Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
کتاب الکسوف/ باب ٥
الشمس) بفتح الخاء والسين (بمثل حديث عروة بن الزبير (عن عائشة) رضي الله عنها في مسلم،
عن عروة، عنها أنه مُّ جهر في صلاة الخسوف بقراءته، فصلى أربع ركعات في ركعتين، وأربع
سجدات .
قال الزهري: وأخبرني كثيربن عباس، عن ابن عباس، عن النبي، بَّر أنه صلى أربع ركعات
في ركعتين وأربع سجدات ... الحديث.
قال الزهري (فقلت لعروة) بن الزبيربن العوام الفقيه التابعي، المتوفى سنة أربع وتسعين ومائة:
(إن أخاك) أي عبد الله بن الزبيربن العوام الصحابي، رضي الله عنه، (يوم خسفت الشمس بالمدينة)
بفتح الخاء والسين (لم يزد على) صلاة (ركعتين مثل) صلاة (الصبح) في العدد والهيئة.
(قال) عروة: (أجل) يعني: نعم، صلى كذلك (لأنه أخطأ السنة) ولأبي الوقت من غير
اليونينية: إنه أخطأ السنة، أي: جاوزها سهوًا، أو عمدًا بأن أدى اجتهاده إلى ذلك، لأن السنة أن
يصلي في كل ركعة ركوعان. نعم، ما فعله عبد الله يتأدى به أصل السنة، وإن كان فيه تقصير
بالنسبة إلى كمال السنة.
فإن قلت: الأولى الأخذ بفعل عبدالله لكونه صحابيًا، لا بقول أخيه عروة التابعي.
أجيب: بأن قول عروة: السنة كذا، وإن قلنا إنه مرسل على الصحيح. لكن قد ذكر عروة
مستنده في ذلك، وهو خبر عائشة المرفوع، فانتفى عنه احتمال كونه موقوفًا أو منقطعًا. فترجح
المرفوع على الموقوف، فلذلك حكم على صنيع أخيه بالخطأ بالنسبة إلى الكمال. والله أعلم.
٥ - باب هل يقولُ
كَسفَتِ الشمسُ أو خَسفَتْ؟
وقال الله تعالى: ﴿وَخَسَف القمرُ﴾ [القيامة: ٨]
هذا (باب) بالتنوين (هل يقول) القائل (كسفت الشمس) بالكاف (أو) يقول (خسفت) بالخاء
المعجمة. زاد ابن عساكر فقال: أو خسفت الشمس.
قيل أورده ردًا على المانع من إطلاقه بالكاف على الشمس. رواه سعيدبن منصور بإسناد
صحيح موقوف عن عروة من طريق الزهري بلفظ: لا تقولوا: كسفت الشمس، ولكن قولوا:
خسفت. والأصح أن الكسوف والخسوف المضافين للشمس والقمر بمعنى يقال: كسفت الشمس
والقمر، وخسفتا بفتح الكاف والخاء مبنيًّا للفاعل، و: كسفًا وخسفًا: بضمهما مبنيًّا للمفعول
وانكسفا وانخفا، انفعل، ومعنى المادتين واحد، أو يختص ما بالكاف بالشمس، وما بالخاء بالقمر.
وهو المشهور على ألسنة الفقهاء.
إرشاد الساري/ ج ٣/ م ٦

٨٢
کتاب الکسوف/ باب ٥
واختاره ثعلب، وادعى الجوهري أفصحيته، ونقل عياض عكسه، وعورض بقوله تعالى:
﴿وخسف القمر﴾ [القيامة: ٨] ويدل للقول الأول إطلاق اللفظين في المحل الواحد في الأحاديث.
قال الحافظ عبد العظيم المنذري، ومن قبله القاضي أبو بكربن العربي: حديث الكسوف رواه
عن النبي ◌َ ﴿ سبعة عشر نفسًا، رواه جماعة منهم بالكاف، وجماعة بالخاء. وجماعة باللفظين
جمیعًا . اهـ.
ولا ريب أن مدلول الكسوف لغة غير مدلول الخسوف، لأن الكسوف، بالكاف: التغير إلى
سواد، والخسوف، بالخاء النقص والذل. كما مر. في أول كتاب الكسوف.
فإذا قيل في الشمس: كسفت أو خسفت، لأنها تتغير ويلحقها النقص ساغ ذلك، وكذلك
القمر، ولا يلزم من ذلك أن الكسوف والخسوف مترادفان.
(وقال الله تعالى) في سورة القيامة ((وخسف القمر)) [القيامة: ٨] في إيراده لها إشعار
باختصاص القمر بخسف الذي بالخاء، واختصاصها بالذي بالكاف كما اشتهر عند الفقهاء، أو أنه
يجوز الخاء في الشمس كالقمر لاشتراكهما في التغير الحاصل لكل منهما.
١٠٤٧ - حدثنا سعيدُ بنُ عُفيرٍ قال: حدَّثَنا الليثُ قال حدثني عُقَيلٌ عنِ ابنِ شِهابٍ قال: أخبرني
عروةُ بنُ الزُّبِيرِ أنَّ عائشةَ زوجَ النبيِّلَهَ أخبرَتهُ ((أنَّ رسولَ اللَّهِوَ لَّهِ صلَّى يومَ خسَفَتِ الشمسُ فقامَ
فكبَّرَ فقرأ قراءَةً طويلةً، ثم ركعَ رُكوعًا طويلاً، ثمّ رفعَ رأْسهُ فقال: سمِعَ اللَّهُ لمنْ حِمِدَه، وَقَامَ
كما هو، ثمَّ قرأ قِراءَةً طويلةً وهيَ أدنى منَ القراءَةِ الأُولى، ثمَّ ركعَ ركوعًا طويلاً وهي أدنى منَ
الركعةِ الأُولى، ثمَّ سجدَ سجودًا طويلاً، ثمَّ فعلَ في الركعةِ الآخرةِ مِثلَ ذلكَ، ثمَّ سلَّمَ - وقد تَجَلَّتِ
الشمسُ- فخطبَ الناسَ فقال في كُسوفِ الشمسِ والقمرِ: إنهما آيتانِ من آياتِ اللَّه لا يَخسِفانِ
لموتِ أحدٍ ولا لحياتهِ، فإذا رأيتموهما فافزَعوا إلى الصلاةِ».
وبالسند قال: (حدّثنا سعيدبن عفير) هو: سعيدبن كثير، بالمثلثة، ابن عفير، بضم العين
وفتح الفاء، الأنصاري البصري (قال: حدثنا الليث) بن سعد (قال: حدّثني) بالإفراد (عقيل) بضم
العين، المصري (عن ابن شهاب) الزهري (قال: أخبرني) بالإفراد (عروة بن الزبير) بن العوام، التابعي
(أن عائشة) رضي الله عنها (زوج النبي، وَّ، أخبرته).
(أن رسول الله) وللأصيلي: أن النبي (َّر، صلى يوم خسفت الشمس) بالخاء المفتوحة (فقام
فكبر) للإحرام (فقرأ) بعد الفاتحة (قراءة طويلة، ثم ركع) بعد أن كبر، (ركوعًا طويلاً، ثم رفع
رأسه) من الركوع (فقال):

٨٣
کتاب الکسوف/ باب ٥
(سمع الله لمن حمده) ربنا لك الحمد (وقام) بالواو ولأبي ذر في نسخة: فقام (كما هو، ثم قرأ
قراءة طويلة، وهي أدنى من القراءة الأولى، ثم ركع) ثانيًا (ركوعًا طويلاً وهي) أي: الركعة (أدنى
من الركعة الأولى، ثم سجد سجودًا طويلاً، ثم فعل في الركعة الآخرة) بمد الهمزة بغير ياء قبل
الراء (مثل ذلك) من طول القراءة وزيادة الركوع بعد، لكنه أدنى قراءة وركوعًا من الأولى، والرابعة
أدنى من الثالثة .
فيستحب أن يقرأ في الأربعة السور الأربعة الطوال: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة.
ويسبح في الركوع الأول والسجود، في كل منهما، قدر مائة آية من البقرة، وفي الثاني قدر ثماني،
وفي الثالث قدر سبعين، وفي الرابع قدر خمسين تقريبًا كما مر. ولا يطيل في غير ذلك من الاعتدال
بعد الركوع الثاني، والتشهد والجلوس بين السجدتين. لكن قال في الروضة، بعد نقله عن قطع
الرافعي وغيره: إنه لا يطيل الجلوس.
وقد صح في حديث عبدالله بن عمروبن العاصي: أن النبي ◌َ لّ سجد، فلم يكد يرفع، ثم
رفع فلم يكد يسجد، ثم سجد فلم يكد يرفع، ثم فعل في الركعة الأخرى مثل ذلك. ومقتضاه كما
قال في شرح المهذب: استحباب إطالته، واختاره في الأذكار.
(ثم سلم -وقد تجلت الشمس-) بالمثناة الفوقية وتشديد اللام (فخطب الناس، فقال في كسوف
الشمس والقمر) بالكاف :
(إنهما آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته) بفتح المثناة التحتية وكسر السين
بينهما خاء معجمة. وهذا موضع الترجمة، لأنه استعمل كل واحد من الكسوف والخسوف في كل
واحد من القمرين.
وقول ابن المنير، متعقبًا المصنف في استدلاله بقوله: يخسفان، على جواز إطلاق ذلك على كل
من الشمس والقمر، حيث قال: أما الاستشهاد على الجواز في حال الانفراد بالإطلاق في التثنية فغير
متجه، لأن التثنية باب تغليب، فلعله غلب أحد الفعلين كما غلب أحد الاسمين.
تعقبه صاحب مصابيح الجامع: بأن التغليب مجاز، فدعواه على خلاف الأصل، فالاستدلال
بالحديث متأت، وقوله: كما غلب أحد الاسمين إن أراد في هذا الحديث الخاص، فممنوع. وإن
أراد فيما هو خارج: كالقمرين، فلا يفيده بل ولو كان في هذا الحديث ما يقتضي تغليب أحد
الاسمين لم يلزم منه تغليب أحد الفعلين . اهـ.
(فإذا رأيتموهما) بضمير التثنية، ولأبي ذر في نسخة: فإذا رأيتموها، بالإفراد (فافزعوا إلى
الصلاة) بفتح الزاي، وبالعين المهملة، أي: توجهوا إليها .
واستنبط منه: أن الجماعة ليست شرطًا في صحتها لأن فيه إشعار بالمبادرة إلى الصلاة

