Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
کتاب الاستسقاء/ باب ١٣
١٣ - باب إذا استشفعَ المشركونَ بالمسلمينَ عندَ الْقَحِطِ
هذا (باب) بالتنوين (إذا استشفع المشركون بالمسلمين عند القحط).
١٠٢٠ - حقثنا محمدُبن كثيرٍ عن سفيانَ قال حدَّثَنا مَنصورٌ والأعمشُ عن أبي الضُّحى عن
مَسروقٍ قال: أتيت ابنَ مَسعودٍ فقال: ((إنَّ قُرَيْشًا أبطَؤوا عنِ الإسلامِ، فدعا عليهمُ النّبِيُّ ◌َّره
فأخذَتهم سَنةٌ حتى هَلكوا فيها، وأكلوا الميتةَ والْعِظامَ. فجاءَه أبو سُفيانَ فقال: يا محمدُ، جِئتَ
تأمُرُ بصِلةِ الرَّحِمِ، وإنَّ قومكَ هَلكوا، فادعُ اللهَ تَعالى. فقرأ: ﴿فارتَقِبْ يومَ تأتي السماءُ بدُخان مُبين﴾
ثم عادوا إلى كفرِهم، فذلكَ قولُه تعالى: ﴿يومَ نَبطِشُ البطشةَ الكبرىُ﴾ يومَ بَدرٍ - قال وزاد أسْباطُ
عن منصورٍ -: فدعا رسولُ اللَّهِِّ فسُقوا الغَيثَ، فأطبقَتْ عليهم سَبعًا. وَشَكا الناسُ كثرة المطرِ
قَال: اللّهمَّ حَوالَينا ولا عَلَينا. فانحدَرَتِ السحابةُ عن رأْسِه، فسُقوا الناسُ حَولَهم».
وبه قال: (حدّثنا محمدبن كثير) العبدي البصري (عن سفيان) الثوري (قال: حدّثنا منصور
والأعمش) سليمان بن مهران، كلاهما (عن أبي الضحى) مسلم بن صبيح بالتصغير (عن مسروق) هو:
ابن الأجدع (قال: أتيت ابن مسعود) عبد الله رضي الله عنه.
وفي سورة الروم من التفسير عن مسروق قال: بينما رجل يحدث في كندة فقال: يجيء دخان
يوم القيامة، فيأخذ بأسماع المنافقين وأبصارهم، يأخذ المؤمن كهيئة الزكام، ففزعنا، فأتيت ابن
مسعود (فقال:).
(إن قريشًا أبطأوا) أي: تأخروا (عن الإسلام) ولم يبادروا إليه (فدعا عليهم النبي، وَّ) فقال
(اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف) (فأخذتهم سنة) بفتح السين، أي: جدب وقحط (حتى
هلكوا فيها وأكلوا الميتة والعظام) ويرى الرجل ما بين السماء والأرض كهيئة الدخان من ضعف
بصره بسبب الجوع.
(فجاءه أبو سفيان) صخربن حرب (فقال: يا محمد، جئت تأمر بصلة الرحم، وإن قومك)
ذوي رحمك (هلكوا) وللكشميهني: قد هلكوا، أي: بدعائك عليهم من الجدب والجوع (فادع الله
تعالى) لهم، فإن كشف عنا نؤمن بك (فقرأ) عليه الصلاة والسلام (﴿فارتقب﴾) أي: انتظر لهم
(﴿يوم تأتي السماء بدخان مبين﴾) [الدخان: ١٠] زاد أبو ذر: الآية.
(ثم عادوا) لما كشف الله عنهم (إلى كفرهم) فابتلاهم الله تعالى بيوم البطشة (فذلك قوله تعالى:
﴿يوم نبطش البطشة الكبرى﴾ [الدخان: ١٦] يوم بدر) أو: يوم القيامة، زاد الأصيلي ﴿إنا
منتقمون﴾ .
والعامل في: يوم، فعل: دل عليه: إنا منتقمون، لأن إن مانع من عمله فيما قبله، أو: بدل

٤٢
كتاب الاستسقاء/ باب ١٣
من يوم تأتي، وهذا يدل على أن مجيء أبي سفيان إليه ﴿ كان قبل الهجرة، لأنه لم ينقل أن أبا سفيان
قدم المدينة قبل بدر.
(قال) أي: البخاري (وزاد) ولابن عساكر: قال أبو عبدالله وسقط ذلك كله لأبي ذر،
واقتصر على قوله: وزاد (أسباط) بفتح الهمزة وسكون المهملة وبالموحدة آخره طاء مهملة، ابن
نصر، لا: أسباط بن محمد (عن منصور) عن أبي الضحى، يعني بإسناده السابق.
(فدعا رسول الله، وَظهر، فسقوا الغيث) بضم السين والقاف، مبنيًا للمفعول، ونصب الغيث،
مفعوله الثاني (فأطبقت) أي: دامت وتواترت (عليهم سبعًا) أي: سبعة أيام، وسقطت التاء لعدم
ذكر المميز. فإنه يجوز فيه الأمران حينئذ.
وفي تفسير سورة الدخان، من رواية أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي الضحى، في هذا
الحديث: فقيل: يا رسول الله! استسق الله لمضر فإنها قد هلكت. قال: لمضر: إنك لجريء،
فاستسقی فسقوا . اهـ.
والقائل: يا رسول الله، الظاهر أنه أبو سفيان، لما ثبت في كثير من طرق هذا الحديث في
الصحيحين: فجاء أبو سفيان، وإنما قال: لمضر، لأن غالبهم كان بالقرب من مياه الحجاز.
وكان الدعاء بالقحط على قريش، وهم سكان مكة، فسرى القحط إلى من حولهم، ولعل
السائل عدل عن التعبير بقريش، لئلا يذكره بجرمهم. فقال: لمضر، ليندرجوا فيهم، ويشير أيضًا إلى
أن غير المدعوّ عليهم قد هلكوا بجريرتهم.
وقوله لمضر: إنك لجريء: أي: أتطلب أن أستسقي لهم مع ما هم عليه من معصية الله
والإشراك به .
وفي دلائل البيهقي عن كعب بن مرة، أو مرة بن كعب، قال: دعا رسول الله وَ ل على مضر،
فأتاه أبو سفيان بمكة، فقال: ادع الله لقومك، فإنهم قد هلكوا.
ورواه أحمد، وابن ماجة، عن كعب بن مرة قال: جاءه رجل فقال: استسق الله لمضر. فقال:
إنك لجريء ألمضر؟ قال: يا رسول الله، استنصرت الله فنصرك، ودعوت الله فأجابك. فرفع يديه
فقال ((اللهم اسقنا غيثًا مغيثًا، مريعًا طبقًا، عاجلاً غير رائث، نافعًا غير ضار ... )) الحديث. فظهر
بذلك أن هذا الرجل المبهم المقول له: إنك لجريء، هو أبو سفيان.
وأخرج أحمد أيضًا، والحاكم، عن كعب بن مرة أيضًا، قال: دعا رسول الله له على مضر،
فأتيته، فقلت: يا رسول الله! إن الله قد نصرك، وأعطاك، واستجاب لك. وإن قومك قد
هلكوا ... الحديث. فظهر أن فاعل قال: يا رسول الله في الحديث الذي قبل هذا، هو: كعب بن

