Indexed OCR Text

Pages 521-540

٥٢١
كتاب الزكاة/ باب ٤
يَشْكوني، فكتبَ إليَّ عثمانُ أن أقدَم المدينةَ، فقدِمْتُها، فكُثَر عليَّ الناسُ حتَّى كأنهم لم يَرَوني قبلَ
ذُلك، فذكرتُ ذُلك لعثمانَ، فقال لي: إنْ شئتَ تَنَخَّيْتَ فكنتَ قريبًا. فذاك الذي أنزلني هذا
المنزِلَ، ولو أمَّروا عليَّ حَبَشيًّا لسمعتُ وأطعتُ)). [الحديث ١٤٠٦ - طرفه في: ٤٦٦٠].
وبه قال: (حدّثنا علي) غير منسوب، ولأبي ذر: علي بن أبي هاشم واسم أبي هاشم عبيد الله
الليثي البغدادي ويعرف عبيداللّه بالطبراخ بكسر الطاء المهملة وسكون الموحدة وآخره خاء معجمة أنه
(سمع هشيمًا) بضم الهاء وفتح الشين المعجمة ابن بشير بضم الموحدة وفتح الشين ابن القاسم بن
دينار قال: (أخبرنا حصين) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين أبو الهذيل (عن زيدبن وهب) بفتح
الواو أبو سليمان الهمداني الجهني الكوفي التابعي الكبير أحد المخضرمين (قال: مررت بالربذة) بفتح
الراء الموحدة والذال المعجمة موضع على ثلاث مراحل من المدينة به قبر أبي ذر (فإذا أنا بأبي ذر)
جندب بن جنادة (رضي الله عنه فقلت له: ما أنزلك منزلك هذا)؟ وإنما سأله زيد عن ذلك لأن
مبغضي عثمان كانوا يشنعون عليه أنه نفى أبا ذر، وقد بين أبو ذر أن نزوله في ذلك المكان إنما كان
باختياره كما سيأتي قريبا إن شاء الله تعالى. (قال): أبو ذر (كنت بالشأم) أي بدمشق (فاختلفت أنا
ومعاوية) بن أبي سفيان وكان إذ ذاك عامل عثمان على دمشق (في) من نزل قوله تعالى: (﴿والذين
يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله﴾) [التوبة: ٣٤] (قال معاوية: نزلت في أهل
الكتاب) نظرًا إلى سياق الآية فإنها نزلت في الأحبار والرهبان الذين لا يؤتون الزكاة، قال أبو ذر:
(فقلت نزلت فينا وفيهم) نظرًا إلى عموم الآية (فكان بيني وبينه في ذلك) وفي نسخة في ذاك نزاع،
بل قيل: إنه كان كثير الاعتراض عليه والمنازعة له، وكان جيش معاوية يميل إلى أبي ذر وكان لا
يخاف في الله لومة لائم. (وكتب) معاوية رضي الله عنه لما خشي أن يقع بين المسلمين خلاف وفتنة
(إلى عثمان رضي الله عنه يشكوني) إما بسبب هذه الواقعة الخاصة أو على العموم (فكتب إلي عثمان)
رضي الله عنه (أن أقدم المدينة) بفتح الدال أما فعل مضارع فهمزته همزة قطع أو فعل أمر فتحذف في
الوصل (فقدمتها، فكثر علي الناس) أي يسألونه عن سبب خروجه من دمشق وعما جرى بينه وبين
معاوية (حتى كأنهم لم يروني قبل ذلك فذكرت ذلك لعثمان فقال لي: إن شئت تنحيت فكنت قريبًا).
خشي عثمان على أهل المدينة ما خشيه معاوية على أهل الشأم (فذاك الذي أنزلني هذا المنزل).
بالنصب (ولو أمروا علي) عبدًا (حبشيًا لسمعت) قوله (وأطعت) أمره. وروى الإمام أحمد وأبو يعلى
من طريق أبي حرب بن أبي الأسود عن عمه عن أبي ذر أن النبي ◌َ لّ قال له: ((كيف تصنع إذ أخرجت
منه أي من المسجد النبوي)) قال: آتي الشام. قال: ((كيف تصنع إذا أخرجت منها)) قال: أعود إليه
أي إلى المسجد. قال: ((كيف تصنع إذا خرجت منه؟)) قال: أضرب بسيفي. قال: ((ألا أدلك على ما
هو خير لك من ذلك وأقرب رشدًا تسمع وتطيع وتنساق لهم حيث ساقوك)).
وفي حديث الباب رواية تابعي عن تابعي عن صحابي، ومناسبته للترجمة من جهة أن ما أدّي
زكاته فليس بكنز ومفهوم الآية كذلك، وأخرجه المؤلف أيضًا في التفسير وكذا النسائي.

٥٢٢
كتاب الزكاة/ باب ٤
١٤٠٧ - حدّثَنَا عَيَّاشْ قَالَ حدَّثَنَا عبدُ الأعلىْ قَال حدَّثَنَا الجُرَيرِيُّ عن أبي العَلاءِ عنِ الأحنفِ بنِ
قيسٍ قال ((جلست)). ح وحدَّثَني إسحقُ بنُ منصورٍ أخبرنا عبدُ الصمدِ قال حدَّثني أبي حدَّثَنا الجُريرُّ
حدَّثَنا أبو العلاءِبنُ الشّخَيرِ أنَّ الأحنفَ بنَ قَيسٍ حدَّثَهم قال: ((جَلستُ إلى مَلأٍ مِنِ قُريشٍ، فجاءَ
رجلٌ خَشِنُ الشّعرِ والثيابِ والهيئةِ، حتى قامَ عليهم فسلَّمَ ثمّ قال: بَشْرِ الكانِزِينَ برَضفٍ يُحمى
عليهِ في نارٍ جَهِنَّمَ ثمَّ يُوضَعُ على حَلَمةِ تَذْىٍ أحدِهم حتى يَخرُجَ من نُغْضِ كِتِفِه، ويوضَعُ على
نغضٍ كِتِفِه حتى يخرُجَ من حَلَمَةٍ ثَديهِ يَتَزَلزلُ. ثم ولَّى فجلسَ إلى ساريةِ. وتبِعتُهُ وجَلستُ إليهِ وأنا
لا أدرِي مَن هوَ، فقلتُ لهُ: لا أُرَى القومَ إلا قد كرِهوا الذي قلتَ. قال: إنهم لا يَعقِلونَ شيئًا».
وبه قال (حدَّثنا عياش) بالتحتية والشين المعجمة ابن الوليد الرقام البصري (قال: حدّثنا
عبدالأعلى) هو ابن عبدالأعلى السامي بالمهملة (قال: حدّثنا الجريري) بضم الجيم وفتح الراء الأولى
سعيدبن أبي إياس (عن أبي العلاء) بفتح العين والهمز ممدودًا يزيد من الزيادة ابن الشخير المعافري
(عن الأحنف بن قيس) بفتح الهمزة وسكون الحاء المهملة آخره فاء (قال: جلست) قال المؤلف:
(ح).
(وحذّثني) بالإفراد (إسحق بن منصور) الكوسج المروزي قال: (أخبرنا عبدالصمد) بن
عبد الوارث (قال: حدّثنا أبي) عبد الوارث قال: (حدّثنا) سعيد (الجريري) قال: (حدّثنا أبو العلاءبن
الشخير) بكسر الشين والخاء المعجمتين (أن الأحنف بن قيس حدثهم) أردف المؤلف هذا الإسناد
بسابقه وإن كان أنزل منه لتصريح عبد الصمد بتحديث أبي العلاء للجريري والأحنف لأبي العلاء.
(قال): أي الأحنف (جلست إلى ملأ) أي جماعة (من قريش فجاء رجل خشن الشعر) بفتح الخاء
وكسر الشين المعجمتين من الخشونة. وللقابسي: حسن بالمهملتين والأول هو الصحيح (والثياب
والهيئة حتى قام) أي وقف (عليهم فسلم ثم قال: بشر الكانزين) ﴿الذين يكنزون الذهب والفضة﴾
[التوبة: ٣٤] ولا يؤدون زكاتها. (برضف) بفتح الراء وسكون الضاد المعجمة آخره فاء حجارة محماة
(يحمى عليه) أي على الرضف. ولأبي ذر: والأصيلي: عليهم (في نار جهنم) بعدم الصرف للعجمة
والعلمية أو عربي والمانع العلمية والتأنيث (ثم يوضع) الرضف (على حلمة ثدي أحدهم) بفتح لام
حلمة وهي ما نشر من الثدي وطال (حتى يخرج من نغض كتفه) بضم النون وسكون الغين المعجمة
آخره ضاد معجمة ويسمى الغضروف وهو العظم الرقيق على طرف الكتف أو هو أعلاه، وأصل
النغص الحركة فسمي به الشاخص من الكنف لأنه يتحرك من الإنسان في مشيه وتصرفه وكتفه
بالإفراد، (ويوضع) الرضف (على نغص كتفه) بالإفراد (حتى يخرج من حلمة ثديه يتزلزل) أي
يتحرك ويضطرب الرضف (ثم ولّى) أدبر (فجلس إلى سارية) اسطوانة (وتبعته وجلست إليه وأنا
لا أدري من هو فقلت له: لا أرى) بضم الهمزة أي لا أظن (القوم إلا قد كرهوا الذي قلت) لهم بفتح
التاء خطاب لأبي ذر (قال) أبو ذر: (إنهم لا يعلقون شيئًا) فسره بجمعهم الدنيا كما سيأتي قريبا إن
شاء الله تعالى.

