Indexed OCR Text

Pages 561-580

٥٦١
كتاب الجمعة/ باب ١٠
فيها، وعورض بأنه ليس في الحديث ما يقتضي فعل ذلك دائمًا اقتضاء قويًا، وأكثر العلماء على أن:
كان لا تقتضي المداومة .
وأجيب: بأنه ورد في حديث ابن مسعود التصريح بمداومته عليه الصلاة والسلام على ذلك؛
أخرجه الطبراني بلفظ : - ((يديم ذلك))، وأصله في ابن ماجة بدون هذه الزيادة، ورجاله ثقات، لكن
صوّب أبو حاتم إرساله.
وبالجملة فالزيادة نص في ذلك، فدل على السنية، وبه أخذ الكوفيون، والشافعي، وأحمد
وإسحق، وقال به أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين.
وكره مالك رحمه الله في المدوّنة للإمام أن يقرأ بسورة فيها سجدة خوف التخليط على المصلين،
ومن ثم فرق بعضهم بين الجهرية والسرية، لأن الجهرية يؤمن معها التخليط .
وأجيب: بأنه صح من حديث ابن عمر عند أبي داود أنه وَل وقرأ بسورة فيها سجدة في صلاة
الظهر، فسجد بهم، فبطلت التفرقة. وعلله بعض أصحابه بأن سجدات الصلاة محصورة، فزيادة
سجدة خلاف التحدید .
قال القرطبي: وهو تعليل فاسد بشهادة هذا الحديث. وقيل: تجوز قراءتها في صلاة الجهر
لهذا الحدیث، ورواه ابن وهب.
وقال أشهب: إذا قلت الجماعة قرأها وإلا فلا، وقيل: العلة خشية اعتقاد العامي وجوبها،
وحينئذ فتترك أحيانًا لتندفع الشبهة، وبمثله قال صاحب المحيط من الحنفية.
وهل يقرأ سورة فيها سجدة غير ﴿آلم﴾ منع منه ابن عبد السلام، وقال: إنه مبطل للصلاة.
وقال النووي رحمه الله في زيادات الروضة: لم أر فيه كلامًا لأصحابنا، وقياس مذهبنا أنه يكره
في الصلاة إذا قصده . اهـ.
ومقتضاه عدم البطلان. وفي المهمات، مقتضى كلام القاضي الحسين: الجواز، وفي فوائد
المهذب للفارقيّ: لا تستحب قراءة سجدة غير ﴿تنزيل﴾ فإن ضاق الوقت عن قراءتها قرأ بما أمكن
منها، ولو بآية السجدة منها، ووافقه ابن أبي عصرون في كتاب الانتصار . اهـ.
وعند ابن أبي شيبة، بإسناد قوي عن إبراهيم النخعي، أنه قال: يستحب أن يقرأ في صبح
الجمعة بسورة فيها سجدة. قال: وسألت محمد بن سيرين عنه فقال: لا أعلم به بأسًا.
ورواة حديث الباب ما بين كوفي ومدني، وفيه رواية التابعي عن التابعي، والتحديث،
والعنعنة، وأخرجه مسلم والنسائي وابن ماجة في الصلاة.
إرشاد الساري/ ج ٢/ م ٣٦

٥٦٢
كتاب الجمعة/ باب ١١
١١ - باب الجُمعةِ في القُرَى والمُدُنِ
(باب) حكم الصلاة (الجمعة في القرى) والقرية: واحدة القرى، كل مكان اتصلت فيه الأبنية
واتخذ قرارًا، ويقع ذلك على المدن وغيرها، والأمصار المدن الكبار، واحدها مصر، والكفور القرى
الخارجة عن المصر، واحدها كفر. بفتح الكاف (والمدن) بضم الميم وسكون الدال، جمع مدينة. وقد
تضم الدال. وللأصيلي: والمدائن، بفتح الميم والدال، جمع مدينة أيضًا، قال أبو علي الفسوي:
بالهمزة إن كان من: مدن، وبتركه إن كان من: دين أي ملك.
٨٩٢ - حدّثنا محمدُ بنُ المثنى قال: حدَّثَنا أبو عامرِ العَقَديُّ قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ طَهمانَ
عن أبي جمرةَ الضُّبَعيِّ عنِ ابنِ عبّاسٍ أنه قال: ((إنَّ أولَ جُمعةٍ جُمِّعتْ - بعدَ جُمعةٍ في مسجدٍ
رسولِ اللَّهِ وَّله- في مسجدِ عبدِ القَيْسِ بِجُواثى منَ البَحرَينِ)). [الحديث ٨٩٢ طرفه في:
٤٣٧١].
وبالسند قال: (حدّثنا) بالجمع، ولأبي الوقت ونسخة لأبي ذر: حدّثني (محمد بن المثنى)
العنزي البصري (قال: حدّثنا أبو عامر) عبد الملك بن عمر (العقدي) بفتح العين المهملة والقاف،
نسبة إلى العقد، قوم من قيس (قال: حدّثنا إبراهيم بن طهمان) بفتح المهلة وسكون الهاء، الخراساني
(عن أبي جمرة) بالجيم والراء، نصر بن عبد الرحمن بن عصام (الضبعي) بضم الضاد المعجمة وفتح
الموحدة وبالعين المهملة، نسبة إلى ضبيعة، أبي حي من بكر بن وائل (عن ابن عباس) رضي الله
عنهما (أنه قال: إن أول جمعة جمعت) بضم الجيم وتشديد الميم المكسورة، وزاد في رواية أبي داود،
عن وكيع، عن ابن طهمان في الإسلام (بعد جمعة) زاد المصنف في أواخر المغازي: جمعت (في
مسجد رسول الله (*) أي: في المدينة، كما في رواية وكيع (في مسجد عبد القيس) قبيلة كانوا
ينزلون البحرين، موضع قريب من عمان، بقرب القطيف والأحشاء (بجؤاثى من البحرين) بضم
الجيم وتخفيف الواو، وقد تهمز ثم مثلثة خفيفة، وهي قرية من قرى عبد القيس، أو مدينة أو
حصن، وفي رواية وكيع: قرية من قرى البحرين.
واستدل به إمامنا الأعظم الشافعي، وأحمد على: أن الجمعة تقام في القرية إذا كان فيها أربعون
رجلاً أحرارًا بالغين، مقيمين، ولا يظعنون عنها صيفًا ولا شتاء إلا لحاجة، سواء كانت أبنيتها من
حجر أو طين، أو خشب أو قصب، أو نحوها، فلو انهدمت أبنيتها فأقام أهلها على العمارة لزمتهم
الجمعة فيها، لأنها وطنهم، سواء كانوا في مظال أم لا، وسواء فيها المسجد والدار والفضاء،
بخلاف الصحراء.
وخصه المالكية بالجامع المبني، وبالعتيق: في كل قرية فيها مسجد وسوق.

