Indexed OCR Text
Pages 81-100
٨١ کتاب الحج/ باب ٣٨/ حدیث ١٥٧٣ البعض مقام الكل أو إطلاقًا للجمع على ما فوق الواحد أي تسع ذي الحجة بليلة النحر عندنا، والعشر عند أبي حنيفة، وذو الحجة كله عند مالك وبناء الخلاف أن المراد بوقته وقت إحرامه أو وقت أعماله ومناسكه أو ما لا يحسن فيه غيره من المناسك مطلقًا، فإن مالكًا كره العمرة في بقية ذي الحجة وأبو حنيفة وإن صحح الإحرام به قبل شوّال فقد استكرهه. (فمن تمتع في هذه الأشهر) الثلاثة أو العاشر من الحجة أو ليلته (فعليه دم أو صوم) ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إن عجز عن الهدي وليس للقيد بالأشهر مفهوم، لأن الذي يعتمر في غير أشهر الحج لا يسمى متمتعًا ولا دم عليه، وكذلك المكي عند الجمهور خلافًا لأبي حنيفة ويدخل في عموم قوله: فمن تمتع من أحرم بالعمرة في أشهر الحج ثم رجع إلى بلده ثم حج منها، وبه قال الحسن البصري وهو مبني على أن التمتع إيقاع العمرة في أشهر الحج فقط، والذي عليه الجمهور أن التمتع أن يجمع الشخص الواحد بينهما في سفر واحد في أشهر الحج في عام واحد وأن يقدم العمرة وأن لا يكون مكيّا فمتى اختل شرط واحد من هذه الشروط لم يكن متمتعًا. (والرفث الجماع) أو الفحش من الكلام (والفسوق المعاصي) فيه إشعار بأن الفسوق جمع فسق لا مصدر وتفسير الأشهر وسائر الألفاظ زيادة للفوائد باعتبار أدنى ملابسة بين الآيتين قاله الكرماني: (والجدال المراء) كذا فسره ابن عباس فيما رواه ابن أبي شيبة ولفظه: ولا جدال في الحج تماري صاحبك حتى تغضبه . ٣٨ - باب الاغتسالِ عندَ دُخول مكةً (باب) استحباب (الاغتسال عند دخول مكة) ولو لحائض ونفساء، ويستثنى من خرج من مكة فأحرم بالعمرة من مكان قريب كالتنعيم واغتسل للإحرام فلا يسن له الغسل لدخولها لحصول النظافة بالغسل السابق، بخلاف ما إذا أحرم من مكان بعيد كالجعرانة والحديبية وظاهر إطلاقه يتناول المحرم والحلال الداخل لها أيضًا، وقد حكاه الشافعي في الأم عن فعله والر عام الفتح، وإنما لم يجب لأنه غسل لمستقبل كغسل الجمعة والعيد نعم يكره تركه وإحرامه جنبًا ومثله حائض ونفساء انقطع دمهما وغير المميز يغسله وليه، ولو عجز عن الغسل لفقد الماء أو غيره تيمم أو وجد ماء لا يكفي غسله توضأ به حكاه الرافعي عن البغوي وأقره. قال النووي: إن أراد أن يتوضأ ثم يتيمم فحسن، وإن أراد الاقتصار على الوضوء فليس بجيد لأن المطلوب الغسل والتيمم يقوم مقامه دون الوضوء ا هـ. والأقرب الأول ولعله إنما اقتصر على الوضوء كالشافعي في قوله: فإن لم يجد ماء يكفي غسله توضأ فإن لم يجد ماء بحال تيمم فيقوم ذلك مقام الغسل والوضوء تنبيهًا على أن أعضاء الوضوء أولى بالغسل لما فيه من تحصيل الوضوء الذي هو عبادة كاملة وسنة قبل الغسل القائم مقامه التيمم. ١٥٧٣ - حدثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ حدَّثَنا ابنُ عُليَّةَ أخبرَنا أيوبُ عن نافع قال «كان ابنُ عمرَ إرشاد الساري/ ج ٤ / م ٦ ٨٢٠ كتاب الحج/ باب ٣٩/ حديث ١٥٧٤ رضيَ اللّهُ عنهما إذا دَخَلَ أدنى الحرَم أمسَكَ عنِ التَّلبيةِ. ثمَّ يَبيتُ بذِي طِوىّ، ثمَّ يصلِّ به الصبحَ ويَغْتَسلُ، ويُحدِّثُ أنَّ النبيَّ وَ كان يفعلُ ذُلك)». وبالسند قال (حدثني) بالإفراد (يعقوب بن إبراهيم) بن كثير الدورقي العبدري قال: (حدثنا ابن علية) بضم العين وفتح اللام وتشديد المثناة التحتية إسماعيل بن إبراهيم بن سهم وعلية أمه قال: (أخبرنا أيوب) السختياني (عن نافع) مولى ابن عمر (قال: كان ابن عمر) بن الخطاب (رضي الله عنهما إذا دخل أدنى الحرم) أول موضع منه (أمسك عن التلبية)، يتركها أصلاً أو يستأنفها بعد ذلك إذا تركها عند ابتداء رمي جمرة يوم العقبة يوم العيد لأخذه في أسباب التحلل، (ثم يبيت بذي طوى)، بكسر الطاء اسم بئر أو موضع بقرب مكة، ولأبي ذر: طوى بضمها ويجوز فتحها والتنوين وعدمه كما في القاموس، فمن صرفه جعله اسم واد ومكان وجعله نكرة، ومن لم يصرفه جعله بلدة وبقعة وجعله معرفة، (ثم يصلي به) أي بذي طوى (الصبح ويغتسل)، به وفيه استحباب الاغتسال به وهو محمول على أنه كان بطريقه بأن يأتي من طريق المدينة وإلا اغتسل من نحو تلك المسافة. قال الطبري: ولو قيل يسنّ له التعريج إليها والاغتسال بها اقتداء وتبركًا لم يبعد قال الأذرعي وبه جزم الزعفراني. (و) كان ابن عمر رضي الله عنهما (يحدث أن نبي الله وَ لّ كان يفعل ذلك) المذكور من الإمساك عن التلبية والبيتوتة والاغتسال بذي طوى أو الإشارة إلى الغسل فقط وهو موضع الترجمة . وهذا الحديث سبق معلقًا بأتم من هذا في باب الإهلال مستقبل القبلة. ٣٩ - باب دُخولِ مكةَ نهارًا أو ليلاً باتَ النبيُّ وَّرَ بذي طُوىّ حتى أصبحَ ثمَّ دخل مكة. وكان ابنُ عُمر رضي اللهُ عنهما يَفعلُهُ. (باب) استحباب (دخول مكة نهارَ أو ليلاً) ولأبوي ذر والوقت: وليلاً بالواو بدل أو (بات النبي بذي طوى) بكسر الطاء، ولأبي ذر: بضمها ويجوز فتحها والصرف وعدمه كما مر (حتى أصبح ثم دخل مكة)، نهارًا، (وكان ابن عمر رضي الله عنهما يفعله) أي المبيت، وسقط قوله: بات إلى آخره في رواية أبي ذر وهذا قد سبق موصولا في الباب المتقدم ثم ساقه بسند آخر غير الأول فقال : ١٥٧٤ - حدثنا مسذَّدٌ حدَّثَنا يحيى عن عُبيدِ اللّهِ قال: حدَّثَني نافعٌ عنِ ابنِ عمرَ رضيَ اللّهُ عنهما قال ((باتَ النبيُّ رََّ بذي طِوَى حتى أصبحَ ثمَّ دخلَ مكةَ، وكان ابنُ عمرَ رضيَ اللّهُ عنهما يفعلهُ» . ٨٣ كتاب الحج/ باب ٤٠/ حدیث ١٥٧٥ (حدثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن عبيد الله) بضم العين العمري (قال: حدثني) بالإفراد (نافع) مولى ابن عمر (عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال): (بات النبي ◌َّر بذي طوى حتى أصبح ثم دخل مكة)، أي نهارًا كما هو ظاهر بل وقع صريحًا في مسلم من طريق أيوب عن نافع ولفظه: كان لا يقدم مكة إلا بات بذي طوى حتى يصبح ويغتسل ثم يدخل مكة نهارًا. نعم دخلها ليلاً في عمرة الجعرانة كما رواه أصحاب السنن الثلاثة ولا يعلم دخوله ليلاً في غيرها، وحينئذ فلا يخفى ما في قول الكرماني، وتبعه البرماوي مجيبًا عن كون المصنف ذكر في الترجمة دخول مكة في الليل والنهار ولم يذكر حديثًا يدل لليل أن كلمة ثم للتراخي، فيحتمل أن الدخول تأخر إلى الليل. وأجاب ابن المنير: بأنه أراد أن يبين أنه غير مقصود وأن الليل والنهار سواء وبنى على أن ذي طوى من مكة وقد دخل عشية وبات فيه، فدل على جواز الدخول ليلاً جاز نهارًا بطريق الأولى، وقيل: هما سواء لكن الأكثر على أنه بالنهار أفضل، وفرق بعضهم بين الإمام وغيره لما روى سعيد بن منصور عن عطاء قال: إن شئتم فادخلوا ليلاً إنكم لستم كرسول الله وَ ل﴿ إنه كان إمامًا فأحب أن يدخلها نهارًا ليراه الناس ! هـ. أي ليقتدوا به. (وكان ابن عمر رضي الله عنهما يفعله) أي ما ذكر من البيتوتة. ٤٠ - باب مِن أينَ يَدخلُ مكةً هذا (باب) بالتنوين (من أين يدخل مكة). ١٥٧٥ - حدثنا إبراهيمُ بنُ المُنذِرِ قال حدَّثَنِي مَعنْ قال حدَّثَني مالكٌ عن نافعِ عنِ ابنِ عمرَ رضيَ اللّهُ عنهما قال ((كان رسولُ اللّهِ وَ ل﴿ يَدخُلُ مِن الثَّنِيةِ العليا، ويَخْرُجُ مَن الثنيةِ السُّفَلَى)) [الحديث ١٥٧٥ - طرفه في: ١٥٧٦]. وبالسند قال: (حدثنا إبراهيم