٥٢٣
کتاب الزكاة/ باب ٥
١٤٠٨ - قال لي خليلي - قال قلتُ: مَن خَليلُكَ؟ قال: النبيُّ وَِّ: يا أبا ذَرَ أَتُبْصِرُ أُحُدًا؟ قال
فنظرتُ إلى الشمسِ ما بَقِيَ مِنَ النهارِ، وأنا أُرَى أنَّ رسولَ اللَّهِوَِّ يُرسِلُني في حاجةٍ لهُ، قلتُ:
نعم. قال: ما أُحبُّ أنَّ لي مثلَ أُحُدٍ ذَهبَا أُنْفِقُهُ كلَّهُ إلاَّ ثلاثةَ دَنانيرَ. وإنَّ لهُؤلاءٍ لا يَعقِلون، إنما
يجمعونَ الدُّنيا. لا واللَّهِ، لا أسألُهُم دُنيا ولا أستفتيهم عن دِين حتى ألقى اللَّه عزّ وجلّ)).
(قال لي خليلي: قال): الأحنف (قلت من) ولأبي ذر: ومن (خليلك) زاد في نسخة يا أبا ذر
(قال): أبو ذر: هو أي خليلي (النبي ◌َّ) وقوله:
(يا أبا ذر أنبصر أحدًا)؟ الجبل المشهور معمول قال لي خليلي وحينئذ يستقيم الكلام ولا يقال
فيه حذف خلافًا لابن بطال والزركشي وغيرهما حيث قالوا: أسقط قال النبي ◌ّ في جواب السائل
من خليلك، أو قال النبي الثابتة جوابه وسقط قوله قال النبي يا أبا ذر، أو الساقط كما قاله في فتح
الباري قال فقط من قوله قال: يا أبا ذر أتبصر؟ قال: وكأن بعض الرواة ظنها مكررة فحذفها ولا بد
من إثباتها انتهى. (قال: فنظرت إلى الشمس ما بقي من النهار) قال البرماوي كالكرماني والزركشي
والعيني أي أي شيء بقي منه وكأنهم جعلوها استفهامية. قال البدر الدماميني: وليس المعنى عليه
إنما المعنى فنظرت إلى الشمس أتعرف القدر الذي بقي من النهار وأنظر الذي بقي منه فهي موصولة
(وأنا أرى) بضم الهمزة أي أظن (أن رسول الله وَلقول يرسلني في حاجة له. قلت: نعم) جواب أتبصر
أحدًا. (قال: ما أحب أن لي مثل أحد الجبل المشهور (ذهبًا) مثل اما اسم أن أو حال مقدمة على
الخبر وذهبًا تمييز (أنفقه) لخاصة نفسي (كله) أي مثل كل أحد ذهبًا (إلا ثلاثة دنانير) قال الكرماني:
يحتمل أن هذا المقدار كان دينًا أو مقدار كفاية إخراجات تلك الليلة لهن لر، وهذا محمول على
الأولوية لأن جمع المال وإن كان مباحًا لكن الجامع مسؤول عنه. وفي المحاسبة خطر فكان الترك
أسلم، وما ورد من الترغيب في تحصيله وإنفاقه في حقه محمول على من وثق بأنه يجمعه من الحلال
الذي يأمن معه من خطر المحاسبة (وإن هؤلاء لا يعقلون) هو من قول أبي ذر عطفًا على قوله لا
يعقلون شيئًا الأول وكرره للتأكيد وربط ما بعده به (إنما يجمعون الدنيا) بيان لعدم عقلهم كما مرّ (لا
والله) ولأبي ذر عن الكشميهني: ولا الله (لا أسالهم دنيا) أي شيئًا من متاعها بل أقنع بالقليل
وأرضى باليسير (ولا أستفتيهم عن دين) اكتفاء بما سمعه من العلم من رسول الله ◌َ له (حتى ألقى الله
عز وجل) فيه كثرة زهد أبي ذر، وقد كان مذهبه أنه يحرم على الإنسان ادخار ما زاد على حاجته.
وفي هذا الحديث التحديث والإخبار والعنعنة والقول، ورواته كلهم بصريون، وأخرجه مسلم
في الزكاة أيضًا.
٥ - باب إنفاقِ المالِ في حقّه
(باب إنفاق المال في حقه).

٥٢٤
كتاب الزكاة/ باب ٦
١٤٠٩ - حدثنا محمدُبنُ المشَّى حدَّثَنا يحيى عن إسماعيلَ قال حدَّثَني قيس عنِ ابنِ مَسعودٍ
رضيَ اللهُ عنه قال: سمعتُ النبيِّ وََّ يقول: ((لا حسَدَ إلاَّ في اثنتينٍ: رجُلِ آتَاهُ اللَّهُ مالاً فسلَّطهُ
على هَلَكتهِ في الحقّ، ورجُلٍ آتاهُ اللَّهُ حِكمةً فهو يَقْضِي بها ويُعلِّمها)).
وبالسند قال: (حدّثنا محمدبن المثنى) الزمن البصري قال: (حدّثنا يحيى) القطان (عن
إسماعيل) بن أبي خالد واسمه سعد الكوفي (قال: حدثني) بالإفراد (قيس) هو ابن حازم واسمه
عوف الأحمسي البجلي (عن ابن مسعود، رضي الله عنه قال: سمعت النبي ◌َّم يقول):
(لا حسد) لا غبطة (إلا في اثنتين) بالتأنيث أي خصلتين (رجل) بالجر بدل من اثنتين على
حذف مضاف. ولأبي ذر: رجل بالرفع على إضمار مبتدأ أي أحدهما رجل (آتاه) بالمد أي أعطاه (الله
مالاً فسلطه على هلكته) بفتح اللام وفيه مبالغتان التعبير بالتسليط المقتضي للغلبة وبالهلكة المشعرة
بفناء الكل (في الحق) أخرج التبذير الذي هو صرف المال فيما لا ينبغي (ورجل) بالجر، ولأبي ذر:
ورجل بالرفع (آتاه الله) أعطاه (حكمة) القرآن أو السنة كما قال الإمام الشافعي في الرسالة (فهو
يقضي بها ويعلمها).
فإن قلت: كل خير يتمنى مثله شرعًا فما وجه حصر التمني في هاتين الخصلتين؟ أجاب ابن
المنير الحصر هنا غير مراد إنما المراد مقابلة ما في الطباع بضده لأن الطباع تحسد على جمع المال وتذم
ببذله فبين الشرع عكس الطبع فكأنه قال: لا حسد إلا فيما تذمون عليه ولا مذمة إلا فيما تحسدون
عليه، ووجه المؤاخاة بين الخصلتين أن المال يزيد بالإنفاق ولا ينقص لقوله تعالى: ﴿ويربي
الصدقات﴾ [البقرة: ٢٧٦] ولقوله عليه الصلاة والسلام: ((ما نقص مال من صدقة)) والعلم يزيد
أيضًا بالإنفاق منه وهو التعليم فتواخيا.
وهذا الحديث سبق في كتاب العلم في باب الاغتباط.
٦ - باب الرِّياءِ في الصدَقةِ
لقوله تعالى: ﴿يا أيُّها الّذين آمنوا لا تُبطِلوا صدَقاتِكم بالمنُّ والأذى - إلى قوله - الكافرين﴾ .
وقال ابنُ عباسٍ رضيَ اللَّهُ عنهما ﴿صَلْدًا﴾: ليس عليه شيء وقال عِكرمةُ ﴿وابِلٌ﴾: مطرٌ شديد.
و ﴿الظُّلُّ﴾: النَّدَى.
(باب الرياء فى الصدقة لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا﴾) ثواب (﴿صدقاتكم بالمنّ
والأذى﴾ إلى قوله: ﴿الكافرين)) [البقرة: ٢٦٤] ولأبوي ذر والوقت: إلى قوله: ﴿والله لا يهدي
القوم الكافرين﴾ (وقال ابن عباس رضي الله عنهما) مما وصله ابن جرير (﴿صلدًا﴾ ليس عليه شيء.
وقال عكرمة): مولى ابن عباس مما وصله عبد بن حميد (﴿وابل﴾) [البقرة: ٢٦٥] (مطر شديد و ﴿الطل﴾

٥٢٥
كتاب الزكاة/ باب ٧ و٨
الندى) شبه سبحانه وتعالى الذي يبطل صدقته بالمنّ والأذى بالذي ينفق ماله رئاء الناس لأجل
مدحتهم وشهرته بالصفات الجميلة مظهرًا أنه يريد وجه الله، ولا ريب أن الذي يرائي في صدقته
أسوأ حالاً من المتصدّق بالمن لأنه معلوم أن المشبه به أقوى حالاً من المشبه، ومن ثم قال تعالى:
﴿ولا يؤمن بالله واليوم الآخر﴾ [البقرة: ٢٦٤] ثم ضرب مثل ذلك المرائي بالإنفاق بقوله: ﴿فمثله
كمثل صفوان﴾ أي حجر أملس عليه تراب فأصابه مطر كبير القطر فتركه صلدًا أملس نقيّا من التراب
كذلك أعمال المرائين تضمحل عند الله فلا يجد المرائي بالإنفاق يوم القيامة ثواب شيء من نفقته كما
لا يحصل النبات من الأرض الصلدة. والضمير في لا يقدرون للذي ينفق باعتبار المعنى لأن المراد به
الجنس أو الجمع. أي: ينتفعون بما فعلوا ولا يجدون ثوابه. وفي قوله تعالى: ﴿والله لا يهدي القوم
الكافرين﴾ تعريض بأن الرياء والمن والأذى على الإنفاق من صفة الكفار فلا بد للمؤمن أن يجتنبها.
٧ - باب لا يقبلُ اللَّهُ صِدَقةٌ من غُلولٍ،
ولا يقبلُ إلاَّ مِن كسبٍ طيّبٍ لقوله:
﴿قُولٌ مَعروفٌ ومَغفِرةٌ خَيرٌ مِن صَدقةٍ يَتبعُها أذَى، واللَّهُ غنيٌّ حَليم﴾
هذا (باب) بالتنوين (لا يقبل الله صدقة) ولأبي الوقت: الصدقة (من غلول)، بضم الغين
المعجمة في المغنم، وللحموي والكشميهني: لا تقبل الصدقة من غلول بضم أول تقبل وفتح ثالثه
مبنيًا للمفعول وهو طرف من حديث الباب أخرجه مسلم. (ولا يقبل إلا من كسب طيب). هذا
للمستملي وحده وهو طرف من حديث الباب (لقوله) تعالى: ﴿ويربي الصدقات﴾ زاد أبو ذر: (قول
معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى والله غني حليم) [البقرة: ٢٦٣].
٨ - باب الصدقة من كسبٍ طيّبٍ
لقوله: ﴿وَيُزْبي الصدَقاتِ واللَّهُ لا يُحبُّ كلَّ كفَّارٍ أثيم إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلوا الصالِحَاتِ
وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وآتوا الزَّكَاةَ لَهُم أَجْرُهم ◌ِنْدَ ربهم ولا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون﴾.
(باب الصدقة من كسب طيب لقوله ﴿ويربي الصدقات﴾) يكثرها وينميها. وقوله: ويربي بضم
أوّله وسكون ثانيه وتخفيف الموحدة كذا التلاوة. وفي نسخة: ويربي بفتح الراء وتشديد الموحدة
(﴿والله لا يحب﴾) لا يرتضي (﴿كل كفار﴾) مصر على تحليل الحرام (﴿أثيم)) [البقرة: ٢٧٦] فاجر
بارتكابه (﴿إن الذين آمنوا﴾) بالله ورسله وبما جاء منه (﴿وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا
الزكاة﴾) عطفهما على الأعم لشرفهما على سائر الأعمال الصالحة (﴿لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف
عليهم﴾) من آت (﴿ولا هم يحزنون)) [البقرة: ٢٧٧]، على فائت. ولغير أبي ذر: ﴿ويربي
الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم﴾ إلى قوله: ﴿ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ قال ابن

