Indexed OCR Text
Pages 321-340
٣٢١ كتاب العمرة/ باب ١٣ غزو أو حج أو عمرة يكبر) الله تعالى (على كل شرف) بفتحتين مكان عال (من الأرض ثلاث تكبيرات ثم يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير) قال القرطبي في تعقيب التكبير بالتهليل إشارة إلى أنه المتفرد بإيجاد جميع الموجودات وأنه المعبود في جميع الأماكن (آيبون) بالرفع خبر مبتدأ محذوف أي نحن آيبون جمع آيب أي راجع وزنه، ومعناه أي راجعون إلى الله. وليس المراد الإخبار بمحض الرجوع فإنه تحصيل الحاصل بل الرجوع في حالة مخصوصة وهي تلبسهم بالعبادة المخصوصة والاتصاف بالأوصاف المذكور (تائبون) من التوبة وهي الرجوع عما هو مذموم شرعًا إلى ما هو محمود شرعًا وفيه إشارة إلى التقصير في العبادة قاله بَّر على سبيل التواضع أو تعليمًا لأمته (عابدون ساجدون لربنا حامدون) كلها رفع بتقدير نحن والجار والمجرور متعلق بساجدون أو بسائر الصفات على طريق التنازع (صدق الله وعده) فيما وعد به من إظهار دينه بقوله تعالى: ﴿وعدكم الله مغانم كثيرة﴾ [الفتح: ٢٠] وقوله تعالى: ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفهم في الأرض﴾ [النور: ٥٥] الآية، وهذا في الغزو ومناسبته للحج قوله تعالى: ﴿لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين﴾ [الفتح: ٢٧] (ونصر عبده) محمدًا بَلٍ﴾ (وهزم الأحزاب) يوم الأحزاب أو أحزاب الكفر في جميع الأيام والمواطن (وحده) من غير فعل أحد من الآدميين، ويحتمل أن يكون خبرًا بمعنى الدعاء أي اللهم اهزم الأحزاب والأول أظهر، وظاهر قوله من غزو أو حج أو عمرة اختصاصه بها والذي عليه الجمهور أنه يشرع في كل سفر طاعة كطلب علم، وقيل يتعدى إلى المباح لأن المسافر فيه لا ثواب له فلا يمتنع عليه ما يحصل له الثواب، وقيل يشرع في سفر المعصية أيضًا لأن مرتكب المعصية أحوج إلى تحصيل الثواب من غيره وتعقب بأن الذي يخصه بسفر الطاعة لا يمنع المسافر في مباح ولا معصية من الإكثار من ذكر الله تعالى وإنما النزاع في خصوص هذا الذكر في هذا الوقت المخصوص فخصه قوم به كما يختص الذكر المأثور عقب الأذان والصلاة اهـ. وهذا الحديث أخرجه المؤلف أيضًا في الدعوات، ومسلم في الحج، وأبو داود في الجهاد، والنسائي في السير. ١٣ - باب استقبالِ الحاجُ القادمينَ، والثلاثةِ عَلَى الدابَّةِ (باب استقبال الحاج القادمين) إلى مكة بكسر الميم وفتح النون بصيغة الجمع صفة للحاج لإطلاقه على المفرد والجمع مجازًا واتساعًا كقوله تعالى: ﴿سامرًا تهجرون﴾ [المؤمنين: ٦٧] قال في الكشاف مما قرأته فيه: والسامر نحو الحاضر في الإطلاق على الجمع واستقبال مصدر مضاف إلى مفعوله، ولأبي ذر: القادمين بفتح الميم بصيغة التثنية (والثلاثة) بالجر كما في بعض الأصول عطفًا على استقبال أي واستقبال الثلاثة، وفي اليونينية والثلاثة بالنصب أي واستقبال الحاج الثلاثة حال كونهم (على الدابة) والاستقبال يكون من الطرفين لأن من استقبلك فقد استقبلته، ولابن عساكر : إرشاد الساري/ ج ٤/ م ٢١ ٣٢٢ كتاب العمرة/ باب ١٣/ حديث ١٧٩٨ باب استقبال الحاج الغلامين بإضافة الاستقبال إلى الحاج والغلامين مفعوله أو استقبال مضاف إلى الغلامين والحاج نصب على المفعولية كقراءة ابن عامر بالفصل بين المضافين بالمفعول في قوله تعالى في سورة الأنعام ﴿قتل﴾ برفع اللام على ما لم يسم فاعله ﴿أولادهم﴾ بالنصب على المفعول بالمصدر ﴿شركائهم﴾ [الأنعام: ١٣٧] بالخفض على إضافة المصدر إليه المذكور توجيهه في كتاب القراءات الأربع عشرة مما جمعته والثلاثة بالنصب عطف على الغلامين لكن لا أعرف نصب الحاج في رواية. ١٧٩٨ - حدثنا مُعلَّى بنُ أَسدٍ حدَّثَنا يزيدُ بنُ زُرَيعِ حدَّثَنا خالدٌ عن عكرمةَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ رضيَ اللّهُ عنهما قال ((لما قَدِمَ النبيُّ وَّرَ مكةَ اسْتَقْبَلَهُ أُغَيْلمةُ بني عبدِ المطّلبِ، فحمل واحدًا بينَ يدَيهِ وآخَرِ خَلْفَهُ)) [الحديث ١٧٩٨ - طرفاه فى: ٥٩٦٥، ٥٩٦٦]. وبالسند قال: (حدثنا معلى بن أسد) بضم الميم وفتح العين واللام المشددة العمي أخو بهز بن أسد البصري قال: (حدثنا يزيد بن زريع) بضم الزاي قال: (حدثنا خالد) الحذاء (عن عكرمة) مولى ابن عباس (عن ابن عباس رضي الله عنهما قال): (لما قدم النبي) ولأبي ذر: رسول الله (مَلل مكة) في الفتح (استقبله أغيلمة بني عبد المطلب) بضم الهمزة من أغيلمة وفتح الغين المعجمة. قال في الصحاح: الغلام معروف وتصغيره غليم والجمع غلمة وغلمان واستغنوا بغلمة عن أغلمة وتصغير الغلمة أغيلمة على غير مكبره كأنهم صغروا أغلمة وإن كانوا لم يقولوه كما قالوا أصيبيه في تصغير صبية وبعضهم يقول غليمة على القياس. وقال في القاموس: الغلام الطازّ الشارب والكهل ضد أو من حين يولد إلى أن يشب جمعه أغلمة وغلمة وغلمان وهي غلامة اهـ. ومراده صبيان بني عبد المطلب وإضافتهم إليه لكونهم من ذريته (فحمل) عليه الصلاة والسلام (واحدًا) منهم (بين يديه) هو عبد الله بن جعفر بن أبي طالب بن عبد المطلب (وآخر خلفه) هو قثم بن العباس بن عبد المطلب كذا قاله ابن حجر، لكن لا أعلم هل خرج عبد الله بن جعفر من المدينة إلى مكة بعد أن دخلها مع أبيه من الحبشة حتى استقبل النبي بَّر حين قدومه مكة في الفتح فلينظر. وقول الحافظ ابن حجر: وكون الترجمة لتلقي القادم من الحج والحديث دال على تلقي القادم للحج ليس بينهما تخالف لاتفاقهما من حيث المعنى، تعقبه العيني فقال: لا نسلم أن كون الترجمة لتلقي القادم من الحج بل هي لتلقي القادم للحج، والحديث يطابقه وهذا القائل ذهل وظن أن الترجمة وضعت لتلقي القادم من الحج وليس كذلك وذلك لأنه لو علم أن لفظ الاستقبال في الترجمة مصدر مضاف إلى مفعوله والفاعل ذكره مطوي لما احتاج إلى قوله وكون الترجمة إلى آخره اهـ. ولعله أخذه من كلام ابن المنير حيث تعقب ابن بطال لما قال في الحديث: من الفقه جواز تلقي القادمين من الحج لأنه عليه الصلاة والسلام لم ينكر ذلك بل سرته لحمله لهما بين يديه وخلفه فقال ٣٢٣ کتاب العمرة/ باب ١٤/ حديث ١٧٩٩ هذا ليس تلقيًا للقادم من الحج ولكنه تلقي القادم للحج قال: وتلك العادة إلى الآن يتلقي المجاورون وأهل مكة القادمين من الركبان اهـ. نعم يؤخذ منه بطريق القياس تلقي القادمين من الحج بل ومن في معناهم كمن قدم من جهاد أو سفر تأنيسًا لهم وتطييبًا لقلوبهم. وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن جعفر قال: كان النبي ◌َّ﴿ إذا قدم من سفر تلقى بصبيان أهل بيته، وأنه قدم من سفر فسبق بي إليه فحملني بين يديه ثم جيء بأحد ابني فاطمة فأردفه خلفه فدخلنا المدينة ثلاثة على دابة. وفي المسند