Indexed OCR Text
Pages 481-500
٤٨١ كتاب الجنائز/ باب ٩٠ العودين (على قبر) منهما (ثم قال لعله يخفف عنهما) العذاب، وفاء يخفف الأولى مفتوحة (ما لم بيبسا) أي مدة دوامهما إلى زمن يبسهما. وليس للغيبة التي هي أحد جزأي الترجمة ذكر في الحديث. فقيل: لأنهما متلازمان، لأن النميمة مشتملة على نقل كلام المغتاب الذي اغتابه. والحديث عن المنقول عنه بما لا يريده. وعورض بأنه لا يلزم من الوعيد على النميمة ثبوته على الغيبة وحدها، لأن مفسدة النميمة أعظم، فإذا لم تساوها لم يصح الإلحاق، إذ لا يلزم من التعذيب على الأشد التعذيب على الأخف. وأجيب: بأنه لا يلزم من الإلحاق وجود المساواة، والوعيد على الغيبة التي تضمنتها النميمة موجود، فيصح الإلحاق بهذا الوجه. وقد وقع في بعض طرق هذا الحديث بلفظ: الغيبة، فلعل المصنف جرى على عادته في الإشارة في الترجمة إلى ما ورد في بعض طرق الحديث. ٩٠ - باب الميّتِ يُعرَضُ عليهِ مَقْعَدُهُ بالغَداةِ والعَشِيِّ (باب الميت) بإضافة باب لتاليه، ولأبي ذر: باب، بالتنوين، الميت (يعرض عليه بالغداة) ولأبوي ذر، والوقت؛ مقعده بالغداة (والعشي) أي: وقتهما. لأن الموتى لا صباح عندهم ولا مساء . ١٣٧٩ - حقثنا إسماعيلُ قال حدَّثَني مالكٌ عن نافعٍ عن عبدِ اللَّهِبنِ عُمرَ رضيَ اللَّهُ عنهما أنَّ رسولَ اللَّهِوَلَه قال: ((إنَّ أحدكم إذا ماتَ عُرِضَ عليهِ مَفْعَدُهُ بالغَداةِ والعَشيِّ، إن كان مِن أهلِ الجنَّةِ فمن أهلِ الجنةِ، وإن كان مِن أهلِ النارِ، فيُقالُ: هذا مَقعَدُكَ حتى يبعثَكَ اللَّهُ يومَ القِيامَةِ)). [الحديث ١٣٧٩ - طرفاه في: ٣٢٤٠، ٦٥١٥]. وبالسند قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس (قال: حدّثني) بالإفراد (مالك) الإمام (عن نافع) مولى ابن عمر (عن عبد الله بن عمر) بن الخطاب (رضي الله عنهما، أن رسول الله، وَ لخير، قال): (إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي) أي: فيهما، ويحتمل أن يحيا منه جزء ليدرك ذلك، وتصح مخاطبته والعرض عليه أو العرض على الروح فقط، لكن ظاهر الحديث الأول؛ وهل العرض مرة واحدة بالغداة، ومرة أخرى بالعشي فقط؟ أو كل غداة وكل عشي؟ والأول موافق للأحاديث السابقة في سياق المسألة، وعرض المقعدين على كل واحد، (إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة) ظاهره اتحاد الشرط والجزاء، لكنهما متغايران في التقدير، ويحتمل، أن يكون تقديره: فمن مقاعد أهل الجنة. أي: فالمعروض عليه من مقاعد أهل الجنة، فحذف المبتدأ والمضاف المجرور بمن، وأقيم المضاف إليه مقامه. وفي رواية مسلم، بلفظ: إن كان من أهل الجنة فالجنة، وإن كان إرشاد الساري/ ج ٣/ م ٣١ ٤٨٢ كتاب الجنائز/ باب ٩١ من أهل النار فالنار. تقديره: فالمعروض الجنة أو المعروض النار، فاقتصر فيها على حذف المبتدأ، فهي أهل حذفًا. أو المعنى: فإن كان من أهل الجنة فسيبشر بما لا يدرك كنهه، ويفوز بما لا يقدر قدره (وإن كان من أهل النار) زاد أبو ذر: فمن أهل النار. أي: فمقعده من مقاعد أهلها، يعرض عليه، أو: يعلم، بالعكس مما يبشر به أهل الجنة، لأن هذه المنزلة طليعة تباشير السعادة الكبرى، ومقدمة تباريح الشقاوة العظمى، لأن الشرط والجزاء إذا اتحدا، دل الجزاء على الفخامة، وفي ذلك تنعيم لمن هو من أهل الجنة، وتعذيب لمن هو من أهل النار، بمعاينة ما أعد له، وانتظاره ذلك إلى اليوم الموعود (فيقال) له: (هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة) ولمسلم: حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة. بزيادة لفظة: إليه، لكن حكى ابن عبدالبر، أن الأكثرين من أصحاب مالك رووه كالبخاري وابن القاسم، كرواية مسلم. نعم، روى النسائي رواية ابن القاسم كلفظ البخاري، واختلف في الضمير: هل يعود على المقعد أي: هذا مقعدك تستقر فيه حتى تبعث إلى مثله من الجنة أو النار؟ ولمسلم، من طريق الزهري، عن سالم، عن أبيه، ثم يقال: هذا مقعدك الذي تبعث إليه يوم القيامة: أو الضمير يرجع إلى الله تعالى، أي: إلى لقاء الله تعالى، أو إلى المحشر أي: هذا الآن مقعدك إلى يوم المحشر، فيرى عند ذلك كرامة أو هوانًا ينسى عنده هذا المقعد، كقوله تعالى: ﴿وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين﴾ [ص: ٧٨] قال الزمخشري، أي إنك مذموم مدعوّ عليك باللعنة في السموات والأرض إلى يوم الدين، فإذا جاء ذلك اليوم عذبت بما تنسى اللعن منه. وهذا الحديث أخرجه مسلم في: صفة النار، والنسائي في: الجنائز. ٩١ - باب كلام الميّتِ على الجَنازةِ (باب كلام الميت) بعد حمله (على الجنازة) أي: النعش. ١٣٨٠ - حدثنا قُتَبةُ حدَّثَنَا اللّيثُ عن سعيدِ بنِ أبي سعيدٍ عن أبيهِ أنه سمِعَ أبا سعيدِ الخُدريِّ رضيَ اللهُ عنه يقولُ: قال رسولُ اللَّهِ وَّهِ: ((إذا وُضِعَتِ الجنازةُ فاحتملَها الرجالُ على أعناقِهم، فإن كانت صالحةً قالت قَدْموني، قدِّموني. وإن كانت غير صالحةٍ قالت: يا وَيلها، أينَ يَذهبونَ بها؟ يَسمِعُ صَوتَها كلُّ شيءٍ إلّ الإنسانَ، ولو سَمِعَها الإنسانُ لصَعِقَ)). وبالسند قال: (حدثنا قتيبة) بن سعيد قال: (حدثنا الليث) بن سعد الإمام (عن سعيدبن أبي سعيد) بكسر العين فيهما (عن أبيه) أبي سعيد (أنه سمع أبا سعيد الخدري، رضي الله عنه. يقول: قال رسول الله (للټ): (إذا وضعت الجنازة فاحتملها الرجال على أعناقهم، فإن كانت) أي الجنازة (صالحة قالت: قدّموني قدّموني) مرتين (وإن كانت غير صالحة قالت: يا ويلها! أين يذهبون بها؟) بالمثناة التحتية في: ٤٨٣ كتاب الجنائز/ باب ٩٢ يذهبون، وأضاف الويل إلى ضمير الغائب حملاً على المعنى، وعدل عن حكاية قول الجنازة: يا ويلي، كراهية أن يضيف الويل إلى نفسه. ومعنى النداء فيه: يا حزني، يا هلاكي، يا عذابي احضر فهذا وقتك وأوانك. وكل من وقع في هلكة دعا بالويل، وأسند الفعل إلى الجنازة، وأراد الميت، والكلام كما قال ابن بطال: من الروح، وروي مرفوعًا: إن الميت ليعرف من يحمله، ومن يغسله ومن يدليه في قبره، وعن مجاهد: إذا مات الميت فما من شيء إلا وهو يراه عند غسله، وعند حمله، حتى يصير إلى قبره (يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعها الإنسان لصعق) أي: لمات. ومناسبة هذه الترجمة لسابقتها من جهة عرض مقعد الميت عليه، فكأن ابتداءه يكون عند حمل الجنازة، لأنه حينئذٍ يظهر للميت ما يؤول إليه حاله، فعند ذلك يقول: قدّموني قدموني، أو: يا ويلها أين يذهبون بها؟ ٩٢ - باب ما قيلَ في أولادِ المسلمين قال أبو هريرة رضي اللَّهُ عنهُ عنِ النّبِيِّ ◌َّهِ: ((مَن ماتَ لهُ ثلاثةٌ منَ الولَدِ لم يَبلغوا الحِنثَ كانَ لهُ حجابًا منَ النارِ أو دخل الجنة)). (باب ما قيل في أولاد المسلمين) غير البالغين (قال) ولأبوي: ذر، والوقت: وقال (أبو هريرة، رضي الله عنه، عن النبي ◌َِّ﴾): (من مات له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث كان له حجابًا من النار) كان بالإفراد، واسمها ضمير يعود على الموت المفهوم مما سبق، أي: كان موتهم له حجابًا، ولأبي ذر، عن الكشميهني: كانوا له حجابًا من النار (أو دخل الجنة). وإذا كانوا سببًا في حجب النار عن الأبوين ودخولهما الجنة، فأولى أن يحجبوا هم عنها، ويدخلوا الجنة. فذلك معلوم من فحوى الخطاب. وهذا الحديث قال الحافظ ابن حجر: لم أره موصولاً من حديث أبي هريرة على هذا الوجه، لكن عند أحمد عنه مرفوعًا: «ما من مسلمَین یموت لهما ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث إلا أدخلهما )الله وإياهم، بفضل رحمته، الجنة. ولمسلم عنه أيضًا: أن النبي ◌َّل﴿ قال لامرأة: دفنت ثلاثة من الولد؟ قالت: نعم. قال: لقد احتظرت بحظار شدید من النار. ١٣٨١ - حدثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ حدَّثَنَا ابنُ عُليَّةَ حدَّثَنَا عبدُ العزيزبنُ صُهَيبٍ عن أنسٍ بنِ مالكٍ رضيَ اللهُ عنه قال: قال رسولُ اللَّهِ وَله: ((ما مِنَ الناسِ مُسلمٌ يَموتُ له ثلاثةٌ لم يَبلُغوا الحِنثَ إلاَّ أدخَلَهُ اللَّهُ الجنةَ بفضلٍ رَحمتِه إيّاهم». وبالسند قال: (حدّثنا يعقوب بن إبراهيم) بن كثير الدورقي، قال: (حدّثنا ابن علية) بضم العين المهملة وفتح اللام وتشديد المثناة التحتية، إسماعيل بن إبراهيم البصري، وعلية أمه، قال: (حدّثنا عبد العزيزبن صهيب، عن أنس بن مالك، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله، وَ لي تر): ٤٨٤ كتاب الجنائز/ باب ٩٢ (ما من الناس مسلم يموت له ثلاثة لم) ولغير أبي ذر، وابن عساكر: ثلاثة من الولد لم (يبلغوا الحنث، إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم). استدل بتعليله عليه الصلاة والسلام، دخول الآباء الجنة برحمته الأولاد، وشفاعتهم في آبائهم، على أولاد المسلمين في الجنة. وبه قطع الجمهور، وشذت الجبرية، فجعلوهم تحت المشيئة، وهذه السنة تردّ عليهم، وأجمع عليه من يعتدّ به. وروى عبد الله ابن الإمام أحمد في زيادات المسند، عن عليّ، مرفوعًا: إن المسلمين وأولادهم في الجنة، وإن المشركين وأولادهم في النار. ثم قرأ ﴿والذين آمنوا وأتبعناهم ذرياتهم بإيمان﴾ [الطور: ٢١] الآية. وهذا أصح ما ورد في تفسير هذه الآية، وبه جزم ابن عباس. ويستحيل أن یکون الله تعالی یغفر لآبائهم بفضل رحمته إياهم وهم غير مرحومین. وأما حديث عائشة، رضي الله عنها، عند مسلم: توفي صبي من الأنصار، فقلت: طوبى له عصفور من عصافير الجنة، لم يعمل السوء، ولم يدركه. فقال النبي ◌َّلر أو غير ذلك يا عائشة، إن الله تعالى خلق للجنة أهلاً خلقهم لها، وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلاً خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم. فالجواب عنه من وجهین. أحدهما: أنه لعله نهاها عن المسارعة إلى القطع من غير أن يكون عندها دليل قاطع على ذلك، كما أنكر على سعدبن أبي وقاص في قوله: إني لأراه مؤمنًا. فقال: أو مسلمًا ... الحديث. الثاني: أنه، عليه الصلاة والسلام، لعله لم يكن حينئذٍ اطلع على أنهم في الجنة، ثم أعلم بعد ذلك. ومحل الخلاف في غير أولاد الأنبياء، أما أولاد الأنبياء، فقال المازري: الإجماع متحقق على أنهم في الجنة. ١٣٨٢ - حدثنا أبو الوَليدِ حدَّثَنَا شُعْبَةُ عن عَدِيُّ بنِ ثابتٍ أَنْهُ سمِعَ البَراءَ رضيَ اللَّهُ عنهُ قال: لمّا تُوُفِّيَ إبراهيم عليهِ السلامُ قال رسولُ اللَّهِ وَّهِ: ((إنَّ لهُ مُرضِعًا في الجنة)). [الحديث ١٣٨٢- طرفاه في: ٣٢٥٥، ٦١٩٥]. وبه قال: (حدّثنا أبو الوليد) هشام بن عبدالملك الطيالسي، قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن عدي بن ثابت) الأنصاري الكوفي التابعي، المشهور. وثقه أحمد، والنسائي، والعجلي، والدارقطني إلا أنه كان يغلو في التشيع، لكن احتج به الجماعة، ولم يخرج له في الصحيح شيئًا مما يقوي بدعته (أنه سمع البراء) بن عازب (رضي الله عنه، قال): (لما توفي إبراهيم) ابن رسول الله وَلّ (عليه السلام، قال رسول الله ◌َّيقول: إن له مرضعًا في الجنة) بضم الميم، أي: من يتم رضاعه، وعند الإسماعيلي مرضعًا ترضعه في الجنة. قال الخطابي: روي بفتح الميم مصدرًا، أي: رضاعًا، وتحذف الهاء من مرضع إذا كان من شأنها ذلك، وتثبت إذا کان بمعنی تجدد فعلها . ٤٨٥ كتاب الجنائز/ باب ٩٣ وفي مسند الفريابي: أن خديجة، رضي الله عنها، دخل عليها رسول الله وَل، بعد موت القاسم، وهي تبكي، فقالت: يا رسول الله، درت لبينة القاسم، فلو كان عاش حتى يستكمل الرضاعة لهوّن علّ؟ فقال: إن له مرضعًا في الجنة يستكمل رضاعته، فقالت: لو أعلم ذلك لهوّن علي، فقال: إن شئت أسمعتك صوته في الجنة. فقالت: بل أصدّق الله ورسوله. قال السهيلي: وهذا من فقهها، رضي الله عنها، كرهت أن تؤمن بهذا الأمر معاينة، فلا يكون لها أجر الإيمان بالغيب، نقله في المصابيح. ٩٣ - باب ما قيل في أولادِ المشركينَ (باب ما قيل في أولاد المشركين) غير البالغين . ١٣٨٣ - حدّثنا حِبَّنُ أخبرنا عبدُ اللَّهِ أخبرنا شعبةُ عن أبي بِشرِ عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ عن ابنِ عبّاسٍ رضيَ اللَّهُ عنهم قال: ((سُئِلَ رسولُ اللَّهِ وَ لِّ عن أولادِ المشركينَ، فقال: اللَّهُ إذ خلَقَهم أعلمُ بما كانوا عاملينَ)). [الحديث ١٣٨٣ - طرفه في: ٦٥٩٧]. وبالسند قال: (حدّثنا حبان) بكسر الحاء المهملة وتشديد الموحدة، ولأبي ذر: حدّثني، بالإفراد، حبان بن موسى المروزي، قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك قال: (أخبرنا شعبة) بن الحجاج (عن أبي بشر) بكسر الموحدة وسكون المعجمة، جعفربن أبي وحشية (عن سعيدبن جبير، عن ابن عباس، رضي الله عنهما، قال): (سئل رسول الله، وَّر، عن أولاد المشركين) لم يعلم ابن حجر اسم السائل، لكن يحتمل أن يكون عائشة، لحديث أحمد وأبي داود، عنها، أنها قالت: قلت: يا رسول الله ذراري المسلمين ... الحدیث . وعند عبدالرزاق، بسند ضعيف، عنها أيضًا: أنها قالت: سألت خديجة النبي، وَ ◌ّ عن أولاد المشركين، فقال: هم مع آبائهم. ثم سألته بعد ذلك الحديث. (فقال): (الله إذ خلقهم) أي: حين خلقهم. قال في المصابيح: وإذ تتعلق بمحذوف، أي: علم ذلك إذ خلقهم. والجملة معترضة بين المبتدأ والخبر، ولا يصح تعلقها بأفعل التفضيل لتقدمها عليه، وقد يقال بجوازه مع التقدم لأنها ظرف فيتسع فيه (أعلم بما كانوا عاملين) أي أنه علم أنهم لا يعلمون ما يقتضي تعذيبهم ضرورة أنهم غير مكلفين، وقال ابن قتيبة: أي لو أبقاهم فلا تحكموا عليهم بشيء. وقال غيره: قال ذلك قبل أن يعلم أنهم من أهل الجنة، وهذا يشعر بالتوقف. وقد روى أحمد هذا الحديث من طريق عماربن أبي عمار، عن ابن عباس، قال: كنت أقول ٤٨٦ كتاب الجنائز/ باب ٩٣ في أولاد المشركين هم منهم، حتى حدثني رجل عن رجل من أصحاب النبي وقّ فلقيته، فحدثني عن النبي ◌َّلير أنه قال: ربهم أعلم بهم، هو خلقهم، وهو أعلم بما كانوا عاملين. فأمسكت عن قولي . قال في الفتح: فبين أن ابن عباس لم يسمع هذا الحديث من النبي وَلآه. وفي سند حديث الباب: التحديث الإخبار والعنعنة، وفيه: مروزيان وواسطيان وكوفي، وأخرجه أيضًا في: القدر، وكذا مسلم، وأبو