٥٦٣
كتاب الجمعة/ باب ١١
واشترط الحنفية لإقامتها المصر أو فناءه، لقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا جمعة ولا تشريق إلاّ
في مصر جامع)). رواه عبد الرزاق.
وأجابوا عن قوله جؤاثى: إنها مدينة، كما قاله البكري، وقول امرىء القيس :
ورحنا كأنا من جؤائى عشية نعالي النعاج بين عدل ومحقب
يريد: كأنا من تجار جواثى لكثرة ما معهم من الصيد، وأراد: كثرة أمتعة تجار جؤاثى، وكثرة
الأمتعة تدل غالبًا على كثرة التجار، وكثرة التجار تدل على أن جؤاثى مدينة قطعًا، لأن القرية لا
يكون فيها تجار غالبًا عادة، ولئن سلمنا أنها قرية، فليس في الحديث أنه عليه الصلاة والسلام اطّلع
على ذلك وأقرّهم عليه . اهـ.
وقد سبق في نفس الحديث من رواية وكيع: أنها قرية من قرى البحرين، وفي أخرى عنه:
من قرى عبد القيس. وكذا للإسماعيلي من رواية محمد بن أبي حفصة، عن ابن طهمان، وهو نص
في موضع النزاع، فالمصير إليه أولى من قول البكري وغيره، على أنه يحتمل أنها كانت في الأول
قرية، ثم صارت مدينة.
والظاهر أن عبد القيس لم يجمعوا إلا بأمر النبي ◌َلّ، لما عرف من عادة الصحابة من عدم
الاستبداد بالأمور الشرعية في زمن الوحي، ولأنه لو كان ذلك لا يجوز لنزل فيه القرآن، كما استدل
جابر وأبو سعيد على جواز العزل، بأنهم فعلوه والقرآن ينزل، فلم ينهوا عنه.
والمصر عند أبي حنيفة، رحمه الله: كل بلدة فيها ملك وأسواق ولها رساتيق ووالٍ لدفع الظلم،
وعالم يرجع إليه في الحوادث.
وعند أبي يوسف، رحمه الله: كل موضع له أمير وقاضٍ ينفذ الأحكام، وهو مختار الكرخي،
وعنه أيضًا أن: يبلغ سكانه عشرة آلاف، وأما فناؤه فهو ما أعدّ لحوائج المصر، من: ركض الخيل،
والخروج للرمي، وغيرهما.
وفي الخانية: لا بدّ أن يكون متصلاً بالمصر، حتى لو كان بينه وبين المصر فرجة، من المزارع
والمراعي لا يكون فناء له، ومقدار التباعد أربعمائة ذراع، وعند أبي يوسف ميلان. اهـ.
ورواة هذا الحديث ما بين بصري وهروي، وفيه التحديث والعنعنة والقول.
٨٩٣ - حدثنا بِشْرُ بنُ محمدٍ قال: أخبرنا عبدُ اللَّهِ قال: أخبرَنا يونُسُ عنِ الزُّهريِّ قال:
أخبرَنا سالمُ بنُ عبدِ اللَّهِ عنِ ابنِ عمرَ رضيَ اللَّهُ عنهما أن رسولَ اللَّهِ فَ لَه يقول: «كلُّكم راعٍ».
وزادَ الليثُ قال يونسُ كتبَ رُزَيقُ بنُ حُكَيمٍ إلى ابنِ شهابٍ - وأنا معهُ يومَئِذٍ بوادي القُرَى -: هل
تَرى أن أُجمْعَ؟ ورُزَيقُ عاملٌ عَلَى أرضٍ يَعمَّلُها وفيها جماعةٌ منَ السودانِ وغيرهم، وَرُزَيقٌ يومَئذٍ
عَلَى أيلةَ، فكتب ابنُ شِهابٍ - وأنا أسمعُ - يأْمُرُهُ أن يُجمِّعَ، يُخبِرهُ أنَّ سالمًا حدَّثَهُ أنَّ عبدَ اللهِ بنَ

٥٦٤
كتاب الجمعة/ باب ١١
عمرَ يقول: سمعتُ رسولَ اللَّهِ وَلَ يقول: ((كلُّكم راع، وَكلكم مسؤولٌ عن رَعِيَّتِهِ: الإمامُ راعٍ
وَمَسؤولٌ عن رَعيَّتِهِ، والرَّجُلُ راعٍ في أهلهِ وَهوَ مَسؤولٌ عن رَعيَّتِهِ، وَالمرأةُ راعيةٌ في بيتِ زَوجِها
وَمَسؤولةٌ عن رَعيَّتِها، والخادمُ راعٍ في مالِ سيُدهِ وَمَسؤولٌ عن رَعيَّتِهِ - قال: وَحَسِبتُ أنْ قد قال:
وَالرجلُ راعٍ في مالِ أبيهِ وَمَسؤونٌ عن رَعيَّتِهِ، وَكلُّكم راعٍ وَمَسؤولٌ عن رَعيَّتِهِ). [الحديث ٨٩٣
أطرافه فى: ٢٤٠٩، ٢٥٥٤، ٢٥٥٨، ٢٧٥١، ٥١٨٨، ٥٢٠٠، ٧١٣٨].
وبه قال: (حدّثنا بشر بن محمد) بكسر الموحدة وسكون المعجمة (المروزي) السجستاني،
وسقط: المروزي، عند ابن عساكر (قال: أخبرنا عبد الله) بن المبارك (قال: أخبرنا يونس) بن يزيد
الأيلي (عن) ابن شهاب (الزهري) أنه (قال: أخبرنا) بالجمع، ولأبي ذر وابن عساكر: أخبرني
(سالم بن عبد الله) بن عمر، وسقط: ابن عبد الله للأربعة (عن ابن عمر) بن الخطاب (رضي الله
عنهما) أنه (قال: سمعت) ولكريمة: قال إن (رسول الله وَ ل يقول):
(كلكم راعٍ) أي: حافظ ملتزم صلاح ما قام عليه، وما هو تحت نظره، فكل مَن كان تحت
نظره شيء فهو مطلوب بالعدل فيه، والقيام بمصالحه في دينه ومتعلقاته، فإن وفى ما عليه من
الرعاية، حصل له الحظ الأوفر، والجزاء الأكبر، وإلاَّ طالبه كل واحد من رعيته في الآخرة بحقه.
(وزاد الليث) بن سعد، إمام المصريين، رحمه الله، في روايته على رواية عبد الله بن المبارك،
مما وصله الذهلي عن أبي صالح، كاتب الليث، عنه (قال يونس) بن يزيد: (كتب رزيق بن حكيم)
بتقديم الراء المضمومة على الزاي المفتوحة في الأوّل، وضم الحاء المهملة وفتح الكاف على صيغة
تصغير الثلاثي في الثاني، الفزاري، مولى بني فزارة، ولابن عساكر: وكتب (إلى ابن شهاب) الزهري
(وأنا معه يومئذ بوادي القرى) من أعمال المدينة، فتحه عليه الصلاة والسلام في جمادى الآخرة سنة
سبع من الهجرة، لما انصرف من خيبر.
(هل ترى أن أجمع) أي: أن أصلي بمن معي الجمعة بضم الهمزة وتشديد الميم المكسورة،
(ورزيق) يومئذ (عامل على أرض يعملها) أي يزرعها (وفيها جماعة من السودان وغيرهم، ورزيق
يومئذ) أمير من قبل عمر بن عبد العزيز (على أيلة) بفتح الهمزة وسكون المثناة التحتية وفتح اللام،
كانت مدينة ذات قلعة، وهي الآن خراب ينزل بها حجاج مصر وغزة، وبعض آثارها ظاهر.
والذي يظهر أنه سأله عن إقامة الجمعة في الأرض التي كان يزرعها من أعمال أيلة، لا عن
أيلة نفسها، لأنها كانت بلدًا لا يسأل عنها.
قال يونس: (فكتب) إليه (ابن شهاب) بخطه وقرأه (وأنا أسمع) حال كونه (يأمره) أي: ابن
شهاب يأمر رزيق بن حكيم في كتابه إليه: (أن يجمع) أي: بأن يصلي بالناس الجمعة، أو أملاه ابن
شهاب على كاتبه، فسمعه يونس منه، فالمكتوب الحديث، والمسموع المأمور به. كذا قرره البرماوي
كالكرماني .