بن المنذر) الحزامي المدني (قال: حدثني) بالإفراد (معن) بفتح الميم وسكون العين ابن عيسى بن يحيى القزاز بالقاف وتشديد الزاي الأولى (قال: حدثني) بالإفراد أيضًا (مالك) الإمام قال في الفتح: ليس هو في الموطأ ولا رأيته في غرائب مالك للدار قطني ولم أقف عليه إلا من رواية معن بن عيسى، وقد تابع إبراهيم بن المنذر عليه عبد الله بن جعفر البرمكي (عن نافع) مولى ابن عمر (عن ابن عمر رضي الله عنهما قال): (كان رسول الله ولو يدخل مكة من الثنية العليا) التي ينزل منها إلى المعلاة ومقابر مكة بجنب المحصب، والثنية بفتح المثلثة وكسر النون وتشديد المثناة التحتية كل عقبة في جبل أو طريق عالية فيه، وهذه الثنية كانت صعبة المرتقى فسهلها معاوية ثم عبد الملك ثم المهدي، ثم سهل منها سنة إحدى عشرة وثمانمائة موضع، ثم سهلت كلها في زمن سلطان مصر الملك المؤيد في حدود العشرين وثمانمائة ((ويخرج)) منها (من الثنية السفلى) التي بأسفل مكة عند باب شبيكة، وكان بناء هذا الباب عليها في القرن السابع. زاد الإسماعيلي من طريق ابن ناجية عن البخاري وأبو داود من طريق ٨٤ كتاب الحج/ باب ٤١/ حديث ١٥٧٦ عبد الله بن جعفر البرمكي عن معن يعني ثنيتي مكة، والمعنى في ذلك الذهاب من طريق والإياب من أخرى كالعيد لتشهد له الطريقان، وخصت العليا بالدخول مناسبة للمكان العالي الذي قصده والسفلى للخروج مناسبة للمكان الذي يذهب إليه، ولأن إبراهيم عليه الصلاة والسلام حين قال ﴿فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم﴾ [إبراهيم: ٣٧] كان على العليا كما روي عن ابن عباس قاله السهيلي. ٤١ - باب من أين يَخرُجُ مِن مكةً هذا (باب) بالتنوين (من أين يخرج من مكة). ١٥٧٦ - حدّثنا مُسدَّدُ بنُ مُسَرهَدِ البَصريُّ حدَّثَنا يحيى عن عُبيدِ اللَّهِ عن نافعِ عنِ ابنِ عمرَ رضيَ اللّهُ عنهما ((أنَّ رسولَ اللّهِ بِّهِ دخلَ مكةَ من كَداءٍ منَ الثَّنيةِ العُليا التي بالبَطحاءِ، ويَخرُجُ منَ الثنيةِ السُّفلى)» . قال أبو عبدِ اللَّهِ: كان يُقالُ: هو مُسدَّدٌ كاسمهِ. قال أبو عبدِ اللَّهِ: سمعتُ يحيى بنَ مَعين يقول سمعتُ يحيى بنَ سعيدٍ يقول: لو أنَّ مسدَّدًا أتيتُهُ في بيتهِ فحدَّثتُه لاستحقَّ ذُلك، وما أُبالي كتُبي كانت عندي أو عند مسدَّدٍ . وبالسند قال: (حدثنا مسدد بن مسرهد البصري) سقط في رواية أبي ذر ابن مسرهد البصري (قال: حدثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن عبيد الله) بضم العين مصغرًا ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب (عن نافع) مولى ابن عمر (عن ابن عمر رضي الله عنهما). (أن رسول الله (َّ دخل مكة من كداء) وبفتح الكاف والدال المهملة ممدودًا منونًا على إرادة الموضع. وقال أبو عبيد: لا يصرف أي على إرادة البقعة للعلمية والتأنيث (من الثنية العليا التي بالبطحاء)، بفتح الموحدة قال الجوهري: الأبطح مسيل واسع فيه دقاق الحصى، والعليا بضم العين تأنيث الأعلى، وهذه الثنية ينزل منها إلى الحجون بفتح الحاء المهملة وضم الجيم مقبرة مكة (ويخرج) بلفظ المضارع، ولأبي ذر: وخرج (من الثنية السفلى) التي بقرب شعب الشاميين من ناحية جبل قعيقعان . (قال أبو عبد اللَّه:) البخاري (كان يقال هو مسدد) من التسديد وهو الإحكام أي محكم (كاسمه). أي فطابق اسمه مسماء ولم يكتف المؤلف بتوثيقه إياه بنفسه حتى نقل عن ابن معين توثيقه فقال: (قال أبو عبد الله): البخاري (سمعت يحيى بن معين) الإمام في باب الجرح والتعديل (يقول: سمعت يحيى بن سعيد) القطان (يقول: لو أن مسددًا أتيته في بيته فحدّثته لاستحق ذلك ٨٥ كتاب الحج/ باب ٤١/ حديث ١٥٧٧ و ١٥٧٨ وما أبالي كتبي كانت عندي أو عند مسدد) وهذا منه غاية في التعديل ونهاية في التوثيق، وسقط عند أبي ذر قوله: قال أبو عبد اللَّه كان يقال إلى هنا. ١٥٧٧ - حدّثنا الحُميديُّ ومحمدُ بنُ المثنَّى قالا حدَّثَنا سفيانُ بنُ عُيينةَ عن هشام بنِ عُروةً عن أبيهِ عن عائشةَ رضيَ اللّهُ عنها ((أنَّ النبيَّ وَّ لَمَّا جاء إلى مكةَ دخلَ من أعلاها وخَرَج من أسفلِها)). [الحديث ١٥٧٧ - أطرافه في: ١٥٧٨، ١٥٧٩، ١٥٨٠، ١٥٨١، ٤٢٩٠، ٤٢٩١]. وبه قال: (حدثنا الحميدي) أبو بكر عبد الله بن الزبير المكي (محمد بن المثنى) العنزي الزمن البصري (قالا: حدثنا سفيان بن عيينة عن هشام بن عروة عن أبيه) عروة بن الزبير بن العوام (عن عائشة رضي الله عنها). (أن النبي ◌َّ لما جاء إلى مكة دخل من أعلاها) بغير ضمير النصب، ولأبوي ذر والوقت: دخلها من أعلاها (وخرج من أسفلها) وهذا الحديث أخرجه المؤلف أيضًا في المغازي عن الحميدي وابن المثنى ومسلم في الحج عن ثانيهما وابن أبي عمر وأبو داود والترمذي والنسائي. ١٥٧٨ - حدّثنا محمودُ بنُ غَيلانَ المَرْوَزيُّ حدَّثَنا أبو أسامةَ حدَّثَنا هِشامُ بنُ عُروةَ عن أبيهِ عن عائشةَ رضيَ اللّهُ عنها ((أن النبيَّ ◌َّرَ دخل عامَ الفتحِ من كَدَاءٍ وخرجَ من كُدا مِن أعلى مكةَ)). وبه قال: (حدثنا) بالجمع ولأبي ذر: حدثني (محمود بن غيلان) بفتح الغين المعجمة وسكون المثناة التحتية، وسقط لأبي ذر ابن غيلان، ولغير أبي ذر المروزي قال: (حدثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة قال: (حدثنا هشام بن عروة) بن الزبير (عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها): (أن النبي ◌ّ لّ دخل عام الفتح من) ثنية (كداء) بالفتح والمد والتنوين (وخرج من) ثنية (كدا) بالضم مقصورًا منوّنًا على المشهور فيهما خلافًا لما وقع للرافعي في شرح الوجيز أن الذي يشعر به كلام الأكثرين أن الثاني بالمدّ أيضًا. قال: ويدل عليه أنهم كتبوها بالألف، وردّه النووي بأن كتابتها بالألف لا تدل على المدّ، وضبط الحافظ الدمياطي الأولى بضم الكاف مع القصر غير منوّن والثانية بفتح الكاف والتنوين مع المدّ وقال: هكذا هو مضبوط يعني في هذا الموضع، فأشعر أن المعتمد خلاف ما وقع. ويؤيده قول النووي أنه غلط قال: وأما كدي بضم الكاف وتشديد الياء فهي في طريق الخارج إلى اليمن وليست من هذين الطريقين في شيء ! هـ. وفي القاموس: والكداء ككساء المنع والقطع وكسماء اسم عرفات أو جبل بأعلى مكة، ودخل النبي ◌َّ مكة منه وكسمى جبل أسفلها وخرج منه عليه الصلاة والسلام أو جبل آخر قرب عرفة وكقرى جبل مسفلة مكة على طريق اليمن، وكدى مقصورة كفتى ثنية الطائف، وغلط المتأخرون في هذا التفصيل واختلفوا فيه على أكثر من ثلاثين قولاً (من أعلى مكة) استشكل هذا من جهة أن مفهومه أنه عليه الصلاة والسلام خرج من أعلى مكة، والأحاديث السابقة أنه خرج من أسفلها، ٨٦ کتاب الحج/ باب ٤١/ حديث ١٥٧٩ وأجاب الكرماني فقال: لعل الدخول والخروج في عام الفتح كان كلاهما من أعلاها، فأما في الحج فكان الخروج من أسفلها هذا إذا كان كدا أولاً بفتح الكاف، وأما إن كان الثاني بضمها فوجهه أن يقال: إن من أعلى مكة متعلق بدخل، ولفظ: وخرج من كدا حال مقدرة بينهما فلا يحتاج إلى التخصيص بغير عام الفتح ١ هـ. والذي في الأصول المعتمدة ضبط الأوّل بالفتح والثاني بالضم ولا أعلم أنهما رويا بالفتح، والتوجيه الثاني الذي ذكره لا يخفى ما فيه من التكلف، والذي يظهر ما قاله الحافظ أبو الفضل بن حجر رحمه الله أنه روي كذا مقلوبًا في رواية أبي أسامة، وأن الصواب ما رواه غيره دخل من