يد أمانة فلا يعملان إلا بما فيه مصلحة ظاهرة ولا يمنع
من ذلك كون الجارية كانت ملكًا لصاحب الغنم لأن الكلام في جواز الذبح الذي تضمنته الترجمة لا
في الضمان .
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الذبائح وكذا ابن ماجة.
٥ - باب وكالةُ الشاهدِ والغائبِ جائزةٌ
وكتبَ عبدُ اللَّهِ بنُ عمروٍ إلى قَهرمانِهِ وهو غائبٌ عنه أن يُزَكِّيَ عنِ أهلِهِ الصغيرِ والكبيرِ .
هذا (باب) بالتنوين (وكالة الشاهد) أي الحاضر (والغائب جائزة وكتب عبد الله بن عمرو) هو
ابن العاصي (إلى قهرمانه) بفتح القاف والراء بينهما هاء ساكنة خازنه القائم بقضاء حوائجه ولم يعرف
اسمه (وهو) أي والحال أنه (غائب عنه) أي عن عبد الله (أن يزكي) بالزاي (عن أهله الصغير
والكبير) زكاة الفطر.
٢٣٠٥ - حدثنا أبو نعيم حدَّثَنا سُفيانُ عن سَلمَةً عن أبي سَلمَةً عن أبي هُريرةً
رضيَ اللَّهُ عنه قال: ((كان لرجُلٍ على النبيِّ بَّه جملٌ سِنٌّ منَ الإبلِ، فجاءَهُ يتقاضاهُ فقال: أعطوهُ،
فطلَبوا سِنَّهُ فلم يَجدوا لهُ إلاّ سِنَّا فوقَها، فقال: أعطوهُ، فقال: أوفَيتَني أوفَى اللَّهُ بك، قال
النبيُّ بَ لقوله: إنَّ خِيارَكم أحسنكُم قَضاءً)). [الحديث ٢٣٠٥ - أطرافه في: ٢٣٠٦، ٢٣٩٠، ٢٣٩٢،
٢٣٩٣، ٢٤٠١، ٢٦٠٦، ٢٦٠٩].
وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين قال: (حدّثنا سفيان) الثوري (عن سلمة) ولأبوي
ذر والوقت: زيادة ابن كهيل بضم الكاف وفتح الهاء (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن (عن أبي هريرة

٢٧٩
کتاب الوكالة/ باب ٦
رضي الله عنه) أنه (قال: كان لرجل على النبي ◌َّ جمل) له (سن) معين (من الإبل فجاءه) أي جاء
الرجل النبي ◌ّلهول (يتقاضاه) أي يطلب أن يقضيه الجمل المذكور (فقال) عليه الصلاة والسلام:
(أعطوه) بفتح الهمزة زاد في الباب اللاحق سنًّا مثل سنّه، وفيه جواز توكيل الحاضر بالبلد
بغير عذر وهو مذهب الجمهور ومنعه أبو حنيفة إلا بعذر مرض أو سفر أو برضا الخصم، واستثنى
مالك من بينه وبين الخصم عداوة.
وهذا موضع الترجمة لأن هذا توكيد منه عليه الصلاة والسلام لمن أمره بالقضاء عنه، ولم يكن
عليه الصلاة والسلام مريضًا ولا غائبًا، وأما قول الحافظ ابن حجر: وموضع الترجمة منه لوكالة
الحاضر واضح وأما لغائب فيستفاد منه بطريق الأولى، فتعقبه العيني بأنه ليس فيه شيء يدل على
حكم الغائب فضلاً عن الأولوية. وأجاب في انتقاض الاعتراض بأن وجه الأولوية أن وكالة الحاضر
إذا جازت مع إمكان مباشرة الموكل بنفسه فجوازها للغائب مع الاحتياج إليه أولى فمن لا يدرك هذا
القدر كيف يتصدى للاعتراض.
(فطلبوا سنّه فلم يجدوا له إلا سنًّا فوقها) والمخاطب بذلك أبو رافع مولى رسول الله وَلّله كما
أخرجه مسلم من حديثه (فقال) عليه الصلاة والسلام: (أعطوه فقال) الرجل له عليه الصلاة
والسلام (أوفيتني) أي أعطيتني وافيًا (أوفى الله بك) وحرف الجر في المفعول زائد للتوكيد لأن الأصل
أن يقول أوفاك الله (قال النبي ◌َّر: إن خياركم أحسنكم قضاء) نصب على التمييز وأحسنكم خبر
لقوله خياركم. لكن استشكل كون المبتدأ بلفظ الجمع والخبر بالإفراد والأصل التطابق بين المبتدأ
والخبر في الإفراد وغيره.
وأجيب: باحتمال أن يكون مفردًا بمعنى المختار وحينئذ فالمطابقة حاصلة أو أن أفعل التفضيل
المضاف المقصود به الزيادة يجوز فيه الإفراد والمطابقة لمن هو له، والمراد الخيرية في المعاملات أو أن
من مقدرة كما في الرواية الأخرى.