٥٦٥
كتاب الجمعة/ باب ١١
وقال في الفتح: والذي يظهر أن المكتوب عين المسموع، وهو الأمر والحديث معًا.
ثم استدل ابن شهاب على أمره رزيق بن حكيم بالجمعة، حال كونه (يخبره) أي: رزيقًا في
كتابه إليه، والجملة حالية من الضمير المرفوع فهي متداخلة والحالان السابقان، أعني: وأنا أسمع،
ويأمره، مترادفان (أن سالمًا حدّثه أن) أباه (عبد الله بن عمر) بن الخطاب (يقول) ولأبي ذر وابن
عساكر عن الكشميهني: قال: (سمعت رسول الله وَّر حال كونه يقول):
(كلكم راع وكلكم) في الآخرة (مسؤول عن رعيته) ولأبي الوقت: وابن عساكر، والأصيلي:
كلكم راعٍ ومسؤول عن رعيته: (الإمام راع) فيمن ولي عليهم، يقيم فيهم الحدود والأحكام على
سنن الشرع.
وهذا موضع الترجمة، لأنه لما كان رزيق عاملاً من جهة الإمام على الطائفة التي ذكرها، فكان
عليه أن يراعي حقوقهم، ومن جملتها إقامة الجمعة، فيجب عليه إقامتها وإن كانت في قرية.
فهو راع عليهم (ومسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله) يوفّيهم حقهم من النفقة
والكسوة والعشرة (وهو مسؤول عن رعيته) سقط لفظ: وهو عند الأربعة في رواية الكشميهني
(والمرأة راعية في بيت زوجها) بحسن تدبيرها في المعيشة والنصح له، والأمانة في ماله، وحفظ
عياله، وأضيافه ونفسها، (ومسؤولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده) يحفظه ويقوم بما يستحق
من خدمته (ومسؤول عن رعيته).
(قال) ابن عمر، أبو سالم، أو يونس (وحسبت أن قد قال) كلمة: أن، مخففة من الثقيلة،
ولأبي ذر والأصيلي عن الكشميهني: أنه قال، أي: النبي وَلَّ:
(والرجل راع في مال أبيه) يحفظه ويدبر مصلحته (ومسؤول) وفي رواية أبي ذر والأصيلي:
وهو مسؤول (عن رعيته، وكلكم راع) أي: مؤتمن حافظ ملتزم إصلاح ما قام عليه (ومسؤول عن
رعيته) ولابن عساكر: «فكلكم راعً مسؤول عن رعيته، بالفاء بدل الواو، وإسقاط الواو من:
ومسؤول، ولأبي ذر في نسخة: ((فكلكم راع)). بالفاء، ((وكلكم مسؤول))، وكذا للأصيلي، لكنه
قال: ((بالواو)) بدل الفاء.
وفي هذا الحديث من النكت أنه: عمم أوّلاً، ثم خصص ثانيًا. وقسم الخصوصية إلى أقسام:
من جهة الرجل، ومن جهة المرأة، ومن جهة الخادم، ومن جهة النسب. ثم عمم ثالثًا وهو قوله:
((وكلكم راع)) ... إلخ ... تأكيدًا، وردًّا للعجز إلى الصدر بيانًا لعموم الحكم أوّلاً وآخرًا.
قيل: وفي الحديث: أن الجمعة تقام بغير إذن من السلطان إذا كان في القوم من يقوم
بمصالحهم، وهذا مذهب الشافعية إذ إذن السلطان عندهم ليس شرطًا لصحتها، اعتبارًا بسائر
الصلوات .

٥٦٦
کتاب الجمعة/ باب ١٢
وبه قال المالكية وأحمد في رواية عنه .
وقال الحنفية وهو رواية عن أحمد أيضًا: إنه شرط، لقوله عليه الصلاة والسلام: ((مَن ترك
الجمعة وله إمام، جائر أو عادل، لا جمع الله شمله)). رواه ابن ماجة والبزار وغيرهما، فشرط فيه أن
يكون له إمام ويقوم مقامه نائبه وهو الأمير، أو القاضي، وحينئذ فلا دلالة فيه للشافعية، لأن رزيقًا
كان نائب الإمام.
ورواة الحديث ما بين مدني ومروزي وأيلي، وفيه التحديث والإخبار والعنعنة والقول والسماع
والكتابة، وشيخ المؤلف من أفراده، وأخرجه أيضًا في: الوصايا والنكاح، ومسلم في: المغازي،
وكذا الترمذي.
١٢ - باب هل على مَن لم يَشهدِ
الجمعةَ غُسلٌ منَ النساءِ وَالصبيانِ وغيرهم؟
وقال ابنُ عمرَ: إنما الغُسلُ على من تَجِبُ عليه الجُمعةُ.
هذا (باب) بالتنوين (هل) ولابن عساكر: وهل (على من لم) ولأبوي ذر والوقت: من لا
(يشهد الجمعة غسل من النساء والصبيان وغيرهم)؟ كالعبد والمسافر والمسجون، ممن لا تجب عليهم،
والمريض والأعمى.
(وقال ابن عمر) بن الخطاب، مما وصله البيهقي بإسناد صحيح، عنه: (إنما الغسل على من
تجب عليه الجمعة) ممن اجتمع فيه شروط وجوبها، فمن لم تجب عليه لا يجب عليه الغسل. نعم،
یندب له إن حضر.
٨٩٤ - حدثنا أبو اليَمانِ قال: أخبرنا شعيبٌ عنِ الزُّهريِّ قال: حدَّثني سالمُ بنُ عبدِ اللَّهِ أنه
سمعَ عبدَ اللَّهِ بنَ عمرَ رضيَ اللَّهُ عنهما يقول: سمعتُ رسولَ اللَّهِ وَ لَّ يقولُ: ((من جاءَ منكم
الجُمعةَ فَلْيَغْتَسِل)).
وبالسند قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع (قال: أخبرنا)، وللأصيلي: حدّثنا (شعيب)
هو ابن أبي حمزة (عن) ابن شهاب (الزهري، قال: حدّثني) بالإفراد (سالم بن عبد الله أنه سمع) أباه
(عبد الله بن عمر) بن الخطاب، رضي الله عنهما، حال كونه (يقول: سمعت رسول الله وجل اله
يقول) :

٥٦٧
كتاب الجمعة/ باب ١٢
(من جاء منكم الجمعة) أي أراد المجيء إليها، وإن لم تلزمه: كالمرأة، والخنثى، والصبي،
والعبد، والمسافر. (فليغتسل). ندبًا مؤكدًا فيكره تركه لقوله: فليغتسل، وغيره من التعبير بالوجوب
المحمول عندهم على تأكيد الندبية، والتقييد. بمن جاء، مخرج لمن لم يجىء.
فمفهوم الشرط معمول به لأن الغسل للصلاة لا لليوم، وفيه التنبيه على أن مراده بالاستفهام
في الترجمة الحكم بعدم الوجوب على من لم يحضرها.
وفي البيهقي بسند صحيح: ((من أتى الجمعة من الرجال والنساء فليغتسل، ومن لم يأتها فليس
عليه غسل)).
وسبق مباحث الحديث.
٨٩٥ - حدثنا عبدُ اللَّهِ بنُ مَسلمةَ عن مالكِ عن صَفوانَ بنِ سُلَيم عن عطاءِ بنِ يَسارٍ عن
أبي سعيدِ الْخُذْرِيِّ رضيَ اللهُ عنه أنَّ رسولَ اللَّهِ وَّه قال: ((غُسلُ يوم الجمعةِ واجبٌ على كل
مُحتلمٍ)).
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي، (عن مالك) الإمام (عن صفوان بن سليم)
بضم المهملة وفتح اللام، الزهري المدني (عن عطاء بن يسار) بالمثناة التحتية والمهملة المخففة، الهلالي
المدني، مولى ميمونة (عن أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه) وسقط: الخدري، لابن عساكر (أن
رسول الله وَلفي قال):
(غسل يوم الجمعة) لصلاتها (واجب) أي: كالواجب (على كل محتلم).
مفهومه: عدم وجوب الغسل على مَن لم يحتلم، ومن لم يحتلم لا يشهد الجمعة، والحديث
سبقت مباحثه .
٨٩٦ - حدثنا مُسْلمُ بنُ إبراهيمَ قال: حدَّثَنَا وُهَيبٌ قال: حدَّثَنا ابنُ طاوُسٍ عن أبيه عن أبي
هريرةً قال: قال رسولُ اللَّهِ وَلَ: «نحنُ الآخِرونَ السابقونَ يومَ القيامةِ، أُوتوا الكتابَ من قَبلِنا
وَأَوْتِيناهُ مِن بعدِهم، فهذا اليومُ الذي اختلفوا فيه فهدانا اللَّهُ، فغدًا لليهودِ، وبعد غدٍ للنصارَى))
فسكت .
وبه قال: (حدّثنا مسلم بن إبراهيم) الأزدي البصري (قال: حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني
(وهيب) بضم الواو وفتح الهاء، ابن خالد البصري (قال: حدّثنا) بالجمع، ولأبي ذر: حدّثني (ابن
طاوس) عبد الله، ولابن عساكر: عن ابن طاوس (عن أبيه) طاوس بن كيسان (عن أبي هريرة)
رضي الله عنه (قال: قال رسول الله الخير):