٨٤
كتاب الكسوف/ باب ٦
والمسارعة إليها، وانتظار الجماعة قد يؤدي إلى فواتها أو إلى إخلاء بعض الوقت من الصلاة. نعم،
يستحب لها الجماعة .
وفي قوله: ثم سجد سجودًا طويلاً، الرد على من زعم أنه يسن تطويل السجود في
الكسوف، ويأتي البحث فيه حيث ذكره المؤلف في باب مفرد.
٦ - باب قول النبيُ
وسـ
((يُوفُ اللَّهُ عِبادَهُ بالْكُسوفِ»
قاله أبو موسى عنِ النبيِّ ◌َلَد.
(باب قول النبي، وَلّ: (يخوف الله عباده بالكسوف قاله أبو موسى) كذا للأربعة، ولغيرهم:
وقال أبو موسى (عن النبي ◌َّد) فيما وصله المؤلف، بعد ثمانية أبواب.
١٠٤٨ - حدّثنا قُتِيبةُ بنُ سعيدٍ قال: حدَّثَنا حمّادُ بنُ زيدٍ عن يُونسَ عنِ الحسَنِ عن أبي بكرةَ
قال: قال رسولُ اللَّهِ وَّ: ((إن الشمسَ والقمرَ آيَتانِ من آياتِ اللَّهِ لا ينكَسِفانِ لموتِ أحدٍ، وَلكنَّ
اللَّهَ تعالى يخوفُ بهما عبادَهُ». وقال أبو عبدِ اللَّهِ: لم يَذكر عبدُ الوارِثِ وَشُعبةُ وخالدُ بنُ عبدِ اللهِ
وَحمّادُ بنُ سلمةَ عن يونُسَ: ((ويُخوْفِ اللَّه بِها عبادَهُ)). وتابعَهُ أشعثُ عن الحسنِ. وتَابعَهُ موسى عن
مُبارَكٍ عن الحسَنِ قال: أخبرني أبو بكرةَ عنِ النبيِّوَله: ((إنَّ اللَّهَ تعالى يُخوّفُ بهما عبادَهُ)).
وبه قال (حدّثنا قتيبة بن سعيد) أبو رجاء الثقفي البغلاني، وسقط: ابن سعيد، لأبي ذر في
نسخة، ولأبي الوقت، وابن عساكر، والأصيلي: (قال: حدّثنا حمادبن زيد) بن درهم الأزدي
الجهضمي البصري (عن يونس) بن عبيد (عن الحسن) البصري (عن أبي بكرة) نفيع بن الحرث، رضي
الله عنه (قال: قال رسول الله وَله) لما كسفت الشمس، وقالوا: إنما كسفت لموت إبراهيم:
(إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله) أي: كسوفهما، لأن التخويف إنما هو بخسوفهما، لا
بذاتهما، وإن كان كل شيء من خلقه آية من آياته .
ولذا قال الشافعي، فيما رأيته في سنن البيهقي، في قوله: ﴿ومن آياته الليل والنهار والشمس
والقمر﴾ [فصلت: ٣٧] الآية وقوله: ﴿إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار
والفلك التي تجري في البحر﴾ [البقرة: ١٦٤] مع ما ذكر الله من الآيات في كتابه، ذكر الله
الآيات ولم يذكر معها سجودًا إلا مع الشمس والقمر، فأمر بأن لا يسجد لهما. وأمر بأن يسجد له،
فاحتمل أمره أن يسجد له عند ذكر حادث في الشمس والقمر. واحتمل أن يكون إنما نهى عن
السجود لهما، كما نهى عن عبادة ما سواه، فدل رسول الله # على: أن يصلى لله عند كسوفهما،
ولا يفعل ذلك في شيء من الآيات غيرهما .. اهـ.

٨٥
کتاب الکسوف/ باب ٦
(لا ينكسفان لموت أحد) إذ هما خلقان مسخران، ليس لهما سلطان في غيرهما، ولا قدرة على
الدفع عن أنفسهما، وزاد أبو ذر هنا: ولا لحياته. بلام قبل الحاء، وله في أخرى: ولا حياته
بحذفها (ولكن الله تعالى يخوف بها) أي بالكسفة، وللأصيلي، وابن عساكر: بهما (عباده) ولأبي ذر
عن الحموي والمستملي: ولكن يخوف الله بهما عباده. ولأبي ذر عن الكشميهني: ولكن الله يخوّف بها
عباده .
فالكسوف من آياته تعالى المخوّفة. أما إنه آية من آيات الله فلأن الخلق عاجزون عن ذلك،
وأما إنه من الآيات المخوفة فلأن تبديل النور بالظلمة تخويف، والله تعالى إنما يخوف عباده ليتركوا
المعاصي، ويرجعوا لطاعته التي بها فوزهم، وأفضل الطاعات بعد الإيمان الصلاة.
وفيه رد على أهل الهيئة حيث قالوا: إن الكسوف أمر عادي لا تأخير فيه ولا تقديم. لأنه لو
كان كما زعموا لم يكن فيه تخويف ولا فزع، ولم يكن الأمر بالصلاة والصدقة معنى:
ولئن سلمنا ذلك، فالتخويف باعتبار أنه يذكر القيامة لكونه إنموذجًا قال الله تعالى: ﴿فإذا برق
البصر وخسف القمر﴾ [القيامة: ٧-٨] ... ومن ثم، قام عليه الصلاة والسلام فزعًا، فخشي أن
تكون الساعة، كما في رواية أخرى.
وكان عليه الصلاة والسلام إذا اشتد هبوب الرياح تغير ودخل وخرج خشية أن تكون كريح
عاد، وإن كان هبوب الرياح أمرًا عاديًا. وقد كان أرباب الخشية والمراقبة يفزعون من أقل من ذلك
إذ كل ما في العالم، علويه وسفليه، دليل على نفوذ قدرة الله تعالى، وتمام قهره.
فإن قلت: التخويف عبارة عن إحداث الخوف بسبب، ثم قد يقع الخوف وقد لا يقع،
وحينئذ يلزم الخلف في الوعيد.
فالجواب كما في المصابيح: المنع، لأن الخلف وضده من عوارض الأقوال، وأما الأفعال،
فلا. إنما هي من جنس المعاريض، والصحيح عندنا فيما يتميز به الواجب، أنه التخويف. ولهذا لم
يلزم الخلف على تقدير المغفرة.
فإن قيل: الوعيد لفظ فكيف يخلص من الخلف؟.
فالجواب: أن لفظ الوعيد عام أريد به الخصوص، غير أن كل واحد يقول: لعلي داخل في
العموم، فيحصل له التخويف، فيحصل الخوف وإن كان الله تعالى لم يرده في العموم، ولكن أراد
تخويفه بإيراد العموم، وستر العاقبة عنه في بيان أنه خارج منه، فيجتمع حينئذ الوعيد والمغفرة، ولا
خلف. ومصداقه في قوله تعالى: ﴿وما نرسل بالآيات إلا تخويفًا﴾ [الإسراء: ٥٩] قاله الدماميني.
(وقال أبو عبدالله) أي البخاري، وسقط ذلك كله للأربعة (لم) ولأبي الوقت، والأصيلي،
وابن عساكر: ولم (يذكر عبد الوارث) بن سعيد التنوري بفتح المثناة الفوقية وتشديد النون، البصري

