Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١ کتاب الاستسقاء/ باب ٢ مسعود، رضي الله عنه (فقال: إن النبي، وَّلغيره، لما رأى من الناس) أي: قريش (إدبارًا) عن الإسلام (قال): (اللهم) ابعث، أو سلط عليهم (سبعًا) من السنين. ولغير أبوي ذر، والوقت، والأصيلي: سبع، بالرفع. خبر مبتدأ محذوف، أي: مطلوبي منك فيهم سبع (كسبع يوسف) التي أصابهم فيها القحط . (فأخذتهم) أي: قريشًا (سنة) أي قحط وجدب (حصت) بالحاء والصاد المشددة المهملتين، أي: استأصلت وأذهبت (كل شيء) من النبات (حتى أكلوا)، ولأبي ذر، والأصيلي عن الكشميهني: حتى أكلنا (الجلود والميتة والجيف) بكسر الجيم وفتح المثناة التحتية، جثة الميت إذا أراح، فهو أخص من مطلق الميتة لأنها ما لم تذك (وينظر أحدهم) بالهاء ونصب الفعل بحتى، أو برفعه على الاستئناف. والأول أظهر، والثاني في نسخة أبي ذر، وأبي الوقت، كما نبه عليه في اليونينية. ولأبي ذر، عن الحموي والمستملي: وينظر يحدكم (إلى السماء فيرى الدخان من الجوع) لأن الجائع يرى بينه وبين السماء كهيئة الدخان من ضعف بصره. (فأتاه) عليه الصلاة والسلام (أبو سفيان) صخربن حرب (فقال: يا محمد، إنك تأمر بطاعة الله، وبصلة الرحم، وإن قومك) ذوي رحمك (قد هلكوا) أي: من الجدب والجوع بدعائك (فادع الله لهم). لم يقع في هذا السياق التصريح بأنه دعا لهم. نعم، وقع ذلك في سورة الدخان، ولفظه: فاستسقى لهم فسقوا (قال الله تعالى ﴿فارتقب﴾) أي: انتظر يا محمد عذابهم (﴿يوم تأتي السماء بدخان مبين - إلى قوله- عائدون)) [الدخان: ١٠-١٥] أي إلى الكفر. ولأبي ذر، والأصيلي: إنكم عائدون (﴿يوم نبطش البطشة الكبرى﴾) زاد الأصيلي: ﴿إنا منتقمون﴾ [الدخان: ١٦]. (فالبطشة) بالفاء، ولأبي ذر، والأصيلي: والبطشة (يوم بدر) لأنهم ما التجؤوا إليه عليه الصلاة والسلام، وقالوا: ادع الله أن يكشف عنا فنؤمن لك، فدعا وكشف، ولم يؤمنوا انتقم الله منهم يوم بدر. وعن الحسن: البطشة الكبرى يوم القيامة . قال ابن مسعود: (وقد) ولأبوي ذر، والوقت، وابن عساكر: فقد (مضت الدخان) وهو الجوع (والبطشة، واللزام) بكسر اللام وبالزاي القتل (وآية) أول سورة (الروم). فإن قلت: ما وجه إدخال هذه الترجمة في الاستسقاء؟. أجيب: بأنه للتنبيه على أنه كما شرع الدعاء بالاستسقاء للمؤمنين، كذلك شرع الدعاء بالقحط على الكافرين، لأن فيه إضعافهم، وهو نفع للمسلمين. فقد ظهر من ثمرة ذلك التجاؤهم إلى النبي، صلّ، ليدعو لهم برفعه القحط . ٢٢ كتاب الاستسقاء/ باب ٣ ورواه هذا الحديث كلهم كوفيون إلا جريرًا فرازي، وفيه: التحديث والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلف في الاستسقاء أيضًا، وفي التفسير، ومسلم في: التوبة، والترمذي والنسائي في: التفسير . ٣ - باب سُؤالِ الناسِ الإمامَ الاستسقاءَ إذا قحطوا (باب سؤال الناس) المسلمين وغيرهم (الإمام الاستسقاء إذا قحطوا) بفتح القاف والحاء مبنيًا للفاعل. يقال قحط المطر قحوطًا إذا احتبس المسلمين فيكون من باب القلب لأن المحتبس المطر لا الناس، أو يقال: إذا كان محتبسًا عنهم، فهم محبوسون عنه. وحكى الفراء قحط بالكسر، وللأصيلي، وأبي ذر: قحطوا، بضم القاف وكسر الحاء مبنيًا للمفعول. وقد سمع قحط القوم. وسؤال مصدر مضاف لفاعله، والإمام مفعوله، وتاليه نصب على نزع الخافض، أي: عن الاستسقاء. يقال: سألته الشيء، وعن الشيء. ١٠٠٨ - حدثنا عمرُوبنُ عليٍّ قال: حدَّثَنا أبو قُتيبةَ قال: حدَّثَنا عبدُالرحمنِ بنُ عبدِ اللهِبنِ دينار عن أبيه قال: سمعتُ ابنَ عمرَ يتمثَّلُ بشعرِ أبي طالبٍ: وَأَبيضَ يُستسقىُ الْغَمامُ بوجههِ ثِمالِ الْيَتامى عِصمة لِلأراملِ [الحديث ١٠٠٨ - طرفه في: ١٠٠٩]. وبالسند قال: (حدّثنا عمروبن علي) بإسكان الميم، ابن بحر الباهلي البصري الصير في (قال: حدّثنا أبو قتيبة) بضم القاف وفتح التاء الفوقية، سلم، بفتح السين وسكون اللام، الخراساني البصري (قال: حدّثنا عبدالرحمن بن عبدالله بن دينار، عن أبيه) عبد اللَّه (قال:) (سمعت ابن عمر) بن الخطاب، رضي الله عنهما (يتمثل بشعر أبي طالب) أي: ينشده. زاد ابن عساكر فقال. (وأبيض) أعربه ابن هشام في مغنيه مجرورًا بالفتحة، برب: مضمرة. وتعقبه البدر الدماميني في حاشيته عليه، ومصابيحه، فقال في آخرهما: وليس كذلك، وفي أوّلهما: والظاهر أنه منصوب عطفًا على: سيدًا المنصوب في البيت قبله، وهو قوله: وما ترك قوم لا أبالك سيدًا يحوط الذمارِ غير ذرب مواكل ٢٣ كتاب الاستسقاء/ باب ٣ قال: وهو من عطف الصفات التي موصوفها واحد، ويجوز الرفع، وهو في اليونينية أيضًا: خبر مبتدأ محذوف. هو أبيض (يستسقى الغمام) بضم الثمناة التحتية وفتح القاف، مبنيًّا للمفعول، أي يستسقي الناس الغمام (بوجهه) الكريم (ثمال اليتامى) أي: بإفضاله، أو يطعمهم عند الشدة، أو عمادهم، أو ملجؤهم، أو مغيثهم. وهو بكسر المثلثة والنصب أو الرفع، صفة لأبيض، كقوله (عصمة) أي: مانع (للأرامل) يمنعهم مما يضرهم. وفي غير اليونينية: ثمال وعصمة، بالجر فيهما مع الوجهين الآخرين، صفة لأبيض على تقدير جره برب، وفيه ما مر. والأرامل: جمع أرملة، وهي الفقيرة التي لا زوج لها، والأرمل: الرجل الذي لا زوج له. قال: هذي الأرامل قد قضيت حاجتها فمن لحاجة هذا الأرمل الذكر؟ نعم، استعماله في الرجل مجاز لأنه لو أوصى للأرامل خص النساء دون الرجال. واستشكل إدخال هذا الحديث في هذه الترجمة، إذ ليس فيه أن أحدًا سأله أن يستسقي بهم. وأجاب ابن رشيد: باحتمال أن يكون أراد بالترجمة الاستدلال بطريق الأولى، لأنهم إذا كانوا يسألون الله به فيسقيهم، فأحرى أن يقدموه للسؤال . اهـ. قال في الفتح وهو حسن. ١٠٠٩ - وقال عمرُ بنُ حمزةَ: حدَّثَنا سالمٌ عن أبيهِ: ((رُبَّما ذكرتُ قولَ الشاعرِ وَأَنا أَنْظُرُ إلى وجهِ النبيِّ وَِّ يَستسقي، فما يَنْزِلُ حتى يَجِيشَ كلُّ مِيزابٍ)). وَأَبيضَ يُستسقى الْغَمامُ بِوَجههِ ثِمالِ الْيَتامى عِصمة لِلأراملِ وَهَوَ قولُ أبي طالبٍ. (وقال عمربن حمزة) بضم العين وفتح الميم في الأول، وبالحاء المهملة والزاي في الثاني، ابن عبد الله بن عمربن الخطاب، مما وصله أحمد وابن ماجة قال: (حدّثنا) عمي (سالم، عن أبيه) عبد الله بن