٥٦٨
كتاب الجمعة/ باب ١٢
(نحن) يعني نفسه الشريفة عليه الصلاة والسلام وأمته أو نفسه الكريمة فقط، أو الأنبياء
عليهم الصلاة والسلام (الآخرون) في الزمان (السابقون) في الفضل والفضيلة (يوم القيامة، أوتوا)
أهل الكتاب (الكتاب): التوراة والإنجيل (من قبلنا، وأوتيناه) بضمير المفعول، أي: القرآن العزيز،
ولأبي ذر في نسخة عن الحموي، والمستملي: وأوتينا (من بعدهم، فهذا اليوم) أي يوم الجمعة (الذي
اختلفوا فيه) بعد أن عين لهم، وأمروا بتعظيمه، فتركوه وغلبوا القياس، فعظمت اليهود السبت
للفراغ من الخلق، وظنت ذلك فضيلة توجب عظم اليوم، وعظمت النصارى الأحد لما كان ابتداء
الخلق فيه، (فهدانا الله) إليه بالوحي الوارد في تعظيمه، أو بالاجتهاد الموافق للمراد. والإشارة في
قوله: فهدانا إلى سبقنا، لأن الهداية سبب للسبق يوم المعاد، وللأصيلي: وهدانا الله، بالواو، بدل
الفاء (فغدا) مجتمع (لليهود، وبعد غد) مجتمع (للنصارى) والتقدير: بنحو، مجتمع لا بدّ منه، لأن
الظروف لا تكون أخبارًا عن الجثث كما مر. وروي فغد، بالرفع مبتدأ في حكم المضاف، فلا يضر
كونه في الصورة نكرة، تقديره: فغد الجمعة لليهود وغد بعد غد للنصارى (فسكت) وَ لتر .
٨٩٧ - ثم قال: ((حَقٌّ على كلٌ مُسلم أن يَغْتَسِلَ في كلِّ سَبعةٍ أيامٍ يومًا يَغْسِلُ فيه رأْسَهُ وجَسَدَه».
[الحديث ٨٩٧ - طرفاه في: ٨٩٨، ٣٤٨٧].
ثم قال:
(حق) وفي بعض النسخ: فحق، بالفاء. ويجوز أن تكون جواب شرط محذوف أي: إذا كان
الأمر كذلك، (على كل مسلم) محتلم حضر الجمعة (أن يغتسل في كل سبعة أيام يومًا) زاد النسائي:
هو يوم الجمعة، (يغسل فيه) أي في اليوم (رأسه و) يغسل (جسده).
ذكر الرأس وإن كان الجسد يشمله للاهتمام به، لأنهم كانوا يجعلون فيه الدهن والخطمى
ونحوهما، وكانوا يغسلونه أوّلاً، ثم يغتسلون.
وقد أورد المؤلف، كما أفاده في الفتح هذا الحديث، في ذكر بني إسرائيل من وجه آخر، عن
وهيب بهذا الإسناد دون قوله: فسكت إلخ.
.
ثم قال ويؤكد كونه مرفوعًا رواية مجاهد عن طاوس المقتصرة على الحديث الثاني، ولهذه النكتة
أورده بعده فقال.
٨٩٨ - رواه أبانُ بنُ صالحٍ عن مجاهدٍ عن طاوُسٍ عن أبي هريرة قال: قال النبيُّ بِّهِ: (للَّهِ
تعالى على كلِّ مسلمٍ حقٌّ أن يَغْتَسِلَ في كلٌّ سبعة أيامٍ يومًا».
(رواه) أي الحديث المذكور (أبان بن صالح) بفتح الهمزة وتخفيف الموحدة، مما وصله البيهقي،
من طريق سعيد بن أبي هلال، عن أبان، (عن مجاهد، عن طاوس، عن أبي هريرة قال: قال النبي)
وللأصيلي: قال رسول الله (وَ﴾):

٥٦٩
كتاب الجمعة/ باب ١٣
(الله تعالى على كل مسلم) محتلم (حق أن يغتسل في كل سبعة أيام يومًا) هو يوم الجمعة إذا
حضرها .
والصارف لذلك عن الوجوب حديث مسلم: ((من توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة
فدانا)» ... (١).
وحديث الترمذي: ((من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت))، كما مر.
ورواة الحديث الأوّل ما بين بصري ويماني، وفيه رواية الابن عن الأب، وفيه التحديث
والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلف أيضًا في ذكر بني إسرائيل، ومسلم في الجمعة، وكذا النسائي.
١٣ - باب
٨٩٩ - حدثنا عبدُ اللَّهِ بنُ محمدٍ حدَّثَنا شبابةُ حدَّثَنَا وَرقاءُ عن عمرو بنِ دينارٍ عن مجاهدٍ
عنِ ابنِ عمرَ عنِ النبيِّ وَِّ قال: «ائذَنوا للنساءِ بالليلِ إلى المساجدِ».
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن محمد) المسندي قال: (حدّثنا شبابة) بفتح الشين المعجمة
وموحدتين مخففتين بينهما ألف، الفزاري المدايني قال: (حدّثنا ورقاء) بفتح الواو وسكون الراء
وبالقاف ممدودًا، ابن عمرو المدايني (عن عمرو بن دينار، عن مجاهد) هو ابن جبر (عن ابن
عمر) بن الخطاب رضي الله عنهما، (عن النبي ◌َّ- قال):
(ائذنوا للنساء بالليل إلى المساجد) قيّد الإذن بالليل لكون الفساق في شغل بفسقهم أو نومهم،
بخلاف النهار، فإنهم ينتشرون فيه، فلا يخرجن فيه، والجمعة نهارية .
فمفهومه: يخرج الجمعة في حق النساء، فلا يخرجن إليها، ومن لم يشهدها فليس عليه غسل.
وقال الإسماعيلي: أورد حديث مجاهد عن ابن عمرو، وأراد بذلك أن الإذن إنما وقع لهنّ
بالخروج إلى المساجد بالليل، فلا تدخل الجمعة. اهـ.
وقرره البرماوي، كالكرماني: بأنه إذا أذن لهنّ بالخروج إلى المساجد بالليل، فالنهار أولى أن
يخرجن فيه، لأن الليل مظنة الريبة، تقديمًا لمفهوم الموافقة على المخالفة، بل هو مفهوم لا يعمل به
أصلاً على الراجح؛ أي: فلهن شهودها.
٩٠٠ - هقثنا يوسفُ بنُ موسى حدَّثَنا أبو أُسامةَ حدَّثَنَا عُبِيدُ اللَّهِ بنُ عمرَ عن نافعٍ عنِ ابنِ
عمرَ قال: ((كانتِ امرأةٌ لعمرَ تَشهدُ صلاةَ الصبحِ وَالعِشاءِ في الجماعةِ في المسجدِ. فقيل لها: لِمَ
تخرُجينَ وقد تَعلَمينَ أنَّ عمرَ يَكْرَهُ ذلكَ وَيغارُ؟ قالت: ومَا يمنَعُهُ أن يَنهاني؟ قال: يَمِنْعُهُ قولُ
رسولِ اللهِ وَ له: لا تمنعوا إماءَ اللَّهِ مَساجدَ الله)).
(١) هكذا في الأصل.

٥٧٠
كتاب الجمعة/ باب ١٤
وبه قال: (حدّثنا يوسف بن موسى) بن راشد بن بلاد، القطان الكوفي، المتوفى ببغداد سنة
اثنتين وخمسين ومائتين، قال: (حدّثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة الليثى، قال: (حدّثنا) ولابن
عساكر: أخبرنا (عبيد الله بن عمر) بتصغير العبد، ابن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب المدني
(عن نافع)، ولابن عساكر: أخبرنا نافع (عن ابن عمر) بن الخطاب (قال: كانت امرأة لعمر) هي:
عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل، أخت سعد، أحد العشرة المبشّرة، وكانت تخرج إلى المسجد.
فلما خطبها عمر شرطت عليه أن لا يمنعها من المسجد، فأجابها على كره منه، فكانت (تشهد) أي
تحضر (صلاة الصبح، و) صلاة (العشاء في الجماعة في المسجد، فقيل لها) أي: لامرأة عمر: (لم
تخرجين، و) الحال أن (قد تعلمين أن عمر يكره ذلك) الخروج، وكاف، ذلك مكسورة، لأن
الخطاب لمؤنثة (ويغار)؟ كيخاف: من الغيرة.
والقائل لها ذلك كله عمر نفسه، كما عند عبد الرزاق وأحمد، ولا مانع أن يعبر عن نفسه
بقوله: إن عمر إلخ ... فهو من باب التجريد، وحينئذٍ فيكون الحديث من مسند عمر، وذكره المزي
في الأطراف في مسند ابن عمر.
(قالت: وما) بالواو، وللأربعة: فما (يمنعه أن ينهاني)؟ أن مصدرية في محل رفع على
الفاعلية، والتقدير: فما يمنعه أن ينهاني، أي بنهيه إياي؟ .
(قال: يمنعه قول رسول الله (مَالچ) :
(لا تمنعوا إماء الله مساجد الله) أي بالليل، حملاً لهذا المطلق على المقيد السابق به، والجمعة
تخرج عنه لأنها نهارية، فحينئذٍ لا يشهدنها، ومن لم يشهدها لا غسل عليه.
وقرره البرماوي كالكرماني بأن قوله: ((لا تمنعوا»، يشمل الليل والنهار، فما سبق في الحديث
من ذكر الليل، من ذكر فرد من العام، فلا يخصص على الأصح في الأصول كحديث: ((دباغها
طهورها))، في شاة ميمونة، مع حديث: ((أيما إهاب دبغ فقد طهر)).
قال: وأما مطابقة الحديث للترجمة فلما فيه من أن النساء لهن شهود الجمعة، قال: وأيضًا قد
تقرر أن شاهد الجمعة يغتسل، فشملها طلب غسل الجمعة، فدخلت في الترجمة . اهـ.
ورواة هذا الحديث ما بين كوفي ومدني، وفيه التحديث والعنعنة والقول، وشيخ المؤلف من
أفراده .
١٤ - باب الرُّخصةِ إنْ لم يَحضُرِ الجمعةَ في المطَر
(باب الرخصة إن لم يحضر) المصلي صلاة (الجمعة)، بفتح المثناة وضم الضاد، من: يحضر،
وكسر همزة إن الشرطية، وللأصيلي: لمن لم يحضر الجمعة (في المطر).