وصحيح الحاكم عن عائشة قالت: أقبلنا من مكة في حج أو عمرة فتلقانا غلمان من الأنصار كانوا يتلقون أهاليهم إذا قدموا. وذكر ابن رجب في لطائفه عن أبي معاوية الضرير عن حجاج عن الحكم قال، قال ابن عباس رضي الله عنهما: لو يعلم المقيمون ما للحجاج عليهم من الحق لأتوهم حين يقدمون حتى يقبلوا رواحلهم لأنهم وفد الله في جميع الناس. وفي حديث الباب التحديث والعنعنة والقول. ورواته الثلاثة الأول بصريون، وأخرجه المؤلف أيضًا في اللباس والنسائي في الحج. ١٤ - باب القُدوم بالغَداةِ (باب) استحباب (القدوم) أي قدوم المسافر إلى منزله (بالغداة). ١٧٩٩ - حدثنا أحمدُ بنُ الحجّاجِ حدَّثَنا أنسُ بنُ عياضٍ عن عُبيدِ اللَّهِ عن نافعِ عنِ ابنِ عمر رضي اللّهُ عنهما ((أنَّ رسولَ اللّهِ بِّهَ كان إذا خَرَجَ إلى مكةَ يُصلِّي في مسجدِ الشجرةِ، وإذا رَجَعَ صلَّى بذي الحُليفةِ ببطنِ الوادي، وبات حتَّی یصبحَ)). وبالسند قال: (حدثنا أحمد بن الحجاج) بفتح الحاء المهملة وتشديد الجيم الذهلي الشيباني قال: (حدثنا أنس بن عياض) المدني (عن عبيد الله) بتصغير عبد بن عمر العمري (عن نافع عن) عبد الله (بن عمر رضي الله عنهما) (أن رسول الله وَ﴿ كان إذا خرج) من المدينة (إلى مكة يصلي في مسجد الشجرة) التي بمسجد ذي الحليفة (وإذا رجع) من مكة (صلى بذي الحليفة ببطن الوادي وبات) بها (حتى يصبح) ثم يتوجه إلى المدينة لئلا يفجأ الناس أهاليهم ليلاً. وهذا الحديث مرّ في باب: خروج النبي وَ لّر على طريق الشجرة وليس الدخول بالغداة متعينًا ولذا قال المؤلف: ٣٢٤ كتاب العمرة/ باب ١٥ و ١٦ و١٧/ حديث ١٨٠٠ و١٨٠١ ١٥ - باب الدُّخولِ بالعَشِيِّ (باب الدخول) أي المسافر على أهله (بالعشي) والمراد به هنا من وقت الزوال إلى الغروب. ١٨٠٠ - حدثنا موسى بنُ إسماعيلَ حدَّثَنا همَّمٌ عن إسحق بن عبدِ اللهِ بنِ أبي طلحةً عن أنسٍ رضي اللّهُ عنه قال ((كان النبيُّ ◌َّوَ لا يَطرُقُ أَهلَهُ، كان لا يَدخُلُ إلاّ غُدوةً أو عَشِيَةً». وبالسند قال: (حدثنا موسى بن إسماعيل) المنقري قال: (حدثنا همام) هو ابن يحيى العوذي بفتح العين المهملة وسكون الواو وكسر المعجمة البصري (عن إسحق بن عبد الله بن أبي طلحة) الأنصاري المدني (عن أنس) هو ابن مالك (رضي الله عنه قال): (كان النبي ◌َّ لا يطرق أهله) بضم الراء من الطروق أي لا يأتيهم ليلاً إذا رجع من سفره ولا يكون الطروق إلا ليلاً قيل أن أصل الطروق من الطرق وهو الدق وسمي الآتي بالليل طارقًا لحاجته إلى دق الباب (كان لا يدخل إلا غدوة أو عشية) لكراهته لطروق أهله والله أعلم. ١٦ - باب لا يطرُقُ أهلَهُ إذا بَلِغَ المدينةَ هذا (باب) بالتنوين (لا يطرق) المسافر (أهله إذا بلغ المدينة) أي البلد التي يريد دخولها وللحموي: إذا دخل المدينة أي أراد دخولها . ١٨٠١ - حدثنا مُسلمُ بنُ إبراهيمَ حدَّثَنا شُعبةُ عن محاربٍ عن جابرٍ رضيَ اللّهُ عنهُ قال (نَهِى النبيُّ وَ أَن يطرُقَ أهْلَهُ ليلاً)). وبالسند قال: (حدثنا مسلم بن إبراهيم) الفراهيدي البصري قال: (حدثنا شعبة) بن الحجاج (عن محارب) هو ابن دثار السدوسي الكوفي (عن جابر رضي الله عنه قال): (نهى النبي وَلا أن يطرق) المسافر (أهله ليلاً) كراهة أن يهجم منها على ما يقبح عند اطلاعه عليه فيكون سببًا إلى بغضها وفراقها، فنبه ويّ على ما تدوم به الألفة وتتأكد به المحبة فينبغي أن يجتنب مباشرة أهله في حال البذاذة وغير النظافة وأن لا يتعرض لرؤية عورة يكرهها منها وكلمة (أن) في قوله أن يطرق مصدرية، وليلاً نصب على الظرفية وأتى به للتأكيد أو على لغة، من قال أن طرق يستعمل بالنهار أيضًا حكاه ابن فارس. ١٧ - باب مَن أسرَعَ ناقتَهُ إذا بَلغَ المدينةَ (باب من أسرع ناقته إذا بلغ المدينة) قال في المحكم: أسرع يتعدى بنفسه ويتعدى بالباء وهو يردّ على من خطأ المؤلف حيث لم يعدّه بالباء. ٣٢٥ كتاب العمرة/ باب ١٨/ حديث ١٨٠٢ و ١٨٠٣ ١٨٠٢ - حدثنا سعيدُ بنُ أبي مَريمَ أخبرنا محمدُ بنُ جَعفرٍ قال: أخبرَني حُميدٌ أنه سمعَ أنسًا رضيَ اللّهُ عنه يقول ((كان رسولُ اللّهِ وَ ل﴿ إذا قدِمَ من سفرٍ فأبصرَ دَرجاتِ المدينةِ أوضَعَ ناقتَهُ، وإن كانت دابَّةً حرَّكها)). قال أبو عبدِ اللّهِ: زادَ الحارثُ بنُ عُميرٍ عن حُميدِ «حَرَّكها مِن حُبِّها)). حدثنا قُتيبةُ حدَّثَنا إسماعيلُ عن حُميدٍ عن أنسٍ قال ((جُدُراتِ)). تابعَهُ الحارثُ بنُ عُميرٍ [الحديث ١٨٠٢ - طرفه في: ١٨٨٦]. وبالسند قال: (حدثنا سعيد بن أبي مريم) هو سعيد بن الحكم بن محمد بن سالم بن أبي مريم الجمحي قال: (أخبرنا محمد بن جعفر) هو ابن أبي كثير المدني (قال: أخبرني) بالإفراد (حميد) الطويل (أنه سمع أنسًا رضي الله عنه يقول) (كان رسول الله) ولأبي ذر وابن عساكر: النبي (َّ إذا قدم من سفر فأبصر درجات المدينة) بفتح الدال والراء والجيم أي طرقها المرتفعة، ولأبي ذر عن المستملي : دوحات المدينة بواو ساكنة بعدها مهملة بدل الراء والجيم أي شجرها العظام (أوضع ناقته) بفتح الهمزة والضاد المعجمة والعين المهملة أي حملها على السير السريع (وإن كانت) أي المركوبة (دابة) وهي أعم من الناقة (حركها) جواب أن. (قال: أبو عبد اللَّه) المؤلف (زاد الحرث بن عمير) مصغرًا البصري مما وصله الإمام أحمد (عن حميد) الطويل أي عن أنس (حركها من حبها) الجار والمجرور يتعلق بقوله حركها أي حرك دابته بسبب حبه المدينة . وبه قال: (حدثنا قتيبة) بن سعيد (قال: حدثنا إسماعيل) بن جعفر بن أبي كثير المدني (عن حميد) الطويل (عن أنس) أنه (قال: جدرات) بضم الجيم والدال بغير تنوين كما في الفرع وغيره أي جدرات المدينة جمع جدر بضمتين جمع جدار وفي بعض النسخ جدرات بالتنوين. وقال القاضي عياض مما رأيته في المطالع؛ جدرات أشبه من دوحات ودرجات. وقال الحافظ ابن حجر: وهي أي جدرات رواية الترمذي من طريق إسماعيل بن جعفر أيضًا، وقد رواه الإسماعيلي من هذا الوجه بلفظ: جدران بسکون الدال وآخره نون جمع جدار. (تابعه) أي تابع إسمعيل (الحرث بن عمير) في قوله جدرات. ١٨ - باب قولِ اللّهُ تعالى ﴿وأُتوا البيوتَ مِن أبوابها﴾ [البقرة: ١٨٩] (باب) بيان سبب نزول (قول الله تعالى) (﴿وأتوا البيوت من أبوابها﴾) [البقرة: ١٨٩]. ١٨٠٣ - حدثنا أبو الوليدِ حدَّثَنا شعبةُ عن أبي إسحق قال: سمعتُ البراءَ رضيَ اللّهُ عنه يقول ((نَزَلَتْ هذه الآيةُ فينا، كانتِ الأنصارُ إذا حَجُوا فجاؤوا لم يَدخُلوا مِن قِبَلِ أبوابٍ بیوتِهم، ولكِنْ مِن ظهورها، فجاء رجُلٌ مِنَ الأنصارِ فدخَلَ من قِبَلِ بابهِ، فكأَنَّهُ عُيْرَ بِذْلِكَ، فَتَزَلَتْ ﴿وَلَيسَ ٣٢٦ كتاب العمرة/ باب ١٩/ حديث ١٨٠٤ البرُّ بأن تأتوا البيوتَ مِن ظُهورها ولكنَّ البرَّ مَنِ اتَّقَى وأُتوا البُيوتَ مِن أبوابِها﴾)). [الحديث ١٨٠٣ - طرفه في: ٤٥١٢]. وبالسند قال: (حدثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك الطيالسي قال: (حدثنا شعبة) بن الحجاج (عن أبي إسحق) عمرو بن عبد اللَّه السبيعي الكوفي (قال: سمعت البراء) بن عازب (رضي الله عنه يقول: نزلت هذه الآية فينا كانت الأنصار إذا حجوا فجاؤوا) المدينة (لم يدخلوا من قبل أبواب بيوتهم ولكن من ظهورها) بكسر قاف قبل وفتح الموحدة، وقد روى ابن خزيمة والحاكم في صحيحيهما عن جابر قال: كانت قريش تدعى الحمس وكانوا يدخلون من الأبواب في الإحرام، وكانت الأنصار وسائر العرب لا يدخلون من الأبواب الحديث. ورواه عبد بن حميد من مرسل قتادة كما قال البراء، وكذا أخرجه الطبري من مرسل الربيع بن أنس نحوه وهذا صريح في أن سائر العرب كانوا يفعلون ذلك كالأنصار إلا قريشًا. (فجاء رجل من الأنصار فدخل من قبل بابه) بكسر القاف وفتح الموحدة والرجل هو قطبة بضم القاف وسكون المهملة وفتح الموحدة ابن عامر بن حديدة بمهملات بوزن كبيرة الأنصاري الخزرجي كما سمي في رواية جابر السابقة عند ابن خزيمة والحاكم في صحيحيهما، وقيل هو رفاعة بن تابوت والأول أولى، ويؤيده أن في مرسل الزهري عند الطبري: فدخل رجل من الأنصار من بني سلمة وقطبة من بني سلمة بخلاف رفاعة، وقد وقع في حديث ابن عباس عند ابن جرير أن القصة وقعت أوّل ما قدم النبي ◌ُّر المدينة وفي إسناده ضعف، وفي مرسل الزهري أنه وقع في عمرة الحديبية، وفي مرسل السدّي عند الطبري في حجة الوداع قال في الفتح: وكأنه أخذه من قوله: كانوا إذا حجوا، لكن وقع في رواية الطبري كانوا إذا أحرموا وهذا يتناولهما أي الحج والعمرة والأقرب ما قال الزهري. وقد بين الزهري السبب في صنيعهم ذلك فقال: كان ناس من الأنصار إذا أهلّوا بالعمرة لم يحل بينهم وبين السماء شيء فكان الرجل إذا أهلّ فبدت له حاجة في بيته لم يدخل من الباب من أجل السقف أن يحول بينه وبين السماء. (فكأنه عيّر بذلك) بضم العين المهملة مبنيًّا للمفعول أي بدخوله من قبل بأبه وكانوا يعدّون إتيان البيوت من ظهورها برًا (فنزلت) أي الآية وهي قوله تعالى: ((وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر﴾) برّ (﴿من اتقى﴾) أي المحارم والشهوات (﴿وأتوا البيوت من أبوابها﴾) [البقرة: ١٨٩] واتركوا سنة الجاهلية فليس في العدول برّ. ١٩ - باب السَّفَرُ قِطعةٌ من العذابِ هذا (باب) بالتنوين (السفر قطعة) جزء (من العذاب). ١٨٠٤ - حدثنا عبدُ اللّهِ بنُ مَسْلَمَةَ حدَّثَنا مالكٌ عن سُمَيّ عن أبي صالح عن أبي هريرةَ ٣٢٧ كتاب العمرة/ باب ٢٠ رضيَ اللّهُ عنه عنِ النبيِّ وَّ قال ((السفرُ قِطعةٌ من العذابِ: يَمْنَعُ أحدكم طَعَامَهُ وشَرَابَهُ ونَومه فإِذا قَضى نَهْمتَه فَلْيُعَجِّلْ إلى أهلِهِ)) [الحديث ١٨٠٤ - طرفاه في: ٣٠٠١، ٥٤٢٩]. وبالسند قال: (حدثنا عبد الله بن مسلمة) بن قعنب القعنبي المدني قال: (حدثنا مالك) إمام الأئمة (عن سمي) بضم السين المهملة وفتح الميم وتشديد التحتية مصغرًا القرشي المخزومي (عن أبي صالح) ذكوان الزيات (عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ◌ٍَّ قال): (السفر قطعة) جزء (من العذاب) بسبب الألم الناشىء عن المشقة فيه لما يحصل في الركوب والمشي من ترك المألوف (يمنع أحدكم طعامه وشرابه ونومه) بنصب الأربعة لأن منع يتعدى المفعولين. الأول أحدكم، والثاني طعامه وشرابه عطف عليه ونومه إما على الأول أو على الثاني على الخلاف، والجملة استئنافية وهي في الحقيقة جواب عما يقال لم كان السفر قطعة من العذاب فقال: لأنه يمنع أحدكم وليس المراد بالمنع في المذكورات منع حقيقتها بل منع كمالها أي لذة طعامه الخ. وفي حديث أبي سعيد المقبري السفر قطعة من العذاب لأن الرجل يشتغل فيه عن صلاته وصيامه، وللطبراني: لا يهنأ أحدكم نومه ولا طعامه ولا شرابه أو المراد يمنعه ذلك في الوقت الذي يريده لاشتغاله بالمسير ولما جلس إمام الحرمين موضع أبيه سئل لم كان السفر قطعة من العذاب، فأجاب على الفور لأن فيه فراق الأحباب ولا يعارض ما ذكر حديث ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم مرفوعًا: سافروا تغنموا وفي رواية: ترزقوا، ويروى: سافروا تصحوا لأنه لا يلزم من الصحة بالسفر لما فيه من الرياضة والغنيمة والرزق أن لا يكون قطعة من العذاب لما فيه من المشقة . (فإذا قضى) المسافر (نهمته) بفتح النون وإسكان الهاء أي رغبته وشهوته وحاجته (فليعجل) الرجوع (إلى أهله) زاد في حديث عائشة عند الحاكم فإنه أعظم لأجره. قال ابن عبد البر: وزاد فيه بعض الضعفاء عن مالك وليتخذ لأهله هدية وإن لم يجد إلا حجرًا يعني حجر الزناد قال: وهي زيادة منكرة . وهذا الحديث أخرجه المؤلف أيضًا في الجهاد وفي الأطعمة ومسلم في المغازي والنسائي في السير . ٢٠ - باب المُسافِرِ إذا جَدَّ به السَّيرُ يُعجِّلُ إلى أهلِه (باب المسافر إذا جدّ به السير) قال ابن الأثير إذا اهتم به وأسرع فيه، يقال جدّ يجد ويجدّ بالضم والكسر وجد به الأمر وأجد وجد فيه وأجد إذا اجتهد وجواب إذا قوله (يعجل إلى أهله) بضم الياء وفتح العين وتشديد الجيم، وفي نسخة: تعجل بفتح المثناة الفوقية والجيم، وللكشميهني والنسفي كما في الفتح: ويعجل بالواو وجواب إذًا حينئذٍ محذوف أي ماذا يصنع. ٣٢٨ كتاب العمرة/ باب ٢٠/ حديث ١٨٠٥ ١٨٠٥ - حدثنا سعيدُ بنُ أبي مريمَ أخبرنا محمدُ بنُ جَعفرٍ قال أخبرني زيدُ بنُ أسلمَ عن أبيهِ قال ((كنتُ معَ عبدِ اللهِ بنِ عمر رضيَ اللهُ عنهما بطريقِ مكةَ، فَبَلَغَهُ عن صَفيَّةَ بنتِ أبي عُبيدٍ شدَّةُ وَجعٍ، فأسرَعَ السيرَ، حتى كانَ بعدَ غُروبِ الشَّفَقِ نَزَل فصلَّى المغْرِبَ والعَتمَةَ - جَمَعَ بينهما - ثمَّ قال: إني رأيتُ النبيَّ نَّه إذا جدَّ بهِ السَّيرُ أخّرَ المغْرِبَ وَجَمَع بينهما)). وبالسند قال: (حدثنا سعيد بن أبي مريم) الجمحي قال: (أخبرنا محمد بن جعفر) هو ابن أبي كثير المدني (قال: أخبرني) بالإفراد (زيد بن أسلم) العدوي مولى عمر المدني كان يرسل (عن أبيه) أسلم وهو مخضرم مات سنة ثمانين وهو ابن أربع عشرة ومائة سنة (قال: كنت مع عبد الله بن عمر رضي الله عنهما بطريق مكة فبلغه عن) زوجته (صفية بنت أبي عبيد) الثقفي والد المختار الكذاب الخارجي، وكان يزعم أن جبريل عليه الصلاة والسلام يأتيه بالوحي (شدة وجع فأسرع السير) فيه تعدى أسرع إلى المفعول بنفسه فيرد على من اعترض على المؤلف في قوله السابق باب: من أسرع ناقته بأنه إنما يتعدى بحرف الجر (حتى إذا كان بعد غروب الشفق نزل) عن دابته (فصلى المغرب والعتمة جمع بينهما