٨٦
كتاب الكسوف/ باب ٧
فيما أخرجه المؤلف في صلاة كسوف القمر (وشعبة) بن الحجاج، مما سيأتي إن شاء الله تعالى في
كسوف القمر (وخالدبن عبد الله) الطحان الواسطي، مما سبق في أول الكسوف (وحمادبن سلمة)
بفتح اللام، ابن دينار الربعي، مما وصله الطبراني من رواية حجاج بن منهال عنه (عن يونس) بن عبيد
المذكور :
(ويخوف الله بها) وللحموي: بهما (عباده). وسقطت الجلالة لغير أبي ذر.
(وتابعه) أي: تابع يونس في روايته عن الحسن (أشعث) بفتح الهمزة وسكون المعجمة وفتح
المهملة وبالمثلثة، ابن عبد الملك الحمراني، بضم الحاء المهملة، البصري، مما وصله النسائي (عن
الحسن) البصري يعني في حذف قوله: ((يخوّف الله بهما عباده)).
(وتابعه موسى) هو: ابن إسماعيل التبوذكي، كما جزم به المزي أو هو: ابن داود الضبي،
كما قاله الدمياطي، لكن رجح الحافظ ابن حجر الأول بأن ابن إسماعيل معروف في رجال
البخاري، بخلاف ابن داود (عن مبارك) بضم الميم وفتح الموحدة، هو ابن فضالة بن أبي أمية القرشي
العدوي البصري، وقد روى هذا الطبراني من رواية أبي الوليد، وقاسم بن أصبغ من رواية
سليمان بن حرب، كلاهما عن مبارك (عن الحسن، قال: أخبرني) بالإفراد (أبو بكرة) رضي الله عنه
(عن النبي ◌َّر):
(إن الله تعالى يخوّف بهما) أي: بالكسوفين، ولابن عساكر: بها أي: بالكسفة، ولأبي الوقت:
عن النبي ◌ُّر، يخوّف الله بهما، ولأبي ذر كذلك إلا أنه قال: يخوّف بهما (عباده) فأسقط لفظ الجلالة
بعد: يخوّف، ولفظ: إن الله تعالى، قبلها، كأبي الوقت.
وفي هذه المتابعة الرد على ابن خيثمة، حيث نفى سماع الحسن من أبي بكرة، فإنه قال فيها:
أخبرني أبو بكرة، والمثبت مقدم على النافي، وقد سبق مزيد لذلك قريبًا.
ووقع في اليونينية في رواية غير أبي ذر متابعة أشعث عن الحسن عقب قوله في آخر متابعة
موسى: يخوّف بهما عباده قال في الفتح: والصواب تقديمها لخلو رواية أشعث من قوله: يخوّف بهما
عباده. نعم في بعض النسخ سقوط متابعة أشعث، وثبتت في هامش اليونينية، لأبوي ذر،
والوقت، والأصيلي وابن عساكر متقدمة على متابعة موسى، والله أعلم.
٧ - باب التعوُّذِ مِن عذابِ القبرِ في الكُسوفِ
(باب التعوذ) بالله (من عذاب القبر في) صلاة (الكسوف) حين يدعو فيها، أو بعد الفراغ
منها .

٨٧
كتاب الكسوف/ باب ٧
١٠٤٩ - حدثنا عبدُ اللَّهِ بنُ مَسلمةَ عن مالكِ عن يحيى بن سعيدٍ عن عمرةً بنتِ عبدِ الرحمنِ
عن عائشةَ زوج النبيِّ وَرَ: «أن يهودِيَّةً جاءت تسألُها فقالت لها: أعاذَكِ اللَّهُ من عذابِ القبرِ.
فسألَتْ عائشةُ رَضيَ اللَّهُ عنها رسولَ اللَّهِوَّهِ: أَيُعذّبُ الناسُ في قُبُورِهم؟ فقال رسولُ اللَّهِ وَ عائذًا
باللّهِ من ذلك)). [الحديث ١٠٤٩ - أطرافه في: ١٠٥٥، ١٢٧٢، ٦٣٦٦].
وبالسند قال: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) بفتح اللام، القعنبي (عن مالك) إمام الأئمة،
الأصبحي (عن يحيى بن سعيد) القطان (عن عمرة) بفتح العين وسكون الميم (بنت عبدالرحمن) بن
سعدبن زرارة، الأنصارية المدنية (عن عائشة زوج النبي ◌َّة) رضي الله عنها.
(أن) امرأة (يهودية) قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسمها، (جاءت تسألها) عطية (فقالت
لها: أعاذك الله) أي: أجارك (من عذاب القبر، فسألت عائشة رضي الله عنها رسول الله ◌َلا) مستفهمة
منه عن قول اليهودية ذلك، لكونها لم تعلمه قبل: (أيعذب الناس في قبورهم؟) بضم الياء بعد همزة
الاستفهام، وفتح الذال المعجمة المشددة (فقال رسول الله ◌َ لل: عائذًا بالله) على وزن فاعل، وهو من
الصفات القائمة مقام المصدر، وناصبه محذوف أي يعود عياذًا به، كقولهم: عوفي عافية، أو
منصوب على الحال المؤكدة، النائبة مناب المصدر، والعامل فيه محذوف أي: أعوذ حال كوني عائذًا
بالله (من ذلك) أي من عذاب القبر.
وفي رواية مسروق عن عائشة عند المؤلف في الجنائز فسألت عائشة رضي الله عنها
رسول الله، وَّ﴾، عن عذاب القبر، فقال: ((نعم عذاب القبر حق)). قالت عائشة: فما رأيت
رسول الله ◌َّيقول بعد صلى صلاة إلا تعوّذ من عذاب القبر.
ومناسبة التعوّذ عند الكسوف، أن ظلمة النهار بالكسوف، تشابه ظلمة القبر، وإن كان نهارًا
والشيء بالشيء يذكر، فيخاف من هذا كما يخاف من هذا، فيحصل الاتعاظ بهذا في التمسك بما
ينجي من غائلة الآخرة. قاله ابن المنير في الحاشية.
فإن قلت: هل كان عليه الصلاة والسلام يعلم ذلك ولا يتعوّذ؟ أو كان يعوذٌ ولم تشعر به
عائشة؟ أو سمع ذلك عن اليهودية فتعوّذ؟.
أجاب التوربشتي: بأن الطحاوي نقل: أنه، عليه الصلاة والسلام، سمع اليهودية بذلك،
فارتاع ثم أوحي إليه بعد ذلك بفتنة القبر، أو: أنه عليه الصلاة والسلام، لما رأى استغراب عائشة
حين سمعت ذلك من اليهودية، وسألته عنه، أعلن به بعد ما كان يسر، ليرسخ ذلك في عقائد
أمته، ویکونوا منه على خيفة . اهـ.
١٠٥٠ - «ثمَّ رَكبَ رسولُ اللَّهِو ◌َِّ ذاتَ غداةٍ مَركبًا فخَسفَتِ الشمسُ، فرَجعَ ضُحَى. فمرّ
رسولُ اللَّهِ وَ لّ بين ظَهرانَي الحُجَرِ، ثمَّ قامَ يُصلِّي، وَقَامَ الناسُ وَراءُهُ فقامَ قِيامًا طويلاً، ثمَّ رَكَعَ

٨٨
کتاب الكسوف/ باب ٧
رُكوعًا طويلاً، ثمَّ رَفعَ فقام قيامًا طويلاً وهوَ دون القِيامِ الأولِ، ثمَّ ركعَ ركوعًا طويلاً وهو دونَ
الركوعِ الأول، ثمَّ رَفعَ فسجدَ، ثم قامَ فقامَ قِيامًا طويلاً وهو دونَ القِيامِ الأولِ، ثمَّ ركعَ ركوعًا
طويلاً وهو دونَ الركوعِ الأولِ، ثم قامَ قيامًا طويلاً وهو دونَ القِيامِ الأولِ، ثم ركعَ ركوعًا طويلاً
وهو دونَ الركوعِ الأولِ، ثمَّ رفعَ فسجدَ، وانصرفَ فقال ما شاءَ اللَّهُ أن يقول، ثمَّ أمرَهم أن
يَتعوَّذوا من عذاب القبر)).
(ثم ركب رسول الله ◌َّة ذات غداة مركبًا) بفتح الكاف، وذات غداة هو من إضافة المسمى إلى
اسمه، أو: ذات، زائدة (فخسفت الشمس) بالخاء والسين المفتوحتين (فرجع ضحى) بضم الضاد
المعجمة مقصورًا منوّنًا ارتفاع النهار، ولا دلالة فيه على أنها لا تفعل في وقت الكراهة، لأن صلاته
لها في الضحى وقع اتفاقًا فلا يدل على منع ما سواه (فمر رسول الله وَل بين ظهراني الحجر) بفتح
الظاء المعجمة والنون على التثنية، والحجر بضم الحاء المهملة وفتح الجيم، جمع: حجرة بسكون
الجيم. والألف والنون زائدتان، أي: ظهر الحجر، أو الكلمة كلها زائدة (ثم قام يصلي) صلاة
الكسوف (وقام الناس وراءه) يصلون (فقام قيامًا طويلاً) قرأ فيه نحو سورة البقرة (ثم ركع ركوعًا
طويلاً) نحو مائة آية (ثم رفع) من الركوع (فقام قيامًا طويلاً) نحو آل عمران، ولأبي ذر، في نسخة،
والأصيلي: ثم قام قيامًا. وسقط في رواية ابن عساكر: ثم رفع (وهو) أي: القيام (دون القيام) وفي
نسخة: دون قيام (الأوّل، ثم ركع) ثانيًا (ركوعًا طويلاً) نحو ثمانين آية (وهو دون الركوع الأوّل،
ثم رفع) منه (فسجد) بفاء التعقيب، وهو يدل على عدم إطالة الاعتدال بعد الركوع الثاني، وتقدم
(ثم قام) من سجوده، ولأبي ذر: ثم رفع (فقام قيامًا طويلاً) نحو سورة النساء (وهو دون القيام
الأوّل، ثم ركع) ثالثًا (ركوعًا طويلاً) نحو سبعين آية، (وهو دون الركوع الأوّل، ثم رفع فسجد)
ظاهره: أن الثانية لم يقم فيها قيامين، ولا ركع ركوعين. والظاهر أن الراوي اختصره.
نعم، في فرع اليونينية، كهي، مما رقم عليه علامة السقوط.
(ثم قام) أي من الركوع، ولأبي ذر ثم رفع فقام قيامًا طويلاً نحوًا من المائدة (وهو دون القيام
الأوّل).
اختلف هل المراد به الأوّل من الثانية، أو يركع إلى الجميع فيكون كل قيام دون الذي قبله؟
ومن ثم اختلف في القيام الأوّل من الثانية، وركوعه. ويأتي مزيد لذلك إن شاء الله تعالى في: باب
الركعة الأولى في الكسوف أطول.
(ثم ركع) رابعًا (ركوعًا طويلاً) نحو خمسين آية (وهو دون الركوع الأوّل، ثم رفع فسجد) بفاء
التعقيب أيضًا.
(وانصرف) من صلاته بعد التشهد بالسلام (فقال) عليه الصلاة والسلام (ما شاء الله أن يقول)