كداء من أعلى مكة وأن الوهم فيه ممن دون أبي أسامة لأن أحمد رواه عن أبي أسامة على الصواب. المشهور أنه دخل من كداء بالفتح والمد وخرج من كدا بالضم والقصر. نعم وقع في رواية أبي داود أنه دخل عام الفتح من كداء بالفتح ودخل في العمرة من كدا أي بالقصر. ١٥٧٩ - حدثنا أحمدُ حدَّثَنا ابنُ وَهبِ أخبرَنا عمرو عن هشام بنِ عُروةَ عن أبيه عن عائشةَ رضيَ اللّهُ عنها ((أنَّ النبيَّ ◌ََّ دَخَل عامَ الفتحِ من كَداءِ أعلى مكةَ)). قال هشامٌ وكان عُروةُ يَدخُل على كِلتيهما. من كَداءٍ وكُدًا . وأكثرُ ما يدخلُ من كَداءٍ، وكانت أقرَبهما إلى منزلهِ. وبه قال: (حدثنا أحمد) يحتمل أن يكون هو ابن عيسى التستري المصري كما في أوائل الحج. وقال أبو علي بن السكن عن الفربري: هو في المواضع كلها أحمد بن صالح المصري، وكذا قال أبو عبد الله بن منده وليس هو ابن أخي ابن وهب لأن المؤلف لم يخرج عنه شيئًا قال: (حدثنا ابن وهب) عن عبد اللَّه المصري قال: (أخبرنا عمرو) بفتح العين ابن الحرث المصري (عن هشام بن عروة عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة رضي الله عنها): (أن النبي بَّر دخل عام الفتح) مكة (من كداء) بفتح الكاف والمد والتنوين (أعلى مكة). وبالإسناد السابق (قال هشام وكان عروة) أبوه (يدخل على) ولأبي ذر: من (كلتيهما). بكسر الكاف وسكون اللام والمثناة التحتية بينهما مثناة فوقية مفتوحة والضمير يرجع إلى الثنتين العليا والسفلى (من كداء) بالفتح والمد والتنوين (وكدى) بالضم والقصر والتنوين بيان لقوله: كلتيهما (وأكثر ما يدخل) عروة (من كداء)، بالفتح والمد، ولأبوي ذر والوقت كما في اليونينية: كدى بضم الكاف والقصر مع التنوين. وقال الحافظ ابن حجر: إنه بالضم والقصر للجميع، وعزاه في المصابيح كالتنقيح للأصيلي والفتح والمد لغيره، وفي بعض النسخ: كدى بالضم والقصر من غير تنوين. (وكانت) أي الثنية العليا وفي فرع اليونينية وأصول معتمدة وكان (أقربهما) بالنصب خبر كان، وفي بعض النسخ أقرب أي أقرب الثنتين (إلى منزله) اعتذار لأبيه عروة على رواية الضم، لأنه روى ٨٧ کتاب الحج/ باب ٤١/ حديث ١٥٨٠ و ١٥٨١ الحديث أنه # كان يدخل من كداء بالفتح والمد، وخافه لأنه رأى أن ذلك ليس بلازم حتم، فلذلك كان يسوي بينهما في الدخول ويكثر من الدخول من الأخرى لكونها أقرب إلى منزله. وهذا الحديث أخرجه المؤلف أيضًا في المغازي. ١٥٨٠ - حدثنا عبدُ اللّهِ بنُ عبدِ الوَهَّابِ حدَّثَنا حاتِمٌ عن هشام عن عُروةَ «دَخَلَ النبيُّ وَل عامَ الفتحِ من كَداءٍ من أعلى مكةَ، وكان عروة أكثرَ ما يدخلُ من كَداءٍ، وكان أقرَبهما إلى منزله)). وبه قال: (حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب) الحجّي البصري قال: (حدثنا حاتم) بالحاء المهملة والمثناة الفوقية المكسورة ابن إسماعيل الكوفي سكن المدينة (عن هشام عن) أبيه (عروة): (دخل النبي (وَلِّر) مكة (عام الفتح من كداء من أعلى مكة وكان عروة أكثر ما يدخل من كداء) بفتح الكاف والمدّ والتنوين في الأول والثاني. قال النووي: وأكثر دخول عروة من كداء بالمدّاهـ. ولأبوي ذر والوقت: من كدى بالضم والقصر من غير تنوين، وقال الحافظ ابن حجر: إنه كذلك للجميع ((وكان أقربهما إلى منزله)) وهذا الحديث كما قاله في الفتح اختلف في وصله وإرساله على هشام بن عروة، وأورد البخاري الوجهين مشيرًا إلى أن رواية الإرسال لا تقدح في رواية الوصل، لأن الذي وصله حافظ وهو ابن عيينة، وقد تابعه ثقتان يعني عمرًا وحاتما المذكورين، ثم أورد المؤلف طريقًا آخر من مراسيل عروة فقال بالسند السابق أوّل هذا الكتاب إليه. ١٥٨١ - حدثنا موسى حدَّثَنَا وُهَيبٌ حدَّثَنا هشامٌ عن أبيه (دَخَلَ النبيُّ وَّرِ عامَ الفتحِ من كَدَاءٍ وكان عُروةُ يدخلُ منهما كِليهما، وأكثرُ ما يدخلُ من كَداءٍ أقربهما إلى منزِلِه)). قال أبو عبدِ اللَّه: كداءٌ وكُدًا مَوضعانٍ. (حدثنا موسى) بن إسماعيل المنقري قال: (حدثنا وهيب) بضم الواو وفتح الهاء ابن خالد قال: (حدثنا هشام عن أبيه) عروة أنه قال: (دخل النبي وَّر) مكة (عام الفتح من كداء) بالفتح والمد منوّنًا، (وكان عروة يدخل منهما) أي من كداء بالفتح وكدى بالضم (كليهما) بكاف مكسورة ولام مفتوحة فمثناة تحتية، وللأصيلي: كلاهما بالألف على لغة من أعربه بالحركات المقدّرة في الأحوال الثلاث (وأكثر) بالرفع، ولأبي ذر: وكان بالنصب خبر كان الزائدة عنده (ما يدخل) وفي بعض النسخ و: أكثر ما كان يدخل (من كداء) بالفتح والمدّ والتنوين، ولأبي ذر: كدى بالضم والقصر من غير تنوين. قال الحافظ ابن حجر: إنها كذلك للجميع ((أقربهما إلى منزله)) بجرّ أقرب بيان أو بدل من كداء، والأرجح أن دخوله بَّ من أعلى مكة وخروجه من أسفلها كان قصدًا ليتأسى به فيه فيكون سنّة لكل داخل، وحينئذٍ فالآتي من غير طريق المدينة يؤمر بالتعريج ليدخل منها وهذا ما صححه النووي في الروضة والمجموع لما قاله ٨٨ كتاب الحج/ باب ٤٢ الشيخ أبو محمد الجويني: أنه وَ لّ عرّج إليه قصدًا. وحكى الرافعي عن الأصحاب تخصيصه بالآتي من طريق المدينة للمشقة، وأن دخوله وَ لّه منها كان اتفاقًا . (قال أبو عبد اللَّه): البخاري (كداء وكدى) بالفتح والمدّ والتنوين في الأوّل، والضم والقصر والتنوين في الثاني، وفي نسخة: بركته (موضعان) كذا ثبت هذا القول للمستملي، وسقط لغيره وهو أولى لأنه ليس في سياقه کبیر فائدة كما لا يخفى. ٤٢ - باب فضلِ مكةَ وبُنياتِها، وقولهِ تعالى: [البقرة: ١٢٥ -١٢٨] ﴿وَإِذْ جَعلنا البيتَ مَثابةً للناسِ وأمنًا واتَّخِذوا من مَقامِ إِبراهيمَ مصلَّى وعَهِدْنا إلى إبراهيمَ وإسماعيلَ أن طَهْرا بيتي للطائِفِينَ والعاكفِينَ والرُّكعِ السُّجودِ وإذ قال إبراهيمُ ربِّ اجعلْ هذا بَلدًا آمنًا وارزُقْ أهلَهُ منَ الثَّمراتِ مَن آمَنَ منهم باللّهِ واليومِ الآخِرِ قال ومَن كفرَ فأمتِّعهُ قليلاً ثمَّ أضْطَرُّهُ إلى عَذابِ النارِ وبئسَ المصير وإذ يرفعُ إبراهيمُ القَواعدَ منَ البيتِ وإسماعيلُ ربَّنا تقبَّلْ منَّا إنكَ أنتَ السميعُ العليم ربَّنا واجعلنا مُسلميْنِ لكَ ومِن ذُرْيتنا أُمّةً مُسلمةً لكَ وأرنَا مَناسِكنَا وتُبْ علينا إنكَ أنتَ التّابُ الرحيم﴾ . (باب) بيان (فضل مكة) زادها الله تعالى شرفًا ورزقنا العود إليها على أحسن حال بمنه وكرمه (و) في (بنيانها)، أي الكعبة (وقوله تعالى) بالجر عطفًا على سابقه أي في بيان تفسير قوله تعالى: (﴿وإذ جعلنا البيت﴾) أي الكعبة (﴿مثابة للناس﴾) من ثاب القوم إلى الموضع إذا رجعوا إليه. أي: جعلنا البيت مرجعًا ومعادًا يأتونه كل عام ويرجعون إليه فلا يقضون منه وطرًا، أو موضع ثواب يثابون بحجه واعتماده (﴿وأمنًا﴾) من المشركين أبدًا فإنهم لا يتعرضون لأهل مكة ويتعرضون لمن حولها، أولاً يؤاخذ الجاني الملتجىء إليه كما هو مذهب أبي حنيفة رحمه الله، وقيل: يأمن الحاج من عذاب الآخرة من حيث أن الحج يجب ما قبله (﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾) مقام إبراهيم الحجر المعروف أو المسجد الحرام أو الحرم أو مشاعر الحج. وقد صح أن عمر قال: يا رسول الله هذا مقام أبينا إبراهيم؟ قال: ((نعم)). قال: أفلا نتخذه مصلى: فأنزله الله (﴿واتخذوا﴾) الخ. وهو عطف على اذكروا نعمتي أو على معنى مثابة أي ثوبوا إليه واتخذوا أو مقدّر بقلنا أي: وقلنا اتخذوا منه موضع صلاة أو مدعى والأمر للاستحباب بالاتفاق (﴿وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل﴾) أمرناهما (﴿أن طهّرا بيتي﴾) أي: بأن طهرا وهو بمعنى الوحي عدّى بإلى يريد طهراه من الأوثان والأنجاس وما لا يليق به وأخلصاه (﴿للطائفين﴾) حوله (﴿والعاكفين﴾) المقيمين عنده أو المعتكفين فيه (﴿والركع السجود﴾) جمع راكع وساجد أي المصلين، واستدل به على جواز صلاة الفرض والنفل داخل البيت خلافًا لمالك رحمه الله في الفرض. (﴿وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا﴾) البلد أو المكان (﴿بلدًا آمنًا﴾) أي ذا أمن كقوله تعالى: ﴿في عيشة راضية﴾ [الحاقة: ٢١ والقارعة: ٧] وآمنًا أهله كقولك: ليل نائم(﴿وارزق ٨٩ کتاب الحج/ باب ٤٢/ حديث ١٥٨٢ أهله من الثمرات﴾) فاستجاب الله دعاءه بأن بعث الله تعالى جبريل عليه الصلاة والسلام حتى اقتلع الطائف من موضع الأردن، ثم طاف بها حول الكعبة فسميت الطائف قاله المفسرون (﴿من آمن منهم بالله واليوم الآخر﴾) أبدل من آمن من أهله بدل البعض للتخصيص. (﴿قال ومن كفر﴾) عطف على من آمن وهو من كلام الله تعالى نبه الله سبحانه أن الرزق عام دنيوي يعم المؤمن والكافر لا الإمامة والتقدم في الدين أو مبتدأ تضمن معنى الشرط (﴿فأمتعه قليلاً﴾) خبره، وقليلاً: نصب بالمصدر والكفر، وإن لم يكن سبب التمتع لكنه سبب تقليله بأن يجعله مقصورًا بحظوظ الدنيا غير متوسل به إلى نيل الثواب ولذلك عطف عليه (﴿ثم أَضطّره إلى عذاب النار﴾) أي ألجئه إليه (﴿وبئس المصير)). أي العذاب. فحذف المخصوص بالذم (﴿وإذ يرفع إبراهيم القواعد﴾) الأساس (﴿من البيت﴾) ورفعها البناء عليها وظاهره أنه كان مؤسسًا قبل إبراهيم، ويحتمل أن يكون المراد بالرفع نقلها من مكانها إلى مكان البيت (﴿وإسماعيل﴾)، كان يناوله الحجارة يقولان (﴿ربنا تقبل منا﴾) بناء البيت (﴿إنك أنت السميع﴾). لدعائنا (﴿العليم)) بنياتنا (﴿ربنا واجعلنا مسلمين لك﴾) مخلصين لك منقادين (﴿ومن ذريتنا﴾) أي واجعل بعض ذريتنا (﴿أمة﴾) جماعة (﴿مسلمة لك﴾) خاضعة مخلصة، وإنما خصا الذرية بالدعاء لأنهم أحق بالشفقة ولأنهم إذا صلحوا بهم الأتباع، وخصا بعضهم لما أعلما في ذريتهما ظلمة وعلما أن الحكمة الإلهية لا تقتضي الاتفاق على الإخلاص والإقبال الكلي على الله فإنه مما يشوّش المعاش، ولذلك قيل: لولا الحمقى لخربت الدنيا قاله القاضي: (﴿وأرنا)) قال البيضاوي: من رأى بمعنى أبصر أو عرف ولذلك بتجاوز مفعولين. وقال أبو حيان: أي تصرنا إن كانت من رأي البصرية، والتعدي هنا إلى اثنين ظاهر لأنه منقول بالهمزة من المتعدي إلى واحد، وإن كانت من رؤية القلب فالمنقول أنها تتعدى إلى اثنين، فإذا دخلت عليها همزة النقل تعدّت إلى ثلاثة وليس هنا إلا اثنان فوجب أن يعتقد أنها من رؤية العين، وقد جعلها الزمخشري من رؤية القلب وشرحها بقوله: عرف فهي عنده تأتي بمعنى عرف أي تكون قلبية وتتعدى إلى واحد، ثم أدخلت همزة النقل فتعدت إلى اثنين ويحتاج ذلك إلى سماع من كلام العرب ا هـ. (﴿مناسكنا﴾) متعبداتنا في الحج أو مذابحنا. وروى عبد بن حميد عن أبي مجلز قال، لما فرغ إبراهيم من البيت أتاه جبريل فأراه الطواف بالبيت سبعًا قال: وأحسبه بين الصفا والمروة ثم أتى به عرفة فقال: أعرفت؟ قال: نعم، قال: فمن ثم سميت عرفات ثم أتى به جمعًا فقال: ههنا يجمع الناس الصلاة، ثم أتى به منى فعرض لهما الشيطان فأخذ جبريل سبع حصيات فقال: أرمه بها وكبّر مع كل حصاة ((وتب علينا﴾)، استتابة لذريتهما لأنهما معصومان أو عما فرط منهما سهوًا، ولعلهما قالاه هضمًا لأنفسهما وإرشادًا لذريتهما (﴿إنك أنت التواب الرحيم)) [البقرة: الآيات: ١٢٥- ١٢٦ - ١٢٧ - ١٢٨] لمن تاب. وهذه أربع آيات ساقها المصنف كلها كما هو في رواية كريمة، وللباقين بعض الآية الأولى، ولأبي ذر كلها ثم قال: إلى قوله التواب الرحيم. ١٥٨٢ - حدثنا عبدُ اللَّهِ بنُ محمدٍ حدَّثَنا أبو عاصمٍ قال أخبرني ابنُ جُريجٍ قال أخبرَني ٩٠ کتاب الحج/ باب ٤٢/ حديث ١٥٨٢ عمرُو بنُ دِينارٍ قال: سمعتُ جابرَ بنَ عبدِ اللَّهِ رضيَ اللّهُ عنهما قال: «لمَّا بُنِيَتِ الكعبةُ ذهبَ النبيُّ نَّه وعَبَّاسٌ يَنقُلانِ الحجارةَ، فقال العبَّاسُ للنبيِّ ◌َّهَ: اجعلْ إزارَكَ على رقَبَتِكَ، فخرَّ إلى الأرضِ، وطَمَحَتْ عيناهُ إلى السماءِ، فقال: أرِني إزاري، فَشَدَّهُ عليه)). وبالسند قال: (حدثنا) بالجمع ولأبوي ذر والوقت: حدثني (عبد الله بن محمد) المسندي الجعفي قال: (حدثنا أبو عاصم) النبيل هو أحد شيوخ المؤلف أخرج عنه في غير موضع بواسطة (قال: أخبرني) بالإفراد (ابن جريج) بضم الجيم الأولى وفتح الراء عبد الملك بن عبد العزيز (قال: أخبرني) بالإفراد أيضًا (عمرو بن دينار) بفتح العين (قال: سمعت جابر بن عبد الله) الأنصاري (رضي الله عنهما يقول): ولغير الكشميهني قال: (لما بنيت الكعبة) قبل المبعث بخمس سنين وكانت قريش خافت أن تنهدم من السيول، وقد اختلف في عدد بنائها والذي تحصل من ذلك أنها بنيت عشر مرات: بناء الملائكة قبل خلق آدم وذلك لما قالوا: ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها﴾ [البقرة: ٣٠] الآية خافوا وحافوا بالعرش ثم أمرهم الله تعالى أن يبنوا في كل سماء بيتًا وفي كل أرض بيتًا. قال مجاهد: هي أربعة عشر بيتًا، وقد روي أن الملائكة حين أسست الكعبة انشقت الأرض إلى منتهاها وقذفت فيها حجارة أمثال الإبل فتلك القواعد من البيت التي وضع عليها إبراهيم وإسماعيل. ثم بناء آدم عليه الصلاة والسلام رواه البيهقي في دلائل النبوّة من حديث عبد الله بن عمرو بن العاصي مرفوعًا من طريق ابن لهيعة وفيه أنه قيل له: أنت أوّل الناس وهذا أوّل بيت وضع للناس، لكن قال ابن كثير: أنه من مفردات ابن لهيعة وهو ضعيف، والأشبه أن يكون موقوفًا على عبد الله. ثم بناء بني آدم من بعده بالطين والحجرة فلم يزل معمورًا يعمرونه هم ومن بعدهم حتى كان زمن نوح فنسفه الغرق وغير مكانه حتى بوّىء لإبراهيم عليه الصلاة والسلام فبناه كما هو ثابت بنص القرآن، وجزم الحافظ ابن كثير بأنه أوّل من بناه وقال: لم يجىء خبر عن معصوم أنه كان مبنيًّا قبل الخليل وقد كان المبلغ له ببنائه عن الملك الجليل جبريل فمن ثم قيل: ليس ثم في هذا العالم بناء أشرف من الكعبة لأن الآمر ببنائها الملك الجليل والمبلغ والمهندس جبريل، والباني الخليل، والتلميذ إسماعيل. ثم بناء العمالقة، ثم جرهم رواه الفاكهي بسنده عن عليّ وذكر المسعودي أن الذي بناه من جرهم هو الحرث بن مضاض الأصغر، ثم بناء قصي بن كلاب كما ذكر الزبير بن بكار، ثم بناء قريش وحضره النبي وَ ل# وجعلوا ارتفاعها ثمانية عشر ذراعًا، وقيل عشرين ونقصوا من طولها ومن عرضها لضيق النفقة بهم، ثم بناء عبد الله بن الزبير وسببه توهين الكعبة من حجارة المنجنيق التي أصابتها حين حوصر ابن الزبير بمكة في أوائل سنة أربع وستين من الهجرة لمعاندة يزيد بن معاوية فهدمها حتى بلغت الأرض يوم السبت منتصف جمادى الآخرة سنة أربع وستين، وبناها على قواعد ٩١ کتاب الحج/ باب ٤٢/ حديث ١٥٨٢ إبراهيم وأدخل فيها ما أخرجته منها قريش في الحجر فجعل لها بابين لاصقين بالأرض أحدهما بابها الموجود الآن والآخر المقابل له المسدود، وجعل فيها ثلاث دعائم في صف