Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
كتاب الحج/ باب ٢٦/ حديث ١٥٤٨
١٥٤٨ - حدّثنا سُليمانُ بنُ حربٍ حدَّثَنا حَمَّادُ بنُ زيدٍ عن أيوبَ عن أبي قِلابةَ عن أنسٍ
رضيَ اللّهُ عنه قال (صلَّى النبيُّ رَ بالمدينةِ الظهرَ أربعًا والعصرَ بذي الحُليفةِ ركعتَينٍ، وسمعتُهم
يَصرُخون بهما جميعًا)) .
وبه قال: (حدثنا سليمان بن حرب) الواشحي بالمعجمة ثم المهملة الأزدي قال: (حدثنا
حماد بن زيد) هو ابن درهم الهضمي الأزدي البصري (عن أيوب) السختياني (عن أبي قلابة) الجرمي
(عن أنس رضي الله عنه قال):
(صلى النبي ◌َّلل بالمدينة الظهر أربعًا والعصر بذي الحليفة ركعتين وسمعتهم) أي الناوين للقران
(يصرخون بهما) أي بالحج والعمرة (جميعًا) أو الضمير في سمعتهم راجع إلى النبي بَّل ومن معه من
أصحابه .
وفي الحديث حجة للجمهور في استحباب رفع الصوت بالتلبية للرجل بحيث لا يضر بنفسه.
نعم لا يستحب رفع الصوت بها في ابتداء الإحرام بل يسمع نفسه فقط كما في المجموع، وخرج
بالرجل المرأة والخنثى فلا يرفعان صوتهما بل يسمعان أنفسهما فقط كما في قراءة الصلاة فإن رفعا
كره، وقد روى أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة أن النبي وَ لّ قال: أمرني جبريل برفع الصوت
بالإهلال وقال إنه من شعائر الحج، وهذا كغيره من الأحاديث ليس فيه بيان حكم التلبية، وقد
اختلف في ذلك ومذهب الشافعي وأحمد أنه سنة. وفي وجه حكاه الماوردي عن ابن خيران وابن أبي
هريرة أنها واجبة يجب بتركها دم. وقال الحنفية: إذا اقتصر على النية ولم يلب لا ينعقد إحرامه لأن
الحج تضمن أشياء مختلفة فعلاً وتركًا فأشبه الصلاة فلا يحصل إلا بالذكر في أوله، وقال المالكية: ولا
ينعقد إلا بنية مقرونة بقول أو فعل متعلقين به كالتلبية والتوجه إلى الطريق فلا ينعقد بمجرد النية،
وقيل ينعقد قاله سند وهو مروي عن مالك.
٢٦ - باب التَّلبيةِ
(باب التلبية) مصدر لبى كزكى تزكية أي قال لبيك وهو عند سيبويه والأكثرين مثنى لقلب
ألفه ياء مع المظهر وليست تثنيته حقيقية بل هو من المثناة لفظًا، ومعناها التكثير والمبالغة كما في قوله
تعالى: ﴿بل يداه مبسوطتان﴾ [المائدة: ٦٤] أي نعمتاه عند من أول اليد بالنعمة ونعمه تعالى لا
تحصى، وقوله تعالى: ﴿ثم أرجع البصر كرتين﴾ [الملك: ٤] أي كرات كثيرة. وقال يونس بن
حبيب: إنما هو اسم مفرد وألفه إنما انقلبت ياء لاتصالها بالضمير كلدى وعلى اهـ.
والأصل لببك فاستثقلوا الجمع بين ثلاث باءات فأبدلوا من الثالثة ياء كما قالوا من الظن
تظنيت وأصله تظننت وهو منصوب على المصدر بعامل مضمر أي أجبت إجابة بعد إجابة إلى ما لا
نهاية له، وكأنه من ألب بالمكان إذا أقام به والكاف للإضافة. وقيل: ليس هنا إضافة والكاف حرف

٤٢
کتاب الحج/ باب ٢٦/ حديث ١٥٤٩
خطاب ومعناه كما قال في القاموس أنا مقيم على طاعتك إلبابًا بعد إلباب وإجابة بعد إجابة أو معناه
اتجاهي وقصدي لك من داري تلب داره أي تواجهها، أو معناه محبتي لك من امرأة لبة محبة لزوجها،
أو معناه إخلاصي لك من حسب لباب أي خالص أ هـ.
وقال أبو نصر: معناه أنا ملب بين يديك أي خاضع، وقال ابن عبد البر: ومعنى التلبية إجابة
الله فيما فرض عليهم من حج بيته والإقامة على طاعته فالمحرم بتلبيته مستجيب لدعاء الله إياه في
إيجاب الحج عليه. قيل: هي إجابة لقوله تعالى للخليل إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه ﴿وأذن في
الناس بالحج﴾ [الحج: ٢٧] أي بدعوة الحج والأمر به .
١٥٤٩ - حدثنا عبدُ اللّهِ بنُ يوسُفَ أَخبرَنا مالكٌ عن نافعٍ عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرَ رضيَ اللّهُ
عنهما ((أنَّ تْبِيةَ رسولِ اللّهِ وَ لَهُ: لَبَّيْكَ اللّهِمَّ لبّيك، لَبَّيكَ لا شريكَ لكَ لَبَّيكَ، إنَّ الحمدَ والنعمةَ
لكَ والملكَ، لا شريكَ لك)).
وبالسند قال: (حدثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن نافع)
مولى ابن عمر (عن عبد الله بن عمر) بن الخطاب (رضي الله عنهما أن تلبية رسول الله (وَلا)
ولمسلم عن ابن عمر أن رسول الله # كان إذا استوت به راحلته قائمة عند مسجد ذي الحليفة أهل
فقال :
(لبيك اللهم لبيك لبيك) أي يا الله أجبناك فيما دعوتنا. وروى ابن أبي حاتم من طريق
قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عن ابن عباس قال: لما فرغ إبراهيم من بناء البيت قيل له ﴿وأذن في
الناس بالحج﴾ [الحج: ٢٧] قال: رب وما يبلغ صوتي؟ قال: أذن وعلي البلاغ. قال: فنادى إبراهيم
عليه الصلاة والسلام يا أيها الناس كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق فسمعه ما بين السماء والأرض
ألا ترون الناس يجيئون من أقصى الأرض يلبون؟ ومن طريق ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس
وفيه: فأجابوه بالتلبية من أصلاب الرجال وأرحام النساء، وأول من أجابه أهل اليمن فليس حاج يحج من
يومئذ إلى أن تقوم الساعة إلا من كان أجاب إبراهيم عليه الصلاة والسلام يومئذ زاد غيره فمن لبى
مرة حج مرة ومن لبى مرتين حج مرتين ومن لبى أكثر حج بقدر تلبيته، وقد وقع في المرفوع تكرير لفظه
لبيك ثلاث مرات وكذا في الموقوف، إلا أن في المرفوع الفصل بين الأولى والثانية بقوله: اللهم وقد
نقل اتفاق الأدباء على أن التكرير اللفظي لا يزاد على ثلاث مرات: (لا شريك لك لبيك إن الحمد)
بكسر الهمزة على الاستئناف كأنه لما قال لبيك استأنف كلامًا آخر فقال إن الحمد وبالفتح على التعليل
كأنه قال: أجبتك لأن الحمد والنعمة لك والكسر أجود عند الجمهور، وحكاه الزمخشري عن أبي
حنيفة، وابن قدامة عن أحمد بن حنبل، وابن عبد البر عن اختيار أهل العربية لأنه يقتضي أن تكون
الإجابة مطلقة غير معللة فإن الحمد والنعمة لله على كل حال والفتح بدل على التعليل، لكن قال في
اللامع والعدة إنه إذا كسر صار للتعليل أيضًا من حيث انه استئناف جوابًا عن سؤال عن العلة على ما

٤٣
كتاب الحج/ باب ٢٦/ حديث ١٥٤٩
قرر في البيان، حتى أن الإمام الرازي وأتباعه جعلوا أن تفيد التعليل نفسها ولكنه مردود (والنعمة
لك) بكسر النون والإحسان والمنة مطلقًا وبالنصب على الأشهر عطفًا على الحمد ويجوز الرفع على
الابتداء والخبر محذوف لدلالة خبر إن تقديره: إن الحمد لك والنعمة مستقرة لك. وجوز ابن
الأنباري أن يكون الموجود خبر المبتدأ وخبر أن هو المحذوف (والملك)، لك بضم الميم والنصب
عطفًا على اسم أن وبالرفع على الابتداء والخبر محذوف لدلالة الخبر المتقدم، ويحتمل أن يكون تقديره:
والملك كذلك (لا شريك لك) في ملكك. وروى النسائي وابن ماجة وابن حبان في صحيحه
والحاكم في مستدركه عن أبي هريرة قال: كان من تلبية النبي وّر: لبيك إله الحق لبيك، وعند
الحاكم عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي بَّو وقف بعرفات فلما قال: لبيك اللهم لبيك قال إنما
الخير خير الآخرة. وعند الدارقطني في العلل عن أنس بن مالك أنه وَّر قال: لبيك حجا حقًا تعبدًا
ورقًا. وزاد مسلم في حديث الباب قال نافع وكان عبد اللَّه بن عمر يزيد فيها لبيك لبيك لبيك
وسعديك والخير بيديك والرغباء إليك والعمل، ولم يذكر البخاري هذه الزيادة فهي من أفراد مسلم
خلافًا لما توهمه عبارة جامع الأصول والحافظ المنذري في مختصر السنن والنووي في شرح المهذب.
وقوله: وسعديك هو من باب لبيك فيأتي فيه ما سبق من التثنية والإفراد ومعناه أسعدني إسعادًا
فالمصدر فيه مضاف للفاعل وإن كان الأصل في معناه أسعدك بالإجابة إسعادًا بعد إسعاد على أن
المصدر فيه مضاف للمفعول لاستحالة ذلك هنا، وقيل المعنى مساعدة على طاعتك بعد مساعدة
فيكون من المضاف للمنصوب.
وقوله: والرغباء بفتح الراء والمد وبضمها مع القصر كالعلاء والعلاوة وبالفتح مع القصر
ومعناه الطلب والمسألة يعني أنه تعالى هو المطلوب المسؤول منه فبيده جميع الأمور والعمل له سبحانه
لأنه المستحق للعبادة وحده، وفيه حذف يحتمل أن تقديره والعمل إليك أي إليك القصد به والانتهاء
به إليك لتجازي عليه .
وأخرج ابن أبي شيبة من طريق المسور بن مخرمة قال: كانت تلبية عمر فذكر مثل المرفوع
وزاد: لبيك مرفوعًا ومرهوبًا إليك ذا النعماء والفضل الحسن، وهذا يدل على جواز الزيادة على تلبية
رسول الله ﴿ بلا استحباب ولا كراهة، وهذا مذهب الأئمة الأربعة، لكن قال ابن عبد البر قال
مالك: أكره أن يزيد على تلبية رسول الله وَ ل﴿ وينبغي أن يفرد ما روي مرفوعًا ثم يقول الموقوف على
انفراده حتى لا يختلط بالمرفوع. قال إمامنا الشافعي رحمة الله عليه فيما حكاه عنه البيهقي في المعرفة،
ولا ضيق على أحد في مثل ما قال ابن عمر ولا غيره من تعظيم الله ودعائه مع التلبية غير أن
الاختيار عندي أن يفرد ما روي عن رسول الله وَلقر من التلبية.