عمر، قال: (ربما ذكرت قول الشاعر -وأنا أنظر-) جملة حالية (إلى وجه النبي، وَّة)، حال كونه (يستسقي) زاد ابن ماجة: على المنبر (فما ينزل) عنه (حتى يجيش كل ميزاب) بفتح المثناة التحتية وكسر الجيم، من يجيش، وآخره شين معجمة من: جاش يجيش إذا هاج، وهو كناية عن كثرة المطر. والميزاب ما يسيل منه الماء من موضع عال، ولأبي ذر، والأصيلي عن الحموي، والكشميهني: لك ميزاب، بتقديم اللام على الكاف. قال الحافظ ابن حجر: وهو تصحيف. (وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل ٢٤ كتاب الاستسقاء/ باب ٣ وهو قول أبي طالب). ومطابقة هذا التعليق للترجمة من قوله: يستسقي، ولم يكن استسقاؤه عليه الصلاة والسلام إلا عن سؤال. والظاهر أن طريق ابن عمر الأولى مختصرة من هذه المعلقة المصرحة بمباشرته عليه الصلاة والسلام للاستسقاء بنفسه الشريفة. وأصرح من ذلك رواية البيهقي في دلائله، عن أنس، قال: جاء أعرابي إلى النبي ◌َّ، فقال: يا رسول الله، أتيناك وما لنا بعير يئط، ولا صبي يغط. فقام عليه الصلاة والسلام يجر رداءه. حتى صعد المنبر، فقال: ((اللهم اسقنا .. الحديث)) وفيه، ثم قال، عليه الصلاة والسلام: ((لو كان أبو طالب حيّا لقرّت عيناه)). من ينشدنا قوله؟ فقام عليّ فقال: يا رسول الله! كأنك أردت قوله: وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل واقتصر ابن عساكر في روايته على قوله: وأبيض يستسقى الغمام بوجهه. وأسقط باقيه اكتفاء بالسابق. وقدّم قوله: وهو قول أبي طالب، على قوله: وأبيض، بعد قوله: كل ميزاب. وسقط قوله: وهو عند أبوي ذر والوقت. وهذا البيت من قصيدة جليلة بليغة من بحر الطويل، وعدّة أبياتها مائة بيت وعشرة أبيات، قالها لما تمالا قريش على النبي ◌َّله، ونفروا عنه من يريد الإسلام. فإن قلت: كيف قال أبو طالب: يستسقى الغمام بوجهه؟ ولم يره قط استسقى وإنما كان بعد الهجرة؟ . فالجواب: أنه أشار إلى ما أخرجه ابن عساكر، عن جلهمة بن عرفطة، قال: قدمت مكة وهم في قحط، فقالت قريش: يا أبا طالب! أقحط الوادي، وأجدب العيال، فهلم فاستسق. فخرج أبو طالب معه غلام يعني: النبي ◌َّر، كأنه شمس دجن تجلت عن سحابة قتماء، وحوله أغيلمة، فأخذه أبو طالب، فألصق ظهره بالكعبة، ولاذ الغلام، وما في السماء قزعة، فأقبل السحاب من ههنا وههنا، وأغدق واغدودق، وانفجر له الوادي وأخصب النادي والبادي ، وفي ذلك يقول أبو طالب : وأبيض يستسقى الغمام بوجهه . فإن قلت: قد تكلم في عمربن حمزة، وفي عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار السابق في الطريق الموصولة، فكيف احتج المؤلف بهما؟ ٢٥ كتاب الاستسقاء/ باب ٣ أجيب: بأن إحدى الطريقين عضدت الأخرى، وهذا أحد قسمي الصحيح كما تقرر في علوم الحدیث . ١٠١٠ - حقّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ قال حدَّثَنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الأنصاريّ قال: حدَّثني أبي عبدُ اللَّهِ بنُ المثنّى عن ثُمامةَ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ أَنْسٍ عَن أنسٍ: ((أَنَّ عمرَبنَ الخَطَّابِ رضيَ اللَّهُ عنه كان إذا قحَطوا استسقى بالعبّاسِ بنِ عبدِ المطّلبِ فقال: اللّهمَّ إنّا كنّا نَتوسَّلُ بنبيِّنا فتُسقِينا، وَإنّا نتوسَّلُ إليكَ بعَمِّ نبيِّنا فاسقِنا. قال: فيُسقَونَ)). [الحديث ١٠١٠ - طرفه في: ٣٧١]. وبه قال: (حدّثنا الحسن بن محمد) هو: ابن الصباح الزعفراني البغدادي، صاحب الشافعي (قال: حدّثنا محمدبن عبدالله) بن المثنى (الأنصاري) ولأبي ذر: حدّثنا الأنصاري (قال: حدّثني) بالافراد (أبي، عبدالله) برفع عبداللَّه عطف بيان على: أبي المرفوع على الفاعلية (ابن المثنى) بن عبد الله بن أنس بن مالك (عن) عمه (ثمامة بن عبدالله بن أنس) بن مالك الأنصاري البصري، قاضيها. وثمامة، بضم المثلثة وتخفيف الميم (عن) جدّه (أنس) رضي الله عنه، ولأبي ذر والأصيلي: عن أنس بن مالك. (أن عمربن الخطاب رضي الله عنه، كان إذا قحطوا) بفتح القاف والحاء، في الفرع مصححًا عليه، وضبطه الحافظ ابن حجر: قحطوا، بضم القاف وكسر الحاء، أي: أصابهم القحط (استسقى) متوسلاً (بالعباس بن عبد المطلب) رضي الله عنه للرحم التي بينه وبين النبي ◌َّ. فأراد عمر أن يصلها بمراعاة حقه إلى من أمر بصلة الأرحام، ليكون ذلك وسيلة إلى رحمة الله تعالى (فقال: ) (اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا) صلى الله عليه وسلم في حال حياته (فتسقينا، وإنا) بعده (نتوسل إليه بعم نبينا) العباس، (فاسقنا). (قال فيسقون). وقد حكي عن كعب الأحبار: أن بني إسرائيل كانوا إذا قحطوا استسقوا بأهل بيت نبيهم. وقد ذكر الزبيربن بكار في الأنساب: أن عمر استسقى بالعباس عام الرمادة، أي: بفتح الراء وتخفيف الميم، وسمي به العام لما حصل من شدة الجدب، فاغبرت الأرض جدًا. وذكر ابن سعد وغيره: أنه كان سنة ثماني عشرة، وكان ابتداؤه مصدر الحاج منها، ودام تسعة أشهر، وكان من دعاء العباس ذلك اليوم، فيما ذكره في الأنساب: اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب، ولم يكشف إلا بتوبة، وهذه أيدينا إليك بالذنوب، ونواصينا إليك بالتوبة، فاسقنا الغيث. فأرخت السماء مثل الجبال حتى أخصبت الأرض، وعاش الناس. وفي هذا الحديث: التحديث والعنعنة والقول. ٢٦ كتاب الاستسقاء/ باب ٤ ٤ - باب تحويلِ الرِّداءِ في الاستِسقاءِ (باب تحويل الرداء في الاستسقاء) وللجرجاني، فيما حكاه في المصابيح: تحريك الرداء بالراء والكاف. قيل: وهو وهم. ١٠١١ - حدثنا إسحقُ قال: حدَّثَنَا وَهبٌّ قال: أخبرنا شُعبةُ عن محمدِ بنِ أبي بكرٍ عن عبّادِ بنِ تَميم عن عبدِ اللهِ بنِ زيدٍ: ((أَنَّ النبيَّلَّ استسقى، فقلبَ رِداءَ)). وبالسند قال: (حدّثنا إسحاق) بن إبراهيم الحنظلي (قال: حدّثنا وهب) وللأصيلي: وأبي ذر: وهب بن جرير، بالجيم، هو: ابن حازم الأزدي البصري (قال: أخبرنا) ولابن عساكر: حدّثنا (شعبة) بن الحجاج (عن محمد بن أبي بكر) هو: ابن محمد بن عمربن حزم، أخو عبد الله بن أبي بكر الآتي (عن عبادبن تميم) المازني الأنصاري (عن) عمه (عبد الله بن زيد) هو ابن عاصم المازني. (أن النبي ◌َّر استسقى، فقلب رداءه) عند استقباله