٥٧١
كتاب الجمعة/ باب ١٤
٩٠١ - حدّثنا مسدَّدٌ قال: حدَّثَنا إسماعيلُ قال: أخبرني عبدُ الحميدِ صاحبُ الزّياديِّ قال:
حدّثَنا عبدُ اللَّهِ بنُ الحارثِ ابنُ عمّ محمدِ بنِ سِيرِينَ: «قال ابنُ عبّاسٍ لمؤذْنِهِ في يومِ مَطيرٍ: إذا
قلتَ أشهدُ أنَّ محمدًا رسولُ اللَّهِ فلا تَقُلْ حَيَّ على الصلاةِ، قل: صلُّوا في بُيوتِكم. فَكأنَّ الناسَ
اسْتَنْكَروا، قال: فَعَلَهُ مَن هوَ خيرٌ مني، إنَّ الجُمعةَ عَزمةٌ، وَإني كرِهتُ أن أُحْرِجَكم فَتَمشونَ في
الطينِ وَالدَّحض)).
وبالسند قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد (قال: حدّثنا إسماعيل) بن علية (قال: أخبرني)
بالإفراد (عبد الحميد) بن دينار (صاحب الزيادي، قال: حدّثنا عبد الله بن الحرث، ابن عمّ
محمد بن سیرین).
قال الدمياطي: ليس ابن عمه، وإنما كان زوج بنت سيرين، فهو صهره.
قال في الفتح: لا مانع أن يكون بينهما أخوة من الرضاع، ونحوه. فلا ينبغي تغليط الرواية
الصحيحة مع وجود الاحتمال المقبول.
(قال ابن عباس لمؤذنه في يوم مطير: إذا قلت أشهد أن محمدًا رسول الله، فلا تقل حيّ على
الصلاة) بل (قل: صلوا في بيوتكم) بدل الحيعلة، مع إتمام الأذان.
(فكأن الناس استنكروا) قوله: فلا تقل: حيّ على الصلاة، قل صلوا في بيوتكم، (قال) ابن
عباس ولأبي ذر وابن عساكر: فقال: (فعله) أي الذي قلته للمؤذن، (من هو خير مني) رسول
الله ◌َلة (إن الجمعة عزمة) بفتح العين وسكون الزاي، أي واجبة، فلو تركت المؤذن يقول: حي على
الصلاة لبادر من سمعه إلى المجيء في المطر، فيشق عليه، فأمرته أن يقول: صلوا في بيوتكم،
ليعلموا أن المطر من الأعذار التي تصير العزيمة رخصة. وهذا مذهب الجمهور.
لكن عند الشافعية والحنابلة مقيد بما يؤذن ببل الثوب، فإن كان خفيفًا، أو وجد كنّا يمشي
فیه، فلا عذر.
وعن مالك رحمه الله: لا يرخص في تركها بالمطر، والحديث حجة عليه.
(وإني كرهت أن أحرجكم) بضم الهمزة وسكون الحاء المهملة، من الحرج، ويؤيده الرواية
السابقة: أؤثمكم، أي أن أكون سببًا في إكسابكم الإثم عند حرج صدوركم: فربما يقع تسخط أو
كلام غير مرضي، وفي بعض النسخ: أخرجكم، بالخاء المعجمة من الخروج (فتمشون في الطين
والدحض) بفتح الدال المهملة وسكون الحاء المهملة، وقد تفتح آخره معجمة، أي الزلق.
وسبق الحديث بمباحثه في الأذان.

٥٧٢
كتاب الجمعة/ باب ١٥
١٥ - باب مِن أينَ تُؤْتى الجُمعة،
وعلى مَن تَجِبُ؟ لقولِ اللَّهِ جلَّ وَعزّ :
﴿إذا نُودِيَ للصلاةِ مِن يوم الجمعةِ﴾ [الجمعة: ٩]
وقال عطاءً إذا كنتَ في قَرِيةٍ جامعةٍ فتُودِيَ بالصلاةِ من يوم الجمعة فحقٌّ عليكَ أن تشهدَها،
سمعتَ النداءَ أو لم تَسمَعْهُ. وَكانَ أنسٌ رضيَ اللَّهُ عنه في قَصرِهِ أحيانًا يُجمِعُ، وَأحيانًا لا يُجمْع،
وهو بالزاوية على فرسخّينِ.
هذا (باب) بالتنوين (من أين تؤتى الجمعة) بضم المثناة الأولى وفتح الثانية، مبنيًّا للمفعول من
الإتيان وأين استفهام عن المكان (وعلى من تجب) الجمعة.
(لقول الله تعالى ﴿إذا نودي﴾) أذن (﴿للصلاة من يوم الجمعة﴾) والإمام على المنبر، (﴿فاسعوا
إلى ذكر الله﴾) [الجمعة: ٩].
أوردها استدلالاً للوجوب، كالشافعي في الأم، لأن الأمر بالسعي لها يدل عليه، أو هو من
مشروعية النداء لها، لأنه من خواص الفرائض، وسقط في غير رواية أبي ذر والأصيلي: ﴿فاسعوا
إلى ذكر الله﴾.
(وقال عطاء) هو ابن أبي رباح، مما وصله عبد الرزاق، عن ابن جريج، عنه: (إذا كنت في
قرية جامعة فنودي) بالفاء، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: نودي، أي: أذن (بالصلاة من يوم
الجمعة، فحق عليك أن تشهدها، سمعت النداء أو لم تسمعه) أي: إذا كنت داخلها، كما صرح به
أحمد.
ونقل النووي أنه لا خلاف فيه، وزاد عبد الرزاق فيه، عن ابن جريح، قلت لعطاء: ما القرية
الجامعة؟ قال: ذات الجماعة، والأمير، والقاضي، والدور المجتمعة الآخذ بعضها ببعض، مثل
جدّة.
(وكان أنس) هو ابن مالك (رضي الله عنه) مما وصله مسدد في مسنده الكبير، (في قصره
أحيانًا) نصب على الظرفية، أي في بعض الأوقات (يجمع) أي يصلي بمن معه الجمعة، أو يشهد
الجمعة بجامع البصرة (وأحيانًا لا يجمع، وهو) أي القصر (بالزاوية) بالزاي، موضع بظاهر البصرة
معروف (على فرسخين) من البصرة، وهو ستة أميال، فكان أنس يرى أن التجميع ليس بحتم لبعد
المسافة .
٩٠٢ - حدثنا أحمدُ قال: حدَّثَنا عبدُ اللَّهِ بنُ وَهبٍ قال: أخبرَني عمرُو بن الحارثِ عن
عُبيدِ اللَّهِ بن أبي جَعفرٍ أن محمدَ بنَ جعفرِ بنِ الزُّبيرِ حدثه عن عُروةَ بنِ الزُّبيرِ عن عائشةَ زوجٍ