٤٣
كتاب الاستسقاء/ باب ١٤
مرة. راويه، وعلى هذا فكأن أبا سفيان وكعبًا حضرا جميعًا. فكلمه أبو سفيان بشيء، فدل على اتحاد
قصتهما .
وقد ثبت في هذه ما ثبت في تلك، من قوله: إنك لجريء. وغير ذلك. وسياق كعب بن
مرة مشعر بأن ذلك وقع بالمدينة، لقوله: استنصرت الله فنصرك، ولا يلزم من هذا اتحاد هذه القصة
مع قصة أنس السابقة، فهي واقعة أخرى، لأن في رواية أنس: فلم ينزل عن المنبر حتى مطروا.
وفي هذه: فما كان إلا جمعة أو نحوها حتى مطروا.
والسائل في هذه القصة، غير السائل في تلك. فهما قصتان، وقع في كل منهما طلب الدعاء
بالاستسقاء، ثم طلب الدعاء بالاستصحاء. كذا قرره الحافظ ابن حجر، رادًا به على من غلط
أسباط بن نصر في هذه الزيادة، ونسبه إلى أنه أدخل حديثًا في آخر. فقال:
وإن قوله: فسقوا الغيث، إنما كان في قصة المدينة التي رواها أنس، لا في قصة قريش.
وأجاب البرماوي بأن المعنى: أن سفيان يروي عن منصور واقعة مكة، وسؤال أهل مكة وهو
بها قبل الهجرة، وزاد عليه أسباط، عن منصور، ذكر الواقعتين، لا أن الثانية مسببة عن الأولى، ولا
أن السؤال فيهما معًا كان بالمدينة . اهـ.
(وشكا الناس) إليَ وَ لَه (كثرة المطر، قال) وللأربعة، فقال:
(اللهم) أنزل المطر (حوالينا ولا) تنزله (علينا فانحدرت السحابة عن رأسه فسقوا الناس
حولهم) برفع الناس على البدل من الضمير، أو فاعل على لغة: أكلوني البراغيث. ويجوز النصب على
الاختصاص، أي: أعني الناس الذين في المدينة وحولها.
١٤ - باب الدُّعاءِ إذا كثر المطرُ ((حوالَينا ولا علينا))
(باب الدعاء إذا كثر المطر ((حوالينا ولا علينا))) بإضافة باب لتاليه.
١٠٢١ - حدثنا محمدُ بنُ أبي بكرٍ قال حدّثنا معتمرٌ عن عُبيدِ اللَّهِ عن ثابتٍ عن أنسٍ قال: ((كان
النبيُّ وَ﴿ يَخطبُ يومَ جُمعةٍ، فقام الناسُ فصاحوا فقالوا: يا رسولَ اللَّهِ قَحطَ المطرُ، واحمرَّتِ
الشجرُ، وهلَكتِ البهائمُ، فادعُ اللَّهَ يَسقينا. فقال: اللّهمَّ اسقِنا (مرتين). وايمُ اللَّه ما نرَى في
السماءِ قَزَعةً من سَحابٍ، فنشأت سحابةٌ وَأمطرَتْ، ونزَلَ عنِ المنبرِ فصلَّى. فلمّا انصرَفَ لم تَزَّلْ
تُمطِرُ إلى الجُمعةِ التي تَليها. فلمّا قام النبيُّ ◌َهِ يَخطبُ صاحوا إليهِ: تَهدَّمتِ البيوتُ وانقطعَتِ
السبْلُ، فادعُ اللَّهَ يَحبِسها عنّا. فتبسَّمَ النبيُّ وَّهِ ثمَّ قال: اللّهمَّ حَوالَينا ولا علَينا. فَكَشِطَتِ المدينةُ،
فجعلَتْ تُمطِرُ حَولَها، ولا تُمطِرُ بالمدينةِ قَطرةً، فنظَرتُ إلى المدينةِ وإنها لفي مِثل الإكليل)).

٤٤
کتاب الاستسقاء/ باب ١٤
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر، وأبي الوقت، بالتوحيد (محمدبن أبي بكر) المقدمي الثقفي
البصري (قال: حدّثنا معتمر) هو: ابن سليمان التيمي (عن عبيدالله) بضم العين، ابن عمربن
حفص بن عاصم العمري (عن ثابت) البناني (عن أنس) ولأبي ذر: أنس بن مالك، رضي الله عنه،
أنه (قال):
(كان النبي) ولأبي ذر: رسول الله (َّ﴾، يخطب يوم جمعة) بالتنكير، ولأبي ذر، في نسخة،
وابن عساكر: يوم الجمعة (فقام) إليه (الناس، فصاحوا فقالوا: يا رسول الله! قحط المطر) بفتح القاف
والحاء والطاء، أي: احتبس (واحمرت الشجر) أي: تغير لونها من الخضرة إلى الحمرة من اليبس،
وأنث الفعل باعتبار جنس الشجر (وهلكت البهائم) بفتح اللام، ومضارعه يهلك بكسرها، وفيه لغة
قليلة بالعكس، ويروى: هلكت المواشي: أي الأنعام والدواب (فادع الله بسقينا) ولأبوي ذر
والوقت، وابن عساكر: أن يسقينا (فقال) عليه الصلاة والسلام:
(اللهم اسقنا مرتين) طرف للقول لا للسقي أي: قال ذلك مرتين (وايم الله) بهمزة الوصل (ما
نرى في السماء قزعة) بفتح القاف والزاي والعين المهملة، قطعة (من سحاب). قال أبو عبيد: وأكثر
ما يكون القزع في الخريف (فنشأت سحابة وأمطرت) بالواو، ولأبي ذر في نسخة: فأمطرت.
(ونزل) عليه الصلاة والسلام (عن المنبر فصلى) الجمعة (فلما انصرف، لم تزل تمطر) بضم
الثمناة الفوقية وسكون الميم وكسر الطاء، ولأبي ذر: لم يزل المطر (إلى الجمعة التي تليها، فلما قام
النبي وَله، بخطب، صاحوا إليه: تهدمت البيوت، وانقطعت السبل) بالنون قبل القاف، (فادع الله
يجبسها عنا) بالجزم على الطلب، وبالرفع على الاستئناف.
(فتبسم النبي ◌َّر، ثم قال) ولأبي ذر، وابن عساكر: فقال، ولأبوي ذر، والوقت: وقال:
(اللهم) أمطر في الأماكن التي (حوالينا ولا) تمطر (علينا).
قال الشافعي في الأم: وإذا كثرت الأمطار وتضرر الناس، فالسنة أن يدعى برفعها: ((اللهم
حوالينا ولا علينا)). ولا يسرع لذلك صلاة، لأن النبي وقالله لم يصل لذلك.
(فكشطت المدينة) بفتح الفاء والكاف والشين المعجمة والطاء المهملة، وفي الفتح: فكشطت،
مبنيًا للمفعول، ولأبوي ذر، والوقت، وابن عساكر: وتكشطت، بالواو والمثناة الفوقية والكاف
والمعجمة المشددة المفتوحات، أي: تكشفت (فجعلت تمطر) بفتح أوله وضم ثالثه، ويجوز: تمطر،
بضم ثم كسر، وهي رواية أبي ذر (حولها ولا) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي، وابن عساكر: وما
(تمطر) بفتح المثناة الفوقية وضم الطاء (بالمدينة قطرة، فنظرت إلى المدينة وإنها لفي مثل الإكليل) بكسر
الهمزة وهو: ما أحاط بالشيء وروضة مكللة محفوفة بالنور، وعصابة تزين بالجوهر ويسمى التاج:
إكليلاً.

٤٥
کتاب الاستسقاء/ باب ١٥
١٥ - باب الدُّعاءِ في الاستسقاءِ قائمًا
(باب الدعاء في الاستسقاء) حال كونه (قائمًا) في الخطبة، وغيرها، ليراه الناس فيقتدوا به.
١٠٢٢ - وقال لنا أبو نعيمٍ عن زُهيرٍ عن أبي إسحق «خَرجَ عبدُ اللَّهِ بنُ يَزيدَ الأنصاريُّ
وخرجَ معهُ البَراءُ بنُ عازِبٍ وزيدُ بنُ أرقمَ رضيَ اللَّهُ عنهم فاستَسقى، فقام بهم على رِجِلَيهِ على غيرِ
مِنبرٍ، فاستغفرَ ثُمَّ صلّى رَكعتَينِ يَجهَرُ بالقِراءَةِ، ولم يُؤَذِّنْ ولم يُقِمْ. قال أبو إسحقَ: وَرأى
عبدُ اللَّهِ بنُ يزيدَ النبيِّ لَا).
وبالسند إلى المؤلف قال: (وقال لنا أبو نعيم) الفضل بن دكين (عن زهير) بضم الزاي وفتح
الهاء، ابن معاوية الكوفي (عن أبي إسحلق) عمروبن عبدالله السبيعي، قال:
(خرج عبدالله بن يزيد) من الزيادة (الأنصاري) الأوسي الخطمي إلى الصحراء ليستسقي في
سنة أربع وستين، حين كان أميرًا على الكوفة من جهة عبدالله بن الزبير، (وخرج معه البراءبن
عازب، وزيدبن أرقم رضي الله عنهم، فاستسقى، فقام) أي: عبدالله بن يزيد (بهم) ولأبوي ذر،
والوقت، وابن عساكر: لهم (على رجليه على غير منبر، فاستغفر) كذا لأبي الوقت، وابن عساكر،
وأبي ذر، وللكشميهني والحموي، والمستملي: فاستقى (ثم صلى ركعتين) حال كونه (يجهر بالقراءة)
فيهما وظاهره أنه أخر الصلاة عن الخطبة، وصرّح بذلك الثوري في روايته، والذي عليه الجمهور
تقديمها (ولم يؤذن ولم يقم).
(قال أبو إسحاق) السبيعي (ورأى) بالهمز، من: الرؤية (عبد الله بن يزيد الأنصاري النبي)
وثبت الأنصاري لابن عساكر، وللحموي وحده وروي، بالواو من الرواية، عبدالله بن يزيد، عن
النبي (188) وكذا هو في نسخة الصغاني روي، من: الرواية.
وعلى هذا، فإن أريد به رواية ما صدر عنه من الصلاة وغيرها، كان مرفوعًا، وإن أريد أنه
روي عنه في الجملة، فيكون موقوفًا. وهو يثبت له الصحبة.
وقد ذكره ابن طاهر في الصحابة الذين خرج لهم في الصحيحين، أما سماع هذا الحديث
بخصوصه فلا يثبت، وهذا الحديث أخرجه مسلم في: المغازي.
١٠٢٣ - حدثنا أبو اليَمانِ قال: حدَّثَنَا شعيبٌ عنِ الزُّهريّ قال: حدَّثني عبّادُبنُ تمِيم أن عمَّه
- وكان من أصحابِ النبيِّوَّه ◌ِ أَخبرَهُ ((أنَّ النبيَّ ◌َ ◌َّ خَرِجَ بالناسِ يَستسقي لهم، فقامَ فدعا اللَّهَ قائمًا،
ثم توجّهَ قِبَلَ القِبلةِ وَحَوَّلَ رِداءَهُ فأُسْقوا».
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع (قال: حدثنا شعيب) هو ابن حمزة الحمصي (عن)