القبلة في أثناه الاستسقاء فجعل اليمين على الشمال، والشمال على اليمين تفاؤلاً بتحويل الحال عما هي عليه، إلى الخصب والسعة. أخرجه الدار قطني بسند رجاله ثقات مرسلاً، عن جعفربن محمد، عن أبيه بلفظ: حوّل رداءه ليتحوّل القحط . وزاد أحمد: وحوّل الناس معه، وهو حجة على من خصه بالإمام. ولأبي داود، والحاكم: أنه ◌َّ، استسقى وعليه خميصة سوداء، فأراد أن يأخذ بأسفلها فيجعله أعلاها، فلما ثقلت عليه قلبها على عاتقه. فهمه بذلك يدل على استحبابه، وتركه للسبب المذكور. والجمهور على استحباب التحويل فقط، ولا ريب أن الذي اختاره الشافعي أحوط. ولم يقع في حديث عبد الله بن زيد سبب خروجه عليه الصلاة والسلام، ولا صفته حال ذهابه إلى المصلى، ولا وقت ذهابه. نعم، في حديث عائشة المروي عند أبي داود وابن حبان: شكا الناس إلى رسول الله اَللّ قحط المطر، فأمر بمنبر وضع له في المصلى، ووعد الناس يومًا يخرجون فيه، فخرج حين بدا حاجب الشمس، فقعد على المنبر ... الحديث. وبهذا أخذ الحنفية، والمالكية، والحنابلة، فقالوا: إن وقت صلاتها وقت العيد، والراجح عند الشافعية: أنه لا وقت لها معين، وإن كان أكثر أحكامها كالعيد، بل جميع الليل والنهار وقت لها، لأنها ذات سبب. فدارت مع سببها كصلاة الكسوف. لكن وقتها المختار وقت صلاة العيد كما صرح به الماوردي وابن الصلاح لهذا الحديث. ٢٧ كتاب الاستسقاء/ باب ٤ .وعند أحمد وأصحاب السنن من حديث ابن عباس: خرج ◌َّ متبذلاً متواضعًا متضرعًا حتى أتى المصلى، فرقي المنبر، أي لابسًا ثياب بذلة، بكسر الموحدة وسكون المعجمة، المهنة، لأنه اللائق بالحال، وفارق العيد بأنه يوم عيد، وهذا يوم مسألة واستكانة. وفي الرواية السابقة، أول الاستسقاء: وحول رداءه، بدل قوله هنا فقلب رداءه. وهما بمعنى واحد . وأعاد الحديث هنا لأنه ذكره أولاً لمشروعية الاستسقاء والخروج إلى الصحراء، وهنا لمشروعية تحويل الرداء خلافًا لمن نفاه . ١٠١٢ - حدثنا عليٌّ بنُ عبدِ اللهِ قال: حدَّثَنَا سُفيانُ قال عبدُ اللهِ بنُ أبي بكرٍ أنه سمعَ عبّادَ بنَ تَميم يُحدِّثُ أَباهُ عن عمِّهِ عبدِ اللهِ بنِ زيدِ ((أَنَّ النبيَّوَّ خرج إلى المصلّى فاستَسقى، فاستقبلَ القِبلَةَ، وَقَلَبَ رِداءَهُ، وصلَّ ركعتَين)). قال أبو عبدِ اللَّه كان ابنُ عُيينةَ يقول: هوَ صاحب الأذانِ، وَلَكِنَّه وَهِمَ لأنَّ هذا عبدُ اللَّهِ بنُ زيدِ بنِ عاصمِ المازِنِيُّ، مازِنُ الأنصارِ . وبه قال: (حدّثنا عليّ بن عبد اللّه) المديني (قال: حدثنا سفيان) بن عيينة (قال: حدثنا عبد الله بن أبي بكر)، أخو محمد بن أبي بكر السابق، ولأبي ذر، وعزاه العيني كابن حجر للحموي والمستملي: عن عبد الله بن أبي بكر، وقد صرح ابن خزيمة في روايته بتحديث عبدالله به لابن عيينة (أنه سمع عبادبن تميم) المازني (يحدث أباه) أي أبا عبد الله بن أبي بكر، ولا يعود الضمير على عباد (عن عمه عبدالله بن زيد) أي ابن عاصم. (أن النبي ◌َ ﴿ خرج إلى المصلى) بالصحراء، لأنه أبلغ في التواضع وأوسع للناس. (فاستسقى، فاستقبل) بالفاء، ولابن عساكر. واستقبل (القبلة، وقلب) ولأبي ذر: وحول (رداءه، وصلى) بالناس (ركعتين) أي: كما يصلي في العيدين. رواه ابن حبان وغيره. وقال الترمذي: حسن صحيح. وقياسه: أن يكبر في أول الأولى: سبعًا، وفي الثانية: خمسًا، ويرفع يديه ويقف بين كل تكبيرتين مسبحًا حامدًا مهللاً، ويقرأ جهرًا في الأولى ﴿ق﴾ وفي الثانية ﴿اقتربت الساعة﴾ [القمر: ١] أو ﴿سبح﴾ و﴿الغاشية﴾. واستدل الشيخ أبو إسحلق، في المهذب له، بما رواه الدارقطني: أن مروان أرسل إلى ابن عباس يسأله عن سنة الاستسقاء؟ فقال: سنة الاستسقاء الصلاة كالصلاة في العيدين، ألا أنه رَلي﴾، قلب رداءه. فجعل يمينه يساره، ويساره يمينه، وصلى ركعتين كبر في الأولى سبع تكبيرات، وقرأ ٢٨ کتاب الاستسقاء/ باب ٥ و ٦ ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ [الأعلى: ١] وقرأ في الثانية: ﴿هل أتاك﴾ [الغاشية: ١] وكبر خمس تكبيرات. لكن قال في المجموع: إنه حديث ضعيف. نعم، حديث ابن عباس عند الترمذي، ثم صلى ركعتين كما يصلي في العيدين، كما مر ... أخذ بظاهره الشافعي، فقال: يكبر فيهما كما سبق. وذهب الجمهور إلى أنه: يكبر فيهما تكبيرة واحدة للإحرام كسائر الصلوات. وبه قال: مالك، وأحمد، وأبو يوسف، ومحمد، لحديث الطبراني في الأوسط، عن أنس: أنه، وَلَ﴿، استسقى، فخطب قبل الصلاة واستقبل القبلة، وحول رداءه، ثم نزل فصلى ركعتين لم يكبر فيهما إلا تكبيرة. وأجابوا عن قوله، في حديث الترمذي: كما يصلي في العيدين، يعني: في العدد والجهر بالقراءة، وكون الركعتين قبل الخطبة . ومذهب الشافعية والمالكية: أنه يخطب بعد الصلاة، لحديث ابن ماجة وغيره: أنه، وَ لّ خرج إلى الاستسقاء فصلى ركعتين، ثم خطب ولو خطب قبل الصلاة جاز لما سبق. (قال أبو عبد الله) أي: البخاري: (كان ابن عيينة) سفيان (يقول: هو) أي: راوي حديث الاستسقاء، عبد الله بن زيدبن عبد ربه بن ثعلبة (صاحب) رؤيا (الأذان) في النوم. (ولكنه وهم) بسکون الهاء، ولأبي ذر، وهم. بكسرها وفتح الميم، وللأصيلي: ولكنه هو وهم (لأن هذا) أي: راوي حديث الاستسقاء (عبدالله بن زيدبن عاصم المازني، مازن الأنصار) لا مازن بني تميم، وغيره. ٥ - باب انتقام الربِّ جلَّ وعزَّ مِن خَلقهِ بالقَحطِ إذا انتُهَكَتِ محارِمُ اللَّهِ ٦ - باب الاستسقاءِ في المسجدِ الجامعِ (باب) جواز (الاستسقاء في المسجد الجامع) أي: فلا يشترط الخروج إلى الصحراء. ولأبي ذر عن الحموي: باب انتقام الرب، عز وجل، من خلقه بالقحط إذا انتهكت محارمه. ١٠١٣ - حدثنا محمد قال: أخبرنا أبو ضمرةً أنسُ بنُ عياضٍ قال: حدَّثَنا شَريكُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ أبي نَمِرٍ أنه سمعَ أنسَ بنِ مالكِ يذكر ((أنَّ رجلاً دخلَ يومَ الجمعةِ من بابٍ كان وِجاهَ المنبرِ ورسولُ اللَّهِوَلّ قائمٌ يخطبُ، فاستقبلَ رسول اللَّهِوَِّ قائمًا فقال: يا رسول اللَّهِ مَلكَتِ المواشي، وانقَطَعتِ السبُلُ، فادعُ اللَّهَ يُغيثُنا. قال: فرفعَ رسولُ اللَّهِ لّهِ يدَيهِ فقال: اللّهم اسقنا، اللّهمَّ اسقِنا اللّهم اسقِنا. قال أنسٌ: ولا واللَّهِ ما نرَى في السماءِ من سحابٍ ولا قَزَعةً ولا شيئًا، ٢٩ کتاب الاستسقاء/ باب ٦ وما بَينَنا وبينَ سَلع من بَيْتٍ ولا دار. قال: فطلَعَتْ مِن ورائِهِ سَحابَةٌ مثلُ الترسِ. فلمَّا توسَّطَتِ السماءَ انتشَرَتْ، ثَمَّ أمطَرتْ- قال: واللهِ ما رأينا الشمسَ سِتًّا. ثمَّ دخلَ رجلٌ من ذُلكَ البابِ في الجُمعةِ المقبلةِ - ورسولُ اللَّهِوَ لَهقائمٌ يخطبُ- قاستقبَلُهُ قائمًا فقال: يا رسولَ اللَّهِ، هلَكتِ الأموالُ، وانقَطَعت السُّبل، فادعُ اللَّه يُمْسِكُها. قال: فرفعَ رسولُ اللَّهِوَ لَهِ يدَيهِ ثمّ قال: اللّهمَّ حَوالَينا ولا علَينا، اللّهمَّ عَلَى الإكامِ وَالجبالِ والظّرابِ والأوْدِيةِ وَمَنابتِ الشجرِ)). قال: فانقطَعتْ، وخرجْنا نمشي في الشمسِ. قال شريكٌ: فسألتُ أنسًا: أَهوَ الرجُلُ الأوَّلُ؟ قال: لا أدري. وبالسند قال: (حدّثنا محمد) هو: ابن سلام البيكندي (قال: أخبرنا) وللأصيلي: حدّثنا (أبو ضمرة) بفتح الضاد المعجمة. وسكون الميم (أنس بن عياض) بكسر العين المهملة، الليثي المدني المتوفى سنة مائتين (قال: حدّثنا شريك بن عبدالله بن أبي نمر) بفتح النون وكسر الميم، المدني (أنه سمع أنس بن مالك) رضي الله عنه (يذكر: أن رجلاً) قيل: هو كعب بن مرة وقيل: أبو سفيان بن حرب، وضعف الثاني بما سيأتي (دخل يوم الجمعة من باب) من المسجد النبوي بالمدينة (كان وجاه المنبر) بكسر الواو، وللأصيلي، وأبي الوقت: وجاه، بضمها أي: مواجهه، ومقابله. (ورسول الله وَّ قائم) حال كونه (يخطب) والجملة السابقة حالية أيضًا (فاستقبل) الرجل (رسول الله ◌َ ﴿) حال كونه (قائمًا فقال) : (يا رسول الله) فيه دلالة على أن السائل كان مسلمًا، فامتنع أن يكون أبا سفيان لأنه حين سؤاله لذلك لم يكن أسلم، كما سيأتي إن شاء الله تعالى في حديث ابن مسعود قريبًا (هلكت المواشي) من عدم ما تعيش به من الأقوات المفقودة بحبس المطر. كذا في رواية أبي ذر، وكريمة عن الكشميهني: المواشي. ولغيرهما: هلكت الأموال، وهي في الفرع لأبي ذر أيضًا عنه، والمراد بالأموال المواشي أيضًا لا الصامت. والمال عند العرب هي: الإبل، كما أن المال عند أهل التجارة: الذهب والفضة، ولابن عساكر: قال أبو عبدالله هلكت: يعني الأموال، وأبو عبدالله هو البخاري. (وانقطعت السبل) بضم السين والموحدة، أي: الطرق، فلم تسلكها الإبل لهلاكها، أو ضعفها بسبب قلة الكلأ، أو بإمساك الأقوات فلم تجلب، أو بعدمها يحمل عليها، وللأصيلي: وتقطعت بالمثناة الفوقية وتشديد الطاء، من باب التفعل، والأولى من باب الانفعال. (فادع الله) فهو (يغيثنا) أو الرفع على أن الأصل: فادع الله أن يغيئنا. فحذفت أن، فارتفع الفعل. وهل ذلك مقیس فيه خلاف. ولأبي ذر: أن يغيثنا، وضبطها البرماوي وغيره بالجزم جوابًا للطلب وهو الأوجه، لكن الذي رويناه هنا هو الرفع والنصب كما مر. ٣٠ كتاب الاستسقاء/ باب ٦ نعم، وقع في رواية الكشميهني، الآتية إن شاء الله تعالى في الباب التالي، بالجزم، وأما أول الفعل هنا فمضموم في جميع الفروع والأصول التي وقفت عليها، من باب: أغاث يغيث إغاثة، من مزيد الثلاثي المجرد: من الغوث، وهو: الإجابة، أو هو من طلب الغيث، أي: المطر. لكن المشهور عند اللغويين فتحها، من الثلاثي المجرد في المطر يقال: غاث الله الناس والأرض يغيثهم، بالفتح. قال ابن القطاع: غاث الله عباده غيثًا وغيائًا: سقاهم المطر، وأغاثهم: أجاب دعاءهم. ويقال غاث وأغاث بمعنى، والرباعي أعلى. وقال بعضهم، فيما نقله أبو عبدالله الأبي: على تقدير أنه من الإغاثة لا من طلب الغيث، إنه من ذلك بالتعدية يعني: اللهم هب لنا غيثًا، كما يقال: سقاه الله وأسقاه، أي: حصل له سقياه، على من فرق بين اللفظين . وضبطها البرماوي والوجهين مقدمًا للفتح، وكذا جوزهما في الفتح، لكن يبقى النظر في الرواية نعم، ثبت الوجهان في الرواية اللاحقة في فرع اليونينية. (قال) أنس: (فرفع رسول الله ◌َلافي يديه) أي: حذاء وجهه، ودعا (فقال) في دعائه: (اللهم اسقنا، اللهم اسقنا، اللهم اسقنا) ثلاث مرات لأنه كان إذا دعا دعا ثلاثًا. وهمزة اسقنا، فيها وصل كما في الفرع، وجوز الزركشي قطعها معللاً بأنه ورد في القرآن ثلاثيًا ورباعيًا. قال في المصابيح إن ثبتت الرواية بهما، أي بالوصل والقطع فلا كلام، وإلا اقتصرنا من الجائزين على ما وردت الرواية به. اهـ. (قال أنس: ولا) بالواو ولأبي ذر وابن عساكر: فلا (والله) أي: فلا نرى والله (ما نرى في السماء من سحاب) أي: مجتمع، وحذف نرى بعد فلا لدلالة قوله: ما نرى عليه، وكرر النفي للتأكيد (ولا قزعة) بفتح القاف والزاي والعين المهملة، ثم هاء تأنيث مفتوحًا على التبعية، لقوله: من سحاب محلاً. ولأبوي ذر والوقت: ولا قزعة، مسكورًا كسر إعراب على التعبئة له لفظًا، وهي: قطعة من سحاب رقيقة كأنها ظل، إذا مرت من تحت السحاب الكثير، وخصه أبو عبيد بما يكون في الخريف . (ولا) نرى (شيئًا) من ريح وغيره مما يدل على المطر (وما) ولأبي ذر: ولا (بيننا وبين سلع) بفتح السين وسكون اللام: كفلس، جبل بالمدينة (من بيت ولا دار) يحجبنا عن رؤيته. (قال: فطلعت) أي ظهرت (من ورائه) من ورا سلع (سحابة مثل الترس) في الاستدارة لا في ٣١ كتاب الاستسقاء/ باب ٦ القدر، زاد في رواية حفص بن عبيد الله، عند أبي عوانة: فنشأت سحابة مثل رجل الطائر، وأنا أنظر إليها، وهو يدل على صغرها، (فلما توسطت) السحابة (السماء انتشرت) بعد استمرارها مستديرة (ثم أمطرت). (قال) أي أنس، ولابن عساكر: فقال، بزيادة الفاء (والله) بالواو ولأبوي ذر، والوقت، والأصيلي: فوالله (ما رأينا الشمس ستّا) بكسر السين وتشديد المثناة الفوقية، أي: ستة أيام، كذا في رواية الحموي، والمستملي. ورواه سعيد بن منصور، عن الدراوردي ولأبوي ذر، والوقت، والأصيلي، وابن عساكر: عن الكشميهني: سبتًا. بفتح السين وسكون الموحدة أي أسبوعًا، وعبر به لأنه أوّله من باب تسمية الشيء باسم بعضه، ولا تنافي بين الروايتين، لأن من قال: سبعًا بالموحدة أضاف إلى الستة يومًا ملفقًا من الجمعتين، ويأتي مزيد لذلك إن شاء الله تعالى قريبًا . (ثم دخل رجل) غير الأول، لأن النكرة إذا تكررت دلت على التعدد، أو هذه القاعدة محمولة على الغالب، لما سيأتي إن شاء