٨٩
کتاب الکسوف/ باب ٨
مما ذكر في حديث عروة، من أمره لهم بالصلاة والصدقة والذكر، وغير ذلك (ثم أمرهم أن يتعوّذوا
من عذاب القبر) وهذا موضع الترجمة على ما لا يخفى.
وفي الحديث: أن اليهودية كانت عارفة بعذاب القبر، ولعله من كونه في التوراة، أو شيء من
كتبهم؟ وإن عذاب القبر حق يجب الإيمان به.
وقد دل القرآن في مواضع على أنه حق، فخرّج ابن حبان في صحيحه، من حديث أبي
هريرة، عنه رَّ في قوله ﴿فإن له معيشة ضنكًا﴾ [طه: ١٢٤] قال: عذاب القبر.
وفي الترمذي، عن علي: قال ما زلنا في شك من عذاب القبر حتى نزلت ﴿ألهاكم التكاثر
حتى زرتم المقابر﴾ [التكاثر: ٢-١].
وقال قتادة والربيع بن أنس في قوله تعالى: ﴿سنعذبهم مرتين﴾ [التوبة: ١٠١] أن أحدهما في
الدنيا والآخر عذاب القبر.
وحديث الباب أخرجه المؤلف أيضًا في الجنائز، وكذا مسلم والنسائي.
٨ - باب طولِ السجودِ في الكسوفِ
(باب طول السجود في) صلاة (الكسوف) أراد به الرد على من نفى تطويله.
١٠٥١ - هقثنا أبو نُعَيم قال: حدَّثَنَا شَيبانُ عن يحيى عن أبي سَلمةَ عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو
أنه قال: ((لما كَسفَتِ الشمسُ عَلَى عهدِ رسولِ اللَّهِ لهِ نُودِيَ: إنَّ الصلاةَ جامعةٌ. فَرَكَعَ النبيُّ ◌َّل
ركعتينٍ في سجدةٍ، ثمَّ قامَ فركعَ ركعتينٍ في سجدةٍ، ثمَّ جلسَ، ثمَّ جُلِّيَ عنِ الشمسِ. قال:
وقالت عائشةُ رضيَ اللَّهُ عنها: ما سجدتُ سجودًا قطُ كان أطولَ منها)».
وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين (قال: حدّثنا شيبان) بفتح المعجمة والموحدة بينهما
مثناة تحتية ساكنة آخره نون، ابن عبد الرحْمن التميمي البصري، سكن الكوفة (عن يحيى) بن أبي كثير
اليمامي (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف (عن عبدالله بن عمرو) وهو ابن العاص،
وللكشميهني: عمر، بضم العين أي ابن الخطاب، قال الحافظ ابن حجر: وهو وهم (أنه قال):
(لما كسفت الشمس) بالكاف المفتوحة (على عهد رسول الله، ( 18) أي زمنه (نودي) بضم النون
مبنيًّا للمفعول: (إن الصلاة جامعة) بالرفع، خبر إن، والصلاة اسمها، ولأبي الوقت: أن الصلاة،
بفتح الهمزة وتخفيف النون، ورفع الصلاة وجامعة. وقد مر مزيد لذلك قريبًا (فركع النبي ◌َّ،
ركعتين في سجدة) أي في ركعة، وقد يعبر بالسجود عن الركعة من باب إطلاق الجزء على الكل (ثم
قام) من السجود (فركع ركعتين في سجدة) أي: في ركعة كذلك (ثم جلس، ثم جلي عن الشمس)

٩٠
كتاب الكسوف/ باب ٩
بضم الجيم وتشديد اللام المكسورة مبنيًا للمفعول، من التجلية أي: كشف عنها بين جلوسه في
التشهد والسلام، ولأبي ذر في نسخة: ثم جلس حتى جلي، أي: إلى أن جلي عنها.
(قال) أبو سلمة، أو: عبدالله بن عمرو: (وقالت عائشة رضي الله عنها: ما سجدت سجودًا
قط كان أطول منها) عبرت بالسجود عن الصلاة كلها .
كأنها قالت: ما صليت صلاة قط أطول منها، غير أنها أعادت الضمير المستكن في كان على
السجود اعتبارًا بلفظه، وهو مذكر، وأعادت ضمير منها عليه اعتبارًا بمعناه إذ هو مؤنث، أو يكون
قولها: منها، على حذف مضاف، أي: من سجودها. قاله في المصابيح.
ولا يقال هذا لا يدل على تطويل السجود لاحتمال أن يراد بالسجدة الركعة، كما مر، لأن
الأصل الحقيقة، وإنما حملنا لفظ السجدة فيما مر أوّلاً على الركعة للقرينة الصارفة عن إرادة الحقيقة،
إذ لا يتصوّر ركعتان في سجدة وههنا لا ضرورة في الصرف عنها، قاله الكرماني.
واختلف في استحباب إطالة السجود في الكسوف، وصحح الرافعي عدم إطالته كسائر
الصلوات، وعليه جمهور أصحاب الشافعي.
وصحح النووي التطويل، وقال: إنه المختار. بل الصواب؛ وعليه المحققون من أصحابنا
الأحاديث الصحيحة الصريحة، وقد نص عليه الشافعي في مواضع قال: وعليه فالمختار ما قاله
البغوي: إن السجدة الأولى كالركوع الأوّل، والثانية كالثاني. وهو مشهور مذهب المالكية.
٩ - باب صلاة الكسوفِ جَماعةٌ
وصلى ابنُ عبّاسٍ بهم في صُفّةِ زَمزمَ. وَجَمَّعَ عليٍّ بنُ عبدِ اللهِ بن عباسٍ. وَصلَّى ابنُ عمرَ.
(باب) مشروعية (صلاة الكسوف جماعة).
(وصلى ابن عباس) رضي الله عنهما (بهم) بالقوم، ولأبوي ذر، والوقت، والأصيلي: وصلى
لهم ابن عباس (في صفة زمزم) وصله الإمام الأعظم الشافعي، وسعيدبن منصور، بلفظ: كسفت
الشمس، فصلى ابن عباس في صفة زمزم ست ركعات في أربع سجدات.
(وجمع) بتشديد الميم، وفي اليونينية؛ بالتخفيف (علي بن عبدالله بن عباس) التابعي، المدعوّ
بالسجاد، لأنه كان يسجد كل يوم ألف سجدة، وهو جد الخلفاء العباسيين. ولد ليلة قتل علي بن أبي
طالب، فسمي باسمه، أي: جمع الناس لصلاة الكسوف.
(وصلى ابن عمر) بن الخطاب صلاة الكسوف بالناس، وهذا وصله ابن أبي شيبة بمعناه، ومراد
المؤلف بذلك كله الاستشهاد على مشروعية الجماعة في صلاة الكسوف.

