Indexed OCR Text
Pages 601-620
٦٠١ كتاب الجمعة/ باب ٣٠ مرتديًا (ملحفة) بكسر الميم وسكون اللام وفتح الحاء، إزارًا كبيرًا (على منكبيه) بفتح الميم وكسر الكاف مع التثنية، وللأصيلي، وأبوي ذر والوقت: منكبه بالإفراد، (قد عصب رأسه) بتخفيف الصاد، أي: ربطها (بعصابة) أي: بعمامة (دسمة) بفتح أوله وكسر السين المهملة، سوداء أو كلون الدسم، كالزيت من غير أن يخالطها دسم، أو متغيرة اللون من الطيب والغالية، (فحمد الله) تعالى (وأثنی علیه، ثم قال): (أيها الناس)، تقربوا (إلي) (فثابوا) بالمثلثة بعد الفاء وبموحدة بعد الألف، أي اجتمعوا (إليه، ثم قال): (أما بعد، فإن هذا الحي من الأنصار) الذين نصروه عليه الصلاة والسلام من أهل المدينة (يقلون) بفتح أوله وكسر ثانيه (ويكثر الناس) هو من إخباره عليه الصلاة والسلام بالمغيبات، فإن الأنصار قلّوا، وكثر الناس كما قال: (فمن ولي شيئًا من أمة محمد وَلّ فاستطاع أن يضرَّ فيه) أي: في الذي وليه (أحدًا أو ينفع فيه أحدًا فليقبل من محسنهم) الحسنة (ويتجاوز) بالجزم، عطفًا على السابق. أي: يعف (عن مسيئهم) أي: السيئة، أي: في غير الحدود. ومسيئهم بالهمز، وقد تبدل ياء مشددة. وشيخ المؤلف من أفراده، وهو كوفي، وبقية الرواة مدنيون، وفيه التحديث والعنعنة والقول، وأخرجه أيضًا في: علامات النبوة، وفضائل الأنصار. ٣٠ - باب القَعدةِ بينَ الْخُطبَتينِ يومَ الجمعةِ ٩٢٨ - حدثنا مسذَّدٌ قال: حدّثَنا بِشرُ بنُ المفضَّلِ قال: حدّثنا عُبيدُ اللَّهِ عن نافعٍ عن عبدِ اللَّهِ قال: ((كان النبيُّ ◌َ له يَخطُبُ خُطبَتَيْنِ يَقْعدُ بينهما)). (باب) حكم (القعدة) الكائنة (بين الخطبتين يوم الجمعة). وبالسند قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد (قال: حدّثنا بشر بن المفضل) الرقاشي البصري (قال: حدّثنا عبيد الله بن عمر) بضم العين فيهما، وسقط في غير رواية الأصيلي وأبي ذر: ابن عمر، (عن نافع، عن عبد الله بن عمر) بن الخطاب، رضي الله عنهما، وسقط لغير الأصيلي وأبي ذر، وابن عساكر: ابن عمر رضي الله عنهما، (قال: كان النبي ◌َّرِ يخطب خطبتين يقعد بينهما). استدل به الشافعية على وجوب الجلوس بين الخطبتين لمواظبته عليه الصلاة والسلام على ذلك، مع قوله: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). وتعقبه ابن دقيق العيد بأن ذلك يتوقف على ثبوت أن إقامة الخطبتين داخلة تحت كيفية الصلاة، وإلا فهو استدلال بمجرد الفعل. انتهى. فهو أصل لا يتناول الخطبة، لأنها ليست بصلاة حقيقة. ٦٠٢ کتاب الجمعة/ باب ٣١ وعورض أيضًا الاستدلال للوجوب بمواظبته عليه، بأنه عليه الصلاة والسلام قد واظب على الجلوس قبل الخطبة الأولى، فإن كانت مواظبته دليلاً على شرطية الجلسة بينهما، فلتكن دليلاً على شرطية الجلسة الأولى. وأجيب: بأن كل الروايات عن ابن عمر ليس فيها هذه الجلسة الأولى. وهي من رواية عبد الله بن عمر المضعف، فلم تثبت المواظبة عليها بخلاف التي بين الخطبتين. ولم يشترط الحنفية والمالكية والحنابلة هذه القعدة، إنما قالوا بسنيّتها للفصل بين الخطبتين. نعم، نقل الحافظ العراقي في شرح الترمذي اشتراطها عن مشهور مذهب أحمد، وقال المازري، من المالكية: يشترط القيام لهما والجلوس بينهما. وقال القاضي أبو بكر: القيام والجلوس واجبان، وهو يرد على الطحاوي حيث زعم أن الشافعي تفرّد بالاشتراط . لكن الذي شهره الشيخ خليل السنيّة، وكذا مشهر مذهب الحنابلة علاي الدين المرداوي في تنقيح المقنع، والله أعلم. ويستحب أن يكون جلوسه بينهما قدر سورة الإخلاص تقريبًا، لاتباع السلف والخلف، وأن يقرأ فيه شيئًا من کتاب الله للاتباع، رواه ابن حبّان. ٣١ - باب الاستماع إلى الخطبة (باب الاستماع) أي، الإصغاء (إلى الخطبة) يوم الجمعة. ٩٢٩ - حدثنا آدمُ قال: حدَّثَنا ابنُ أبي ذِئبٍ عنِ الزُّهريِّ عن أبي عبد اللَّهِ الأغرِّ عن أبي هريرة قال: قال النبيُّ وَّرَ: ((إذا كان يومُ الجُمعةِ وَقَفتِ الملائكةُ على بابِ المسجدِ يكتبونَ الأوَّلَ فالأوَّلَ. وَمَثَلُ المُهَجِّرِ كمثَلِ الذي يُهدِي بَدَنَة، ثمَّ كالذي يُهدِي بَقَرةً، ثمَّ كبشًا، ثمَّ دجاجةٌ، ثمّ بَيضةً. فإذا خَرَجَ الإمامُ طَوَوْا صُحُفَهم ويَستمعونَ الذِّكرَ)). [الحديث ٩٢٩ - طرفه في: ٣٢١١]. وبالسند، قال: (حدّثنا آدم) بن أبي أياس (قال: حدَّثنا ابن أبي ذئب) محمد بن عبد الرحمن (عن) ابن شهاب (الزهري، عن أبي عبد الله) سلمان الجهني، مولاهم، (الأغرّ) لقبًا، الأصبهاني أصلاً، المدني (عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: قال النبي ◌ََّ): (إذا كان يوم الجمعة وقفت الملائكة على باب المسجد يكتبون الأوّل فالأوّل) قال في المصابيح: نصب على الحال، وجاءت معرفة وهو قليل (ومثل المهجر) بضم الميم وتشديد الجيم المكسورة أي، وصفة المبكر، أو المراد: الذي يأتي في الهاجرة، فيكون دليلاً للمالكية، وسبق البحث فيه، (كمثل الذي يهدي) بضم أوله وكسر ثالثه أي: يقرّب، وللأصيلي: كالذي يهدي (بدنة) من الإبل، خبر عن ٦٠٣ كتاب الجمعة/ باب ٣١ قوله مثل المهجر، والكاف لتشبيه صفة بصفة أخرى (ثم) الثاني (كالذي يهدي بقرة، ثم) الثالث كالذي يهدي (كبشًا، ثم) الرابع كالذي يهدي (دجاجة، ثم) الخامس كالذي يهدي (بيضة). إنما قدرنا بالثاني لأنه كما قال في المصابيح: لا يصح العطف على الخبر لئلا يقعا معًا خبرًا عن واحد، وهو مستحيل، وحينئذ فهو خبر مبتدأ محذوف مقدّر بما مر، وكذا قوله: ثم كبشًا، لا يكون معطوفًا على بقرة، لأن المعنى يأباه، بل هو معمول فعل محذوف دلّ عليه المتقدم، والتقدير كما مر، ثم الثالث: كالذي يهدي كبشًا، وكذا ما بعده. (فإذا خرج الإمام طوّوا) أي الملائكة، (صحفهم) التي كتبوا فيها درجات السابقين على من يليهم في الفضيلة، (ويستمعون الذكر) أي الخطبة . وأتى بصيغة المضارع لاستحضار صورة الحال اعتناء بهذه المرتبة، وحملاً على الاقتداء بالملائكة. وهذا