ثم قال): أي ابن عمر (إني رأيت النبي ◌َ﴿ إذا جد به السير أخر المغرب) إلى وقت العشاء (وجمع بينهما) جمع تأخير والجملة حالية أو استئنافية. بسم الله الرحمن الرحيم ٢٧ - أبواب المحصر (بسم الله الرحمن الرحيم). وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحصِرْتُم فما استَيْسَرَ مِنَ الْهَديِ ولا تَحْلِقوا رؤوسَكم حتى يَبلُغِ الْهَدِيُّ مَحِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وقال عطاء: الإحصارُ مِن كل شيءٍ بِحَسَبِهِ . (باب) بيان أحكام (المحصر) بضم الميم وسكون الحاء وفتح الصاد المهملتين آخره راء، ولأبي ذر: أبواب بالجمع والمحصر الممنوع من الوقوف بعرفة أو الطواف بالبيت كالمعتمر الممنوع منه (و) أحكام (جزاء الصيد) الذي يتعرض إليه المحرم، (وقوله تعالى) بالرفع على الاستئناف أو الجر عطفًا على المحصر أي: وبيان المراد من قوله تعالى: (﴿فإن أحصرتم﴾) منعتم يقال: حصره العدوّ وأحصره إذا حبسه ومنعه عن المضي مثل صده وأصدّه (﴿فما استيسر من الهدي﴾) أي فعليكم ما استيسر أو فاهدوا ما استيسر، والمعنى: إن منعتم عن المضي إلى البيت وأنتم محرمون بحج أو عمرة فعليكم إذا أردتم التحلل أن تتحللوا بذبح هدي يسر عليكم من بدنة أو بقرة أو شاة حيث أحصرتم عند الأكثر (﴿ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾﴾ [البقرة: ١٩٦] حیث یحل ذبحه حلاً كان أو حرامًا أو لا تحلوا حتى تعلموا أن الهدي المبعوث به إلى الحرم بلغ محله أي مكانه الذي يجب أن ينحر فيه، وسقط في رواية أبي ذر قوله: ولا تحلقوا الخ. (وقال عطاء): هو ابن أبي رباح مما وصله ابن أبي شيبة (الإحصار من كل شيء بحسبه) والذي في اليونينية يحبسه بفتح التحتية وسكون المهملة وكسر الموحدة بعدها سين مهملة فلا يختص بمنع العدوّ فقط بل هو عام في كل حابس من عدوّ ومرض وغيرهما، وبه قال الحنفية ككثير من الصحابة وغيرهم، حتى أفتى ابن مسعود رجلاً لدغ بأنه محصر أخرجه ابن حزم بإسناد صحيح والطحاوي ولفظه عن علقمة قال: لدغ صاحب لنا وهو محرم بعمرة فذكرناه لابن مسعود فقال: يبعث بهدي ٣٣٠ أبواب المحصر ويواعد أصحابه موعدًا فإذا نحر عنه حل قالوا: وإذا قامت الدلالة على أن شرعيته للحابس مطلقًا استفيد جوازه لمن سرقت نفقته ولا يقدر على المشي. وقال مالك والشافعي وأحمد: لا إحصار إلا بالعدوّ لأن الآية وردت لبيان حكم انحصاره عليه الصلاة والسلام وأصحابه وكان بالعدوّ، وقال في سياق الآية: فإذا أمنتم فعلم أن شرعية الإحلال في العدوّ كانت لتحصيل الأمن منه وبالإحلال لا ينجو من المرض فلا يكون الإحصار بالمرض في معناه فلا يكون النص الوارد في العدو واردًا في المرض فلا يلحق به دلالة ولا قياسًا لأن شرعية التحلل قبل أداء الأفعال بعد الشروع في الإحرام على خلاف القياس فلا يقاس عليه. وفي الموطأ عن سالم عن أبيه قال: من حبس من دون البيت بمرض فإنه لا يحل حتى يطوف بالبيت، واحتج الحنفية بأن الإحصار هو المنع والاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وبأن إجماع أهل اللغة على أن مدلول لفظ الإحصار بالعمرة المنع الكائن بالمرض، والآية وردت بذلك اللفظ، وبحث فيه المحقق الكمال بن الهمام بأنه ظاهر في أن الإحصار خاص بالمرض والحصر خاص بالعدوّ. ويحتمل أن يراد كون المنع بالمرض من ما صدقات الإحصار فإن أراد الأول ورد عليه كون الآية لبيان حكم الحادثة التي وقعت للرسول بم # وأصحابه رضي الله عنهم، واحتاج إلى جواب صاحب الأسرار وصاحبه كون النص الوارد لبيان حكم حادثة قد ينتظمها لفظًا، وقد ينتظم غيرها مما يعرف بحكمها دلالة، وهذه الآية كذلك إذ يعلم منه حكم منع العدو بطريق الأولى لأن منع العدو حسي لا يتمكن معه من المضي بخلافه في المرض إذ يمكن بالمحمل والمركب والخدم فإذا جاز التحلل مع هذا فمع ذلك أولى. وفي نهاية ابن الأثير يقال أحصره المرض أو السلطان إذا منعه من مقصده فهو محصر وحصره إذا حبسه فهو محصور، وقال تعالى: ﴿للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله﴾ [البقرة: ٢٧٣] والمراد منعهم الاشتغال بالجهاد وهو أمر راجع إلى العدوّ أو المراد أهل الصفة منعهم تعلم القرآن أو شدة الحاجة والجهد عن الضرب في الأرض للتكسب وليس هو بالمرض اهـ. وزاد أبو ذر عن المستملي (قال أبو عبد اللَّه): أي المؤلف على عادته في ذكر تفسير ما يناسب ما هو بصدده (حصورًا) في قوله تعالى في يحيى بن زكريا ﴿وحصورًا﴾ [آل عمران: ٣٩] معناه (لا يأتي النساء) وهو بمعنى محصور لأنه منع مما يكون من الرجال وقد ورد فعول بمعنى مفعول كثيرًا، وهذا التفسير نقله الطبري عن سعيد بن جبير وعطاء ومجاهد وليس المراد أنه لا يأتي النساء لأنه كان هيوبًا لهن أو لا ذكر له لأن هذه نقيصة لا تليق بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام بل معناه أنه معصوم عن الفواحش والقاذورات والملاهي، روي أنه مرّ في صباه بصبيان فدعوه إلى اللعب فقال: ما للعب خلقت . ٣٣١ أبواب المحصر/ باب ١ / حديث ١٨٠٦ و ١٨٠٧ ١ - باب إذا أُخْصِرَ المُعْتَمِرُ هذا (باب) بالتنوين (إذا أحصر المعتمر). ١٨٠٦ - حدثنا عبدُ اللَّهِ بنُ يوسفَ أخبرنا مالكٌ عن نافع: «أن عبدَ اللَّهِ بنَ عمرَ رضيَ اللَّهُ عنهما حينَ خرجَ إلى مكة مُعتَمِرًا في الفتنةِ قال: إن صُدِدتُ عنِ البيتِ صنعتُ كما صنَعْنا معَ رسولِ اللَّهِ وَ ثَرَ. فأهَلَّ بعمرةٍ، مِن أجلِ أنَّ رسولَ اللّهِ وَ لَ كان أهلَّ بعمرةٍ عامَ الحُدَیْبِةِ». وبالسند قال: (حدثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) إمام الأئمة (عن نافع أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما حين خرج) أي أراد أن يخرج (إلى مكة معتمرًا في الفتنة) حين نزل الحجاج لقتال ابن الزبير، ولا تنافي بين قوله معتمرًا وبين قوله في رواية الموطأ خرج إلى مكة يريد الحج فإنه خرج أوّلاً يريد الحج فلما ذكروا له أمر الفتنة أحرم بالعمرة ثم قال: ما شأنها إلا واحد فأضاف إليها الحج فصار قارنًا. (قال) جوابًا لقولهم: إنا نخاف أن يحال بينك وبين البيت بسبب الفتنة (إن صددت) بضم الصاد مبنيًا للمفعول أي إن منعت (عن البيت صنعت) ولأبي الوقت: صنعنا (كما صنعنا مع رسول الله وَل*) حين صدّه المشركون عن البيت في الحديبية فإنه تحلل من العمرة ونحر وحلق (فأهلّ) أي فرفع ابن عمر صوته بالإهلال والتلبية (بعمرة) زاد في رواية جويرية: من ذي الحليفة، وفي رواية أيوب الماضية: فيهل بالعمرة من الدار أي المنزل الذي نزله بذي الحليفة أو المراد التي بالمدينة فيكون أهلّ بالعمرة من داخل بيته ثم أظهرها بعد أن استقر بذي الحليفة (من أجل أن رسول الله وير كان أهل بعمرة عام الحديبية) سنة ست. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في المغازي، ومسلم في الحج. ١٨٠٧ - حدثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ بن أسماءَ حدَّثنا جُوَيريةُ عن نافع أنَّ عُبيدَ اللَّهِ بنَ عبدِ اللَّهِ وسالمَ بنَ عبدِ اللَّهِ أخبراهُ أنَّهما كَلَّما عبدَ اللَّهِ بنَ عمرَ رضيَ اللّهُ عنهما لَيَالِيَ نزَلَ الجيشُ بابنِ الزُّبيرِ فقالا: لا يَضُرُّك أنْ لا تَحُجَّ العامَ، وإِنّا نَخافُ أن يُحَالَ بينكَ وبينَ البيتِ. فقال: ((خَرَجْنَا معَ رسولِ اللّهِ بَّهَ، فَحَالَ كفّارُ قُرَيش دُونَ البيتِ، فَتَحَرَ النبيُّ ونَ﴿ هَذْيَه، وحَلَقَ رأسَه. وأُشهِدُكم أنّي قد أوجَبتُ العُمرةَ إن شاءَ اللّهُ، أَنْطَلِقُ، فإِن خَلْيَ بَيْنِي وَبَيْنَ البيتِ طُفتُ، وإِن حِيلَ بيني وبَينَهُ فَعلتُ كما فعلَ النبيُّ وَِّ وأنا معَهُ. فَأَهَلَّ بالعُمرةِ مِن ذي الحُلَيفةِ، ثمَّ سارَ ساعةً، ثمّ قال: إِنَّما شأنهما واحدٌ، أُشهِدُكم أني قد أوجبتُ حَجَّةً معَ عُمرتي. فلم يَحِلّ منهما حتّى حلَّ يومَ النَّحرِ وأهْدَى، وكان يقول: لا يَحِلُّ حتى يَطوفَ طوافًا واحدًا يومَ يَدخُل مكةً)). وبه قال: (حدثنا عبد الله بن محمد بن أسماء) بن عبيد الضبعي بضم المعجمة وفتح الموحدة ٣٣٢ أبواب المحصر/ باب ١ / حديث ١٨٠٨ البصري قال: (حدثنا جويرية) تصغير جارية ابن أسماء بن عبيد الضبعي وهو عم عبد الله بن محمد الراوي عنه (عن نافع) مولى ابن عمر (أن عبيد الله بن عبد اللَّه) بتصغير عبد الأوّل ابن عمر بن الخطاب العدوي المدني (و) شقيقه (سالم بن عبد الله) بن عمر (أخبراه) ضمير المفعول لنافع (أنهما كلّما!) أباهما (عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ليالي نزل الجيش) القادمون مع الحجاج من الشام لمكة (بابن الزبير) لمقاتلته وهو بها (فقالا) لأبيهما: (لا يضرك أن لا تحج العام إنا) ولغير أبي الوقت: وإنا (نخاف أن يحال بينك وبين البيت فقال) ابن عمر: (خرجنا مع رسول الله (وَلخير) من المدينة حتى بلغنا الحديبية (فحال كفار قريش دون البيت فنحر النبي (وَل﴿ هديه وحلق رأسه) فحل من عمرته، (وأشهدكم أني قد أوجبت العمرة) على نفسي، ولأبوي ذر والوقت: عمرة بالتنكير، والظاهر أنه أراد تعليم غيره وإلا فليس التلفظ شرطًا وقوله (إن شاء الله) شرط وجزاؤه قوله (أنطلق) إلى مكة أو إن شاء الله تعالى يتعلق بإيجابه العمرة وقصد به التبرك لا التعليق لأنه كان جازمًا بالإحرام بقرينة الإشهاد، (فإن خلي بيني وبين البيت) بضم الخاء المعجمة وتشديد اللام المكسورة (طفت) به وأكملت النسك، (وإن حيل بيني وبينه) بكسر الحاء المهملة وسكون التحتية أي منعت من الوصول إليه لأطوف به (فعلت كما فعل النبي ◌ِّر رأنا معه) من التحلل من العمرة وبالنحر والحلق (فأهلّ) أي ابن عمر (بالعمرة من ذي الحليفة) ميقات المدينة (ثم سار ساعة ثم قال): (إنما شأنهما) أي الحج والعمرة (واحد) في جواز التحلل منهما بالإحصار (أشهدكم أني قد أوجبت حجة مع عمرتي فلم يحل منهما حتى حلّ يوم النحر وأهدى) بنصب يوم على الظرفية ولأبي ذر: حتى دخل من الدخول يوم بالرفع على الفاعلية (وكان يقول): (لا يحل حتى يطوف طوافًا واحدًا يوم يدخل مكة) أي فإن القارن لا يحتاج لطوافين خلافًا للحنفية كما مرّ. ١٨٠٨ - حدثني موسى بنُ إسماعيلَ حدَّثَنَا جُويريةُ عن نافعٍ: «أن بعضَ بني عبدِ اللَّهِ قال له: لو أقمتَ بهذا». وبه قال (حدثنا) ولغير أبي الوقت: حدثني (موسى بن إسماعيل) التبوذكي المنقري قال: (حدثنا جويرية) ابن أسماء (عن نافع أن بعض بني عبد اللَّه) بن عمر بن الخطاب إما عبد اللَّه أو عبيد اللّه أو سالم (قال: له) أي قال لأبيه عبد اللَّه بن عمر لما أراد أن يعتمر في عام نزول الحجاج على ابن الزبير (لو أقمت بهذا) المكان أو في هذا العام لكان خيرًا أو نحوه أو أن (لو) للتمني فلا يحتاج إلى جواب، وإنما اقتصر في رواية موسى هذه هنا على الإسناد لنكتة ذكرها الحافظ ابن حجر وهي: أن قوله في الحديث الأوّل عن نافع أن عبد الله بن عمر حين خرج إلى مكة معتمرًا في الفتنة يشعر بأنه عن نافع عن ابن عمر بغير وساطة، لكن رواية جويرية التالية له تقتضي أن نافعًا حمل ذلك عن سالم وشقيقه عبيد اللّه عن أبيهما هكذا. قال البخاري عن عبد الله بن محمد ابن أسماء ووافقه الحسن بن سفيان وأبو يعلى كلاهما عن عبد اللَّه أخرجه الإسماعيلي عنهما، وتابعهم معاذ بن المثنى ٣٣٣ أبواب المحصر/ باب ٢ / حديث ١٨٠٩ و ١٨١٠ عن عبد الله بن محمد ابن أسماء أخرجه البيهقي، وقد عقب رواية عبد الله برواية موسى لينبه على الاختلاف في ذلك قال الحافظ: والذي يترجح عندي أن ابني عبد اللَّه أخبرا نافعًا بما كلما به أباهما وأشار عليه به من التأخير ذلك العام. وأما بقية القصة فشاهدها نافع وسمعها من ابن عمر لملازمته إياه فالمقصود من الحديث موصول وعلى تقدير أن يكون نافع لم يسمع شيئًا من ذلك من ابن عمر فقد عرف الواسطة بينهما وهي ولدا عبد الله سالم وأخوه وهما ثقتان لا يطعن فيهما اهـ. ١٨٠٩ - حدثنا محمدٌ قال: حدَّثَنَا يَحيى بنُ صالحِ حدَّثَنَا مُعاويةُ بنُ سَلامِ حدَّثنا يحيى بنُ أبي كثير عن عِكرِمةَ قال: قال ابنُ عبّاسٍ رضيَ اللّهُ عنهما: ((قد أُحصِرَ رسولُ اللّهِ وَ فِحَلَق رَأْسَهُ، وجامَعَ نِساءَه، ونَحَرِ هَذْيَهُ، حتّى اعتَمرَ عامًا قابِلاً)). وبه قال: (حدثنا محمد) غير منسوب قال الحاكم هو الهذلي، وقال أبو مسعود الدمشقي هو محمد بن مسلم بن وارة وقال الكلاباذي قال لي السرخسي هو أبو حاتم محمد بن إدريس الرازي ذكر أنه وجده في أصل عتيق قال: (حدثنا يحيى بن صالح) الحمصي قال: (حدثنا معاوية بن سلام) بتشديد اللام الحبشي قال: (حدثنا يحيى بن أبي كثير) بالمثلثة (عن عكرمة) مولى ابن عباس (قال: قال ابن عباس رضي الله عنهما) ولأبي الوقت: فقال بفاء العطف على محذوف ثبت في كتاب الصحابة لابن السكن كما نبه عليه الحافظ ابن حجر وقال: إنه لم ينبه عليه من الشراح غيره ولفظه عن عكرمة قال: قال عبد الله بن رافع مولى أم سلمة سألت الحجاج بن عمرو الأنصاري عمن حبس وهو محرم قال: قال رسول الله وَ ير: ((من عرج أو كسر أو حبس فليجزي مثلها وهو في حل)) قال فحدثت به أبا هريرة فقال: صدق وحدثته ابن عباس فقال: (قد أحصر رسول الله (عليه فحلق رأسه وجامع نساءه ونحر هديه حتى) ولأبي ذر عن المستملي: ثم: (اعتمر عامًا قابلاً) عامًا نصب على الظرفية وقابلاً صفته. والسبب في حذف البخاري ما ذكر أن الزائد ليس على شرطه لأنه قد اختلف في حديث الحجاج بن عمرو وعن يحيى بن أبي كثير مع كون عبد الله بن رافع ليس