٤٦
كتاب الاستسقاء/ باب ١٦ و ١٧
ابن شهاب (الزهري، قال: حدثني) بالإفراد (عبادبن تميم) المازني (أن عمه) عبد الله بن زيد المازني
(وكان من أصحاب النبي ◌ِّر، أخبره):
(أن النبي ◌َّةٍ خرج بالناس يستسقي لهم فقام) على رجليه لا على منبر (فدعا الله) حال كونه
(قائمًا، ثم توجه قبل القبلة) بكسر القاف وفتح الموحدة، أي: جهتها (وحول رداءه، فأسقوا) بهمزة
وقاف مضمومتين بينهما مهملة ساكنة، ولابن عساكر: فسقوا، بناء فسين فقاف مضمومتين،
وكلاهما مبني للمفعول.
١٦ - باب الجهرِ بالْقِراءَةِ في الاستِسقاءِ
(باب الجهر بالقراءة في) صلاة (الاستسقاء).
١٠٢٤ - حدثنا أبو نُعيم قال حدَّثَنا ابنُ أبي ذِئبٍ عنِ الزُّهريِّ عن عبّادِ بنِ تميم عن عمِّه قال:
((خَرِجَ النبيُّ وَّهِ يستسقي، فتوجَّهَ إلى القبلةِ يَدعو، وَحوَّلَ رِداءَهُ، ثمَّ صلَّى رَكعتَينِ جَهِرَ فيهما
بالْقِراءةِ)).
وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين (قال: حدّثنا ابن أبي ذئب) محمد بن عبد الرحمن
(عن) ابن شهاب (الزهري، عن عبادبن تميم عن عمه) عبد الله بن زيد المازني، رضي الله عنه (قال):
(خرج النبي ◌َّ-) بالناس إلى المصلى (يستسقي) لهم، (فتوجه إلى القبلة) في أثناء الخطبة الثانية
(يدعو، وحول رداءه) فجعل عطافه الأيمن على عاتقه الأيسر، وجعل عطافه الأيسر على عاتقه
الأيمن.
رواه أبو داود بإسناد حسن.
ثم صلى) بالناس (ركعتين) حال كونه (جهر) بلفظ الماضي، ولأبوي ذر، والوقت: يجهر
(فيهما بالقراءة) كصلاة العيد، ونقل ابن بطال الإجماع عليه .
١٧ - باب كيف حَوّلَ النبي ◌َّ ظَهرَهُ إلى الناس
هذا (باب) بالتنوين (كيف حوّل النبي ◌َّ﴾ ظهره إلى الناس).
١٠٢٥ - حدثنا آدمُ قال: حدّثنا ابنُ أبي ذِئبِ عنِ الزُّهريِّ عن عبّادِبنِ تميم عن عمِّهِ قال:
((رأيتُ النبيَّ وَّ لمَّا خَرجَ يَستسقي، قال: فحوَّلَ إلى الناسِ ظهرَهُ واستَقبلَ القِبلةَ يدعو، ثمَّ حوَّلَ
رِداءَهُ، ثمَّ صلَّى لنا رَكعتَينِ جَهرَ فيهما بالقراءَةِ» .

٤٧
كتاب الاستسقاء/ باب ١٧
وبه قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس (قال: حدّثنا ابن أبي ذئب) محمد بن عبد الرحمن (عن) ابن
شهاب (الزهري، عن عبادبن تميم، عن عمه) عبد الله بن زيد، رضي الله عنه (قال):
(رأيت النبي، وَّ ر، يوم خرج) بالناس إلى المصلى (يستسقي) لهم (قال: فحول إلى الناس
ظهره) عند إرادة الدعاء بعد فراغه من الموعظة، فالتفت بجانبه الأيمن لأنه كان يعجبه التيامن في
شأنه کله.
استشكل قوله: فحوّل إلى الناس ظهره، لأن الترجمة لكيفية التحويل. والحديث دل على وقوع
التحويل فقط. وأجاب الكرماني: بأن معناه حوله حال كونه داعيًا، وحمل الزين ابن المنير قوله:
كيف؟ على الاستفهام، فقال لما كان التحويل المذكور لم يتبين كونه في ناحية اليمين أو اليسار، احتاج
إلى الاستفهام . اهـ. منه.
(واستقبل القبلة) حال كونه (يدعو، ثم حول رداءه) ظاهره: أن الاستقبال وقع سابقًا لتحويل
الرداء، وهو ظاهر كلام الشافعي. ووقع في كلام كثير من الشافعية أنه يحول حال الاستقبال.
والفرق بين تحويل الظهر، والاستقبال، أنه ابتداء التحويل وأوسطه يكون منحرفًا حتى يبلغ
الانحراف غايته، فيصير مستقبلاً. قاله في الفتح.
(ثم صلى لنا ركعتين) حال كونه (جهر فيهما بالقراءة). واستدل ابن بطال من التعبير: بثم،
في قوله: ثم حول رداءه، أن الخطبة قبل الصلاة، لأن ثم للترتيب.
وأجيب: بأنه معارض بقوله في حديث الباب التالي استسقى فصلى ركعتين وقلب رداءه، لأنه
اتفق على أن قلب الرداء إنما يكون في الخطبة .
وتعقب: بأنه لا دلالة فيه على تقديم الصلاة لاحتمال أن تكون الواو في: وقلب، للحال أو:
للعطف، ولا ترتیب فيه.
نعم، في سنن أبي داود، بإسناد صحيح: أنهڅڑ خطب ثم صلى، ويدل له ما وقع في حديث
الباب، فلو قدم الخطبة جاز كما نقله في الروضة عن صاحب التتمة، لكنه في حقنا أفضل، لأن
رواية تأخير الخطبة أكثر رواة، ومعتضدة بالقياس على خطبة العيد والكسوف.
وعن الشيخ أبي حامد مما نقله في المجموع عن أصحابنا تقديم الخطبة للحديث، يعني: حديث
الباب السابق، وغيره (.
.)(١) . الجواز في بعض المواضع.
(١) بياض في الأصل.