موضع الاستشهاد على الترجمة. قال التيمي: في استماع الملائكة حضّ على استماعها والإنصات إليها. وقد ذكر كثير من المفسرين أن قوله تعالى: ﴿وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤] ورد في الخطبة، وسميت قرآنًا لاشتمالها عليه، والإنصات: السكوت، والاستماع: شغل السمع بالسماع، فبينهما عموم وخصوص من وجه. واختلف العلماء في هذه المسألة، فعند الشافعية، يكره الكلام حال الخطبة من ابتدائها لظاهر الآية، وحديث مسلم عن أبي هريرة: ((إذا قلت لصاحبك أنصت يوم الجمعة، والإمام يخطب، فقد لغوت)). ولا يحرم، للأحاديث الدالّة على ذلك، كحديث أنس المروي في الصحيحين: بينما النبي وَّ يخطب يوم الجمعة، قام أعرابي، فقال: يا رسول الله، هلك المال، وجاع العيال، فادعُ الله لنا، فرفع يديه ودعا. وحديث أنس أيضًا، المروي بسند صحيح عند البيهقي: أن رجلاً دخل والنبي وَلّ يخطب يوم الجمعة، فقال: متى الساعة؟ فأومأ الناس إليه بالسكوت فلم يقبل، وأعاد الكلام، فقال له النبي ◌َّه، في الثالثة: ((ما أعددت لها)»؟ قال: حبّ الله وحب رسوله. قال: ((إنك مع مَن أحببت)). وجه الدلالة منه أنه لم ينكر عليه الكلام، ولم يبين له وجه السكوت. والأمر في الآية للندب، ومعنى: لغوت، تركت الأدب، جمعًا بين الأدلة. وقال أبو حنيفة: وخروج الإمام قاطع للصلاة والكلام، وأجاز صاحباه إلى كلام الإمام له، قوله عليه الصلاة والسلام: ((إذا خرج الإمام لا صلاة ولا كلام)). ولهما، قوله عليه الصلاة والسلام: ((خروج الإمام يقطع الصلاة، وكلامه يقطع الكلام)). ٠ ٦٠٤ کتاب الجمعة/ باب ٣٢ وقال المالكية والحنابلة أيضًا بالمنع، لحديث: إذا قلت لصاحبك أنصت. وأجابوا عن حديث أنس السابق، وما في معناه، بأنه غير محل النزاع، لأن محل النزاع الإنصات والإمام يخطب، وأما سؤال الإمام وجوابه فهو قاطع لكلامه، فيخرج عن ذلك. وقد بنى بعضهم القولين على الخلاف في أن الخطبتين بدل عن الركعتين، وبه صرّح الحنابلة، وعزوه لنص إمامهم، أو هي صلاة على خيالها، لقول عمر رضي الله عنه: الجمعة ركعتان، تمام غير قصر، على لسان نبيكم وَ لّ، وقد خاب من افترى. رواه الإمام أحمد وغيره، وهو: حديث حسن، كما قاله في المجموع. فعلى الأول يحرم لا على الثاني. ومن ثم، أطلق من أطلق منهم إباحة الكلام ولو كان به صمم، أو بعد عن الإمام بحيث لا يسمع . قال المالكية: يحرم عليه أيضًا لعموم وجوب الإنصات، ولما روي عن عثمان، رضي الله عنه، من كان قريبًا استمع وأنصت، ومن كان بعيدًا افترى. وقال الحنفية، الأحوط السكوت. وأما الكلام قبل الخطبة وبعدها، وفي جلوسه بينهما، وللداخل في أثنائها ما لم يجلس، فعند الشافعية والحنابلة وأبي يوسف: يجوز من غير كراهة. وقال المالكية: يحرم في جلوسه بينهما، لا في جلوسه قبل الشروع فيها، ولو سلم داخل على مستمع الخطبة وجب الرد عليه، بناء على أن الإنصات سُنّة، كما سبق. وصرّح في المجموع وغيره مع ذلك بكراهة السلام، ونقلها عن النص وغيره. لكن إذا قلنا: لا يشرع السلام فكيف يجب الرد؟ وفي المدوّنة: لا يسلم الداخل، وإن سلم فلا يردّ عليه لأنه سكوت واجب، فلا يقطع بسلام ولا رده كالسكوت في الصلاة، وكذا قال الحنفية . ٣٢ - باب إذا رأى الإمامُ رِجلاً جاءَ وهوَ يَخْطُبُ أمَرَهُ أن يُصلِيِّ رَكعتَينِ هذا (باب) بالتنوين (إذا رأى الإمام رجلاً جاء) في محل نصب صفة، لرجلاً، (وهو يخطب) جملة اسمية حالية وجواب، إذا، (أمره أن يصلي) أي بأن يصلي، وأن مصدرية، أي أمره بصلاة (ركعتين). ٦٠٥ کتاب الجمعة/ باب ٣٢ ٩٣٠ - حدثنا أبو النُّعمانِ قال: حدَّثَنا حمادُ بنُ زيدٍ عن عمرو بن دينارٍ عن جابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ قال: ((جاءَ رجلٌ والنبي نَّهُ يَخْطُبُ الناسَ يومَ الجُمعةِ فقال: أصلَّيْتَ يا فُلانُ؟ قال: لا. قال: قم فاركعْ)). [الحديث ٩٣٠ - طرفاه في: ٩٣١، ١١٦٦]. وبالسند قال: (حدّثنا أبو النعمان) محمد بن الفضل السدوسي (قال: حدثنا حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله) الأنصاري، وسقط في رواية ابن عساكر: ابن عبد الله، (قال: جاء رجل) هو: سليك، بضم السين المهملة وفتح اللام وسكون المثناة التحتية وبالكاف الغطفاني، بفتحات (والنبي ◌َّ يخطب الناس يوم الجمعة) سقط لفظ الناس، عند أبي ذر، وثبت عنده: لأبي الهيثم، في نسخة، وزاد مسلم، عن الليث، عن أبي الزبير عن جابر، فقعد سليك قبل أن يصلي (فقال) له عليه الصلاة والسلام. (أصليت) بهمزة الاستفهام، ولأبي ذر والأصيلي، وابن عساكر. فقال: صليت (يا فلان)؟ (قال) ولأبي ذر فقال: (لا. قال): (قم فاركع). زاد المستملي والأصيلي ركعتين. وزاد في رواية الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر عند مسلم، وتجوز فيهما. ثم قال: ((إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوّز فيهما)). واستدل به الشافعية والحنابلة على أن الداخل للمسجد والخطيب يخطب على المنبر، يندب له صلاة تحية المسجد، لا في آخر الخطبة، ويخففها وجوبًا ليسمع الخطبة. قال الزركشي: والمراد بالتخفيف، فيما ذكر، الاقتصار على الواجبات، لا الإسراع. قال: ويدل له ما ذكروه من أنه إذا ضاق الوقت، وأراد الوضوء اقتصر على الواجبات . اهـ. ومنع منهما المالكية والحنفية لحديث ابن ماجة أنه عليه الصلاة والسلام قال للذي دخل المسجد يتخطى رقاب الناس: ((اجلس فقد آذيت)). وأجابوا عن قصة سليك: بأنها واقعة عين لا عموم لها، فتختص بسليك؛ ويؤيد ذلك حديث أبي سعيد، المروي في السنن، أنه عليه الصلاة والسلام قال له: ((صل ركعتين)). وحض على الصدقة، الحديث، فأمره أن يصلي ليراه بعض الناس وهو قائم، فيتصدق عليه. ولأحمد: إن هذا الرجل دخل المسجد، في هيئة بزة، فأمرته أن يصلي ركعتين، وأنا أرجو أن يتفطن له رجل فيتصدق عليه، وبأن تحية المسجد تفوت بالجلوس. وأجيب، بأن الأصل عدم الخصوصية، والتعليل بقصد التصدق عليه لا