الله تعالى عند قول أنس، آخر الحديث: لا أدري. وفي رواية إسحق عن أنس: فقام ذلك الرجل أو غيره، بالشك، ولأبي عوانة، من طريق حفص، عن أنس: فما زلنا نمطر حتى جاء ذلك الأعرابي (من ذلك الباب) الذي دخل منه السائل أولاً (في الجمعة المقبلة ورسول الله وَّرِ قائم) حال كونه (يخطب) ولأبي ذر: قائمًا، بالنصب على الحال، من فاعل يخطب، وهو الضمير المستكن فيه (فاستقبله قائمًا) نصب على الحال من الضمير المرفوع في: استقبله لا من المنصوب (فقال: يا رسول الله! هلكت الأموال) أي: المواشي بسبب كثرة المياه، لأنه انقطع المرعى، فهلكت المواشي من عدم الرعي (وانقطعت السبل) لتعذر سلوكها من كثرة المطر (فادع الله) بالفاء، ولأبي ذر، والأصيلي: ادع الله (يمسكها) بالجزم، جوابًا للطلب. ولأبي ذر، وابن عساكر، عن الكشميهني: أن يمسكها، بزيادة: أن. ويجوز الرفع، أي: هو يمسكها. والضمير للأمطار أو السحابة . (قال) أنس: (فرفع رسول الله ێل یدیه، ثم قال): (اللهم حوالينا) بفتح اللام، أي: أنزل المطر حوالينا (ولا) تنزله (علينا). والمراد صرفه عن الأبنية . وفي الواو، من قوله: ولا علينا بحث يأتي قريبًا إن شاء الله تعالى. ثم بين المراد بقوله حوالينا فقال: (اللهم على الاكام) بكسر الهمزة على وزن الجبال، وبهمزة مفتوحة ممدودة جمع أكمة بفتحات: التراب المجتمع، أو: أكبر من الكدية، أو: الهضبة الضخمة، أو: الجبل الصغير، وما ارتفع من الأرض (والجبال) زاد في غير رواية أبوي ذر، والوقت، ٣٢ كتاب الاستسقاء/ باب ٦ والأصيلي، وابن عساكر: والآجام، بالمد والجيم (والظراب) بكسر الظاء المعجمة آخره موحدة، جمع ظرب، ككتف بكسر الراء، جبل منبسط على الأرض، أو: الروابي الصغار دون الجبل. أي: أنزل المطر حيث لا نستضر به . قال البرماوي والزركشي: وخصت بالذكر لأنها أوفق للزراعة من رؤوس الجبال . اهـ. وتعقبه في المصابيح بأن الجبال مذكورة في لفظ الحديث هنا، فما هذه الخصوصية بالذكر؟ ولعله يريد الحديث الذي في الترجمة الآتية، فإنه لم يذكر فيه الجبال. (والأودية، ومنابت الشجر) أي: المرعى، لا في الطرق المسلوكة. فلم يدع عليه الصلاة والسلام برفعه، لأنه رحمة، بل دعا بكشف ما يضرهم، وتصييره إلى حيث يبقى نفعه وخصبه، ولا يستضر به ساكن ولا ابن سبيل. وهذا من أدبه الكريم، وخلقه العظيم، فينبغي التأدب بمثل أدبه. واستنبط من هذا أن من أنعم الله عليه بنعمة لا ينبغي له أن يتسخطها لعارض يعرض فيها بل يسأل الله تعالى رفع ذلك العارض، وإبقاء النعمة. (قال) أنس: (فانقطعت) أي: الأمطار عن المدينة (وخرجنا نمشي في الشمس). (قال شريك) الراوي (فسألت) وللأصيلي: فسألنا (أنسًا: أهو) أي: السائل الثاني (الرجل الأول؟ قال: لا أدري). عبر أنس أولاً بقوله: إن رجلاً دخل المسجد، وعبر ثانيًا بقوله ثم دخل رجل. فأتى برجل نكرة في الموضعين، مع تجويزه أن يكون الثاني هو الأول ففيه أن النكرة إذا أعيدت نكرة لا يجزم بأن مدلولها ثانيًا غير مدلولها أولاً، بل الأمر محتمل والمسألة مقررة في محلها، قاله في المصابيح. فإن قلت: لِمَ لَمْ يباشر سؤاله، عليه الصلاة والسلام، الاستسقاء بعض أكابر أصحابه؟. أجيب: بأنهم كانوا يسلكون الأدب بالتسليم، وترك الابتداء بالسؤال. ومنه قول أنس: كان يعجبنا أن يجيء الرجل من البادية فيسأل. واستنبط منه أبو عبد الله الأبي: أن الصبر على المشاق، وعدم التسبب في كشفها أرجح، لأنهم إنما يفعلون الأفضل. وفي هذا الحديث: التحديث، والإخبار، والسماع، والقول، وشيخ المؤلف من أفراده، وهو من الرباعيات، وأخرجه أيضًا في الاستسقاء. وكذا مسلم وأبو داود والنسائي. - ٣٣ كتاب الاستسقاء/ باب ٧ ٧ - باب الاستسقاءِ في خُطبةِ الْجُمعةِ غيرَ مُستقبِلِ القبلةِ (باب الاستسقاء في خطبة الجمعة) حال كون الخطيب (غير مستقبل القبلة). ١٠١٤ - حدثنا قتيبةُ بنُ سعيدٍ قال: حدَّثَنا إسماعيلُ بنُ جعفرٍ عن شَريكٍ عن أنسٍ بنِ مالكٍ ((أَنَّ رَجُلاً دخلَ المسجدَ يومَ جُمعةٍ من بابٍ كان نحوَ بابِ دارِ القضاءِ - ورسولُ اللَّهِ وَّ قائمٌ يخطبُ. فاستقبلَ رسولَ اللّهِوَ لَّ قائمًا ثم قال: يا رسولَ اللَّهِ هلَكَتِ الأموالُ، وانقطَعَتِ السبلُ، فادعُ اللَّهُ يُغيثُنا. فرفعَ رسولُ اللَّهِوَ لّهِ يدَيهِ ثم قال: اللّهمَّ أغثنا اللّهمَّ أغثنا اللّهمَّ أغثنا. قال أَنسٌ: ولا واللَّهِ ما نرَى في السماءِ من سحابٍ ولا قَزَعةً، وما بَينَنا وبينَ سَلعٍ من بيتٍ ولا دارٍ. قال فطلَعَتْ من ورائِهِ سحابةٌ مثلُ التّرسِ. فلمَّا توسَّطَتِ السماءَ انتَشَرتْ، ثم أمَطَرَتْ، فلا واللَّهِ ما رأينا الشمسَ سِتّا. ثمَّ دَخْلَ رجلٌ من ذُلكَ البابِ في الجُمعةِ - ورسولُ اللَّهِوَهِ قائمٌ يَخطب- فاستقبلَهُ قائمًا فقال: يا رسولَ اللَّهِ هَلَكَتِ الأموالُ، وانقطَعتِ السبُلُ، فادعُ اللَّهَ يُمسِكها عنا. قال فرفعَ رسولُ اللَّهِ وَ لْ﴿ يديهِ ثم قال: اللّهمَّ حَوالَينا ولا علينا، اللّهمَّ عَلَى الإكام والظرابِ وبُطونِ الأوديةِ ومَنابتِ الشجر)). قال: فَأَقلعَتْ وَخرجْنا نمشي في الشمسِ. قال شريكٌ سألتُ أَنْسَ بنَ مالكٍ: أَهوَ الرجلُ الأوّلُ؟ فقال: ما أدري. وبالسند قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) بكسر العين (قال: حدّثنا إسماعيل بن جعفر) الأنصاري المدني (عن شريك) هو: ابن عبد الله بن أبي نمر (عن أنس بن مالك) رضي الله عنه. (أن رجلاً دخل المسجد) النبوي بالمدينة (يوم جمعة) بالتنكير لكريمة، كما في الفتح، ولأبوي ذر، والوقت، والأصيلي: يوم الجمعة (من باب كان نحو دار القضاء) التي بيعت في قضاء دين عمربن الخطاب، رضي الله عنه، الذي كان أنفقه من بيت المال، وكتبه على نفسه، وكان ستة وثمانين ألفًا، وأوصى ابنه عبدالله أن يباع فيه ماله، فباع ابنه هذه الدار من معاوية، وكان يقال لها: دار قضاء دين عمر. ثم طال ذلك فقيل لها دار القضاء. (رسول الله وَلافي قائم) حال كونه (يخطب فاستقبل) الرجل (رسول الله وَي) حال كونه (قائمًا، ثم قال: يا رسول الله! هلكت الأموال) أي: المواشي (وانقطعت السبل) الطرق (فادع الله يغيثنا) بضم أوله، من: أغاث، أي: أجاب. وفتحه، من: غاث للمطر. كذا ثبت الوجهان هنا في فرع اليونينية، وبرفع