واحد وفرغ منها في سنة خمس وستين كما ذكره المسبحي العاشر بناء الحجاج، وكان بناؤه للجدار الذي من جهة الحجر بسكون الجيم والباب الغربي المسدود عند الركن اليماني وما تحت الباب الشرقي وهو أربعة أذرع وشبر على ما ذكره الأزرقي، وترك بقية الكعبة على بناء ابن الزبير، واستمر بناء الحجاج إلى الآن وقد أراد الرشيد أو أبوه أو جدّه أن يعيده على ما فعله ابن الزبير فناشده مالك في ذلك وقال: أخشى أن يصير ملعبة للملوك فتركه، ولم يتفق لأحد من الخلفاء ولا غيرهم تغيير شيء مما صنعه الحجاج إلى الآن إلا في الميزاب والباب وعتبته، وكذا وقع الترميم في الجدار الذي بناه الحجاج غير مرة وفي السقف وفي سلم السطح وجدّد فيها الرخام، وأوّل من فرشها بالرخام الوليد بن عبد الملك فيما قاله ابن جريج وهذا الحديث مرسل لأن جابرًا لم يدرك بناء قريش، لكن يحتمل أن يكون سمع ذلك من النبي ◌ّل﴿ أو ممن حضره من الصحابة. وقد روى الطبراني وأبو نعيم في الدلائل من طريق ابن لهيعة عن أبي الزبير قال: سألت جابرًا هل يقوم الرجل عريانًا فقال: أخبرني النبي وَلو أنه لما انهدمت الكعبة الحديث. لكن ابن لهيعة ضعيف، وقد تابعه عبد العزيز بن سليمان عن أبي الزبير ذكره أبو نعيم فإن كان محفوظًا وإلا فقد حضره من الصحابة العباس فلعل جابرًا حمله عنه قاله في الفتح وجواب لما قوله: (ذهب النبي ◌ّ الخر وعباس) عمه (ينقلان الحجارة) على أعناقهما (فقال العباس للنبي وَّ اجعل إزارك على رقبتك) أي لتقوى به على حمل الحجارة ففعل عليه الصلاة والسلام ذلك (فخر) أي وقع (إلى الأرض وطمحت) بالواو والطاء المهملة والميم والحاء المهملة المفتوحات ولأبي ذر: فطمحت بالفاء (عيناه) أي شخصتا وارتفعتا (إلى السماء) والمعنى أنه صار ينظر إلى فوق. قال ابن المنير: فيه دليل على أن النبي و هل كان متعبدًا قبل البعثة بالفروع التي بقيت محفوظة كستر العورة، لأن سقوطه إلى الأرض عند سقوط الإزار خشية من عدم الستر فى تلك اللحظة اهـ. وهذا يردّه ما في الدلائل للبيهقي عن سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس عن أبيه قال: لما بنت قريش انفردت رجلين رجلين ينقلون الحجارة فكنت أنا وابن أخي فجعلنا نأخذ أزرنا فنضعها على مناكبنا ونجعل عليها الحجارة فإذا دنونا من الناس لبسنا أزرنا، فبينما هو أمامي إذ صرع فسعيت وهو شاخ ببصره إلى السماء قال فقلت لابن أخي ما شأنك؟ قال: نهيت أن أمشي عريانًا. قال: فكتمته حتى أظهر الله نبوّته. وفي التهذيب للطبراني: إني لمع غلمان هم أسناني قد جمعنا أزرنا على أعناقنا لحجارة ننقلها إذ لكمني لاكم لكمة شديدة ثم قال: اشدد عليك إزارك. وعند السهيلي في خبر آخر لما سقط ضمه العباس إلى نفسه وسأله عن شأنه فأخبره أنه نودي من السماء أن اشدد إزارك يا محمد. وفي رواية أن الملك نزل فشدّ عليه إزاره فوضح أن استتاره لم يكن مستند إلى شرع متقدم (فقال:) عليه الصلاة والسلام لعمه العباس ٩٢ کتاب الحج/ باب ٤٢/ حديث ١٥٨٣ (أرني) بكسر الراء وسكونها أي أعطني (إزاري) لأن الإراءة من لازمها الإعطاء فأعطاه فأخذ (فشده عليه) زاد زكريا بن إسحق في روايته السابقة في باب كراهية التعري في أوائل الصلاة فما رئي بعد ذلك عریانًا . وفي هذا الحديث التحديث بالجمع والإفراد والإخبار بالإفراد والسماع والقول، ورواته ما بين بخاري وبصري ومكّي، وأخرجه أيضًا في بنيان الكعبة ومسلم في الطهارة. ١٥٨٣ - حدثنا عبدُ اللَّهِ بنُ مسْلمةَ عن مالكِ عنِ ابنِ شهابٍ عن سالمِ بنِ عبدِ اللَّهِ أن عبدَ اللهِ بنَ محمدٍ بن أبي بكرٍ أخبرَ عبدَ اللهِ بنَ عمرَ عن عائشةَ رضيَ اللَّهُ عنهم زوج النبيِّ ((أن رسولَ اللّهِ وَ ه قال لها: ألم تَرَيْ أنَّ قومَكِ لما بَنوا الكعبَةَ اقتصروا على قواعِد إبراهيمَ، فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ ألا تَرُدُّها على قواعد إبراهيمَ؟ قال: لولا حدثانُ قومِكِ بالكُفرِ لفَعلتُ» فقال عبدُ اللَّهِ رضيَ اللهُ عنه: لئن كانتْ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها سمعت هذا من رسولِ اللَّهِ وَ﴿ مَا أُرَى رَسُولَ اللَّهِ وَ تَركَ استلامَ الرُّكنَين اللذَينِ يَليانِ الحِجْرَ إلاّ أنَّ البيتَ لم يُتممْ على قواعِد إبراهيم. وبه قال (حدثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي (عن مالك) الإمام (عن ابن شهاب) الزهري (عن سالم بن عبد اللَّه) بن عمر (أن عبد الله بن محمد بن أبي بكر) الصديق (أخبره) أباه (عبد الله بن عمر) بن الخطاب بنصب عبد اللّه على المفعولية والفاعل مضمر (عن عائشة) متعلق بأخبر (رضي الله عنها زوج النبي وَّه أن رسول الله بَّ قال لها): (ألم تري) مجزوم بحذف النون أي ألم تعرفي (أن قومك) قريشًا (ما) ولأبوي ذر والوقت: حين (بنوا الكعبة اقتصروا عن قواعد إبراهيم) (فقلت: يا رسول الله ألا تردّها على قواعد إبراهيم)؟ جمع قاعدة وهي الأساس (قال) عليه الصلاة والسلام: (لولا حدثان قومك) قريش بكسر الحاء وسكون الدال المهملتين وفتح المثلثة مبتدأ خبره محذوف وجوبًا أي موجود يعني قرب عهدهم (بالكفر لفعلت) أي لرددتها على قواعد إبراهيم، وفيه دليل على ارتكاب أيسر الضررين دفعًا لأكبرهما، لأن قصور البيت أيسر من افتتان طائفة من المسلمين ورجوعهم عن دينهم (فقال عبد اللَّه) بن عمر (رضي الله عنه) وعن أبيه بالإسناد المذكور: (لئن كانت عائشة رضي الله عنها سمعت هذا من النبي ◌ِّ) ليس شكّا في قولها ولا تضعيفًا لحديثها فإنها الحافظة المتقنة، لكنه جرى على ما يعتاد في كلام العرب من الترديد للتقرير واليقين كقوله تعالى: ﴿وإن أدري لعله فتنة لكم﴾ [الأنبياء: ١١١] (ما أرى) بضم الهمزة ما أظن (رسول الله (وَلي ترك استلام الركنين اللذين يليان الحجر) بسكون الجيم أي يقربان منه وزاد معمر ولا طاف الناس من وراء الحجر (إلا أن البيت) الكعبة (لم يتمم) ما نقص منه وهو الركن الذي كان في الأصل (على قواعد إبراهيم) عليه السلام، فالموجود الآن في جهة ٩٣ کتاب الحج/ باب ٤٢/ حدیث ١٥٨٤ الحجر بعض الجدار الذي بنته قريش فلذلك لم يستلمهما النبي ◌ّلر فلو استلمهما أو غيرهما من البيت أو قبل ذلك لم يكره ولا هو خلاف الأولى بل هو حسن لما في الاستقصاء عن الشافعي أنه قال: وأي البيت قبل فحسن غير أنا نأمر بالاتباع اهـ. قال أبو عبد اللَّه الأبّ: وهذا الذي قاله ابن عمر من فقهه ومن تعليل العدم بالعدم علل عدم الاستلام بعدم أنهما من البيت. وهذا الحديث أخرجه المؤلف أيضًا في أحاديث الأنبياء وفي التفسير، ومسلم في الحج والنسائي فيه وفي العلم وفي التفسير. ١٥٨٤ - حدثنا مسُدَّدٌ حدَّثَنا أبو الأخوَصِ حدَّثَنا أشعثُ عنِ الأسودِ بنِ يَزِيدَ عن عائشةَ رضيَ اللّهُ عنها قالت ((سألتُ النبيَّ وََّ عنِ الجذْرِ أَمِنَ البيتِ هو؟ قال: نعم. قلتُ: فما لهم لم يُدخِلوهُ في البيتِ؟ قال: إنَّ قومَكِ قصَّرَتْ بهمُ النفقةُ. قلتُ: فما شأنُ بابهِ مُرتفعًا؟ قال: فعلَ ذُلِك قومُكِ ليُدْخِلوا مَن شاؤوا ويَمنعوا مَن شاؤوا، ولولا أنَّ قومَكِ حديثٌ عهدُهم بالجاهليةِ فأخافُ أن تُنكِرَ قلوبُهم أن أُدخِلَ الجَدْرَ في البيتِ وأن أُلُصِقَ بابَهُ بالأرض)». وبه قال: (حدثنا مسدد) قال: (حدثنا أبو الأحوص) بفتح الهمزة وسكون الحاء آخره صاد مهملتين بينهما واو مفتوحة سلام بن سليم الجعفي قال: (حدثنا أشعث) بهمزة مفتوحة فمعجمة ساكنة فعين مهملة مفتوحة فمثلثة ابن أبي الشعثاء المحاربي (عن الأسود بن يزيد) من الزيادة (عن عائشة رضي الله عنها قالت: سألت النبي ◌َّ عن الجدر) بفتح الجيم وسكون الدال المهملة، ولأبي ذر عن المستملي: عن الجدار بكسر ثم فتح فألف (أمن البيت هو)؟ بهمزة الاستفهام (قال:) عليه الصلاة والسلام (نعم) هو منه لما فيه من أصول حائطه وظاهره أن الحجر كله من البيت، وبذلك كان يفتي ابن عباس. وقد روى عبد الرزاق عنه أنه قال: لو وليت من البيت ما ولي ابن الزبير لأدخلت الحجر كله في البيت فلم يطاف به إن لم يكن من البيت، وسيأتي إن شاء الله تعالى في آخر الطريق الرابعة لحديث عائشة هذا قول يزيد بن رومان الذي رواه عن عكرمة أنه أراه لجرير بن حازم فحرره ستة أذرع أو نحوها مع زيادة من فرائد الفوائد. قالت عائشة: (قلت): أي لرسول الله وَالر (فما لهم لم يدخلوه في البيت؟ قال) (إن قومك) قريشًا (قصرت) بتشديد الصاد المفتوحة، ولأبي ذر: قصرت بتخفيفها مضمومة (بهم النفقة): أي لم يتسعوا لإتمامه لقلة ذات يدهم. وقال في فتح الباري: أي النفقة الطيبة التي أخرجوها لذلك كما جزم به الأزرقي، ويوضحه ما ذكره ابن إسحق في السيرة أن أبا وهب بن عائذ بن عمران بن ٩٤ کتاب الحج/ باب ٤٢/ حدیث ١٥٨٥ مخزوم قال لقريش: لا تدخلوا فيه من كسبكم إلا طيبًا ولا تدخلوا فيه مهر بغي ولا بيع ربا ولا مظلمة أحد من الناس ا هـ. قالت عائشة: (قلت فما شأن بابه مرتفعًا؟ قال) عليه الصلاة والسلام (فعل ذلك قومك) بكسر الكاف فيهما لأن الخطاب لعائشة (ليدخلوا من شاؤوا) ولأبي ذر عن المستملي: يدخلوها بغير لام وزيادة الضمير (ويمنعوا من شاءوا) زاد مسلم: فكان الرجل إذا هو أراد أن يدخلها يدعونه يرتقي حتى إذا كاد أن يدخل دفعوه فسقط، (ولولا أن قومك حديث) بالتنوين (عهدهم بالجاهلية) برفع عهدهم على الفاعلية، ولأبي ذر عن الكشميهني: بجاهلية منكرًا، وسبق في العلم من طريق الأسود حديث عهد بكفر، ولأبي عوانة من طريق عبادة عن عروة عن عائشة: حديث عهد بشرك (فأخاف أن تنكر قلوبهم أن أدخل الجدر) أي يخاف إنكار قلوبهم إدخال الجدر (في البيت) وجواب لولا محذوف أي لفعلت ذلك، وقد رواه مسلم عن سعيد بن منصور عن أبي الأحوص بلفظ: أن تنكر قلوبهم لنظرت أن أدخل، فأثبت جواب لولا وللإسماعيلي من طريق شيبان عن أشعث ولفظه: لنظرت فأدخلت (وأن ألصق بابه بالأرض) فلا يكون مرتفعًا، ونقل ابن بطال عن علمائهم أن النفرة التي خشيها عليه الصلاة والسلام أن ينسبوه إلى الانفراد بالفخر دونهم. وهذا الحديث أخرجه أيضًا مسلم وابن ماجة في الحج. ١٥٨٥ - حدثنا عُبِيدُ بنُ إسماعيلَ حدَّثَنا أبو أسامةَ عن هشامٍ عن أبيهِ عن عائشةَ رضيَ اللّهُ عنها قالت ((قال لي رسولُ اللّهِ وَ له: لولا حَداثةُ قومِكِ بالكفرِ لنَقضتُ البيتَ ثمَّ لبنيتُهُ على أساس إبراهيمَ عليه السلامُ، فإنَّ قُرَيشًا استقصَرَتْ بِناءهُ، وجعلتُ له خَلْفًا)). قال أبو معاويةَ: حَدَّثَنا هِشامٌ: خلفًا یعني بابًا . وبه قال: (حدثنا عبيد بن إسماعيل) بضم العين وفتح الموحدة لقب عبد الله القرشي الهباري الكوفي غلب عليه وهو من ولد هبار بن الأسود قال: (حدثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة (عن هشام عن أبيه) عروة بن الزبير بن العوّام (عن عائشة رضي الله عنها). قال الحافظ أبو الفضل بن حجر: كذا رواه مسلم من طريق أبي معاوية، والنسائي من طريق عبدة بن سليمان، وأبو عوانة من طريق علي بن مسهر وأحمد عن عبد الله بن نمير كلهم عن هشام، وخالفهم القاسم بن معن فرواه عن هشام عن أبيه عن أخيه عبد الله بن الزبير عن عائشة أخرجه أبو عوانة، ورواية الجماعة أرجح فإن رواية عروة عن عائشة لهذا الحديث مشهورة من غير وجه، فسيأتي في الطريق الرابعة من رواية يزيد بن رومان عنه، وكذا لأبي عوانة من طريق قتادة وأبي النضر كلاهما عن عروة عن عائشة بغير واسطة، ويحتمل أن يكون عروة حمل عن أخيه عن عائشة منه شيئًا زائدًا على روايته عنها كما وقع الأسود بن يزيد مع ابن الزبير فيما تقدم شرحه في كتاب العلم ا هـ. ٩٥ کتاب الحج/ باب ٤٢/ حديث ١٥٨٦ (قالت: قال لي النبي (وَلِ﴾: (ولولا حداثة قومك بالكفر) بفتح الحاء والدال المهملتين ثم المثلثة بعد الألف (لنقضت البيت ثم لبنيته على أساس إبراهيم عليه الصلاة والسلام فإن قريشًا استقصرت بناءه) اقتصرت على هذا القدر لقصور النفقة عن تمامة ثم عطف المؤلف على قوله لبنيته قوله: (وجعلت له) بتاء المتكلم فاللام ساكنة. وقال في التنقيح كالقابسي بفتح اللام وسكون التاء يعني فيكون مسندًا إلى ضمير المؤنث فالتاء ساكنة لأنها تاء التأنيث اللاحقة للفعل، فيكون: وجعلت معطوفًا على استقصرت وهو وهم. قال: وروي بإسكان اللام وضم التاء ا هـ. وهذا الأخير هو الظاهر لما سيأتي قريبا إن شاء الله تعالى (خلفًا) بسكون اللام بعد فتح الخاء المعجمة وآخره فاء . (قال: أبو معاوية) محمد بن خازم بالخاء والزاي المعجمتين مما وصله مسلم والنسائي (حدثنا هشام) هو ابن عروة (خلفًا يعني بابًا) من خلفه يقابل هذا الباب المقدم حتى يدخلوا من المقدم ويخرجوا من الذي خلفه، وعلى هذا التفسير يتعين كون جعلت مسندًا إلى ضمير المتكلم وهو النبي ◌ّيّ لا إلى ضمير يعود إلى قريش كما قاله الزركشي على ما لا يخفى، والتفسير المذكور من قول هشام كما بينه أبو عوانة من طريق علي بن مسهر عن هشام قال: الخلف الباب ولم يقع في رواية مسلم والنسائي هذا التفسير، وأخرجه ابن خزيمة عن أبي كريب عن أبي أسامة، وأدرج التفسير ولفظه: وجعلت له خلفًا يعني بابًا آخر من خلف. ١٥٨٦ - حدثنا بيانُ بنُ عمرٍو حدَّثَنا يزيدُ حدَّثَنَا جَرِيرُ بنُ حازم حدَّثَنا يزيدُ بنُ رومانَ عن عُروةً عن عائشةَ رضيَ اللّهُ عنها ((أن النبيَّ ◌َ﴿ قال لها: يا عائشةُ لولا أنَّ قومَكِ حديثُ عهدٍ بجاهليةٍ لأمَرتُ بالبيتِ فهُدِمَ، فأدخَلتُ فيه ما أُخرِجَ منه، وألزقتُه بالأرض، وجعلتُ لَهُ بابَينِ بابًا شرقيّا وبابًا غربيّا فبلغتُ بهِ أساس إبراهيمَ)). فذلك الذي حملَ ابنَ الزُّبيرِ رضيَ اللّهُ عنهما على هدمِهِ. قال يزيدُ: وشَهِدتُ ابنَ الزُّبِيرِ حينَ هَدَمَهُ وبَناهُ وأدخلَ فيه منَ الحِجْر، وقد رأيتُ أساسَ إبراهيمَ حِجارةً كأسْنِمةِ الإِبلِ. قال جرير: فقلتُ له أينَ مَوضِعُه؟ قال: أُرِيكَهُ الآن. فدخلتُ معهُ الحِجْرَ، فأشارَ إلى مكانٍ فقال: هاهنا. قال جَرِيرٌ: فحَزَرتُ مِنَ الحِجرِ ستةَ أذرُعٍ أو نحوها. وبالسند قال: (حدثنا بيان بن عمرو) بفتح العين وسكون الميم وبيان بفتح الموحدة وتخفيف التحتية وبعد الألف نون البخاري المتوفى سنة ثنتين وعشرين ومائتين قال: (حدثنا يزيد) من الزيادة هو ابن هارون كما جزم به أبو نعيم في مستخرجه قال: (حدثنا جرير بن حازم) بالحاء المهملة والزاي، وجرير بالجيم المفتوحة والراء المكررة بينهما تحتية قال: (حدثنا يزيد بن رومان) بضم الراء وسكون الواو وتخفيف الميم وبعد الألف نون غير مصروف، ويزيد من الزيادة وهو مولى آل الزبير (عن عروة) بن الزبير بن العوام. ٩٦ کتاب الحج/ باب ٤٢/ حديث ١٥٨٦ قال الحافظ ابن حجر: كذا رواه الحفاظ من أصحاب يزيد بن هارون عنه، فأخرجه أحمد بن حنبل وأحمد بن سنان وأحمد بن منيع في مسانيدهم عن هكذا، والنسائي عن عبد الرحمن بن محمد بن سلام، والإسماعيلي من طريق هارون الجمال والزعفراني كلهم عن يزيد بن هارون، وخالفهم الحرث بن أبي أسامة فرواه عن يزيد بن هارون فقال: عن عبد الله بن الزبير بدل عروة بن الزبير، وهكذا أخرجه الإسماعيلي من طريق أبي الأزهر عن وهب بن جرير بن حازم عن أبيه، قال الإسماعيلي: إن كان أبو الأزهر ضبطه فكأن يزيد بن رومان سمعه من الآخوين. قال الحافظ ابن حجر: قد تابعه محمد بن مشكان كما أخرجه الجوزقي عن الدغولي عنه عن وهب بن جرير ويزيد قد حمله عن الآخرين، لكن رواية الجماعة أوضح فهي أصح (عن عائشة رضي الله عنها أن النبي ◌َّر قال لها): (يا عائشة لولا أن قومك حديث عهد بجاهلية) بإضافة حديث لعهد عند جميع الرواة. قال المطرزي: وهو لحن إذ لا يجوز حذف الواو في مثل هذا، والصواب حديثو عهد بواو الجمع كذا نقله الزركشي والحافظ ابن حجر والعيني وأقروه، وأجاب صاحب المصابيح بأنه لا لحن فيه ولا خطأ والرواية صواب وتوجه بنحو ما قالوه في قوله تعالى ﴿ولا تكونوا أول كافر به﴾ [البقرة: ٤١] حيث قالوا: إن التقدير أول فريق كافر أو فوج كافر يعنون أن مثل هذه الألفاظ مفردة بحسب اللفظ وجمع بحسب المعنى فيجوز لك رعاية لفظه تارة ومعناه أخرى كيف شئت، فانقل هذا إلى الحديث تجده ظاهرًا لا خفاء بصوابه. وقال صاحب اللامع: قد توجه بأن فيعلاً يستعمل للمفرد والجمع والمؤنث والمذكر كما في: ﴿إن رحمت الله قريب من المحسنين﴾ وخرج عليه خبير بنو لهب إذا قلنا أنه خبر مقدم، فإذا صحت الرواية وجب التأويل. (لأمرت بالبيت فهدم فأدخلت فيه ما أخرج منه) بضم الهمزة أي من الحجر (وألزقته بالأرض) بحيث يكون بابه على وجهها غير مرتفع عنها وألزقته بالزاي كألصقته بالصاد، (وجعلت له بابين بابًا شرقيًا) مثل الموجود الآن (وبابًا غربيًا فبلغت به أساس إبراهيم) عليه الصلاة والسلام. (فذلك الذي حمل ابن الزبير) عبد الله (على هدمه) البيت. زاد وهب وبنائه والإشارة في قوله ذلك إلى ما روته عائشة رضي الله عنها عنه عليه الصلاة والسلام مع عدم وجود ما كان عليه الصلاة والسلام يخافه من الفتنة وقصور النفقة كما في حديث عطاء عند مسلم بلفظ: وقال ابن الزبير: سمعت عائشة تقول: إن النبي وَّلي قال: ((لولا أن الناس حديث عهدهم بكفر وليس عندي من النفقة ما يقوي على بنائه لكنت أدخلت فيه من الحجر خمسة أذرع ولجعلت له بابًا يدخل منه الناس وبابًا يخرجون منه فأنا اليوم أجد ما أنفق ولست أخاف الناس)) الحديث. (قال يزيد): بن رومان بالإسناد السابق: (وشهدت ابن الزبير حين هدمه) وكان قد هدمه حتى بلغ به الأرض (و) حين (بناه) وكان في سنة خمس وستين. وقال الأزرقي: في نصف جمادى الآخرة سنة أربع وستين وجمع بينهما بأن الابتداء كان في سنة أربع والانتهاء في سنة خمس، وأيدوه ٩٧ كتاب الحج/ باب ٤٢/ حديث ١٥٨٦ بأن في تاريخ المسجى أن الفراغ من بناء البيت كان في سنة خمس وستين. زاد المحب الطبري أنه كان في شهر رجب. (وأدخل فيه من الحجر) خمسة أذرع. قال يزيد بن رومان: (وقد رأيت أساس إبراهيم حجارة كأسنمة الإبل) وفي كتاب مكة للفاكهي من طريق أبي أويس عن يزيد بن رومان: فكشفوا له أي لابن الزبير عن قواعد إبراهيم وهي صخر أمثال الخلف من الإبل ورأوه بنيانًا مربوطًا بعضه ببعض. وعند عبد الرزاق من طريق ابن سابط عن زيد: أنهم كشفوا عن القواعد فإذا الحجر مثل الخلفة والحجارة مشتبك بعضها ببعض. وفي رواية للفاكهي عن عطاء قال: كنت في الأبناء الذين جمعوا على حفره فحفروا قامة ونصفًا فهجموا على حجارة لها عروق تتصل بزرد عروق المروة فضربوه فارتجت قواعد البيت فكبر الناس فبني عليه، وفي رواية مرثد عند عبد الرزاق فكشف عن ربض في الحجر آخذ بعضه ببعض فتركه مكشوفًا ثمانية أيام ليشهدوا عليه فرأيت ذلك الربض مثل خلف الإبل وجه ووجه حجران ووجه حجر ووجه حجران، ورأيت الرجل يأخذ العتلة فيضرب بها من ناحية الركن فيهتز الركن الآخر . (قال جرير): هو ابن حازم المذكور (فقلت له) أي ليزيد بن رومان: (أين موضعه) أي الأساس؟ (قال: أريكه الآن فدخلت معه الحجر فأشار إلى مكان) منه (فقال: ههنا. قال جرير: فحزرت) بتقديم الزاي على الراء المهملة أي قدرت (من الحجر) بكسر الحاء وسكون الجيم (ستة أذرع) بالذال المعجمة جمع ذراع، ولأبي ذر: ست أذرع (أو نحوها). قال في المصابيح: والسبب في كونه حرز ذلك ولم يقطع به أن المنقول أنه لم يكن حول البيت حائط يحجز الحجر من سائر المسجد حتى حجزه عمر بالبنيان ولم ينبه على الجدر الذي كان علامة على أساس إبراهيم عليه الصلاة والسلام بأن زاد ووسع قطعًا للشك، وصار الجدر في داخل التحجيز فلذلك حرز جرير ولم يقطع ١ هـ. وهذا نقله المهلب عن ابن أبي زيد بلفظ: إن حائط الحجر لم يكن مبنيًّا في زمن النبي ◌َّر وأبي بكر حتى كان عمر فبناه قطعًا للشك، وفيه نظر لأن هذا إنما هو في حائط المسجد لا في الحجر ولم يزل الحجر موجودًا في عهد النبي ◌َّه كما يصرح به كثير من الأحاديث الصحيحة، وهل الصحيح أن الحجر كله من البيت حتى لا يصح الطواف في جزء منه أو بعضه؟ فيصح جزم النووي بالأول كابن الصلاح لحديث الصحيحين: الحجر من البيت، وأبو محمد الجويني وولده إمام الحرمين والبغوي بالثاني . وقال الرافعي: إنه الصحيح لحديث الباب وحديث مسلم عن الحرث عن عائشة: فإن لقومك أن يبنوه بعدي فهلمي لأريك ما تركوا منه قريبًا من سبعة أذرع. وله من طريق سعيد بن مينا عن عبد الله بن الزبير عنها: وزدت فيه ستة أذرع، ولسفيان بن عيينة في جامعه أن ابن الزبير زاد ستة أذرع مما يلي الحجر، وله أيضًا ستة أذرع وشبر، لكن قال ابن الصلاح منتصرًا لما ذهب إليه: إرشاد الساري/ ج ٤ / م ٧ ٩٨ كتاب الحج/ باب ٤٢/ حديث ١٥٨٦ اضطربت الروايات في ذلك ففي الصحيحين: الحجر من البيت، وروي ستة أذرع، وروي ست أو نحوها، وروي خمس، وروي قريبًا من سبع وحينئذ يتعين الأخذ بأكثرها ليسقط الفرض بيقين. وقال الحافظ زين الدين العراقي في شرح سنن أبي داود: ظاهر نص الشافعي في المختصر أن الحجر كله من البيت وهو مقتضى كلام جماعة من أصحابه، وقال النووي: إنه الصحيح وبه قطع جماهير أصحابنا وقال هذا هو الصواب. وتعقب بأن الجمع بين المتخلف من الأحاديث ممكن وهو أولى من دعوى الاضطراب والطعن في الروايات المقيدة لأجل الاضطراب، لأن شرط الاضطراب أن تتساوى الوجوه بحيث يتعذر الترجيح أو الجمع ولم يتعذر ذلك هنا فيتعين حمل المطلق على المقيد، وإطلاق اسم الكل على البعض سائغ مجازًا وحينئذ فالرواية التي جاء فيها أن الحجر من البيت مطلقة فيحمل المطلق منها على المقيد، ولم تأت رواية صريحة بأن جميع الحجر من بناء إبراهيم في البيت، وإنما قال النووي: ذلك نصرة لما صححه أن جميع الحجر من البيت، وعمدته في ذلك أن الشافعي نص على إيجاب الطواف خارج الحجر، ونقل ابن عبد البر الاتفاق عليه، لكن لا يلزم منه أن يكون كله من البيت فقد نص الشافعي كما ذكره البيهقي في المعرفة أن الذي في الحجر من البيت نحو من ستة أذرع، ونقله عن عدة من أهل العلم من قريش لقيهم، فيحتمل أن يكون رأي إيجاب الطواف من ورائه احتياطًا ولأنه وَ لّ إنما طاف خارجه وقد قال: ((خذوا عني مناسككم)) وكما لا يصح الطواف داخل البيت لا يصح داخل جزء منه فلا يصح على الشاذروان بفتح الذال المعجمة وهو الخارج عن عرض