داود، والنسائي. ١٣٨٤ - حدثنا أبو اليَمانِ أخبرَنا شُعيبٌ عنِ الزُّهريُّ قال أخبرني عطاءُ بنُ يَزِيدَ الليثيُّ أنّهُ سمعَ أبا هريرةَ رضيَ اللَّهُ عنهُ يقول: ((سُئل النبيَُّلِّ عن ذَرارِيٌّ المشركينَ فقال: اللَّهُ أعلمُ بما كانوا عامِلين)). [الحديث ١٣٨٤ - طرفاه في: ٦٥٩٨، ٦٦٠٠]. وبه قال: (حدَّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع، قال: (أخبرنا شعيب) هو: ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (قال: أخبرني) بالإفراد (عطاء بن يزيد الليثي) بالمثلثة (أنه سمع أبا هريرة، رضي الله عنه يقول): (سئل رسول الله وَ*، عن ذراري المشركين) بالذال المعجمة، وتشديد المثناة التحتية، جمع: ذرية، أي: أولادهم الذين لم يبلغوا الحلم (فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين). وقد احتج بقوله: الله أعلم بما كانوا عاملين، بعض من قال إنهم في مشيئة الله. ونقل عن ابن المبارك وإسحق ونقله البيهقي في الاعتقاد، عن الشافعي. قال ابن عبدالبر: وهو مقتضى صنيع مالك، وليس عنه في هذه المسألة شيء مخصوص، إلا أن أصحابه صرحوا بأن أطفال المسلمين في الجنة، وأطفال الكفار خاصة في المشيئة. قال: والحجة فيه حديث: الله أعلم بما كانوا عاملين. وروى أحمد، من حديث عائشة: سألت رسول الله وح لول، عن ولدان المسلمين؟ قال: في الجنة، وعن أولاد المشركين؟ قال في النار. فقلت يا رسول الله لم يدركوا الأعمال! قال: ربك أعلم بما كانوا عاملين، لو شئت أسمعتك تضاغيهم في النار. لكنه حديث ضعيف جدًا لأن في إسناده أبا عقبل مولى بهية، وهو متروك. ١٣٨٥ - حدثنا آدَمُ حدَّثَنا ابنُ أبي ذِئبٍ عن الزُّهريِّ عن أبي سَلَمَةَ بنِ عبدِ الرحمنِ عن أبي هريرةَ رضيَ اللَّهُ عنه قال: قال رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((كلُّ مولودٍ يولَدُ على الفِطرةِ، فَأَبَواهُ يُهوِّدانِه أو يُنصِّرانِهِ أو يُمجِّسانِهِ، كمثَل البهيمةِ تُنْتَجُ البَهيمةَ، هل تَرَى فيها جَدْعاءَ))؟ وبه قال (حدَّثنا آدم) بن أبي إياس قال: (حدّثنا ابن أبي ذئب) محمدبن عبد الرحمن (عن) ابن شهاب (الزهري عن أبي سلمة بن عبدالرحمن عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله وَله): ٤٨٧ كتاب الجنائز/ باب ٩٣ (كل مولود) من بني آدم (يولد على الفطرة) الإسلامية (فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كمثل البهيمة) بفتح الميم والمثلثة (تنتج) بضم أوله وفتح ثالثه، مبنيًا للمفعول أي: تلد (البهيمة) سليمة (هل ترى فيها جدعاء؟) بفتح الجيم وإسكان الدال المهملة والمد، مقطوعة الأذن، وإنما يجدعها أهلها . وفيه إشعار بأن أولاد المشركين في الجنة، فصدر المؤلف الباب بالحديث الدال على التوقف حيث قال فيه: الله أعلم بما كانوا عاملين. ثم ثنى بهذا الحديث المرجح لكونهم في الجنة، ثم ثلث بالحديث اللاحق، المصرح بذلك، حيث قال فيه: وأما الصبيان حوله فأولاد الناس. وهو عام يشمل أولاد المسلمين وغيرهم. وقد اختلف في هذه المسألة فقيل: إنهم في مشيئة الله، ونقله البيهقي في الاعتقاد عن الشافعي: في أولاد الكفار خاصة، وليس عن مالك شيء منصوص في ذلك. نعم، صرح أصحابه بأن أطفال المسلمين في الجنة، وأطفال الكفار خاصة في المشيئة. وقيل: إنهم تبع لآبائهم، فأولاد المسلمين في الجنة وأولاد الكفار في النار. وقيل: إنهم في البرزخ بين الجنة والنار لأنهم لم يعملوا حسنات يدخلون بها الجنة، ولا سيئات يدخلون بها النار. وقيل: إنهم خدم أهل الجنة لحديث أبي داود وغيره، عن أنس، والبزار من حديث سمرة مرفوعًا: أولاد المشركين خدم الجنة. وإسناده ضعيف. وقيل: يصيرون ترابًا. وقيل: إنهم في النار. حكاه عياض عن الإمام أحمد، وغلطه ابن تيمية بأنه قول لبعض أصحابه، ولا يحفظ عن الإمام شيء أصلاً. وقيل: إنهم يمتحنون في الآخرة بأن يرفع الله لهم نارًا فمن دخلها كانت عليه بردًا وسلامًا. ومن أبى عذب. أخرجه البزار من حديث أنس، وأبي سعيد، وأخرجه الطبراني من حديث معاذبن جبل، وتعقب بأن الآخرة ليست دار تكليف، فلا عمل فيها ولا ابتلاء. وأجيب: بأن ذلك بعد أن يقع الاستقرار في الجنة أو النار، وأما في عرصات القيامة فلا مانع من ذلك، وقد قال تعالى: ﴿يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون﴾ [القلم: ٤٢] وقيل إنهم في الجنة. قال النووي: وهو الصحيح المختار الذي صار إليه المحققون لقوله تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً﴾ [الإسراء: ١٥] وقيل بالوقف والله أعلم. باب (باب) بالتنوين وهو بمنزلة الفصل من الباب السابق، وهو ساقط في رواية: أبي ذر. ١٣٨٦ - حدثنا موسى بنُ إسماعيلَ حدَّثَنا جَرِيرُ بنُ حازمِ حدَّثَنا أبو رجاءٍ عن سَمُرقَبنِ جُنْدَب قال: ((كان النبيُّنَ ◌ّه إذا صلَّى صلاةٌ أقبلَ علينا بوَجههِ فقال: مَن رأى منكمُ الليلةَ رُؤيا؟ قال: فإن ٤٨٨ كتاب الجنائز/ باب ٩٣ رأى أحدٌ قَصَّها، فيقولُ ما شاءَ اللَّهُ. فسألَنا يومًا فقال: هل رأى أحدٌ منكم رُؤيا؟ قلنا: لا. قال: لُكثِّ رأيتُ الليلةَ رجُلينِ أتَياني، فأخَذا بيدي فأخرَ جاني إلى الأرضِ المقَدَّسةِ، فإذا رجُلٌ جالسٌ ورجلٌ قائمٌ بيدهِ . قال بعض أصحابنا عن موسى: كُلوبٌ من حَديد يُدخِلُهُ في شِذْقهِ - حثَّی يَبلُغَ قَفاه، ثمَّ يَفعلُ بشِدقهِ الآخرِ مِثلَ ذُلك، ويلتئمُ شِدقُه هذا، فيعودُ فيَصْنَعُ مِثْلَهُ. قلت: ما هذا؟ قالا: انطلِقْ. فانطَلْقنا حتى أتينا على رجُلٍ مُضْطجِعٍ على قَفَاهُ، ورجُلٌ قائم على رأسهِ بفِهْرٍ أو صَخْرةٍ، فَيَشْدَخُ بهِ رأسَهُ، فإذا ضرَبَهُ تَدَهْدَهَ الحجَرُ، فَنطلَقَ إليهِ لِيأْخُذَهُ فلا يَرجِعُ إلى هذا حتَّى يَلْتَمَ رأسهُ وعادَ رأسهُ كما هو، فعادَ إليهِ فضرَبِهُ، قلت: مَن هذا؟ قالا: انطَلِقْ. فانطلَقْنا إلى ثَقْبٍ مثل التُّورِ أعلاهُ ضَيْقٌ وأسفَلُه واسعٌ يَتَوَقَّدُ تحتَهُ نارًا، فإذا اقتَرَبَ ارتفعوا حتى كادَ أن يَخْرُجوا، فإذا خَمَدتْ رَجعوا فيها، وفيها رجالٌ ونساءٌ عُراةٌ. فقلت: من هذا؟ قالا: انطَلِقْ. فانطلَقْنا حتى أتَيْنا على نهرٍ من دَمِ، فيه رجُلٌ قائمٌ، على وَسَطِ النهرِ رُل بينَ يدَيهِ حِجارَةٌ فَأَقبلَ الرجُلُ الذي في النهرِ، فإذا أرادَ أن يَخرُجَ رمى الرجلُ بحجّرٍ في فيهِ فردَّهُ حيث كان، فجعلَ كلَّما جاءَ ليخرُجَ رمى في فيه بحجّرٍ فيرجِعُ كما كان. فقلت: ما هذا؟ قالا: انطلِقْ. فانطلَقْنا حتى انْتَهَينا إلى روضةٍ خَضراءَ فيها شجرةٌ عظيمةٌ، وفي أصلِها شيخٌ وصِبيانٌ، وإذا رجُلٌ قريبٌ منَ الشجرةِ بينَ يدَيهِ نارٌ يوقِدُها، فصعِدا بي في الشجرةِ وأذخلاني دارًا لم أرَ قط أحسنَ منها رجالٌ شيوخٌ وشَبابٌ ونساءٌ وصبيانٌ، ثم أخرَ جاني منها فصعِدا بي الشجرةَ فأدخلاني دارًا هي أحسنُ وأفضلُ، فيها شيوخٌ وشبابٌ. فقلتُ: طَوَّفتُماني الليلةَ فأخبراني عما رأيتُ. قالا: نعم. أمَّا الذي رأيتَهُ يُشَقُّ شِدْقُه فكذّابٌ يحدِّثُ بالكذْبةِ فتُحمَلُ عنهُ حتى تبلُغ الآفاقَ، فيُصنَعُ به ما رأيت إلى يوم القيامة. والذي رأيتَهُ يُشدَخُ رأسُهُ فرجُلٌ علَّمَهُ اللَّهُ القُرآنَ، فنامَ عنهُ بالليلِ ولم يَعمِلْ فيه بالنهارِ، يُفعَلُ بهِ إلى يوم القِيامة. والذي رأيتَهُ في الثّقْبِ فهمُ الزُّناةُ. والذي رأيْتُه في النهرِ آكلو الرِّبا. والشيخُ في أصلٍ الشجرةِ إبراهيمُ عليهِ السلامُ، والصبيانُ حولَهُ فَأَولادُ الناسِ. والذي يوقِدُ النارَ مالكٌ خازِنُ النار. والدارُ الأولى التي دخلتَ دارُ عامَّةِ المؤمنينَ. وأمَّا هذه الدارُ فدارُ الشهداءِ. وأنا جِبريلُ، وهذا ميكائيلُ. فارْفَعْ رأسَكَ. فرفَعتُ رأسي فإذا فوقي مثلُ السَّحابِ، قالا: ذاكَ مَنزلُكَ. قلتُ: دعاني أدخُلْ منزِلي. قالا: إنهُ بقيَ لكَ عُمْرٌ لم تَسْتكملْهُ، فلو استكملْت أتيتَ مَنزِلَكَ)). وبالسند قال: (حدَّثنا موسى بن إسماعيل) المنقري التبوذكي، قال: (حدَّثنا جريربن حازم) بالحاء المهملة والزاي المعجمة، قال: (حدَّثنا أبو رجاء) بتخفيف الجيم والمد، عمران بن تيم العطاردي (عن سمرة بن جندب، رضي الله عنه، قال: كان النبي ◌َّ- إذا صلى صلاة) وللحموي والمستملي: صلاته، وفي رواية يزيدبن هارون: إذا صلى صلاة الغداة (أقبل علينا بوجهه) الكريم (فقال): ٤٨٩ كتاب الجنائز/ باب ٩٣ (من رأى منكم الليلة رؤيا؟) مقصور غير منصرف، ويكتب بالألف كراهة اجتماع مثلين. (قال: فإن رأى أحد) رؤيا (قصها) عليه (فيقول ما شاء الله، فسألنا يومًا) بفتح اللام، جملة من الفعل والفاعل والمفعول))، و: يومًا، نصب على الظرفية (فقال): (هل رأى أحد منكم رؤيا؟ قلنا: لا. قال: لكني رأيت الليلة) بالنصب (رجلين) قال الطيبي: وجه الاستدراك أنه كان يجب أن يعبر لهم الرؤيا، فلما قالوا: ما رأينا، كأنه قال: أنتم ما رأيتم شيئًا، لكني رأيت رجلين. وفي حديث علي عند ابن أبي حاتم: رأيت ملكين (أتياني، فأخذا بيدي، فأخرجاني إلى الأرض المقدسة) وللمستملي: إلى أرض مقدسة، وعند أحمد: إلى أرض فضاء، أو: أرض مستوية. وفي حديث علي: فانطلقا بي إلى السماء، (فإذا رجل جالس) بالرفع ويجوز النصب (ورجل قائم بيده) شيء. فسره المؤلف بقوله: (- قال بعض أصحابنا) أبهمه لنسيان أو غيره، وليس بقادح، لأنه لا يروي إلا عن ثقة مع شرطه المعروف، قال الحافظ ابن حجر: لم أعرف المراد بالبعض المبهم، إلا أن الطبراني أخرجه في المعجم الكبير، عن العباس بن الفضل الأسفاطي (عن موسى)- ابن إسماعيل التبوذكي (كلوب) بفتح الكاف وتشديد اللام (من حديد) له شعب يعلق بها اللحم، ومن، للبيان (يدخله في شدقه) بكسر الشين المعجمة وسكون الدال المهملة، أي: يدخل الرجل القائم الكلوب في جانب فم الرجل الجالس. وهذا سياق رواية أبي ذر، قال الحافظ ابن حجر: وهو سياق مستقيم، ولغيره: ورجل قائم بيده كلوب من حديد، قال بعض أصحابنا عن موسى إنه أي: ذلك الرجل، يدخل ذلك الكلوب، بنصب على المفعولية في شدقه (حتى يبلغ قفاه) بالموحدة وضم اللام، وفي التعبير فيشرشر شدقه إلى قفاه، ومنخره إلى قفاه، وعينه إلى قفاه أي: يقطعه شقًا. وفي حديث علي: فإذا أنا بملك، وأمامه آدمي، وبيد الملك كلوب من حديد، فيضعه في شدقه الأيمن فيشقه (ثم يفعل بشدقه الآخر) بفتح الخاء المعجمة (مثل ذلك) أي: مثل ما فعل بشدقه الأول (ويلتئم شدقه هذا فيعود). وفي التعبير: فما يفرغ من ذلك الجانب حتى يصح ذلك الجانب كما كان، فيعود ذلك الرجل (فيصنع مثله) قال، عليه الصلاة والسلام: (قلت) للملكين: (ما هذا) أي ما حال هذا الرجل؟ وللمستملي من هذا؟ أي: من هذا الرجل؟ (قالا) أي: الملكان: (انطلق) مرة واحدة. (فأنطلقنا حتى أتينا على رجل مضطجع على قفاه، ورجل قائم على رأسه بفهر) بكسر الفاء وسكون الهاء، حجر ملء الكف، والجملة حالية (أو صخرة) على الشك، وفي التعبير: وإذا آخر قائم عليه بصخرة، من غير شك (فيشدخ به) بفتح التحتية وسكون الشين المعجمة، وفتح الدال المهملة وبالخاء المعجمة، من الشدخ، وهو كسر الشيء الأجوف. والضمير للفهر، ولأبي ذر: بها (رأسه) وفي التعبير: وإذا هو يهوي بالصخر لرأسه، فيثلغ رأسه بفتح الياء وسكون المثلثة وفتح اللام وبالغين المعجمة، أي: يشدخ رأسه (فإذا ضربه تدهده الحجر) بفتح الدالين المهملتين بينهما هاء ساكنة على وزن تفعلل من مزيد الرباعي، أي: تدحرج. وفي حديث علي: فمررت على ملك وأمامه آدمي ٤٩٠ كتاب الجنائز/ باب ٩٣ وبيد الملك صخرة يضرب بها هامة الآدمي، فيقع رأسه جانبًا، وتقع الصخرة جانبًا (فانطلق إليه) أي: إلى الحجر (ليأخذه) فيصنع به كما صنع (فلا يرجع إلى هذا) الذي شدخ رأسه (حتى يلتئم رأسه) وفي التعبير: حتى يصح رأسه (وعاد رأسه كما هو، فعاد إليه فضربه، قلت) لهما: (من هذا؟ قالا: انطلق) مرة واحدة. (فانطلقنا إلى ثقب) بفتح المثلثة وسكون القاف، وللكشميهني: نقب بالنون المفتوحة وسكون القاف، وعزا هذه في المطالع للأصيلي، لكنه قال: بالنون وفتح القاف، وقال: هو بمعنى ثقب، بالمثلثة (مثل التنور) بفتح المثناة الفوقية وضم النون المشددتين آخره راء، ما يخبز فيه (أعلاه ضيق وأسفله واسع يتوقد) بفتح الياء (تحته) بنصب التاء الثانية أي: تحت التنور (نارًا) بالنصب على التمييز. وأسند يتوقد إلى ضمير عائد إلى الثقب. كقولك: مررت بأمرأة تتضوع من أردانها طيبًا . أي: يتضوع طيبها من أردانها، فكأنه قال: يتوقد ناره تحته. قاله ابن مالك، قال البدر الدماميني: وهو صريح في أن تحته منصوب لا مرفوع، وقال: إنه رآه في نسخة بضم التاء الثانية، وصحح عليها، قال: وكان هذا بناء على أن تحته فاعل يتوقد، ونصوص أهل العربية تأباه. فقد صرحوا بأن فوق وتحت من الظروف المكانية العادمة التصرف . اهـ. وقال ابن مالك: ويجوز أن يكون فاعل يتوقد موصولاً بتحته، فحذف، وبقيت صلته دالة عليها لوضوح المعنى، والتقدير: يتوقد الذي تحته، أو: ما تحته نارًا وهو مذهب الكوفيين، والأخفش. واستصوبه ابن مالك، ولأبوي ذر، والوقت: يتوقد تحته نار، بالرفع على أنه فاعل يتوقد . (فإذا اقترب) بالموحدة آخره، من القرب أي: إذا اقترب الوقود أو الحر الدال عليه قوله: يتوقد. وللكشميهني: فإذا أقرت بهمزة قطع فقاف فمثناتين فوقيتين بينهما راء، من: القترة أي: التهبت وارتفع نارها، لأن القتر الغبار. وفي رواية ابن السكن والقابسي وعبدوس: فترت، بفاء ومثناة فوقية مفتوحتين وتاء ساكنة بينهما راء، وهو الانكسار والضعف. واستشكل، لأن بعده: فإذا خمدت رجعوا، أو معنى الفتور والخمود واحد، وعند الحميدي، مما عزاه له في شرح المشارق: فإذا ارتقت، من الارتقاء وهو الصعود، قال الطيبي: وهو الصحيح دراية ورواية. كذا قال، وعند أحمد: فإذا أوقدت. (ارتفعوا) بجواب إذا، والضمير فيه يرجع إلى الناس لدلالة سياق الكلام عليه، (حتى كاد أن يخرجوا) أن: مصدرية، والخبر محذوف، أي: كاد خروجهم يتحقق ولأبوي ذر، والوقت: كادوا يخرجون (فإذا خمدت) بفتح الخاء والميم، أي: سكن لعبها ولم يطفأ حرها (رجعوا فيها، وفيها رجال ونساء عراة، فقلت) لهما: (من هذا؟) ولأبي الوقت، من غير اليونينية: ما هذا (قالا: انطلق). ٤٩١ كتاب الجنائز/ باب ٩٣ (فانطلقنا) ولفظة: فانطلقنا ساقطة عند أبي ذر (حتى أتينا على نهر) بفتح الهاء وسكونها (من دم) وفي التعبير: فأتينا على نهر، حسبت أنه كان يقول: أحمر مثل الدم (فيه رجل قائم على) ولأبي الوقت: وعلى (وسط النهر رجل) بفتح السين وسكونها، ولأبي ذر، قال يزيد، أي: ابن هارون مما وصله أحمد عنه، ووهب بن جرير مما وصله أبو عوانة في صحيحه، من طريقه، عن جريربن حازم؛ وعلى شط النهر رجل، بشين معجمة وتشديد الظاء (بين يديه حجارة، فأقبل الرجل الذي في النهر فإذا أراد أن يخرج) من النهر (رمى الرجل) الذي بين يديه الحجارة (بحجر في فيه) أي: في فمه (فرده حيث كان) من النهر (فجعل كلما جاء ليخرج) من النهر (رمى في فيه بحجر، فيرجع كما كان) فيه. كما قال ابن مالك في التوضيح: وقوع خبر جعل التي هي من أفعال المقاربة جملة فعلية مصدرية بكلما، والأصل فيه: أن يكون فعلاً مضارعًا، تقول: جعلت أفعل كذا. هذا هو الاستعمال المطرد، وما جاء بخلافه فهو منبه على أصل متروك، وذلك أن سائر أفعال المقاربة مثل كان في الدخول على مبتدأ وخبر، فالأصل أن يكون خبرها كخبر كان في وقوعه مفردًا وجملة اسمية، وفعلية، وظرفًا. فترك الأصل والتزم أن يكون الخبر مضارعًا، ثم نبه على الأصل شذوذًا في مواضع (فقلت ما هذا؟ قالا: انطلق). (فانطلقنا) ولفظة: فانطلقنا، ساقطة عند أبي ذر (حتى انتهينا إلى روضة خضراء، فيها شجرة عظيمة) زاد في التعبير: فيها من كل لون الربيع (وفي أصلها شيخ وصبيان) وفي التعبير: فإذا بين ظهراني الروضة رجل طويل لا أكاد أرى طولاً في السماء، وإذا حوله من أكثر ولدان رأيتهم قط (وإذا رجل قريب من الشجرة بين يديه نار يوقدها) في التعبير: فانطلقنا، فأتينا على رجل كريه المرآة، كأكره ما أنت راء رجلاً مرآة، وإذا عنده نار يحشها ويسعى حولها (فصعدا بي) بالموحدة ((وكسر العين (في الشجرة) التي هي، في الروضة الخضراء (وأدخلاني) بالنون (دارًا لم أر قط أحسن منها، فيها رجال شيوخ وشباب) ولأبي الوقت من غير اليونينية: وشبان، بنون آخره بدل الموحدة وتشديد السابقة (ونساء وصبيان، ثم أخرجاني منها) أي: من الدار (فصعدا بي الشجرة) أيضًا (فأدخلاني) بالفاء، ولابن عساكر، وأدخلاني (دارًا هي أحسن وأفضل) من الأولى (فيها شيوخ وشباب) ولأبي الوقت، من غير اليونينية: وشبان (فقلت) لهما (طوفتماني الليلة) بطاء مفتوحة وواو مشددة ونون قبل الياء، ولأبي الوقت: طوّفتما بي بالموحدة بدل النون (فأخبراني) بكسر الموحدة (عما رأيت؟ قالا: نعم) نخبرك. (أما الذي رأيته يشق شدقه)، بضم الياء وفتح الشين مبنيًا للمفعول، وشدقه بالرفع مفعول ناب عن فاعله (فكذاب يحدث بالكذبة) بفتح الكاف ويجوز كسرها، قال في القاموس: كذب يكذب كذبًا وكذبًا وكذبة وكذبة (فتحمل عنه حتى يبلغ الآفاق) بتخفيف ميم تحمل، و: الفاء، في قوله: فكذاب جواب أما لكن الأغلب في الموصول الذي تدخل الفاء في خبره أن يكون عامًا مثل: من، الشرطية. وصلته مستقبلة، وقد يكون خاصًا وصلته ماضية، كما في قوله تعالى: ﴿وما ٤٩٢ كتاب الجنائز/ باب ٩٣ أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله﴾ [آل عمران: ١٦٦] وكما في هذا الحديث نحو: الذي يأتيني فمكرم، فلو كان المقصود: بالذي معينًا، امتنع دخول الفاء على الخبر، كما يمتنع دخولها على أخبار المبتدءات المقصود بها التعيين، نحو: زيد فمكرم، فمكرم، لم يجز فكذا لا يجوز الذي يأتيني إذا قصدت به معينًا. لكن الذي يأتيني عند قصد التعيين شبيه في اللفظ بالذي يأتيني عند قصد العموم، فجاز دخول الفاء حملاً للشبيه على الشبيه، ونظيره قوله تعالى: ﴿وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله﴾ [آل عمران: ١٦٦] فإن مدلول: ما، معين ومدلول: أصابكم، ماض. إلا أنه روعي فيه الشبه اللفظي، فشبه هذه الآية بقوله: ﴿وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم﴾ [الشورى: ٣٠] فأجرى: ما، في مصاحبة الفاء مجرى واحد. قاله ابن مالك. قال الطيبي في شرح مشكاته: هذا كلام متين. لكن جواب الملكين تفصيل لتلك الرؤيا المتعددة المبهمة، فلا بد من ذكر كلمة التفصيل، كما في البخاري أو تقديرها، أي: فالفاء جواب أما (فيصنع به ما رأيت) من شق شدقه (إلى يوم القيامة) لما ينشأ عن تلك الكذبة من المفاسد. (و) أما (الذي رأيته يشدخ رأسه) بضم الياء وفتح الدال من: يشدخ مبنيًا للمفعول، ورأسه نائب عن الفاعل (فرجل علمه الله القرآن، فنام عنه بالليل) أي: أعرض عن تلاوته (ولم يعمل فيه بالنهار) ظاهره أنه يعذب على ترك تلاوة القرآن بالليل، لكن يحتمل أن يكون التعذيب على مجموع الأمرين: ترك القراءة وترك العمل. (يفعل به) ما رأيت من الشدخ (إلى يوم القيامة) لأن الإعراض عن القرآن بعد حفظه جناية عظيمة، لأنه يوهم أنه رأى فيه ما يوجب الإعراض عنه، فلما أعرض عن أفضل الأشياء عوقب في أشرف أعضائه وهو الرأس. (و) أما الفريق (الذي رأيته في الثقب) بفتح المثلثة، ولأبي الوقت: في النقب (فهم الزناة) وإنما قدر بقوله: وأما الفريق، لأنه قد يستشكل الاخبار عن الذي بقوله: هم الزناة، لا سيما والعائد على الذي من قوله والذي رأيته لا يخفى مفردًا، فروعي اللفظ تارة، والمعنى أخرى. قاله في المصابيح. (و) الفريق (الذي رأيته في النهر آكلو الربا، والشيخ) الكائن (في أصل الشجرة إبراهيم) الخليل (عليه السلام) وقدر بالكائن لأن الظاهر كون الظرف، أعني: في الشجرة صفة للشيخ، فيقدر عامله اسمًا معرفًا لذلك رعاية لجانب المعنى، وإن كان المشهور تقديره فعلاً أو اسمًا منكرًا. لكن ذلك إنما هو حيث لا مقتضى للعدول عن التنكير، والمقتضى هنا قائم، إذ لا يجوز أن يكون ظرفًا لغوًا معمولاً للشيخ إذ لا معنى له أصلاً، ولا أن يكون ظرفًا مستقرًا حالاً من الشيخ إذ الصحيح امتناع وقوع الحال من المبتدأ. قاله العلامة البدر الدماميني. وحذفت الفاء من قوله: آكلو الربا، ومن قوله: إبراهيم، نظرًا إلى أن أما لما حذفت حذف مقتضاها. (و) أما (الصبيان) الكائنون (حوله) أي إبراهيم (فأولاد الناس) دخلت الفاء على الخبر لأن الجملة معطوفة على مدخول: أما في قوله: أما الرجل الذي رأيته يشق شدقه. وهذا موضع الترجمة، ٤٩٣ كتاب الجنائز/ باب ٩٤ فإن الناس في قوله: فأولاد الناس عام، يشمل المؤمنين وغيرهم. وفي التعبير: وأما الولدان حوله فكل مولود مات على الفطرة، قال: فقال بعض المسلمين: يا رسول الله فأولاد المشركين؟ قال: وأولاد المشركين. وهذا ظاهر أنه عليه الصلاة والسلام ألحقهم بأولاد المسلمين في حكم الآخرة، ولا يعارضه قوله: هم مع آبائهم، لأن ذلك حکم الدنيا. (والذي يوقد النار: مالك خازن النار، والدار الأولى التي دخلت) فيها (دار عامة المؤمنين، وأما هذه الدار فدار الشهداء) وهذا يدل على أن منازل الشهادة أرفع المنازل، لكن لا يلزم أن يكونوا أرفع درجة من الخليل عليه الصلاة والسلام لاحتمال أن تكون إقامته هناك بسبب كفالته الولدان، ومنزلته في الجنة أعلى من منازل الشهداء بلا ريب، كما أن آدم عليه الصلاة والسلام في السماء الدنيا، لكونه يرى نسم بنيه من أهل الخير، ومن أهل الشر، فيضحك ويبكي، مع أن منزلته هو في عليين، فإذا كان يوم القيامة استقر كل منهم في منزلته، واكتفى في دار الشهداء بذكر الشيوخ والشباب، لأن الغالب أن الشهيد لا يكون امرأة ولا صبيّا. (وأنا جبريل، وهذا ميكائيل، فارفع رأسك. فرفعت رأسي فإذا فوقي مثل السحاب) وفي التعبير: مثل الراية البيضاء (قالا: ذاك) ولأبي ذر: (منزلك) ولأبي ذر: منزلتك (قلت: دعاني) أي: اتركاني (أدخل منزلي) قالا: (إنه بقي لك عمر، لم تستكمله، فلو استكملت) عمرك (أتيت منزلك). وبقية مباحث الحديث تأتي إن شاء الله تعالى، في: التعبير، بعون الله وقوته، وفيه: التحديث والعنعنة، وأبو رجاء مخضرم أدرك زمن النبي وَ لّ، وأسلم بعد فتح مكة، لكنه لا رؤية له. وأخرجه المؤلف هنا تامًا، وكذا في: التعبير، وأخرجه في: الصلاة قبل الجمعة، وفي التهجد، والبيوع، وبدء الخلق، والجهاد، وفي أحاديث الأنبياء، والتفسير، والأدب أطرافًا منه. ومسلم قطعه منه. ٩٤ - باب مَوتِ يومِ الاثنينِ (باب) فضل (موت يوم الاثنين). ١٣٨٧ - حدثنا مُعلى بنُ أسَدِ حدَّثَنا وُهَيبٌ عن هِشام عن أبيهِ عن عائشةَ رضيَ اللَّهُ عنها قالت: ((دخلتُ على أبي بكرٍ رضيَ اللَّهُ عنهُ فقال: في كم كفَّنتم النبيّ ◌ََّ؟ قالت: في ثلاثةِ أثوابٍ بيضٍ سَحُولِيَّةٍ ليسَ فيها قميصٌ ولا عِمامة. وقال لها: في أيِّ يَومِ تُوُنِّيَ رسولُ اللَّهِ وَلَّ؟ قالت: يومَ الاثنَينِ. قال: فأيُّ يومٍ هذا؟ قالت: يومُ الإثنينِ. قال: أرجو فيما بيني وبين الليلِ. فَنَظَرَ إلى ثوبٍ عليهِ كان يُمَرَّضُ فيه، بهِ رذعٌ من زَعفرانٍ فقال: اغسِلوا ثوبي هذا وزِيدوا عليه ثَوبينٍ فكفّنوني فيهما. قلتُ إنَّ هذا خَلَق. قال: إن الحيَّ أحقُّ بالجديدِ منَ الميّتِ، إنما هوَ للمهلةِ. فلم يُتَوَفَّ حتى أمسى مِن ليلة الثلاثاءِ، ودُفنَ قبلَ أن يُصبحَ)). ٤٩٤ كتاب الجنائز/ باب ٩٤ وبالسند قال: (حدّثنا معلى بن أسد) العمي، أخو بهزبن أسد البصري، (حدّثنا وهيب) بالتصغير ابن خالد البصري (عن هشام عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة، رضي الله عنها، قالت دخلت على أبي بكر) الصديق (رضي الله عنه) في مرض موته (فقال: في كم) أي: كم ثوبًا (كفنتم النبي ◌َّه)؟ فيه: وكم الاستفهامية وإن كان لها صدر الكلام، ولكن الجار كالجزء له، فلا يتصدر عليه. (قالت) عائشة: قلت له: كفناه (في ثلاثة أثواب بيض) بكسر الموحدة، جمع أبيض (سحولية) بفتح السين وبالحاء المهملتين، نسبة إلى سحول، قرية باليمن كما مر (ليس فيها قميص، ولا عمامة. وقال لها) أيضًا، رضي الله عنهما: (في أي يوم توفي النبي ◌َّ؟ قالت): توفي (يوم الاثنين) بنصب يوم على الظرفية . واستفهامه لها عما ذكر قيل توطئة لعائشة للصبر على فقده، لأنه لم تكن خرجت من قلبها الحرقة لموت النبي ◌َ ◌ّو لما في بداءته لها بذلك من إدخال الغم العظيم عليها، إذ يبعد أن يكون أبو بكر رضي الله عنه نسي ما سألها عنه مع قرب العهد. (قال): أبو بكر الصديق، رضي الله عنه، (فأي يوم هذا؟ قالت): هو (يوم الاثنين) برفع: يوم، خبر مبتدأ محذوف (قال: أرجو) أي: أتوقع أن تكون وفاتي (فيما بيني) أي: فيما بين ساعتي هذه (وبين الليل) وللحموي والمستملي: وبين الليلة. (فنظر) وفي نسخة: ثم نظر (إلى ثوب عليه كان يمرّض فيه) بتشديد الراء (به ردع) بفتح الراء وسكون الدال آخره عين مهملتين، لطخ وأثر (من زعفران) لم يعمه، ولأبي الوقت، من غير اليونينية: ردغ، بالغين المعجمة (فقال: اغسلوا ثوبي هذا) وسقط في بعض النسخ لفظ: هذا (وزيدوا عليه ثوبين) زاد ابن سعد، عن أبي معاوية، عن هشام: جديدين (فكفنوني فيها) أي: في الثلاثة، موافقة للنبي وَله ولأبي ذر: فيهما، أي في المزيد والمزيد عليه. قالت عائشة: (قلت: إن هذا) أي: الثوب الذي كان عليه (خلق) بفتح الخاء واللام أي: غير جديد (قال: إن الحي أحق بالجديد من الميت، إنما هو) أي: الكفن (للمهلة). قال النووي: بتثليث الميم: القيح والصديد. (فلم يتوف حتى أمسى من ليلة الثلاثاء) بالهمزة ممدودًا، ويضم. قاله في القاموس، وهو كذلك بالمد مهموزًا في الفرع (ودفن) من ليلته (قبل أن يصبح). ووقع عند ابن سعد، من طريق الزهري، عن عروة، عن عائشة، أول بدء مرض أبي بكر: أنه اغتسل يوم الاثنين لسبع خلون من جمادى الآخرة، وكان يومًا باردًا، فحم خمسة عشر يومًا، ومات مساء ليلة الثلاثاء، لثمان بقين من جمادى الآخرة، سنة ثلاث عشرة. وترجى الصديق، رضي الله عنه، أن يموت يوم الاثنين، لقصد التبرك، وحصول الخير، لكونه عليه الصلاة والسلام توفي فيه. فله مزية على غيره من الأيام بهذا الاعتبار. وقد ورد، في فضل الموت يوم الجمعة، حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا: ما من مسلم ٤٩٥ كتاب الجنائز/ باب ٩٥ يموت يوم الجمعة، أو ليلة الجمعة، إلا وقاه الله فتنة القبر. رواه الترمذي، وفي إسناده ضعف، فلذا لم يخرجه المؤلف، وعدل عنه إلى ما وافق شرطه وصح لديه، أحسن الله إليه برحمته عليه. ٩٥ - باب موتِ الفجأة البَغْتِهِ (باب موت الفجأة) بفتح الفاء وسكون الجيم وبالهمزة، من غير مد، كذا في الفرع. وروي: الفجاءة بضم الفاء وبعد الجيم مد ثم همزة: الموت من غير سبب مرض (البغتة) بالجر بدل من الفجأة، ويجوز الرفع خبر مبتدأ محذوف، أي: هي البغتة. وللكشميهني: بغتة بالتنكير. ١٣٨٨ - حدثنا سعيدُ بنُ أبي مريمَ حدَّثَنا محمدُ بنُ جَعفرٍ قال أخبرني هشامٌ عن أبيهِ عن عائشةَ رضيَ اللَّهُ عنها ((أنَّ رَجُلاً قال للنبيِّ وَّهِ: إِنَّ أُمي افتُلِتَتْ نَفسُها، وأظنُّها لو تكلَّمتْ تَصدَّقَتْ، فهل لها أجرٌ إن تَصدَّقتُ عنها؟ قال: نعم)). [الحديث ١٣٨٨ - طرفه في: ٢٧٦٠]. وبالسند قال: (حدّثنا سعيدبن أبي مريم) هو: سعيدبن محمدبن الحكم بن أبي مريم، قال: (حدّثنا محمدبن جعفر) هو: ابن أبي كثير المدني (قال: أخبرني) بالإفراد (هشام) وفي نسخة: هشام بن عروة (عن أبيه) عروة بن الزبير، ولأبي ذر: عن عروة بدل قوله: عن أبيه (عن عائشة رضي الله عنها). (أن رجلاً) هو سعد بن عبادة (قال للنبي، وَّر: إن أمي) عمرة (افتلتت) بضم المثناة الفوقية وكسر اللام مبنيًا للمفعول، أي: ماتت فلتة، أي: فجأة (نفسها) بالرفع نائب عن الفاعل، وبالنصب على أنه المفعول الثاني بإسقاط حرف الجر، والأول مضمر وهو القائم مقام الفاعل، أو يضمن: افتلتت، معنى: سلبت فيكون نفسها مفعولاً ثانيًا لا على إسقاط الجار. أو: بالنصب على التمييز، وكانت وفاتها سنة خمس من الهجرة، فيما ذكره ابن عبد البر. (وأظنها لو تكلمت تصدقت. فهل لها أجر إن تصدقت عنها؟) بكسر همزة إن لأنها شرطية، قال الزركشي: وهي الرواية الصحيحة، ولا يصح قول من فتحها، لأنه إنما سأل عما لم يفعل. لكن قال البدر الدماميني: إن ثبتت لنا رواية بفتح الهمزة من: إن أمكن تخريجها على مذهب الكوفيين في صحة مجيء أن المفتوحة الهمزة شرطية كإن المكسورة، ورجحه ابن هشام، والمعنى حينئذ صحيح بلا شك. (قال) عليه الصلاة والسلام: (نعم) لها أجر إن تصدقت عنها. وأشار المؤلف بهذا إلى أن موت الفجأة ليس بمكروه، لأنه عليه الصلاة والسلام لم يظهر منه