٤٤
کتاب الحج/ باب ٢٦/ حديث ١٥٥٠
وفي سنن أبي داود وابن ماجة عن جابر قال: أهلّ رسول الله وَّه فذكر التلبية. قال: والناس
يريدون ذا المعارج ونحوه من الكلام والنبي ◌َّر يسمع فلم يقل لهم شيئًا.
وفي تاريخ مكة للأزرقي بسند معضل أن رسول الله وَ ل* قال: لقد مرّ بفج الروحاء سبعون
نبيًا تلبيتهم شتى منهم يونس بن متى وكان يونس يقول: لبيك فراج الكرب لبيك وكان موسى
يقول: لبيك أنا عبدك لديك لبيك قال: وتلبية عيسى أنا عبدك وابن أمتك بنت عبديك، واستحب
الشافعية أن يصلى على النبي وَل بعد الفراغ من التلبية ويسأل الله رضاه والجنة ويتعوّذ به من النار
واستأنسوا لذلك بما رواه الشافعي والدارقطني والبيهقي من رواية صالح بن محمد بن زائدة عن
عمارة بن خزيمة بن ثابت عن أبيه أن رسول الله و لو كان إذا فرغ من تلبيته سأل الله تعالى رضوانه
والجنة واستعفاه برحمته من النار. قال صالح: سمعت القاسم بن محمد يقول: كان يستحب للرجل
إذا فرغ من تلبيته أن يصلي على النبي ◌َّر وصالح هذا ضعيف عند الجمهور، وقال أحمد: لا أرى
بأسًا.
١٥٥٠ - حدثنا محمدُ بنُ يوسفَ حدَّثَنَا سُفيانُ عنِ الأعمشِ عن عُمارةَ عن أبي عَطيّةً عن
عائشةَ رضيَ اللّهُ عنها قالت ((إنّ لأعلمُ كيفَ كانَ النبيُّ وَهِ يُلَبِّي: لَبِّيكَ اللّهِمَّ لبَيكَ، لَبَّيكَ لا
شريكَ لكَ لَبَّيكَ، إنَّ الحمدَ والنعمةَ لك)). تابعَهُ أبو مُعاوية عن الأعمش.
وبه قال: (حدثنا محمد بن يوسف) الفريابي قال: (حدثنا سفيان) الثوري (عن الأعمش)
سليمن بن مهران (عن عمارة) بن عمير بضم العين وفتح الميم (عن أبي عطية) مالك بن عامر
الهمداني (عن عائشة رضي الله عنها) أنها (قالت):
(إني لأعلم كيف كان النبي ◌َّ يلبي لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد)
بكسر الهمزة وفتحها كما مرّ (والنعمة لك) سقط قوله في رواية ابن عمر والملك لا شريك لك من
هذه الرواية اختصارًا، وأردف المؤلف هذا الحديث بسابقه لما فيه من الدلالة على أنه كان عليه الصلاة
والسلام يديم ذلك، وفي حديث مسلم عن جابر التصريح بالمداومة.
(تابعه) أي تابع سفيان الثوري (أبو معاوية) محمد بن خازم بالمعجمتين فيما وصله مسدّد في
مسنده (عن الأعمش) سليمان بن مهران.
(وقال شعبة) بن الحجاج فيما وصله أبو داود الطيالسي في مسنده: (أخبرنا سليمان) الأعمش
قال: (سمعت خيثمة) بفتح الخاء المعجمة والمثلثة بينهما مثناة تحتية ساكنة ابن عبد الرحمن الجعفي
الكوفي (عن أبي عطية) مالك المذكور قال: (سمعت عائشة رضي الله عنها) ولفظه كلفظ سفيان لكنه
زاد فيها ثم سمعتها تلبي، وليس فيه قوله: لا شريك لك، ورجح أبو حاتم في العلل رواية الثوري
ومن تبعه على رواية شعبة. وقال: إنها وهم، وأفادت هذه الطريق بيان سماع أبي عطية من عائشة
قاله في الفتح.

٤٥
کتاب الحج/ باب ٢٧/ حديث ١٥٥١
٢٧ - باب التَّحميدِ والتَّسبیحِ
والتكبير قبلَ الإهلالِ عندَ الركوبِ على الدابَّةِ
(باب التحميد والتسبيح والتكبير قبل الإهلال) أي قبل التلبية (عن الركوب) أي بعد الاستواء
(على الدابة) لا حالة وضع رجله مثلاً في الركاب، وقول الزركشي وغيره أنه قصد به الرد على أبي
حنيفة في قوله: إن من سبح أو كبر أجزأه عن إهلاله، فأثبت البخاري أن التسبيح والتحميد من
النبي ◌َّ إنما كان قبل الإهلال، تعقبه العيني بأن مذهب أبي حنيفة الذي استقر عليه أنه لا ينقص
شيئًا من ألفاظ تلبية النبي ◌َّر وإن زاد عليها فمستحب انتهى. قال الحافظ ابن حجر: وسقط لفظ
التحميد من رواية المستملي.
١٥٥١ - حدثنا موسى بنُ إسماعيلَ حدَّثَنا وُهَيبٌ حدَّثَنا أيوبُ عن أبي قِلابةً عن أنسٍ
رضيَ اللّهُ عنه قال: صلَّى رسولُ اللَّهِ وَّهِ- ونحنُ معهُ بالمدينةِ - الظُّهرَ أربعًا والعصرَ بذي الحليفةِ
رَكعتينٍ، ثمَّ باتَ بها حتى أصبحَ، ثمَّ ركبَ حتى استوَتْ بهِ على البَيداءِ حَمِدَ اللّهَ وسبَّحَ وكَبَّر، ثمَّ
أهلَّ بحجّ وعُمرةٍ وأهلَّ الناسُ بهما، فلما قَدِمْنا أمرَ الناسَ فحلُوا، حتى كان يومُ التَّروِيةِ أهلُوا
بالحجِّ. قال ونحرَ النبيُّ بَدَناتِ بيدِهِ قِيامًا، وذَبَحَ رسولُ اللّهِ رَّهِ بالمدينةِ كبشَينِ أملَحَينٍ)). قال أبو
عبدِ اللهِ: قال بعضُهم هذا عن أيوبَ عن رَجُل عن أنسٍ.
وبالسند قال: (حدثنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي قال: (حدثنا وهيب) بالتصغير هو ابن
خالد قال: (حدثنا أيوب) السختياني (عن أبي قلابة) عبد الله الجرمي (عن أنس رضي الله عنه قال:)
(صلى رسول الله وَّر ونحن معه بالمدينة) حين أراد حجة الوداع (الظهر أربعًا) أي أربع ركعات
والواو في قوله ((ونحن)) للحال (والعصر بذي الحليفة ركعتين) قصرًا (ثم بات بها) أي بذي الحليفة
(حتى أصبح) دخل في الصباح أي: وصلى الظهر ثم دعا بناقته فأشعرها كما عند مسلم (ثم ركب)
أي راحلته (حتى استوت به) أي حال كونها متلبسة به كما مر (على البيداء) بفتح الموحدة مع المد
الشرف المقابل لذي الحليفة (حمد الله وسبح وكبر ثم أهلّ بحج وعمرة) قارنًا بينهما (وأهل الناس)
الذين كانوا معه (بهما) اقتداء به عليه الصلاة والسلام.
وفي الصحيحين عن جابر: أهلّ رسول الله وَ ل# هو وأصحابه بالحج، وفيهما عن ابن عمر أنه
عليه الصلاة والسلام لبى بالحج وحده، ولمسلم في لفظ: أهلّ بالحج مفردًا، وعند الشيخين عن ابن
عمر أنه كان متمتعًا، وفيهما أيضًا عن عائشة رضي الله عنها قالت: تمتع رسول الله وَلقر بالعمرة إلى
الحج وتمتع الناس معه.
قال النووي في المجموع: والصواب الذي نعتقده أنه عليه الصلاة والسلام أحرم أولاً بالحج
مفردًا ثم أدخل عليه العمرة فصار قارنًا فمن روى أنه كان مفردًا وهم الأكثرون اعتمدوا أوّل

