Indexed OCR Text
Pages 1-20
إِنشَاءُ الشَّارِي بِشِرْح مَحْيِ الخَارى تَأليف الإمام شهاب الدين في العباس أحمد بن محمدالشافي القسطلاني المتوفى سنة ٩٢٣ هـ. ضَبِطَ وَصَحِيحَّه محمّ عبد العزيز الخالدي الجُزء التَّابع يحتوي على الكتب التالية: الحج - العمرة - المحصر - جزاء الصيد - فضائل المدينة - الصوم صلاة التراويح - فضل ليلة القدر - الاعتكاف دار الكتب العلمية بيروت - لبنان جميع الحقوق محفوظة جميع حقوق الملكية الأدبية والفنية محفوظة لدار الكتب العلمية بيروت - لبنان ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة تنضيد الكتاب كاملاً" أو مجزأ" أو تسجيله على أشرطة كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر أو برمجته على اسطوانات ضوئية إلا بموافقة الناشر خطيا". Copyright C All rights reserved Exclusive rights by DAR al-KOTOB al- ILMIYAH Beirut - Lebanon. No part of this publication may be translated, reproduced, distributed in any form or by any means, or stored in a data base or retrieval system, without the prior written permission of the publisher. . الطَّبعَة الأولى ١٤١٦ هــ - ١٩٩٦م. 1 دار الكتب العلمية بيروت - لبنان : رمل الظريف، شارع البحتري، بناية ملكارت العنوان تلفون وفاكس: ٣٦٤٣٩٨ - ٣٦٦١٣٥ - ٦٠٢١٣٣ (١ ٩٦١) .. صندوق بريد: ٩٤٢٤ - ١١ بيروت - لبنان DAR al-KOTOB al-ILMIYAH Beirut - Lebanon Address : Ramel al-Zarif, Bohtory st., Melkart bldg., 1st Floore. Tel. & Fax : 00 (961 1) 60.21.33 - 36.61.35 - 36.43.98 P.O.Box : 11 - 9424 Beirut - Lebanon بسْمِاللهِ الرَّحْزِ الرَّحْمِيمْ ٢٥ - كتاب الحج (بسم الله الرحمن الرحيم). ١ - باب وجوب الحجّ وفضله. وقول الله [آل عمران: ٩٧]: ﴿وللّهِ على الناسِ حِجُّ البيتِ منِ استطاعَ إليهِ سَبِيلاً ومن كَفَرَ فإِنَّ اللّهَ غَنِيٍّ عنِ العالمين﴾. (باب وجوب الحج وفضله). ولأبي ذر: تقديم البسملة على كتاب، وسقط لغيره البسملة وباب. نعم ثبت لفظ باب لابن عساكر في اليونينية، وفي نسخة تقديم البسملة، وللأصيلي فيما حكاه في فتح الباري كتاب المناسك. والحج: بفتح الحاء وكسرها وبهما قرىء بالفتح لغة أهل العالية والكسر لغة نجد، وفرق سيبويه بينهما فجعل المكسور مصدرًا واسمًا للفعل والمفتوح مصدرًا فقط. وقال ابن السكيت بالفتح القصد وبالكسر القوم الحجاج، وقال الجوهري: والحجة بالكسر المرة الواحدة وهو من الشواذ لأن القياس بالفتح وهو مبني على اختياره أنه بالفتح الاسم ومعنى الحج في اللغة القصد وفي الشرع عبادة يلزمها وقوف بعرفة ليلة عاشر ذي الحجة وطواف ذي طهر اختص بالبيت عن يساره سبعًا. والمناسك: جمع منسك بفتح السين وكسرها والنسك العبادة والناسك العابد واختص بأعمال الحج، والمناسك مواقف النسك وأعمالها والنسيكة مختصة بالذبيحة. (وقول الله تعالى) بالجر عطفًا على سابقه، وسقط ذلك لغير آبي ذر: (﴿وللِهِ﴾) فرض واجب (﴿على الناس حج البيت﴾) قصده للزيارة على الوجه المخصوص الآتي بيانه إن شاء الله تعالى (﴿من استطاع إليه سبيلاً﴾) [آل عمران: ٩٧] بدل من الناس مخصص له، والضمير في إليه للبيت أو للحج وكل مأتي إلى الشيء فهو سبيله وحذف الرابط لفهمه أي من استطاع منهم كذا أعربه جمهور المعربين، لكن قال البدر الدماميني: يلزم عليه فصل البدل والمبدل منه بالمبتدأ وفيه نظر انتهى. ٤ كتاب الحج/ باب ١ وقال ابن هشام: زعم ابن السيد أن فاعل بالمصدر، ويردّه أن المعنى حينئذ ولله على الناس أن يحج المستطيع فيلزم إثم جميع الناس إذا تخلف المستطيع، وتعقبه في المصابيح بأنه بناه على الألف واللام لاستغراق الجنس وهو ممنوع لجواز كونها للعهد الذكري، والمراد حينئذ بالناس من جرى ذكره وهم المستطيعون وذلك لأن حج البيت مبتدأ والخبر قوله: لله على الناس والمبتدأ مقدم على الخبر رتبة وإن تأخر لفظًا، فإذا قدّمت المبتدأ وما هو من متعلقاته كان التقدير يرجح البيت المستطيعون حق ثابت لله على الناس أي هؤلاء المذكورين، ويدل عليه أنك لو أتيت بالضمير سد مسد أل ومصحوبها وهو علامة الأداة التي للعهد الذكري بل جعلها كذلك مقدم على جعلها للعموم، فقد صرح كثيرون بأنه إذا احتمل كون أل للعهد وكونها لغيره كالجنس أو العموم فإنا نحملها على العهد للقرينة المرشدة إليه. ووجوب الحج معلوم من الدين بالضرورة ولهذه الآية وهو أحد أركان الإسلام الخمس ولا يتكرر وجوبه إلا لعارض نذر أو قضاء عارض. روى مسلم حديث أبي هريرة خطبنا رسول الله وَ ال# فقال: ((يا أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا)) فقال رجل: يا رسول الله أكل عام؟ فسكت حتى قالها ثلاثًا. فقال النبي ◌َّر ((لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم)) أي أتأمرنا أن نحج كل عام؟ وهذا يدل على أن مجرد الأمر لا يفيد التكرار ولا المرة وإلا لما صح الاستفهام، وإنما سكت ◌ّ حتى قالها ثلاثًا زجرًا له عن السؤال فإن التقدم بين يدي رسول الله وَّر منهي عنه لقوله تعالى: ﴿لا تقدموا بين يدي الله ورسوله﴾ [الحجرات: ١] لأنه ونَ﴾ مبعوث لبيان الشرائع وتبليغ الأحكام، فلو وجب الحج كل سنة لبينه عليه الصلاة والسلام لهم لا محالة ولا يقتصر على الأمر مطلقًا سواء سئل عنه أو لم يسأل عنه فيكون استعجالاً ضائعًا، ثم لما رأى أنه لا يزجر به ولا يقنع إلا بالجواب الصريح أجاب عنه بقوله: لو قلت نعم لوجبت كل عام حجة فأفاد به أنه لا يجيب في كل عام لما في لو من الدلالة على انتفاء الشيء لانتفاء غيره وأنه لم يتكرر" فيه من الحرج والكلف الشاقة قاله البيضاوي. وتعقبه الطيبي بأن الاستدلال بسؤال الرجل على أن الأمر لا يفيد التكرار ولا المرة ضعيف لأن الإنكار وارد على السؤال الذي لم يقع موقعه ولهذا زجره وقال: ذروني ما تركتكم يعم الخطاب يعني اقتصروا على ما أمرتكم به على قدر استطاعتكم، فقد علم أن الرجل لو لم يسأل لم يفد غير المرة وأن التكرار يفتقر إلى دليل خارجي انتهى. ثم إن الحج مطلقًا إما فرض عين أو فرض كفاية أو تطوع واستشكل تصويره. وأجيب: بأنه يتصور في العبيد والصبيان لأن الفرضين لا يتوجهان إليهما وبأن في حج من ليس عليه فرض عين جهتين جهة تطوع من حيث انه ليس عليه فرض عين وجهة فرض كفاية من حيث إحياء الكعبة. قال الزركشي: وفيه التزام السؤال إذ لم يخلص لنا حج تطوع على حدته وفي الأول التزامه بالنسبة للمكلفين ثم إنه لا يبعد وقوعه من غيرهم فرضًا ويسقط به فرض الكفاية عن المكلفين كما في الجهاد وصلاة الجنازة انتهى. ٥ كتاب الحج/ باب ١ / حديث ١٥١٣ واختلف هل هو على الفور أو على التراخي؟ فعند الشافعية على التراخي لأن الحج فرض سنة خمس كما جزم به الرافعي في كتاب الحج أو سنة ست كما صححه في السير، وتبعه عليه في الروضة ونقله في شرح المهذب عن الأصحاب وعليه الجمهور لأنه نزل فيها قوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ [البقرة: ١٩٦] وهذا ينبني على أن المراد بالإتمام ابتداء الفرض، ويؤيده ما أخرجه الطبري بأسانيد صحيحة عن علقمة ومسروق وإبراهيم النخعي أنهم قرؤوا وأقيموا الحج، وقيل المراد بالإتمام الإكمال بعد الشروع وهو يقتضي تقدم فرضه قبل ذلك وقد أخره وص له إلى سنة عشر من غير مانع فدل على التراخي، وإليه ذهب اللخمي وصاحب المقدمات والتلمساني من المالكية، وحكى ابن القصار عن مالك أنه على الفور، وتابعه العراقيون، وشهره صاحب الذخيرة وصاحب العدة وابن بزيزة، لكن القول بالتراخي مقيد بعدم خوف الفوات. والاستطاعة الزاد والراحلة كما فسره وَ ل# وهو يؤيد قول الشافعي: إنها بالمال ولذلك أوجب الاستنابة على الزمن إذا وجد أجرة من ينوب عنه. وقال مالك: بالبدن فيجب على من قدر على المشي والكسب في الطريق، وقال أبو حنيفة: بمجموع الأمرين ثم إن اليهود حين أمروا بالحج قالوا: ما وجب علينا؟ فنزل قوله تعالى: (﴿ومن كفر﴾) أي جحد فريضة الحج (﴿فإن الله غني عن العالمين﴾) [آل عمران: ٩٧] فلا يضره كفرهم ولا ينفعه إيمانهم. قال البيضاوي: وضع كفر موضع من لم يحج تأكيد الوجوب به وتغليظًا على تاركه، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: ((من مات ولم يحج فليمت إن شاء يهوديًا أو نصرانيًا)) وقد أكد أمر الحج في هذه الآية من وجوه الدلالة على وجوبه بصيغة الخبر وإبرازه في الصورة الاسمية وإيراده على وجه يفيد أنه حق واجب لله في رقاب الناس وتعميم الحكم أولاً وتخصيصه ثانيًا فإنه كإيضاح بعد إبهام وتثنية وتكرير للمراد، وتسمية ترك الحج كفرًا من حيث أنه فعل الكفرة وذكر الاستغناء عنه بالبرهان والأشعار بعظم السخط لأنه تكليف شاق جامع بين كسر النفس وأتعاب البدن وصرف المال والتجرد عن الشهوات والإقبال على الله انتهى. وهذا أخذه من قول الزمخشري لكن عبارته: جعل ومن كفر عوضًا عن ومن لم يحج تغليظًا إلى آخر الحدیث، واستشکله ابن المنیر بأن تارکه لا یکفر بمجرد ترکه فتعین حمله علی تارکه جاحدًا لوجوبه فالكفر يرجع إلى الاعتقاد قال: والزمخشري سهل عليه ذلك لأنه يعتقد أن تارك الحج يخرج عن الإيمان ويخلد في النار، ويحتمل أن يكون قوله: ومن كفر استئناف وعيد للكافرين. ١٥١٣ - حدثنا عبدُ اللّهِ بنُ يوسفَ أخبرنا مالكٌ عن ابنِ شهابٍ عن سُليمانَ بنِ يَسارٍ عن عبدِ اللَّهِ بنِ عبَّاسٍ رضيَ اللّهُ عنهما قال ((كان الفضلُ رَديفَ رسولِ اللهِ وَ﴿، فجاءتِ امرأةٌ مِن خَشْعَم، فجعلَ الفضلُ يَنْظُرُ إليها وتنظُرُ إليهِ، وجعلَ النبيُّ ◌َّهِ يَصرِفُ وجهَ الفضلِ إلى الشّقُ الآخَرِ، فقالت: يا رسولَ اللّهِ إن فريضةَ اللّهِ على عبادهِ في الحجِّ أدرَكَتْ أبي شيخًا كبيرًا لا يَثْبُتُ ٦ كتاب الحج/ باب ١/ حديث ١٥١٣ على الراحلةِ، أفأحُجُ عنهُ؟ قال: نعم. وذُلكَ في حَجَّةِ الوَداع)) [الحديث ١٥١٣ - أطرافه في: ١٨٥٤، ١٨٥٥، ٤٣٩٩، ٦٢٢٨]. وبالسند قال: (حدثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن ابن شهاب) الزهري (عن سليمان بن يسار) ضد اليمين (عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، قال: كان الفضل) اختلف على الزهري في هذا الإسناد، فرواه ابن جريج كما في باب الحج عمن لا يستطيع الثبوت على الراحلة عنه عن سليمان بن يسار عن ابن عباس عن الفضل بن عباس، وروى ابن ماجة من طريق محمد بن كريب عن أبيه عن ابن عباس أخبرني حصين بن عوف عن الخثعمي قال: قلت: يا رسول الله إن أبي، وسأل الترمذي البخاري عنه فقال: أصح شيء فيه ما روى ابن عباس عن الفضل. قال فيحتمل أن يكون ابن عباس سمعه من الفضل ومن غيره ثم رواه بغير واسطة انتهى. قال في الفتح وإنما رجح البخاري الرواية عن الفضل لأنه كان ردف النبي بَّ ر حينئذ، وكان ابن عباس قد تقدم من مزدلفة إلى منى مع الضعفة كما سيأتي إن شاء الله تعالى، والفضل هو شقيق عبد الله أمهما أم الفضل لبابة الكبرى (رديف رسول الله (وَ*)، راكبًا خلفه على الدابة ((فجاءت امرأة من خثعم)) بفتح الخاء المعجمة وسكون المثلثة وفتح العين المهملة غير منصرف. قال البرماي كالزركشي للعملية ووزن الفعل حي من بجيلة من قبائل اليمن، وتعقبه في المصابيح فقال: إن لم يحمل هذا على سبق قلم من المصنف أو الغلط من الناسخ فهو عجيب إذ ليس فيه وزن الفعل المعتبر عندهم، ولو قيل بأنه على وزن دحرج للزم منع صرف جعفر وهو باطل بالإجماع انتهى. (فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه) وفي رواية شعيب الآتية في الاستئذان إن شاء الله تعالى، وكان الفضل رجلاً وضيئًا أي جميلاً وأقبلت امرأة من خثعم وضيئة وطفق الفضل ينظر إليها وأعجبه حسنها (وجعل النبي ◌َلجه بصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر) بكسر الشين وفتح الخاء (فقالت:) أي المرأة (يا رسول الله إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي) حال كونه (شيخًا كبيرًا لا يثبت على الراحلة) صفة لشيخًا أو حال متداخلة للتي قبلها أي وجب عليه الحج بأن أسلم وهو شيخ كبير أو حصل له المال في هذه الحالة والأول أوجه كما قاله الطيبي. واختلفت طرق الأحاديث في السائل عن ذلك هل هو امرأة أو رجل وفي المسؤول عنه أيضًا أن يحج عنه هل هو أب أو أم أو أخ؟ فأكثر طرق الأحاديث الصحيحة دالة على أن السائل امرأة سألت عن أبيها كما هو في أكثر طرق حديث الفضل وحديث عبد الله أخيه وحديث علي وفي النسائي من حديث الفضل أن السائل رجل سأل عن أمه، وفي صحيح ابن حبان من حديث ابن عباس أن السائل رجل يسأل عن أبيه، وعند النسائي أيضًا أن امرأة سألته عن أبيها، وفي حديث بريدة عند الترمذي أن امرأة سألته عن أمها، وفي حديث حصين بن عوف عند ابن ماجة أن السائل رجل سأل عن أبيه، وفي حديث سنان بن عبد الله أن عمته قالت يا رسول الله توفيت أمي وهذا محمول على التعدد. (أفأحج ٧ كتاب الحج/ باب ٢ عنه؟) أي أيجوز لي أن أنوب فأحج عنه فالفاء بعد همزة الاستفهام عاطفة على مقدر لأن الاستفهام له الصدر (قال:) عليه الصلاة والسلام: (نعم) حجي عنه (وذلك) أي ما ذكر وقع (في حجة الوداع) وفيه جواز الحج عن الغير، وتمسك الحنفية بعمومه على صحة حج من لم يحج نيابة عن غيره وخالف الجمهور فخصوه بمن حج عن نفسه لحديث السنن، وصحيح ابن خزيمة عن ابن عباس أنه رأى رجلاً يلبي عن شبرمة فقال: أفحججت عن نفسك؟ قال: لا. قال: هذه عن نفسك ثم احجج عن شبرمة، ومنع مالك الحج عن المعضوب مع أنه راوي الحديث، وقال الشافعي: لا يستنيب الصحيح لا في فرض ولا نفل، وجوزه أبو حنيفة وأحمد في النفل. وأما المطابقة بين الحديث والترجمة فقالوا: تدرك بدقة النظر من دلالة الحديث على تأكيد الأوامر بالحج حتى أن المكلف لا يعذر بتركه عند عجزه عن المباشرة بنفسه بل يلزم أن يستنيب غيره، وهو يدل على أن في مباشرته فضلاً عظيمًا ويأتي إن شاء الله تعالى إفراد فضل الحج بباب. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في المغازي والاستئذان، ومسلم في الحج، وكذا أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة. ٢ - باب قول اللّهِ تعالى [الحج: ٢٧]: ﴿يأتوكَ رِجالاً وعلى كل ضامِرٍ يأتينَ من كلٌّ فجّ عَمِيقٍ لَيَشْهَدوا مَنافِعَ لهم﴾. فجاجًا: الطُّرُق الواسعة . (باب قول الله تعالى ﴿يأتوك رجالاً﴾) نصب على الحال من الضمير الذي في يأتوك وهو مجزوم جواب قوله وأذن أي يأتوك مشاة (﴿و﴾) رکبانا (﴿علی کل﴾) بعیر ((ضامر﴾) مهزول أتعبه بعد السفر فهزله والضامر يستعمل بغيرها للمذكر والمؤنث (﴿يأتين﴾) صفة لكل ضامر لأنه في معنى الجمع (﴿من كل فج﴾) طريق (﴿عميق﴾) بعيد (﴿ليشهدوا﴾) ليحضروا (﴿منافع لهم﴾﴾ [الحج: ٢٧] دينية ودنيوية ونكرها لأن المراد بها نوع من المنافع مخصوصة بهذه العبادة، وسبب نزول هذه الآية كما ذكره الطبري عن طريق عمر بن ذر قال: قال مجاهد: كانوا لا يركبون فأنزل الله تعالى: (﴿يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر﴾) فأمرهم بالزاد ورخص لهم في الركوب والمتجر، ومن ثم ذكر المؤلف هذه الآية هنا مترجمًا مع القدرة إلى الراحلة وعدم القدرة لأن الآية اشتملت على المشاة والركبان قال المؤلف مفسرًا لقوله تعالى في سورة نوح (﴿فجاجًا﴾﴾ [نوح: ٢٠] جمع فج أي (الطرق الواسعة) وهو الموافق لقول الفراء وأبي عبيد والأزهري، وهو الذي ذكره البيضاوي وغيره من أئمة التفسير. وقال ثعلب: ما انخفض من الطرق. ٨ کتاب الحج/ باب ٣/ حديث ١٥١٤ و ١٥١٥ ١٥١٤ - حدّثنا أحمدُ بنُ عيسى حدَّثَنا ابنُ وَهبٍ عن يُونس عنِ ابنِ شهابٍ أنَّ سالمَ بنَ عبدِ اللَّهِ أخبرَهُ أنَّ ابنَ عمرَ رضيَ اللّهُ عنهما قال ((رأيتُ رسولَ اللّهِ بَلَه يركبُ راحلتَهُ بذي الحُلَيفةِ ٹمّ يُھِلُ حتى تستويَ به قائمة)). وبالسند قال: (حدثنا أحمد بن عيسى) التستري المصري الأصل قال: (حدثنا ابن وهب) عبد اللَّه (عن يونس) بن يزيد الأيلي (عن ابن شهاب) الزهري (أن سالم بن عبد اللَّه) ولأبي ذر زيادة: ابن عمر (أخبره أن ابن عمر رضي الله عنهما قال): ((رأيت رسول الله وَ ل* يركب راحلته بذي الحليفة)) بضم الحاء المهملة وفتح اللام وسكون التحتية وفتح الفاء آخره هاء وهي أبعد المواقيت من مكة ((ثم يهل)) بضم أوله وكسر ثانيه من الإهلال وهو رفع الصوت بالتلبية أي مع الإِحرام ((حتى يستوي)) أي الراحلة ولأبي ذر حين تستوي ((به)) حال كونها (قائمة) وهذا الحديث أخرجه مسلم والنسائي. ١٥١٥ - حدثنا إبراهيمُ بنُ موسى أخبرَنا الوليدُ حدَّثَنا الأوزاعيُّ سمعَ عطاءً يُحدِّثُ عن جابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ رضيَ اللّهُ عنهما ((أنَّ إهلالَ رسولِ اللهِ نَّهُ مِن ذي الحُليفةِ حينَ استوَتْ به راحلتُه)). رواه أنسٌ وابنُ عباسٍ رضي الله عنهم. وبه قال: (حدثنا إبراهيم) ولأبي ذر إبراهيم بن موسى التميمي الحافظ المعروف بالفراء الصغير قال: (أخبرنا الوليد) بن مسلم القرشي الأموي قال: (حدثنا الأوزاعي) عبد الرحمن أنه (سمع عطاء) هو ابن أبي رباح (يحدّث عن جابر بن عبد اللَّه) الأنصاري (رضي الله عنهما). ((أن إهلال رسول الله وَ ل﴿ من ذي الحليفة حين استوت به راحلته)) قال ابن المنير أراد المؤلف أن يرد على من زعم أن الحج ماشيًا أفضل لأن الله تعالى قدم الرجال على الركبان فبين أنه لو كان أفضل لفعله النبي ◌َّ وإنما حج عليه الصلاة والسلام قاصدًا لذلك ولذا لم يحرم حتى استوت به راحلته . وفي هذا الحديث والتحديث والأخبار والسماع والعنعنة (رواه) أي إهلاله حين استوت به راحلته (أنس) فيما وصله في باب من بات بذي الحليفة حتى أصبح (وابن عباس رضي الله عنهم) في باب ما يلبس المحرم من الثياب كما سيأتي إن شاء الله تعالى. ٣ - باب الحجّ على الرَّخْلِ (باب الحج على الرحل) للتواضع والرجل بفتح الراء وسكون الحاء المهملة وهو للبعير كالسرج للفرس. ٩ كتاب الحج/ باب ٣/ حديث ١٥١٦ و ١٥١٧ ١٥١٦ - وقال أبانُ حدَّثَنا مالكُ بنُ دِينارِ عن القاسمِ بنِ محمدٍ عن عائشة رضيَ اللّهُ عنها (أنَّ النبيَّ نَّهِ بعثَ مَعها أخاها عبدَ الرحمُنِ فأعمرَها منَ الَّنعيمِ، وحَمَلها على قَتَبٍ». وقال عمرُ رضيَ اللّهُ عنه: شُدُّوا الرِّحال في الحجِّ، فإِنَّهُ أحدُ الجِهادَينِ . (وقال أبان) بن يزيد العطار البصري مما وصفه أبو نعيم في مستخرجه وأبان بفتح الهمزة وتخفيف الموحدة آخره نون مصروف وغير مصروف وفي المصابيح قال القرافي: المحدثون والنحاة على عدم صرفه. قال: ونقله ابن يعيش في شرح المفضل عن الجمهور وقال: إن وزنه أفعل وأصله أبين صيغة مبالغة في البيان الذي هو الظهور فتقول هذا أبين من هذا أظهر منه وأوضح فلوحظ أصله مع العلمية التي فيه فلم يصرف هكذا في شرح انتهاج الأصلي للسبكي في فصل الخصوص. قال الدمياني: صرح ابن مالك في التوضيح بأنه منقول من أبان ماضي يبين ولو لم يكن منقولاً لوجب أن يقال فيه أبين بالتصحيح وهو كلام متجه يتقرر به الرد على ما نقله القرافي، وأقره عليه السبكي من كونه أفعل تفضيل فتأمله قال: (حدثنا مالك بن دينار عن القاسم بن محمد) هو ابن أبي بكر الصديق (عن عائشة رضي الله عنها أن النبي ◌ّ﴾ بعث معها أخاها) شقيقها (عبد الرحمن فأعمرها) حملها على العمرة حتى اعتمرت (من التنعيم)، بفتح الفوقية وسكون النون وكسر العين المهملة موضع عند طرف حرم مكة من جهة المدينة على ثلاثة أميال من مكة (وحملها على) مؤخر (قتب) أي أردفها وكان هو على قتب لأنه قال في الرواية الموصولة آخر الباب: فأحقبها أي أردفها على الحقيبة وهي الزيادة التي تجعل في مؤخر القتب فإن