يمنع القول بجواز التحية. وقد ورد ما يدل لعدم الانحصار في قصد التصدّق، وهو أنه عليه الصلاة والسلام أمره ٦٠٦ کتاب الجمعة/ باب ٣٣ بالصلاة في الجمعة الثانية بعد أن حصل له في الأولى ثوبين، فدخل في الثاني، فتصدّق بأحدهما، فنهاه عليه الصلاة والسلام عن ذلك، بل عند أحمد وابن حبان أنه كرّر أمره بالصلاة ثلاث جمع، وبأن التحية لا تفوت بالجلوس في حق الجاهل أو الناسي، فحال هذا الرجل الداخل محمولة في الأولى على أحدهما، وفي الأخرى على النسيان. وبأن قوله للذي يتخطى رقاب الناس. ((اجلس)) أي: لا تتخطّ. أو ترك أمره بالتحية لبيان الجواز، فإنها ليست واجبة، أو لكون دخوله وقع في آخر الخطبة بحيث ضاق الوقت عن التحية، أو كان قد صلى التحية في مؤخر المسجد، ثم تقدم ليقرب من سماع الخطبة، فوقع منه التخطّ، فأنكر عليه . ٣٣ - باب مَن جاءَ والإمامُ يَخطُبُ صلَّى رَكعتَينِ خفيفتَينِ (باب مَن جاء والإمام يخطب) جملة حالية، و: مَنْ. في موضع رفع مبتدأ، وخبره قوله: (صلى ركعتين خفيفتين). ٩٣١ - حدثنا عليَّ بنُ عبدُ اللَّهِ قال: حدَّثَنا سُفيانُ عن عمرٍو سَمِعَ جابرًا قال: ((دخلَ رجلٌ يومَ الجمعةِ والنبيُّ نَّه يخطُبُ فقال: أصلَّيتَ؟ قال: لا. قال: فصلُ ركعتين)). وبالسند قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني (قال: حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن عمرو) هو: ابن دينار، أنه (سمع جابرًا) هو ابن عبد الله الأنصاري (قال دخل رجل يوم الجمعة والنبي تَّل يخطب، فقال) له: (أصليت)؟ بهمزة الاستفهام ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر، عن الحموي والكشميهني، فقال: صليت؟ (قال: لا. قال): (فصلٌ). ولأبي ذر: ثم فصلٌ (ركعتين). مطابقته للترجمة ظاهرة، لكن ليس فيه التقييد بكونهما خفيفتين. نعم، جرى البخاري على عادته في الإشارة إلى بعض طرق الحديث فقد أخرجه في السُّنن من طريق أبي قرة، عن الثوري، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، بلفظ: ((قم فاركع ركعتين خفيفتين)). وعند مسلم: ((فيتجوّز فيهما))، كما مر. تنبيه : لو جاء في آخر الخطبة فلا يصلي لئلا يفوته أوّل الجمعة مع الإمام. قال في المجموع: وهذا محمول على تفصيل ذكره المحققون من أنه إن غلب على ظنه أنه إن صلاها فاتته تكبيرة الإحرام مع الإمام، لم يصلُ التحية، بل يقف حتى تُقام الصلاة، ولا يقعد لئلا يكون جالسًا في المسجد قبل التحية. ٦٠٧ کتاب الجمعة/ باب ٣٤ و٣٥ قال ابن الرفعة: ولو صلاّها في هذه الحالة استحب للإمام أن يزيد في كلام الخطبة بقدر ما يكملها، فإن لم يفعل الإمام ذلك، قال في الأم: كرهته له، فإن صلاها وقد أقيمت الصلاة، كرهت ذلك له . اهـ. ٣٤ - باب رفع اليدَينِ في الخطبةِ. (باب رفع اليدين في الخطبة). ٩٣٢ - حدّثنا مسلَّدٌ قال: حدَّثَنا حمّادُ بنُ زيدٍ عن عبدِ العزيزِ عن أنس، وعن يونسَ عن ثابتٍ عن أنسٍ قال: ((بينما النبيُّ ونَ﴿ يَخْطُبُ يومَ الجُمعةِ إذ قام رجلٌ فقال: يا رسولَ اللَّهِ هَلكَ الكُراعُ وهَلكَ الشاءُ، فادعُ اللَّهَ أن يَسْقِيَنا. فمدَّ يدَيهِ ودَعا)). [الحديث ٩٣٢ - أطرافه في: ٩٣٣، ١٠١٣، ١٠١٤، ١٠١٥، ١٠١٦، ١٠١٧، ١٠١٨، ١٠١٩، ١٠٢١، ١٠٢٩، ١٠٣٣، ٣٥٨٢، ٦٠٩٣، ٦٣٤٢]. وبالسند قال: (حدّثنا مسدد) أي ابن مسرهد (قال: حدّثنا حماد بن زيد) بن درهم البصري (عن عبد العزيز) ولأبوي ذر والوقت، والأصيلي زيادة: ابن صهيب (عن أنس، وعن يونس) بن عبيد، عطف على الإسناد المذكور، أي: وحدّثنا مسدد أيضًا عن حماد بن زيد، عن يونس، وقد أخرجه أبو داود عن مسدّد أيضًا بالإسنادين معًا (عن ثابت، عن أنس) هو ابن مالك، (قال: بينما النبي ◌َير بخطب يوم الجمعة) ولأبوي ذر والوقت، والأصيلي، يوم جمعة (إذ قام رجل، فقال: يا رسول الله! هلك الكراع) بضم الكاف اسم لما يجمع من الخيل، (وهلك الشاء) بالواو في أوّله، أي: الغنم، ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر، هلك الشاء (فادع الله) لنا (أن يسقينا). (فمدَّ) عليه الصلاة والسلام (يديه) بالتثنية، ولأبي ذر، فمدّ يده (ودعا) في الحديث الذي بعده، فرفع يديه، وهو موافق للترجمة، والظاهر أنه أراد أن يبين أن المراد بالرفع هنا المدّ، لا كالرفع الذي في الصلاة. ٣٥ - باب الإِسِتِسقاءِ في الْخُطبةِ يومَ الجُمعةِ (باب الاستسقاء) وهو طلب السقيا، بضم السين، أي: المطر (في الخطبة يوم الجمعة). ٩٣٣ - حدثنا إبراهيمُ بنُ النُذِرِ قال: حدَّثَنا الوليدُ قال: حدّثنا أبو عمرٍو قال حدَّثني إسحقُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ أبي طلحةً عن أنسٍ بنِ مالكِ قال: ((أصابَتِ الناسَ سَنَةٌ على عَهدِ النبيِّ وَّل فَبِينا النبيُّ نَّهَ يَخْطُبُ في يومِ جُمعةٍ قامَ أعرابيٍّ فقال: يا رسولَ اللَّهِ، هَلكَ المالُ، وجاعَ العِيالُ، ٦٠٨ کتاب الجمعة/ باب ٣٥ فادعُ اللَّهَ لنا. فَرفعَ يَدَيهِ - وما نَرَى في السماءِ قَزَعةٌ - فوالذي نفسي بيَدِه ما وَضعَها حتى ثارَ السحابُ أمثالَ الجِبالِ، ثمَّ لم يَنزِلْ عن مِنْبَرِهِ حتى رأيتُ المطرَ يَتحادَرُ على لِحِيتِهِ نَّهِ. فَمُطِرْنا يومَنا ذُلِكَ، وَمِنَ الغَدِ، وَبَعدَ الغَدِ، والذي يليهِ حتى الجُمعةِ الأُخْرَى. وَقام ذُلكَ الأعرابيُّ - أو قال غيرُهُ - فقال: يا رسولَ اللَّهِ تهدَّمَ البِناءُ، وَغَرِقَ المالُ، فادعُ اللَّهَ لنا. فرفعَ يدَيهِ فقال: اللهمَّ حَوالَينا ولا علينا. فما يُشير بيدِهِ إلى ناحيةٍ منَ السحابِ إلا انفرَجَتْ، وصارتِ المدِينةُ مثلَ الجَوْبةِ. وسالَ الوادِي قَناةُ شهرًا، وَلم يَجِىءُ أحدٌ من ناحيةٍ إلاّ حدَّث بالجَودِ». وبالسند قال (حدّثنا إبراهيم بن المنذر) بن عبد الله بن المنذر الحزامي، بالزاي، الأسدي (قال: حدثنا أبو الوليد) ولأبي ذر، والأصيلي، الوليد بن مسلم، أي، القرشي الدمشقي (قال: حدّثنا أبو عمرو) بفتح العين، عبد الرحمن، ولأبي ذر، والأصيلي: أبو عمرو الأوزاعي، نسبة إلى الأوزاع، قبائل شتى، أو بطن من ذي الكلاع من اليمن، أو الأوزاع قرية بدمشق (قال: حدّثني) بالإفراد (إسحق بن عبد الله بن أبي طلحة) الأنصاري المدني (عن أنس بن مالك) رضي الله عنه (قال: أصابت الناس سنة) بفتح السين المهملة، أي: شدة وجهد من الجدوبة، (على عهد النبي) أي: زمنه، ولابن عساكر: على عهد رسول الله (وَ *، فبينما النبي ◌َّ يخطب في يوم جمعة، قام أعرابي) من سكان البادية، لا يعرف اسمه (فقال: يا رسول الله! هلك المال) الحيوانات، لفقد ما ترعاه (وجاع العيال) لعدم وجود ما يعيشون به من الأقوات المفقودة بحبس المطر (فادع الله لنا) أن يسقينا. (فرفع) عليه الصلاة والسلام (يديه - وما نرى في السماء قزعة -) بالقاف والزاي والعين المهملة المفتوحات، قطعة من سحاب، أو رقيقه الذي إذا مرّ تحت السحاب الكثيرة كان كأنه ظل . قال أنس: (فوالذي نفسي بيده، ما وضعها) أي: يده، ولأبي ذر، والأصيلي، عن الكشميهني: ما وضعهما، أي: يديه (حتى ثار السحاب) بالمثلثة، أي: هاج وانتشر (أمثال الجبال) من كثرته، (ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيت المطر يتحادر) ينحدر، أي: ينزل ويقطر (على لحيته) الشريفة (َ﴾. فمطرنا) بضم الميم وكسر الطاء، أي: حصل لنا المطر (يومنا) نصب على الظرفية، أي: في يومنا (ذلك، ومن الغد) حرف الجر إما بمعنى في، أو للتبعيض، (وبعد الغد) ولأبوي ذر، والوقت، والأصيلي، وابن عساكر: ومن بعد الغد (والذي يليه، حتى الجمعة الأخرى) بالجر في الفرع وأصله، على أن حتى: جارة، ويجوز النصب، عطفًا على سابقه المنصوب، والرفع، على أن مدخولها مبتدأ خبره محذوف. (وقام) بالواو، ولأبي ذر، والأصيلي، وابن عساكر: فقام (ذلك الأعرابي - أو قال) قام (غيره - فقال: يا رسول الله! تهدم البناء، وغرق المال، فادع الله لنا). (فرفع) عليه الصلاة والسلام (يده فقال): ٦٠٩ کتاب الجمعة/ باب ٣٦ (اللّهمَّ) ولأبي ذر، وابن عساكر: فرفع يديه: اللهم (حوالينا) بفتح اللام أي: أنزل أو أمطر . حوالينا (ولا) تنزله (علينا) أراد به الأبنية . (فما يشير) عليه الصلاة والسلام (بيده) الشريفة (إلى ناحية من السحاب إلا انفرجت) إلا انكشفت، أو تدوّرت كما يدوّر جيب القميص. (وصارت المدينة مثل الجوبة) بفتح الجيم وسكون الواو وفتح الموحدة، الفرجة المستديرة في السحاب أي: خرجنا والغيم والسحاب محيطان بأكناف المدينة. (وسال الوادي قناة) بقاف مفتوحة فنون مخففة فألف فهاء تأنيث، مرفوع على البدل، من الوادي غير منصرف للتأنيث والعلمية، إذ هو اسم لوادٍ معين من أودية المدينة، أي: جرى فيه المطر (شهرًا. ولم يجىء أحد من ناحية إلا حدث بالجود) بفتح الجيم، أي: بالمطر الغزير. ورواة الحديث ما بين: مدني ودمشقي، وفيه التحديث والعنعنة والقول، وشيخه من أفراده، وأخرجه أيضًا في الاستسقاء والاستئذان، ومسلم والنسائي في الصلاة. ٣٦ - باب الإنصاتِ يومَ الجُمعةِ وَالإمامُ یَخطبُ وإذا قال لصاحِبهِ أنصِتْ فقد لَغا. وقال سَلمانُ عن النبيِّ وَرَ: يُنصِتُ إذا تكلمَ الإمامُ. (باب الإنصات يوم الجمعة والإمام يخطب). (وإذا قال) الرجل (لصاحبه) إذا سمعه يتكلم (أنصت) أمر من أنصت ينصت إنصاتًا، أي: اسكت (فقد لغا). قال: اللغو، وهو الكلام الذي لا أصل له، من الأباطيل أو غير ذلك، مما سيأتي إن شاء الله تعالى. وقوله: إذا قال ... إلخ، من بقية الترجمة، وهو لفظ حديث الباب في بعض طرقه عند النسائي. (وقال سلمان) مما وصله مطوّلاً في باب الدهن للجمعة، فيما سبق (عن النبي وَّ: ينصت) بضم أوّله على الأفصح، مضارع: أنصت، للأصيلي: وينصت، بالواو، أي: يسكت (إذا تكلم الإمام). ٩٣٤ - حدّثنا يحيى بنُ بُكَيرِ قال: حدَّثَنا الليثُ عن عُقَيلٍ عن ابنِ شهابٍ قال: أخبرني سعيدُ بنُ المسيَّبِ أنَّ أبا هريرةَ أخبرَه أنَّ رسولَ اللَّهِ وَّرِ قال: ((إذا قلتَ لصاحبِكَ يومَ الجُمعةِ: أنصتْ - والإمامُ يخطُبُ - فقد لَغَوْتَ)). إرشاد الساري/ ج ٢ / م ٣٩ ٦١٠ كتاب الجمعة/ باب ٣٧ وبالسند قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) بضم الموحدة (قال: حدثنا الليث) بن سعد (عن عقيل) بضم العين، هو ابن خالد الأيلي (عن ابن شهاب) الزهري (قال: أخبرني) بالإفراد (سعيد بن المسيب، أن أبا هريرة) رضي الله عنه (أخبره أن رسول الله وَ ل قال): (إذا قلت لصاحبك) الذي تخاطبه إذا ذاك، أو جليسك (يوم الجمعة أنصت - والإمام يخطب -) جملة حالية مُشعِرة بأن ابتداء الإنصات من الشروع في الخطبة، خلافًا لمن قال بخروج الإمام، كما مر. نعم، الأحسن الإنصات كما مر. (فقد لغوت). أي تركت الأدب جمعًا بين الأدلة، أو صارت جمعتك ظهرًا لحديث عبد الله بن عمرو، مرفوعًا، ((ومن تخطى رقاب الناس كانت له ظهرًا))، رواه أبو داود، وابن خزيمة . ولأحمد من حديث علي مرفوعًا: ((ومن قال: صه! فقد تكلم، ومن تكلم فلا جمعة له)). والنفي للكمال، وإلا فالإجماع على سقوط فرض الوقت عنه، وزاد أحمد من رواية الأعرج، عن أبي هريرة، في آخر حديث الباب بعد قوله: ((فقد لغوت)) ((عليك بنفسك)). واستدل به على منع جميع أنواع الكلام حال الخطبة، وبه قال الجمهور. نعم، لغير السامع عند الشافعية أن يشتغل بالتلاوة والذكر، وكلام المجموع يقتضي أن الاشتغال بهما أولى، وهو ظاهر خلافًا لمن منع، كما مر، ولو عرض مهم ناجز: كتعليم خير، ونهي عن منكر، وتحذير إنسان عقربًا، أو أعمى بئرًا، لم يمنع من الكلام، بل قد يجب عليه. لكن يستحب أن يقتصر على الإشارة إن أغنت. نعم، منع المالكية نهي اللاغي بالكلام، أو رميه بالحصى، أو الإشارة إليه بما يفهم النهي حسمًا للمادة، وقد استثني من الإنصات ما إذا انتهى الخطيب إلى كل ما لم يشرع في الخطبة، کالدعاء للسلطان مثلاً . وبقية مباحث ذلك سبقت قريبًا في باب: الاستماع إلى الخطبة . ٣٧ - باب الساعةِ التي في يومِ الجُمعةِ (باب الساعة التي) يستجاب فيها الدعاء (في يوم الجمعة). ٩٣٥ - حدثنا عبدُ اللَّهِ بنُ مَسلمةَ عن مالكِ عن أبي الزنادِ عن الأعرج عن أبي هريرةَ أنَّ رسولَ اللَّهِ وَهَ ذَكرَ يومَ الجمعةِ فقال: «فيه ساعةٌ لا يُوافِقُها عبدٌ مُسلمٌ وَهوَ قائمٌ يُصلِّي يَسألُ اللَّهَ تعالى شيئًا إلا أعطاهُ إيّاهُ)) وَأشار بيدِهِ يُقلِّلها. [الحديث ٩٣٥ - طرفاه في: ٥٢٩٤، ٦٤٠٠]. ٦١١ کتاب الجمعة/ باب ٣٧ وبالسند قال: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي (عن مالك) الإمام (عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة) رضي الله عنه (أن رسول الله، ◌َّ، ذكر يوم الجمعة فقال): (فيه ساعة) أبهمها هنا كليلة القدر، والاسم الأعظم، والرجل الصالح، حتى تتوفر الدواعي على مراقبة ذلك اليوم. وقد روي: ((إن لربكم في أيام دهركم نفحات، ألا فتعرضوا لها»، ويوم الجمعة من جملة تلك الأيام، فينبغي أن يكون العبد في جميع نهاره متعرضًا لها بإحضار القلب، وملازمة الذكر والدعاء، والنزوع عن وساوس الدنيا، فعساه يحظى بشىء من تلك النفحات. وهل هذه الساعة باقية أو رفعت؟ وإذا قلنا بأنها باقية، وهو الصحيح، فهل هي في جمعة واحدة من السنة؟ أو في كل جمعة منها؟ قال بالأول كعب الأحبار لأبي هريرة، وردّه عليه فرجع لما راجع التوراة إليه. والجمهور على وجودها في كل جمعة . ووقع تعيينها في أحاديث كثيرة: أرجحها حديث مخرمة بن بكير، عن أبيه، عن أبي بردة بن أبي موسى، عن أبيه، مرفوعًا: ((أنها ما بين أن يجلس الإمام على المنبر إلى أن تقضى الصلاة)). رواه مسلم وأبو داود. وقول عبد الله بن سلام، المروي عند مالك، وأبي داود والترمذي والنسائي، وابن خزيمة، وابن حبان، من حديث أبي هريرة أنه قال لعبد الله بن سلام: أخبرني ولا تضنّ. فقال عبد الله بن سلام: هي آخر ساعة في يوم الجمعة. قال أبو هريرة: فقلت: كيف تكون آخر ساعة في يوم الجمعة وقد قال رسول الله وَلجر: ((لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي ... )) وتلك الساعة لا يصلى فيها؟ فقال عبد الله بن سلام: ألم يقل رسول الله وَر: ((من جلس مجلسًا ينتظر الصلاة فهو في صلاة حتى يصلي ... )) الحديث. واختلف أيّ الحديثين أرجح؟ فرجح مسلم، فيما ذكره البيهقي، حديث أبي موسى، وبه قال جماعة منهم ابن العربي، والقرطبي، وقال: هو نص في موضع الخلاف فلا يلتفت إلى غيره، وجزم في الروضة بأنه الصواب. ورجحه بعضهم أيضًا بكونه مرفوعًا صريحًا، وبأنه في أحد الصحيحين. وتعقب بأن الرجيح بما فيهما، أو في أحدهما، إنما هو حيث لم يكن مما انتقده الحفاظ، وهذا قد انتقد لأنه أعلّ بالانقطاع والاضطراب، لأن مخرمة بن بكير لم يسمع من أبيه، قاله أحمد، عن حماد بن خالد، عن مخرمة نفسه. ٦١٢ كتاب الجمعة/ باب ٣٧ وقد رواه أبو إسحاق، وواصل الأحدب، ومعاوية بن قرة، وغيرهم عن أبي بردة من قوله، وهؤلاء من الكوفة، وأبو بردة منها أيضًا، فهو أعلم بحديثه من بكير المدني، وهم عدد وهو واحد. ورجح آخرون: كأحمد وإسحق، قول ابن سلام، واختاره ابن الزملكاني، وحكاه عن نص الشافعي ميلاً إلى: أن هذه رحمة من الله تعالى للقائمين بحق هذا اليوم، فأوان إرسالها عند الفراغ من تمام العمل. وقيل في تعيينها غير ذلك مما يبلغ نحو الأربعين، أضربت عنها خوف الإطالة، لا سيما وليست كلها متغايرة، بل كثير منها يمكن اتحاده مع غيره. وما عدا القولين المذكورين موافق لهما. أو لأحدهما، أو ضعيف الإسناد، أو موقوف استند قائله إلى اجتهاد دون توقيف. وحقيقة الساعة المذكورة: جزء من الزمان مخصوص، وتطلق على جزء من اثني عشر من مجموع النهار، أو على جزء مقدّر من الزمان فلا يتحقق، أو على الوقت الحاضر. ووقع في حديث جابر، المروي عند أبي داود وغيره مرفوعًا بإسناد حسن، ما يدل للأوّل، ولفظه: ((يوم الجمعة ثنتا عشرة ساعة، فيه ساعة ... إلخ)). (لا يوافقها) أي لا يصادفها (عبد مسلم) قصدها أو اتفق له وقوع الدعاء فيها (وهو قائم) جملة اسمية حالية، (يصلي) جملة فعلية حالية . والجملة الأولى خرجت مخرج الغالب، لأن الغالب في المصلي أن يكون قائمًا، فلا يعمل بمفهومها. وهو أنه لم يكن قائمًا لا يكون له هذا الحكم: أو المراد بالصلاة: انتظارها، أو الدعاء. وبالقيام: الملازمة والمواظبة، لا حقيقة القيام، لأن منتظر الصلاة في حكم الصلاة، كما مر من قول عبد الله بن سلام لأبي هريرة، جمعًا بينه وبين قوله: إنها من العصر إلى الغروب. ومن ثم، سقط عند أبي مصعب وابن أبي أويس، ومطرف، والتنيسي وقتيبة قوله: قائم يصلي (يسأل الله تعالى) فيها (شيئًا) مما يليق أن يدعو به المسلم، ويسأل فيه ربه تعالى. ولمسلم من رواية محمد بن زياد، عن أبي هريرة، كالمصنف في الطلاق من رواية ابن علقمة، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة: ((يسأل الله خيرًا)). ولابن ماجة. من حديث أبي أمامة: ((ما لم يسأل حرامًا)). ولأحمد من حديث سعد بن عبادة: ((ما لم يسأل إثمًا أو قطيعة رحم)). وقطيعة رحم من جملة الإثم، فهو من عطف الخاص على العام للاهتمام به . ٦١٣ کتاب الجمعة/ باب ٣٨ (إلاّ أعطاه إياه) (وأشار) في رواية أبي مصعب عن مالك: وأشار رسول الله وَ له (بيده) الشريفة حال كونه (يقللها) من التقليل، خلاف الكثير. وللمصنف من رواية سلمة بن علقمة المذكورة: ووضع أنملته على بطن الوسطى، أو الخنصر، قلنا: يزهدها. وبيّن أبو مسلم الكجي أن الذي وضع هو: بشر بن المفضل، راوية عن سلمة بن علقمة، وكأنه فسر الإشارة بذلك : وأنها ساعة لطيفة، تنتقل ما بين وسط النهار إلى قرب آخره، وبهذا يحصل الجمع بينه وبين قوله: يزهدها، أي: يقللها. ولمسلم: وهي ساعة خفيفة . فإن قلت: قد سبق حديث ((يوم الجمعة ثنتا عشرة ساعة، فيه ساعة ... إلخ))، ومقتضاه أنها غير خفيفة . أجيب: بأنه ليس المراد أنها مستغرقة للوقت المذكور، بل المراد أنها لا تخرج عنه، لأنها لحظة خفيفة، كما مر. وفائدة ذكر الوقت أنها تنتقل فيه، فيكون ابتداء مظنتها ابتداء الخطبة مثلاً، وانتهاؤها وانتهاء الصلاة . واستشكل حصول الإجابة لكل داع بشرطه، مع اختلاف الزمان باختلاف البلاد والمصلي، فيتقدم بعض على بعض، وساعة الإجابة متعلقة بالوقت، فكيف يتفق مع الاختلاف؟ وأجيب: باحتمال أن تكون ساعة الإجابة متعلقة بفعل كل مصلٍّ، كما قيل نظيره في ساعة الكراهة. ولعل هذه فائدة جعل الوقت الممتد مظنة لها، وإن كانت هي خفيفة. قاله في فتح الباري . وهذا الحديث أخرجه مسلم والنسائي في الجمعة. ٣٨ - باب إذا نَفرَ الناسُ عنِ الإمامِ في صلاةِ الجمعةِ فصلاة الإمام وَمَن بَقيَ جائزة (باب) بالتنوين (إذا نفر الناس عن الإمام) أي: خرجوا عن مجلسه، وذهبوا (في صلاة الجمعة، فصلاة الإمام و) صلاة (من بقي) معه (جائزة) بالرفع، خبر المبتدأ الذي هو: فصلاة الإمام، وللأصيلي: تامة . وظاهر الترجمة أنه يشترط استدامة من تنعقد بهم الجمعة من ابتدائها إلى انتهائها، بل يشترط بقاء بقية ما منهم، ولم يذكر المؤلف رحمه الله حديثًا يستدل به على عدد مَن تنعقد بهم الجمعة، لأنه لم يجد فيه شيئًا على شرطه. ٦١٤ كتاب الجمعة/ باب ٣٨ ومذهب الشافعية والحنابلة اشتراط أربعين، منهم الإمام، وأن يكونوا مسلمين أحرارًا متوطنين بيلد الجمعة، لا يظعنون شتاءً ولا صيفًا إلاّ لحاجة، لحديث كعب بن مالك، قال: ((أوّل من جمع بنا في المدينة أسعد بن زرارة، قبل مقدمه عليه الصلاة والسلام المدينة، في نقيع الخضمات، وكنا أربعين رجلاً)). رواه البيهقي وغيره، وصححوه. وروى البيهقي أيضًا: أنه، وَّر، جمع بالمدينة وكانوا أربعين رجلاً. وعورض بأنه لا يدل على شرطيته. وأجيب بما قاله في المجموع، وهو: أن الأصحاب قالوا: وجه الدلالة منه، أي من حديث كعب، أن الأمة أجمعوا على اشتراط العدد، والأصل الظهر، فلا تصح الجمعة إلا بعدد ثبت فيه توقيف، وقد ثبت جوازها بأربعين، وثبت: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). ولم تثبت صلاته لها بأقل من ذلك، فلا تجوز بأقل منه. وقال المالكية: اثني عشر. لحديث الباب. وقال أبو حنيفة ومحمد: أربعة بالإمام، لأن الجمع الصحيح إنما هو الثلاث، لأنه جمع تسمية ومعنى، والجماعة شرط على حدة، وكذا الإمام فلا يعتبر منهم. وقال أبو يوسف: ثلاثة به، لأن في الاثنين معنى الاجتماع وهي منبئة عنه . اهـ. ٩٣٦ - حدثنا معاويةُ بنُ عمرٍو قال: حدّثنا زائدةُ عن حُصَينٍ عن سالم بنِ أبي الجَعْدِ قال: حدَّثَنا جابرُ بنُ عبدِ اللهِ قال: بينما نحنُ نُصلِي مع النبيِّ ◌ََّ إذ أقبَلَتْ عِيرٌ تَحمِلُ طعامًا، فالْتَفَتوا إليها حتى ما بَقِيَ مَعَ النبيِّ وَ إلا اثنا عشرَ رَجُلاً. فنزَلَتْ هُذِهِ الآية: ﴿وإذا رَأوا تِجارةً أو لهوًا انفضُوا إليها وَتَرَكوكَ قائمًا﴾. [الحديث ٩٣٦ - أطرافه في: ٢٠٥٨، ٢٠٦٤، ٤٨٩٩]. وبالسند قال: (حدّثنا معاوية بن عمرو) بفتح العين، ابن المهلب، الأزدي البغدادي الكوفي الأصل، المتوفّ ببغداد سنة أربع عشرة ومائتين، (قال: حدّثنا زائدة) بن قدامة الكوفي (عن حصين) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين، ابن عبد الرحمن الواسطي، (عن سالم بن أبي الجعد) بفتح الجيم وسكون العين، رافع الكوفي (قال: حدّثنا جابر بن عبد الله) الأنصاري (قال: بينما) بالميم، وفي نسخة لأبي ذر: بينا (نحن نصلي) أي الجمعة (مع النبي، وَّ). المراد بالصلاة هنا: انتظارها، جمعًا بينه وبين رواية عبد الله بن إدريس، عن حصين عند مسلم: ورسول الله وَل يخطب، فهو من باب: تسمية الشيء باسم ما قاربه، وهذا أليف بالصحابة تحسينًا للظن بهم. ٦١٥ کتاب الجمعة/ باب ٣٨ سلمنا أنه كان في الصلاة، لكن يحتمل أنه وقع قبل النهي. نعم، في المراسيل لأبي داود، عن مقاتل بن حيان: أن الصلاة حينئذ كانت قبل الخطبة، فإذا ثبت زال الإشكال. لكنه مع شذوذه معضل . وجواب بينما قوله: (إذ أقبلت عير) بكسر العين، إبل (تحمل طعامًا) من الشام لدحية الكلبي، أو لعبد الرحمن بن عوف: روى الأوّل الطبراني، والثاني ابن مردويه، وجمع بينهما باحتمال أن تكون لعبد الرحمن، ودحية سفير، أو كانا مشتركين (فالتفتوا إليها) أي انصرفوا إلى العير، وفي رواية ابن فضيل في البيوع: فانفضّ الناس، أي فتفرقوا، وهو موافق للفظ الآية، (حتى ما بقي مع النبي ◌َّ إلا اثنا عشر رجلاً) في رواية علي بن عاصم. عن حصين: حتى لم يبق معه إلاّ أربعون رجلاً. رواه الدار قطني. ولو سلم من ضعف حفظ علي بن عاصم وتفرده، فإنه خالفه أصحاب حصين كلهم، لكان من أقوى الأدلة للشافعية. وردّ المالكية على الشافعية والحنابلة، حيث اشترطوا لصحة الجمعة أربعيمن رجلاً، بقوله في حديث الباب: حتى ما بقي مع النبي وَلّ إلا اثنا عشر رجلاً: وأجيب: بأنه ليس فيه أنه ابتدأها باثني عشر، بل يحتمل عودهم قبل طول الزمان، أو عود غيرهم مع سماعهم أركان الخطبة . وقد اختلف فيما إذا انفضوا، فقال الشافعية والحنابلة: لو انفض الأربعون أو بعضهم في أثناء الخطبة، أو بينها وبين الصلاة، أو في الركعة الأولى ولم يعودوا، أو عادوا بعد طول الفصل، استأنف الإمام الخطبة والصلاة. ولو انفض السامعون للخطبة بعد إحرام تسعة وثلاثين لم يسمعوا الخطبة، أتم بهم الجمعة، لأنهم إذا لحقوا والعدد تام، صار حكمهم واحدًا، فسقط عنهم سماع الخطبة، أو انفضوا قبل إحرامهم استأنف الخطبة بهم، لأنه لا تصح الجمعة بدونها، وإن قصر الفضل لانتفاء سماعهم ولحوقهم . وقال أبو حنيفة: إذا نفر الناس قبل أن يركع الإمام ويسجد إلا النساء، استقبل الظهر. وقال صاحباه: إذا نفروا عنه بعدما افتتح الصلاة، صلى الجمعة. وإن نفروا عنه بعدما ركع وسجد سجدة، بنى على الجمعة في قولهم جميعًا، خلافًا لزفر. وقال المالكية: إن انفضوا بحيث لا يبقى مع الإمام أحد، فلا تصح الجمعة، وإن بقي معه اثنا عشر صحت، ويتم بهم جمعة إذا بقوا إلى السلام، فلو انفض منهم شيء قبل السلام بطلت. : ٦١٦ كتاب الجمعة/ باب ٣٩ (فنزلت هذه الآية ﴿وإذا رأوا تجارة أو لهوا﴾) هو الطبل الذي كان يضرب