٤٦
کتاب الحج/ باب ٢٨/ حديث ١٥٥٢
الإحرام، ومن روى أنه كان قارنًا اعتمد آخره، ومن روى متمتعًا أراد التمتع اللغوي وهو الانتفاع
والالتذاذ وقد انتفع بأن كفاه عن النسكين فعل واحد ولم يحتج إلى إفراد كل واحد بعمل اهـ.
وبقية مباحث ذلك تأتي إن شاء الله تعالى في باب التمتع والقران بعد ستة أبواب.
(فلما قدمنا) مكة (أمر) عليه الصلاة والسلام (الناس) الذين كانوا معه ولم يسوقوا الهدي
(فحلوا) من إحرامهم، وإنما أمرهم بالفسخ وهم قارنون لأنهم كانوا يرون العمرة في أشهر الحج
منكرة كما هو رسم الجاهلية، فأمرهم بالتحلل من حجهم والانفساخ إلى العمرة وتحقيقًا لمخالفتهم
وتصريحًا بجواز الاعتمار في تلك الأشهر، وهذا خاص بتلك السنة عند الجمهور خلافًا لأحمد (حتى
كان يوم التروية) برفع يوم لأن كان تامة لا تحتاج إلى خبر ويوم التروي هو ثامن الحجة سمي به لأنهم
كانوا يروون دوابهم بالماء فيه ويحملونه إلى عرفات (أهلوا بالحج) من مكة.
(قال) أنس (ونحر النبي (وَّه) بمكة (بدنات بيده) حال كونهن (قيامًا)، أي قائمات وهن
المهداة إلى مكة (وذبح رسول الله وَّه بالمدينة) يوم عيد الأضحى (كبشين أملحين) بالحاء المهملة تثنية
أملح وهو الأبيض الذي يخالطه سواد.
(قال أبو عبد اللَّه) البخاري: (قال بعضهم: هذا عن أيوب) السختياني (عن رجل) قيل هو
أبو قلابة وقيل حماد بن سلمة (عن أنس) قال الحافظ ابن حجر: هكذا وقع عند الكشميهني اهـ.
ومقتضاه أنه سقط قول أبي عبد اللَّه البخاري هذا إلى آخره عند المستملي والحموي.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الحج والجهاد وأبو داود بعضه في الأضاحي وبعضه في الحج.
٢٨ - باب مَن أهلَّ حينَ اسْتَتْ به راحلتُهُ قائمةً
(باب من أهلّ حين استوت به راحلته) قائمة إلى طريقه.
١٥٥٢ - حدثنا أبو عاصم أخبرنا ابنُ جُرَيجٍ قال أخبرني صالحُ بنُ كَيسانَ عن نافعٍ عنِ ابنِ
عمرَ رضيَ اللّهُ عنهما قال ((أهلَّ النبيُّ وَ حِينَ اسْتَوَتْ بهِ راحلتُهُ قائمةً)).
وبالسند قال: (حدثنا أبو عاصم) الضحاك بن مخلد النبيل قال: (أخبرنا ابن جريج)
عبد الملك بن عبد العزيز (قال: أخبرني) بالإفراد (صالح بن كيسان) بفتح الكاف الغفاري مؤدّب
ولد عمر بن عبد العزيز (عن نافع) مولى ابن عمر (عن ابن عمر) بن الخطاب (رضي الله عنهما) أنه
(قال) :
((أهل النبي وَّل حين استوت به راحلته قائمة)) أي استوت راحلته حال كونها قائمة متلبسة به،
فقوله به حال وكذا قوله قائمة وفيه دليل لمذهب المالكية والشافعي أن الأفضل أن يهل إذا انبعثت به

٤٧
کتاب الحج/ باب ٢٩/ حديث ١٥٥٣
راحلته أو توجه لطريقه ماشيًا، وفي قول عند الشافعية عقب الصلاة جالسًا لحديث ابن عباس عند
الترمذي وقال: حسن أنه وهو أهلّ بالحج حين فرغ من ركعتيه وهو مذهب الحنفية.
٢٩ - باب الإهلالِ مُستقبِلَ القِبلةِ
(باب الإهلال) حال كونه (مستقبل القبلة) زاد أبو ذر عن المستملي: الغداة بذي الحليفة .
١٥٥٣ - وقال أبو مَعْمرِ حدَّثَنا عبدُ الوارثِ حدَّثَنا أيوبُ عن نافع قال ((كان ابنُ عمرَ
رضيَ اللّهُ عنهما إذا صلَّى بالغَداةِ بذي الحُليفةِ أمرَ براحلتهِ فرُحِلَت، ثمَّ ركِبَ، فإذا اسْتَوَتْ به
استقبَلَ القِبلةَ قائمًا ثمَّ يُلبي حتى يَبْلُغَ المَحْرَمَ، ثمَّ يُمسِكُ، حتى إذا جاء ذا طُویّ باتٌ بهِ حتی
يُصبحَ، فإِذا صلَّى الغَدَاةَ اغتَسَل وزعم أنَّ رسولَ اللّهِ فعلَ ذُلكَ)). تابعه إسماعيلُ عن أيوبَ في
الغسل. [الحديث ١٥٥٣ - أطرافه في: ١٥٥٤، ١٥٧٣، ١٥٧٤].
(وقال أبو معمر) بفتح الميمين بينهما مهملة ساكنة هو عبد الله بن عمرو المنقري المقعد،
وليس هو إسماعيل القطيعي فيما وصله أبو نعيم في مستخرجه من طريق عباس الدورقي عن أبي
معمر، وقال ذكره البخاري بلا رواية قال: (حدثنا عبد الوارث) بن سعيد قال: (حدثنا أيوب)
السختياني (عن نافع) مولى ابن عمر (قال):
(كان ابن عمر رضي الله عنهما إذا صلى بالغداة) أي صلى الصبح بوقت الغداة، ولأبي ذر عن
الكشميهني: إذا صلّ الغداة بإسقاط الموحدة أي الصبح (بذي الحليفة أمر براحلته فرحلت) بضم
الراء وكسر الحاء المخففة (ثم ركب فإذا استوت به) راحلته قائمة (استقبل القبلة) حال كونه (قائمًا)
أي مستويًا على ناقته غير مائل أو وصفه بالقيام لقيام ناقته. وعند ابن ماجة وأبي عوانة في صحيحه
من طريق عبيد الله بن عمر عن نافع كان إذا أدخل رجله في الغرز واستوت به ناقته قائمًا أهلّ (ثم
يلبي) بعد أن يركب راحلته ولا يقطع تلبيته (حتى يبلغ المحرم) بميم مفتوحة فحاء مهملة ساكنة فراء
مفتوحة، ولأبي ذر وابن عساكر ق : الحرم أي أرض الحرم، وفي رواية إسماعيل بن علية إذا
دخل أدنى الحرم (ثم يمسك)، عن التلبية أو المراد بالحرم المسجد وبالإمساك عن التلبية التشاغل
بغيرها من الطواف وغيره. وروى ابن خزيمة في صحيحه من طريق عطاء قال: كان ابن عمر يدع
التلبية إذا دخل الحرم ويراجعها بعدما يقضي طوافه بين الصفا والمروة فالأولى إن المراد إذا دخل الحرم
كما في رواية إسماعيل بن علية، ولقوله بعد: (حتى إذا جاء ذا طوى) بضم الطاء مقصورًا منوّنًا،
ولأبي ذر: طوى بكسر الطاء غير منصرف وصحح على عدم الصرف في اليونينية. ونسب الحافظ
ابن حجر كسر الطاء لتقييد الأصيلي، وفي القاموس تثليثها، وقال الكرماني: الفتح أفصح وهو واد

.. ٤٨
كتاب الحج/ باب ٢٩/ حديث ١٥٥٤
معروف بقرب مكة في صوب طريق العمرة ومساجد عائشة ويعرف اليوم ببئر الزاهر فجعل غاية
الإمساك الوصول إلى ذي طوى، ومذهب الشافعية والحنفية يمتد وقت التلبية إلى شروعه في التحلل
رميًا أو غيره. قال الرافعي: ولذلك نقول المعتمر يقطعها إذا افتتح الطواف.
وفي الصحيحين عن الفضل بن عباس قال: كنت رديف النبي ◌ُّ من جمع إلى منى فلم يزل
يلبي حتى رمى جمرة العقبة. وروى أبو داود عن ابن عباس عن النبي ◌ّ قال: يلبي المعتمر حتى
يستلم الحجر وعند المالكية خلاف هل يقطع التلبية حين يبتدىء الطواف أو إذا دخل مكة، والأول
في المدونة، والثاني في الرسالة، وشهره ابن بشير ونقل الكرماني أن في بعض الأصول حتى إذا
حاذى طوى بحاء مهملة من المحاذاة وحذف كلمة ذي قال: والصحيح هو الأول لأن اسم الموضع
ذو طوى فقط (بات به) أي بذي طوى (حتى يصبح) أي إلى أن يدخل في الصباح (فإذا صلى الغداة)
الصبح وجواب إذا قوله (اغتسل) لدخول مكة.
(وزعم) وفي رواية ابن علية عن أيوب ويحدّث (أن رسول الله مَّ * فعل ذلك) المذكور من
البيتوتة والصلاة والغسل.
(تابعه) أي تابع عبد الوارث (إسماعيل) بن علية (عن أيوب) السختياني (في الغسل) بفتح
الغين المعجمة، ولأبي ذر: في الغسل بضمها أي وغيره، لكن من غير مقصود الترجمة لأن هذه
المتابعة وصلها المؤلف بعد أبواب عن يعقوب بن إبراهيم قال: حدثنا ابن علية به ولم يقتصر على
الغسل بل ذكره كله إلا القصة الأولى، وأوّله كان إذا دخل أدنى الحرم أمسك عن التلبية والباقي
مثله. نبه عليه في الفتح، ومطابقة الحديث للترجمة في قوله: فإذا استوت به استقبل القبلة والله
أعلم.
١٥٥٤ - حدثنا سُليمانُ بنُ داوُدَ أبو الرَّبيعِ حدَّثَنَا فُلَيحٌ عن نافع قال ((كان ابنُ عمرَ
رضيَ اللّهُ عنهما إذا أرادَ الخروجَ إلى مكةَ ادَّهَنَ بدُهنٍ ليسَ لهُ رائحةٌ طَيِّبةٌ، ثمَّ يأتي مسجدَ
الحُليف فِيُصلِّي، ثمَّ يركبُ. وإذا اسْتَوَتْ به راحلتُهُ قائمةً أحرَمَ ثمَّ قال: هكذا رأيتُ النبيِّ وَّ
يَفعلُ».
وبه قال: (حدثنا سليمان بن داود) بن حماد (أبو الربيع) العتكيّ الزهراني قال: (حدّثنا فليح)
بضم الفاء وفتح اللام آخره حاء مهملة مصغرًا ابن سليمان الخزاعي المدني. ويقال: فليح لقب
واسمه عبد الملك من طبقة مالك احتج به البخاري وأصحاب السنن وروى له مسلم حديث الإفك
فقط وضعفه يحيى بن معين والنسائي وأبو داود. وقال الساجي: هو من أهل الصدق وكان يهم.
وقال الدارقطني: مختلف فيه ولا بأس به. وقال ابن عديّ: له أحاديث صالحة مستقيمة وغرائب
وهو عندي لا بأس به ا هـ.