المثلثة بتقدير: هو، أو: أن أصله: أن يغيثنا، بالجزم على الجواب، كما مر. (فرفع رسول الله، وَّر، يديه) زاد ابن خزيمة من رواية حميد، عن أنس: حتى رأيت بياض إبطيه. وللنسائي: ورفع الناس أيديهم مع رسول الله وَّلقوله يدعون (ثم قال) عليه الصلاة والسلام: إرشاد الساري/ ج ٣/ م ٣ ٣٤ کتاب الاستسقاء/ باب ٧ (اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا) ثلاث مرات كما في السابقة. لكنه قال فيها: اسقنا. قال الزركشي: كذا الرواية أغثنا بالهمز رباعيًا، أي: هب لنا غيثًا. والهمزة فيه للتعدية، وقيل: صوابه غثنا من غاث. قالوا: وأما أغثنا، فإنه من الإغاثة وليس من طلب الغيث. قال في المصابيح: وعلى تقدير تسليمه لا يضر اعتبار الإغاثة من الغوث في هذا المقام، ولا ثم ما ينافيه. والرواية ثابتة به، ولها وجه، فلا سبيل إلى دفعها. بمجرد ما قيل . اهـ. وأشار بقوله: ولها وجه إلى ما مر في الباب السابق أنه يقال: غاث، وأغاث، بمعنى. وقال ابن دريد: الأصل: غائه الله يغوثه غوثًا، فأميت. واستعمل: أغاثه. ويحتمل أن يكون معنى أغثنا أعطنا غوثًا وغيئًا. (قال أنس): (ولا) بالواو، وللأصيلي: فلا (والله ما نرى) كرّر النفي قبل القسم وبعده للتأكيد، وإلا فلو قال: فوالله ما نرى لكان الكلام مستقيمًا. وكذا لو قال: فلا نرى والله (في السماء من سحاب) مجتمع (ولا قزعة) بالقاف والزاي والمهملة المفتوحات والنصب على التبعية، لسحاب من جهة المحل. ولأبوي ذر والوقت. والأصيلي: قزعة، بالجر على التبعية له من جهة اللفظ. وهي: القطعة الرقيقة من السحاب. كما مر. (وما بيننا وبين سلع) الجبل المعروف (من بيت ولا دار) يحجب عن الرؤية. (قال: فطلعت من ورائه) أي الجبل (سحابة مثل الترس) في الاستدارة والكثافة، (فلما توسطت) السحابة (السماء، انتشرت) وسقط عند الأربعة لفظ: السماء (ثم أمطرت، فلا والله ما رأينا الشمس ستًا) بكسر السين، أي: ستة أيام، ولأبوي ذر، والوقت، وابن عساكر: سبتًا، بفتح السين وسكون الموحدة أي: من سبت إلى سبت، بدليل الرواية الأخرى: من جمعة إلى جمعة، أو: السبت قطعة من الزمان. وقد استدل الأبي لتصحيح رواية: ستّا بالكسر، برواية: من جمعة إلى جمعة قال: لأنه إذا أزيلت الجمعتان اللتان دعا فيهما صح ذلك . اهـ. وقد مر: أنه لا تنافي بين الروايتين، وحينئذٍ فرواية: ستا بكسر السين لا تصحيف فيها، كما زعم بعضهم، وكيف يقال ذلك مع رواية الثقات الأثبات لها والتوجيه الصحيح، فتأمل. وفي رواية أبي ذر عن الكشميهني: سبعًا، بالعين بعد الموحدة أي: سبعة أيام. (ثم دخل رجل) آخر أو: وهو الأول (من ذلك الباب في الجمعة) زاد في رواية أبي ذر والأصيلي: يعني الثانية (ورسول الله وَّل﴿ل قائم) حال كونه (يخطب، فاستقبله) حال كونه (قائمًا فقال: يا رسول الله! هلكت الأموال) بسبب غير السبب الأول، وهو: كثرة الماء المانع للماشية من الرعي، ٣٥ کتاب الاستسقاء/ باب ٧ أو: لعدم ما يكنها (وانقطعت السبل) لتعذر سلوكها من كثرة، المطر، (فادع الله يمسكها عنا) بالجزم على الطلب، ولأبي ذر، والأصيلي: أن يمسكها. وفي رواية قتادة: فادع ربك يحبسها عنا. فضحك، وفي رواية ثابت: فتبسم، وزاد في رواية حميد: لسرعة ملال ابن آدم. (قال: فرفع رسول الله وَ لقر يديه)، ثم (قال: اللهم حوالينا ولا علينا) فيه حذف، أي: أمطر في الأماكن التي حوالينا، ولا تمطر علينا. وفي إدخال الواو في قوله: ولا علينا معنى دقيق، وذلك أنه: لو أسقطها لكان مستسقيًا للاكام والظراب، ونحوها، مما لا يستسقى له لقلة الحاجة إلى الماء هنالك. وحيث أدخل الواو: آذن بأن طلب المطر على هذه الجهات ليس مقصودًا لعينه، ولكن ليكون وقاية من أذى المطر على نفس المدينة، فليست الواو ومتمحضة للعطف ولكنها كواو التعليل وهو كقولهم: تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها. فإن الجوع ليس مقصودًا لعينه ولكن لكونه مانعًا من الرضاعة بأجرة إذا كانوا يكرهون ذلك . اهـ. قال ابن الدماميني، بعد أن نقل ذلك عن ابن المنير: فليست الواو مخلصة للعطف، ولكنها كواو التعليل وفائه. فالمراد أنه إن سبق في قضائك أن لا بد من المطر، فاجعله حول المدينة. ويدل على أن الواو ليست لمحض العطف اقترانها بحرف النفي، ولم يتقدم مثله. ولو قلت: اضرب زيدًا ولا عمرًا ما استقام على العطف. قلت: لم يستقم لي إجراء هذا الكلام على القواعد، وليس لنا في كلام العرب واو وضعت للتعليل، وليست لا هنا للنفي، وإنما هي الدعائية مثل: ﴿ربنا لا تؤاخذنا﴾ [البقرة: ٢٨٦] فالمراد: أنزل المطر حوالينا حيث لا نستضر به، ولا تنزله علينا حيث نستضر به. فلم يطلب منع الغيث بالكلية، وهو من حسن الأدب في الدعاء، لأن الغيث رحمة الله ونعمته المطلوبة، فكيف يطلب منه رفع نعمته؟ وكشف رحمته؟ وإنما يُسأل سبحانه كشف البلاء، والمزيد من النعماء، وكذا فعل عليه الصلاة والسلام. فإنما سأل جلب النفع، ودفع الضرر، فهو استسقاء بالنسبة إلى محلين. والواو : لمحض العطف، ولا: جازمة لا نافية ولا إشكال البتة. ولو حذفت الواو، وجعلت لا نافية، وهي مع ذلك للعطف لاستقام الكلام. لكن أوثر الأوّل، والله أعلم، لاشتماله على جملتين طلبيتين، والمقام يناسبه . (اللهم) أنزله (على الآكام) بكسر الهمزة وبفتحها مع المدّ، وهي: ما دون الجبل وأعلى من الرابية (و) على (الظراب) بكسر المعجمة: الروابي الصغار: وقيل فيهما غير ذلك، كما مر (وبطون الأودية ومنابت الشجر قال فأقلعت) بفتح الهمزة من الإقلاع أي: كفت وأمسكت السحابة الماطرة عن المدينة . ٣٦ کتاب الاستسقاء/ باب ٨ وفي رواية سعيد، عن شريك: فما هو إلا أن تكلم # بذلك، تمزق السحاب حتى ما نرى منه شيئًا أي: في المدينة. (وخرجنا نمشي في الشمس). (قال شريك سألت أنس بن مالك) وللأربعة: فسألت، بالفاء، ولأبي ذر: فسألت أنسًا: (أهو الرجل الأول؟ فقال: ما أدري). ٨ - باب الاستسقاءِ على المنبرِ (باب الاستسقاء على المنبر). ١٠١٥ - حدثنا مسدَّدٌ قال: حدَّثَنَا أَبو عَوانةَ عن قتادةً عن أنسٍ قال: ((بينما رسولُ اللَّهِ وَّل يَخطبُ يومَ الجُمعةِ إذ جاءه رجلٌ فقال: يا رسولَ اللَّهِ قَحطَ المطرُ، فادعُ اللَّهَ أن يَسقِيَنا. فدعا، فمُطِرِنا، فما كِدنا أن نَصِلَ إلى مَنازلنا، فما زلنا نُمطَرُ إلى الجُمعةِ المقبِلةِ. قال فقام ذُلكَ الرجُلُ - أَو غيرُه - فقال: يا رسولَ اللَّهِ ادعُ اللَّهَ أن يَصرِفَهُ عنا. فقال رسولُ اللَّهِ ◌ََّ: اللّهمَّ حَوالَينا ولا علينا. قال: فلقد رأيتُ السحابَ يتقطّعُ يمينًا وشمالاً، يُمطَرونَ ولا يُمطَرُ أهلُ المدينة)). وبالسند قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد (قال: حدّثنا أبو عوانة) بفتح العين، الوضاح بن عبد الله اليشكري (عن قتادة) بن دعامة (عن أنس) بن مالك، رضي الله عنه، (قال): (بينما رسول الله ◌َّير، يخطب يوم الجمعة) على المنبر، وهذا موضع الترجمة، لأن النبي ◌َّ، بعد اتخاذ المنبر لم يخطب يوم الجمعة إلا عليه، قاله الإسماعيلي، والجمعة بالتعريف، ولأبي ذر في نسخة، والأصيلي وابن عساكر، وأبي الوقت يوم جمعة (إذ جاءه رجل) أعرابي (فقال: يا رسول الله! قحط المطر) بفتح القاف والحاء، أي: احتبس، ولأبي الوقت، في نسخة قحط، بضم القاف وكسر الحاء (فادع الله أن يسقينا. فدعا) عليه الصلاة والسلام (فمطرنا) بضم الميم وكسر الطاء. استعمله ثلاثيًا، وهي لغة فيه بمعنى الرباعي، وفرق بعضهم فقال: أمطر في العذاب، ومطر في الرحمة. والأحاديث واردة بخلافه. (فما كدنا أن نصل إلى منازلنا) أي: كاد أن يتعذر وصولنا إلى منازلنا من كثرة المطر. و: أن نصل، خبر كاد مع أن لأن بينها وبين عسى مقارضة في دخول أن وعدمها. ولأبي ذر: فما كدنا نصل إلى منازلنا، بإسقاط أن، وللمصنف في الجمعة من وجه آخر : فخرجنا نخوض في الماء حتى أتينا منازلنا (فما زلنا نمطر) بضم النون وسكون الميم وفتح الطاء، من الجمعة (إلى الجمعة المقبلة. قال) أنس: (فقام ذلك الرجل - أو غيره.) شك فيه (فقال: يا رسول الله! ادع الله أن يصرفه) أي: المطر أو السحاب (عنا فقال رسول الله (شلية): ٣٧ كتاب الاستسقاء/ باب ٩ (اللهم حوالينا) بفتح اللام، ويقال فيه: حولنا وحولينا (ولا علينا). (قال فلقد رأيت السحاب يتقطع) حال كونه (يمينًا وشمالاً) ويتقطع بفتح المثناة التحتية والفوقية والقاف وتشديد الطاء، من باب: التفعل (يمطرون) أهل اليمين وأهل الشمال (ولا يمطر أهل المدينة). ٩ - باب مَن اكتفى بصلاةِ الجُمعةِ في الاستِسقاءِ (باب من اكتفى بصلاة الجمعة في الاستسقاء) من غير أن ينويه مع الجمعة كغيرها من المكتوبات والنوافل، وهي إحدى صوره الثلاثة كما مر، خلافًا لأبي حنيفة حيث قال: لا يسن فيه صلاة أصلاً، وتجويزها من غير تحويل فيه ولا استقبال. ١٠١٦ - حدثنا عبدُ اللَّهِ بنُ مَسلمةَ عن مالكِ عن شَريكِ بنِ عبدِ اللهِ عن أنسٍ قال: ((جاءَ رجلٌ إلى النبيِّوَّرَ فقال: هَلَكَتِ الْمواشي، وتقطّعَتِ السبُلُ، فدَعا، فمُطِرْنا من الجُمعةِ إلى الجمعةِ. ثم جاءَ فقال: تَهِدَّمَتِ البيوتُ، وتقطّعَتِ السبل، وهلكَتِ المواشي، فادعُ اللَّهَ يُمْسِكُها. فقال: اللَّهمَّ على الإكامِ والظّرابِ والأوديةِ وَمَنابتِ الشجر. فانجابَتْ عنِ المدينةِ انجيابَ الثوبِ». وبالسند قال: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي (عن مالك) الإمام (عن شريك بن عبدالله) بن أبي نمر (عن أنس) رضي الله عنه، وللأصيلي عن: أنس بن مالك (قال: جاء رجل إلى النبي) وللأربعة إلى: رسول الله وَلّر، فقال: (هلكت المواشي) من قلة الأقوات بسبب عدم المطر والنبات، (وتقطعت السبل) فلم تسلكها الإبل لضعفها بسبب قلة الكلأ أو عدمه، وتقطعت بالمثناة الفوقية وتشديد الطاء. (فدعا) عليه الصلاة والسلام ربه (فمطرنا) وللأصيلي: فادع الله، بدل قوله: فدعا. وكل من اللفظين مقدر فيما لم يذكر فيه، أي: قال الرجل: ادع الله، فدعا، فمطرنا (من الجمعة إلى الجمعة، ثم جاء) فاعله ضمير يعود على قوله: جاء رجل، فيلزم اتحاد الرجل الجائي وكأنه تذكره بعد أن نسيه، أو نسيه بعد أن كان تذكره (فقال) يا رسول الله: (تهدمت البيوت وتقطعت السبل) بالمثناة وتشديد الدال والطاء فيهما (وهلكت المواشي) من كثرة المطر (فادع الله يمسكها. فقال) عليه الصلاة والسلام: (اللهم) أنزله (على الاكام) بكسر الهمزة أو بفتحها مع المد، ولأبوي ذر، والوقت والأصيلي: فقام فقال اللهم. ولغير ابن عساكر، وأبي ذر، والأصيلي: وهلكت المواشي، فادع الله يمسكها بالجزم على الطلب، فقام ◌َّ فقال: اللهم على الاكام (والظراب و) على بطون (الأودية ومنابت الشجر). (فانجابت) بالجيم والموحدة (عن المدينة) الشريفة (انجباب الثوب) أي: خرجت كما يخرج الثوب عن لابسه، أو تقطعت كما يتقطع الثوب قطعًا متفرقة. ٣٨ كتاب الاستسقاء/ باب ١٠ و ١١ ١٠ - باب الدعاءِ إذا تقطَعتِ السبُلُ من كثرةِ المطرِ (باب) جواز (الدعاء) بالاستصحاء (إذا تقطعت السبل) بالمثناة الفوقية وتشديد الطاء ولأبوي ذر والوقت، والأصيلي، وابن عساكر: إذا انقطعت السبل (من كثرة المطر). ١٠١٧ - حدثنا إسماعيلُ قال: حدَّثني مالكٌ عن شريكِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ أبي نَمِرٍ عن أنسٍ بنِ مالكِ قال: ((جاءَ رجلٌ إلى رسولُ اللَّهِن ◌َّهِ فقال: يا رسولَ اللَّهِ، هلَكَتِ المواشي، وانقطَعتِ السَبُلُ فادعُ اللَّهَ. فدعا رسولُ اللَّهِنَ ◌ّهِ فَمُطروا من جُمعةٍ إلى جُمعةٍ. فجاءَ رجلٌ إلى رسولِ اللَّهِ وَّ فقال: يا رسولَ اللهِ، تَهدَّمَتِ البيوتُ، وتقطَّعَتِ السُبُلُ، وهلكَتِ المواشي. فقال رسولُ اللَّهِوَ لَّ: اللّهمَّ على رؤوسٍ الجبالِ والإكامِ، وبطونِ الأوديةِ، ومنابتِ الشجرِ. فانجابتْ عنِ المدينةِ انجيابَ الثوبِ)). وبالسند قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس (قال: حدّثني) بالإفراد (مالك) الإمام، خال إسماعيل المذكور (عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن أنس بن مالك) رضي الله عنه (قال): (جاء رجل إلى رسول الله) ولأبي ذر والأصيلي: إلى النبي (وَّر، فقال: يا رسول الله! هلكت المواشي) بسبب قحوط المطر، (وانقطعت السبل) بالنون بعد ألف الوصل، ولأبي ذر: انقطعت السبل، وهلكت المواشي، ولابن عساكر: وتقطعت السبل، بالمثناة وتشديد الطاء (فادع الله) لنا یغیئنا . (فدعا رسول الله، وَيهر، فمطروا من جمعة إلى جمعة؛ فجاء رجل إلى رسول الله لَ لهول، فقال: يا رسول الله! تهدمت البيوت، وتقطعت