٤٨
كتاب الاستسقاء/ باب ١٨ و ١٩
١٨ - باب صلاة الاستسقاءِ ركعتينٍ
(باب صلاة الاستسقاء ركعتين) أراد به بيان كميتها، وأشار إليها بقوله: ركعتين، على طريق
عطف البيان على سابقه المجرور بالإضافة .
١٠٢٦ - حدثنا قتيبةُ بنُ سعيدٍ قال: حدَّثَنا سفيانُ عن عبدِ اللهِ بنِ أبي بكرٍ عن عبّادِبنِ تميمٍ
عن عمهِ: ((أن النبيَّ وَِّ استسقى فصلَّى رَكعتَينِ، وَقلبَ رِداءَهُ» .
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) الثقفي البلخي (قال: حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن عبد الله بن
أبي بكر) أي: ابن محمدبن عمروبن حزم (عن عبادبن تميم)، ولأبي ذر في نسخة، ولأبي الوقت:
سمع عبادبن تميم (عن عمه) عبد الله بن زيد، رضي الله عنه (أن النبي ◌َّ- استسقى فصلى ركعتين)
كصلاة العيد فيما لها، كالتكبير في أول الأولى سبعًا، وفي أول الثانية خمسًا. ورفع يديه، وغير
ذلك، إلا في تسعة أشياء .
في المناداة قبلها، بأن يأمر الإمام من ينادي بالاجتماع لها في وقت معين.
وفي صوم يومها، لأن له أثرًا في رياضة النفس.
وفي إجابة الدعاء؛ وصوم ثلاثة قبله.
وترك الزينة فيها بأن يلبس عند خروجه لها ثياب بذلة، وهي التي تلبس حال الشغل للاتباع
رواه الترمذي، وصححه، وينزعها بعد فراغه من الخطبة .
وإكثار الاستغفار في الخطبة بدل إكثار التكبير الذي في خطبة العيد.
وقراءة آية الاستغفار: ﴿فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارًا﴾ [نوح: ١٠]. الآية في الخطبة،
ويسر ببعض الدعاء فيها .
ويستقبل القبلة بالدعاء، ويرفع ظهر يديه إلى السماء.
ويحوّل رداءه، كما أشار إليه بقوله: (وقلب رداءه) عطف على قوله: فصلى ركعتين بالواو.
وهي لا تدل على الترتيب بل لمطلق الجمع.
١٩ - باب الاستسقاءِ في المصلَّى
(باب) صلاة (الاستسقاء في المصلى) التي في الصحراء، لا في المسجد، حيث لا عذر كمرض
للاتباع كما سيأتي، ولأنه يحضرها غالب الناس، والصبيان، والحيض والبهائم، وغيرهم. فالصحراء
أوسع لهم وأليق.

٤٩
كتاب الاستسقاء/ باب ٢٠
واستثنى صاحب الخصال المسجد الحرام وبيت المقدس. قال الأذرعي: وهو حسن وعليه عمل
السلف والخلف لفضل البقعة واتساعها، كما مر في العيد . اهـ.
لكن الذي عليه أصحابنا استحبابها في الصحراء مطلقًا للاتباع والتعليل السابق.
١٠٢٧ - حدثنا عبدُ اللَّهِ بنُ محمدٍ قال: حدَّثنا سفيانُ عن عبدِ اللَّهِ بنِ أبي بكرٍ سمعَ عبّادَ بنَ
تميم عن عمهِ قال: ((خرجَ النبيُّ ◌َّه إلى المصلَّى يستسقي، واستقبلَ الْقِبلةَ فصلَّى ركعتين، وقلبَ
رِداءَهُ - قال سفيانُ: فأخبرني المسعودي عن أبي بكرٍ قال - جَعلَ اليمينَ عَلَى الشمال)).
وبه قال: (حدّثنا عبدالله بن محمد) المسندي (قال: حدثنا سفيان) بن عيينة (عن عبد الله بن أبي
بكر) أي: ابن محمدبن عمروبن حزم أنه (سمع عبادبن تميم عن عمه) عبد الله بن زيد، رضي الله
عنه، (قال) :
(خرج النبي ◌ّطر إلى المصلى) بالصحراء، حال كونه (يستسقي) للناس (واستقبل القبلة، فصلى
ركعتين، وقلب رداءه قال سفيان) بن عيينة (فأخبرني المسعودي) عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن
عبد الله بن مسعود (عن أبي بكر) والد عبد الله المذكور (قال) مفسرًا قلب رداءه (جعل اليمين) من
ردائه (على) عاتقه (الشمال) والشمال منه على عاتقه اليمين.
وليس قوله: قال سفيان تعليقًا كما زعمه المزي، حيث علم على المسعودي في التهذيب علامة
التعليق، بل هو موصول عند المؤلف، معطوف على حديث عبدالله بن محمد المسندي عن سفيان،
قاله الحافظ ابن حجر في المقدمة .
٢٠ - باب استقبالِ القبلةِ في الاستسقاءِ
(باب استقبال القبلة) في الدعاء (في الاستسقاء) في أثناء الخطبة الثانية، وهو نحو ثلثها، كما
قاله النووي في دقائقه، لأن الدعاء مستقبلها أفضل. فإن استقبل له في الأولى لم يعده في الثانية .
قال النووي: ويلحق باستحباب استقبال القبلة للدعاء بالوضوء، والغسل، والأذكار،
.والقراءة، وسائر الطاعات إلا ما خرج بدليل، كالخطبة.
١٠٢٨ - حدثنا محمد قال: أخبرنا عبد الوهاب قال: حدَّثَنا يحيى بنُ سعيدٍ قال: أخبرني أبو
بكربنُ محمدٍ أنَّ عبَّادَ بنَ تميم أخبرَهُ أَنَّ عبدَ اللهِ بنَ زيدِ الأنصاريّ أخبره «أنَّ النبيَّ ◌ََّ خرِجَ إلى
المصلى يُصلي، وأنه لما دعا أو أرادَ أن يدعوَ - استقبلَ القبلةَ وحوَّلَ رداءه)) قال أبو عبدِ اللَّهِ: ابنُ
زيدٍ هذا مازِنيٍّ، والأوَّل كوفيٍّ هو ابنُ یزیدَ.
وبه قال: (حدّثنا محمد) غير منسوب، ولأبي ذر في نسخة: محمدبن سلام (قال: أخبرنا)
إرشاد الساري/ ج ٣ / م ٤

٥٠
كتاب الاستسقاء/ باب ٢١
ولأبي ذر، وابن عساكر: حدّثنا، ولأبي ذر في نسخة، وأبي الوقت: حدّثني (عبدالوهاب) بن
عبدالمجيد الثقفي (قال: حدّثنا يحيى بن سعيد) الأنصاري (قال: أخبرني) بالتوحيد (أبو بكربن محمد)
أي: ابن عمروبن حزم (أن عبادبن تميم أخبره أن) عمه (عبد الله بن زيد الأنصاري) رضي الله عنه
(أخبره):
(أن النبي ◌َّ، خرج) بهم (إلى المصلى) بالصحراء، حال كونه (يصلي) بالمثناة التحتية أوله وكسر
اللام، ولابن عساكر: فصلى، بالفاء وفتح اللام، وللمستملي: يدعو (وأنه لما دعا - أو أراد أن يدعو-)
شك الراوي (استقبل القبلة) واستدبر الناس (وحول رداءه) فجعل ما على كل جانب من الأيمن
والأيسر على الآخر.
(قال أبو عبدالله) البخاري: (ابن زيد هذا) راوي حديث الباب: (مازني) أنصاري، ولأبي
ذر: عبد الله بن زيد ... الخ. (والأول) السابق في باب الدعاء في الاستسقاء قائمًا. (كوفي، هو
ابن يزيد) عبدالله بالمثناة التحتية في أوله، من الزيادة.
قال في فتح الباري؛ كذا في رواية الكشميهني وحده هنا . اهـ.
وفي الفرع وأصله ساقط لأبي ذر، وابن عساكر. قال: وثبت عند أبي الهيثم لأبوي ذر
والوقت، واستشكل إثباته هنا، لأنه لا ذكر لعبد الله بن يزيد هنا.
وأجيب: باحتمال أن يكون مراده بالأول: المذكور فيما مضى في باب الدعاء في الاستسقاء
قائمًا، كما مر وبالجملة، فلو ذكره في باب: الدعاء في الاستسقاء قائمًا، حيث ذكر فيه عن
عبدالله بن يزيد حديثًا، وعن عبدالله بن زيد حديثًا، لكان أليق، ليظهر تغايرهما حيث ذكرهما جميعًا،
ولعل هذا من تصرف الكشميهني، كأنه رأى ورقة مفردة فكتبها هنا احتياطًا.
٢١ - باب رفع الناسٍ أيديَهم معَ الإمامِ في الاستسقاءِ
(باب رفع الناس أيديهم مع) رفع (الإمام) يديه في الدعاء (في الاستسقاء) وسقط لابن
عساكر: مع الإمام.
١٠٢٩ - قال أيوبُ بنُ سُليمانَ حدَّثني أبو بكربنُ أبي أُوَيسٍ عن سليمانَ بن بلالٍ قال
يحيى بنُ سعيد سمعتُ أنسَ بنَ مالكِ قال: ((أتى رجلٌ أعرابيٍّ من أهلِ البدوِ إلى رسولِ اللَّهِوَ لَّهِ يومَ
الجمعةِ فقال: يا رسولَ اللَّهِ هلكَتِ الماشيةُ، هلكَ الْعِيالُ، هلكَ الناسُ: فرفعَ رسولُ اللَّهِ وَ لِّ يدَيهِ
يدعو، ورَفعَ الناسُ أيديَهم معَهُ يَدْعون. قال: فما خرَجْنا من المسجدِ حتى مُطِرْنا، فما زِلْنا نُمطَرُ
حتى كانتِ الجُمعةُ الأُخرى، فأتى الرجُلُ إلى نبيِّ اللَّهِوَ ◌ّ فقال: يا رسولَ اللَّهِ بشِقَ المسافرُ، وَمُنْعَ
الطريقُ)).