٥٧٣
کتاب الجمعة/ باب ١٥
النبيِّ وَِّ قالت: ((كان الناسُ يَنتابونَ يومَ الجُمعةِ مِن منازِلهم والعَوالي فيأتونَ في الغُبارِ يُصيبُهم
الغبارُ وَالعَرَقُ، فيخرُجُ منهمُ العرَقُ، فأتى رسولَ اللَّهِ وَسَ إنسانٌ منهم - وَهوَ عندي - فقال
النبيُّ بِّهِ: لو أنَّكم تَطهَّرُتم لِيومِكم هذا)).
وبالسند قال: (حدّثنا أحمد) غير منسوب، ولأبوي ذر والوقت والأصيلي، ووافقهما ابن
السكن: أحمد بن صالح، أي المصري وليس هو ابن عيسى، وإن جزم به أبو نعيم في مستخرجه،
(قال: حدّثنا عبد الله بن وهب) المصري (قال: أخبرني) بالإفراد، ولابن عساكر: أخبرنا (عمرو بن
الحرث، عن عبيد الله) بالتصغير (ابن أبي جعفر) القرشي الأموي المصري (أن محمد بن جعفر بن
الزبير) بن العوّام القرشي (حدثه، عن عروة بن الزبير بن العوام (عن عائشة زوج النبي ◌َطاهر،
قالت: كان الناس ينتابون الجمعة) بفتح المثناة التحتية وسكون النون وفتح المثناة الفوقية، يفتعلون من
النوبة، أي يحضرونها نوبًا. وفي رواية: يتناوبون، بمثناة تحتية فأخرى فوقية، فنون بفتحات. ولغير
أبي ذر وابن عساكر: يوم الجمعة (من منازلهم) القريبة من المدينة (و) من (العوالي) جمع عالية،
مواضع وقرى شرقي المدينة، وأدناها من المدينة على أربعة أميال أو ثلاثة، وأبعدها ثمانية. (فيأتون
في الغبار)، كذا في الفرع، وهو رواية الأكثرين، وعند القابسي: فيأتون في العباء، بفتح العين
المهملة والمد، جمع عباءة (يصبيهم الغبار والعرق، فيخرج منهم العرق، فأتى رسول الله وَلّ إنسان
منهم) وللإسماعيلي: أناس منهم (- وهو عندي -) جملة حالية (فقال النبي ◌َّ): (لو أنكم تطهرتم)،
لو: تختص بالدخول على الفعل، فالتقدير: لو ثبت تطهركم (ليومكم) أي: في يومكم (هذا) لكان
حسنًا .
أو: لو، للتمني فلا تحتاج إلى تقدير جواب الشرط المقدّر هنا.
وهذا الحديث كان سببًا لغسل الجمعة، كما في رواية ابن عباس عند أبي داود. واستدل به
على أن الجمعة تجب على من كان خارج المصر، وهو يرد على الكوفيين حيث قالوا بعدم الوجوب.
وأجيب: بأنه لو كان واجبًا على أهل العوالي ما تناوبوا، ولكانوا يحضرون جميعًا. وقال
الشافعية: إنما تجب على من يبلغه النداء. وحكاه الترمذي عن أحمد، لحديث: الجمعة على من سمع
النداء. رواه أبو داود بإسناد ضعيف، لكن ذكر له البيهقي شاهدًا بإسناد جيد، والمراد به: من سمع
نداء بلد الجمعة، فمن كان في قرية لا يلزم أهلها إقامة الجمعة لزمته إن كان بحيث يسمع النداء من
صيت على الأرض، من طرف قريته الذي يلي بلد الجمعة مع اعتدال السمع، وهدوّ الأصوات،
وسكون الرياح، وليس المراد من الحديث أن الوجوب متعلق بنفس السماع، وإلاّ لسقطت عن
الأصم، وإنما هو متعلق بمحل السماع.
وقال المالكية على من بينه وبين المنار ثلاثة أميال، أما من هو في البلد، فتجب عليه، ولو كان
من المنار على ستة أميال. رواه علي عن مالك.

٥٧٤
كتاب الجمعة/ باب ١٦
وقال آخرون: تجب على من آواه الليل إلى أهله لحديث أبي هريرة مرفوعًا: الجمعة على من آواه
الليل إلى أهله. رواه الترمذي والبيهقي وضعفاه، أي: أنه إذا جمع مع الإمام أمكنه العود إلى أهله
آخر النهار، قبل دخول الليل.
ورواة الحديث ما بين مصري ومدني، وفيه رواية الرجل عن عمه، والتحديث والإخبار
والعنعنة والقول، وأخرجه مسلم وأبو داود في الصلاة.
١٦ - باب وقتُ الجُمعةِ إذا زالتِ الشمسُ
وكذلكَ يُروَى عن عمرَ وَعَلَيٍّ وَالنُّعمانِ بنِ بَشِيرٍ وَعمٍو بنِ حُرَيثٍ رضيَ اللَّهُ عنهم.
هذا (باب) بالتنوين (وقت الجمعة) أوّله (إذا زالت الشمس) عن كبد السماء.
(وكذلك يروى) بضم أوّله وفتح الواو، ويروى في نسخة عن الأربعة: يذكر (عن فضلاء
الصحابة): (عمر) بن الخطاب، فيما وصله ابن أبي شيبة، وشيخ المؤلف: أبو نعيم في كتاب الصلاة
له، من رواية عبد الله بن سيدان بكسر المهملة وسكون المثناة التحتية وغيره (وعلي) هو: ابن أبي
طالب، مما رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح، (والنعمان بن بشير) مما رواه ابن أبي شيبة بإسناد
صحيح أيضًا، عم سماك بن حرب (وعمر بن حريث) بفتح العين وسكون الميم في الأوّل،
وبالتصغير في الثاني، مما وصله ابن أبي شيبة أيضًا، من طريق الوليد بن العيزار (رضي الله عنهم)،
وهو مذهب عامّة العلماء.
وذهب أحمد إلى صحة وقوعها قبل الزوال، متمسكًا بما روي عن أبي بكر، وعمر، وعثمان،
رضي الله عنهم: أنهم كانوا يصلون الجمعة قبل الزوال، من طريق لا تثبت. وما روي أيضًا، من
طريق عبد الله بن سلمة، بكسر اللام: أن عبد الله بن مسعود صلى بهم الجمعة ضحى، وقال:
خشيت عليكم الحر.
وأجيب: بأن عبد الله، وإن كان كبيرًا، لكنه تغير لما كبر. قاله شعبة.
وقول بعض الحنابلة، محتجًا بقوله عليه الصلاة والسلام: ((إن هذا يوم جعله الله عيدًا
للمسلمين))، فلما سماه عيدًا جازت الصلاة فيه في وقت العيد: كالفطر والأضحى، معارض بأنه لا
يلزم من تسمية يوم الجمعة عيدًا أن يشتمل على جميع أحكام العيد، بدليل أن يوم العيد يحرم صومه
مطلقًا، سواء صام قبله أو بعده، بخلاف يوم الجمعة باتفاقهم . اهـ.
٩٠٣ - حدثنا عَبدانُ قال: أخبرنا عبدُ اللَّهِ قال: أخبرَنا يحيى بنُ سعيدٍ أنه سألَ عَمرةً عنٍ
الغُسلِ يومَ الجُمعةِ فقالت: قالت عائشةُ رضيَ اللَّهُ عنها: ((كان الناسُ مَهَنَةَ أَنفُسِهم، وكانوا إذا