٩١
كتاب الكسوف/ باب ٩
١٠٥٢ - حدثنا عبدُاللَّهِ بنُ مَسلمةَ عن مالكِ عن زيدِبنِ أسلمَ عن عطاءِبنِ يَسارٍ عن
عبدِ اللهِ بن عبّاسٍ قال: ((انخسفَتِ الشمسُ على عهدِ رسولِ اللَّهِن ◌َ ◌ّهِ، فصلَّى رسولُ اللَّهِ وَِّ فِقامَ قِيامًا
طويلاً نحوًا مِن قراءةٍ سورة البقرةِ، ثمَّ ركعَ ركوعًا طويلاً، ثمَّ رفعَ فقام قيامًا طويلاً وهو دونَ القيام
الأول، ثم ركعَ ركوعًا طويلاً وهو دون الركوع الأولِ، ثم سجد، ثم قام قيامًا طويلاً وهو دون
القيامِ الأولِ، ثم ركعَ ركوعًا طويلاً وهو دون الركوع الأولِ، ثم رفعَ فقام قِيامًا طويلاً وهو دون
القيام الأولِ، ثمَّ ركعَ ركوعًا طويلاً وهو دونَ الركوع الأولِ، ثم سَجدَ، ثمَّ انصرفَ وَقد تجلَّتِ
الشمسُ، فقال ◌َ له: إنَّ الشمسَ والقمرَ آيَتانِ من آياتِ اللَّهِ لا يَخسِفانِ لموتِ أحدٍ ولا لحياتهِ، فإذا
رأيتم ذُلكَ فاذكروا اللَّهَ. قالوا يا رسولَ اللَّهِ، رأيناك تَناوَلْتَ شيئًا في مَقامِكَ، ثمَّ رأيناكَ كَعْكعتَ.
قال ◌ََّ: إني رأيتُ الجنَّةَ، فتناولتُ عُنقودًا ولو أصبتُه لأكلتم منهُ ما بقِيَتِ الدُّنيا. وَأُريتُ النارَ فلم
أَرَ مَنظَرًا كاليوم قطُّ أفظعَ. ورأيتُ أكثرَ أهلِها النساءَ. قالوا: بمَ يا رسولَ اللَّه؟ قال: بكفرِهنَّ. قيل:
يكفرنَ باللَّهِ؟ قال: يكفرنَ العشيرَ، ويكفرنَ الإحسانَ، لو أحسنتَ إلى إحداهنَّ الدهرَ كلَّهُ ثمَّ رأتْ
منكَ شيئًا قالت: ما رأيتُ منكَ خيرًا قط)).
وبالسند قال: (حدثنا عبدالله بن مسلمة) القعنبي (عن مالك) الإمام (عن زيدبن أسلم عن
عطاء بن يسار) بمثناة تحتية، وسين مهملة مخففة (عن عبدالله بن عباس) رضي الله عنهما (قال.
انخسفت الشمس) بنون بعد ألف الوصل ثم خاء، (على عهد رسول الله) أي: زمنه، ولأبي ذر، في
نسخة، والأصيلي، وأبي الوقت: على عهد النبي (َ﴿، فصلى رسول الله وَّ ر) أي: بالجماعة ليدل على
الترجمة (فقام قيامًا طويلاً نحوًا من قراءة سورة البقرة) وهو يدل على أن القراءة كانت سرًا، ولذا
قالت عائشة، كما في بعض الطرق عنها: فحزرت قراءته، فرأيت أنه قرأ سورة البقرة.
وأما قول بعضهم: إن ابن عباس كان صغيرًا، فمقامه آخر الصفوف، فلم يسمع القراءة،
فحزر المدة. فمعارض بأن في بعض طرقه: قمت إلى جانب النبي، وَ لّر، فما سمعت منه حرفًا.
ذكره أبو عمر .
(ثم ركع ركوعًا طويلاً) نحوًا من مائة آية (ثم رفع) من الركوع (فقام قيامًا طويلاً) نحوًا من
قراءة آل عمران (وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعًا طويلاً) نحوًا من ثمانين آية (وهو دون
الركوع الأول، ثم سجد) أي: سجدتين (ثم قام قيامًا طويلاً) نحوًا من النساء (وهو دون القيام
الأول، ثم ركع ركوعًا طويلاً) نحوًا من سبعين آية (وهو دون الركوع الأول، ثم رفع، فقام قيامًا
طويلاً) نحوًا من المائدة (وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعًا طويلاً) نحوًا من خمسين آية (وهو
دون الركوع الأول، ثم سجد) سجدتين (ثم انصرف) من الصلاة (وقد تجلت الشمس) أي: بين
جلوسه في التشهد والسلام. كما دل عليه قوله في الباب السابق: ثم جلس، ثم جلي عن الشمس.

٩٢
كتاب الكسوف/ باب ٩
(قال) بالفاء، وللأصيلى: وقال: (أَل:)):
(إن الشمس والقمر) كسوفهما (آيتان من آيات الله لا يخسفان) بفتح الياء وسكون الخاء وكسر
السين (لموت أحد، ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك، فاذكروا الله قالوا: يا رسول الله! رأيناك تناولت
شيئًا فى مقامك) كذا للأكثر: تناولت بصيغة الماضي، وللكشميهني: تناول، بحذف إحدى التاءين
تخفيفًا، وضم اللام بالخطاب، وللمستملي: تتناول، بإثباتها (ثم رأيناك كعكعت) بالكافين المفتوحتين
والمهملتين الساكنتين، وللكشميهني: تكعكعت، بزيادة مثناة فوقية أوّله، أي: تأخرت، أو تقهقرت.
وقال أبو عبيدة: كعكعته فتكعكع، وهو يدل على: أن كعكع متعد، وتكعكع لازم. وكعكع
يقتضي مفعولاً، أي: رأيناك كعكعت نفسك. ولمسلم رأيناك كففت نفسك من الكف وهو المنع.
(قال) ولأبي ذر في نسخة: (وَليّ):
(إني رأيت الجنة) أي: رؤيا عين كشف له عنها، فرآها على حقيقتها، وطويت المسافة بينهما
كبيت المقدس حين وصفه لقريش.
وفي حديث أسماء الماضي في أوائل صفة الصلاة ما يشهد له، حيث قال فيه: دانت مني
الجنة حتى لو اجترأت عليها لجئتكم بقطاف من قطافها، أو مثلت له في الحائط كانطباع الصور في
المرآة، فرأى جميع ما فيها.
وفي حديث أنس الآتي، إن شاء الله تعالى، في التوحيد، ما يشهد له حيث قال فيه:
عرضت علّ الجنة والنار آنفًا في عرض هذا الحائط، وأنا أصلي.
وفي رواية: لقد مثلت، ولمسلم: صوّرت، ولا يقال الانطباع إنما هو في الأجسام الصقيلة
لأن ذلك شرط عادي فيجوز أن تنخرق العادة خصوصًا لهڅچل .
(فتناولت) أي: في حال قيامه الثاني من الركعة الثانية، كما رواه سعيدبن منصور من وجه
آخر عن زيدبن أسلم (عنقودًا) منها أي: من الجنة: أي: وضعت يدي عليه بحيث كنت قادرًا على
تحويله، لكن لم يقدّر لي قطفه (ولو أصبته) أي: لو تمكنت من قطفه. في حديث عقبة بن عامر، عند
ابن خزيمة، ما يشهد لهذا التأويل، حيث قال فيه: أهوى بيده ليتناول شيئًا (لأكلتم منه) أي: من
العنقود (ما بقيت الدنيا).
وجه ذلك أنه يخلق الله تعالى مكان حبة تنقطف حبة أخرى، كما هو المروي في خواص ثمر
الجنة، والخطاب عام في كل جماعة يتأتى منهم السماع، والأكل إلى يوم القيامة لقوله: ما بقيت
الدنيا. وسبب تركه، عليه الصلاة والسلام، تناول العنقود، قال ابن بطال: لأنه من طعام الجنة،
وهو لا يفنى والدنيا فانية ولا يجوز أن يؤكل فيها ما لا يفنى.

٩٣
كتاب الكسوف/ باب ٩
وقال صاحب المظهر: لأنه لو تناوله ورآه الناس لكان إيمانهم بالشهادة لا بالغيب، فيخشى أن
يقع رفع التوبة، قال تعالى: ﴿يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسّنا إيمانها لم تكن آمنت﴾
[الأنعام: ١٥٨] وقال غيره: لأن الجنة جزاء الأعمال، والجزاء لا يقع إلا في الآخرة.
(ورأيت النار) بضم الهمزة وكسر الراء، مبنيًا للمفعول، وأقيم المفعول الذي هو الرائي في
الحقيقة مقام الفاعل، والنار نصب مفعول ثانٍ لأن أريت من الإراءة، وهو يقتضي مفعولين، ولغير
أبي ذر كما في الفتح: ورأيت بتقديم الراء على الهمزة مفتوحتين.
وكانت رؤيته النار قبل رؤيته للجنة، كما يدلْ له رواية عبد الرزاق حيث قال فيها: عرضت
على النبي، وَل﴿ النار، فتأخر عن مصلاه حتى إن الناس ليركب بعضهم بعضًا، وإذا رجع عرضت
عليه الجنة، فذهب يمشي حتى وقف في مصلاه.
ويؤيده حديث مسلم، حيث قال فيه: قد جيء بالنار، وذلك حين رأيتموني تأخرت مخافة أن
يصيبني من لفحها. وفيه: ثم جيء بالجنة، حين رأيتموني تقدّمت حتى قمت مقامي ... الحديث.
واللام في النار للعهد، أي: رأيت نار جهنم.
(فلم أر منظرًا كاليوم قط) منظرًا نصب بـ ((أَرَ)) وقط بتشديد الطاء وتخفيفها، ظرف للماضي،
وقوله: (أفظع) أقبح وأشنع وأسوأ صفة للمنصوب، وكاليوم قط اعتراض بين الصفة والموصوف،
وأدخل كاف التشبيه عليه لبشاعة ما رأى فيه.
وجوّز الخطابي في: أفظع وجهين: أن يكون بمعنى فظيع، كأكبر بمعنى كبير، وأن يكون
أفعل تفضيل على بابه على تقدير منه. فصفة أفعل التفضيل محذوفة.
قال ابن السید:
العرب تقول: ما رأيت كاليوم رجلاً، وما رأيت كاليوم منظرًا. والرجل والمنظر لا يصح أن
يشبها باليوم.
والنحاة تقول: معناه ما رأيت كرجل أراه اليوم رجلاً: وما رأيت كمنظر رأيته اليوم منظرًا،
وتلخيصه: ما رأيت كرجل اليوم رجلاً، وكمنظر اليوم منظرًا، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه
مقامه، وجازت إضافة الرجل والمنظر إلى اليوم لتعلقهما به، وملابستهما له، باعتبار رؤيتهما فيه.
وقال غيره: الكاف هنا اسم، وتقديره: ما رأيت مثل منظر هذا اليوم منظرًا. ومنظرًا تمييز.
ومراده باليوم: الوقت الذي هو فيه، ذكره الدماميني والبرماوي؛ لكن تعقب الدماميني الأخير،
وهو قوله: وقال غيره ... الخ، بأن اعتباره في الحديث يلزم منه تقدم التمييز على عامله،
والصحيح منعه، فالظاهر في إعرابه أن منظرًا: مفعول أر، وكاليوم: ظرف مستقر، صفة له وهو