٥١
کتاب الاستسقاء/ باب ٢١
(قال) ولأبي ذر: وقال (أيوب بن سليمان) بن بلال، شيخ المؤلف مما وصله أبو نعيم (حدثني)
بالإفراد (أبو بكربن أبي أويس) الأصبحي المدني، أخو إسماعيل بن أبي أويس (عن سليمان بن بلال)
التيمي، مولاهم (قال يحيى بن سعيد) الأنصاري، ولأبي ذر: عن يحيى بن سعيد قال: (سمعت
أنس بن مالك) رضي الله عنه (قال):
(أتى رجل أعرابي)، ولابن عساكر: أتى أعرابي (من أهل البدو) فيه تضعيف قول من قال: إنه
العباس (إلى رسول الله ونَ ﴿ يوم الجمعة) وهو قائم يخطب، فاستقبله قائمًا (فقال) وللأصيلي قال: (يا
رسول الله! هلكت الماشية).
وسبق في باب الدعاء إذا كثر المطر، قال: كان النبي ◌َّلّ يخطب يوم جمعة، فقام الناس
فصاحوا، فقالوا: يا رسول الله! قحط المطر ... والجمع بين الروايتين أن الرجل قام أولاً فتبعه
الناس، وكذا في الجمعة الأخرى، أو أنهم صاحوا، فقام الرجل فتكلم عنهم، أو المراد بالناس :
الرجل لأنه لما كان قائمًا عنهم عبر عنه بهم، وكأنهم هم الذين صاحوا. قاله ابن التين.
وإذا قلنا بتخصيص الرجل الأعرابي بالكلام، فترك خواص الصحابة لذلك، لأن مقامهم العلّ
يقتضي الرضا والتسليم، بخلاف مقام السائل، فإنه مقام فقر وتمسكن.
(هلك العيال) ولابن عساكر: هلكت العيال، بتأنيث الضمير، (هلك الناس. فرفع رسول
الله ﴿ يديه) حال كونه (يدعو، ورفع الناس أيديهم معه) ولأبوي ذر، والوقت، وابن عساكر:
مع رسول اللهێے (يدعون).
استدل به على استحباب رفع اليدين في الدعاء للاستسقاء، ولذا لم يرو عن الإمام مالك، رحمه
الله، أنه رفع يديه إلاّ في دعاء الاستسقاء خاصة.
وهل ترفع في غيره من الأدعية أم لا؟ الصحيح الاستحباب في سائر الأدعية. رواه الشيخان
وغيرهما.
أما حديث أنس، المروي في الصحيحين وغيرهما، الآتي في الباب التالي إن شاء الله تعالى:
أنهمَ ﴿، كان لا يرفع يديه في شيء من الدعاء إلّ في الاستسقاء، فإنه: كان يرفع يديه حتى يُرى
بياضُ إبطيه. فمؤوّل على أنه لا يرفعهما رفعًا بليغًا، ولذا قال في المستثنى: حتى يُرى بياضُ إبطيه.
نعم، ورد رفع يديه عليه الصلاة والسلام في مواضع.
كرفع يديه حتى ريء عفرة إبطيه، حين استعمل ابن اللتبية على الصدقة، كما في الصحيحين.
ورفعهما أيضًا في قصة خالدبن الوليد، قائلاً: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد، رواه
البخاري والنسائي.

٥٢
کتاب الاستسقاء/ باب ٢١
ورفعهما على الصفا، رواه مسلم وأبو داود.
ورفعهما ثلاثًا بالبقيع مستغفرًا لأهله، رواه البخاري في رفع اليدين، ومسلم حين تلا قوله
تعالى: ﴿إنهنّ أضللن كثيرًا من الناس﴾ [إبراهيم: ٣٦]. الآية قائلاً: ((اللهم أمتي أمتي)) رواه مسلم.
ولما بعث جيشًا فيهم علّ قائلاً: ((اللهم لا تمتني حتى تريني عليًا)). رواه الترمذي.
ولما جمع أهل بيته، وألقى عليهم الكساء، قائلاً ((اللهم هؤلاء أهل بيتي)). رواه الحاكم.
وقد جمع النووي في شرح المهذب نحوًا من ثلاثين حديثًا في ذلك من الصحيحين وغيرهما،
وللمنذري فيه جزء.
قال الروياني: ويكره رفع اليد النجسة في الدعاء، قال: ويحتمل أن يقال: لا يكره بحائل.
وفي مسلم وأبي داود، عن أنس، أنه ◌َّ﴿، كان يستسقي هكذا، ومدّ يديه، وجعل بطونهما مما
يلي الأرض حتى رأيت بياض إبطيه.
فقال أصحابنا الشافعية وغيرهم: السنة في دعاء القحط، ونحوه من رفع بلاء، أن يجعل ظهر
كفيه إلى السماء، وهي صفة الرهبة، وإن سأل شيئًا يجعل بطونهما إلى السماء. والحكمة أن القصد
رفع البلاء بخلاف القاصد حصول شيء، أو تفاؤلاً ليقلب الحال ظهرًا لبطن، وذلك نحو صنيعه في
تحويل الرداء، أو إشارة إلى ما يسأله، وهو أن يجعل بطن السحاب إلى الأرض لينصب ما فيه من
المطر.
(قال) أنس: (فما خرجنا من المسجد حتى مطرنا) بدون همزة، مبنيًّا للمفعول. (نما زلنا
نمطر) بضم النون وفتح الطاء (حتى كانت الجمعة الأخرى. فأتى رجل) أي الأول، لأن الألف
واللام للعهد الذكري. وقد مر ما فيه، لكن رواية ابن عساكر: فأتى رجل، صارفة لتعيينه، مثبتة
للتردد. (إلى نبي الله) ولأبوي ذر، والوقت، وابن عساكر: رسول الله (بَّار فقال: يا رسول الله! بشق)
بالموحدة المفتوحة والمعجمة المكسورة، وبالقاف، كذا قيده كراع في المنضد، ولأبوي ذر، والوقت:
بشق، بفتح المعجمة، وقيد به الأصيلي، أي: مل، أو: تأخر، أو: اشتد عليه الضرر، أو: حبس
(المسافر، ومنع الطريق).
١٠٣٠ - وقال الأُوَيسيُّ حدَّثني محمدُ بنُ جَعفر عن يحيى بن سعيدٍ وشريكِ سمعا أنسًا عنِ
النبيِّ وَِّ ((أنه رفعَ يَدَيهِ حتى رأيتُ بياضَ إِطَيْهِ)).
(وقال الأويسي) عبد العزيزبن عبدالله، مما وصله أبو نعيم في مستخرجه، (حدّثني) بالإفراد
(محمدبن جعفر) هو ابن أبي كثير المدني (عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (وشريك) هو: ابن
عبدالله بن أبي نمر (سمعا أنسًا عن النبي، ێ رفع) ولابن عساكر: أنه رفع (یدیه حتى رأيت بياض
إبطيه).