من شرط البخاري فاقتصر على ما هو من شرط كتابه. وبهذا الحديث تمسك من قال لا فرق بين الإحصار بالعدوّ وبغيره. ٢ - باب الإحصارِ في الحجْ (باب الإحصار في الحج). ١٨١٠ - حدثنا أحمدُ بنُ محمدٍ أخبرنا عبدُ اللَّهِ أخبرَنا يونسُ عنِ الزُّهريِّ قال: أخبرني سالمٌ قال: كان ابنُ عمرَ رضيَ اللّهُ عنهما يقول: ((أليسَ حَسْبُكم سُنَّةَ رسولِ اللهِ وََّ، إِنْ حُبِس ٣٣٤ أبواب المحصر/ باب ٢ / حديث ١٨١٠ أحدُكم عنِ الحجْ طاف بالبيتِ وبالصَّفا والمَروةِ ثمَّ حلَّ من كلِّ شيءٍ حتى يَحُجَّ عامًا قابِلاً فيُهدِيَ أو يصومَ إِن لم يَجِدْ هَذيًا)). وعن عبدِ اللَّهِ أخبرَنا مَعْمَرٌ عنِ الزُّهريِّ قال: حدَّثَني سالمٌ عنِ ابنِ عَمَر ... نحوَه. وبالسند قال: (حدثنا أحمد بن محمد) المعروف بمردويه السمسار المروزي قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك قال: (أخبرنا يونس) بن يزيد الأيلي (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (قال: أخبرني) بالإفراد (سالم) هو ابن عبد الله بن عمر (قال: كان ابن عمر رضي الله عنهما يقول): (أليس حسبكم سنة رسول الله (18) بنصب سنة في اليونينة خبر ليس واسمها حسبكم أو الجملة الشرطية وهي قوله (إن حبس أحدكم عن الحج) بأن منع عن الوقوف بعرفة (طاف بالبيت وبالصفا والمروة) أي إذا أمكنه ذلك تفسير للسنة وهل لها حينئذٍ محل أو لا قولان. وقال القاضي عياض: بالنصب على الاختصاص أو على إضمار فعل أي تمسكوا ونحوه، وقال السهيلي: من نصب سنة فالكلام أمر بعد أمر كأنه قال: الزموا سنة نبيكم كما قال: يا أيها المائح دلوي دونك فدلوي منصوب عندهم بإضمار فعل أمر ودونك أمر آخر (ثم حل من كل شيء) حرم عليه (حتى يحج عاما قابلاً) نصب على الظرفية والصفة (فيهدي) بذبح شاة إذ التحلل لا يحصل إلا بنية التحلل والذبح والحلق (أو يصوم إن لم يجد هديًا) حيث شاء ويتوقف تحلله على الإطعام كتوقفه على الذبح لا على الصوم لأنه يطول زمنه فتعظم المشقة في الصبر على الإحرام إلى فراغه. (وعن عبد اللَّه) بن المبارك بالسند السابق: (قال: أخبرنا معمر) بميمين مفتوحتين بينهما عين ساكنة، والظاهر أن ابن المبارك كان يحدث به تارة عن يونس وتارة عن معمر (عن الزهري) محمد بن مسلم (قال: حدثني) بالإفراد (سالم عن) أبيه (ابن عمر نحوه). وقد أخرجه الترمذي عن أبي كريب عن ابن المبارك عن معمر ولفظه: كان ينكر الاشتراط ويقول: أليس حسبكم سنة نبيكم. وأخرجه الإسماعيلي من وجه آخر عن عبد الرزاق بتمامه، وكذا أخرجه النسائي. وأما إنكار ابن عمر الاشتراط فثابت في رواية يونس أيضًا إلا أنه حذف في رواية البخاري هذه فأخرجه البيهقي من طريق السراج عن أبي كريب عن ابن المبارك عن يونس. وقرأت في كتاب معرفة السنن والآثار له ما لفظه قال أحمد: ابن شهاب إنما يرويه في رواية يونس بن يزيد عنه عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه أنه كان ينكر الاشتراط في الحج، ولو بلغه حديث رسول الله وَ ليل في ضباعة بنت الزبير لم ينكره اهـ. ٣٣٥ أبواب المحصر/ باب ٣/ حديث ١٨١١ وحديث ضباعة أخرجه الشافعي عن ابن عيينة عن هشام بن عروة عن أبيه أن رسول الله د الهول مرّ بضباعة بنت الزبير فقال: ((أما تريدين الحج)) فقالت: إني شاكية فقال لها: ((حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني)) وأخرجه البخاري في النكاح. وقول الأصيلي فيما حكاه عياض عنه لا يثبت في الاشتراط إسناد صحيح، تعقبه النووي بأن الذي قاله غلط فاحش لأن الحديث مشهور صحيح من طرق متعددة وهذا مذهب الشافعية، وقيس بالحج العمرة فإذا شرطه بلا هدي لم يلزمه هدي عملاً بشرطه، وكذا لو أطلق لعدم الشرط ولظاهر حديث ضباعة فالتحلل فيهما يكون بالنية فقط فإن شرطه بهدي لزمه عملاً بشرطه، ولو قال: إن مرضت فأنا حلال فمرض صار حلالاً بالمرض من غير نية، وعليه حملوا حديث من كسر أو عرج فقد حلّ وعليه الحج من قابل رواه أبو داود وغيره بإسناد صحيح، وأن شرط قلب الحج عمرة بالمرض أو نحوه جاز كما لو شرط التحلل به بل أولى، ولقول عمر لأبي أمية سويد بن غفلة: حج واشترط وقل اللهم الحج أردت وله عمدت فإن تيسر وإلا فعمرة رواه البيهقي بإسناد حسن، ولقول عائشة لعروة هل تستثني إذا حججت فقال: ماذا أقول؟ قالت: قل اللهم الحج أردت وله عمدت فإن يسرته فهو الحج وإن حبسني حابس فهو عمرة رواه الشافعي والبيهقي بإسناد صحيح على شرط الشيخين فله في ذلك إذا وجد العذر أن يقلب حجه عمرة وتجزئه عن عمرة الإسلام ولو شرط أن يقلب حجه عمرة عند العذر فوجد العذر انقلب حجه عمرة وأجزأته عن عمرة الإسلام كما صرح به البلقيني بخلاف عمرة التحلل في الإحصار لا تجزىء عن عمرة الإسلام لأنها في الحقيقة ليست عمرة وإنما هي أعمال عمرة. ٣ - باب النَّحْرِ قَبَلَ الحَلقِ فِي الحَضْرِ (باب النحر قبل الحلق في الحصر). ١٨١١ - حدثنا محمودٌ حدثنا عبدُ الرزّاق أخبرنا مَعمرٌ عنِ الزُّهريِّ عنْ عُروةَ عنِ المِسْوَرِ رضيَ اللّهُ عنه: ((أَنَّ رسول اللّهِ وَلَوْ نِحَرَ قبلَ أن يَحلِقَ، وأمرَ أصحابَهُ بذلكَ». وبالسند قال (حدثنا محمود) هو ابن غيلان المروزي العدوي قال: (حدثنا عبد الرزاق) بن همام قال: (أخبرنا معمر) هو ابن راشد (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (عن عروة) بن الزبير بن العّام (عن المسور) بكسر الميم وفتح الواو بينهما سين مهملة ساكنة ابن مخرمة بن نوفل القرشي الزهري له ولأبيه صحبة (رضي الله عنه) وعن أبيه (أن رسول الله وَلجر نحر) الهدي بالحديبية (قبل أن يحلق وأمر أصحابه) الذين كانوا معه (بذلك). قال: في الفتح: ولم يتعرض المصنف لما يجب على من حلق قبل أن ينحر، وقد روى ابن أبي شيبة من طريق الأعمش عن إبراهيم عن علقمة قال: عليه دم قال إبراهيم: حدثني سعيد بن جبير عن ابن عباس مثله. ٣٣٦ أبواب المحصر / باب ٤/ حديث ١٨١٢ فإن قلت: قوله تعالى: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾ [البقرة: ١٩٦] يقتضي تأخر الحلق عن النحر فكيف يكون متقدمًا . أجيب: بأن ذلك في غير الإحصار أما نحر هدي المحصر فحيث أحصر وهناك قد بلغ محله فقد ثبت أنه عليه الصلاة والسلام تحلل بالحديبية ونحر بها بعد الحلق وهي من الحل لا من الحرم. وفي الحديث أن المحصر إذا أراد التحلل يلزمه دم يذبحه وقال المالكية: لا هدي عليه إذا تحلل وهو مذهب ابن القاسم. وأجاب عن قوله تعالى: ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي﴾ [البقرة: ١٩٦] بأن أحصر الرباعي في الحصر بالمرض وحصر الثلاثي في الحصر بالعدوّ قال القاضي: ونقل بعض أئمة اللغة يساعدهم اهـ. والحديث حجة عليهم لأنه نقل فيه حكم