٩٤
كتاب الكسوف/ باب ١٠
بتقدير مضاف محذوف، كما تقدم أي: كمنظر اليوم، وقط: ظرف لأر، وأفظع: حال من اليوم على
ذلك التقدير، والمفضل عليه وجاره محذوفان، أي كمنظر اليوم حال كونه أفظع من غيره. انتهى.
وللحموي والمستملي: فلم أنظر كاليوم قط أفظع.
(ورأيت أكثر أهلها النساء) استشكل مع حديث أبي هريرة: إن أدنى أهل الجنة منزلة من له
زوجتان من الدنيا، ومقتضاه أن النساء ثلثا أهل الجنة.
وأجيب: بحمل حديث أبي هريرة على ما بعد خروجهن من النار، وأنه خرج مخرج التغليظ
والتخويف، وعورض بإخباره عليه الصلاة والسلام بالرؤية الحاصلة.
وفي حديث جابر: ((وأكثر من رأيت فيها النساء اللاتي، إن ائتمنّ أفشين، وإن سئلن بخلن،
وإن سألن ألحفن، وإن أعطين لم يشكرن. فدل على أن المرئي في النار منهن من اتصف بصفات
ذميمة .
(قالوا: بم يا رسول الله؟) أصله: بما، بالألف، وحذفت تخفيفًا (بكفرهن قيل: يكفرن بالله)
وللأربعة: أيكفرن بالله؟ بإثبات همزة الاستفهام (قال) عليه الصلاة والسلام (يكفرن العشير) الزوج
أي: إحسانه لا ذاته، وعدي الكفر بالله بالباء ولم يعد كفر العشير بها، لأن كفر العشير لا يتضمن
معنى الاعتراف. ثم فسر كفر العشير بقوله: (ويكفرن الإحسان) فالجملة مع الواو مبينة للجملة
الأولى، على طريق: أعجبني زيد وكرمه، وكفر الإحسان تغطيته وعدم الاعتراف به، أو جحده
وإنكاره، كما يدل عليه قوله: (لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله) عمر الرجل، أو الزمان جميعه،
القصد المبالغة، نصب على الظرفية (ثم رأت منك شيئًا) قليلاً لا يوافق غرضها في أي شيء كان
(قالت: ما رأيت منك خيرًا قط). وليس المراد من قوله: أحسنت، خطاب رجل بعينه، بل كل من
يتأتى منه الرؤية، فهو خطاب خاص لفظًا، عام معنى.
١٠ - باب صَلاةِ النساءِ معَ الرجالِ في الكسوف
(باب صلاة النساء مع الرجال في الكسوف).
١٠٥٣ - حدّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ يوسفَ قال: أخبرنا مالكٌ عن هشام بنِ عُروةَ عنِ امرأتهِ فاطمةَ
بنتِ المنذرِ عن أسماء بنتِ أبي بكرٍ رضيَ اللَّهُ عنهما أنها قالت: «أتيتُ عائشةَ رضيَ اللهُ عنها زوجٌ
النبيِّ ◌َّ ◌ِحِينَ خَسِفَتِ الشمسُ- فإذا الناسُ قيامٌ يُصلُّونَ، وَإِذا هي قائمةٌ تصلّ. فقلت: ما للناسِ؟
فأشارت بيدِها إلى السماءِ وَقالت: سُبحانَ اللَّه. فقلتُ: آية؟ فأشارت أي نعم. قالت: فقمتُ حتى
تَجلاّني الغَشيُ، فجعلتُ أصبُّ فوقَ رأْسي الماءَ. فلما انصرفَ رسولُ اللَّهِ وَهِ حمِدَ اللَّهَ وَأثنى عليهِ
ثمَّ قال: ما مِن شيءٍ كنتُ لم أرَهُ قد رأيتهُ في مَقامي هذا، حتى الجنةُ والنارُ. وَلقد أُوحِيَ إليَّ

٩٥
کتاب الكسوف/ باب ١٠
أنَّكم تُفتَنونَ في القُبورِ مثلَ - أو قريبًا مِن- فتنةِ الدَّجّالِ (لا أدري أيتهما قالت أسماءُ)، يُؤْتى أحدُكم
فيقالُ لهُ: ما عِلْمُكَ بهذا الرجلِ؟ فأما المؤمنُ - أو الموقِنُ - (لا أدري أيَّ ذُلك قالت أسماءُ) فيقول:
محمدٌ رسولُ اللَّهِوَ لِّ جاءنا بالبيناتِ والهدى فأجَبْنا وآمنًا وَاتَّبَعنا، فيقال له: نَمْ صالحًا، فقد علمنا
إنْ كنتَ لموقِنًا. وَأما المُنَافِقِ - أو المُرتابُـ (لا أدري أيتهما قالت أسماءُ) فيقولُ: لا أدري، سمعتُ
الناس يقولون شيئًا فقلتُه)).
وبالسند قال: (حدّثنا عبدالله بن يوسف) التنيسي (قال: أخبرنا مالك) الإمام (عن هشام بن
عروة) بن الزبيربن العوّام (عن امرأته، فاطمة بنت المنذر) بن الزبيربن العوام (عن أسماء بنت أبي
بكر) الصديق، جدة فاطمة وهشام لأبويهما (رضي الله عنهما أنها قالت):
(أتيت عائشة) بنت أبي بكر الصديق، رضي الله عنهما (زوج النبي، وبَّر، حين خسفت
الشمس) بالخاء المفتوحة (فإذا الناس قيام يصلون، وإذا) بالواو، ولأبي ذر في نسخة: فإذا (هي قائمة
تصلي، فقلت: ما للناس) قائمين فزعين؟ (فأشارت) عائشة (بيدها إلى السماء) تعني: انكسفت
الشمس (وقالت: سبحان الله. فقلت: آية؟) أي علامة لعذاب الناس (فأشارت أي: نعم)
وللکشمیھني: أن نعم، بالنون بدل الياء.
(قالت) أسماء: (فقمت حتى تجلاني) بالجيم وتشديد اللام: أي غطاني (الغشي) من طول تعب
الوقوف، بفتح الغين وسكون الشين المعجمتين آخره مثناة تحتية مخففة، وبكسر الشين وتشديد المثناة:
مرض قريب من الإغماء، (فجعلت أصب فوق رأسي الماء) ليذهب الغشي، وهو يدل على أن
حواسها كانت مجتمعة، وإلا فالإغماء الشديد المستغرق ينقض الوضوء بالإجماع.
(فلما انصرف رسول الله، وَه) من الصلاة (حمد الله، وأثنى عليه) من عطف العام على الخاص
(ثم قال):
(ما من شيء) من الأشياء (كنت لم أره إلا قد) ولأبي ذر: وقد (رأيته) رؤيا عين (في مقامي
هذا) بفتح الميم الأولى، وكسر الثانية (حتى الجنة والنار) بالرفع فيهما على أن حتى ابتدائية، والجنة
مبتدأ حذف خبره، أي: حتى الجنة مرئية، والنار عطف عليه، والنصب على أنها عاطفة عطفت الجنة
على الضمير المنصوب في رأيته، والجر على أنها جارة.
واستشكل في المصابيح الجر بأنه لا وجه له إلا العطف على المجرور المتقدم، وهو ممتنع لما يلزم
عليه من زيادة: من، مع المعرفة والصحيح منعه.
(ولقد أوحي إلي أنكم) بفتح الهمزة (تفتنون) أي: تمتحنون (في القبور مثل) فتنة (-أو قريبًا -
من فتنة) المسيح (الدجال) بغير تنوين في: مثل، وإثباته في : قريبًا.