٥٣
کتاب الاستسقاء/ باب ٢٢
استدل به غير واحد على خصوصيته عليه الصلاة والسلام ببياض إبطيه .
وعورض بقول عبد الله بن أقرم الخزاعي، كنت أنظر إلى عفرة إبطيه إذا سجد. رواه الترمذي،
وحسنه غيره. والعفرة بياض ليس بناصع .
نعم، الذي يعتقد فيه عليه الصلاة والسلام، أنه لم يكن لإبطه رائحة كريهة، بل كان عطر
الرائحة، كما ثبت في الصحيحين.
وفي رواية ابن عساكر: حتى يُرى بياضُ إبطيه، وقول الأويسي هذا ثابت للمستملي، وابن
عساكر، وأبي الوقت.
قال في الفتح: وثبت لأبي الوقت، وكريمة في آخر الباب بعده، وسقط للباقين رأسًا لأنه
مذكور عند الجميع في: كتاب الدعوات.
٢٢ - باب رفعِ الإمامِ يدَهُ في الاِستِسقاءِ
(باب رفع الإمام يده في الاستسقاء) كذا للحموي والمستملي. ولا تكرار في هاتين الترجمتين،
هذه وسابقتها، لأن الأولى لبيان اتباع المأمومين الإمام في رفع اليدين، وهذه لإثبات رفعهما له في
الاستسقاء، قاله ابن المنير.
١٠٣١ - حدثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ قال حدَّثَنا يحيى وابنُ أبي عديٍّ عن سعيدٍ عن قتادةً عن أنسٍ بنِ
مالكِ قال: ((كان النبيُّ نَّرِ لا يرفعُ يدَيهِ في شيءٍ من دعائهِ إلا في الاستسقاءِ، وإنهُ يَرفعُ حتى يُرى
بَيَاضُ إبطَيهِ)). [الحديث ١٠٣١ - طرفاه في: ٣٥٦٥، ٦٣٤١].
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: أخبرنا (محمدبن بشار) بموحدة مفتوحة ومعجمة مشددة، ابن
عثمان العبدي البصري يقال له: بندار. (قال: حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان (وابن أبي عدي)
محمد بن إبراهيم (عن سعيد) هو: ابن أبي عروبة (عن قتادة) بن دعامة (عن أنس بن مالك) وفي رواية
يزيدبن زريع عند المؤلف، في صفته عليه الصلاة والسلام: عن سعيد عن قتادة أن أنسًا حدثهم.
وسقط عند ابن عساكر: ابن مالك (قال):
(كان النبي، وَّر، لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء، وإنه يرفع) يديه (حتى
يرى بياض إبطيه) بسكون الموحدة.
وظاهره نفي الرفع في دعاء غير الاستسقاء، وهو معارض بما ذكرته من الأحاديث السابقة في
الباب السابق، فليحمل النفي في هذا الحديث على صفة مخصوصة:
إما الرفع البليغ كما يدل عليه قوله: حتى يرى بياض إبطيه كما مر.

٥٤
کتاب الاستسقاء/ باب ٢٣
وإما على: صفة اليدين في ذلك، كما في مسلم: استسقى عليه الصلاة والسلام، فأشار بظهر
كفيه إلى السماء. كما مر.
أو على: نفي رؤية أنس لذلك. وهو لا يستلزم نفي رؤية غيره، ورواية المثبت مقدمة على
النافي.
والحاصل: استحباب الرفع في كل دعاء إلا ما جاء من الأدعية مقيدًا بما يقتضي عدمه،
كدعاء الركوع والسجود ونحوهما.
وهذا الحديث أخرجه المؤلف أيضًا في: صفة النبي ◌ِّر، ومسلم والنسائي وابن ماجة في:
الاستسقاء .
٢٣ - باب ما يُقالُ إذا أمطَرتْ
وقال ابنُ عبّاسٍ: ﴿كَصَيِّبٍ﴾: المطرُ. وقال غيرُه: صابَ وَأصابَ يصوبُ.
(باب ما يقال إذا أمطرت) أي السماء. وما، بمعنى: الذي، أو موصوفة أي: شيء يقال،
فيكون: ما، الذي بمعنى شيء قد اتصف بقوله: يقال. أو: استفهامية، أي: أي شيء يقال.
وأمطرت بالهمزة المفتوحة من الرباعي، ولأبي ذر: مطرت، بفتحات من غير همزة من الثلاثي
المجرد، وهما بمعنى، أو الأول للشر، والثاني للخير.
(وقال ابن عباس) رضي الله عنهما، مما وصله الطبري من طريق علي بن طلحة في تفسير قوله
تعالى: أو (﴿كصيب﴾﴾ [البقرة: ١٩]. هو: (المطر) وهو قول الجمهور.
(وقال غيره) غير ابن عباس: (صاب وأصاب يصوب) راجع إلى: صاب أي، مضارعه:
يصوب، فهو أجوف واوي، وأما: أصاب بالهمزة فيقال فيه يصيب. والظاهر أن النساخ قدموا لفظة
أصاب على يصوب، وإنما كان: صاب يصوب وأصاب. وأشار به إلى الثلاثي المجرد والمزيد
فيه . اهـ.
١٠٣٢ - حدثنا محمدٌ هوَ ابنُ مُقاتلٍ أبو الحسن المروزيُّ قال: أخبرنا عبدُ اللَّهِ قال: أخبرنا
عُبَيدُ اللَّهِ عن نافعٍ عنِ القاسمِ بنِ محمدٍ عن عائشةَ: ((أنَّ رسولَ اللَّه ◌َوَ كان إذا رأى المطرَ قال:
صَیِیًا نافعًا)).
تابَعَهُ القاسمُ بنْ يحيى عن عُبيدِ اللَّهِ. ورواهُ الأوزاعيُّ وَعقيلٌ عن نافعٍ .
وبه قال: (حدّثنا محمد هو ابن مقاتل، أبو الحسن المروزي) بفتح الواو، المجاور بمكة،
وسقطت الكنية والنسبة عند: أبوي ذر، والوقت، وابن عساكر. (قال: أخبرنا عبد الله) بن المبارك

٥٥
کتاب الاستسقاء/ باب ٢٤
(قال: أخبرنا عبيدالله) بضم العين. ابن عمر العمري (عن نافع) مولى ابن عمر (عن القاسم بن
محمد) هو: ابن أبي بكر الصديق (عن عائشة) رضي الله عنها، (أن رسول الله، وَل غيره، كان إذا رأى
المطر، قال):
(اللهم) اسقنا أو: اجعله (صيّا) بفتح الصاد المهملة وتشديد المثناة التحتية، وهو المطر الذي
يصوب، أي ينزل ويقع. وفيه مبالغات من جهة التركيب والبناء والتكثير، فدل على أنه نوع من
المطر شديد هائل، ولذا تممه بقوله: (نافعًا) صيانة عن الأضرار والفساد. ونحوه قول الشاعر:
فسقى ديارك غير مفسدها صوب الربيع وديمة تهمي
لكن نافعًا في الحديث أوقع وأحسن، وأنفع من قوله: غير مفسدها.
قال في المصابيح: وهذا، أي قوله: ((صيًّا نافعًا)) كالخبر الموطىء في قولك: زيد رجل فاضل،
إذ الصفة هي المقصودة بالإخبار بها، ولولا هي لم تحصل الفائدة. هذا إن بنينا على قول ابن عباس:
إن الصيب هو: المطر. وإن بنينا على أنه: المطر الكثير، كما نقله الواحدي، فكل من: صيبًا ونافعًا
مقصود، والاقتصار عليه محصل للفائدة اهـ.
وللمستملي: اللهم صبًا بالموحدة المشددة من غير مثناة من الصب، أي: يا ألله اصببه صبًا
نافعًا .
(تابعه القاسم بن يحيى) بن عطاء المقدمي الهلالي الواسطي، المتوفى سنة سبع وتسعين ومائة
(عن عبيدالله) العمري المذكور، يعني: بإسناده قال الحافظ ابن حجر: ولم أقف على هذه الرواية
موصولة .
(ورواه) أي الحديث المذكور (الأوزاعي)، عبد الرحمن بن عمرو، وفيما أخرجه النسائي في:
عمل يوم وليلة، وأحمد: لكن بلفظ: هنيئًا بدل نافعًا. (و) رواه (عقيل) بضم العين وفتح القاف،
ابن خالد، فيما ذكره الدارقطني، (عن نافع) مولى ابن عمر كذلك، وغاير بين قوله: تابعه،
ورواه، لإفادة العموم في الثاني لأن الرواية أعم من أن تكون على سبيل المتابعة أم لا، أو: للتفنن
في العبارة .
والحديث فيه رازيان، والثلاثة مدنيون. وفيه رواية تابعي عن تابعي عن صحابية، والتحديث
والإخبار والعنعنة والقول، وأخرجه النسائي في: عمل يوم وليلة، وابن ماجة: في الدعاء.
٢٤ - باب مَن تَمطَّرَ في المطرِ حتى يَتحادَرَ عَلَى لحيتهِ
(باب من تمطّر في المطر) بتشديد الطاء كتفعل، أي: تعرض للمطر، وتطلب نزوله عليه (حتى
يتحادر) المطر (على لحيته) لأنه حديث عهد بربه كما في مسلم أي: قريب العهد بتكوين ربه، ولم