٥٢٦
کتاب الزكاة/ باب ٨
بطال: لما كانت هذه الآية مشتملة على أن الربا يمحقه الله لأنه حرام دل ذلك على أن الصدقة التي
تتقبل لا تكون من جنس الممحوق انتهى.
وقال الكرماني: لفظ الصدقات وإن كان أعم من أن يكون من الكسب الطيب ومن غيره لكنه
مقيد بالصدقات التي من الكسب الطيب بقرينة سياق ولا تيمموا الخبيث، وبهذا تحصل المناسبة بين
قوله: لا تقبل الصدقة إلا من كسب طيب وهذه الآية. والجواب عن قول ابن التين: إن تكثير أجر
الصدقة ليس علة لكون الصدقة من كسب طيب وكان الأبين أن يستدل بقوله تعالى: ﴿أنفقوا من
طيبات ما كسبتم﴾ [البقرة: ٢٧٦].
١٤١٠ - حدثنا عبدُ اللَّهِبنُ مُنِيرِ سمِعَ أبا النَّضرِ حدَّثَنَا عبدُ الرحمنِ - هو ابنُ عبدِ اللهِ بنِ دِينارٍ -
عن أبيهِ عن أبي صالحٍ عن أبي هريرةَ رضيَ اللَّهُ عنه قال: قال رسولُ اللَّهِ وَِّ: ((مَن تَصَدَّقَ بِعَدْلٍ
تمرةٍ من كسبٍ طيّبٍ - ولا يَقبلُ اللَّهُ إلَّ الطيّبَ- وَإِنَّ اللَّهَ يتقبَّلِها بيمينِهِ، ثمَّ يربِيها لصاحبه كما يربِّي،
أحدُكم فَلُوَّهُ، حتى تكونَ مِثَل الجبلِ)). تابعَهُ سليمانُ عنِ ابنِ دِينارٍ. وقال ورقاءُ عن ابنِ دينارٍ عن
سعيدِ بنِ يَسارٍ عن أبي هريرةَ رضيَ اللَّهُ عنهُ عنِ النبيِّ ◌َّهِ. ورواهُ مسلمُ بنُ أبي مريمَ وزيدُ بنُ أسلمَ
وسُهَيلٌ عن أبي صالح عن أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ عنِ النبيِّ ◌َلِّ. [الحديث ١٤١٠ - طرفه في:
٧٤٣٠].
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي الوقت: حدّثني (عبدالله بن منير) بضم الميم وكسر النون أنه (سمع
أبا النضر) بفتح النون وسكون الضاد المعجمة سالم بن أبي أمية قال: (حدّثنا عبد الرحمن - هو ابن
عبدالله بن دينار- عن أبيه) عبد الله (عن أبي صالح) ذكوان السمان (عن أبي هريرة رضي الله عنه
قال: قال رسول الله وَل ور):
(من تصدق بعدل تمرة) بمثناة فوقية وسكون الميم العدل عند الجمهور بفتح العين المثل وبالكسر
الحمل بكسر الحاء أي بقيمة تمرة (من كسب طيب) حلال (ولا يقبل الله إلا الطيب) جملة معترضة
بين الشرط والجزاء تأكيدًا لتقرير المطلوب في النفقة (وإن الله) بالواو، ولأبي الوقت: فإن الله
(يتقبلها) بمثناة فوقية بعد التحتية (بيمينه) - قال الخطابي: ذكر اليمين لأنها في العرف لما عز والأخرى
لما هان. وقال ابن اللبان: نسبة الأيدي إليه تعالى استعارة لحقائق أنوار علوية يظهر عنها تصرفه
وبطشه بدءًا وإعادة، وتلك الأنوار متفاوتة في روح القرب وعلى حسب تفاوتها وسعة دوائرها تكون
رتبة التخصيص لما ظهر عنها، فنور الفضل باليمين ونور العدل باليد الأخرى والله سبحانه وتعالى
متعالٍ عن الجارحة. وعند البزار من حديث عائشة: فيتلقاها الرحمن بيده. (ثم يربيها لصاحبه)
وللكشميهني لصاحبها بمضاعفة الأجر أو المزيد في الكمية (كما يربي أحدكم فلوه) بفتح الفاء وضم
اللام وفتح الواو المشددة المهر حين يفطم وهو حينئذ يحتاج إلى تربية غير الأم، والذي في اليونينية:

٥٢٧
كتاب الزكاة/ باب ٩
فلوه بفتح الفاء وسكون اللام وفتح الواو (حتى تكون) بالمثناة الفوقية أي حتى تكون التمرة (مثل
الجبل) لتثقل في ميزانه أو المراد الثواب. وفي رواية القاسم عند الترمذي: حتى أن اللقمة لتصير مثل
أحد وضرب المثل بالمهر، لأنه يزيد زيادة بينة ولأن الصدقة نتاج العمل وأحوج ما يكون النتاج إلى
التربية إذا كان فطيمًا فإذا أحسن العناية به انتهى إلى حد الكمال، وكذلك الصدقة فإن العبد إذا
تصدق من كسب طيب لا يزال نظر الله إليها يكسبها نعت الكمال حتى تنتهي بالتضعيف إلى نصاب
تقع المناسبة بينه وبين ما قدّم نسبة ما بين التمرة إلى الجبل قاله في الفتح.
(تابعه) أي تابع عبدالرحمن (سليمان) بن بلال (عن ابن دينار) عبد الله وهذه المتابعة ذكرها
المصنف في التوحيد لكن بمخالفة يسيرة في اللفظ ووصلها أبو عوانة وغيره (وقال) مما وقع له
مذاكرة (ورقاء) بن عمر (عن ابن دينار) عبدالله (عن سعيدبن يسار) بالتحتية والمهملة المخففة (عن
أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ( 9). وقد خالف ورقاء عبدالرحمن بن سليمان فجعل شيخ ابن
دينار فيه سعيدبن يسار بدل أبي صالح. قال الحافظ ابن حجر: ولم أقف على رواية ورقاء هذه
موصولة. وقال العيني: وصلها البيهقي في سننه من رواية أبي النضر هاشم بن القاسم حدَّثنا ورقاء.
وقال الزين العراقي: رويناه في الجزء الرابع من فوائد أبي بكر الشافعي قال: حدّثنا محمد يعني ابن
غالب حدّثنا عبد الصمد حدَّثنا ورقاء. وقال الحافظ ابن حجر في كتاب التوحيد من فتحه وقد
ذكرت في الزكاة أني لم أقف على رواية ورقاء هذه المعلقة ثم وجدتها بعد ذلك عند كتابتي هنا فقد
وصلها البيهقي.
(ورواه) أي الحديث المذكور (مسلم بن أبي مريم) السلمي المدني مما وصله القاضي يوسف بن
يعقوب في كتاب الزكاة (وزيدبن أسلم وسهيل) مما وصله عنهما مسلم (عن أبي صالح عن أبي هريرة
رضي الله عنه عن النبي ◌َّ). ووقع في رواية أبي ذر بعد قوله في الترجمة ولا تقبل إلا من كسب
طيب لقوله قول معروف أي كلام حسن ورد جميل ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى والله غني عن
إنفاق كل منفق حليم لا يعجل العقوبة، باب فضل الصدقة من كسب، أي مكسوب، والمراد ما هو
أعم من تعاطي التكسب فيدخل الميراث وذكر الكسب لأنه الغالب في تحصيل المال طيب حلال لقوله
تعالى: ﴿ويربي الصدقات) وذكر بقية الآية والحديث كما سبق، وعزا الحافظ ابن حجر الباب
والترجمة للمستملي والكشميهني، وعلى هذا فتخلو ترجمة لا تقبل صدقة من غلول من حديث وتكون
كالتي قبلها في الاقتصار على الآية، ولكن تزيد عليها بالإشارة إلى لفظ الحديث الذي في الترجمة كما
وقع التنبيه عليه .
٩ - باب الصدَقةِ قبلَ الرَّدِّ
(باب الصدقة قبل الرد) ممن يريد المتصدق أن يتصدق عليه لاستغنائه بما تخرجه الأرض من
کنوزها.