٤٩
کتاب الحج/ باب ٣٠/ حدیث ١٥٥٥
ولم يعتمد عليه البخاري اعتماده على مالك وابن عيينة وأضرابهما، وإنما أخرج له أحاديث
أكثرها في المتابعات وبعضها في الرقائق. (عن نافع) مولى ابن عمر (قال):
(كان ابن عمر) بن الخطاب (رضي الله عنهما إذا أراد الخروج إلى مكة اذهن بدهن ليس له
رائحة طيبة، ثم يأتي مسجد الحليفة) ولأبي ذر: مسجد ذي الحليفة (فيصلي) الغداة (ثم يركب)
راحلته (وإذا) وفي نسخة: فإذا (استوت به راحلته قائمة أحرم ثم قال: هكذا رأيت رسول الله دل اليه
يفعل) لم يقع في رواية فليح هذه التصريح باستقبال القبلة لأنه من لازم استواء الراحلة عند الأخذ
في السير استقبالها القبلة لأن مكة أمامه فهو مستقبل القبلة ضرورة، وقد صرح بالاستقبال في
الرواية الأولى وهما حديث واحد، وإنما احتاج إلى رواية فليح لما فيها من زيادة ذكر الدهن الذي
ليست له رائحة طيبة، قال المهلب: وإنما كان ابن عمر يدهن ليمنع القمل عن شعره ويجتنب ما له
رائحة طيبة صيانة للإحرام .
٣٠ - باب التلبيةِ إذا انحدَرَ في الوادِي
(باب التلبية إذا انحدر) المحرم (في الوادي).
١٥٥٥ - حدثنا محمدُ بنُ المُثنى قال حدَّثَني ابنُ أبي عَدِيّ عن ابنِ عَونٍ عن مُجاهِدٍ قال
((كنَّا عندَ ابنِ عبَّاسٍ رضيَ اللّهُ عنهما، فذكروا الدَّجَّالَ أنهُ قال مكتوبٌ بينَ عَينِيهِ: كافر. فقال ابنُ
عبَّاسٍ: لم أسمعْهُ، ولكنهُ قال: أما موسى كأني أنظُرُ إليهِ إذا انحدَرَ في الوادِي يُلَبِّي)). [الحديث
١٥٥٥ - طرفاه في: ٣٣٥٥، ٥٩١٣].
وبالسند قال: (حدثنا محمد بن المثنى) المعروف بالزمن (قال: حدثني) بالإفراد (ابن أبي عدي)
بفتح العين وكسر الدال المهملتين ثم المثناة التحتية المشددة وهو محمد بن إبراهيم بن أبي عدي (عن
ابن عون) بفتح العين وسكون الواو عبد اللَّه (عن مجاهد) هو ابن جبر بفتح الجيم وسكون الموحدة
المخزومي مولاهم المكي إمام في التفسير (قال: كنا عند ابن عباس رضي الله عنهما فذكروا الدجال
أنه) أي الدجال والهمزة مفتوحة (قال: مكتوب بين عينيه: كافر) في موضع رفع خبر إن وكافر رفع
بقوله مكتوب واسم المفعول يعمل عمل فعله كاسم الفاعل، (فقال ابن عباس: لم أسمعه)، عليه
الصلاة والسلام زاد في باب الجعد من كتاب اللباس قال ذلك (ولكنه قال:) وَ له .
(أما موسى كأني أنظر إليه) رؤيا حقيقية بأن يجعل الله لروحه مثالاً يرى في اليقظة كما يرى في
النوم كليلة الإسراء والأنبياء أحياء عند ربهم يرزقون، وقد رأى النبي ◌َّ موسى قائمًا في قبره يصلي
كما رواه مسلم عن أنس أو أنه عليه الصلاة والسلام نظر ذلك في المنام، وبذلك صرح موسى بن
عقبة في روايته عن نافع. ورؤيا الأنبياء حق ووحي أو أنه مثلت له حالة موسى عليه السلام التي
كان عليها في الحياة، وكيف يحج ويلبي، أو أنه عليه الصلاة والسلام أخبر بالوحي عن ذلك فلشدة
إرشاد الساري/ ج ٤ / م ٤

٥٠
كتاب الحج/ باب ٣١
قطعه به قال: كأني أنظر إليه (إذ انحدر في الوادي) وادي الأزرق (يلبي) بحذف الألف بعد الذال،
ولأبي ذر: إذا بإثباتها، وأنكرها بعضهم فغلط راويها كما حكاه عياض. قال: وهو غلط منه إذ لا
فرق بين إذا وإذ هنا لأنه وصفة حالة انحداره فيما مضى، وقوله: كأني أنظر إليه جواب أما والأصل
فكأني فحذف الفاء وهو حجة على من قال من النحاة أنه لا يجوز حذفها، لكن قد يقال: إن حذفه
وقع من الراوي، وقد جوّز ابن مالك حذفها في السعة وخصه بعضهم بالضرورة، وقد اعترض
المهلب قوله موسى وقال: إنه وهم من بعض الرواة، وصوّب أنه عيسى لأنه حي، واستدل بقوله
في الحديث الآخر ليهلن ابن مريم بفج الروحاء.
وأجيب: بأنه لا فرق بين موسى وعيسى لأنه لم يثبت أن عيسى منذ رفع نزل إلى الأرض
وإنما ثبت أنه سينزل عند أشراط الساعة، وقد أخرج مسلم الحديث من طريق أبي العالية عن ابن
عباس بلفظ: كأني أنظر إلى موسى من الثنية واضعًا إصبعيه في أذنيه مارًا بهذا الوادي وله جوار إلى
الله تعالى بالتلبية قاله لما مرّ بوادي الأزرق، وقد زاد في باب: الجعد من كتاب اللباس ذكر إبراهيم
ولفظه قال ابن عباس: لم أسمعه قال ذلك، ولكنه قال: أما إبراهيم فانظروا إلى صاحبكم، وأما
موسى فرجل آدم جعد على جمل أحمر مخطوم بخلب كأني أنظر إليه إذا انحدر في الوادي يلبي.
أفيقال: أن الراوي غلط فزاد إبراهيم، وفي الحديث أن التلبية في بطون الأودية من سنن المرسلين
وأنها تتأكد عند الهبوط كما تتأكد عند الصعود. وهذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في اللباس وفي
أحاديث الأنبياء، ومسلم في الإيمان.
٣١ - باب كيفَ تُهلُّ الحائضُ والنُّفَساءُ؟
أهلَّ: تكلَّمَ به. واستهللنا وأهللنا الهلالَ: كلُّه من الظُّهور. واستهلَّ المطرُ: خرجَ منَ
السَّحاب .
﴿وما أُهِلَّ لغيرِ اللّهِ بِهِ﴾ [المائدة: ٣] وهوٌ مِن استهلالِ الصبيِّ.
هذا (باب) بالتنوين (كيف تهلّ) أي تحرم (الخائض والنفساء)؟ يقال: (أهلّ) الرجل بما في
قلبه إذا (تكلم به. واستهللنا وأهللنا الهلال:) بالنصب على المفعولية أي طلبنا ظهوره، ولأبي ذر:
الهلال بالرفع أي استهل الهلال على صيغة المعلوم أي تبين. قال المجد الشيرازي كالجوهري، ولا
يقال أهل ويقال أهللنا عن ليلة كذا ولا يقال أهللنا فهلّ كما يقال أدخلناه فدخل وهو قياسه (كله)
أي ما ذكر من هذه الألفاظ مأخوذ (من) معنى (الظهور. و) من الظهور أيضًا (استهل المطر:) أي
(خرج من السحاب) ومنه أيضًا قوله تعالى: ((وما أهل لغير الله به﴾) [المائدة: ٣] أي نودي عليه بغير
اسم الله وأصله رفع الصوت (وهو من استهلال الصبي) أي رفع صوته بالصياح عند الولادة. قال