٥٦
كتاب الاستسقاء/ باب ٢٤
تمسه الأيدي الخاطئة ولم تكدره ملاقاة أرض عبد عليها غير الله تعالى. ولله در القائل:
تضوع أرواح نجد من ثيابهم عند القدوم لقرب العهد بالدار
١٠٣٣ - حدثنا محمدٌ قال: أخبرنا عبدُ اللَّهِ قال: أخبرنا الأوزاعيُّ قال: حدَّثَنا إسحقُ بنُ
عبدِ اللهِ بنِ أبي طلحةَ الأنصاريُّ قال: حدّثني أنسُ بنُ مالكِ قال: «أصابتِ الناسَ سنةٌ على عهدٍ
رسولِ اللَّهِ ◌َّهِ، فَبَيْنا رسولُ اللَّهِن ◌ِّ يخطبُ على المنبرِ يومَ الجمعةِ قام أعرابيٍّ فقال: يا رسولَ اللهِ،
هلكَ المالُ، وجاعَ الْعِيالُ، فادعُ اللهَ لنا أن يَسقيَنا. قال: فرفعَ رسولُ اللَّهِ يدَيهِ وما في السماءِ
قَزَعةٌ. قال: فثارَ سحابٌ أمثالُ الجبالِ، ثمَّ لم ينزِلْ عن مِنبرِه حتى رأيتُ المطرَ يَتحادَرُ على لحيتهِ.
قال: فمُطِرنا يومَنا ذُلكَ وفي الغدِ ومن بعدِ الغدِ والذي يليه إلى الجُمعةِ الأخرى. فقامَ ذلكَ
الأعرابيُّ أو رجلٌ غيرُه فقال: يا رسولَ اللَّهِ، تهدَّمَ البناءُ وَغَرِقَ المالُ، فادعُ اللَّهَ لنا، فرفعَ
رسولُ اللَّهِ يدَيهِ وقال: اللّهمَّ حَوالَينا ولا علينا. قال: فما جَعلَ يُشيرُ بِيدِه إلى ناحيةٍ منَ السماءِ
إلاّ تفرَّجَتْ، حتى صارَتِ المدينةُ في مثلِ الجَوبةِ، حتى سالَ الوادِي - وادِي قَناةَ- شهرًا، قال: فلم
يَجىء أحدٌ من ناحيةٍ إلاّ حدَّثَ بالجَودِ».
وبالسند قال: (حدّثنا محمد) ولأبوي ذر؛ والوقت، وابن عساكر: محمد بن مقاتل (قال:
أخبرنا عبدالله) ولأبي ذر: عبد الله بن المبارك (قال: أخبرنا الأوزاعي) أبو عمرو، عبد الرحمن (قال:
حدّثنا إسحاق بن عبدالله بن أبي طلحة الأنصاري) المدني (قال: حدّثني) بالإفراد (أنس بن مالك)
رضي الله عنه (قال):
(أصابت الناس سنة) بفتح السين أي: شدة وجهد من الجدب، فاعل مؤخر، (على عهد
رسول الله، وَّر، فبينا) بغير ميم بعد النون (رسول الله) ولأبي ذر: النبي (َّ﴾، يخطب على المنبر يوم
الجمعة، قام أعرابي) من أهل البدو، لا يعرف اسمه (فقال: يا رسول الله! هلك المال) ألفه منقلبة عن
واو بدليل ظهورها في الجمع.
وإنما جمع وإن كان اسم جنس، لاختلاف أنواعه، وهو: كل ما يتملك وينتفع به. والمراد به
هنا: مال خاص، وهو ما يتضرر بعدم المطر من الحيوان والنبات، لكن لا مانع من حمله على عمومه
على معنى: أن شدة الغلاء تذهب أموال الناس في شراء ما يقتاتون به، فقد هلكت الأموال. وإن
اختلف السبب.
(وجاع العيال) لقلة الأقوات أو عدمها بحبس المطر (فادع الله لنا أن يسقينا).
(قال) أنس: (فرفع رسول اله ◌َليل يديه) أي: حتى رئي بياض إبطيه (وما في السماء قزعة)
بفتحات، قطعة من سحاب (قال) أنس: (فثار السحاب) بالمثلثة، وفى نسخة اليونينية: سحاب،

٥٧
کتاب الاستسقاء/ باب ٢٤
أي: هاج (أمثال الجبال) لكثرته (ثم لم ينزل) عليه الصلاة والسلام (عن منبره حتى رأيت المطر
يتحادر على لحيته) المقدسة، وهذا موضع الترجمة، لأن تفعّل، في قوله: تمطر، كما قال في الفتح:
الأليق به هنا أن يكون بمعنى مواصلة العمل في مهلة، نحو: تفكر.
وكأن المؤلف أراد أن يبين أن تحادر المطر على لحيته عليه الصلاة والسلام، لم يكن اتفاقًا إذ كان
يمكنه التوقي منه بثوب ونحوه، كما قاله في المصابيح، أو بنزوله عن المنبر أول ما وكف السقف،
لكنه تمادى في خطبته حتى كثر نزوله بحيث تحادر على لحيته، كما قاله في الفتح، فترك فعل ذلك
قصدًا للتمطر.
وتعقبه العيني: بأن، يأتي لمعان: للتكلف، كتشجع لأن معناه كلف نفسه الشجاعة، وللاتخاذ:
نحو: توسدت التراب، أي اتخذته وسادة. وللتجنب: نحو، تأثم أي جانب الإثم. وللعمل: يعني
فيدل على أن أصل الفعل حصل مرة بعد مرة نحو: تجرعته، أي شربته جرعة بعد جرعة.
قال ولا دليل في قوله: حتى رأيت المطر يتحادر على لحيته، على التمطر الذي هو من التفعل
الدال على التكلف، ودعوى أنه قصد التمطر لا برهان علیھا، وليس في الحدیث ما يدل لها.
واستدلاله بقوله: لأنه لو لم يكن باختياره لنزل عن المنبر لا يساعده لأن لقائل أن يقول: عدم
نزوله عن المنبر، إنما كان لئلا يقطع الخطبة. كذا قال فليتأمل.
(قال) أنس (فمطرنا يومنا) ظرف، أي: في يومنا (ذلك، وفي الغد) ولأبوي ذر: والوقت،
والأصيلي، وابن عساكر: ومن الغد (ومن بعد الغد والذي يليه إلى الجمعة الأخرى، فقام ذلك
الأعرابي أو) قال أنس: قام (رجل غيره) ولا منافاة بين تردد أنس هنا وبين قوله في الرواية
الأخرى: فأتى الرجل بالألف واللام المفيدة للعهد الذكري إذ ربما نسي، ثم تذكر، أو كان ذاكرًا ثم
نسي.
(فقال: يا رسول الله! تهدم البناء وغرق المال) من كثرة المطر (فادع الله لنا) يمسكها عنا. (فرفع
رسول الله ﴾ ﴾ يديه، وقال) بالواو، ولأبي ذر وابن عساكر. وأبي الوقت: فقال:
(اللهم) أي: يا الله أنزل المطر (حوالينا ولا) تنزله (علينا) وفي بعض الروايات: حولنا من غير
ألف، وهما بمعنى. وهو في موضع نصب إما على الظرف، وإما على المفعول به.
والمراد بحوالى المدينة: مواضع النبات أو الزرع، لا في نفس المدينة وبيوتها، ولا فيما حوالى
المدينة من الطرق، وإلا لم تزل بذلك شكواهم جميعًا.
ولم يطلب عليه الصلاة والسلام رفع المطر من أصله، بل سأل رفع ضرره، وكشفه عن البيوت
والمرافق والطرق، بحيث لا يتضرر به ساكن ولا ابن سبيل، بل سأل إبقاءه في مواضع الحاجة، لأن