كراهة لما أخبره الرجل بأن أمه افتلتت نفسها . ونبه بذلك على أن معاني الأحاديث التي وردت في الاستعاذة من موت الفجأة، كحديث أبي داود بإسناد رجاله ثقات، لكن راويه رفعه مرة، ووقفه أخرى: موت الفجأة أخذة أسف، وأنه لا يوأس من صاحبها، ولا يخرج بها عن حكم الإسلام ورجاء الثواب، وإن كان مستعاذًا منها، لما ٤٩٦ كتاب الجنائز/ باب ٩٦ يفوت بها من خير الوصية، والاستعداد للمعاد بالتوبة، وغيرها من الأعمال الصالحة، وفي مصنف ابن أبي شيبة، عن عائشة، وابن مسعود: موت الفجأة راحة للمؤمن، وأسف على الفاجر. ونقل النووي عن بعض القدماء: أن جماعة من الأنبياء والصلحاء ماتوا، كذلك قال النووي، وهو محبوب للمراقبين . ورواة هذا الحديث مدنيون إلا شيخ المؤلف فبصري، وفيه: التحديث والإخبار والعنعنة والقول. ٩٦ - باب ما جاء في قبرِ النبيِّ وَّهِ وأبي بكرٍ وعُمرَ رضيَ اللَّهُ عنهما ﴿فأقْبَرَهُ﴾. أقبَرْتُ الرجُلَ: إذا جَعلتَ لهُ قبرًا. وقَبَزْتُه: دفنته ﴿كِفاتًا﴾ يكونونَ فيها أحياءً، ويُدفَنونَ فيها أمواتًا (باب ما جاء في) صفة (قبر النبي وَلقر و) صفة قبر (أبي بكر) الصديق (و) صفة قبر (عمر) بن الخطاب (رضي الله عنهما)، من التسنيم، وغيره. (﴿فأقبره﴾﴾ [عبس: ٢١] ولأبي ذر: قول الله عز وجل: ﴿فأقبره﴾ مبتدأ أو خبره ومراده قوله تعالى: ﴿ثم أماته فأقبره﴾ [عبس: ٢١] (أقبرت الرجل) من الثلاثي المزيد من باب الإفعال، زاد أبوا ذر، والوقت: أقبره (إذا جعلت له قبرًا، وقبرته) من الثلاثي المجرد (دفنته) تكرمة له وصيانة عن السباع. وقوله تعالى: ﴿ألم نجعل الأرض (كفاتًا)﴾ [المرسلات: ٢٥] أي: كافته اسم لما تضمه (يكونون فيها ﴿أحياء﴾ ويدفنون فيها ﴿أمواتًا﴾) [المرسلات: ٢٦]. ١٣٨٩ - حقثنا إسماعيلُ حدَّثَني سُليمانُ عن هِشامٍ ح وحدَّثَني محمدُ بنُ حربٍ حدَّثَنا أبو مَروانَ يحيى بنُ أبي زَكريًّا عن هِشام عن عُروةَ عن عائشةَ قالتْ: ((إنْ كانَ رسولُ اللَّهِ وَ لَيَتَعذَّرُ في مَرَضِه: أين أنا اليومَ، أينَ أنا غدًا؟ استبطاءً ليوم عائشةَ. فلما كان يَومي قبَضَهُ اللَّهُ بينَ سَخري ونَخري، ودُفِنَ في بيتي». وبالسند قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس عبد اللَّه ابن أخت الإمام مالك بن أنس، قال: (حدّثني) بالإفراد (سليمان) بن بلال (عن هشام) هو ابن عروة (ح). (وحدّثني) بالإفراد (محمدبن حرب) النشائي، بالشين المعجمة، قال: (حدّثنا أبو مروان يحيى بن أبي زكريا) الغساني (عن هشام عن) أبيه (عروة) بن الزبيربن العوام (عن عائشة) رضي الله عنها (قالت): (إن كان رسول الله، (وَلّ، ليتعذر في مرضه) بالغين المهملة والذال المعجمة، أي: يطلب العذر فيما يحاوله من الانتقال إلى بيت عائشة، وعند القابسي: يتقدر، بالقاف والدال المهملة. أي: يسأل ٤٩٧ كتاب الجنائز/ باب ٩٦ عن قدر ما بقي إلى يومها، ليهوّن عليه بعض ما يجد، لأن المريض يجد عند بعض أهله ما لا يجده عند بعض من الأنس والسكون. (أين أنا اليوم؟) أي: لمن النوبة (أين أنا غدًا؟) أي: لمن النوبة غدًا، أي: أي امرأة أكون غدًا عندها (استبطاء ليوم عائشة) اشتياقًا إليها وإلى يومها. قالت عائشة: (فلما کان یومي قبضه الله بین سحري ونحري) بفتح أولهما وسکون ثانيهما، تريد: بين جنبي وصدري، والسحر: الرئة، فأطلقت على الجنب مجازًا من باب تسمية المحل باسم الحال فيه، والنحر الصدر: (ودفن في بيتي) وهذا هو المقصود من الحديث، وقولها: فلما كان يومي قبضه الله، تعني : لو روعي الحساب كانت وفاته واقعة في نوبتي المعهودة قبل الاذن. ١٣٩٠ - حدثنا موسى بنُ إسماعيلَ حدَّثَنا أبو عَوانة عن هلالٍ عن عُروةَ عن عائشةَ رضيَ اللَّهُ عنها قالت: ((قال رسولُ اللَّهِوَالّ في مرضهِ الذي لم يَقُم منهُ: لَعَنَ اللَّهُ اليَهودَ والنصارَى اتَّخَذوا قبورَ أنبيائهم مَساجِدَ. لولا ذلك أُبْرِزَ قبرُهُ، غيرَ أنْهُ خَشِيَ أو خُشِيَ- أن يُتخذَ مسْجِدًا)) . وعن هلال قال: كثَّاني عروة بن الزُّبِيرِ ولم يولَد لي. وبه قال: (حدثنا موسى بن إسماعيل) المنقري، قال: (حدّثنا أبو عوانة) بفتح العين الوضاح (عن هلال) هو: ابن حميد الجهني، زاد أبو ذر، والوقت: هو الوزان (عن عروة) بن الزبير بن العوام (عن عائشة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله، وَلقر، في مرضه الذي لم يقم منه): ولابن عساكر: لم يقم فيه . (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) في بعض الطرق الاقتصار على لعن اليهود وحينئذ فقوله: قبور أنبيائهم مساجد واضح، فإن النصارى لا يقولون بنبوّة عيسى، بل البنوّة أو الإلهية، أو غير ذلك على اختلاف مللهم الباطلة، بل ولا يزعمون موته، حتى يكون له قبر، وعلى هذا فيشكل قوله اليهود والنصارى. وتعقيبه بقوله: اتخذوا. وأجيب: بأما أن يكون الضمير يعود على اليهود فقط، بدليل الرواية الأخرى، وأما بأن المراد من أمر بالإيمان بهم من الأنبياء السابقين: كنوح وإبراهيم. قالت عائشة: (لولا ذلك أبرز قبره) بضم الهمزة مبنيًا للمفعول، وقبره بالرفع نائب الفاعل، ولأبي ذر: أبرز قبره بفتح الهمزة (غير أنه خشي) عليه الصلاة والسلام (- أو خشي -) بضم الخاء مبنيًّا للمفعول والفاعل الصحابة، أو عائشة (أن يتخذ) بضم أوله وفتح ثالثه: قبره (مسجدًا). (و) بالإسناد المذكور (عن هلال) الوزان (قال كناني عروة بن الزبير و) الحال أنه (لم يولد لي) ولد لأن الغالب أن الإنسان لا يكنى إلا باسم أول أولاده، ونبه المؤلف بذلك على لقي هلال لعروة، واختلف في كنية هلال والمشهور أبو عمرة. إرشاد الساري/ج ٣/م ٣٢ ٤٩٨ كتاب الجنائز/ باب ٩٦ ١٣٩٠ م - حدثنا محمد بن مُقاتلٍ أخبرنا عبدُ اللَّهِ أخبرنا أبو بكر بنُ عيَّاشِ عن سُفيانَ التمَّارِ أنهُ حدَّثَهُ أنهُ رأى قبرَ النبيِّ وَلّ مُسَنَّمًا. وبه قال: (حدّثنا) بالجمع ولأبي ذر: حدّثني (محمدبن مقاتل) المروزي، المجاور بمكة، قال (أخبرنا عبدالله) بن المبارك، قال: (أخبرنا أبو بكربن عياش) بالمثناة التحتية والشين المعجمة (عن سفيان) بن دينار على الصحيح (التمار) بالمثناة الفوقية، من كبار التابعين، لكنه لم يعرف له رواية عن صحابي. (أنه حدثه أنه رأى قبر النبي، وَّ، مسنمًا) بضم الميم وتشديد النون المفتوحة، أي: مرتفعًا: زاد أبو نعيم في مستخرجه: وقبر أبي بكر، وعمر كذلك. واستدل به على أن المستحب تسنيم القبور، وهو قول أبي حنيفة، ومالك، وأحمد، والمزني وكثير من الشافعية. وقال أكثر الشافعية، ونص عليه الشافعي: التسطيح أفضل من التسنيم، لأنه ◌َّ سطح قبر إبراهيم، وفعله حجة لا فعل غيره، وقول سفيان التمار لا حجة فيه، كما قال البيهقي: لاحتمال أن قبره ◌َّة، وقبري صاحبيه، لم تكن في الأزمنة الماضية مسنمة. وقد روى أبو داود بإسناد صحيح، أن القاسم بن محمدبن أبي بكر، قال: دخلت على عائشة فقلت لها: اكشفي لي عن قبر النبي ◌َ لتر وصاحبيه. فكشفت عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا لاطئة، مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء، أي: لا مرتفعة كثيرًا، ولا لاصقة بالأرض. كما بينه في آخر الحديث. يقال لطىء بكسر الطاء، ولطأ بفتحها، أي: لصق. ولا يؤثر في أفضلية التسطيح كونه صار شعارًا للروافض، لأن السنة لا تترك بموافقة أهل البدع فيها، ولا يخالف ذلك قول علي، رضي الله عنه: أمرني رسول الله ﴿ أن لا أدع قبرًا مشرفًا إلا سويته، لأنه لم يرد تسويته بالأرض، وإنما أراد تسطيحه جمعًا بين الأخبار. نقله في المجموع عن الأصحاب. ١٣٩١ - حدثنا فروةُ حدَّثَنا عليٍّ عن هشام بنِ عُروةً عن أبيهِ لمَّا سَقَطَ عليهمُ الحائطُ في زمانِ الوليدِ بنِ عبدِ الملكِ أخَذوا في بنائهِ، فَبَدَتْ لهم قَدَمٌ. فَفَزِعوا وظنُّوا أنها قَدَمُ النبِّ ◌َِّ، فما وَجدَوا أحدًا يَعلمُ ذُلك حتَّى قال لهم عُروةُ: لا واللَّهِ، ما هيَ قَدَمُ النبيِّ ◌َّزَ، ما هي إلاّ قَدَمُ عُمرَ رضيَ اللهُ عنه. وبه قال: (حدّثنا) بالجمع، ولأبوي: ذر، والوقت، حدّثني (فروة) بفتح الفاء وسكون الراء: ابن أبي المغراء، بفتح الميم وسكون الغين المعجمة آخره راء، يمد ويقصر، قال: (حدّثنا علي) ولأبي ذر: علي بن مسهر، بضم الميم وسكون السين المهملة وكسر الهاء (عن هشام بن عروة عن أبيه) عروة بن الزبير، قال : (لما سقط عليهم) ولأبي ذر، عن الحموي والكشميھني: عنهم (الحائط) أي: حائط حجرة ٤٩٩ كتاب الجنائز/ باب ٩٦ عائشة، رضي الله عنها، (في زمان) إمرة (الوليد بن عبد الملك) بن مروان، حين أمر عمر بن عبد العزيز برفع القبر الشريف، حتى لا يصلي إليه أحد، إذ كان الناس يصلون إليه (أخذوا في بنائه فبدت) أي: ظهرت (لهم قدم) بساق وركبة، كما رواه: أبو بكر الآجري، من طريق شعيب بن إسحاق، عن هشام: في القبر لا خارجه (ففزعوا، وظنوا أنها قدم النبي بَّ)، وفي رواية أخرى: ففزع عمر بن عبد العزيز. (فما وجدوا أحدًا يعلم ذلك، حتى قال لهم عروة: لا والله ما هي قدم النبي ◌ٍَّو ما هي إلا قدم عمر، رضي الله عنه). وعند الآجري: هذا ساق عمر وركبته، فسري عن عمر بن عبد العزيز. ١٣٩١ م - وعن هِشام عن أبيهِ عن عائشةَ رضيَ اللَّهُ عنها أنَّها أوصَتْ عبدَ اللهِ بن الزُّبيرِ رضيَ اللَّهُ عنهما: لا تدفِنِّي معَهم، وادِفِنِّي مع صواحبي بالبَقِيعِ، لا أَزَكَّى بهِ أبدًا. [الحديث ١٣٩١ - طرفه في: ٧٤٢٧]. (وعن هشام، عن) عروة بن الزبير، بالسند المذكور، وأخرجه المؤلف في: الاعتصام وجه آخر، عن هشام، (عن أبيه عن عائشة، رضي الله عنها). (أنها أوصت) ابن أختها أسماء (عبد الله بن الزبير) رضي الله عنهما: (لا تدفني معهم) مع : النبي ◌َّر وصاحبيه (وادفني مع صواحبي) أمهات المؤمنين (بالبقيع) زاد الإسماعيلي، من طريق عبدة، عن هشام: وكان في بيتها موضع قبرها. (لا أزكى) بضم الهمزة وفتح الزاي والكاف، مبنيًا للمفعول، أي: لا يُثنى علي (به) أي: بسبب الدفن معهم (أبدًا) حتى يكون لي بذلك مزية وفضل، وأنا في نفس الأمر يحتمل أن لا أكون كذلك. وهذا الحديث من قوله: وعن هشام إلى آخر قوله: أبدًا، ضبب عليه في اليونينية، وثبت في غيرها. ١٣٩٢ - حدثنا قتيبةُ حدَّثَنا جريرُ بنُ عبدِ الحميدِ حدَّثَنا حُصَينُ بنُ عبدِ الرحمنِ عن عمروبنِ مَيمونٍ الأوْدِيِّ قال: رأيتُ عمرَبنَ الخطّابِ رضي اللَّهُ عنهُ قال: يا عبدَ اللَّهِ بنَ عُمر، اذهَبْ إلى أمٌ المؤمنينَ عائشةَ رضيَ اللَّهُ عنها فقُل: يَقْرَأُ عمرُ بنُ الخطابِ عليكِ السلامَ، ثمَّ سَلْها أنْ أُدْفَنَ مَع صاحبَيَّ. قالت: كنتُ أُريدُهُ لنفسي، فَلأُوثرنَّهُ اليومَ على نفسي. فلمَّا أقبلَ قال لهُ: ما لَدَيكَ؟ قال: أذنِتْ لكَ يا أمير المؤمنينَ. قال: ما كان شيءٌ أهمَّ إليَّ مِن ذُلك المَضْجِع، فإذا قُبِضتُ فاحمِلوني، ثمَّ سلْموا، ثم قل: يَستأذِنُ عمرُ بنُ الخطابِ، فإن أذِنَتْ لي فادفنوني، وإلاّ فرذُوني إلى مقابرِ المسلمينَ، إني لا أعلمُ أحدًا أحقَّ بهذا الأمرِ من هؤلاء النَّفَرِ الذينَ تُوُفِّيَ رسولُ اللَّهِ مَ ◌ّ وهوَ عنهم راض، فمَنِ استَخْلَفوا بعدي فهوَ الخليفةُ فاسمعوا لهُ وأطيعوا. فسمَّى عثمانَ وعليًّا وطَلحةَ والزُّبِيرَ وعبدَ الرحمْنِ بنَ عَوفٍ وسَعدَ بن أبي وَقَّاصٍ. وَوَلَجَ عليهِ شابٌّ مِنَ الأنصار فقال: أبشِرْ يا أمير ٥٠٠ كتاب الجنائز/ باب ٩٦ المؤمنين بِبُشْرى اللَّهِ: كان لكَ من القدم في الإسلام ما قد علمتَ، ثم استُخلِفتَ فعدَلت، ثمّ الشهادةُ بعد هذا كله. فقال: ليتَني يا ابن أخي وذُلكَ كفافًا لا عليَّ ولا لي. أُوصِي الخليفةَ من بَعدي بالمهاجرينَ الأولينَ خيرًا، أن يَعرِفَ لهم حقَّهم، وأن يَحفَظَ لهم حُرمَتَهم. وأُوصِيهِ بالأنصارِ خيرًا، الذين نَّبَوَّأُوا الدارَ والإيمانَ أن يُقْبَلَ مِن مُحسِنهم ويُعفى عن مُسِيئِهِمْ. وأُوصيهِ بِذِمَّةِ اللَّهِ وذمَّةِ رسولِهِوَ﴿ أن يُوفَى لهم بعهدِهم وأنْ يُقاتَلَ مِن ورائهم، وأن لا يُكلَّفوا فوقَ طاقتِهم)). [الحديث ١٣٩٢ - أطرافه في: ٣٠٥٢، ٣١٦٢، ٣٧٠٠، ٤٨٨٨، ٧٢٠٧]. وبه قال: (حدّثنا قتيبة) بن سعيد، قال: (حدّثنا جرير بن عبد الحميد) بن قرط، بضم القاف وسكون الراء آخره طاء مهملة، الضبي الكوفي، نزيل الريّ قال: (حدّثنا حصين بن عبدالرحمن) السلمي (عن عمروبن ميمون) بفتح العين (الأودي) بفتح الهمزة وسكون الواو وبالدال المهملة (قال: أرأيت عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، قال:) لابنه، بعد أن طعنه أبو لؤلؤة العلج، بالسكين، الطعنة التي مات بها (يا عبد الله بن عمر، أذهب إلى أم المؤمنين عائشة، رضي الله عنها، فقل: يقرأ عمر بن الخطاب عليك السلام، ثم سلها أن أدفن مع صاحبيَّ) بفتح الموحدة وتشديد الياء، مع النبي ◌َّر، وأبي بكر، رضي الله عنه، زاد في مناقب عثمان: فسلم واستأذن ثم دخل عليها، فوجدها قاعدة تبكي فقال: يقرأ عليك عمربن الخطاب السلام، ويستأذن أن يدفن مع صاحبيه (قالت: كنت أريده) أي: الدفن معهما (لنفسي). فإن قلت قولها: كنت أريده لنفسي يدل على أنه لم يبق إلا ما يسع موضع قبر واحد، فهو يغاير قولها السابق لابن الزبير: لا تدفني معهم، فإنه بقي من الحجرة موضع للدفن. أجيب: بأنها كانت أولاً تظن أنها كانت لا تسع إلا قبرًا واحدًا، فلما دفن ظهر لها أن هناك وسعًا لقبر آخر. (فَلأُوثِرَنَّهُ) بالثاء المثلثة أي فلأختاره (اليوم) بالنصب على الظرفية (على نفسي). فإن قيل: قد ورد أن الحظوظ الدينية لا إيثار فيها، كالصف الأول ونحوه، فكيف آثرت عائشة، رضي الله عنها؟ أجاب ابن المنير: بأن الحظوظ المستحقة بالسوابق ينبغي فيها إيثار أهل الفضل، فلما علمت عائشة فضل عمر آثرته كما ينبغي لصاحب المنزل إذا كان مفضولاً أن يؤثر بفضل الإمامة من هو أفضل منه إذا حضر منزله، وإن كان الحق لصاحب المنزل . اهـ. (فلما أقبل) زاد في المناقب، قيل: هذا عبد الله بن عمر قد جاء، قال: ارفعوني، فأسنده رجل إليه (قال له: ما لديك) أي: ما عندك من الخبر (قال: أذنت لك) بالدفن مع صاحبيك (يا أمير المؤمنين. قال) زاد في المناقب: الحمد لله (ما كان شيء أهم إلي من ذلك المضجع) بفتح الجيم وكسرها في اليونينية (فإذا قبضت) بضم القاف مبنيًّا للمفعول (فاحملوني، ثم سلموا، ثم قل) يا ابن