٥٧٥
كتاب الجمعة/ باب ١٦
راحوا إلى الجُمعةِ راحوا في هَيْئِهم، فقيلَ لهم: لَوِ اغتسَلْتم)). [الحديث ٩٠٣ - طرفه في:
٢٠٧١].
وبالسند قال: (حدّثنا عبدان) بفتح المهملة وسكون الموحدة وتخفيف الدال المهملة، هو
عبد الله بن عثمان بن جبلة الأزدي المروزي، المتوفى سنة إحدى وعشرين ومائتين، (قال: أخبرنا
عبد الله) بن المبارك (قال: أخبرنا) ولابن عساكر: حدّثنا (يحيى بن سعيد) الأنصاري (أنه سأل
عمرة) بفتح العين المهملة وسكون الميم، بنت عبد الرحمن الأنصارية المدنية. (عن الغسل يوم
الجمعة، فقالت: قالت عائشة، رضي الله عنها: كان الناس مهنة) بفتحات جمع: ماهن، ككتبة
وكاتب، أي: خدمة (أنفسهم) وفي نسخة لأبي ذر، عن الحموي والمستملي، وعزاها العيني كالحافظ
ابن حجر لحكاية ابن التين: مهنة، بكسر الميم وسكون الهاء، مصدر. أي: ذوي مهنة أنفسهم
(وكانوا إذا راحوا) أي: ذهبوا بعد الزوال (إلى) صلاة (الجمعة، راحوا في هيئتهم) من العرق المتغير
الحاصل بسبب جهد أنفسهم في المهنة (فقيل لهم: لو اغتسلتم) لكان مستحبًّا لنزول تلك الرائحة
الكريهة التي يتأذى بها الناس والملائكة.
وتفسير الرواح هنا بالذهاب بعد الزوال هو على الأصل مع تخصيص القرينة له به؛ وفي قوله:
((من اغتسل يوم الجمعة ثم راح في الساعة الأولى))، القرينة قائمة في إرادة مطلق الذهاب، كما مر
عن الأزهري، فلا تعارض.
ورواة هذا الحديث ما بين مروزي ومدني، وفيه التحديث والإخبار والسؤال والقول، وأخرجه
مسلم في الصلاة، وأبو داود في الطهارة.
٩٠٤ - حدثنا سُرَيجُ بنُ الثّعمانِ قال: حدَّثَنَا فُلَيحُ بنُ سُليمانَ عن عثمانَ بنِ
عبدِ الرحمنِ بنِ عثمانَ التَّيْميِّ عن أنسِ بنِ مالكِ رضيَ اللَّهُ عنه: ((أنَّ النبي ◌ََّ كان يُصلي
الجمعةَ حينَ تَميلُ الشمسُ» .
وبه قال: (حدّثنا سريج بن النعمان) بالسين المهملة المضمومة آخره جيم مصغر، وضم نون:
النعمان، وسكون عينه، البغدادي، المتوفى سنة سبع عشرة ومائتين (قال: حدّثنا فليح بن سليمان)
بضم الفاء وفتح اللام آخره مهملة في الأول، وضم المهملة في الثاني مصغرين (عن عثمان بن
عبد الرحمن بن عثمان التيمي، عن أنس بن مالك، رضي الله عنه)، صرّح الإسماعيلي من طريق
زيد بن الحباب، عن فليح، بسماع عثمان له من أنس: (أن النبي ◌َّر، كان يصلي الجمعة حين تميل
الشمس) أي: تزول عن كبد السماء.
وأشعر التعبير، بكان بمواظبته عليه الصلاة والسلام على صلاة الجمعة بعد الزوال.

٥٧٦
کتاب الجمعة/ باب ١٧
٩٠٥ - حدثنا عَبدانُ قال: أخبرنا عبدُ اللَّهِ قال: أخبرَنا حميدٌ عن أنس قال: ((كنّا نبكْرُ
بالجُمعةِ، وَنَقِيلُ بعدَ الجُمعةِ)). [الحديث ٩٠٥ - طرفه في: ٩٤٠].
وبه قال: (حدّثنا عبدان) هو عبد الله بن عثمان (قال: أخبرنا عبد الله) بن المبارك (قال:
أخبرنا حميد، عن أنس قال) ولأبوي ذر والوقت، والأصيلي: عن أنس بن مالك قال: (كنّا نبكر
بالجمعة) أي: نبادر بصلاتها قبل القيلولة.
وقد تمسك بظاهره الحنابلة في صحة وقوعها باكر النهار.
وأجيب: بأن التبكير يطلق على فعل الشيء في أول وقته، وتقديمه على غيره. فمن بادر إلى
شيء فقد بكر إليه، أي: وقت. كأن يقال: بكر بصلاة المغرب، إذا أوقعها في أول وقتها. وطريق
الجمع أولى من دعوى التعارض.
وأيضًا فالتبكير شامل لما قبل طلوع الشمس، والإمام أحمد لا يقول به، بل يجوزها قبل
الزوال .
فالمنع في أول النهار اتفاق فإذا تعذر أن يكون بكرة، دل على أن يكون المراد به المبادرة من
الزوال. كذا قرره البرماوي، كغيره.
(ونقيل) بفتح أوله، مضارع. قال قيلولة، أي: ننام (بعد) صلاة (الجمعة) عوضًا عن القيلولة
عقب الزوال الذي صليت فيه الجمعة، لأنه كان من عادتهن في الحر يقيلون ثم يصلون الظهر
لمشروعية الإبراد.
وفيه: أن الجمعة لا تصلى ولا يفعل شيء منها ولا من خطبتها في غير وقت ظهر يومها، ولو
جاز تقديم الخطبة لقدمها، بَلير، لتقع الصلاة أول الوقت.
وما رواه الشيخان عن سلمة بن الأكوع من قوله: كنا نصلي مع النبي وَلّ الجمعة، ثم
ننصرف وليس للحيطان ظل نستظل به، محمول على شدة التعجيل بعد الزوال جمعًا بين الأدلة على أن
هذا الحديث إنما ينفي ظلاً يستظل به، لا أصل الظل.
١٧ - باب إذا اشتدَّ الحرُّ يومَ الجُمعةِ
هذا (باب) بالتنوين (إذا اشتد الحر يوم الجمعة) أبرد المصلي بصلاتها كالظهر.
٩٠٦ - حقّثنا محمدُ بنُ أبي بكرِ المُقَدَّميُّ قال: حدَّثَنا حَرَميُّ بنُ عُمارةَ قال: حدَّثَنا أبو
خَلْدَةَ - هوَ خالدُ بنُ دِينارٍ - قال: سمعتُ أنسَ بنَ مالكِ يقولُ: ((كان النبيُّ نَّهَ إذا اشتدَّ البَرْدُ بَكَّرَ
بالصلاةِ. وإذا اشتدَّ الحرُّ أبردَ بالصلاة)) يعني الجُمعةَ.

٥٧٧
کتاب الجمعة/ باب ١٧
قال يونُسُ بنُ بُكيرِ: أخبرنا أبو خَلدةَ فقال: ((بالصلاةِ)) ولم يَذكرِ الجمعة. وقال بِشْرُ بن
ثابتٍ: حدَّثَنا أبو خَلدةَ قال: ((صلَّى بنا أميرٌ الجُمعةَ، ثم قال لأنسٍ رضيَ اللَّهُ عنه: كيفَ كان
النبيُّ وَهَ يصلّي الظُّهرَ))؟
وبه قال: (حدّثنا محمد بن أبي بكر المقدمي) بضم الميم وفتح القاف وتشديد الدال المفتوحة
(قال: حدّثني حرمي بن عمارة) بفتح الحاء والراء المهملتين، وكسر الميم في الأولى، وضم العين
المهملة وتخفيف الميم في الثاني (قال: حدّثنا أبو خلدة) بفتح الخاء المعجمة وسكون اللام وفتحها (هو)
وفي نسخة لأبي ذر، وأبي الوقت، وهو (خالد بن دينار) التميمي السعدي البصري، الخياط (قال:
سمعت أنس بن مالك) رضي الله عنه، حال كونه (يقول: كان النبي وَل إذا اشتد البرد بكر
بالصلاة) صلاها في أول وقتها على الأصل، (وإذا اشتد الحر أبرد بالصلاة) قال الراوي: (يعني
الجمعة) قياسًا على الظهر، لا بالنص. لأن أكثر الأحاديث يدل على التفرقة في الظهر، وعلى التبكير
في الجمعة مطلقًا من غير تفصيل.
والذي نحا إليه المؤلف مشروعية الإبراد بالجمعة، ولم يثبت الحكم بذلك، لأن قوله: يعني
الجمعة، يحتمل أن يكون قول التابعي مما فهمه، وأن يكون من نقله، فرجح عنده إلحاقها بالظهر
لأنها إما ظهر وزيادة، أو بدل عن الظهر، قاله ابن المنير.
ورواة حديث الباب كلهم بصريون، وفيه التحديث والسماع والقول.
(قال) ولأبي ذر: وقال: (يونس بن بكير) بالتصغير فيما وصله المؤلف في: الأدب المفرد
(أخبرنا أبو خلدة، وقال) بالواو، ولكريمة: فقال: (بالصلاة) أي: بلفظها فقط، (ولم يذكر
الجمعة).
ولفظه في: الأدب المفرد: ((كان النبي ◌َّ- إذا كان الحر أبرد بالصلاة، وإذا كان البرد بكر
بالصلاة)). وكذا أخرجه الإسماعيلي من وجه آخر، عن يونس، وزاد: يعني الظهر.
وهذا موافق لقول الفقهاء: يندب الإبراد بالظهر، في شدّة الحر بقطر حار، لا بالجمعة لشدة
الخطر في فواتها المؤدي إليه تأخيرها بالتكاسل، ولأن الناس مأمورون بالتبكير إليها، فلا يتأذّون
بالحر .
وما في الصحيحين من: أنه، وَل9: كان يبرد بها، بيان للجواز فيها جمعًا بين الأدلة.
(وقال بشر بن ثابت) مما وصله الإسماعيلي والبيهقي: (حدّثنا أبو خلدة، قال: صلى بنا أمير
الجمعة) هو: الحكم بن أبي عقيل الثقفي، نائب ابن عمه الحجاج بن يوسف، وكان على طريقة ابن
عمه في تطويل الخطبة يوم الجمعة، حتى يكاد الوقت أن يخرج (ثم قال لأنس، رضي الله عنه، كيف
إرشاد الساري/ ج ٢ / م ٣٧