٥١
كتاب الحج/ باب ٣١/ حديث ١٥٥٦
في الفتح: وهذا في رواية المستملي والكشميهني وليس مخالفًا لما سبق من أصل الاستهلال رفع
الصوت لأن الصوت يقع بذكر الشيء عند ظهوره.
١٥٥٦ - حدّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ مَسلمةَ حدَّثَنا مالكٌ عن ابنِ شهابٍ عن عُروةَ بنِ الزُّبِيرِ عن
عائشةَ رضيَ اللهُ عنها زوج النبيَّ قالت ((خرجنا مع النبيِّ نَّهَ فِي حَجَّةِ الوَداعِ فأهلَلْنا بعُمرةٍ، ثمَّ
قال النبيُّ نَّهِ: مَن كان معهُ هَذْيٌ فَلْيُهِلَّ بالحجُ معَ العُمرةِ ثمَّ لا يَحلَّ حتى يَحلَّ منهما جميعًا.
فقدمتُ مكةَ وأنا حائضٌ ولم أطُفْ بالبيتٍ ولا بينَ الصَّفا والمَروة، فشكَوْتُ ذلك إلى النبيِّ وَّ
فقال: انقُضِي رأسَكِ وامتَشِطي وأهلي بالحجِّ ودَعِي العُمرةَ، فَفعلتُ. فلما قضَينا الحجَّ أرسلَني
النبيُّ وَِّ معَ عبدِ الرحمن بنِ أبي بكرٍ إلى التَّنْعِيم فاعتمرتُ فقال: هذهِ مَكانُ عُمرتكِ. قالت:
فطافَ الذينَ كان أهلُوا بالعمرةِ بالبيتِ وبينَ الصَّفا والمروةِ ثمَّ حلُّوا، ثمّ طافوا طوافًا واحدًا بعدَ أن
رجَعوا من مِنى، وأما الذينَ جَمعوا الحجّ والعُمرةَ فإِنما طافوا طَوافًا واحدًا)).
وبه قال: (حدثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي قال: (حدثنا مالك) الإمام (عن ابن شهاب)
الزهري (عن عروة بن الزبير) بن العوّام (عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي ◌َّ، قالت: خرجنا
مع النبي ◌َّر) لخمس بقين من ذي القعدة (في حجة الوداع) سميت بذلك لأنه وَ ل ودّع الناس فيها
(فأهللنا بعمرة)، أدخلناها على الحج بعد أن أهللنا به في الابتداء كما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى،
(ثم قال النبي ◌ِّر): لمن معه بعد إحرامهم بالحج ودنوّهم من مكة بسرف كما في رواية عائشة أو
بعد طوافهم بالبيت فهم بالبيت كما في رواية جابر أو قاله مرتين في الموضعين وأن العزيمة كانت
آخرًا حين أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة.
(من كان معه هدي) بإسكان الدال وتخفيف الياء وبكسر الدال وتشديد الياء والأولى أفصح
وأشهر اسم لما يهدى إلى الحرم من الأنعام وسوق الهدي سنة لمن أراد الإحرام بحج أو عمرة (فليهل
بالحج مع العمرة ثم لا يحل) وفي اليونينية: بالنصب مصلح (حتى يحل منهما) أي من الحج والعمرة
(جميعًا) وفيه دلالة على أن السبب في بقاء من ساق الهدي على إحرامه حتى يحل من الحج كونه
أدخل الحج على العمرة لا مجرد سوق الهدي كما يقوله أبو حنيفة وأحمد وموافقوهما من أن المعتمر
المتمتع إذا كان معه هدي لا يتحلل من عمرته حتى ينحر هديه يوم النحر، وقد تمسكوا بقوله في
رواية عقيل عن الزهري في الصحيحين فقال رسول الله وَلي: ((من أحرم بعمرة ولم يهد فليحلل،
ومن أحرم بعمرة وأهدى فلا يحل حتى ينحر هديه، ومن أهلّ بحج فليتم حجه)) وهي ظاهرة في
الدلالة لمذهبهم، لكن تأولها الشافعية على أن معناها ومن أحرم بعمرة وأهدى فليهلل بالحج ولا يحل
حتى ينحر هديه، واستدلوا لصحة هذا التأويل بهذه الرواية لأن القصة واحدة فتعين الجمع بين
الروايتين.

٥٢
كتاب الحج/ باب ٣١/ حديث ١٥٥٦
قالت عائشة: (فقدمت مكة وأنا حائض) جملة اسمية وقعت حالاً وكان ابتداء حيضها بسرف
يوم السبت لثلاث خلون من ذي الحجة (ولم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة)، عطف على المنفي
قبله على تقدير ولم أسع وهو من باب علفتها تبنًا وماء باردًا، ويجوز أن يقدر ولم أطف بين الصفا
والمروة على طريق المجاز لما في الحديث وطاف بالصفا والمروة سبعة أطواف، وإنما ذهب إلى التقدير
دون الانسحاب لئلا يلزم استعمال اللفظ الواحد حقيقة ومجازًا في حالة واحدة قاله في شرح
المشكاة. (فشكوت ذلك) أي ترك الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة بسبب الحيض (إلى النبي زَل
فقال) :
(انقضي رأسك) بالقاف المضمومة والضاد المعجمة المكسورة من النقض أي حلي ضفر شعر
رأسك (وامتشطي) أي سرحيه بالمشط (وأهلي بالحج ودعي العمرة) أي عملها من الطواف والسعي
وتقصير الشعر لا أنها تدع العمرة نفسها وحينئذٍ فتكون قارنة كذا تأوله الشافعي.
والحاصل أنها أحرمت بالحج ثم فسخته إلى العمرة حين أمر الناس بذلك، فلما حاضت وتعذر
عليها إتمام العمرة والتحلل منها وإدراك الإحرام بالحج أمرها ◌َ * بالإحرام بالحج فأحرمت به
فصارت مدخلة للحج على العمرة وقارنة، لكن استشكل الخطابي قوله لها انقضي رأسك وامتشطي
لأنه ظاهر في إبطال العمرة لأن المحرم يفعل مثل ذلك لأنه يؤدّي إلى انتتاف الشعر.
وأجيب: بأنه لا يلزم من ذلك إيطال العمرة فإن نقض الرأس والامتشاط جائزان في الإحرام
إذا لم يؤدّ إلى انتتاف الشعر لكن يكره الامتشاط لغير عذر أو إن ذلك كان بسبب أذى كان برأسها
فأبيح كما أبيح لكعب بن عجرة في حلق رأسه للأذى، أو المراد بالامتشاط تسريح الشعر بالأصابع
لغسل الإحرام بالحج، ولا سيما إن كانت ملبدة فتحتاج إلى نقض الضفر ثم تضفره كما كان ويلزم
منه نقضه، ويشهد لما أوله الشافعي رحمة الله عليه الصلاة والسلام في الحديث الآخر: قد حللت من
حجتك وعمرتك جميعًا، وقوله في الحديث الآخر: طوافك وسعيك كافيك لحجك وعمرتك فهو
صريح في أنها كانت قارنة، لكن عند المؤلف في باب: التمتع والقران من طريق الأسود عنها أنها
قالت: يا رسول الله يرجع الناس بعمرة وحج وأرجع أنا بحجة. وزاد في رواية عطاء عنها عند
أحمد ليس معها عمرة، وهذا يقوي قول الحنفية أنها تركت العمرة وحجت مفردة متمسكين بقوله
لها: دعي عمرتك. واستدلوا به على أن المرأة إذا أهلت بالعمرة متمتعة فحاضت قبل أن تطوف تترك
العمرة وتهل بالحج مفردة كما صنعت عائشة رضي الله عنها، لكن قال: في الفتح: إن في رواية
عطاء عنها ضعفًا والرافع للإشكال في ذلك ما رواه مسلم من حديث جابر أن عائشة أهلّت بعمرة
حتى إذا كانت بسرف حاضت فقال لها رسول الله وتلتر: أهلي بالحج حتى إذا طهرت طافت بالكعبة
وسعت فقال: قد حللت من حجك وعمرتك. قالت يا رسول الله إني أجد في نفسي أني لم أطف
بالبيت حتى حججت. قال: فأعمرها من التنعيم. قالت عائشة رضي الله عنها: (ففعلت) بسكون
اللام ما ذكر من النقض والامتشاط والإهلال بالحج وترك عمل العمرة وهذا موضع الترجمة .

٥٣
كتاب الحج/ باب ٣٢
(فلما قضينا الحج) أي وطهرت يوم النحر (أرسلني النبي وّ﴾ مع) أخي (عبد الرحمن بن أبي
بكر) الصدّيق رضي الله عنه (إلى التنعيم) المشهور بمساجد عائشة (فاعتمرت. فقال) عليه الصلاة
والسلام: (هذه) العمرة (مكان عمرتك) برفع مكان خبرًا لقوله هذه أو بالنصب، وهو الذي في
اليونينية لا غير على الظرفية وعامله المحذوف هو الخبر أي كائنة أو مجعولة مكان عمرتك. قال
القاضي عياض: والرفع أوجه عندي إذ لم يرد به الظرف إنما أراد عوض عمرتك، فمن قال كانت
قارنة قال مكان عمرتك التي أردت أن تأتي بها مفردة حينئذٍ فتكون عمرتها من التنعيم تطوّعًا لا عن
فرض، لكنه أراد تطييب نفسها بذلك. ومن قال: كانت مفردة قال مكان عمرتك التي فسخت الحج
إليها ولم تتمكني من الإتيان بها للحيض. وقال السهيلي: الوجه النصب على الظرف لأن العمرة
ليست بمكان لعمرة أخرى لكن إن جعلت مكان بمعنى عوض أو بل مجازًا أي هذه بدل عمرتك
جاز الرفع حينئذٍ .
(قالت): عائشة رضي الله عنها (فطاف الذين كانوا أهلّوا بالعمرة بالبيت و) سعوا أو طافوا
(بين الصفا والمروة) لأجل العمرة (ثم حلوا)، منها بالحلق أو التقصير (ثم طافوا طوافًا واحدًا)
للحج، ولأبي ذر عن الكشميهني: طوافًا آخر (بعد أن رجعوا من منى، وأما الذين جمعوا الحج
والعمرة فإنما طافوا طوافًا واحدًا) لأن القارن يكفيه طواف واحد وسعي واحد لأن أفعال العمرة
تندرج في أفعال الحج وهو مذهب الشافعي ومالك وأحمد والجمهور خلافًا للحنفية حيث قالوا:
لا بدّ للقارن من طوافين وسعيين لأن القران هو الجمع بين العبادتين فلا يتحقق إلا بالإتيان بأفعال
كل منهما والطواف والسعي مقصودان فيهما فلا يتداخلان إذ لا تداخل في العبادات وهو محكي عن
أبي بكر وعمر وعلي بن أبي طالب وابن مسعود والحسن بن علي، ولا يصح عن واحد منهم.
واستبدل بعضهم له بحديث ابن عمر عند الدارقطني بلفظ: إنه جمع بين حجة وعمرة معًا وطاف
لهما طوافين وسعى لهما سعيين وقال: هكذا رأيت رسول الله بَ ل# صنع وبحديث علي عند
الدارقطني أيضًا، وبحديث ابن مسعود وحديث عمران بن حصين أيضًا، وكلها مطعون فيها لما في
رواتها من الضعف المانع للاحتجاج بها والله أعلم.
وهذا الحديث أخرجه المؤلف أيضًا في الحج والمغازي، وأخرجه مسلم وأبو داود والترمذي
والنسائي في الحج وكذا ابن ماجة والله أعلم.
٣٢ - باب مَن أهلَّ في زمنِ النبيِّ بَّ كإهلال النبيِّ
ـها الله
وسـ
صَلَى اللّه
قاله ابنُ عمرَ رضيَ اللّهُ عنهما عن النبيِّ
(باب من أهل) أي أهلّ على الإبهام من غير تعيين (في زمن النبي ◌َّر كإهلال النبي (وَّ)
فأقره النبي ◌ّر عليه وتقييده في الترجمة بزمنه عليه الصلاة والسلام إشارة إلى أنه لا يجوز بعد ذلك.