لقدوم التجارة فرحًا بقدومها وإعلامًا (﴿انفضوا إليها وتركوك قائمًا﴾). لم يقل: إليهما، لأن اللهو لم يكن مقصودًا لذاته، وإنما كان تبعاً للتجارة، أو حذف لدلالة أحدها على الآخر. أي: وإذا رأوا تجارة انفضوا إليها وإذا رأوا لهوا انفضوا إليه. أو أُعيد الضمير إلى مصدر الفعل المتقدم وهو الرؤية، أي: انفضوا إلى الرؤية الواقعة على التجارة أو اللهو. والترديد للدلالة على أن منهم من انفض لمجرد سماع الطبل ورؤيته. وقد استشكل الأصيلي حديث الباب، مع وصفه تعالى الصحابة بأنهم ﴿لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله﴾ [النور: ٣٧] وأجاب باحتمال أن يكون هذا الحديث قبل نزول الآية. قال في فتح الباري: وهذا الذي يتعين المسير إليه مع أنه ليس في آية النور، التصريح بنزولها في الصحابة، وعلى تقدير ذلك، فلم يكن تقدّم لهم نهي عن ذلك، فلما نزلت آية الجمعة وفهموا منها ذمّ ذلك اجتنبوه، فوصفوا بما في آية النور . اهـ. ورواة الحديث ما بين: بغدادي وكوفي وواسطي، وفيه التحديث والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلف أيضًا في البيوع، والتفسير، ومسلم في الصلاة، والترمذي في التفسير، وكذا النسائي فيه وفي الصلاة. ٣٩ - باب الصلاةِ بعدَ الجُمعةِ وَقبلَها (باب الصلاة بعد الجمعة وقبلها) قدم البعد على القبل خلافًا لعادته لورود الحديث في البعد صريحًا دون القبل. ٩٣٧ - حدّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ يوسفَ قال: أخبرنا مالكٌ عن نافع عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ: ((أن رسولَ اللَّهِ وَله كان يُصلِّي قبلَ الظُّهرِ رَكعَتينٍ وبعدَها رَكعتين، وبعد المغربِ رَكعتَينٍ في بيتِهِ، وَبعدَ العِشاءِ رَكعتَينٍ. وكان لا يُصلِّي بعدَ الجُمعةِ حتى يَنصَرِفَ فَيُصلِّي رَكَعَتَيْنِ)). [الحديث ٩٣٧ - أطرافه في: ١١٦٥، ١١٧٢، ١١٨٠]. وبالسند قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي (قال: أخبرنا مالك) الإمام (عن نافع) مولى ابن عمر (عن عبد الله بن عمر) بن الخطاب، رضي الله عنهما، ولابن عساكر: عن ابن عمر (أن رسول الله وَله: كان يصلي قبل الظهر ركعتين، وبعدها ركعتين، وبعد المغرب ركعتين في بيته، وبعد العشاء ركعتين، وكان لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف) من المسجد إلى بيته (فيصلي) فيه (ركعتين) لأنه لو صلاهما في المسجد ربما يتوهم أنهما اللتان حذفتا. ٦١٧ کتاب الجمعة/ باب ٣٩ وصلاة النفل في الخلوة أفضل، ولم يذكر شيئًا في الصلاة قبلها، والظاهر أنه قاسها على الظهر . وأقوى ما يستدل به في مشروعيتها، عموم ما صححه ابن حبان من حديث عبد الله بن الزبير، مرفوعًا: ((ما من صلاة مفروضة إلا وبين يديها ركعتان». وأما احتجاج النووي في الخلاصة على إثباتها بما في بعض طرق حديث الباب، عند أبي داود وابن حبّان، من طريق أيوب، عن نافع، قال: كان ابن عمر يطيل الصلاة قبل الجمعة، ويصلي بعدها ركعتين في بيته، ويحدث: أن رسول الله وَر كان يفعل ذلك. فتعقب بأن قوله: كان يفعل ذلك، عائد على قوله: ويصلي بعد الجمعة ركعتين في بيته. ويدل له رواية الليث، عن نافع، عن عبد الله: أنه كان إذا صلى الجمعة انصرف فسجد سجدتين في بيته. ثم قال: كان رسول الله مَّر يصنع ذلك. رواه مسلم. وأما قوله: كان يطيل الصلاة قبل الجمعة، فإن كان المراد بعد دخول الوقت فلا يصح أن يكون مرفوعًا، لأنه ◌َّر: كان يخرج إذا زالت الشمس، فيشتغل بالخطبة، ثم بصلاة الجمعة، وإن كان المراد قبل دخول الوقت، فذاك مطلق نافلة، لا صلاة راتبة، فلا حجة فيه لسُنّة الجمعة التي قبلها، بل هو تنفل مطلق، قاله في الفتح. وينبغي أن يفصل بين الصلاة التي بعد الجمعة وبينها، ولو بنحو كلام أو تحول، لأن معاوية أنكر على من صلى سُنّة الجمعة في مقامها، وقال له: إذا صليت الجمعة فلا تصلها بصلاة حتى تخرج؛ أو تتكلم، فإن رسول الله ﴿ أمرنا بذلك، أن لا نوصل صلاة بصلاة حتى نخرج أو نتكلم، رواه مسلم. وقال أبو يوسف: يصلي بعدها سنًّا، وقال أبو حنيفة ومحمد: أربعًا كالتي قبلها، له: أنه عليه الصلاة والسلام، كان يصلي بعد الجمعة أربعًا، ثم يصلي ركعتين إذا أراد الانصراف، ولهما، قوله عليه الصلاة والسلام، من شهد منكم الجمعة فليصل أربعًا قبلها، وبعدها أربعًا. رواه الطبراني في الأوسط وفيه محمد بن عبد الرحمن السهمي، وهو ضعيف عند البخاري وغيره. وقال المالكية: لا يصلي بعدها في المسجد، لأنه ◌ّ، كان ينصرف بعد الجمعة، ولم يركع في المسجد . وقال صاحب تنقيح المقنع، من الحنابلة: ولا سُنّة لجمعة قبلها نصًا، وما بعدها في كلامه. وحديث الباب أخرجه مسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجة. ٦١٨ كتاب الجمعة/ باب ٤٠ ٤٠ - باب قولِ اللَّهِ تعالى: فإِذا قُضِيَتِ الصلاةُ فانتَشِروا في الأرضِ وَابْتَغُوا مِن فضلِ اللّهِ﴾ (باب قول الله تعالى: ﴿فإذا قضيت الصلاة﴾) أي: فرغتم من صلاة الجمعة (﴿فانتشروا في الأرض﴾) للتكسب والتصرف في حوائجكم (﴿وابتغوا من فضل الله﴾) [الجمعة: ١٠]. أي: رزقه، أو تعليم العلم. والأمر في الموضعين للإباحة بعد الحظر، وقول: إنه للوجوب في حق من يقدر على الكسب قول شاذ، ووهم من زعم أن الصارف للأمر عن الوجوب، هنا، كونه ورد بعد الحظر، لأن ذلك لا يستلزم عدم الوجوب، بل الإجماع هو الدال على أن الأمر المذكور للإباحة. والذي يترجح أن في قوله: انتشروا، وابتغوا، إشارة إلى استدراك ما فاتكم من الذي انفضضتم إليه، فلينحل إلى أنها قضية شرطية، أي: من وقع له في حال خطبة الجمعة وصلاتها، زمان يحصل فيه ما يحتاج إليه في أمر دنياه ومعاشه، فلا يقطع العبادة لأجله، بل يفرغ منها، ويذهب حينئذ ليحصل حاجته . وقيل: هو في حق من لا شيء عنده ذلك اليوم، فأمره بالطلب، بأي صورة اتفقت، ليفرح عیاله ذلك اليوم لأنه يوم عيد. وعن بعض السلف: من باع أو اشترى بعد الجمعة بارك الله له سبعين