القصة واحدة، والقتب: بفتح المثناة الفوقية آخره موحدة هو خشب الرحل، وقيل القتب للجمل بمنزلة الإكاف للحمار. (وقال عمر) بن الخطاب (رضي الله عنه:) فيما وصله عبد الرزاق وسعيد بن منصور (شدّوا الرحال في الحج، فإنه أحد الجهادين) أما على جهة التغليب أو الحقيقة لأنه يجاهد نفسه بالصبر على مشقة السفر وترك الملاذ. ١٥١٧ - حدثنا محمدُ بنُ أبي بكرٍ حدَّثَنَا يَزِيدُ بنُ زُرَيِعِ حدّثَنَا عَزْرةُ بنُ ثابتٍ عن ثُمامةَ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ أنس قال ((حَجَّ أنسٌ على رَحلٍ، وَلم يَكنْ شَحيحًا، وحدَّثَ أنَّ رسولَ اللَّهِ ◌َلِّحجّ على رَحلٍ وكانت زامِلَتَهُ» . (وقال محمد بن أبي بكر المقدمي) بفتح الدال المهملة المشددة مما وصله الإسماعيلي، ولأبوي ذر والوقت: بدل قوله قال حدثنا محمد بن أبي بكر قال: (حدثنا يزيد بن زريع) بالتصغير ويزيد من الزيادة قال: (حدثنا عزرة بن ثابت) بفتح العين والراء بينهما زاي معجمة ساكنة ابن ثابت بالمثلثة والموحدة (عن ثمامة بن عبد الله بن أنس) بضم المثلثة وتخفيف الميم ابن مالك الأنصاري البصري قاضيها (قال: حج أنس على رحل، ولم) ولابن عساكر: فلم (يكن شحيحًا) أي لم يؤثر الرحل على ١٠ كتاب الحج/ باب ٤/ حديث ١٥١٨ و ١٥١٩ المحمل لبخل (و) إنما (حدث أن رسول الله * حج على رحل وكانت) أي الراحلة التي ركبها (زاملته) بالزاي أي حاملته وحاملة متاعه لأن الزاملة البعير الذي يستظهر به الرجل لحمل متاعه وطعامه فاقتدى به عليه الصلاة والسلام أنس، وقد روى حج الأبرار على الرحال وفيه ترك الترفه حيث جعل متاعه تحته وركب فوقه. وروى سعيد بن منصور من طريق هشام بن عروة قال: كان الناس يحجون وتحتهم أزودتهم، وكان أوّل من حج على رحل وليس تحته شيء عثمان بن عفان رضي الله عنه. ١٥١٨ - حدثنا عمرُو بنُ عليّ حدَّثَنا أبو عاصمِ حدَّثَنَا أيْمنُ بنُ نابلٍ حدَّثَنا القاسمُ بنُ محمدٍ ((عن عائشةَ رضيَ اللّهُ عنها أنَّها قالت: يا رسولَ اللّهِ اعتمَرْتم ولم أعتمر. فقال: يا عبدَ الرحمُنِ، اذهبْ بأُخْتِكَ فأعمِرْها منَ التنعيم. فأحْقَبَها على ناقةٍ، فاعتَمَرَتْ)). وبه قال: (حدثنا عمرو بن علي) بفتح العين وسكون الميم الفلاس قال: (حدثنا أبو عاصم) الضحاك بن مخلد النبيل شيخ المؤلف روي عنه هنا بواسطة قال: (حدثنا أيمن بن بابل) بنون وموحدة بينهما ألف آخره لام، وأيمن بفتح الهمزة وسكون التحتية وفتح الميم آخره نون غير منصرف قال: (حدثنا القاسم بن محمد) هو ابن أبي بكر الصديق (عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت يا رسول الله اعتمرتم ولم أعتمر، فقال:) عليه الصلاة والسلام. (يا عبد الرحمن، اذهب بأختك فأعمرها) بقطع الهمزة وكسر الميم أمر من الإعمار (من التنعيم فأحقبها) عبد الرحمن بهمزة مفتوحة وسكون الحاء المهملة وفتح القاف والموحدة أي حملها على حقيبة الرحل وأردفها خلفه، ولغير أبي ذر عن الكشميهني: فأحقبها بكسر القاف وسكون الموحدة (على ناقة) ولأبي ذر عن الكشميهني: على ناقته (فاعتمرت). ٤ - باب فضلِ الحجّ المبرور (باب فضل الحج المبرور) اسم مفعول من بر المتعدي يقال بر الله حجك فهو متعد بنفسه ويبنى للمفعول فیقال بر حجك فهو مبرور. ١٥١٩ - حدثنا عبدُ العزيزِ بن عبدِ اللهِ حدَّثَنا إبراهيمُ بنُ سَعدِ الزهريُّ عن سعيدِ بنِ المسيَّب عن أبي هريرة رضيَ اللّهُ عنهُ قال «سُئلَ النبيُّ وَّهِ: أَيُّ الأعمالِ أفضلُ؟ قال: إيمانٌ باللّهِ ورسولِهِ. قيل: ثمَّ ماذا؟ قال: جهادٌ في سبيلِ اللّهِ. قيل: ثم ماذا؟ قال: حجّ مَبرور)). وبالسند قال: (حدثنا عبد العزيز بن عبد الله) بن يحيى الأويسي المدني الأعرج قال: (حدثنا إبراهيم بن سعد) بسكون العين ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (عن سعيد بن المسيب) بفتح الياء على المشهور وقيل بكسرها وكان يكره فتحها ١١ کتاب الحج/ باب ٤/ حديث ١٥٢٠ (عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سئل النبي ◌َّ) السائل أبو ذر (أي الأعمال أفضل)؟ أي أكثر ثوابًا. وفي حديث ابن مسعود عند الشيخين: أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: ((الصلاة لوقتها)). وفي حديث أبي سعيد سئل رسول الله وَلقر أي الناس أفضل؟ قال: ((رجل يجاهد في سبيل الله)) إلى غير ذلك من الأحاديث الواردة في هذا المعنى، واستشكلت للمعارضة الظاهرة. وأجيب: بأنه واله أجاب كلا بما يوافق غرضه وما يرغبه فيه أو على حسب ما عرف من حاله وبما يليق به وأصلح له توقيفًا له على ما خفي عليه، وقد يقول القائل: خير الأشياء كذا ولا يريد تفضيله في نفسه على جميع الأشياء، ولكن يريد أنه خيرها في حال دون حال ولواحد دون آخر. (قال:) عليه الصلاة والسلام أفضل الأعمال. (إيمان بالله ورسوله) نكر الإيمان ليشعر بالتعظيم والتفخيم أي التصديق المقارن بالإخلاص المستتبع للأعمال الصالحة (قيل: ثم ماذا؟) أي أي شيء أفضل بعده (قال:) (جهاد في سبيل الله) أي قتال الكفار لإعلاء كلمة الله. (قيل: ثم ماذا؟) أفضل (قال) (حج مبرور) مقبول أو لم يخالطه إثم أو لا رياء فيه أو لا تقع فيه معصية. وفي حديث جابر عند أحمد بإسناد فيه ضعف قالوا: يا رسول الله ما بر الحج؟ قال: ((إطعام الطعام وإفشاء السلام)) وقوله: إيمان بالله الخ. أخبار مبتدآت محذوفة لا مبتدآت محذوفة الأخبار، لأن المقدر في الكل أفضل الأعمال وهو أعرف من إيمان بالله ولاحقيه. وقوله: مبرور قال المازري: هو من البر. ١٥٢٠ - حدثنا عبدُ الرحمنِ بنُ المبارَكِ حدَّثَنا خالدٌ أخبرَنا حبيبُ بنُ أبي عَمْرَة عن عائشةً بنتِ طلحةَ ((عن عائشةَ أمّ المؤمنينَ رضيَ اللّهُ عنها أنها قالت: يا رسولَ اللهِ، نَرَى الجهادَ أفضلَ العمل، أفلا نُجاهدُ؟ قال، لا، ولكنَّ أفضلَ الجهادِ حجّ مَبْرور)). [الحديث رقم ١٢٥٠ - أطرافه في: ١٨٦١، ٢٧٨٤، ٢٨٧٥، ٢٨٧٦]. وبه قال (حدثنا عبد الرحمن بن المبارك)العيشي بفتح العين المهملة وكسر الشين المعجمة بينهما مثناة تحتية ساكنة وليس أخّا لعبد الله بن المبارك الفقيه المشهور قال: (حدثنا خالد) هو ابن عبد الله الطحان قال (أخبرنا حبيب بن أبي عمرة) بفتح العين وسكون الميم وفتح الراء آخره هاء تأنيث القصاب (عن عائشة بنت طلحة) التميمية القرشية أجل نساء قريش أصدقها مصعب بن الزبير ألف درهم (عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أنها قالت: يا رسول الله نرى) بفتح النون نعتقد (الجهاد أفضل العمل) لكثرة ما نسمع من فضائله في الكتاب والسنة، وعند النسائي من رواية جرير عن حبيب فإني لا أرى في القرآن أفضل من الجهاد (أفلا نجاهد؟ قال:). (لا) تجاهدون وسقط لفظ لا عند أبي ذر (لكن) بضم الكاف وتشديد النون واللام حرف جر دخل على جماعة المخاطبات خبر قوله (أفضل الجهاد) كذا لأبي ذر عن الكشميهني وللحموي كما في الفتح وغيره لكن بكسر الكاف وزيادة ألف بعد اللام مع تشديد النون بلفظ الاستدراك، وحينئذ ١٢ كتاب الحج/ باب ٤/ حديث ١٥٢١ فأفضل منصوب على أنه اسمها. وفي رواية لكن بسكون النون مخففة فأفضل مرفوع بالابتداء خبره (حج مبرور) وعلى هذين يكون الاستدراك مستفادًا من السياق أي ليس لكن الجهاد لكن أفضل منه في حقكن حج مبرور، وقول الزركشي: لكن بضم الكاف وتشديد النون والوجه حينئذ رفع أفضل على أنه مبتدأ خبره حج مبرور. تعقبه البدر الدماميني: بأنه ظن أن لكن ظرف لغو متعلق بأفضل أي أفضل الجهاد لكن حج مبرور، والمانع من ذلك قائم فالصواب أن الخبر قوله: لكن وأما حج مبرور فخبر لمبتدأ محذوف أي هو حج مبرور . ورواة هذا الحديث ما بين مروزي وبصري وواسطيّ وكوفي ومدني وفيه المرأة عن خالتها فإن عائشة أم المؤمنين خالة عائشة بنت طلحة لأن أمها أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق، وأخرجه أيضًا في الحج والجهاد، والنسائي في الحج وكذا ابن ماجة. ١٥٢١ - حدثنا آدَمُ حدَّثَنا شعبةُ حدَّثَنَا سَيَّارٌ أبو الحَكم قال سمعتُ أبا حازم قال سمعتُ أبا هريرةَ رضيَ اللّهُ عنه قال: سمعتُ النبيَّ وَ لَّ يقول ((من حجَّ لِلّهِ فلمْ يَرفُثْ ولم يَفْسُقْ رَجَع كيومٍ ولدَتْهُ أَمُّه)). [الحديث رقم ١٥٢١ طرفاه في: ١٨١٩، ١٨٢٠]. وبه قال: (حدثنا آدم) بن أبي أياس (قال: حدثنا شعبة) بن الحجاج قال: (حدثنا سيار) بفتح السين المهملة وتشديد المثناة التحتية (أبو الحكم) العنزي بنون وزاي وأبوه يكنى أبا سيار واسمه وردان (قال: سمعت أبا حازم) بالحاء المهملة والزاي سلمان بفتح السين وسكون اللام الأشجعي وليس هو أبا حازم سلمة بن دينار صاحب سهل بن سعد لأنه لم يسمع من أبي هريرة (قال: سمعت أبا هريرة رضي الله عنه قال:) بلفظ الماضي كاللذين قبله (سمعت النبي وَ لّ يقول): (من حج لله) وللمؤلف فيما يأتي من حج هذا البيت، ولمسلم: من أتى هذا البيت وهو يشمل الإتيان للحج والعمرة، وللدارقطني من طريق الأعمش عن أبي حازم بسند فيه ضعف إلى الأعمش من حج أو اعتمر (فلم يرفث) بتثليث الفاء في المضارع والماضي لكن الأفصح الضم في المضارع والفتح في الماضي أي الجماع أو الفحش في القول أو خطاب الرجل المرأة فيما يتعلق بالجماع. وقال الأزهري: كلمة جامعا لكل ما يريده الرجل من المرأة (ولم يفسق) لم يأت بسيئة ولا معصية. وقال سعيد بن جبير في قوله تعالى: ﴿فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج﴾ [البقرة: ١٩٧] الرفث: إتيان النساء والفسوق السباب والجدال المراء يعني مع الرفقاء والمكارين ولم يذكر في الحديث الجدال في الحج اعتمادًا على الآية ويحتمل أن يكون ترك الجدال قصدًا لأن وجوده لا يؤثر في ترك مغفرة ذنوب الحاج إذا كان المراد به المجادلة في أحكام الحج لما يظهر من الأدلة أو المجادلة بطريق التعميم لا تؤثر أيضًا، لأن الفاحش منها دخل في عموم الرفث، والحسن منها ظاهر في عدم التأثير والمستوي الطرفين لا يؤثر أيضًا قاله في فتح الباري، والفاء في قوله: فلم يرفث عطف على الشرط وجوابه (رجع) أي من ذنوبه (كيوم ولدته أمه) بجر يوم على الأعراب وبفتحه على البناء وهو المختار ١٣ کتاب الحج/ باب ٥/ حديث ١٥٢٢ في مثله لأن صدر الجملة المضاف إليها مبني أي رجع مشابها لنفسه في أنه يخرج بلا ذنب كما خرج بالولادة وهو يشمل الصغائر والكبائر والتبعات. قال الحافظ ابن حجر: وهو من أقوى الشواهد لحديث العباس بن مرادس المصرح بذلك وله شاهد من حديث ابن عمر في تفسير الطبري انتهى. لكن قال الطبري أنه محمول بالنسبة إلى المظالم على من تاب وعجز عن وفائها. وقال الترمذي: هو مخصوص بالمعاصي المتعلقة بحقوق الله خاصة دون العباد ولا تسقط الحقوق أنفسها فمن كان عليه صلاة أو كفارة ونحوها من حقوق الله تعالى لا تسقط عنه لأنها حقوق لا ذنوب إنما الذنوب تأخيرها فنفس التأخير يسقط بالحج لا هي أنفسها فلو أخرها بعده تجددًا ثم آخر فالحج المبرور يسقط إثم المخالفة لا الحقوق. ٥ - باب فرضٍ مواقيتِ الحجّ والعمرة (باب فرض مواقيت الحج والعمرة) المكانية جمع ميقات مفعال من الوقت المحدود واستعير هنا للمكان اتساعًا وقد لزم شرعًا تقديم الإحرام للآفاقي على وصوله إلى البيت تعظيمًا للبيت وإجلالاً كما تراه في الشاهد من ترجل الراكب القاصد إلى عظيم من الخلق إذا قرب من ساحته خضوعًا له، فلذا لزم القاصد إلى بيت الله تعالى أن يحرم قبل الحلول بحضرته إجلالاً فإن الإحرام تشبه بالأموات وفي ضمن جعل نفسه كالميت سلب اختياره. وإلقاء قياده متخليًا عن نفسه فارغًا عن اعتبارها شيئًا من الأشياء . ١٥٢٢ - حدّثنا مالكُ بنُ إسماعيلَ حدَّثَنا زُهَيرٌ قال «حدَّثَني زيدُ بنُ جُبَيْرٍ أنهُ أتى عبدَ اللهِ بنَ عمرَ رضيَ اللّهُ عنهما في مَنزِلِه ولهُ فُسطاطٌ وسُرادِقُ - فسألتُه: مِن أينَ يجوزُ أن أعتمِرَ؟ قال: فرَضَها رسولُ اللّهِ وَ﴿ الأهلِ نجدٍ قرنًا، ولأهلِ المدينةِ ذا الحُلَيفةِ، ولأهلِ الشامِ الجُخْفَ» . وبالسند قال: (حدثنا مالك بن إسماعيل) بن زياد بن درهم النهدي قال: (حدثنا زهير) هو ابن معاوية الجعفي (قال: أخبرني) بالإفراد (زيد بن جبير) بضم الجيم وفتح الموحدة الجشمي (أنه أتى عبد الله بن عمر) بن الخطاب (رضي الله عنهما في منزله - وله فسطاط) ببيت من شعر ونحوه (وسرادق) حول الفسطاط وهو بضم السين وكسر الدال كل ما أحاط بشيء، ومنه: ﴿أحاط بهم سرادقها﴾ [الكهف: ٢٩] أو هو الخيمة أو لا يقال لها ذلك إلا إذا كانت من قطن أو ما يغطى به صحن الدار من الشمس وغيرها. قال في عمدة القاري: والظاهر أن ابن عمر كان معه وأراد سترهم بذلك لا التفاخر. (فسألته) مقتضى السياق أن يقول فسأله لكنه وقع على سبيل الالتفات، وللإسماعيلي: فدخلت عليه فسألته (من أين يجوز أن أعتمر: قال). (فرضها رسول الله وَّ 38) أي قدرها وبينها أو أوجبها والضمير المنصوب للمواقيت للقرينة ١٤ كتاب الحج/ باب ٦/ حديث ١٥٢٣ الحالية ((لأهل نجد)) ساكنيها ومن سلك طريق سفرهم فمر على ميقاتهم، ونجد: بفتح النون وسكون الجيم آخره دال مهملة ما ارتفع من تهامة إلى أرض العراق قاله في الصحاح، وقال