٥٤
کتاب الحج/ باب ٣٢/ حديث ١٥٥٧ و ١٥٥٨
لنا: أن الأصل عدم الخصوصية فيجوز أن يحرم كإحرام زيد فإن لم يكن زيد محرمًا انعقد
إحرامه مطلقًا ولغت الإضافة لزيد، وإن كان زيد محرمًا انعقد إحرامه كإحرامه إن كان حجّا فحج
وإن كان عمرة فعمرة وإن كان مطلقًا فمطلق ويتخير كما يتخير زيد ولا يلزمه الصرف إلى ما يصرف
إليه زيد، فإذا تعذر معرفة إحرامه بموته أو جنونه أو غيبته نوى القران وعمل أعمال النسكين
ليتحقق الخروج عما شرع فيه، وهذا مذهب الشافعية وهو الصحيح عند أشهب نقله سند وصاحب
الذخيرة وهو مذهب الحنابلة، وحكي عن مالك المنع وهو قول الكوفيين لعدم الجزم حين الدخول
في العبادة (قاله) أي ما ذكر في الترجمة (ابن عمر) بن الخطاب (رضي الله عنهما عن النبي وَليّ) فيما
أخرجه المؤلف رحمه الله في باب: بعث علي رضي الله عنه إلى اليمن من باب المغازي.
١٥٥٧ - حدثنا المكيُّ بنُ إبراهيمَ عنِ ابنِ جُرَيج قال عطاءٌ قال جابر رضيَ اللّهُ عنه «أمرَ
النبيُّ نَّهِ عليا رضيَ اللّهُ عنه أن يُقيمَ على إحرامِه، وذكرَ قولَ سُراقةَ)). [الحديث ١٥٥٧ - أطرافه
في: ١٥٦٨، ١٥٧٠، ١٦٥١، ١٧٨٥، ٢٥٠٦، ٤٣٥٢، ٧٢٣٠، ٧٣٦٧].
وبالسند قال: (حدثنا المكي بن إبراهيم) بشر بن فرقد الحنظلي التميمي البلخي (عن ابن
جريج) عبد الملك بن عبد العزيز (قال عطاء) هو ابن أبي رباح، (قال جابر) هو ابن عبد الله
الأنصاري (رضي الله عنه).
(أمر النبي ◌َّ عليّا رضي الله عنه) هو ابن أبي طالب حين قدم مكة من اليمن ومعه هدي (أن يقيم
على إحرامه) الذي كان أحرم به كإحرام النبي ◌َّ ولا يحل لأنه معه الهدي.
(وذكر) أي جابر في حديثه فهو من مقول عطاء أو المكي بن إبراهيم فيكون من مقول
البخاري (قول سراقة) بضم السين المهملة وفتح القاف ابن مالك بن جعشم بضم الجيم والشين
المعجمة بينهما مهملة ساكنة المذكور في باب: عمرة التنعيم من حديث حبيب المعلم عن عطاء
حدثني جابر أن رسول الله وَلير أهلّ هو وأصحابه بالحج وليس مع أحد منهم هدي غير النبي ◌َّل
وطلحة، وكان علي رضي الله عنه قدم من اليمن ومعه هدي الحديث وفيه: أن سراقة لقي
رسول الله ◌َ* بالعقبة وهو يرميها فقال: ألكم هذه خاصة يا رسول الله قال بل لأبد الأبد أي إن
أفعال العمرة تدخل في أفعال الحج للقارن دائمًا في خصوص تلك السنة.
وفي هذا الحديث التحديث والعنعنة والقول. قال عطاء وقال جابر وهو صورة التعليق وهو
من الرباعيات .
١٥٥٨ - حدثنا الحسنُ بنُ عليّ الخَلاَّلُ الهُذَلِيُّ حدَّثَنا عبدُ الصمدِ حدَّثَنَا سَليمُ بنُ حَيَّنَ قال
سمعتُ مَروانَ الأصفرَ عن أنس بنِ مالكِ رضيَ اللّهُ عنه قال «قدِمَ عليٍّ رضِيَ اللّهُ عنه على
النبيِّ وََّ منَّ اليمن فقال: بما أَهْللتَ؟ قال: بما أَهلَّ بِهِ النبيُّ نَّر. فقال: لولا أنَّ معي الهذيّ

٥٥
کتاب الحج/ باب ٣٢/ حديث ١٥٥٩
لأحللتُ)) وزادَ محمدُ بنُ بَكرٍ عنِ ابنِ جُريج «قال له النبيُّ ◌ََّ: بما أَهَلْتَ يا عليُّ؟ قال: بما أهلَّ
به النبيُّ. قال: فأهْدِ وامْكُثْ حَرامًا كما أنتَ)).
وبه قال: (حدثنا الحسن بن علي الخلال) بفتح الخاء المعجمة وتشديد اللام الأولى (الهذلي)
بضم الهاء وفتح الذال المعجمة نسبة إلى هذيل بن مدركة المتوفى سنة اثنتين وأربعين ومائتين قال:
(حدثنا عبد الصمد) بن عبد الوارث بن سعيد قال: (حدثنا سليم بن حيان) بفتح السين وكسر
اللام وحيان بفتح الحاء المهملة وتشديد المثناة التحتية (قال سمعت مروان الأصفر) بالصاد المهملة
والفاء أبو خليفة البصري قيل اسم أبيه خاقان وقيل سالم (عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:
قدم علي رضي الله عنه على النبي ◌َّ) مكة (من اليمن فقال:) عليه الصلاة والسلام له:
(بما أهللت؟) أي أحرمت وأثبت ألف ما الاستفهامية مع دخول الجار عليها وهو قليل، ولأبي
ذر: بم بحذفها على الكثير الشائع نحو فيم أنت من ذكراها عم يتساءلون (قال:) علي رضي الله عنه
(بما أهل) أي بالذي أحرم (به النبي ◌َّ، فقال:) عليه الصلاة والسلام (لولا أن معي الهدي
لأحللت) من الإحرام وتمتعت لأن صاحب الهدي لا يتحلل حتى يبلغ الهدي محله وهو يوم النحر،
واللام في لأحللت للتأكيد. وأخرج هذا الحديث مسلم والترمذي في الحج.
(وزاد محمد بن بكر) بفتح الموحدة وسكون الكاف البرساني بضم الموحدة وفتح السين المهملة
مما وصله الإسماعيلي من طريق محمد بن بشار وأبو عوانة في صحيحيه عن عمار كلاهما عنه (عن
ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز (قال له النبي ◌َلا):
(بما أهللت يا علي)؟ (قال: بما أهل به النبي ◌َّر: قال) (فأهد) بهمزة قطع مفتوحة (وامكث)
بهمزة وصل أي البث حال كونك (حرامًا) أي محرمًا (كما أنت) أي على ما أنت عليه من الإحرام إلى
الفراغ من الحج، وما: موصولة وأنت مبتدأ حذف خبره أو خبر حذف مبتدؤه أي كالذي هو أنت
أو ما زائدة ملغاة والكاف جارة وأنت ضمير مرفوع أنيب عن المجرور كقولهم ما أنا كأنت، والمعنى
كن فيما يستقبل مماثلاً لنفسك فيما مضى أو ما كافة وأنت مبتدأ حذف خبره أي عليه أو كائن. قال
البرماوي كالكرماني: وفي الحديث أن عليّا كان قارنًا لأن الدم إما على متمتع أو قارن وليس متمتعًا
لأن قوله امكث يدل على عدمه.
١٥٥٩ - حدثنا محمدُ بنُ يوسفَ حدَّثَنا سُفيانُ عن قَيسِ بنِ مسلم عن طارقِ بنِ شهابٍ عن
أبي موسى رضيَ اللّهُ عنهُ قال ((بَعَثَني النبيُّ وََّ إلى قوم باليمنِ. فجئتُ وهوَ بالبطحاءِ فقال: بما
أهللتَ؟ قلتُ أهللتُ كإهلالِ النبيِّ وَّرَ. قال: هل معكَ مِن هَذْىٍ؟ قلت: لا. فأمرَني فطُفتُ
بالبيتٍ وبالصَّفا والمَروةِ. ثمَّ أمرَني فأحللتُ، فأتيتُ امرأةً مِن قومي فمَشَطَّتْني أو غَسلتْ رأسي.
فقدِمَ عمرُ رضيَ اللَّهُ عنه فقال: إن نأخُذْ بكتابِ اللّهِ فإنه يأمُرنا بالتمام، قال اللّهُ: ﴿وَأْتِمُوا الحجّ