٥٢٨
كتاب الزكاة/ باب ٩
١٤١١ - حدثنا آدَمُ حدَّثَنا شعبةُ حدَّثَنا مَعبدُبنُ خالدٍ قال سمعتُ حارثةَ بنَ وَهبٍ قال:
سمعتُ النبيَّ ◌َِّ يقول: «تَصدَّقوا، فإنه يأتي عليكم زمانٌ يَمشي الرجلُ بصدَقِتِهِ فلا يَجِدُ من يقبَلُها،
يقولُ الرجلُ: لو جئتَ بها بالأمسِ لَقبِلْتُها، فأمَّا اليومَ فلا حاجةَ لي بها)). [الحديث ١٤١١ - طرفاه
في: ١٤٢٤، ٧١٢٠].
وبه قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج قال: (حدّثنا معبدبن
خالد) بفتح الميم والموحدة بينهما عين مهملة ساكنة الجدلي بالجيم والدال المهملة المفتوحتين الكوفي
القاص بالقاف والصاد المهملة المشددة العابد (قال: سمعت حارثة بن وهب) بالحاء المهملة والمثلثة
ووهب بفتح الواو وسكون الهاء الخزاعي أخا عبدالله بن عمربن الخطاب لأمه رضي الله عنه (قال:
سمعت النبي ◌َّ يقول):
(تصدقوا فإنه يأتي عليكم زمان يمشي الرجل) فيه (بصدقته) جملة يمشي في محل رفع على أنها
صفة لزمان والعائد محذوف أي فيه (فلا يجد من يقبلها. يقول الرجل): الذي يريد المتصدق أن يعطيه
الصدقة (لو جئت بها بالأمس) حيث كنت محتاجًا إليها (لقبلتها. فأما اليوم فلا حاجة لي بها)
وللمستملي والحموي: فيها. وفي الحديث الحث على الصدقة والإسراع بها.
فإن قلت: إن الحديث خرج مخرج التهديد على تأخير الصدقة فما وجه التهديد فيه مع أن
الذي لا يجد من يقبل صدقته قد فعل ما في وسعه كما فعل الواجد لمن قبل صدقته؟ والجواب: أن
التهديد مصروف لمن أخرها عن مستحقها ومطله بها حتى استغنى ذلك الفقير المستحق فغنى الفقير لا
يخلص ذمة الغني المماطل في وقت الحاجة قاله ابن المنير.
وهذا الحديث من الرباعيات، ورواته عسقلاني وواسطي وكوفي، وفيه التحديث والسماع
والقول، وأخرجه المؤلف أيضًا في الفتن، ومسلم في الزكاة.
١٤١٢ - حدثنا أبو اليَمانِ أخبرَنا شُعيبٌ حدَّثَنا أبو الزّنادِ عن عبد الرحمنِ عن أبي هريرةَ
رضيَ اللهُ عنهُ قال: قال النبيُّ ◌َّهِ: ((لا تَقومُ الساعةُ حتى يَكثُرَ فيكُم المالُ، فيفيضَ، حتى يُهِمَّ ربَّ
المالِ مَن يَقبَلُ صدَقَتَهُ، وحتى يَعرِضَهُ فيقولُ الذي يَعرِضُهُ عليهِ: لا أَرَبَ لي)).
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة قال:
(حدّثنا أبو الزناد) ذكوان (عن عبدالرحمن) بن هرمز الأعرج (عن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال
النبي مواد) :
(لا تقوم الساعة حتى يكثر فيكم المال فيفيض) بفتح المثناة التحتية من فاض الإناء فيضًا إذا
امتلأ منصوب عطفًا على الفعل المنصوب (حتى يهم رب المال من يقبل صدقته) بضم الياء وكسر الهاء
من أهم والهم الحزن. رب نصب كذا في الفرع وغيره وضبطه الأكثرون على وجهين يهم بفتح أوله

٥٢٩
كتاب الزكاة/ باب ٩
وضم الهاء من الهم بفتح الهاء وهو ما يشغل القلب من أمر يهم به، ورب منصوب مفعول يهم،
ومن يقبل صدقته في محل رفع على الفاعلية وأسند الفعل إليه لأنه كان سببًا فيما حصل لصاحب المال
وبضم الياء وكسر الهاء من أهمه الأمر إذا أقلقه. قال العيني: فعلى هذا أيضًا الإعراب مثل الأول
أي في نصب رب على المفعولية لأن كلاً من مفتوح الياء ومضمومها متعد. يقال: همه الأمر وأهمه.
وقال النووي: ضبطوه بوجهين أشهرهما بضم أوّله وكسر الهاء ورب مفعول والفاعل من يقبل،
والمعنى أنه يقلق صاحب المال ويحزنه أمر من يأخذ منه زكاة ماله لفقد المحتاج لأخذ الزكاة لعموم
الغنى لجميع الناس، والثاني بفتح أوّله وضم الهاء من هم بمعنى قصد ورب فاعل ومن مفعول أي
يقصده فلا يجده انتهى. ففرقوا بينهما فجعلوا الأول متعديًا من الاهمام ورب مفعولاً والثاني من الهم
القصد ورب فاعلاً. وتعقب الزركشي والبرماوي وغيرهما الثاني فقالوا: هذا ليس بشيء إذ يصير
التقدير يقصد الرجل من يأخذ ماله فيستحيل وليس المعنى إلا على الأول. وأجاب البدر الدماميني:
بأنه لا استحالة أصلاً فإنهم قالوا المعنى أنه يقصد من يأخذ ماله فلا يجده، وإذا لم يجد الإنسان طلبته
التي هو حريص عليها فلا شك أنه يحزن ويقلق لفوات مقصوده فعاد هذا إلى المعنى الأول انتهى.
ولأبي ذر عن الكشميهني: حتى يهم رب المال من يقبله أي المال صدقة (وحتى يعرضه) بفتح
أوله (فيقول الذي يعرضه عليه:) بنصب يقول عطفًا على الفعل المنصوب قبله (لا أرب لي) بفتحات
أي لا حاجة لي لاستغنائي عنه. قال الزركشي والكرماني والبرماوي: كأنه سقط من الكتاب كلمة فيه
أي بعد قوله ((لا أرب لي)) قال العيني مشيرًا إلى الكرماني: السقط كأنه كان في نسخته وهو موجود
في النسخ انتهى.
والظاهر أن النسخ التي وقف عليها العيني ليست معتمدة فقد راجعت أصولاً معتمدة فلم
أجدها مع ما هو مفهوم كلام الحافظ ابن حجر أو منطوقه في شرحه لهذا الموضع حيث قال قوله لا
أرب لي: زاد في الفتن به فلو كانت ثابتة في الرواية هنا لما احتاج أن يقول زاد في الفتن به، بل قال
البدر الدماميني: إن رواة البخاري متفقون على رواية هذا الحديث بدون هذه اللفظة والمعنى عليها
في كلام المتكلم يقول: لا أرب لي بحذف الجار والمجرور لقيام القرينة انتهى.
وقول البرماوي كالكرماني وغيرهما وقد وجد ذلك في زمن الصحابة كان تعرض عليهم
الصدقة فيأبون قبولها يشيرون به إلى نحو حكيم بن حزام إذ دعاه الصديق رضي الله عنه ليعطيه عطاء
فأبى وعرض عليه عمربن الخطاب قسمه من الفيء فلم يقبله رواه الشيخان وغيرهما، ولكن هذا
إنما كان لزهدهم وإعراضهم عن الدنيا مع قلة المال وكثرة الاحتياج ولم يكن لفيض المال وحينئذ فلا
يستشهد به في هذا المقام.
١٤١٣ - حدثنا عبدُ اللَّهِ بنُ محمدٍ حدَّثنا أبو عاصمِ النبيلُ أخبرَنا سَعدانُ بنُ بِشرِ حدَّثَنا أبو
مجاهدٍ حدَّثَنا مُحِلّ بنُ خَليفةَ الطائي قال سمعتُ عَديٍّ بنَ حاتِمٍ رضيَ اللَّهُ عنهُ يقولُ «كنتُ عندَ
إرشاد الساري/ ج ٣/ م ٣٤

٥٣٠
كتاب الزكاة/ باب ٩
رسولِ اللَّهِوَ لِ﴾ فجاءَهُ رَجُلاَنٍ: أحدُهما يَشكو العَيلَة، والآخرُ يَشكو قطعَ السَّبِيلِ. فقال
رسولُ اللَّهِوَلَّهِ: أما قَطعُ السبيلِ فإنهُ لا يأتي عليكَ إلاَّ قليلٌ حتى تخرُجَ العِيرُ إلى مكةَ بغيرِ خَفِيرٍ .
وأمَّا العَيلةُ فإن الساعةَ لا تقومُ حتى يطوفَ أحدُكم بصدَقتِهِ لا يَجدُ من يقبلها منه. ثمَّ لَقِفِنَّ أحدُكم
بينَ يدَي اللَّهِ ليس بينهُ وبينهُ حِجابٌ ولا تَرجمانْ يُتَرجمُ لهُ، ثم ليَقُولَنَّ له: ألم أُوتِكَ مالاً؟
فَلَيقولنَّ: بَلى. ثمَّ لَيقولنَّ: ألم أُرسِلْ إليكَ رسولاً؟ فَلَيقولنَّ: بلى. فَيَنظُرُ عن يمينِهِ فلا يَرَى إلاَّ
النارَ، ثمَّ يَنظرُ عن شِمالِه فلا يَرى إلاّ النارَ. فَلْيتَّقِينَّ أحدُكمُ النارَ ولو بشِقْ تمرة، فإن لم يَجِدْ
فبكلمةٍ طيّبة)). [الحديث ١٤١٣ - أطرافه في: ١٤١٧، ٣٥٩٥، ٦٠٢٣، ٦٥٣٩، ٦٥٤٠، ٦٥٦٣،
٧٤٤٣، ٧٥١٢].
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن محمد) المسندي قال: (حدثنا أبو عاصم النبيل) قال: (أخبرنا
سعدان بن بشر) بكسر الموحدة وسكون الشين المعجمة الجهني قال: (حدّثنا أبو مجاهد) سعد الطائي
قال: (حدّثنا محل بن خليفة) بضم الميم وكسر الحاء المهملة وتشديد اللام (الطائي قال: سمعت
عدي بن حاتم) الطائي (رضي الله عنه) والده الجواد المشهور أسلم سنة تسع أو عشر وتوفي بعد
الستين وقد أسن، قيل: بلغ مائة وعشرين، وقيل مائة وثمانين (يقول: كنت عند رسول الله الي:
فجاءه رجلان) قال الحافظ ابن حجر: لم أعرفهما (أحدهما يشكو العيلة) بفتح العين أي الفقر
(والآخر يشكو قطع السبيل) أي الطريق من طائفة يترصدون في المكامن لأخذ مال أو لقتل أو
ارعاب مكابرة اعتمادًا على الشوكة مع البعد عن الغوث، (فقال رسول الله وَلا﴿):
(أما قطع السبيل فإنه لا يأتي عليك إلا قليل) بالرفع على البدل (حتى تخرج العير) بكسر العين
المهملة وسكون المثناة التحتية الإبل تحمل الميرة (إلى مكة بغير خفير) بفتح الخاء المعجمة وكسر الفاء
المجير الذي يكون القوم في خفارته وذمته (وأما العيلة فإن الساعة لا تقوم حتى يطوف أحدكم
بصدقته لا يجد من يقبلها منه) لاستغنائه عنها (ثم ليقفن أحدكم بين يدي الله) عز وجل (ليس بينه
وبينه حجاب) هذا على سبيل التمثيل وإلا فالباري سبحانه وتعالى لا يحيط به شيء ولا يحجبه
حجاب، وإنما يستر تعالى عن أبصارنا بما وضع فيها من الحجب للعجز عن الإدراك في الدنيا فإذا
كان يوم القيامة كشفها عن أبصارنا وقوّاها حتى نراه معاينة كما نرى القمر ليلة البدر (ولا ترجمان)
بفتح التاء وضمها وضم الجيم (يترجم له ثم ليقولن له: ألم أوتك مالاً؟) زاد أبو الوقت: وولدًا
(فليقولن: بلى. ثم ليقولن: ألم أرسل إليك رسولاً؟ فليقولن: بلى فينظر عن يمينه فلا يرى إلا النار
ثم ينظر عن شماله فلا يرى إلا النار فليتقين أحدكم) بسكون اللام، وزاد أبو ذر عن الكشميهني :
(النار)، وفي نسخة: (ولو بشق تمرة) بكسر الشين المعجمة بنصفها (فإن لم يجد) شيئًا يتصدق به على
المحتاج (فبكلمة طيبة) يردّه بها ويطيب قلبه ليكون ذلك سببًا لنجاته من النار.