وسبب فالسبب الحصر والحكم النحر فاقتضى الظاهر تعلق الحكم بذلك السبب قاله التيمي، وأما أحصر وحصر فسبق البحث فيهما قريبًا. ١٨١٢ - حدثنا محمدُ بنُ عبدِ الرَّحِيم أخبرنا أبو بَذْرٍ شُجاعُ بنُ الوَليدِ عن عُمَر بنِ محمدٍ العُمَرَيِّ. قال: وحَدَّثَ نافع أن عبدَ اللّهِ وسالمًا كَلَّما عبدَ اللَّهِ بنَ عُمرَ رضيَ اللّهُ عنهما فقال: (خَرَجْنَا معَ النبيِّ بَّرَ مُعْتمرين فحالَ كفارُ قُريشِ دُونَ البيتِ، فَتَحَرَ رسولُ اللّهِ وَّهِ بُدْنَهُ وحَلَقَ رأسَهُ» . وبه قال: (حدثنا) بالجمع ولأبي ذر وابن عساكر: حدثني بالإفراد (محمد بن عبد الرحيم) صاعقة قال: (أخبرنا أبو بدر شجاع بن الوليد) بن قيس الكوفي (عن عمر بن محمد) هو عمر بن محمد بن زيد بن عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب نزيل عسقلان المتوفى قبل سنة خمسين ومائة (العمري قال: وحدث نافع) بن عبد اللَّه المدني مولى ابن عمر بن الخطاب (أن عبد اللَّه) بن عبد الله بن عمر (و)أخاه (سالمًا كلما) أباهما (عبد الله بن عمر رضي الله عنهما) ليالي نزل الجيش بابن الزبير بمكة فقالا: لا يضرك أن تحج العام وإنا نخاف أن يحال بينك وبين البيت (فقال) (خرجنا مع النبي ◌َّه) إلى ذي الحليفة (معتمرين) بكسر الراء (فحال كفار قريش دون البيت فنحر رسول الله وعليه بدنه) بضم الموحدة وسكون الدال (وحلق رأسه) فتحلل. ٤ - باب مَن قال: ليسَ على المُحصَرِ بَدَل وقال رَوحْ عن شِبلٍ عن ابنِ أبي نَجيح عن مُجاهدٍ عنِ ابنِ عبّاسٍ رضيَ اللّهُ عنهما إِنَّما البَدَلُ على مَن نَقضَ حَجَّهُ بالتَّلذَّذِ، فأما من حَبسهُ عُذرٌ أو غيرُ ذلكَ فإِنهُ يَحِلُّ ولا يَرجعُ، وإِن كان معهُ هَذِيٌ وهوَ مُحصَرْ نَحرَهُ إِنْ كان لا يَستَطيعُ أنْ يَبْعَثَ بِهِ، وإِنِ استطاعَ أن يَبْعَثَ بهِ لم يَحِلَّ حتى ٣٣٧ أبواب المحصر/ باب ٤ / حديث ١٨١٢ يَبلُغَ الهذيُ مَحِلَّه. وقال مالكٌ وغيرُه: يَنحرُ هَذَهُ ويَحلِقُ في أيِّ مَوضِع كان ولا قضاءَ عليه، لأن النبيّ وَّهِ وأصحابَهُ بالحُدَيبيةِ نحَروا وحَلَقوا وحَلُّوا من كلَّ شيءٍ قبلَ الطوافِ وقبلَ أن يَصِلَ الهَدْيُ إِلى البيتِ، ثُمَّ لم يُذكَرْ أنَّ النبيَّ ◌َر أمرَ أحدًا أن يَقضوا شيئًا ولا يَعودوا له. والحُدَيبيةُ خارجٌ منَ الحرّم. (باب من قال: ليس على المحصر بدل) أي قضاء لما أحصر فيه من حج أو عمرة (وقال: روح) بفتح الراء وسكون الواو آخره مهملة ابن عبادة بضم العين وتخفيف الموحدة مما وصله إسحق بن راهويه في تفسيره (عن شبل) بكسر الشين المعجمة وسكون الموحدة ابن عباد بفتح العين وتشديد الموحدة المكي من صغار التابعين وثقه أحمد وابن معين والدارقطني وأبو داود وزاد: كان يُرمى بالقدر وله في البخاري حديثان (عن ابن أبي نجيح) بفتح النون وکسر الجيم عبد الله (عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما) موقوفًا (إنما البدل) أي القضاء (على من نقض) بالضاد المعجمة ولأبي ذر: نقص بالصاد المهملة (حجه بالتلذذ) بمعجمتين أي بالجماع (فأما من حبسه عذر) بضم العين وسكون الذال المعجمة وهو ما يطرأ على المكلف يقتضي التسهيل قال البرماوي كالكرماني ولعله المراد به هنا نوع منه كالمرض ليصح عطف (أو غير ذلك) عليه أي من مرض أو نفاد نفقة ولأبي ذر: حبسه عدوّ من العداوة (فإنه يحل) من إحرامه (ولا يرجع) أي لا يقضي وهذا في النفل. أما الفرض فإنه ثابت في ذمته فيرجع لأجله في سنة أخرى، والفرق بين حج النفل الذي يفسد بالجماع الواجب قضاؤه وبين النفل الذي يفوت عنه بسبب الإحصار التقصير وعدمه وقال الحنفية: إذا تحلل لزمه القضاء سواء كان فرضًا أو نفلاً (وإذا كان معه هدي وهو محصر نحره) حيث أحصر من حل أو حرم (إن كان لا يستطيع أن يبعث) زاد في رواية أبوي ذر والوقت: به أي بالهدي إلى الحرم (وإن استطاع أن يبعث به لم يحل حتى يبلغ الهدي محله) يوم النحر وقال أبو حنيفة: لا يذبحه إلا في الحرم لأن دم الإحصار قربة والإراقة لم تعرف قربة إلا في زمان أو مكان فلا تقع قربة دونه فلا يقع به التحلل وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾ [البقرة: ١٩٦] فإن الهدي اسم لما يهدى إلى الحرم. (وقال: مالك) إمام الأئمة (وغيره ينحر هديه ويحلق) رأسه (في أي موضع) ولابن عساكر: في المواضع (كان) الحصر وهو مذهب الشافعية فلا يلزمه إذا أحصر في الحل أن يبعث به إلى الحرم (ولا قضاء عليه لأن النبي (وَلّ وأصحابه بالحديبية نحروا وحلقوا وحلّوا من كل شيء) من محظورات الإحرام (قبل الطواف وقبل أن يصل الهدي إلى البيت) أي: ولا طواف ولا وصول هدي إلى البيت (ثم لم يذكر) بضم أوَله وفتح الكاف مبنيًّا للمفعول (أن النبي (َّ)) أمر أحدًا) من أصحابه ممن كان معه (أن يقضوا شيئًا ولا يعودوا له) وكلمة ((لا)) زائدة كهي في قوله: ما منعك أن لا تسجد (والحديبية خارج من الحرم) وهذا يشبه ما قرأته في كتاب المعرفة للبيهقي عن الشافعي وعبارته قال الشافعي: قال الله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا إرشاد الساری/ ج ٤ / م ٢٢ ٣٣٨ أبواب المحصر/ باب ٤/ حديث ١٨١٣ رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾ [البقرة: ١٩٦] قال: فلم أسمع ممن حفظت عنه من أهل العلم بالتفسير مخالفًا في أن الآية نزلت بالحديبية حين أحصر النبي بَّ فحال المشركون بينه وبين البيت، وأن النبي وَّ نحر بالحديبية وحلق ورجع حلالاً ولم يصل إلى البيت ولا أصحابه إلا عثمان بن عفان وحده، ثم قال: ونحر رسول الله وَّلي في الحل، وقيل نحر في الحرم قال الشافعي: وإنما ذهبنا إلى أنه نحر في الحل وبعض الحديبية في الحل وبعضها في الحرم لأن الله تعالى يقول: ﴿وصدُّوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفًا أن يبلغ محله﴾ [الفتح: ٢٥] والحرم كله محله عند أهل العلم. قال الشافعي: فحيثما أحصر ذبح شاة وحل قال الشافعي: فيمن أحصر بعدوّ لا قضاء عليه فإن كان لم يحج حجة الإسلام فعليه حجة الإسلام من قبل قول الله تعالى: ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي﴾ ولم يذكر قضاء قال الشافعي: والذي أعقل من أخبار أهل المغازي شبيه بما ذكرت من ظاهر الآية، وذلك أنا قد علمنا في متواطىء أحاديثهم أنه قد كان مع رسول الله وقَليل عام الحديبية رجال معروفون بأسمائهم، ثم اعتمر رسول الله وَل عمرة القضية وتخلف بعضهم بالمدينة من غير ضرورة في نفس ولا مال علمته، ولو لزمهم القضاء لأمر رسول الله بَله إن شاء الله بأن لا یتخلفوا عنه . ١٨١٣ - حدثنا إسماعيلُ قال: حدَّثَني مالكٌ عن نافعٍ أنَّ عبدَ اللهِ بنَ عُمَر رضيَ اللّهُ عنهما قال: حِينَ خَرجَ إلى مكةَ مُعتمِرًا في الفتنةِ: ((إِن صُدِدْتُ عنِ البيتِ صَنعنا كما صنَعنا مع رسولِ اللّهِ نَّهِ. فأهلَّ بعُمرةٍ مِن أجلِ أنَّ النبيَّ وَّكان أهلَّ بِعُمرةٍ عامَ الحُدَيبيةِ - ثمَّ إِنَّ عبدَ اللَّهِ بنَ عمرَ نَظر في أمرهِ فقال: ما أمرُهما إِلاّ واحدٌ. فالتَفتَ إلى أصحابهِ فقال: ما أمرُهما إِلا واحدٌ، أُشهِدُكم أني قد أوجَبتُ الحجَّ معَ العمرةِ. ثمَّ طافَ لهما طوافًا واحدًا. ورأى أنَّ ذلكَ مُجزىءٌ عنهُ، وأهدى)). وبالسند قال: (حدثنا إسماعيل) بن أبي أويس قال: (حدثني) بالإفراد (مالك) الإمام (عن نافع أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: حين خرج) أي حين أراد أن يخرج (إلى مكة معتمرًا في الفتنة) حين نزول الحجاج لقتال ابن الزبير (إن صددت) أي منعت (عن البيت صنعنا كما صنعنا مع رسول الله ربَّرِ فأهلّ) أي فرفع ابن عمر صوته بالإهلال (بعمرة) من ذي الحليفة أو من المدينة وأظهرها بذي الحليفة (من أجل أن النبي وَّرَ كان أهلّ بعمرة عام الحديبية ثم إن عبد الله بن عمر نظر في أمره فقال: ما أمرهما) أي الحج والعمرة في جواز التحلل منهما بالإحصار (إلا واحد فالتفت إلى أصحابه فقال: ما أمرهما إلا واحد أشهدكم أني قد أوجبت الحج مع العمرة ثم طاف لهما طوافًا واحدًا ورأى أن ذلك مجزيًا عنه وأهدى) بضم الميم وسكون الجيم وكسر الزاي بغير همزة في اليونينية ٣٣٩ أبواب المحصر/ باب ٥/ حديث ١٨١٤ وكشطها في الفرع وأبقى الياء صورتها منصوبًا على أن أنّ تنصب الجزأين أو خبر كان محذوفة أي ورأى أن ذلك يكون مجزيًا عنه، ولأبي ذر: مجزىء بالهمزة والرفع خبر أن. وقوله في الفتح: والذي عندي أن النصب من خطأ الكاتب فإن أصحاب الموطأ اتفقوا على روايته بالرفع على الصواب، تعقبه في عمدة القاري بأنه إنما يكون خطأ لو لم يكن له وجه في العربية واتفاق أصحاب الموطأ على الرفع لا يستلزم كون النصب خطأ على أن دعوى اتفاقهم على الرفع لا دليل عليه، والإجزاء هو الأداء الكافي لسقوط التعبد، ووجه ذكر حديث ابن عمر في هذا الباب شهرة قصة صد المشركين للنبي وّله وأصحابه رضي الله عنهم بالحديبية وأنهم لم يؤمروا بالقضاء في ذلك. وهذا الحديث سبق في باب إذا أحصر المعتمر قريبًا. ٥ - باب قولِ اللّهِ تعالى: ﴿فمن كان منكم مَريضًا أو بهِ أُذّى مِن رأسه ففِديةٌ مِن صِيام أو صَدَقةٍ أو نُسُك﴾ [البقرة: ١٩٦] وهو ◌ُيَّرَ، فأمّا الصومُ فثلاثةُ أيّام (باب) تفسير (قول الله تعالى) (﴿فمن كان منكم مريضًا﴾) مرضًا يحوجه إلى الحلق (﴿أو به أذى من رأسه﴾) كجراحة وقمل (﴿ففدية﴾) فعليه فدية إن حلق (﴿من صيام أو صدقة أو نسك﴾) [البقرة: ١٩٦] بيان لجنس الفدية وأما قدرها فيأتي إن شاء الله تعالى بيانه قريبًا في حديث الباب (وهو) أي المريض ومن به أذى من رأسه (مخير) بين الثلاثة الأشياء المذكورة في الآية (فأما الصوم فثلاثة أيام) كما في الحديث مع الأخيرين. ١٨١٤ - حدثنا عبدُ اللَّهِ بنُ يوسفَ أخبرنا مالكٌ عن حُمَيدٍ بنِ قَيسٍ عن مُجاهدٍ عن عبد الرَّحمنِ بنِ أبي ليلى عن كعبٍ بن عُجْرةَ رضيَ اللّهُ عنهُ عن رسولِ اللهِ وَ لَ أنه قال: ((لعَلَّكَ آذاك هوامُك؟ قال: نعم يا رسولَ اللّه. فقال رسولُ اللّهِ وَّرَ: احلِقْ رأسَك، وصُمْ ثلاثةَ أيام أو أطعِمْ ستةَ مساكين أو انسُكْ بشاة)). [الحديث ١٨١٤ - أطرافه في: ١٨١٥، ١٨١٦، ١٨١٧، ١٨١٨، ٤١٥٩، ٤١٩٠، ٤١٩١، ٤٥١٧، ٥٦٦٥، ٥٧٠٣، ٦٨٠٨]. وبالسند قال: (حدثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن حميد بن قيس) المكي الأعرج القاري قال عبد الله بن حنبل: عن أبيه ليس بالقوي، ووثقه أحمد من رواية أبي طالب عنه، وكذا ابن معين وابن سعد وأبو زرعة وأبو حاتم الرازيان وأبو داود والنسائي وغيرهم (عن مجاهد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة) بضم العين وسكون الجيم وفتح الراء ابن أمية البلوي حليف الأنصار شهد الحديبية ونزلت فيه قصة الفدية. وأخرج ابن سعد بسند جيد ٣٤٠ أبواب المحصر / باب ٦/ حديث ١٨١٥ عن ثابت بن عبيد أن يد كعب قطعت في بعض المغازي ثم سكن الكوفة. وتوفي بالمدينة سنة إحدى وخمسين، وله في البخاري حديثان (رضي الله عنه عن رسول الله وَّ ر أنه قال) له وهو محرم معه بالحديبية والقمل يتناثر على وجهه : (لعلك آذاك هوامك) بتشديد الميم جمع هامة بتشديدها وهي الدابة، والمراد بها هنا القمل كما في كثير من الروايات (قال: نعم يا رسول الله) آذاني (فقال رسول الله ويتلقى: احلق رأسك) بكسر اللام والمراد الإزالة وهي أعم من أن تكون بالموسى أو مقص أو النورة (وصم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين) وفي الرواية الآتية إن شاء الله تعالى في الباب التالي: أو تصدق بفرق بين سنة فبين قدر الإطعام (أو انسك بشاة) أي تقرب بشاة، ولأبي ذر عن الكشميهني: أو انسك شاة بغير موحدة أي اذبح شاة وهذا دم تخيير استفيد من التعبير بأو المكررة. قال ابن عباس رضي الله عنهما: ما كان في القرآن أو فصاحبه بالخيار. وفي حديث أبي داود من طريق الشعبي عن ابن أبي ليلى عن كعب بن عجرة أن النبي وَلّ قال له: ((إن شئت فانسك نسيكة وإن شئت فصم ثلاثة أيام وإن شئت فاطعم» الحديث. وفي الموطأ: أي ذلك فعلت أجزأ. ٦ - باب قولِ اللّهِ تعالى: ﴿أو صَدَقَةٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] وهيَ إِطعامُ ستةِ مَساكينَ (باب) تفسير الصدقة المذكورة في (قول الله تعالى) (﴿أو صدقة)) [البقرة: ١٩٦] لأنها مبهمة فسرها بقوله (وهي إطعام ستة مساكين). ١٨١٥ - حدثنا أبو نُعَيم حدَّثَنا سَيفٌ قال: حدثني مُجاهدٌ قال: سمعتُ عبدَ الرَّحمنِ بنَ أبي ليلى أنَّ كعبَ بنَ عُجْرةَ حَدَّثَهُ قال: ((وَقفَ عليَّ رسولُ اللّهِ وَرَ بِالحُدَيبيةِ ورَأسي يَتهافَتْ قَملاً، فقال: يُؤْذِيكَ هَوامُّكَ؟ قلت: نعم. قال: فاحلِقْ رأسَكَ - أو قال: احلِقٍ - قال: فيَّ نَزَلَتْ هُذهِ الآيةُ: ﴿فَمن كان منكم مَريضًا أو بهِ أذَّى مِن رأسِهِ﴾ إِلى آخرِها. فقال النبيُّ وَّرَ: صُمْ ثلاثةَ أيّامٍ، أو تَصدَّقْ بِفَرَقٍ بين ستةٍ، أو انسُكْ بما تَسَّر)). وبالسند قال: (حدثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين قال: (حدثنا سيف) هو ابن سليمان المكي (قال: حدثني) بالإفراد (مجاهد) المفسر (قال: سمعت عبد الرحمن بن أبي ليلى أن كعب بن عجرة) رضي الله عنه (حدثه قال): (وقف علّ رسول الله وَّر بالحديبية ورأسي يتهافت قملاً) أي يتساقط شيئًا فشيئًا، والجملة حالية وانتصاب قملاً على التمييز وفي رواية أيوب عن مجاهد في المغازي: أتى علّ رسول الله وَله وأنا أوقد تحت برمة والقمل يتناثر على رأسي، زاد في رواية ابن عون عن مجاهد