في المشارق: ما بين جرش إلى سواد الكوفة وحده مما يلي المغرب الحجاز وعن يسار الكعبة اليمن قال: ونجد كلها من عمل اليمامة. وقال في النهاية: ما ارتفع من الأرض وهو اسم خاص لما دون الحجاز مما يلي العراق. قال في القاموس: النجد ما أشرف من الأرض وما خالف الغور أي تهامة وتضم جيمه مذكر أعلاه تهامة واليمن وأسفله العراق والشام وأوله من جهة الحجاز ذات عرق (قرنًا)، قال النووي على نحو مرحلتين من مكة. قال: في القاموس: قرية عند الطائف أو اسم الوادي كله، وغلط الجوهري في تحريكه وفي نسبة أويس القرني إليه لأنه منسوب إلى قرن بن ردمان بن ناجية بن مراد أحد أجداده انتهى، وثبت في مسلم نحوه، لكن قال القابسي: من سكن أراد الجبل، ومن فتح أراد الطريق الذي يقرب منه. ولأبي ذر: من قرن. (ولأهل المدينة) يثرب سكانها ومن سلك طريقهم فمر على ميقاتهم ((ذا الحليفة)) بضم الحاء المهملة وفتح اللام مصغرًا موضع بعده من المدينة ميل كما عند الرافعي، لكن في البسيط: إنها على ستة أميال وصححه في المجموع وهو الذي قاله في القاموس. وقيل سبعة وفي المهمات الصواب المعروف بالمشاهدة أنها على ثلاثة أميال أو تزيد قليلاً. (ولأهل الشام) من العريش إلى بالس وقيل إلى الفرات قاله النووي ومن سلك طريقهم (الجحفة) بضم الجيم وإسكان الحاء المهملة وفتح الفاء قرية على ستة أميال من البحر وثمان مراحل من المدينة ومن مكة خمس مراحل أو ستة أو ثلاثة. قال ابن الكلبي: كان العماليق يسكنون يثرب فوقع بينهم وبين بني عبيل بفتح المهملة وكسر الموحدة وهم أخوة عاد حرب فأخرجوهم من يثرب فنزلوا مهيعة فجاء سيل فاجتحفهم أي استأصلهم فسميت الجحفة وهي الآن خربة لا يصل إليها أحد لوخمها، وإنما يحرم الناس الآن من رابغ لكونها محاذية لها. وفي حديث عائشة عند النسائي مرفوعًا: ((ولأهل الشام ومصر الجحفة)). قال الولي ابن العراقي: وهذه زيادة يجب الأخذ بها وعليها العمل وزاد نافع في الباب الآتي بعد بابين إن شاء الله تعالى. قال عبد الله: وبلغني أن رسول الله ومثله قال: ((ويهل أهل اليمن من يلملم)) وبقية مباحث الحديث تأتي إن شاء الله تعالى في محالها. ٦ - باب قول اللّهِ تعالى [البقرة: ١٩٧]: ﴿وَتَزَوَّدوا فإِن خيرَ الزادِ التَّقْوى﴾ (باب قول الله تعالى: ﴿وتزودوا﴾) أي ما يكف وجوهكم عن الناس ولما أمرهم بزاد الدنيا أرشدني إلى الآخرة فقال: (﴿فإن خير الزاد التقوى﴾) [البقرة: ١٩٧]. ١٥٢٣ - حدثنا يحيى بنُ بِشرِ حدَّثَنَا شَبابةَ عن وَرقاءَ عن عمرو بن دينار عن عكرمةَ عن ابنِ ١٥ کتاب الحج/ باب ٦/ حدیث ١٥٢٣ عبَّاس رضيَ اللّهُ عنهما قال: كان أهلُ اليَمنِ يَحُجُّونَ ولا يَتزوَّدونَ، ويقولون: نحنُ المتوكلون، فإذا قدموا مكةَ سألوا الناسَ. فأنزلَ اللهُ تعالى: ﴿وتزوَّدوا فإنَّ خيرَ الزادِ التَّقْوىُ﴾ رواهُ ابنُ عُيَينَةَ عن عمرٍو عن عِكرِمةَ مرسلاً. وبالسند قال: (حدثنا يحيى بن بشر) بكسر الموحدة وسكون الشين المعجمة. قال ابن خلفون: هو الحريري بفتح الحاء المهملة البلخي الزاهد روى عنه البخاري في: الحج وهجرة النبي وَالر، وروى عنه مسلم مات لخمس خلون من المحرم سنة اثنتين وثلاثين ومائتين. قال: وقد فرق بعض الناس بين يحيى بن بشر البلخي وبين يحيى بن بشر الحريري فجعلهما رجلين يروي البخاري عن البلخي ويروي مسلم عن الحريري انتهى. وكذا جعلهما ابن طاهر وأبو علي الجياني واحدًا والصواب التفرقة قال: (حدثنا شبابة) بفتح الشين المعجمة وتخفيف الموحدة الأولى ابن سوار (عن ورقاء) بفتح الواو وسكون الراء ممدودًا ابن عمرو بن كليب اليشكري (عن عمرو بن دينار) بفتح العين وسكون الميم (عن عكرمة) مولى ابن عباس (عن ابن عباس رضي الله عنهما قال): (كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون) زاد ابن أبي حاتم عن ابن عباس من وجه آخر يقولون نحج بيت الله أفلا يطعمنا (ويقولون نحن المتوكلون) على الله تعالى (فإذا قدموا مكة) ولغير الكشميهني: المدينة والأول أصوب لكنه ضبب في اليونينية عليه (سألوا الناس) الزاد فأنزل الله تعالى: (﴿وتزودوا فإن خير الزاد التقوى﴾﴾ [البقرة: ١٩٧] وليس فيه ذم التوكل لأن ما فعلوه تأكل لأن التوكل قطع النظر عن الأسباب مع تهيئتها لا ترك الأسباب بالكلية فدفع الضرر المتوقع أو الواقع لا ينافي التوكل بل هو واجب كالهرب من الجدار الهاوي وإساغة اللقمة بالماء والتداوي، وأما ما روي عن جماعة من الصحابة والتابعين من ترك التداوي فيحتمل أن يكون المريض قد كوشف بأنه لا يبرأ وعليه يحمل ترك الصديق التداوي أو يكون مشغولاً بخوف العاقبة، وعليه يحمل ما روي أن أبا الدرداء قيل له: ما تشتكي؟ فقال: ذنوبي. فقيل له: ألا ندعولك طبيبًا؟ قال: الطبيب أمرضني، وقيل غير ذلك. وهذا الحديث أخرجه أبو داود في الحج والنسائي في التفسير. (رواه) في الحديث المذكور (ابن عيينة) سفيان (عن عمرو) يعني ابن دينار (عن عكرمة مرسلاً) لم يذكر فيه ابن عباس، وكذا رواه سعيد بن منصور عن ابن عيينة، وأخرجه الطبري عن عمرو بن علي وابن حاتم عن محمد بن عبد الله بن يزيد المقري كلاهما عن ابن عيينة مرسلاً. قال ابن أبي حاتم: وهو أصح من رواية ورقاء. قال الحافظ ابن حجر: قد اختلف فيه على ابن عيينة فأخرجه النسائي عن سعيد بن عبد الرحمن المخزومي عنه موصولاً بذكر ابن عباس فيه، لكن حكى الإسماعيلي عن ابن صاعد أن سعيدًا حدثهم به في كتاب المناسك موصولاً. قال: وحدثنا به في حديث عمرو بن دينار فلم يجاوز به عكرمة انتهى. ١٦١ كتاب الحج/ باب ٧/ حديث ١٥٢٤ والمحفوظ عن ابن عيينة ليس فيه ابن عباس لكن لم ينفرد شبابة بوصله، فقد أخرجه الحاكم في تاريخه من طريق الفرات بن خالد عن سفيان الثوري عن ورقاء موصولاً، وأخرجه ابن أبي حاتم من وجه آخر عن ابن عباس كما سبق. ٧ - باب مُهَل أهلِ مكةَ للحجُ والعُمرة (باب مهل أهل مكة للحج والعمرة) بضم الميم وفتح الحاء وتشديد اللام أي موضع إهلالهم وهو في الأصل رفع الصوت بالتلبية ثم أطلق على نفس الإحرام اتساعًا. قال أبو البقاء: وهو مصدر بمعنى الإهلال كالمدخل والمخرج بمعنى الإدخال والإخراج. قال البدر الدماميني: جعله هنا مصدرًا يحتاج إلى حذف أو تأويل ولا داعي إليه. ١٥٢٤ - حدثنا موسى بنُ إسماعيلَ حدَّثَنا وُهَيبٌ حدَّثَنا ابنُ طاوُسٍ عن أبيهِ عنِ ابنِ عباسٍ قال ((إِنَّ النبيَّ وَّهَ وَقَّتَ لأهلِ المدينةِ ذا الحُلَيفةِ، ولأهلِ الشأُمِ الجُحفَة، ولأهلِ نجدٍ قزْنَ المنازِلِ، ولأهل اليمنِ يَلَمْلَمَ، هنَّ لهنَّ ولمن أتى عليهنَّ مِن غيرِ هنَّ ممن أرادَ الحجّ والعُمرةً، ومَن كانَ دُونَ ذُلكَ فِمِنْ حيثُ أنشأَ، حتى أهلُ مكةً مِن مكةَ)). [الحديث ١٥٢٤ - أطرافه في: ١٥٢٦، ١٥٢٩، ١٥٣٠، ١٨٤٥]. وبالسند قال: (حدثنا موسى بن إسماعيل) المنقري التبوذكي البصري قال: (حدثنا وهيب) بضم الواو وفتح الحاء ابن خالد قال: (حدثنا ابن طاوس) عبد اللَّه اليماني (عن أبيه) طاوس (عن ابن عباس رضي الله عنهما (قال:) (إن النبي 8َّ* وقت) أي حدد المواضع الآتية للإحرام وجعلها ميقاتًا وإن كان مأخوذًا من الوقت إلا أن العرف يستعمله في مطلق التحديد اتساعًا، ويحتمل أن يريد به تعليق الإحرام بوقت الوصول إلى هذه الأماكن بالشرط المعتبر وقد يكون بمعنى أوجب كقوله تعالى: ﴿إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابًا موقوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] ويؤيده الرواية الماضية بلفظ: فرضها رسول الله وح لول (لأهل المدينة) النبوية ومن سلك طريق سفرهم ومرّ على ميقاتهم (ذا الحليفة) مفعول وقت، والحليفة بضم الحاء المهملة تصغير حلفة بنت معروف وهي قرية خربة، وبها مسجد يعرف بمسجد الشجرة خراب، وبئر يقال لها بئر علي. وقال في القاموس: هو ماء لبني جشم على ستة أميال وهو الذي صححه النووي كما مرّ، وقول من قال كابن الصباغ في الشامل والروياني في البحر أنه على ميل من المدينة وهم يردّه الحس ولهم موضع آخر بين حاذة وذات عرق وحاذة بالحاء المهملة والذال المعجمة المخففة وهو المراد في حديث رافع بن خديج: كنا مع النبي ◌ّل بذي الحليفة من تهامة فأصبنا نهب إيل (ولأهل الشام) زاد النسائي في حديث عائشة ومصر وزاد الشافعي في روايته والغرب (الجحفة؟)، وقول النووي في شرح المهذب أن بعدها عن مكة ثلاث مراحل فيه نظر كما قاله الحافظ ١٧ كتاب الحج/ باب ٧/ حديث ١٥٢٤ ابن حجر (ولأهل نجد) أي نجد الحجاز أو اليمن ومن سلك طريقهم في السفر (قرن المنازل) ويسمى قرن الثعالب وسمي بذلك لكثرة ما كان يأوي إليه من الثعالب. وحكى الروياني عن بعض قدماء الشافعية أنهما موضعان. أحدهما في هبوط وهو الذي يقال له قرن المنازل، والآخر في صعود وهو الذي يقال له قرن الثعالب والمعروف الأول، لكن في أخبار مكة للفاكهي أن قرن الثعالب جبل مشرف على أسفل منى بينه وبين منى ألف وخمسمائة ذراع، فظهر أن قرن الثعالب ليس من المواقيت، (ولأهل اليمن) إذا مرّوا بطريق تهامة ومن سلك طريق سفرهم ومرّ على ميقاتهم (يلملم) فتح الياء واللامين وسكون الميم الأولى بينهما غير منصرف جبل من جبال تهامة. ويقال فيه ألملم بهمزة بدل الياء على مرحلتين من مكة فإن مر أهل اليمن من طريق الجبال فميقاتهم نجد (هن) أي المواقيت المذكورة (لهن) بضمير المؤنثات. وكان مقتضى الظاهر أن يكون لهم بضمير المذكرين. فأجاب ابن مالك بأنه عدل إلى ضمير المؤنثات لقصد التشاكل وكأنه يقول ناب ضمير عن ضمير بالقرينة لطلب التشاكل. وأجاب غيره بأنه على حذف مضاف أي هن لأهلهن أي هذه المواقيت لأهل هذه البلدان بدليل قوله في حديث آخر: هنّ لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن، فصرح بالأهل ثانيًا. ولأبي ذر: هن لهم بضمير المذكرين وهو واضح (ولمن أتى) مرّ (عليهن) أي المواقيت (من غيرهن) أي من غير أهل البلاد المذكورة، فلو مرّ الشامي على ذي الحليفة كما يفعل الآن لزمه الإحرام منها وليس له مجاوزتها إلى الجحفة التي هي ميقاته فإن أخر أساء ولزمه دم عند الجمهور، وأطلق النووي الاتفاق ونفي الخلاف في شرحيه لمسلم المهذب في هذه المسألة، فإن أراد نفي الخلاف في مذهب الشافعي فمسلم وإن أراد نفي الخلاف مطلقًا فلا لأن مذهب مالك أن له مجاوزة ذي الحليفة إلى الجحفة إن كان من أهل الشام أو مصر وإن كان الأفضل خلافه، وبه قال الحنفية، وابن المنذر من الشافعية . وأما استشكال ابن دقيق العيد قوله: ولأهل الشام الجحفة فإنه شامل من مرّ من أهل الشام بذي الحليفة ومن لم يمر، وقوله: ولمن أتى عليهن من غير أهلهن فإنه شامل للشامي إذا مرّ بذي الحليفة وغيره فهما عمومان قد تعارضا، فأجاب عنه الولي ابن العراقي بأن المراد بأهل المدينة من سلك طريق سفرهم ومن مرّ على ميقاتهم وحينئذ فلا إشكال ولا تعارض. (ممن أراد الحج والعمرة) معًا بأن يقرن بينهما أو الواو بمعنى أو وفيه دلالة على جواز دخول مكة بغير إحرام (ومن كان دون ذلك) أي بين الميقات ومكة (فمن) أي فميقاته من (حيث أنشأ) الإحرام أو السفر من مكانه إلى مكة (حتى أهل مكة) وغيرهم ممن هو بها يهلون (من مكة) كالأفاقي الذي بين مكة والميقات فإنه يحرم من مكانه ولا يحتاج إلى الرجوع إلى الميقات وهذا خاص بالحج. أما العمرة، فمن أدنى الحل. وقوله: حتى أهل مكة من مكة عام للحج والعمرة، ولذا قال المؤلف باب: مهل أهل مكة للحج والعمرة لكن قصة عمرة عائشة حين أرسلها عليه الصلاة والسلام مع أخيها عبد الرحمن إلى التنعيم لتحرم منه بالعمرة تخصص عموم هذا الحديث، لكن البخاري نظر إلى إرشاد الساري/ ج ٤ / م ٢ ١٨ كتاب الحج/ باب ٨ و ٩/ حديث ١٥٢٥ و ١٥٢٦ عموم اللفظ، نعم القارن حكمه حكم الحاج في الإهلال من مكة تغليبًا للحج لاندراج العمرة تحته فلا يحتاج إلى الإحرام بها من الحل مع أنه يجمع بين الحل والحرم بوقوفه بعرفة، وحتى هذه ابتدائية وأهل مكة مبتدأ والخبر محذوف والجملة لا محل لها من الإعراب. وهذا الحديث أخرجه مسلم والنسائي في الحج. ٨ - باب مِيقاتِ أهلِ المدينةِ، ولا يُهِلُّونَ قبلَ ذي الحُليفةِ (باب ميقات أهل المدينة، ولا يهلون قبل ذي الحليفة) لأنه لم ينقل عنه أحد من حج مع النبي وَلّ أنه أحرم قبلها، والظاهر أن المصنف كان يرى المنع من الإحرام قبل الميقات. ١٥٢٥ - حدثنا عبدُ اللَّهِ بنُ يوسفَ أخبرنا مالكٌ عن نافع عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرَ رضيَ اللّهُ عنهما أن رسولَ اللّهِ ﴿ قال «يُهِلُّ أهلُ المدينةِ من ذي الحُليفةِ، وأهلُ الشام منَ الجُحفةِ، وأهلُ نجدٍ من قَرْنٍ)). قال عبدُ اللَّهِ ((وبلَغَني أنَّ رسولَ اللَّهِ وَّه قال: ويُهلُّ أَهلُ اليمنِ من يَلَمْلَمْ)). وبالسند قال: (حدثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن نافع) مولى ابن عمر (عن عبد الله بن عمر) بن الخطاب (رضي الله عنهما: أن رسول الله الج القر قال:) (يهل أهل المدينة) ومن سلك طريقهم في سفره (من ذي الحليفة وأهل الشام) ولأبي ذر: ويهل أهل الشام أي ومن اجتاز في سفره بميقاتهم (من