مرة. وفي حديث أنس مرفوعًا: ﴿وابتغوا من فضل الله﴾ ليس لطلب دنياكم، وإنما هو عيادة مريض، وحضور جنازة، وزيارة أخ في الله. ٩٣٨ - حدثنا سَعيدُ بنُ أبي مريمَ قال: حدَّثَنا أبو غَسّانَ قال: حدَّثني أبو حازم عن سَهلٍ قال: ((كانتْ فينا امرأةٌ تجعَلُ على أربعاءَ في مَزرعةٍ لها سِلفًا، فكانتْ إذا كان يومُ جُمعةٍ تَنزِعُ أُصولَ السِّلقِ فتجعلُه في قِدرٍ ثمَّ تجعلُ عليه قَبضةً من شَعيرِ تَطحنُها فتكون أصولُ السِّلقِ عَرْقَهُ. وَكنّا ننصَرِفُ من صلاةِ الجُمعة فنسلْمُ عليها، فتُقرِّبُ ذُلكَ الطعامَ إلينا فَتَلْعَقُهُ، وَكنّا نَتمنَّى يومَ الجُمعةِ لطَعامِها ذُلكَ)). [الحديث ٩٣٨- أطرافه في: ٩٣٩، ٩٤١، ٢٣٤٩، ٥٤٠٣، ٦٢٤٨، ٦٢٧٩]. وبالسند قال: (حدّثنا) بالجمع، ولأبوي ذر، والوقت: حدّثني، (سعيد بن أبي مريم) هو سعيد بن محمد بن الحكم بن أبي مريم الجمحي، مولاهم، البصري (قال: حدّثنا أبو غسان) بفتح الغين المعجمة والسين المهملة المثقلة، محمد بن مطر المدني، (قال: حدّثني) بالإفراد (أبو حازم) بالحاء والزاي، سلمة بن دينار (عن سهل بن سعد) هو ابن مالك الأنصاري الساعدي، وسقط في رواية ٦١٩ كتاب الجمعة/ باب ٤٠ غير أبي ذر: ابن سعد (قال: كانت فينا امرأة) لم يعرف اسمها (تجعل) بالجيم والعين، ولأبي ذر، والأصيلي، عن الكشميهني: تحقل، بالحاء المهملة والقاف المكسورة، وزاد في اليونينية: وبالفاء، أي: تزرع (على أربعاء) بكسر الموحدة، جدول أو ساقية صغيرة تجري إلى النخل، أو النهر الصغير لسقي الزرع (في مزرعة لها) بفتح الراء، وحكي تثليثها (سلقًا) بكسر المهملة وسكون اللام، منصوب على المفعولية، لتجعل أو تحقل، على الروايتين، ولأبي ذر، وعزاها القاضي عياض للأصيلي، كما في اليونينية: سلق بالرفع. وهو يرد على العيني وغيره، حيث زعم أن الرواية لم تجىء بالرفع بل بالنصب قطعًا، ووجهها عياض كما في الفرع، بأن يكون مفعولاً لم يسم فاعله لتجعل أو تحقل، بضم الأول مبنيًّا للمفعول، أو أن الكلام تم بقوله: في مزرعة، ثم استأنف لها فيكون: سلق، مبتدأ خبره لها مقدم. (فكانت) أي المرأة (إذا كان يوم الجمعة تنزع أصول السلق، فتجعله في قدر، ثم تجعل عليه قبضة من شعير) حال كونها (تطحنها) بفتح الحاء المهملة، من الطحن، ولأبي ذر، عن المستملي: تطبخها بالموحدة والخاء المعجمة، من الطبخ. والقبضة، بفتح القاف والضاد المعجمة، بينهما موحدة ساكنة، كما في الفرع، ويجوز الضم أو هو الراجح، قال الجوهري: بالضم، ما قبضت عليه من شيء، يقال: أعطاه قبضة من سويق أو تمر، أو كفّا منه. وربما جاء بالفتح. (فتكون أصول السلق عرفه) بفتح العين وسكون الراء المهملتين بعدها قاف ثم هاء ضمير اللحم الذي على العظم، أي: أصول السلق عوض اللحم، وللكشميهني، كما في الفتح: غرفة بفتح الغين المعجمة وكسر الراء وبعد القاف هاء تأنيث، يعني: أن السلق يغرق في المرق لشدة نضجه، ولأبي الوقت، والأصيلي: غرفه بالغين المعجمة المفتوحة والراء الساكنة وبالفاء، أي: مرقه الذي يغرف. قال الزركشي: وليس بشيء. (وكنا ننصرف من صلاة الجمعة، فنسلم عليها فتقرب ذلك الطعام إلينا، فنلعقه) بفتح العين المهملة (وكنا نتمنى يوم الجمعة لطعامها ذلك). مطابقة الحديث للترجمة من حيث أنهم: كانوا بعد انصرافهم من الجمعة يبتغون ما كانت تلك المرأة تهيئه من أصول السلق، وهو يدل على قناعة الصحابة وعدم حرصهم على الدنيا، رضي الله عنهم. ورواة هذا الحديث مدنيون، ما عدا شيخ المؤلف البصري، وفيه التحديث والعنعنة والقول. ٩٣٩ - حدّثنا عبدُ اللهِ بنُ مَسلمةَ قال: حدَّثنا ابنُ حازم عن أبيه عن سَهلٍ بهذا وقال: ((ما كنّا نَقِيلُ وَلا نَتَغَدَّى إلاّ بعدَ الجُمعةِ)). ٦٢٠ كتاب الجمعة/ باب ٤١ وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) بفتح الميمين القعنبي (قال: حدّثنا ابن أبي حازم) هو عبد العزيز بن أبي حازم، بالحاء المهملة والزاي المعجمة، سلمة بن دينار المدني، (عن أبيه عن سهل) هو ابن سعد الأنصاري (بهذا) أي: بهذا الحديث السابق، فأبو غسان وابن أبي حازم عن أبي حازم. (وقال) عبد العزيز، زيادة على رواية أبي غسان: (ما كنا نقيل) بفتح النون، أي: نستريح نصف النهار (ولا نتغدى) بالغين المعجمة والدال المهملة، أي: نأكل أوّل النهار (إلا بعد) صلاة (الجمعة). وتمسك به الإمام أحمد، لجواز صلاة الجمعة قبل الزوال. وأجيب: بأن المراد بأن قائلتهم وغداءهم عوض عما فاتهم، فالغداء عما فات من أول النهار، والقيلولة عما فات وقت المبادرة بالجمعة عقب الزوال، بل ادعى الزين بن المنير أنه: يؤخذ منه أن الجمعة تكون بعد الزوال، لأن العادة في القائلة أن تكون قبل الزوال، فأخبر الصحابي: أنهم كانوا يشتغلون بالتهيؤ للجمعة عوض القائلة، ويؤخرون القائلة حتى تكون بعد صلاة الجمعة . اهـ. ٤١ - باب القائلةِ بعدَ الجُمعةِ (باب القائلة بعد) صلاة (الجمعة) أي القيلولة، وهي الاستراحة في الظهيرة، سواء كان معها نوم أم لا . ٩٤٠ - حدثنا محمدُ بنُ عُقبةَ الشَّيبانيُّ قال: حدَّثَنا أبو إسحقَ الفَزارِيُّ عن حُمَيدٍ قال: سمعتُ أنسًا يقول: ((كنّا نُبَكْرُ إلى الْجُمعةِ ثم نَقِيل)) . وبالسند (قال): (حدّثنا محمد بن عقبة) بضم العين وسكون القاف، ابن عبد الله (الشيباني) ولابن عساكر: الكوفي، (قال: حدّثنا أبو إسحاق) إبراهيم بن محمد (الفزاري) بتخفيف الزاي المعجمة (عن حميد) بضم الحاء، ابن أبي حميد الطويل البصري (قال: سمعت أنسًا يقول) ولأبي ذر: عن أنس قال: (كنا نبكر) من التبكير، وهو الإسراع (إلى الجمعة) وللأصيلي، وابن عساكر، وأبي الوقت، وأبي ذر في نسخة: يوم الجمعة (ثم نقيل) بعد الصلاة. ورواته ما بين كوفي ومصيصي وبصري، وشيخه من أفراده، وفيه: التحديث والعنعنة والقول . ٩٤١ - حدثنا سعيدُ بنُ أبي مريمَ قال: حدَّثَنا أبو غَسّانَ قال: حدَّثني أبو حازم عن سَهلٍ قال: ((كنا نُصلِّي معَ النبيِّ وَّهَ الجُمعةَ، ثم تكونُ القائلة)).