٥٣١٠
كتاب الزكاة/ باب ١٠
وفي هذا الحديث التحديث والاخبار والسماع والقول، وأخرجه المؤلف أيضًا في علامات
النبوة والنسائي في الزكاة.
١٤١٤ - حدّثنا محمدُ بنُ العَلاءِ حدَّثَنا أبو أُسامةَ عن بُرَيدِ عن أبي بُردةً عن أبي موسى رضيَ
اللَّهُ عنهُ. عنِ النبيِّ ◌َّه قال: ((لَيأْتِيَنَّ على الناسِ زمانٌ يَطوفُ الرجُلُ فيهِ بالصدقةِ منَ الذَّهَبِ ثمَّ لا
يَجِدُ أحدًا يأخُذُها منه، ويُرَى الرجلُ الواحدُ يَتبعُهُ أربعونَ امرأةٌ يَلُذْنَ به، من قِلَّةِ الرجال وكثرةٍ
النساءِ)) .
وبه قال: (حدثنا) بالجمع ولأبي الوقت: حدّثني (محمدبن العلاء) بفتح العين والمد أبو كريب
قال: (حدّثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة الليثي (عن بريد) بضم الموحدة وفتح الراءبن عبدالله (عن)
جده (أبي بردة) بضم الباء وسكون الراء عامر أو الحرث بن أبي موسى (عن) أبيه (أبي موسى)
عبد الله بن قيس الأشعري (رضي الله عنه عن النبي ◌َّ- قال):
(ليأتين على الناس زمان) قيل هو زمان عيسى عليه الصلاة والسلام (يطوف الرجل فيه
بالصدقة من الذهب) خصه بالذكر مبالغة في عدم من يقبل الصدقة لأن الذهب أعز الأموال وأشرفها
فإذا لم يوجد من يأخذه فغيره بطريق الأولى والقصد عدم حصول القبول مع اجتماع ثلاثة أشياء :
طواف الرجل بصدقته، وعرضها على من يأخذها، وكونها من ذهب (ثم لا يجد أحدًا يأخذها منه
ويرى الرجل) بضم المثناة التحتية وفتح الراء مبنيًا للمفعول (الواحد) حال كونه (يتبعه أربعون امرأة
يلذن به) بضم اللام وسكون الذال المعجمة أي يلتجئن إليه (من قلة الرجال) بسبب كثرة الحروب
والقتال الواقع في آخر الزمان لقوله عليه الصلاة والسلام: يكثر الهرج (وكثرة النساء).
ورواة هذا الحديث كلهم كوفيون وأخرجه مسلم بسند البخاري.
١٠ - باب اتقوا النارَ ولو بشِقِّ تمرةٍ، والقليلِ منَ الصدَقة
﴿ومَثَلُ الذينَ يُنفقونَ أموالهم ابتغاءَ مَرضاةِ اللَّهِ وتثبيتًا من أنفُسِهم﴾ الآية - إلى قوله - ﴿ومن
كلِّ الثَّمرات﴾ .
هذا (باب) بالتنوين (اتقوا النار ولو بشق تمرة)، هذا لفظ الحديث.
(والقليل من الصدقة) بجر القليل عطفًا على سابقه من عطف العام على الخاص أي اتقوا النار
ولو بالقليل من الصدقة (﴿ومثل الذين ينفقون أموالهم﴾) شامل القليل والكثير (﴿ابتغاء مرضاة الله
وتثبيتًا من أنفسهم)) [البقرة: ٢٦٥] أي: وتثبيت بعض أنفسهم على الإيمان فإن المال شقيق الروح
فمن بذل ماله لوجه الله ثبت بعض نفسه، ومن بذل ماله وروحه ثبتها كلها أو تصديقًا وتيقنًا من
أصل أنفسهم أن الله سيجزيهم على ذلك، وفيه تنبيه على ذلك، وفيه تنبيه على أن حكمة الانفاق

٥٣٢
كتاب الزكاة/ باب ١٠
للمنفق تزكية النفس عن البخل وحب المال (الآية) أي إلى آخرها. ومعناها: أن مثل نفقة هؤلاء في
الزكاة كمثل جنة خبر المبتدأ الذي هو مثل الذين ينفقون كمثل بستان بموضع مرتفع من الأرض فإن
شجره يكون أحسن منظرًا وأزكى ثمرًا أصاب الجنة مطر عظيم القطر فأعطت ثمرتها ضعفين بالنسبة
إلى غيرها من البساتين فإن لم يصبها وابل فطل أي فيصيبها مطر صغير القطر أو فطل يكفيها لكرم
منبتها وبرودة هوائها لارتفاع مكانها يعني نفقاتهم زاكية عند الله وإن كانت متفاوتة بحسب أحوالهم
كما أن الجنة تثمر قل المطر أو كثر، (إلى قوله) تعالى: (﴿ومن كل الثمرات)) [الأعراف: ٥٧] ولأبي
ذر: ﴿ومثل الذين ينفقون أموالهم﴾ إلى قوله: ﴿فيها من كل الثمرات﴾ [محمد الر: ١٥] كأن
البخاري أتبع الآية الأولى التي ضربت مثلاً بالربوة بالآية الثانية التي تضمنت ضرب المثل لمن عمل
عملاً يفقده أحوج ما كان إليه للإشارة إلى اجتناب الرياء في الصدقة، ولأن قوله تعالى: ﴿والله بما
تعملون بصير﴾ [البقرة: ٢٦٥] يشعر بالوعيد بعد الوعد فأوضحه بذكر الآية الثانية، وكأن هذا هو
السر في اقتصاره على بعضها اختصارًا .
١٤١٥ - حدثنا عُبِيدُ اللَّهِ بنُ سعيدٍ حدَّثَنا أبو النُّعمانِ الحَكَمُ بنُ عبدِ اللَّهِ البَصريُّ حدَّثَنا
شُعبةُ عن اليمان عن أبي وائل عن أبي مسعودٍ رضيَ اللَّهُ عنه قال: ((لمَّا نَزَلتْ آيَةُ الصدَقةِ كنّا
نُحامِلُ، فجاءَ رجُلٌ فتصدَّق بشيء كثيرٍ، فقالوا: مُرَاءٍ. وجاءَ رجُلٌ فتصدَّقَ بصاع، فقالوا: إنَّ اللهَ
لغنِيٌّ عن صاعِ هذا. فنزَلَتْ ﴿الذينَ يَلْمَزونَ المطّوُعينَ منَ المؤمنينَ في الصدَّقاتِ، والذينَ لا
يَجِدونَ إلا جُهدَهم﴾ الآية)). [الحديث ١٤١٥ - أطرافه في: ١٤١٦، ٢٢٧٢، ٤٦٦٨، ٤٦٦٩].
وبالسند قال: (حدّثنا عبيدالله بن سعيد) بتصغير عبد وكسر عين سعيد بن يحيى اليشكري
قال: (حدّثنا أبو النعمان الحكم بن عبد الله) ولأبي ذر: هو الحكم بن عبد الله، ولابن عساكر: الحكم
هو ابن عبدالله (البصري) قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن سليمان) بن مهران الأعمش (عن أبي
وائل) بالهمز شقيق بن سلمة (عن أبي مسعود) عقبة بن عمروبن ثعلبة الأنصاري البدري مشهور
بكنيته، وجزم المؤلف بأنه شهد بدرًا واستخلف مرة على الكوفة وتوفي قبل سنة أربعين أو فيها،
وصحح في الإصابة أنه مات بعدها لأنه أدرك إمارة المغيرة على الكوفة. قال: وذلك بعد سنة أربعين
قطعًا (رضي الله عنه قال: لما نزلت آية الصدقة) هي قوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾
[التوبة: ١٠٣] (كنا نحامل)، بضم النون وبالحاء المهملة أي نحمل الحمل على ظهورنا بالأجرة. قال
الخطابي: يريد نتكلف الحمل لنكسب ما نتصدق به، (فجاء رجل) هو عبد الرحمن بن عوف (فتصدق
بشيء كثير)، نصف ماله ثمانية آلاف أو أربعة آلاف ذكره الواقدي، وقيل هو عاصم بن عدي وكان
تصدق بمائة وسق (فقالوا) أي المنافقون (مراءٍ، وجاء رجل) هو أبو عقيل بفتح العين الأنصاري
(فتصدق بصاع)، من تمر وكان قد آجر نفسه على النزع من البئر بالحبل على صاعين فترك صاعًا له
وجاء بالآخر (فقالوا) أي المنافقون (إن الله لغني عن صاع هذا فنزلت: ﴿الذين يلمزون﴾) يعيبون