٩٦
كتاب الكسوف/ باب ١١
قالت فاطمة: (لا أدري أيتهما) بالمثناة التحتية والفوقية، أي: لفظ مثل أو قريبًا. (قالت
أسماء):
(يؤتى أحدكم) في قبره (فيقال له: ما علمك) مبتدأ خبره قوله (بهذا الرجل) محمد ◌ّر ولم يقل
رسول الله لأنه يصير تلقينًا لحجته (فأما المؤمن - أو الموقن-) ولأبي ذر، والأصيلي، أو: قال الموقن
(لا أدري أي ذلك قالت أسماء) الشك من فاطمة بنت المنذر.
(فيقول:) هو، (محمد رسول الله الله) هو (جاءنا بالبينات) بالمعجزات الدالة على نبوته
(والهدى) الموصل إلى المراد (فأجبنا وآمنا) بحذف ضمير المفعول للعلم به، أي: قبلنا نبوته معتقدين
مصدقين (وأتبعنا. فيقال له: نم) حال كونك (صالحًا، فقد علمنا إن كنت) بكسر الهمزة (لموقنًا)
ولأبوي ذر، والوقت، والأصيلي: لمؤمنًا.
(وأما المنافق) الغير المصدق بقلبه لنبوته (أو المرتاب) الشاك، قالت فاطمة: (لا أدري أيتهما)
بالمثناة الفوقية بعد التحتية، ولأبي ذر في نسخة ولأبي الوقت، والأصيلي: أيهما بإسقاط الفوقية
(قالت أسماء):
(فيقول: لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته).
قال ابن بطال، فيما ذكره في المصابيح: فيه ذم التقليد، وأنه لا يستحق اسم العلم التام على
الحقيقة .
ونازعه ابن المنير بأن ما حكي عن حال هذا المجيب لا يدل على أنه كان عنده تقليد معتبر،
وذلك لأن التقليد المعتبر هو الذي لا وهن عند صاحبه، ولا حصول شك. وشرطه أن يعتقد كونه
عالمًا. ولو شعر بأن مستنده كون الناس قالوا شيئًا فقاله لانحل اعتقاده، ورجع شكّا. فعلى هذا لا
يقول المعتقد المصمم يومئذ سمعت الناس يقولون، لأنه يموت على ما عاش عليه، وهو في حال
الحياة قد قررنا أنه لا يشعر بذلك، بل عبارته هناك، إن شاء الله، مثلها هنا من التصميم، وبالحقيقة
فلا بد أن يكون للمصمم أسباب حملته على التصميم غير مجرد القول، وربما لا يمكن التعبير عن
تلك الأسباب كما تقول في العلوم العادية، أسبابها لا تنضبط. انتهى.
١١ - باب من أحبَّ العَتاقةَ في كسوفِ الشمسِ
(باب من أحب العتاقة في) حال (كسوف الشمس) بالكاف. والعتاقة بفتح العين، تقول:
اعتق العبد يعتق بالكسر عتقًا وعتاقًا وعتاقة .
١٠٥٤ - حدثنا رَبيعُ بنُ يحيى قال: حدَّثَنا زائدةُ عن هِشام عن فاطمةَ عن أسماءَ قالت: «لقد
أمرَ النبيُّمَّرِ بِالعَتاقةِ في كسوفِ الشمسِ)).

٩٧
کتاب الکسوف/ باب ١٢
وبالسند قال: (حدّثنا) بالجمع، ولأبي ذر في نسخة، ولأبي الوقت، والأصيلي: حدّثني
(ربيع بن يحيى) البصري المتوفى سنة أربع وعشرين ومائتين (قال: حدّثنا زائدة) بن قدامة (عن هشام)
هو: ابن عروة بن الزبيربن العوام (عن) زوجته (فاطمة) بنت المنذربن الزبيربن العوام (عن أسماء)
بنت أبي بكر الصديق، رضي الله عنهما، (قالت):
(لقد أمر النبي، وَلـ) أمر ندب (بالعتاقة في كسوف الشمس) بالكاف، ليرفع الله بها البلاء عن
عباده، ولأبي ذر: بالعتاقة في الكسوف، وهل يقتصر على العتاقة، أو هي من باب التنبيه بالأعلى
على الأدنى؟ الظاهر الثاني لقوله تعالى: ﴿وما نرسل بالآيات إلاّ تخويفًا﴾ [الإسراء: ٥٩] وإذا كانت
من التخويف، فهي داعية إلى التوبة والمسارعة إلى جميع أفعال البر، كل على قدر طاقته.
ولما كان أشد ما يتوقع من التخويف: النار، جاء الندب بأعلى شيء يتقي به النار، لأنه قد
جاء: من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل عضو منها عضوًا منه من النار، فمن لم يقدر على ذلك
فليعمل بالحديث العام، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: ((اتقوا النار ولو بشق تمرة)). ويأخذ من
وجوه البر ما أمكنه، قاله ابن أبي جمرة.
١٢ - باب صلاةِ الكسوفِ في المسجدِ
(باب صلاة الكسوف في المسجد).
١٠٥٥ - حدثنا إسماعيلُ قال: حدَّثَني مالكٌ عن يحيى بن سعيدٍ عن عَمرةً بنتِ عبدِ الرحمُنِ
عن عائشةَ رضيَ اللَّهُ عنها: ((أن يهوديةً جاءت تَسألها فقالت: أعاذَكِ اللَّهُ من عذابِ القبرِ. فسألتْ
عائشةُ رسولَ اللَّهِوَلِّ: أَيُعذّبُ الناسُ في قبورِهم؟ فقال رسولُ اللَّهِ وَّرِ عائذًا بالله من ذلكَ)).
وبالسند قال (حدّثنا إسماعيل) بن أبي اويس (قال: حدثني) بالإفراد (مالك) الإمام (عن
يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن عمرة) بفتح العين، وسكون الميم (بنت) ولأبي ذر، في نسخة،
ولأبي الوقت: ابنة (عبدالرحمن) بن سعد الأنصارية (عن عائشة رضي الله عنها):
(أن يهودية جاءت تسألها) عطية (فقالت) لها (أعاذك الله من عذاب القبر، فسألت عائشة)
رضي الله عنها (رسول الله، وَّر، أيعذب الناس في قبورهم؟ فقال رسول الله(صَلخير):
(عائذًا) أي: أعوذ عياذًا، أو: أعوذ حال كوني عائذًا (بالله) ولأبي ذر في نسخة: عائذ
بالرفع، خبر لمحذوف أي: أنا عائذ بالله (من ذلك) أي من عذاب القبر.
١٠٥٦ - «ثمَّ رَكِبَ رسولُ اللَّهِ وَِّ ذاتَ غَداةٍ مَركَبًا فكَسفَتِ الشمسُ، فرجعَ ضحّى فمرَّ
رسولُ اللَّهِ وَلَّهِ بِينَ ظهرانَي الحُجَرِ، ثمَّ قام فصلّى، وقام الناسُ وراءَهُ، فقامَ قيامًا طويلاً، ثم ركع
إرشاد الساري/ ج ٣/ م ٧

٩٨
کتاب الكسوف/ باب ١٢
رُكوعًا طويلاً، ثم رفع فقام قيامًا طويلاً وهو دونَ القيامِ الأولِ، ثمَّ ركعَ ركوعًا طويلاً وهو دون
الركوعِ الأولِ، ثمَّ رفع فسجدَ سجودًا طويلاً، ثم قامَ فقام قِيامًا طويلاً وهو دُونَ القِيامِ الأولِ، ثم
رَكعَ ركوعًا طويلاً وهو دونَ الركوعِ الأولِ، ثم قامَ قيامًا طويلاً وهو دونَ القيامِ الأولِ، ثمَّ ركع
ركوعًا طويلاً وهو دونَ الركوع الأول، ثم سجدَ وهو دونَ السجودِ الأول. ثمَّ انصرفَ فقال
رسولُ اللَّهِ وَ لَّهِ ما شاءَ اللَّهُ أن يقولَ، ثمَّ أمَرهم أن يتعوَّذوا من عذابِ القبرِ)).
(ثم ركب رسول الله ﴿ ذات غداة مركبًا) بسبب موت ابنه إبراهيم (فكسفت الشمس)، بفتح
الكاف كمركبًا (فرجع) من الجنازة (ضُخَى) بالتنوين.
قال في الصحاح: تقول لقيته ضحى، وضحى إذا أردت به ضحى يومك لم تنوّنه، ثم بعده
الضحاء ممدود مذكر، وهو عند ارتفاع النهار الأعلى.
(فمر رسول الله وَّ بين ظهراني الحجر) بفتح النون، ولا تقل: ظهرانيهم، بكسرها. والألف
والنون زائدتان، والحجر: بضم الحاء وفتح الجيم، بيوت أزواجه عليه الصلاة والسلام، وكانت
لاصقة بالمسجد .
وعند مسلم من رواية سليمان بن بلال، عن يحيى، عن عمرة: فخرجت في نسوة بين ظهراني
الحجر في المسجد، فأتى النبي، وَّر، من مركبه حتى انتهى إلى مصلاه الذي كان يصلي فيه ...
الحديث؛ فصرح بكونها في المسجد.
ودل على سنيتها فيه كونه رجع إلى المسجد، ولم يصلها في الصحراء. ولولا ذلك لكانت
صلاتها في الصحراء أجدر برؤية الانجلاء. وهذا موضع الترجمة على ما لا يخفى.
(ثم قام) عليه الصلاة والسلام (فصلى) صلاة الكسوف (وقام الناس وراءه) يصلون (فقام قيامًا
طويلاً، ثم ركع ركوعًا طويلاً، ثم رفع فقام) ولأبي ذر في نسخة: وقام (قيامًا طويلاً وهو دون
القيام الأول، ثم ركع ركوعًا طويلاً، وهو دون الركوع الأول) من الركعة الأولى (ثم رفع، فسجد)
ولأبي ذر في نسخة: ثم سجد (سجودًا طويلاً، ثم قام) إلى الركعة الثانية (فقام قيامًا طويلاً، وهو
دون القيام الأول) من الركعة الأولى (ثم ركع ركوعًا طويلاً وهو دون الركوع الأول) من الأولى (ثم
قام قيامًا طويلاً، وهو دون القيام الأول) من هذه الثانية (ثم ركع ركوعًا طويلاً، وهو دون الركوع
الأول) من هذه الثانية، وسقط لأبي ذر من قوله: ثم ركع إلى قوله (ثم سجد وهو دون السجود
الأول) من الركعة الأولى، وندب قراءة البقرة بعد الفاتحة، ثم موالياتها في القيامات كما مر.
(ثم انصرف) من الصلاة بعد التشهد بالتسليم (فقال رسول الله وَ ل﴿، ما شاء الله أن يقول) من
أمره لهم: بالصدقة، والعتاقة، والذكر والصلاة (ثم أمرهم أن يتعوذوا من عذاب القبر) لعظم هوله،
وأيضًا: فإن ظلمة الكسوف إذا عمت الشمس تناسب ظلمة القبر.