٥٦
كتاب الحج/ باب ٣٢/ حدیث ١٥٥٩
والعُمرةَ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وإن نأخُذْ بسُنَّةِ النبيِّ وََّ فإِنه لم يَحِلَّ حتى نحرَ الهَذْيَ)). [الحديث
١٥٥٩، أطرافه في: ١٥٦٥، ١٧٢٤، ١٧٩٥، ٤٣٤٦، ٤٣٩٧].
وبه قال: (حدثنا محمد بن يوسف) بن واقد الفريابي قال: (حدثنا سفيان) الثوري (عن
قيس بن مسلم) بضم الميم وسكون السين الجدلي بفتح الجيم والدال الكوفي (عن طارق بن شهاب)
البجلي وفي المغازي من رواية أيوب بن عائذ عن قيس بن مسلم سمعت طارق بن شهاب (عن أبي
موسى) عبد الله بن قيس الأشعري (رضي الله عنه قال: بعثني النبي ◌َّه) في العاشرة من الهجرة
قبل حجة الوداع (إلى قوم باليمن) ولأبي ذر: إلى قومي بياء الإضافة (فجئت وهو بالبطحاء) أي
بطحاء مكة زاد في باب متى يحل المعتمر من رواية شعبة عن قيس وهو منيخ أي نازل بها (فقال:)
عليه الصلاة والسلام.
(بما أهللت؟) بإثبات ألف ما الاستفهامية على القليل. قال أبو موسى (قلت: أهللت) وفي
رواية شعبة: قلت لبيك بإهلال (كإهلال النبي ◌َّر قال): (هل معك من هدي) (قلت: لا فأمرني
فطفت بالبيت وبالصفا والمروة ثم أمرني فأحللت) من إحرامي (فأتيت امرأة من قومي) لم تسم المرأة.
نعم في أبواب العمرة أنها امرأة من قيس، ويحتمل أن تكون محرمًا له (فمشطتني) بتخفيف الشين
المعجمة أي سرحته بالمشط (أو غسلت رأسي) بالشك. ولمسلم: وغسلت بواو العطف ولم يذكر
الحلق إما لكونه معلومًا عندهم أو لدخوله في أمره بالإحلال (فقدم) بكسر الدال أي جاء (عمر) بن
الخطاب (رضي الله عنه) أي زمان خلافته لا في حجة الوداع كما بين في مسلم واختصره المؤلف،
ولفظ مسلم: ثم أتيت امرأة من قيس فقلت رأسي ثم أهللت بالحج فكنت أفتي به الناس حتى كان
في خلافة عمر رضي الله عنه فقال له رجل: يا أبا موسى أو يا عبد الله بن قيس رويدك بعض
فتياك فإنك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين في النسك بعدك. فقال: يا أيها الناس من كنا أفتيناه فُتيا
فليتئد فإن أمير المؤمنين قادم عليكم فأتموا به. قال: فقدم عمر فذكرت له ذلك (فقال: أن نأخذ
بكتاب الله فإنه يأمرنا بالتمام)، أي بإتمام أفعالهما بعد الشروع فيهما (قال الله تعالى: ﴿وأتموا الحج
والعمرة لله﴾) [البقرة: ١٩٦] قيل إتمامهما الإحرام بهما من دويرة أهله وهو مروي عن علي وابن
عباس وسعيد بن جبير وطاوس وعند عبد الرزاق عن عمر من تمامهما أن يفرد كل واحد منهما من
الآخر وأن يعتمر في غير أشهر الحج إن الله تعالى يقول الحج أشهر معلومات، (وأن نأخذ بسنة
النبي ◌ّير فإنه) عليه الصلاة والسلام (لم يحل) من إحرامه (حتى نحر الهدي) بمنى، وظاهر كلام
عمر هذا إنكار فسخ الحج إلى العمرة وأن نهيه عن التمتع إنما هو من باب ترك الأولى لا أنه منع
ذلك منع تحريم وإبطال قاله عياض. وقال النووي: والمختار أنه ينهى عن المتعة المعروفة التي هي
الاعتمار في أشهر الحج ثم الحج من عامه وهو على التنزيه للترغيب في الإفراد ثم انعقد الإجماع على
جواز التمتع من غير كراهة، وإنما أمر أبا موسى بالإحلال لأنه ليس معه هدي بخلاف علي حيث

٥٧
کتاب الحج/ باب ٣٣
أمره بالبقاء لأن معه الهدي مع أنهما أحرما كإحرامه، لكن أمر أبا موسى بالإحلال تشبيهًا بنفسه لو
لم يكن معه هدي، وأمر عليًا تشبيهًا به في الحالة الراهنة.
وفي الحديث صحة الإحرام المعلق وهو موضع الترجمة وبه أخذ الشافعية كما مرّ أول الباب.
٣٣ - باب قول اللّهِ تعالى [البقرة: ١٩٧]:
﴿الحجّ أشهُرّ معلومات فمنَ فرضَ فيهنَّ الحجَّ فلا رفثَ ولا فُسوقَ ولا جِدالَ في الحجِّ﴾،
[البقرة: ١٨٩]: ﴿يَسألونَكَ عنِ الأهلَّةِ قل هي مَواقيتُ للناسِ والحجّ﴾ .
وقال ابنُ عمرَ رضي اللّهُ عنهما: أشهُرُ الحجِّ شَوّالٌ وذو القَعدةِ وعشرٌ من ذي الحَجَّة.
وقال ابنُ عبَّاسٍ رضيَ اللهُ عنهما ((منَ السُّنَّةِ أن لا يُحرِمَ بالحجِّ إلاّ في أشهُرِ الحِجِّ)). وكره
عثمانُ رضيَ اللّهُ عنه أن يُحرِمَ من خُراسانَ أو كَرمانَ.
(باب قول الله تعالى): ((الحج أشهر)) [البقرة: ١٩٧] أي وقت الحج أشهر فحذف المضاف
وأقام المضاف إليه مقامه أي وقت الحج في أشهر لكن قال ابن عطية: من قدر الكلام في أشهر لزمه
مع سقوط حرف الجر نصب الأشهر ولم يقرأ بنصبها أحد، وتعقبه أبو حيان بأنه لا يلزم نصب
الأشهر مع سقوط حرف الجر كما ذكره لأنه يرفع على الاتساع وهذا لا خلاف فيه عند البصريين
أعني أنه إذا كان ظرف الزمان نكرة خبرًا عن المصادر فإنه يجوز عندهم فيه الرفع والنصب، وسواء
كان لحدث مستغرقًا للزمان أو غير مستغرق. وأما الكوفيون فعندهم في ذلك تفصيل وهو أن
الحدث إما أن يكون مستغرقًا للزمان فيرفع ولا يجوز فيه النصب أو غير مستغرق، فمذهب هشام أنه
يجب فيه الرفع فتقول ميعادك يوم وثلاثة أيام. وذهب الفراء إلى جواز النصب والرفع كالبصريين،
ونقل عن الفراء في هذا الموضع أنه لا يجوز نصب الأشهر لأن أشهرًا نكرة غير محصورة وهذا النقل
مخالف لما نقل عنه فيمكن أن يكون له قولان قول كالبصريين والآخر كهشام انتهى.
وقال الشيخ أبو إسحاق في المهذب: المراد وقت إحرام الحج لأن الحج لا يحتاج إلى أشهر فدل
على أن المراد وقت الإحرام به والأشهر جمع شهر وليس المراد منه ثلاثة أشهر كوامل، ولكن المراد
شهران وبعض الثالث فهو من إطلاق الكل وإرادة البعض كما حكى الفراء له اليوم يومان لم أرده
قال وإنما هو يوم وبعض يوم آخر، وحكي عن العرب ما رأيته من خمسة أيام وإن كنت قد رأيته في
اليوم الأول واليوم الخامس فلم يشمل الانتفاء خمسة الأيام جميعها، بل يجعل ما رأيته في بعضه
وانتفت الرؤية في بعضه كأنه يوم كامل لم يره فيه أو أن اسم الجمع يشترك فيه ما وراء الواحد بدليل
قوله تعالى: ﴿فقد صغت قلوبكما﴾ [التحريم: ٤] قاله في الكشاف وتعقبه في البحر بأن ما ذكره
الدعوى فيه عامة. وهو أن اسم الجمع يشترك فيه ما وراء الواحد وهذا فيه النزاع والدليل الذي ذكره

٥٨
كتاب الحج/ باب ٣٣
خاص وهذا لا خلاف فيه، ولإطلاق الجمع في مثل ذلك على التثنية شروط ذكرت في النحو وأنه
ليس من باب فقد صغت قلوبكما فلا يمكن أن يستدل به عليه.
(﴿معلومات﴾) أي معروفات عند الناس لا تشك عليهم (﴿فمن فرض فيهن الحج﴾) أوجبه
على نفسه بالنية عند الشافعية وبالتلبية أو سوق الهدي عند أبي حنيفة، وهو دليل على ما ذهب إليه
الشافعي أن من أحرم بالحج لزمه الإتمام (﴿فلا رفث﴾) فلا جماع أو فلا فحش من الكلام (﴿ولا
فسوق﴾) ولا خروج عن حدود الشرع بالسيئات وارتكاب المحظورات (﴿ولا جدال﴾) ولا مراء مع
الخدم والرفقة (﴿في الحج﴾) [البقرة: ١٩٧] في أيامه الثلاثة. وقرأ رفث وفسوق برفعهما منّونًا ابن
كثير وأبو عمرو على جعل لا ليسية وهو خبر بمعنى النهي، أو على جعلهما جملتين حذف خبرهما،
أو رفث مبتدأ وفسوق عطف عليه والخبر محذوف. وقرأ الباقون بالنصب بلا تنوين مبنيين مع لا
الجنسية والجمهور على بناء جدال على الفتح للعموم.
(﴿يسألونك﴾) [البقرة: ١٨٩] ولأبي ذر: وقوله يسألونك (عن الأهلة قل هي مواقيت للناس
والحج) جمع ميقات من الوقت والفرق بينه وبين المدة والزمان أن المدة المطلقة امتداد حركة الفلك من
مبدئها إلى منتهاها والزمان مدة مقسومة والوقت الزمان المفروض لأمر.
(وقال ابن عمر:) بن الخطاب (رضي الله عنهما) مما وصله ابن جرير الطبري والدارقطني من
طريق ورقاء عن عبد الله بن دينار عنه: (أشهر الحج شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة) فيدخل
يوم النحر، وهذا مذهب أبي حنيفة وأحمد. وقال الشافعي: لا يدخل يوم النحر وهو المصحح
المشهور عنه. وقال مالك في المشهور عنه ذو الحجة بكماله لقوله تعالى: ((الحج أشهر معلومات﴾)
وإنما تكون أشهرًا إذا كمل ذو الحجة، وليس المراد من كونها أشهر الحج باعتبار أن كل أفعاله جائزة
فيها. ألا ترى أن الوقوف وطواف الزيادة وغيرهما غير جائز في شوال بل باعتبار أن بعض أفعاله
يعتدّ بها فيها دون غيرها كما أن الأفاقي إذا قدم في شوال وطاف طواف القدوم وسعى بعده ينوب
هذا السعي عن السعي الواجب في الحج.
(وقال ابن عباس رضي الله عنهما:) مما وصله ابن خزيمة والدارقطني والحاكم (من السنة) أي
من الشريعة (أن لا يحرم بالحج إلا في أشهر الحج) فلو أحرم به في غير أشهره كرمضان انعقد عمرة
عند الشافعية لأن الإحرام شديد التعلق واللزوم فإذا لم يقبل الوقت ما أحرم به انصرف إلى ما يقبله.
وهو العمرة. وقال المالكية والحنفية: ينعقد حجًا ولا يصح شيء من أفعاله إلا فيها لكنه يكره. قال
الحنفية: لأنه لا يأمن في التقديم وقوع محظور. وقال المالكية: لأنه وَّ إنما أحرم به في أشهره.
(وكره عثمان) بن عفان (رضي الله عنه أن يحرم من خراسان) بضم الخاء المعجمة (أو كرمان)
بكسر الكاف لأبي ذر وبفتحها لغيره وهذا وصله سعيد بن منصور ولفظه: حدثنا هشيم يونس بن
عبيد حدثنا الحسن هو البصري أن عبد الله بن عامر أحرم من خراسان فلما قدم على عثمان لامه