٥٨
کتاب الاستسقاء/ باب ٢٥
الجبال والصحارى، ما دام المطر فيها، كثرت الفائدة فيها في المستقبل من كثرة المرعى والمياه وغير
ذلك من المصالح، وفي هذا دليل على قوّة إدراكه عليه الصلاة والسلام للخير على سرعة البديهة.
(قال) أنس: (فما جعل) عليه الصلاة والسلام (يشير بيده) ولأبي ذر: فما جعل يشير
رسول الله وَ لقول بيده (إلى ناحية من السماء إلا تفرجت) بفتح المثناة الفوقية والفاء وتشديد الراء
وبالجيم، أي: تقطع السحاب، وزال عنها امتثالاً لأمره وَلَه:
وفيه دلالة على عظم معجزته عليه الصلاة والسلام، وهو: أن سخرت له السحب كلما أشار
إليها امتثلت بالإشارة دون كلام (حتى صارت المدينة في مثل الجوبة) بفتح الجيم وسكون الواو
وبالموحدة، أي: تقطع السحاب عن المدينة وصار مستديرًا حواليها، وهي خالية منه (حتى سال
الوادي- وادي قناة) بفتح القاف والنون الخفيفة، واد من أودية المدينة عليه حرث ومزارع، وأضافه
هنا إلى نفسه، أي: جرى فيه الماء من المطر (شهرًا).
وهو من أبعد أمد المطر الذي يصلح الأرض التي هي متوعرة جبلية، لأنه يتمكن في تلك
الأيام بطولها الري فيها، لأنها بارتفاع أقطارها لا يثبت الماء عليها فتبقى فيها حرارة، فإذا دام سكب
المطر عليها قلت تلك الحرارة وخصبت الأرض.
(قال) أنس: (فلم يجىء أحد من ناحية إلا حدث بالجود) بفتح الجيم وسكون الواو، أي:
بالمطر الكثير.
٢٥ - باب إذا هَبَّتِ الريحُ
هذا (باب) بالتنوين (إذا هبت الريح) ماذا يفعل أو يقول.
١٠٣٤ - حدثنا سعيدُ بنُ أبي مريمَ قال: أخبرنا محمدُ بنُ جَعفرٍ قال: أخبرَني حميدٌ أنه سمعَ
أنسَا يقول: ((كانتِ الريحُ الشديدةُ إذا هبَّت عُرِفَ ذُلكَ في وجِهِ النبِّ وَّ)).
وبه قال: (حدّثنا سعيدبن أبي مريم) هو: سعيدبن محمدبن الحكم بن أبي مريم (قال: أخبرنا
محمد بن جعفر) المدني (قال: أخبرني) بالإفراد (حميد) الطويل (أنه سمع أنسَا) رضي الله عنه، زاد أبو
ذر والوقت، ابن مالك، حال كونه (يقول):
(كانت الريح الشديدة إذا هبت، عُرِف ذلك في وجه النبي ◌َّ) أي: ظهر فيه أثر الخوف،
مخافة أن يكون في ذلك الريح ضرر. وحذر أن يصيب أمته العقوبة بذنوب العاصين منهم رأفة ورحمة
منه عليه الصلاة والسلام.
ولمسلم من حديث عائشة: كان النبي، وَّ إذا عصفت الريح قال: اللهم إني أسألك خيرها.
وخير ما فيها وخير ما أرسلت به. وأعوذ بك من شرها، وشر ما فيها، وشر ما أرسلت به. قالت:

٥٩
کتاب الاستسقاء/ باب ٢٦
وإذا تخيلت السماء تغير لونه، وخرج ودخل، وأقبل وأدبر، فإذا أمطرت سرّي عنه، فعرفت ذلك
عائشة فسألته، فقال: ((لعله يا عائشة كما قال قوم عاد ﴿فلما رأوه عارضًا مستقبل أوديتهم قالوا
هذا عارض ممطرنا﴾ [الأحقاف: ٢٤].
وعصف الريح: اشتداد هبوبها، وريح عاصف: شديدة الهبوب. وتخيل السماء هنا بمعنى:
السحاب، وتخيلت إذا ظهر في السحاب أثر المطر. وسرّي عنه، أي: كشف عنه الخوف وأزيل،
والتشديد فيه للمبالغة. وعارض: سحاب عرض ليمطر وقوله في حديث الباب: الريح الشديدة،
مخرج للخفيفة .
وروى الشافعي: ما هبت الريح إلا جثا النبي، وَّ، على ركبتيه، قال: ((اللهم اجعلها رحمة
ولا تجعلها عذابًا، اللهم اجعلها رياحًا ولا تجعلها ريجًا».
٢٦ - باب قولِ النبيِّ وَّهِ («نُصِرْتُ بالصَّبا))
(باب قول النبي، وَد. نصرت بالصبا) بفتح الصاد والموحدة والقصر.
١٠٣٥ - حقّثنا مسلمٌ قال: حدَّثَنا شعبةُ عنِ الحكمِ عن مجاهدٍ عنِ ابنِ عبّاسٍ أنَّ النبيِّ ◌َّ
قال: (نُصِرْتُ بالصَّبا، وَأُهلِكَتْ عادٌ بالدَّيورِ)). [الحديث ١٠٣٥ - أطرافه في: ٣٢٠٥، ٣٣٤٣،
٤١٠٥].
وبه قال: (حدّثنا مسلم) هو: ابن إبراهيم (قال: حدثنا شعبة) بن الحجاج (عن الحكم)
بفتحتين، هو: ابن عتيبة (عن مجاهد) هو: ابن جبر المفسر (عن ابن عباس رضي الله عنهما (أن
النبي ◌َظهر قال:).
(نصرت بالصبا) الريح التي تجيء من قبل ظهرك إذا استقبلت القبلة وأنت بمصر، ويقال لها:
القبول، بفتح القاف، لأنها تقابل باب الكعبة إذ مهبها من مشرق الشمس.
وقال ابن الأعرابي: مهبها من مطلع الثريا إلى بنات نعش. وفي التفسير: أنها التي حملت ريح
يوسف إلى يعقوب قبل البشير إليه. فإليها يستريح كل محزون.
ونُضْرَته عليه الصلاة والسلام بالصبا كانت يوم الأحزاب، وكانوا زهاء اثني عشر ألفًا حين
حاصروا المدينة، فأرسل الله عليهم ريح الصبا باردة، في ليلة شاتية، فسفت التراب في وجوههم،
وأطفأت نيرانهم، وقلعت خيامهم، فانهزموا من غير قتال. ومع ذلك فلم يهلك منهم أحد، ولم
يستأصلهم، لما علم الله من رأفة نبيه عليه الصلاة والسلام بقومه رجاء أن يسلموا.

٦٠
کتاب الاستسقاء/ باب ٢٧
(وأهلكت) بضم الهمزة وكسر اللام (عاد) قوم هود (بالدبور) بفتح الدال، التي تجيء من قبل
وجهك إذا استقبلت القبلة أيضًا، فهي تأتي من دبرها .
وقال ابن الأعرابي: الدبور من مسقط النسر الطائر إلى سهيل، وهي الريح العقيم، وسميت
عقيمًا لأنها أهلكتهم، وقطعت دابرهم.
وروى شهربن حوشب، مما ذكره السمرقندي، عن ابن عباس، قال: ما أنزل الله قطرة من
ماء إلا بمثقال، ولا أنزل سفوة من ريح إلا بمكيال، إلا قوم نوح وقوم عاد، فأما قوم نوح طغى
على خزانه الماء، فلم يكن لهم عليه سبيل، وعتت الريح يوم عاد على خزانها، فلم يكن لهم عليها
سبیل .
وقال غيره: كانت تقلع الشجر، وتهدم البيوت، وترفع الظعينة بين السماء والأرض، حتى
ترى كأنها جرادة، وترميهم بالحجارة فتدق أعناقهم.
وعن ابن عباس: دخلوا البيوت وأغلقوها، فجاءت الريح ففتحت الأبواب وسفت عليهم
الرمل، فبقوا تحته سبع ليال وثمانية أيام، فكان يسمع أنينهم تحت الرمل.
وبقية مباحث الحديث تأتي، إن شاء الله تعالى، في بدء الخلق.
واستنبط منه ابن بطال تفضيل المخلوقات بعضها على بعض من جهة إضافة النصر للصبا،
والإهلاك للدبور. وتعقب بأن كل واحدة منهما أهلكت أعداء الله، ونصرت أنبياءه وأولياءه . اهـ.
وأما الريح التي مهبها من جهة يمين القبلة: فالجنوب، والتي من جهة شمالها: الشمال.
ولكل من الأربعة طبع: فالصبا: حارة يابسة؟ والدبور: باردة رطبة، والجنوب: حارة رطبة
والشمال: باردة يابسة، وهي ريح الجنة التي تهب عليهم، رواه مسلم.
٢٧ - باب ما قيلَ في الزَّلازِل والآياتِ
(باب ما قيل في الزلازل والآيات).
١٠٣٦ - حدثنا أبو اليَمانِ قال: أخبرنا شعيبٌ قال: أخبرنا أبو الزنادِ عن عبد الرحمنِ الأعرج
عن أبي هريرةَ قال: قال النبيُّ ◌ََّ: لا تقوم الساعةُ حتى يُقبضَ العلمُ، وتكثُرَ الزَّلازِلُ، ويتقارَبَ
الزَّمانُ، وَتَظهرَ الفتنُ، ويكثُرَ الهَرْجُ - وهوَ القتلُ القتلُ - حتى يَكثُرَ فيكمُ المالُ فيفيض» .
وبه قال: (حدثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع (قال: أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (قال:
أخبرنا) ولأبوي ذر والوقت، وابن عساكر: حدّثنا (أبو الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن عبد الرحمن) بن
هرمز (الأعرج عن أبي هريرة) رضي الله عنه (قال: قال النبي):