جدار البيت مرتفعًا عن وجه الأرض قدر ثلثي ذراع تركته قريش لضيق النفعة، فلو كان في الطواف ومس جدار البيت في موازاة الشاذروان لا يصح على الأصح لأن بعض بدنه في البيت، والصحيح من مذهب الحنابلة لا يجزئه وقطعوا به. وعند الشيخ تقي الدين بن تيمية: إنه ليس من الكعبة فعلى الأول لو الجدار بيده في موازاة الشاذروان صح لأن معظمه خارج البيت قال: في الرعاية الكبرى: لكن قال المرداوي: ويحتمل عدم الصحة. وقال الحنفية: يصح طواف من لم يحترز منه، لكن قال العلامة ابن الهمام: وينبغي أن يكون طوافه وراء الشاذروان لئلا يكون طوافه في البيت بناء على أنه منه. وقال الكرماني من الحنفية: الشاذروان ليس من البيت عندنا، وعند الشافعي منه حتى لا يجوز الطواف عليه، والقول قولنا لأن الظاهر أن البيت هو الجدار المرئي قائمًا إلى أعلاه اهـ. ومشهور مذهب المالكية كالشافعية، وعبارة الشيخ بهرام: ومن واجبات الطواف أن يطوف وجميع بدنه خارج عن شاذروان البيت وهو البناء المحدودب الذي في جدار البيت وأسقط من أساسه ولم يرفع على استقامته ا هـ. ونحوه قال الشيخ خليل في التوضيح: لكن نازع الخطيب أبو عبد الله بن رشيد بضم الراء وفتح المعجمة في رحلته في ذلك محتجًا بما حاصله أن لفظ الشاذروان لم يوجد في حديث صحيح ولا سقيم ولا عن أحد من السلف ولا ذكر له عن فقهاء المالكية إلا ما وقع في الجواهر لابن شاس، ٩٩ کتاب الحج/ باب ٤٢/ حديث ١٥٨٦ وتبعه ابن الحاجب وهو بلا شك منقول من كتب الشافعية، وأقدم من ذكر ذلك منهم المزني ومن ذكره منهم كابن الصلاح والنووي مقربان اليمانيين على قواعد إبراهيم والآخرين ليسا عليها، فلو كان الشاذروان من البيت لكان الركن الأسود داخلاً في البيت ولم يكن متممّا على قواعد إبراهيم، فمن أين نشأ الشاذروان وقد انعقد الإجماع على أن المبيت متمم على قواعد إبراهيم من جهة الركنين اليمانيين، ولذلك استلمهما النبي ◌َّ و دون الآخرين، وأن ابن الزبير لما هدمه حتى بلغ به الأرض وبناه على قواعد إبراهيم إنما زاد فيه من جهة الحجر وأقامة على الأسس الظاهرة التي عاينها العدول من الصحابة وكبراء التابعين، وأن الحجاج لما نقض البيت بأمر عبد الملك لم ينقضه إلا من جهة الحجر خاصة، وهذا أمر معلوم مقطوع به مجمع عليه منقول بالسند الصحيح في الكتب المعتمدة التي لا يشك فيها أحد، وهو يرد قول ابن الصلاح: إن قريشًا لما رفعوا الأساس بمقدار ثلاثة أصابع من وجه الأرض وهو القدر الظاهر الآن من الشاذروان الأصلى قبل تزليقه نقصوا عرض الجدار عن عرض الأساس الأول. قال ابن رشيد: وكيف يقال أن هذا القدر الظاهر نقصته قريش من عرض الجدار، وهل بقي لبناء قريش أثر؟ فالسهو والغلط فيما نقله ابن الصلاح مقطوع به، ولعل ابن الصلاح نقله عن التاريخيين، وإلا فهذا لم يأت في خبر صحيح ولا روي من قول صاحب يصح سنده، ولو صح لاشتهر ونقل، وإنما وضع هذا البناء حول البيت ليقيه السيول كما قاله ابن عبد ربه في كتاب العقد في صفة الكعبة. وقال ابن تيمية أنه جعل عماد البيت وأيده بأن داخل الحجر تحت حائط الكعبة الشاذروان فيكون هذا الشاذروان نظير الشاذروان الذي هو خارج البيت ولم يقل أحد أن هذا في الحجر له حكم الشاذروان الخارج ولا أنه عماد وأن الخارج شاذروان فكون هذا الشاذروان مراعى في الطواف لا دليل عليه، ومثل هذا لا يثبت إلا بالإجماع الصحيح المتواتر النقل اهـ. وأقول قول ابن رشيد: إنه لم يوجد لفظ الشاذروان عن أحد من السلف، ونسبه ابن الصلاح إلى السهو والغلط فيما نقله من ذلك يقال عليه هذا الإمام الأعظم الشافعي قد قال ذلك فيما نقله عنه البيهقي في كتابه معرفة السنن والأخبار، وعبارته قال الشافعي: فكل طواف طافه على شاذروان الكعبة أو في الحجر أو على جداره فكما لم يطف. قال الشافعي: أما الشاذروان فأحسبه مبنيًا على أساس الكعبة ثم يقتصر بالبنيان عن استيطافه، ولا ريب أن الشافعي من أجل السلف ثم إنه لا يلزم من كونه عليه الصلاة والسلام كان يستلم الركنين اليمانيين عدم وجود الشاذروان ووجوده ليس مانعًا من استلامهما لصدق القول بأنهما على القواعد، وليس فيما نقله ابن رشيد تصريح بأن ابن الزبير وضع البناء على أساس إبراهيم عليه السلام بحيث لم يبق شيئًا مما يسمى شاذرون، ولا وقفت على ذلك في شيء من الروايات، فيحتمل أن يكون الأمر كذلك وأن يكون على حد بناء قريش فأبقي ما قيل انهم أبقوه، وإذا احتمل الأمر واحتمل سقط الاستدلال به. نعم هدم ابن الزبير لجميع البيت الظاهر منه أنه كان ليعيده على القواعد بحيث لم يترك شيئًا منها خارجًا عن الجدار من جميع جوانبه وإلا فلو كان ١٠٠ كتاب الحج/ باب ٤٣ غرضه إعادة ما نقصته قريش من جهة الحجر فقط لاكتفى بهدم ذلك فهدمه لجميعه وإعادته لا بد وأن يكون لغرض صحيح، وليس ثم سوى إعادته على بناء الخليل من غير أن يترك منه شيئًا، لكن روى مسلم في صحيحه عن عطاء قال: احترق البيت زمن يزيد بن معاوية قال ابن الزبير: يا أيها الناس أشيروا علي في الكعبة أنقضها ثم أبني بناءها أو أصلح ما وهى منها. قال ابن عباس: إني أرى أن تصلح ما وهى منها وتدع بيتًا أسلم الناس عليه وأحجارًا أسلم الناس عليها وبعث عليها النبي ◌َّر، فقال ابن الزبير: لو أن أحدكم احترق بيته ما رضي حتى يجدده فكيف ببيت ربكم إني مستخير ربي ثلاثًا ثم عازم على أمر، فلما مضى الثلاث أجمع رأيه على أن ينقضها الحديث. فلم يقل أني أريد إعادته على قواعد إبراهيم بل قال جوابًا لابن عباس حيث قال: إني أرى أن تصلح ما وهى لو أن أحدكم احترق بيته ما رضي حتى يجدده ففيه مع ما قبله إشعار بأن الداعي له على الهدم والبناء زيادة ما نقصته قريش من البيت من جهة الحجر وما وهى بسبب الحريق فلم يتعين أن الهدم كان متمحضًا لإعادتها كلها على القواعد بحيث لا يترك منها شيئًا، ولم أر في شيء من الأحاديث التصريح بأن قريشًا أبقت من الأساس ما يسمى شاذروان، بل السياق مشعر بالتخصيص بالحجر فليتأمل . وهذا الحديث من علامات النبوة حيث أعلم النبي ◌َّر عائشة بذلك فكان الذي تولى نقضها وبناءها ابن اختها ابن الزبير ولم ينقل أنه قال ذلك لغيرها من الرجال والنساء، ويؤيد ذلك قوله عليه الصلاة والسلام لها: فإن بدا لقومك أن يبنوه فهلمي لأريك ما تركوا منه فأراها قريبًا من سبعة أذرع رواه مسلم في صحيحه. ٤٣ - باب فضلِ الحَرَم، وقوله تعالى [النمل: ٩١] ﴿إِنما أُمِرتُ أن أعبُدَ ربَّ هذه البلدةِ الذي حرَّمَها ولهُ كلُّ شيءٍ وأُمِرتُ أن أكونَ منَ المسلمين﴾ . وقولهِ جلَّ ذِكرُه: ﴿أوَ لم نُمَكُنْ لهم حرَمًا آمنًا يُجبى إِليه ثَمراتُ كلُّ شيءٍ رِزقًا من لَدُنَّا ولُكنَّ أكثرَهم لا يعلمون﴾ [القصص: ٥٧]. (باب فضل الحرم) المكي وهو ما أحاط بمكة وأطاف بها من جوانبها جعل الله تعالى له حكمها في الحرمة تشريفًا لها، وسمي حرمًا لتحريم الله تعالى فيه كثيرًا مما ليس بمحرم في غيره من المواضع، وحده من طريق المدينة عند التنعيم على ثلاثة أميال من مكة، وقيل أربعة ومن طريق اليمن طرف أَضاة لبن بفتح الهمزة والضاد المعجمة. ولبن: بكسر اللام وسكون الموحدة على ستة أميال من مكة، وقيل سبعة ومن طريق الجعرانة على تسعة أميال بتقديم المثناة الفوقية على السين ومن طريق الطائف على عرفات من بطن نمرة سبعة أميال، وقيل ثمانية. ومن طريق جدة عشرة أميال. وقال