السبل) بالمثناة وتشديد الطاء، وفي رواية حميد عن ابن خزيمة: واحتبس الركبان (وهلكت المواشي) من كثرة المطر، فادع الله أن يصرفه عنا (فقال رسول الله وَالية): (اللهم) أنزله (على رؤوس الجبال و) على (الآكام، وبطون الأودية، ومنابت الشجر). (فانجابت) أي: السحب الممطرة (عن المدينة) المقدسة (انجياب الثوب). وأصل الجوبة، من: جاب: إذا قطع، ومنه قوله تعالى: ﴿وثمود الذين جابوا الصخر﴾ [الفجر: ٩]. وموضع الترجمة قوله: يا رسول الله تهدمت البيوت ... الخ، أي: من كثرة المطر. ١١ - باب ما قيلَ إن النبيَّ وٍَّ لم يُحوّلْ رِداءَهُ في الاستسقاءِ يومَ الجُمعةِ (باب ما قيل إن النبي، وَّر، لم يحوّل رداءه في الاستسقاء يوم الجمعة) قيده بالجمعة ليبين أن تحويل الرداء في الباب السابق أوّل كتاب الاستسقاء خاص بالمصلي. ١٠١٨ - حدثنا الحسنُ بنِ بِشرٍ قال: حدَّثَنا مُعافى بنُ عِمرانَ عنِ الأوزاعيِّ عن إسحقَ بنِ ٣٩ كتاب الاستسقاء/ باب ١٢ عبدِ اللهِ عن أنسٍ بنِ مالكِ: ((أَنَّ رَجُلاَ شَكا إلى النبيِّ ◌َ هلاكَ المَالِ وَجَهَدَ الْعِيالِ، فدعا الله يَستسقِي. وَلَم يَذْكُرْ أنه حوَّلَ رِداءَهُ، ولا استقبلَ الْقبلةَ)). وبالسند قال: (حدّثنا الحسن بن بشر) بكسر الموحدة وسكون المعجمة، البجلي الكوفي (قال: حدّثنا معافى) بضم الميم وفتح العين المهملة والفاء (ابن عمران) الموصلي، ياقوتة العلماء (عن الأوزاعي) عبد الرحمن (عن إسحق بن عبدالله) ولأبي ذر زيادة: ابن أبي طلحة (عن) عمه (أنس بن مالك) رضي الله عنه : (أن رجلاً شكا إلى النبي، ومَّر، هلاك المال)، الماشية لا الصامت من فقد الكلأ بسبب قحوط المطر، (وجهد العيال) بفتح الجيم، أي مشقتهم بسبب ذلك. (فدعا الله) رسول الله وَ ل# حال كونه (يستسقي) لهم، (ولم يذكر) أي: أنس أو غيره، ممن دونه، ولهذا التردد عبر المصنف في الترجمة بقوله: باب ما قيل: (أنه) عليه الصلاة والسلام (حول رداءه، ولا استقبل القبلة) أي: في استسقائه يوم الجمعة. وتعقب الإسماعيلي المؤلف، فقال: لا أعلم أحدًا ذكر في حديث أنس تحويل الرداء. وإذا قال المحدث: لم يذكر أنه حول، لم يجز أن يقال: إن النبي وَ لّ لم يحوّل، لأن عدم ذكر الشيء لا يوجب عدم ذلك الشيء، فكيف يقول البخاري لم يحول؟ اهـ. وتمسك بهذا الحديث أبو حنيفة فقال: لا صلاة ولا تحويل في الاستسقاء، ولعله لم تبلغه الأحاديث المصرحة بذلك. وهذا الحديث أخرجه المؤلف أيضًا في: الاستسقاء والاستئذان، ومسلم في: الصلاة، وكذا النسائي، والله أعلم. ١٢ - باب إذا استَشفَعوا إلى الإمام ليستسقِيَ لهم لم يَرُدَّهم هذا (باب) بالتنوين (إذا استشفعوا) أي: الناس (إلى الإمام) عند الحاجة إلى المطر (ليستسقي لهم) أي: لأجلهم (لم يردهم)، بل عليه أن يجيب سؤالهم فيستسقي لهم، وإن كان ممن يرى تفويض الأمر إلى الله تعالى. ١٠١٩ - حدثنا عبدُ اللهِ بنُ يوسفَ قال: أخبرنا مالكٌ عن شَريكِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ أَبِي نَمرٍ عن أنسٍ بنِ مالكِ أنه قال: ((جاءَ رجُلٌ إلى رسولِ اللَّهِوَِّ فقال: يا رسولَ اللَّهِ، ھَلكَتِ المواشي، وتقطّعتِ السبُلُ، فادعُ اللَّهَ. فدعا اللَّهَ فمُطِرْنا منَ الْجُمعةِ إلى الجمعةِ. فجاءَ رجلٌ إلى النبيِّ ◌َّه فقال: يا رسولَ اللَّهِ، تهدَّمَتِ الْبُيوتُ، وتَقطّعتِ السبُلُ، وهلَكتِ المواشي. فقال رسولُ اللَّهِ وَالَ: ٤٠ كتاب الاستسقاء/ باب ١٢ اللّهمَّ على ظهورِ الجِبال والإكام وبُطونِ الأَودِيةِ ومَنابتِ الشجرِ. فانجابَتْ عنِ المدينةِ انجِيابَ الْثَوبِ» . وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف): التنيسي (قال: أخبرنا مالك) الإمام الأعظم، (عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر) بفتح النون وكسر الميم (عن أنس بن مالك) رضي الله عنه (أنه قال:). (جاء رجل) هو: كعب بن مرة وقيل غيره (إلى رسول الله وَ لير، فقال: يا رسول الله، هلكت المواشي وتقطعت السبل) بالمثناة الفوقية وتشديد الطاء، من: تقطعت. والسبل، بضمتين جمع سبيل، وهو الطريق يذكر ويؤنث. قال تعالى: ﴿وأن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلاً﴾ وقال ﴿قل هذه سبيلي﴾ [يوسف: ١٠٨] وانقطاعها، إما بعدم المياه التي يعتاد المسافرون ورودها، وإما باشتغال الناس وشدة القحط عن الضرب في الأرض. (فادع الله) لنا (فدعا الله، فمطرنا من الجمعة إلى الجمعة) الأخرى (فجاء رجل) هو الأول (إلى النبي، وَّر، فقال: يا رسول الله! تهدمت البيوت) من كثرة المطر (وتقطعت السبل) بالمثناة الفوقية وتشديد الطاء أي: تعذر سلوكها (وهلكت المواشى) فادع الله يمسكها (فقال رسول الله، (ج ليا): (اللهم) أي: يا الله انزل المطر (على ظهور الجبال والاكام) بكسر الهمزة جمع: أكمة، بفتحها: ما غلظ من الأرض ولم يبلغ أن يكون جبلاً وكان أكبر ارتفاعًا مما حوله. ويروى: الآكام بفتح الهمزة ومدها، والاكم بضم الهمزة والكاف. جمع: إكام ككتاب وكتب (وبطون الأودية، ومنابت الشجر) جمع منبت بكسر الموحدة، أي: ما حولها مما يصلح أن ينبت فيه، لأن نفس المنبت لا يقع عليه المطر. (فانجابت) أي: السحب الممطرة (عن المدينة انجياب الثوب). فإن قلت: تقدم باب: سؤال الناس الإمام إذا قحطوا، فما الفرق بينه وبين هذا الباب؟. أجاب الزين بن المنير: بأن الأولى لبيان ما على الناس أن يفعلوه إذا احتاجوا للاستسقاء. والثانية: لبيان ما على الإمام من إجابة سؤالهم. وأجاب ابن المنير أيضًا عن السر في كونه عليه الصلاة والسلام لم يبدأ بالاستسقاء حتى سألوه، مع أنه عليه الصلاة والسلام، أشفق عليهم منهم، وأولى بهم من أنفسهم، بأن مقامه عليه الصلاة والسلام التوكل والصبر على البأساء والضراء، ولذلك كان أصحابه الخواص يقتدون به، وهذا المقام لا يصل إليه العامة وأهل البوادي، ولهذا، والله أعلم، كان السائل في الاستسقاء بدويًا، فلما سألوه أجاب رعاية لهم وإقامة لسنة هذه العبادة فيمن بعده من أهل الأزمنة التي يغلب على أهلها الجزع، وقلة الصبر على اللأواء، فيؤخذ منه أن الأفضل للأئمة الاستسقاء، ولمن ينفرد بنفسه، بصحراء أو سفينة، الصبر والتسليم للقضاء، لأنه عليه الصلاة والسلام قبل السؤال فوّض ولم يستسق.