٩٩
كتاب الكسوف/ باب ١٣
١٣ - باب لا تَنْكَسِفُ الشمسُ لموتِ أحدٍ ولا لحياتِهِ
رواهُ أبو بكرةً والمغيرةُ وأبو موسى وابنُ عبّاسٍ وابنُ عُمرَ رضيَ اللَّهُ عنهم.
هذا (باب) بالتنوين: (لا تنكسف الشمس) بالكاف (لموت أحد ولا) تنكسف (لحياته).
(رواه) أي قوله: ((لا تنكسف الشمس لموت أحد ولا لحياته))، هؤلاء الصحابة (أبو بكرة)
نفيع بن الحرث (والمغيرة) بن شعبة، كما تقدم حديثهما في أول باب الكسوف، (وأبو موسى)
عبد الله بن قيس الأشعري، كما سيأتي في الباب التالي (وابن عباس) عبد الله كما تقدم في باب صلاة
الكسوف جماعة (وابن عمر): عبدالله بن عمربن الخطاب، كما تقدم في الباب الأول (رضي الله
عنهم).
١٠٥٧ - حدثنا مسدْدٌ قال: حدَّثَنا يحيى عن إسماعيلَ قال: حدَّثني قَيسٌ عن أبي مسعودٍ
قال: قال رسولُ اللَّهِ وَّهِ: ((الشمسُ والقمرُ لا يَنكسِفان لموتِ أحدٍ ولا لحياتهِ، ولكنهما آيَتانِ من
آياتِ اللَّهِ، فإذا رأيتموهما فصلّوا)).
وبالسند إلى المؤلف قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد (قال: حدّثنا يحيى) القطان البصري،
وللأصيلي: يحيى بن سعيد (عن إسماعيل) بن أبي خالد الأحمسي الكوفي (قال: حدثني) بالإفراد
(قيس عن أبي مسعود) عقبة بن عامر الأنصاري البدري، رضي الله عنه، أنه (قال: قال
رسول الله وَله):
(الشمس والقمر لا ينكسفان) بالنون بعد المثناة التحتية ثم الكاف (لموت أحد ولا لحياته).
لما كانت الجاهلية تعتقد أنهما ينخسفان لموت عظيم، والمنجمون يعتقدون تأثيرهما في العالم،
وكثير من الكفرة يعتقد تعظيمهما لكونهما أعظم الأنوار حتى أفضى الحال إلى أن عبدهما كثير منهم،
خصهما اَّ بالذكر، تنبيهًا على سقوطهما عن هذه المرتبة، لما يعرض لهما من النقص، وذهاب
ضوئهما الذي عظما في النفوس من أجله .
وسقط للأربعة لفظ: ولا لحياته، وقد مر أنه من باب التتميم، وإلا فلم يدع أحد أن الكسوف
لحياة أحد.
(ولكنهما) أي: كسوفهما، (آيتان من آيات الله، فإذا رأيتموهما) بالتثنية، ولأبي ذر: رأيتموها
بالإفراد، أي: كسفة أحدهما (فصلوا).
١٠٥٨ - حدّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ محمدٍ قال: حدَّثَنَا هِشامٌ قَال أخبرَنا مَعمرُ عنِ الزُّهريّ وهِشامٍ بن عُروةً
عن عروة عن عائشةَ رضيَ اللَّهُ عنها قالت: ((كَسَفتِ الشمسُ على عهد رسولِ اللهِع ◌َلَ فِقامَ النبيُّ بَّ
فصلَّى بالناسِ فأطالَ القِراءةَ، ثمَّ ركعَ فأطالَ الرُّكوعَ، ثمَّ رفعَ رأسَهُ فأطالَ القِراءةَ، وهيَ دونَ قِراءتِهِ

١٠٠
کتاب الکسوف/ باب ١٤
الأولى، ثمَّ ركعَ فأطال الرُّكوعَ دونَ ركوعهِ الأوَّلِ، ثمَّ رَفعَ رأسَهُ فسجدَ سجدَتَینِ، ثمَّ قام فصنَعَ
في الرّكعةِ الثانيةِ مثلَ ذُلكَ، ثم قامَ فقال: إنَّ الشمسَ والقمرَ لا يَخسِفان لموتِ أحدٍ ولا لحياتهِ،
ولكنهما آيَتانِ من آياتِ اللَّهِ يُرِيهما عبادَه، فإذا رأيتم ذُلكَ فافزعوا إلى الصلاة)).
وبه قال: (حدّثنا عبدالله بن محمد) المسندي (قال: حدّثنا هشام) هو: ابن يوسف الصنعاني
(قال: أخبرنا معمر) بفتح الميمين وسكون العين المهملة بينهما، ابن راشد (عن) ابن شهاب
(الزهري، وهشام بن عروة) بن الزبير، كلاهما (عن عروة) أبي هشام (عن عائشة رضي الله عنها،
قالت):
(كسفت الشمس) بفتح الكاف والسين (على عهد رسول الله) ولأبي ذر، والأصيلي: على عهد
النبي (وَّة) أي: زمنه (فقام النبي ◌َلّ، فصلى بالناس) صلاة الكسوف (فأطال القراءة، ثم ركع فأطال
الركوع، ثم رفع رأسه) من الركوع قائمًا (فأطال القراءة، وهي) أي: القراءة وللكشميهني
والمستملي: وهو، أي: القيام، أو المقروء (دون قراءته الأولى، ثم ركع) ثانيًا (فأطال الركوع) وهو
(دون ركوعه الأول، ثم رفع رأسه) قائمًا (فسجد سجدتين، ثم قام فصنع في الركعة الثانية مثل
ذلك) المذكور من الركوعين وطوّلهما وطول القراءة في القيامين، ثم انصرف من صلاته (ثم قام)
خطيبًا (فقال) بعد الحمد والثناء:
(إن الشمس والقمر لا يخسفان) بفتح أوله وسكون الخاء وكسر السين (لموت أحد) من الناس
(ولا لحياته) فيجب تكذيب من زعم أن الكسوف علامة على موت أحد أو حياته (ولكنهما آيتان من
آيات الله يريهما عباده) ليتفرغوا لعبادته ويتقربوا إليه بأنواع قرباته، ولذا قال: (فإذا رأيتم ذلك
فافزعوا) بفتح الزاي، أي: فالجأوا (إلى الصلاة) وغيرها من الخيرات، كالصدقة، وفك الرقاب،
لأنها تقي أليم العذاب.
١٤ - باب الذّكرِ في الكسوفِ، رواهُ ابنُ عبّاسٍ رضيَ اللَّهُ عنهما
(باب الذكر في الكسوف، رواه) أي: الذكر عند كسوف الشمس (ابن عباس، رضي الله
عنهما) عن النبي، ◌َّ، كما سبق في صلاة كسوف الشمس جماعة ولفظه ((فإذا رأيتم ذلك فأذكروا
الله)).
١٠٥٩ - حدثنا محمدُ بنُ العلاءِ قال: حدَّثَنا أبو أُسامة عن بُرَيْدِ بنِ عبدِ اللَّهِ عن أبي بُردةَ عن
أبي موسى قال: ((خسَفتِ الشمسُ، فقام النبيُّ ◌َ طِّ فِزِعًا يخشى أن تكونَ الساعةُ، فأتى المسجدَ
فصلّى بأطولٍ قيام وركوع وسجودٍ رأيتُهُ قطّ يفعلُهُ وقال: هذهِ الآياتُ التي يُرسِلُ اللَّهُ لا تكونُ
لموتٍ أحدٍ ولا لحياتهِ، وَلُكنْ يُخوّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَه، فإذا رأيتم شيئًا من ذُلكَ فافزَعوا إلى ذِكرِهِ
ودُعائهِ واستغفاره)) .