الجحفة، و) يهل (أهل نجد) ومن مرّ في سفره بميقاتهم (من قرن) (قال عبد الله) هو ابن عمر: (وبلغني أن رسول الله وَّر قال:) وفي رواية سالم عنه زعموا أن رسول الله وَل#له قال: ولم أسمعه (ويهل أهل اليمن) تهامته دون نجده ومن مر بطريقهم (من يلملم) قال ابن عبد البر: اتفقوا على أن ابن عمر لم يسمع من النبي وَ لَّ قوله: ويهل أهل اليمن من يلملم ولا خلاف بين العلماء أن مرسل الصحابي صحيح حجة. نعم، خالف في ذلك الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني فذهب إلى أنه ليس بحجة، وقد ورد ميقات اليمن مرفوعًا من غير إرسال من حديث ابن عباس في الصحيحين وغيرهما ومن حديث جابر في مسلم إلا أنه قال أحسبه رفعه، ومن حديث عائشة عند النسائي، ومن حديث الحرث بن عمرو عند أبي داود والنسائي. ٩ - باب مُهَلُ أهلِ الشام (باب مهل أهل الشام) . ١٥٢٦ - حدّثنا مُسدَّدٌ حدَّثَنا حَمَّدٌ عن عمرو بنِ دِينارٍ عن طاوُسٍ عنِ ابنِ عبَّاسٍ رضيَ اللّهُ عنهما قال ((وَقَّتَ رسولَ اللّهِ وَهَ لأهلِ المدينةِ ذا الحُلَيفةِ، ولأهلِ الشأمِ الجُحفةَ، ولأهلِ نَجدٍ قَرْنَ ١٩ كتاب الحج/ باب ١٠/ حديث ١٥٢٧ و ١٥٢٨ المَنازِلِ، ولأهلِ اليمن يَلَمْلَم، فهنَّ لهنَّ ولمن أتى عليهنَّ من غير أهلهنَّ لمنْ كانَ يُريدُ الحجّ والعُمرةَ، فمن كان دُونَهنَّ فمُهَلُّه من أهلِهِ وكذاك حَتَّى أهلُ مكةَ يُهِلُّونَ منها)». وبالسند قال: (حدثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدثنا حماد) هو ابن زيد (عن عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس رضي الله عنهما (قال): (وقت رسول الله ◌َّر لأهل المدينة) ساكنيها ومن مر في سفره بميقاتهما (ذا الحليفة، ولأهل الشام) ولأهل مصر والمغرب سكانها ومن مر في طريقهم بميقاتهم (الجحفة، ولأهل نجد) نجد والحجاز أو اليمن ومن مر بميقاتهم (قرن المنازل ولأهل اليمن) تهامة ومن مر بميقاتهم (يلملم) بفتح الأوّل والثاني والرابع وسكون الثالث (فهن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن) الضمائر كلها إلا الثاني للمواقيت، وأما الثاني وهو المجرور باللام وهو قوله لهنّ فلأهل البلد أو غير ذلك كما مرّ ولأبي ذر: لهم بضمير المذكرين وهو الأصل (لمن كان يريد الحج والعمرة) وفي الرواية السابقة ممن يريد بالميم بدل اللام وإسقاط كان (فمن كان دونهن) أي أقرب إلى مكة (فمهله) بضم الميم وفتح الهاء أي مكان إحرامه (من) دويرة (أهله وكذاك) بإسقاط اللام، وزاد أبو ذر وكذاك فتصير مرتين أي وكذا من كان أقرب من هذا الأقرب (حتى أهل مكة) وغيرهم ممن هو بها (يهلون منها) برفع أهل على أن حتى ابتدائية، وذكر الكرماني أنه روي فيها الجرّ أيضًا. ١٠ - باب مُهَلُ أهلِ نجدٍ (باب مهل أهل نجد). ١٥٢٧ - حدثنا عليَّ حدَّثَنَا سُفيانُ حفِظناهُ منَ الزُّهريّ عن سالم عن أبيهِ ((وَقَّتَ النبيُّ ◌َِ) . وبالنسد قال: (حدثنا عليّ) هو ابن المديني قال: (حدثنا سفيان) بن عيينة قال: (حفظناه من الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (عن سالم عن أبيه) عبد الله بن عمر بن الخطاب أنه قال: (وقت النبي رَّر) قال المصنف (ح). ١٥٢٨ - حدثنا أحمدُ حدَّثَنا ابنُ وَهبٍ قال أخبرَني يونس عنِ ابنِ شهابٍ عن سالمٍ بِنِ عبدِ اللَّهِ عن أبيهِ رضيَ اللّهُ عنه («سمعتُ رسولَ اللّهِ وَ لَ يقول: مُهَلُّ أهلِ المدينةِ ذو الْخُلَيَفة، ومُهَلُ أهلِ الشِأُمِ مَهْيَعَةُ وهي الجُخفةُ، وأهلِ نجدٍ قرنٌ)) قال ابنُ عمرَ رضيَ اللّهُ عنهما (زَعموا أنَّ النبيَّ بَّه قال - ولم أسمَعْهُ -: ومُهَلُّ أهلِ اليمنِ يَلَمْلَمُ)) . (حدثنا أحمد) ولأبي ذر: أحمد بن عيسى أي الهمداني المصري قال: (حدثنا ابن وهب) عبد الله قال: (أخبرني) بالإفراد (يونس) بن يزيد الأيلي (عن ابن شهاب) الزهري (عن سالم بن عبد الله) بن عمر بن الخطاب (عن أبيه رضي الله عنه) أنه قال: (سمعت رسول الله وَله يقول): ٢٠ كتاب الحج/ باب ١١ و ١٢/ حديث ١٥٢٩ و ١٥٣٠ (مهل) بضم الميم وفتح الهاء إهلال (أهل المدينة ذو الحليفة ومهل الشام) ومصر والمغرب (مهيعة) بفتح الميم وسكون الهاء وفتح التحتية والعين المهملة وقيدها بعضهم بفتح الميم وكسر الهاء وسكون الياء فعيلة كجميلة وفسرها بقوله: (وهي الجحفة و) مهل (أهل نجد قرن) (قال ابن عمر): عبد الله (رضي الله عنهما زعموا) أي قالوا لأن الزعم يستعمل بمعنى القول المحقق (أن النبي وكل قال): (ولم أسمعه) جملة معترضة بين قوله قال ومقوله وهو (ومهل أهل اليمن يلملم) بالرفع خبر المبتدأ. ١١ - باب مُهَلُ من كان دُونَ المَواقيتِ (باب مهل من كان دون المواقيت) أي دونها إلى مكة . ١٥٢٩ - حدّثنا قُتَيبةُ حدَّثَنَا حَمَّدٌ عن عمرٍو عنِ طاوُسٍ عنِ ابنِ عبَّاسٍ رضيَ اللّهُ عنهما («أنَّ النبيَّ وَّرَ وَقَّتَ لأهلِ المدينةِ ذا الحُلَيفةِ، ولأهلِ الشأمِ الجُحْفةَ، ولأهلِ اليمنِ يَلَمْلَمَ، ولأهلِ نجدٍ قَرْنَا، فهنَّ لهنَّ ولمن أتى عليهنَّ مِن غيرِ أهلهنَّ ممَّنْ كانَ يُريدُ الحجّ والعُمرةَ، فمن كان دُونَهنَّ فمنْ أهلهِ، حتى إنَّ أهلَ مكةً يُهِلُونَ منها». وبالسند قال: (حدثنا قتيبة) بن سعيد قال: (حدثنا حماد) هو ابن زيد (عن عمرو) هو ابن دينار (عن طاوس عن ابن عباس رضي الله عنهما): (أن النبي ◌َّ﴿ وقت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل اليمن يلملم، ولأهل نجد قرنًا فهنّ لهن) ولأبي ذر: لهم (ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن كان يريد الحج والعمرة فمن كان دونهن) أي بين مكة والميقات (فمن) فإحرامه من دويرة (أهله حتى أن أهل مكة يهلون منها) بالحج وأما العمرة فمن أدنى الحل ولو كان الآفاقي أمامه ميقات فهو ميقاته كساكن الصفراء أو بدر فإنه بين ذي الحليفة والجحفة فميقاته الجحفة لا مسكنه لأنه ليس دون المواقيت. ١٢ - باب مُهَلُ أهلِ اليمنِ (باب مهل أهل اليمن). ١٥٣٠ - حدّثنا مُعَلَّى بنُ أسَدٍ حدَّثَنَا وُهيبٌ عن عبدِ اللهِ بنِ طاوُسٍ عن أبيه عن ابنِ عبّاسٍ رضيَ اللّهُ عنهما ((أنَّ النبيَّ ◌ََّ وَقَّتَ لأهلِ المدينةِ ذا الحُليفةِ. ولأهل الشأمِ الجخفة، ولأهلِ نجدٍ قرنَ المنازلِ، ولأهلِ اليمنِ يَلَمْلَمَ، هنَّ لأهلِهِنَّ ولكلِّ آتِ أتى عليهنَّ من غيرِهم ممَّن أرادَ الحجّ والعُمرة، فمَن كانَ دونَ ذُلكَ فمِن حيثُ أنشأَ، حتى أهلُ مكةَ من مكة)). وبالسند قال: (حدثنا معلى بن أسد) العمي أبو الهيثم أخو بهز بن أسد البصري قال: (حدثنا