٥٣٣
كتاب الزكاة/ باب ١٠
(﴿المطوعين﴾) أصله المتطوعين فأبدلت التاء طاء وأدغمت التاء في الطاء (﴿من المؤمنين في
الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم﴾ الآية) [التوبة: ٧٩] أي: طاقتهم مصدر جهد في الأمر إذا
بالغ فيه فيسخرون منهم سخر الله منهم جازاهم على سخريتهم ولهم عذاب أليم على كفرهم. وذكر
الخطيب في المتفق في ترجمة زيد بن أسلم من طريق مغازي الواقدي من اللامزين معتب بن قشير
وعبد الرحمن بن نبتل بنون ومثناة فوقية مفتوحتين بينهما موحدة ساكنة ثم لام.
وفي هذا الحديث التحديث والعنعنة والقول، ورواية تابعي عن تابعي عن صحابي، وأخرجه
المؤلف أيضًا في التفسير والزكاة، ومسلم والنسائي في الزكاة، وابن ماجة في الزهد.
١٤١٦ - هذثنا سعيدُ بنُ يَحيى حدَّثَنا أبي حدَّثَنا الأعمشُ عن شَقيقٍ عن أبي مسعودٍ
الأنصاريِّ رضيَ اللَّهُ عنه قال: ((كان رسولُ اللَّهِوَ ◌ّهِ إذا أمرَنا بالصدَقةِ انطلَقَ أحدُنا إلى السُّوقِ
فتحامَلَ، فيُصيبُ المُدَّ، وإنَّ لِبعضِهم اليومَ لمائةَ ألفٍ)).
وبه قال: (حدّثنا سعيدبن يحيى) البغدادي قال: (حدّثنا أبي) يحيى بن سعيد بن أبان قال:
(حدّثنا الأعمش) سلمان بن مهران (عن شقيق) أبي وائل بن سلمة (عن أبي مسعود الأنصاري رضي
الله عنه) أنه (قال: كان رسول الله ◌َ له إذا أمرنا بالصدقة انطلق أحدنا إلى السوق فيحامل) بضم المثناة
التحتية وكسر الميم وضم اللام فعلاً مضارعًا، ولغير أبي ذر: فتحامل بفتح المثناة الفوقية والميم واللام
فعلاً ماضيًا أي تكلف الحمل بالأجرة ليكسب ما يتصدق به (فيصيب المدّ) في مقابلة أجرته فيتصدق
به (وإن لبعضهم اليوم لمائة ألف) من الدراهم أو الدنانير أو الأمداد فلا يتصدق، واسم إن قوله لمائة
والجار والمجرور خبرها فصل بينهما بالظرف وهو متعلق بالظرف المستقر الذي هو الخبر أو بالعامل
فيه على الخلاف. وحكى الزركشي رفع لمائة وبيض لتوجيهه، ووجهه البرماوي بأن اسم أن ضمير
الشأن ولمائة مبتدأ خبره لبعضهم والجملة خبر إن أي نحو قوله: إن من أشد الناس عذابًا يوم القيامة
المصورون، لكن قال البدر الدماميني: يمنع منه اقتران المبتدأ بلام الابتداء وهي مانعة من تقدم الخبر
على المبتدأ المقرون بها ودعوى زيادتها ضعيف جدًا انتهى.
١٤١٧ - حدثنا سُليمانُ بنُ حَربٍ حدَّثَنَا شُعبةُ عن أبي إسحقَ قال سمعتُ عبدَ اللهِ بنَ مَعقِلٍ
قال: سمعتُ عَدِيَّ بنَ حاتِم رضيَ اللَّهُ عنهُ قال: سمعتُ رسولَ اللَّهِن ◌َّهِ يقولُ: ((اتَّقوا النارَ ولو بِشقٌّ
تَمرةٍ)).
وبه قال: (حدثنا سليمان بن حرب) الواشحي قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن أبي
إسحق) عمرو بن عبد الله السبيعي (قال: سمعت عبدالله بن معقل) بفتح الميم وسكون العين المهملة
وكسر القاف أبا الوليد المزني (قال: سمعت عدي بن حاتم) الطائي (رضي الله عنه قال: سمعت
رسول الله) ولأبي ذر: النبي (َ*يقول):

٥٣٤
كتاب الزكاة/ باب ١٠
(اتقوا النار ولو) كان الاتقاء (بشق تمرة) واحدة فإنه يفيد والشق بكسر الشين المعجمة أي
نصفها أو جانبها فلا يحقر الإنسان ما يتصدق به وإن كان يسيرًا فإنه يستر المتصدق به من النار.
١٤١٨ - حدثنا بِشرُبنُ محمدٍ قال أخبرنا عبدُ اللَّهِ أخبرَنا مَعْمَرٌ عنِ الزُّهري قال حدَّثَني
عبدُ اللَّهِ بنُ أبي بكرِبن حزم عن عُروةَ عن عائشةَ رضيَ اللَّهُ عنها قالت: ((دخَلَتِ امرأةٌ معَها ابنتانِ لها
تَسألُ، فلم تَجِدْ عندي شيئًا غيرَ تمرةٍ، فأعطيتُها إيَّاها، فَقَسَمَتْها بينَ ابنَتَيْها، ولم تأكُلْ منها، ثمَّ
قامتْ فخرَجَتْ. فَدَخَلَ النبيَُّ ﴿ علينا، فَأَخْبَرْتُهُ فقال: مَنِ ابْتُلِيَ من هذِهِ البَناتِ بشيءٍ كنَّ لهُ سِتْرًا
مِنَ النار)). [الحديث ١٤١٨ - طرفه فى: ٥٩٩٥].
وبه قال: (حدّثنا بشربن محمد) بكسر الموحدة وسكون المعجمة السجستاني المروزي (قال:
أخبرنا عبدالله) بن المبارك المروزي قال: (أخبرنا معمر) هو ابن راشد (عن) ابن شهاب (الزهري
قال: حدّثني) بالإفراد (عبدالله بن أبي بكربن حزم) بفتح الحاء المهملة وسكون الزاي المعجمة (عن
عروة) بن الزبير (عن عائشة رضي الله عنها قالت: دخلت امرأة) قال الحافظ ابن حجر: لم أعرف
اسمها ولا ابنتيها (معها ابنتان) كائنتان (لها) في موضع رفع صفة لابنتان حال كونها (تسأل) عطاء
(فلم تجد عندي شيئًا غير تمرة) واحدة (فأعطيتها إياها) لم تردّها خائبة وهي تجد شيئًا امتثالاً لقوله وال
لها: ((لا يرجع سائل من عندك ولو بشق تمرة)). رواه البزار من حديث أبي هريرة (فقسمتها) السائلة
(بين ابنتيها ولم تأكل منها) شيئًا لما جعل الله في قلوب الأمهات من الرحمة، (ثم قامت فخرجت
فدخل النبي ◌َّلقر علينا فأخبرته) بسكون الراء بشأن السائلة (فقال):
(من ابتلي) وفي رواية أبي ذر: فقال النبي ◌َلّ: من ابتلى (من هذه البنات) الإشارة إلى أمثال
من ذكر الفاقة أو إلى جنس البنات مطلقًا (بشيء) من أحوالهن أو من أنفسهن وسماه ابتلاء لموضع
الكراهة لهن (كن له سترًا) لم يقل أستارًا بالجمع لأن المراد الجنس المتناول القليل والكثير أي حجابًا
(من النار) ومناسبة الحديث للترجمة قال ابن المنير وتبعه كثير من الشراح من جهة أم البنتين لأنها لما
قسمت التمرة بينهما فقد تصدقت على كل واحدة بشق تمرة. وقال النبي صَلّر في حقها كلامًا عامًا
تندرج فيه حيث قال: ((من ابتلي من هذه البنات بشيء كن له سترًا من النار)) لكن تعقبه في المصابيح
بأن المؤلف لم يدخل تحت عهدة الاستدلال بهذا الحديث بعينه على أن الصدقة بشق التمرة تقي من
النار حتى يتكلف له مثل هذا فإنه عقد الباب للأمر باتقاء النار ولو بشق تمرة وللقليل من الصدقة
وقد وفى بالأمرين معًا. فحديث ابن معقل فيه اتقاء النار ولو بشق تمرة، وحديث عائشة رضي الله
عنها فيه الصدقة بالشيء القليل. كما أن في الأحاديث المتقدمة الإشارة إلى القليل من الصدقة فأي
حاجة بعد ذلك إلى التكلف، وليس في حديث عائشة أنه # تعرض إلى فعلته من قسم التمرة بين
البنتين، وإنما فيه الاخبار بأن الابتلاء بشيء من البنات سبب من الستر من النار على أن ما قاله

٥٣٥
كتاب الزكاة/ باب ١١
محتمل، ويحتمل أيضًا أن يكون حديث عائشة مشوقًا للأمرين معًا لقضية بالقليل وهو ما فعلته عائشة
من التصدق بالتمرة ولاتقاء النار ولو بشق تمرة وهو ما فعلته أم البنتين.
وفي هذا الحديث التحديث والاخبار والعنعنة والقول، وأخرجه أيضًا في الأدب وكذا مسلم،
وأخرجه أيضًا الترمذي في البر وقال: حسن صحيح.
١١ - باب أَيّ الصدَقَة أَفْضَل وصدَقةِ الشَّحيحِ الصحيحِ
لقوله: ﴿وأنفقوا مما رَزقْناكم مِن قبلٍ أن يأتيَ أحدَكُم الموتُ﴾ [المنافقون: ١٠] الآية.
وقوله: ﴿يا أيُّها الذين آمنوا أنفقوا مما رَزقْناكم من قبلٍ أنْ يأتيَ يومٌ لا بَيعٌ فيه﴾
[البقرة: ٢٥٤] الآية.
هذا (باب) بالتنوين (أي الصدقة) من الصدقات (أفضل) وأعظم أجرًا (وصدقة الشحيح) صفة
مشبهة من الشح وهو بخل مع حرص (الصحيح) الذي لم يعتره مرض مخوف ينقطع عنده أمله من
الحياة (لقوله) تعالى: ((وأنفقوا مما رزقناكم)) من بعض أموالكم ادخارًا للآخرة (﴿من قبل أن يأتي
أحدكم الموت﴾) [المنافقون: ١٠] أي يرى دلائله وفي بعض الأصول إلى خاتمتها بدل قوله الآية.
(وقوله) تعالى: (﴿يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم﴾) ما وجب عليكم إنفاقه أو الانفاق في سبيل
الخير مطلقًا (﴿من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه﴾) [البقرة: ٢٥٤] أي من قبل أن يأتي يوم لا تقدرون فيه
على تحصيل ما فرّطتم إذ لا بيع فيه فتحصلون ما تنفقون أو تفتدون به من العذاب ولا خلة حتى
تعينكم عليه أخلاؤكم ولا شفاعة إلا لمن أذن له الرحمن حتى تتكلوا على شفعاء تشفع لكم في حط
ما في ذمكم، فمناسبة الآية للترجمة كما نبه عليه ابن المنير من حيث إنَّ الآية معناها التحذير من
التسويف بالانفاق استبعادًا لحلول الأجل واشتغالاً بطول الأمل والترغيب في المبادرة بالصدقة قبل
هجوم المنية وفوات الأمنية. ووقع في رواية أبي ذر باب: فضل صدقة الشحيح الصحيح فأسقط
الجملة الأولى المسوقة بصيغة الاستفهام المؤذن بالتردد ثم إنه في رواية أبي ذر قدم آية البقرة على آية
المنافقون فقال لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا
خلة﴾ إلى ﴿الظالمون﴾ [البقرة: ٢٥٤] و﴿أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت﴾
[المنافقون: ١٠].
١٤١٩ - حدثنا موسى بنُ إسماعيلَ حدَّثَنا عبدُ الواحِد حدَّثَنا عمارةُ بنُ القَعْقاعِ حدَّثَنا أبو زُرعةَ
حدَّثَنا أبو هريرةَ رضيَ اللَّهُ عنه قال: ((جاءَ رجلٌ إلى النَّبِيِّ وَّ﴿ فقال: يا رسولَ اللَّهِ أُّ الصدقةِ
أعظمُ أجرًا؟ قال: أن تَصَّدَّقَ وأنتَ صَحيحٌ شَحيحٌ تَخشى الفقرَ وتأمُلُ الغِنى، ولا تُمهِلْ حتى إذا
بلغت الحُلْقومَ قلتَ: لفُلانٍ كذا ولفلانٍ كذا، وقد كان لفلان)). [الحديث ١٤١٩ - طرفه في:
٢٧٤٨].

٥٣٦
كتاب الزكاة/ باب ١١
وبالسند قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) المنقري قال: (حدّثنا عبد الواحد) بن زياد قال:
(حدّثنا عمارة بن القعقاع) بضم العين وتخفيف الميم والقعقاع بقافين مفتوحتين بينهما عين ساكنة آخره
عين مهملتين قال: (حدّثنا أبو زرعة) هرم قال: (حدّثنا أبو هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل)
قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسمه. قيل يحتمل أن يكون أبا ذر لأنه ورد في مسند أحمد أنه
سأل أي الصدقة أفضل وكذا عند الطبراني، لكنه أجيب جهد من مقل أو سر إلى فقير (إلى النبي ◌َل
فقال: يا رسول الله أي الصدقة أعظم أجرًا؟ قال): أعظم الصدقة:
(أن تصدق) بتخفيف الصاد وحذف إحدى التاءين أو بإبدال إحدى التاءين صادًا وإدغامها في
الصاد وهي في موضع رفع خبر المبتدأ المحذوف (وأنت صحيح) جملة اسمية حالية (شحيح) حال
كونك (تخشى الفقر وتأمل الغنى) بضم الميم أي تطمع في الغنى لمجاهدة النفس حينئذ على إخراج
المال مع قيام المانع وهو الشح إذ فيه دلالة على صحة القصد وقوة الرغبة في القربة (ولا تمهل) بالجزم
على النهي أو بالنصب عطفًا على أن تصدق أو بالرفع وهو الذي في اليونينية (حتى إذا بلغت) الروح
أي قاربت (الحلقوم) بضم الحاء المهملة مجرى النفس عند الغرغرة (قلت: لفلان كذا ولفلان كذا)،
كناية عن الموصى له والموصى به فيهما (وقد كان لفلان) أي وصار ما أوصى به للوارث فيبطله إن
شاء إذا زاد على الثلث أو أوصى به لوارث آخر. والمعنى تصدق في حال صحتك واختصاص المال
بك وشح نفسك بأن تقول لا تتلف مالك لئلا تصير فقيرًا لا في حال سقمك وسياق موتك لأن
المال حينئذ خرج منك وتعلق بغيرك.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الوصايا، ومسلم والنسائي في الزكاة.
- باب -
هذا (باب) بالتنوين من غير ترجمة فهو كالفصل من سابقه وهو ساقط في رواية أبي ذر
فالحديث عنده من الترجمة السابقة .
١٤٢٠ - حدثنا موسى بنُ إسماعيلَ حدَّثَنا أبو عَوانة عن فِراسٍ عنِ الشَّعْبيِّ عن مَسْروقٍ عن
عائشةَ رضيَ اللَّهُ عنها ((أنَّ بعضَ أزواج النبيِّوَ ◌ّ﴿ قلنَ للنبيِّ وَِّ: أَيُّنا أسرَعُ بكَ لحوقًا؟ قال:
أطوَلكُنَّ يدًا. فأخذوا قصبةً يَذرعونَها، فكانتْ سَودَةُ أطولهُنَّ يدًا. فعلِمنا بعدُ أنَّما كانتْ طولَ يدِها
الصَّدقةُ، وكانتْ أسرعَنا لحُوقًا به، وكانت تحبُّ الصدقةَ)).
وبالسند قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) المنقري قال: (حدّثنا أبو عوانة) الوضاح بن عبد الله
اليشكري (عن فراس) بكسر الفاء وتخفيف الراء آخره سين مهملة ابن يحيى الخارفي بالخاء المعجمة
والراء والفاء المكتب (عن الشعبي) عامربن شراحيل (عن مسروق) هو ابن الأجدع (عن عائشة رضي
الله عنها أن بعض أزواج النبي ◌َّ﴿ قلن) الضمير للبعض الغير المعين، لكن عند ابن حبان من طريق

٥٣٧
كتاب الزكاة/ باب ١١
يحيى بن حماد عن أبي عوانة بهذا الإسناد عن عائشة قالت فقلت: (للنبي ◌َ لر أينا أسرع بك لحوقًا)
نصب على التمييز أي يدركك بالموت. وأينا: بضم التحتية المشددة بغير علامة التأنيث لقول
سيبويه فيما نقله عنه الزمخشري في سورة لقمان أنها مثل كل في أن لحاق التاء لها غير فصيح وجملة
أينا أسرع مبتدأ وخبر (قال): عليه الصلاة والسلام:
(أطولكن) بالرفع خبر مبتدأ محذوف دل عليه السؤال أي أسرعكن لحوقًا بي أطولكن (يدًا)
نصب على التمييز وكان القياس أن يقول طولاكن بوزن فعلى لأن في مثله يجوز الإفراد والمطابقة لمن
أفعل التفضيل له (فأخذوا قصبة يذرعونها) بالذال المعجمة أي يقدّرونها بذراع كل واحدة كي يعلمن
أيهن أطول جارحة، والضمير في قوله: فأخذوا ويذرعون راجع لمعنى الجمع لا لفظ جماعة النساء
وإلا لقال: فأخذن قصبة يذرعنها أو عدل إليه تعظيمًا لشأنهن كقوله: وكانت من القانتين، وكقوله:
وإن شئت حرمت النساء سواكم
(فكانت سودة) بفتح السين بنت زمعة كما زاده ابن سعد (أطولهن يدًا) من طريق المساحة
(فعلمنا بعد) أي بعد أن تقرر كون سودة أطولهن يدًا بالمساحة (أنما) بفتح الهمزة لكونه في موضع
المفعول لعلمنا (كانت طول يدها الصدقة) اسم كان وطول يدها خبر مقدم أي علمنا أنه ◌ّلهلم يرد
باليد العضو وبالطول طولها بل أراد العطاء وكثرته، فاليد هنا استعارة للصدقة والطول ترشيح لها
لأنه ملائم للمستعار منه (وكانت أسرعنا لحوقًا به) عليه الصلاة والسلام، (وكانت تحب الصدقة)
واستشكل هذا بما ثبت من تقدم موت زينب وتأخر سودة بعدها. وأجاب ابن رشيد: بأن عائشة لا
تعني سودة بقولها فعلمنا بعد أي بعد أن أخبرت عن سودة بالطول الحقيقي ولم تذكر سببًا للرجوع
عن الحقيقة إلى المجاز إلا الموت فتعين الحمل على المجاز انتهى.
وحينئذٍ فالضمير في وكانت في الموضعين عائد على الزوجة التي عناها وَله بقوله: أطولكن يدًا
وإن كانت لم تذكر إذ هو متعين لقيام الدليل على أنها زينب بنت جحش كما في مسلم من طريق
عائشة بنت طلحة عن عائشة بلفظ: فكانت أطولنا يدًا زينب بنت جحش لأنها كانت تعمل وتصدّق
مع اتفاقهم على أنها أولهن موتًا، فتعين أن تكون هي المرادة وهذا من إضمار ما لا يصلح غيره
كقوله تعالى: ﴿حتى توارت بالحجاب﴾ [ص: ٣٢] وعلى هذا فلم تكن سودة مرادة قطعًا وليس
الضمير عائدًا عليها، لكن يعكر على هذا ما وقع من التصريح بسودة عند المؤلف في تاريخه الصغير
عن موسى بن إسماعيل بهذا السند بلفظ: فكانت سودة أسرعنا، وقول بعضهم: إنه يجمع بين
روايتي البخاري ومسلم بأن زينب لم تكن حاضرة خطابه عليه الصلاة والسلام بذلك، فالأوّلية
السودة باعتبار من حضر إذ ذاك معارض بما رواه ابن حبان من رواية يحيى بن حماد أن نساء النبي وَل
اجتمعن عنده فلم يغادر منهن واحدة. وأجاب الحافظ ابن حجر بأنه يمكن أن يكون تفسيره بسودة
من أبي عوانة لكون غيرها لم يتقدم له ذكر لأن ابن عيينة عن فراس قد خالفه في ذلك.