٥٩
كتاب الحج/ باب ٣٣/ حديث ١٥٦٠
فيما صنع وكرهه، ولأبي أحمد بن سيار في تاريخ مرو قال: لما فتح عبد الله بن عامر خراسان
قال: لأجعلن شكري لله أن أخرج من موضعي هذا محرمًا فأحرم من نيسابور، فلما قدم على عثمان
لامه. وفي تاريخ يعقوب بن أبي سفيان أن ذلك في السنة التي قتل فيها عثمان، ووجه الكراهة ما
فيه من الحرج والضرر.
١٥٦٠ - حدثنا محمدُ بنُ بشّارٍ قال حدَّثَني أبو بكرِ الحنفيُّ حدَّثَنا أفلحُ بنُ حُمَيدٍ سمعتُ
القاسمَ بنَ محمدٍ عن عائشةَ رضيَ اللّهُ عنها قالت ((خرجنا مع رسولِ اللّهِ وَّل في أشهُرِ الحجّ،
وليالي الحجِّ، وحُرُمِ الحِجْ، فَنزَلْنا بِسَرِفَ. قالت: فخَرَجَ إلى أصحابهِ فقال: مَن لم يكنْ منكم معهُ
هَذْيْ فأحَبَّ أن يَجعلها عُمرةً فَلْيَفعلْ، ومَن كان معه الهَديُّ فلا. قالت: فالآخذُ بها والتارِكُ لها من
أصحابهِ. قالت: فأمَّا رسولُ اللّهِ ﴿ ﴿ ورجالٌ من أصحابهِ فكانوا أهلَ قُوَّةٍ وكان معهمُ الهَدْيُ فلم
يَقدِروا على العُمرةِ. قالت: فدخلَ عليَّ رسولُ اللّهِ وَ له وأنا أبكي فقال: ما يُبكيكِ يا هَنْتَاهُ؟ قلتُ:
سمعتُ قولَكَ لأصحابكَ فمُنِعْتُ العُمرةَ. قال: وما شأنُكِ؟ قلت: لا أصلِّي. قال: فلا يَضيرُكِ،
إنما أنتِ امرأةٌ من بناتِ آدَمَ كتبَ اللّهُ عليكِ ما كتبَ عليهنَّ، فكوني في حجَّتكِ فعسى اللّهُ أن
يَرْزُقَكيها. قالت: فخرجنا في حَجَّتِهِ حتى قدِمْنا مِنَّى فَطَهَرْتُ ثم خرجتُ من مِنَّى فأفضْتُ بالبيتِ .
قالت: ثم خرجتُ معهُ في النَّفْرِ الآخِرِ حتى نَزَل المحصَّبَ ونَزلْنا معهُ، فدعا عبدَ الرحمنِ بن أبي
بكرٍ فقال: أخرُجْ بأختِكَ منَ الحَرَمِ فَلْتُهِلَّ بعُمرةٍ ثم افرُغا ثم ائْتيا ههنا فإِني أنظُرُكما حتى تأتياني.
قالت فخرَجْنا حتى إذا فرَغتُ وفَرغتُ مَن الطوافِ ثمَّ جِئتُهُ بسَحَرَ فقال: هل فَرغتم؟ فقلتُ نعم،
فَآذَنَ بالرَّحيلِ في أصحابه، فارتحلَ الناسُ، فمرَّ متوجِّهَا إلى المدينة)). ضيرَ من ضارَ يَضِيرُ ضيرًا.
ويقال ضارَ يَضورُ ضَورًا، وضَرَّ يَضُرُّ ضَرًّا.
وبالسند قال: (حدثنا محمد بن بشار) بفتح الموحدة وتشديد الشين المعجمة الملقب ببندار (قال:
حدثني) بالإفراد (أبو بكر) عبد الكبير بن عبد المجيد (الحنفي) قال: (حدثنا أفلح بن حميد) بهمزة
مفتوحة ففاء ساكنة ثم حاء مهملة وحميد بضم الحاء المهملة وفتح الميم الأنصاري (قال: سمعت
القاسم بن محمد) أي ابن أبي بكر الصديق رضي الله عنه (عن عائشة رضي الله عنها) أنها (قالت:
خرجنا مع رسول الله ◌َّر في أشهر الحج، وليالي الحج، وحرم الحج)، بضم الحاء والراء أي أزمنته
وأمكنته وحالاته، وهذا موضع الترجمة فإنه يدل على أنه كان مشهورًا عندهم معلومًا. وللأصيلي فيما
ذكره الزركشي كعياض: وحرم الحج بفتح الراء جمع حرمة أي ممنوعات الحج ومحرماته، (فنزلنا
بسرف) بفتح السين المهملة وكسر الراء آخره فاء غير منصرف للعلمية والتأنيث اسم بقعة على عشرة
أميال من مكة (قالت) عائشة (فخرج) وَلّر من قبته التي ضربت له (إلى أصحابه فقال:) لهم:
(من لم يكن منكم معه هدي فأحب أن يجعلها) أي حجته (عمرة فليفعل) أي العمرة (ومن كان

٦٠
کتاب الحج/ باب ٣٣/ حديث ١٥٦٠
معه الهدي فلا) يفعل أي لا يجعلها عمرة فحذف الفعل المجزوم بلا الناهية، ولمسلم قالت: قدم
رسول الله وَلّ لأربع مضين من ذي الحجة أو خمس فدخل علي وهو غضبان فقلت: من أغضبك
أدخله الله النار؟ قال: أو ما شعرت أني أمرت الناس بأمر فإذا هم يترددون.
وفي حديث جابر عند البخاري فقال لهم: أحلوا من إحرامكم واجعلوا التي قدمتم بها متعة.
فقالوا: كيف نجعلها متعة وقد سمينا الحج؟ فقال: افعلوا ما أقول لكم فلولا أني سقت الهدي
لفعلت مثل الذي أمرتكم، ولكن لا يحل مني حرام حتى يبلغ الهدي محله ففعلوا. قال النووي: هذا
صريح في أنه عليه الصلاة والسلام أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة أمر عزيمة وتحتيم بخلاف قوله من
لم يكن معه هدي فأحب أن يجعلها عمرة فليفعل. قال العلماء: خيرهم أولاً بين الفسخ وعدمه
ملاطفة لهم وإيناسًا بالعمرة في أشهر الحج لأنهم كانوا يرونها من أفجر الفجور ثم حتم عليهم بعد
ذلك الفسخ وأمرهم أمر عزيمة وألزمهم إياه وكره تردّدهم في قبول ذلك ثم قبلوه وفعلوه إلا من
كان معه هدي.
(قالت:) عائشة رضي الله عنها (فالآخذ بها) بمد الهمزة وكسر الخاء المعجمة والرفع على
الابتداء (والتارك لها) عطف على سابقه والضميران للعمرة وخبر المبتدأ قولها (من أصحابه قالت:
فأما رسول الله صل* ورجال من أصحابه فكانوا أهل قوة وكان معهم الهدي فلم يقدروا على العمرة.
قالت: فدخل عليّ رسول الله بَّر وأنا أبكي) جملة حالية (فقال):
(ما يبكيك يا هنتاه؟) بفتح الهاء وسكون النون والهاء الأخيرة كذا ضبطه في الفرع كأصله،
ونسبه السفاقسي لرواية أبي ذر وفي أخرى زيادة فتح النون وضم الهاء الأخيرة والسكون فيها هو
الأصل لأنها للسكت، لكنهم شبهوها بالضمائر وأثبتوها في الوصل وضموها. ويقال: في التثنية
هنتان وفي الجمع هنات وهنوات وفي المذكر هن وهنان وهنون، ولك أن تلحقها الهاء لبيان الحركة
فتقول يا هنة وأن تشبع الحركة فتصير ألفًا فتقول يا هناه. وقال الخليل: إذا دعوت امرأة فكنيت عن
اسمها قلت يا هنة فإذا وصلتها بالألف والهاء وقفت عندها في النداء فقلت يا هنتاه ولا يقال إلا في
النداء. قال: ومعنى يا هنتاه يا بلهاء كأنها نسبت إلى قلة المعرفة بمكايد الناس وشرودهم أو المعنى يا
هذه .
(قلت: سمعت قولك لأصحابك بك فمنعت العمرة). أي أعمالها من الطواف والسعي وقد
كانت قارنة (قال: (وما شأنك؟) قلت: لا أصلي) كنت عن الحيض بالحكم الخاص به وهو امتناع
الصلاة وتأدبًا منها في الكناية لما في التصريح به من إخلال ما بالأدب، ولهذ والله أعلم استمر
النساء إلى الآن على الكناية عن الحيض بحرمان الصلاة أي تحريمها، فظهر أثر أدبها رضي الله عنها
في بناتها قاله ابن المنير .