وفي هذا الحديث رواية تابعي عن تابعي عن صحابي، وأخرجه أيضًا في الاستقراض والوكالة
والهبة ومسلم في البيوع وكذا الترمذي والنسائي، وأخرجه ابن ماجة في الأحكام.
٦ - باب الوكالةِ في قضاءِ الدُّيونِ
(باب) حكم (الوكالة في قضاء الديون).
٢٣٠٦ - حدثنا سُليمانُ بنُ حَربٍ حدَّثَنا شُعبةُ عن سَلمَةَ بنِ كُهَيلٍ قَالَ سمعتُ أبا سَلمةَ بنَ
عبد الرحمن عن أبي هريرةَ رضيَ اللَّهُ عنه: ((أنَّ رَجُلاً أتى النبيِّ وَهِ يَتقاضاهُ فأغلَظَ، فهمَّ بهِ

٢٨٠
کتاب الوكالة/ باب ٧
أصحابهُ، فقال رسولُ اللَّهِ وَ ﴿َ دَعوهُ فإنَّ لصاحبِ الحقُّ مَقالاً. ثمّ قال: أعطوهُ سِنَّا مِثلَ سنِهِ،
قالوا: يا رسولَ اللَّهِ، إلاّ أمثَلَ مِن سنّه، فقال: أعطوهُ، فإنَّ من خيرِكم أحسنكم قضاءً».
وبه قال: (حدّثنا سليمان بن حرب) الواشحي البصري قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن
سلمة بن كهيل) الحضرمي الكوفي أنه (قال: سمعت أبا سلمة) عبد الله أو إسماعيل (بن
عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني (عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً أتى النبي (وَليّ) حال
كونه (يتقاضاه) أي يطلب منه قضاء دين وهو بعير له سنّ معين كما مرّ قريبًا، (فأغلظ) للنبي وَل
لكونه كان يهوديًّا أو كان مسلمًا وشدّد في المطالبة من غير قدر زائد يقتضي كفرًا بل جرى على عادة
الأعراب من الجفاء في المخاطبة وهذا أولى، ويدل له ما رواه الإمام أحمد عن عبد الرزاق عن سفيان
جاء أعرابي يتقاضى النبي وَّ بعيرًا، ووقع في ترجمة بكر بن سهل من المعجم الأوسط للطبراني عن
العرباض بن سارية ما يفهم أنه هو، لكن روى النسائي والحاكم الحديث المذكور وفيه ما يقتضي أنه
غيره وكأن القصة وقعت للأعرابي ووقع للعرباض نحوها.
(فهمّ به أصحابه) عليه الصلاة والسلام ورضي الله عنهم أي أرادوا أن يؤذوا الرجل المذكور
بالقول أو بالفعل لكنهم لم يفعلوا ذلك أدبًا معه عليه الصلاة والسلام (فقال رسول الله اَليه):
(دعوه) أي اتركوه ولا تتعرضوا له وهذا من حسن خلقه عليه الصلاة والسلام وكرمه وقوّة
صبره على الجفاة مع قدرته على الانتقام منهم (فإن لصاحب الحق مقالاً) أي صولة الطلب وقوّة الحجة
لكنه على من يمطله أو يسيء المعاملة لكن مع رعاية الأدب المشروع (ثم قال) عليه الصلاة والسلام:
(أعطوه سنًّا مثل سنّه قالوا يا رسول الله لا نجد) سنًّا (إلا أمثل) أي أفضل (من سنّه) وسقط في
الفرع وأصله لا نجد فصار لفظه قالوا: يا رسول الله إلا أمثل من سنّه (فقال) عليه الصلاة والسلام
ولأبي الوقت قال: (أعطوه فإن خيركم) ولأبي ذر عن الكشميهني: فإن من خيركم (أحسنكم قضاء)
ومطابقته للترجمة ظاهرة.
٧ - باب إذا وَهبَ شيئًا لوَكِيلٍ أو شَفيعٍ قومٍ جاز
لقول النبيِّ وََّ لوفدٍ هوازِنَ حينَ سألوهُ المَغانمَ، فقال النبيُّ بِّرَ: نَصيبي لكم.
هذا (باب) بالتنوين (إذا وهب) أحد (شيئًا لوكيل) بالتنوين أي لوكيل قوم (أو) وهب شيئًا
(شفيع قوم) وجواب الشرط قوله (جاز لقول النبي ◌َّر لوفد هوازن) قبيلة من قيس والوفد قوم
يجتمعون ويردون البلاد (حين سألوه) أن يردّ إليهم (المغانم) التي أصابها منهم (فقال النبي اوَل
نصيبي) منها (لكم) وهذا طرف من حديث عبد الله بن عمرو بن العاصي أخرجه ابن إسحق في
المغازي وظاهره كما قال ابن المنير: يوهم أن الموهبة وقعت للوسائط الذين جاؤوا شفعاء في قومهم
وليس كذلك بل المقصود هبة لكل من غاب منهم ومن حضر فيدل على أن الألفاظ تنزل على المقاصد