٥٣٨
کتاب الزكاة/ باب ١٢ و ١٣
وروى يونس بن بكير في زيادة المغازي والبيهقي في الدلائل بإسناده عنه عن زكريا بن أبي
زائدة عن الشعبي التصريح بأن ذلك لزينب، لكن قصر زكريا في إسناده فلم يذكر مسروقًا ولا
عائشة ولفظه: فلما توفيت زينب علمن أنها كانت أطولهن يدًا في الخير والصدقة ويؤيده ما رواه
الحاكم في المناقب من مستدركه ولفظه قالت عائشة فكنا إذا اجتمعنا في بيت احدانا بعد وفاة
النبي و ﴿ نمد أيدينا في الجدار نتطاول فلم نزل نفعل ذلك حتى توفيت زينب بنت جحش وكانت
امرأة قصيرة ولم تكن أطولنا فعرفنا حينئذٍ أن النبي ◌َ ﴿ إنما أراد بطول اليد الصدقة، وكانت زينب
امرأة صناعة باليد تدبغ وتخرز وتتصدق في سبيل الله. قال الحاكم على شرط مسلم وهي رواية
مفسرة مبينة مرجحة لرواية عائشة بنت طلحة في أمر زينب.
وروى ابن أبي خيثمة من طريق القاسم بن معن قال: كانت زينب أول نساء النبيِوَلّ لحوقًا به
فهذه روايات يعضد بعضها بعضًا ويحصل من مجموعها أن في رواية أبي عوانة وهما.
١٢ - باب صدقة العلانية
وقوله عزَّ وجلَّ: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أموالَهم بالليلِ والنَّهارِ سِرًّا وعَلانيةً -إلى قولِه- ولا هم
يَحْزَنون﴾ [البقرة: ٢٧٤].
(باب صدقة العلانية وقوله عز وجل) بالجر عطفًا على سابقه (﴿الذين ينفقون أموالهم بالليل
والنهار سرًا وعلانية﴾ إلى قوله: ﴿ولا هم يحزنون)) [البقرة: ٢٧٤] أي يعمرون الأوقات والأحوال
بالخيرات.
وروى عبد الرزاق بسند فيه ضعف أنها نزلت في علي بن أبي طالب كان عنده أربعة دراهم
فأنفق بالليل واحدًا وبالنهار واحدًا وفي السر واحدًا وفي العلانية واحدًا. وأخرج ابن أبي حاتم من
حديث أبي أمامة أنها نزلت في الخيل التي يربطونها في سبيل الله ولم يذكر حديثًا وكأنه لم ير فيه شيئًا
على شرطه، وسقطت هذه الترجمة للمستملي.
١٣ - باب صدقة السِّرِّ
وقال أبو هريرةَ رضيَ اللَّهُ عنهُ عنِ النبيِّ وَّهِ: ((ورجُلٌ تَصدَّقَ بصدقةٍ فأخفاها حتى لا تعلمَ
شِمالُه ما صَّنَعتُ يَمِينِهُ)). وقوله: ﴿إِنْ تبدُوا الصدَقَات فَنِعمَّا هِي وإنْ تُخْفوها وتُؤْتوها الفُقراءَ فهو
خَيرٌ لكم﴾ [البقرة: ٢٧١] الآية.
(باب صدقة السر. وقال أبو هريرة رضي الله عنه) مما وصله المؤلف من حديث في باب: من
جلس في المسجد ينتظر الصلاة (عن النبي (وَلاغير):

٥٣٩
كتاب الزكاة/ باب ١٤
(ورجل) الواو حكاية لعطفه على ما ذكر قبله في الحديث (تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم
شماله ما صنعت) وللكشميهني ما تنفق (يمينه) وهذا كما قاله ابن بطال مثال ضربه عليه الصلاة
والسلام في المبالغة في الاستتار بالصدقة لقرب الشمال من اليمين، وإنما أراد أن لو قدر أن لا يعلم
من يكون على شماله من الناس نحو: ﴿واسأل القرية﴾ [يوسف: ٨٢] لأن الشمال لا توصف بالعلم
فهو من مجاز الحذف وألطف منه ما قاله ابن المنير أن يراد لو أمكن أن يخفي صدقته عن نفسه لفعل
فكيف لا يخفيها عن غيره؟ والإخفاء عن النفس يمكن باعتبار وهو أن يتغافل المتصدق عن الصدقة
ويتناساها حتى ينساها وهذا ممدوح الكرام شرعًا وعرفًا.
(وقوله) عز وجل: (﴿إن تبدوا الصدقات فنعما هي﴾) فنعم شيئًا إبداؤها (﴿وإن تخفوها
وتؤتوها الفقراء﴾) أي تعطوها مع الإخفاء (﴿فهو خير لكم)) [البقرة: ٢٧١] فالإخفاء خير لكم وهذا
في التطوع ولمن لم يعرف بالمال فإن إبداء الفرض لغيره أفضل لنفي التهم، ولغير أبي ذر: وقال الله
تعالى: ﴿وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم﴾ ولم يذكر هنا حديثًا إلا المعلق فقط.
وروى ابن أبي حاتم عن الشعبي في قوله تعالى: ﴿إن تبدوا الصدقات فنعما هي﴾
[البقرة: ٢٧١] نزلت في أبي بكر وعمر رضي الله عنهما. أما عمر فجاء بنصف ماله حتى دفعه إلى
النبي ◌َِّ فقال له النبي ◌َّر: ((ما خلفت وراءك لأهلك يا عمر؟)) قال: خلفت لهم نصف مالي، وأما
أبو بكر فجاء بماله كله فكاد أن يخفيه من نفسه حتى دفعه إلى النبي و لا فقال له النبي ◌َّر: ما خلفت
وراءك يا أبا بكر؟)) فقال: عدة الله وعدة رسوله فبكى عمر وقال: بأبي أنت يا أبا بكر والله ما سبقنا
إلى باب خير قط إلا كنت سابقنا.
١٤ - باب إذا تَصدَّقَ على غَنِيٌّ وهوَ لا يَعلمُ
هذا (باب) بالتنوين (إذا تصدق) رجل (على) آخر (غني وهو) أي والحال أنه (لا يعلم) أنه
غني فصدقته مقبولة، وسقط لفظ باب في رواية أبي ذر وقال عقب قوله في السابق ﴿فهو خير
لكم﴾ الآية وإذا تصدق بواو العطف.
١٤٢١ - حدثنا أبو اليمانِ أخبرَنا شُعيبٌ حدَّثَنا أبو الزنادِ عن الأعرجِ عن أبي هريرةَ رضيَ
اللَّهُ عنه أنَّ رسولَ اللَّهِنَ ◌ِّ قال: ((قال رَجُلٌ لأَتَصدَّقنَّ بصدَقَةٍ. فخرَجَ بصدقتِهِ فوضَعَها في يدِ سارقٍ،
فأصبحوا يتحدَّثونَ: تُصُدِّقَ على سارقٍ. فقال: اللهمَّ لكَ الحمدُ، لأتصدَّقنَّ بصدقةٍ. فخرجٌ
بصدَقتِهِ فوضَعَها في يدِ زانيةٍ، فأصبحوا يتحدَّثون: تُصُدِّقَ الليلةَ على زانيةٍ. فقال: اللهمَّ لكَ
الحمدُ، على زانيةٍ، لأتصدَّقنَّ بصدقةٍ. فخرجَ بصدقتِهِ فوضعها في يَدِ غَنِيّ، فأصبحوا يتحدَّثون:
تُصدّقَ على غنيّ. فقال: اللهمَّ لكَ الحمدُ، على سارقٍ، وعلى زانيةٍ، وعلى غنيٍّ، فأُتِيَ فقيلَ له:

٥٤٠
كتاب الزكاة/ باب ١٤
أما صدَقتُكَ على سارقٍ فلعلَّهُ أن يستَعِفَّ عن سرِقتِهِ، وأما الزانيةُ فلعلَّها أن تستعِفَّ عن زِناها، وأما
الغنيُّ فلعلَّهُ أن يعتبِرَ، فيُنفِقُ مما أعطاهُ اللَّه)).
وبالسند قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة قال:
(حدّثنا أبو الزناد) ذكوان السمان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة رضي الله عنه أن
رسول الله صَ ل﴿ قال):
(قال رجل) من بني إسرائيل كما عند أحمد من طريق ابن لهيعة عن الأعرج (لأتصدقن
بصدقة) هو من باب الالتزام كالنذر مثلاً والقسم فيه مقدر كأنه قال والله لأتصدقن، وزاد في رواية
أبي عوانة عن أبي أمية عن أبي اليمان بهذا الإسناد الليلة وكررها في المواضع الثلاثة: وكذا مسلم من
طريق موسى بن عقبة، وبذلك تحصل المطابقة بين الحديث وترجمته بصدقة السر على رواية أبي ذر، إذ
لو كانت جهرًا لما خفي عليه حال الغني لأنه في الغالب لا يخفى بخلاف الآخرين (فخرج بصدقته)
ليضعها في يد مستحق (فوضعها في يد سارق) وهو لا يعلم أنه سارق (فأصبحوا) أي القوم الذين
فيهم هذا المتصدق (يتحدثون) في موضع نصب خبر أصبح (تصدق) أي الليلة (على سارق) بضم
التاء والصاد مبنيًّا للمفعول اخبار بمعنى التعجب أو الإنكار ولابن لهيعة على فلان السارق (فقال):
المتصدق (اللهم لك الحمد)، على تصدقي على سارق حيث كان ذلك بإرادتك لا بإرادتي، فإن
إرادتك كلها جميلة ولا يحمد على المكروه سواك وقدّم على المبتدأ في قوله: لك الحمد للاختصاص
(لأتصدقن) الليلة (بصدقة) على مستحق (فخرج بصدقته) ليضعها في يد مستحق (فوضعها في يد)
امرأة (زانية فأصبحوا) أي بنو إسرائيل (يتحدثون تصدق) مبنيًا للمفعول (الليلة على) امرأة (زانية
فقال): المتصدق: (اللهم لك الحمد) على تصدقي (على) امرأة (زانية) حيث كان بإرادتك (لأتصدقن)
الليلة (بصدقة فخرج بصدقته فوضعها في يد غنيّ فأصبحوا يتحدثون: تصدق) الليلة (على غني
فقال: اللهم لك الحمد على سارق وعلى زانية وعلى غني) زاد الطبراني: فساءه ذلك (فأتي) في
منامه (فقيل له: أما صدقتك) زاد أبو أمية: فقد قبلت فأما (على سارق فلعله أن يستعف عن سرقته،
وأما الزانية فلعلها أن تستعف عن زناها) بالقصر كذا في الفرع وغيره. وقال ابن التين: رويناه بالمد،
وعند أبي ذر بالقصر. قال الجوهري: بالقصر لأهل الحجاز، قال تعالى: ﴿ولا تقربوا الزنا﴾
[الإسراء: ٣٢] والمد لأهل نجد. قال الفرزدق:
أبا حاضر من يزن يعرف زناؤه ومن يشرب الخرطوم يصبح مسكرا
(وأما الغني فلعله يعتبر، فينفق) بالرفع فيهما، ولأبي ذر: أن يعتبر فينفق (مما أعطاه الله) وفيه :
أن الصدقة كانت عندهم مختصة بأهل الحاجات من أهل الخير، ولهذا تعجبوا من الصدقة على هؤلاء
وأن نية المتصدق إذا كانت صالحة قبلت صدقته ولو لم تقع الموقع واستحباب إعادة الصدقة إذا لم تقع
الموقع وهذا في صدقة التطوّع، أما الواجبة، فلا تجزىء على غني وإن ظنه فقيرًا خلافًا لأبي حنيفة
ومحمد حيث قالا تسقط ولا تجب عليه الإعادة.