٥٧٨
كتاب الجمعة/ باب ١٨
كان النبي ◌َّ يصلي الظهر)؟ في رواية الإسماعيلي والبيهقي: كان إذا كان الشتاء بَكَّر بالظهر، وإن
کان الصیف أبرد بها.
١٨ - باب المشي إلى الجُمعةِ،
وَقولِ اللَّهِ جلَّ ذِكرهُ: ﴿فاسعَوْا إلى ذكرِ اللَّهِ﴾
وَمَن قال السعيُ العملُ وَالذَّهابُ لقولِ الله تعالى: ﴿وَسَعى لها سَعْيَهَا﴾.
وقال ابنُ عبّاسٍ رضيَ اللهُ عنهما: يحرُمُ البيعُ حينئذ. وقال عطاءٌ: تحرُمُ الصِّناعاتُ كلُّها.
وقال إبراهيمُ بنُ سعدٍ عنِ الزُّهريّ: إذا أذَّنَ المؤذِّنُ يومَ الجُمعةِ وَهوَ مُسافرٌ فعليهِ أن يَشهدَ.
(باب المشي إلى) صلاة (الجمعة، وقول الله جل ذكره) بجر لام قول، عطفًا على المشي المجرور
بالإضافة، وبالضم على الاستئناف (﴿فاسعوا إلى ذكر الله﴾) [الجمعة: ٩] أي: فامضوا، لأن السعي
يطلق على المضي وعلى العدو، فبينت السنة المراد به، كما في الحديث الآتي في هذا الباب: ((فلا
تأتوها تسعون وأتوها وأنتم تمشون وعليكم السكينة)).
نعم، إذا ضاق الوقت فالأولى الإسراع. وقال المحب الطبري: يجب إذا لم تدرك الجمعة إلا
به .
(ومن قال) في تفسيره (السعي: العمل) لها (والذهاب) إليها (لقوله تعالى ﴿وسعى لها﴾) أي
للآخرة (﴿سعيها﴾) [الإسراء: ١٩] المفسر: يعمل لها حقها من السعي، وهو الإتيان بالأوامر،
والانتهاء عن النواهي.
(وقال ابن عباس رضي الله عنهما) مما وصله ابن حزم، من طريق عكرمة عنه، لكن بمعناه
(يجرم البيع) أي: ونحوه من سائر العقود، مما فيه تشاغل عن السعي إليها: كإجارة وتولية، ولا
تبطل الصلاة (حينئذ). أي: إذا نودي بها بعد جلوس الخطيب على المنبر لآية ﴿إذا نودي للصلاة من
يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع﴾ [الجمعة: ٩] وقيس على البيع نحوه.
وإنما لم تبطل الصلاة لأن النهي لا يختص به، فلم يمنع صحته، كالصلاة في أرض مغصوبة.
ويصح البيع عند الجمهور، لأن النهي ليس لمعنى في العقد داخل ولا لازم، بل خارج عنه.
وقال المالكية: يفسخ ما عدا: النكاح، والهبة، والصدقة، وحيث فسخ تردّ السلعة إن كانت
قائمة، ويلزم قيمتها يوم القبض إن كانت فائتة. والفرق بين الهبة والصدقة، وبين غيرهما، أن غير
الهبة والصدقة يردّ على كل واحد ما له، فلا يلحقه كبير مضرة، ولا كذلك الهبة والصدقة، لأنه
ملك الشيء بغير عوض فيبطل عليه، فتلحقه المضرة. وأما عدم فسخ النكاح فللاحتياط في
الفروج. اهـ.

٥٧٩
کتاب الجمعة/ باب ١٨
وتقييد الأذان بكونه بعد جلوس الخطيب لأنه الذي كان في عهده وَّر، كما سيأتي إن شاء الله
تعالى، فانصرف النداء في الآية إليه. أما الأذان الذي عند الزوال، فيجوز البيع عنده مع الكراهة
لدخول وقت الوجوب.
لكن، قال الأسنوي: ينبغي أن لا يكره في بلد يؤخرون فيها تأخيرًا كثيرًا، كمكة، لما فيه من
الضرر، فلو تبايع مقيم ومسافر أثمًا جميعًا لارتكاب الأول النهي وإعانة الثاني له عليه.
نعم، يستثنى من تحريم البيع ما لو احتاج إلى ماء طهارته، أو إلى ما يواري به عورته، أو يقوته
عند اضطراره، ولو باع وهو سائر إليها، وأو في الجامع جاز، لأن المقصود أن لا يتأخر عن السعي
إلى الجمعة. لكن يكره البيع ونحوه في المسجد، لأنه ينزّه عن ذلك.
وعند الحنفية يكره البيع مطلقًا ولا يحرم.
(وقال عطاء) هو ابن أبي رباح، مما وصله عبد بن حميد في تفسيره: (تحرم الصناعات كلها)
لأنها بمنزلة البيع في التشاغل عن الجمعة.
(وقال إبراهيم بن سعد) بسكون العين، ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف المدني، (عن)
ابن شهاب (الزهري: إذا أذن المؤذن يوم الجمعة، وهو مسافر، فعليه) أي: على طريق الاستحباب،
(أن يشهد) أي الجمعة .
لكن اختلف على الزهري فيه، فروي عنه هذا، وروي عنه: لا جمعة على مسافر على طريق
الوجوب .
قال ابن المنذر: وهو كالإجماع، ويحتمل أن يكون مراده بقوله: فعليه أن يشهد، ما إذا اتفق
حضور المسافر في موضع تقام فيها الجمعة فسمع: النداء لها، إلا أنه يلزمه حضورها مطلقًا، حتى
يحرم عليه السفر قبل الزوال من البلد الذي يدخله مجتازًا.
وقال المالكية: تجب عليه، إذا أدركه صوت المؤذن قبل مجاوزة الفرسخ.
٩٠٧ - حدّثنا عليُّ بنُ عبدِ اللهِ قال: حدَّثَنَا الوَليدُ بنُ مُسلم قال: حدَّثَنَا يَزيدُ بنُ أبي مريمَ
قال: حدَّثَنَا عَبايةُ بنُ رِفاعةً قال: أدرَكَني أبو عَبسٍ وَأنا أذهبُ إلى الجُمعةِ فقال: سمعتُ النبيِّنَّ
يقولُ: ((مَنِ اغبرَّتْ قَدَماهُ في سَبيلِ اللَّهِ حرَّمَهُ اللَّهُ على النار)). [الحديث ٩٠٧ - طرفه في:
٢٨١١].
وبالسند قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني (قال: حدثنا الوليد بن مسلم، قال: حدثنا يزيد
ابن أبي مريم) الدمشقي إمام جامعها، قال الزركشي: ووقع في أصل كريمة: بريد، بضم الموحدة
وبالراء، وهو: غلط، وللأصيلي ابن أبي مريم الأنصاري: (قال: حدّثنا عباية بن رفاعة) بفتح العين
المهملة وتخفيف الموحدة وكسر راء، رفاعة بن خديج الأنصاري (قال: أدركني أبو عبس) بفتح العين

٥٨٠
كتاب الجمعة/ باب ١٨
المهملة وسكون الموحدة آخره مهملة، عبد الرحمن بن جبر، بالجيم المفتوحة والموحدة الساكنة والراء،
الأنصاري (وأنا أذهب إلى الجمعة)، جملة اسمية حالية (فقال: سمعت النبي) ولأبي ذر: رسول الله
(رَالر، يقول):
(من اغبرت قدماه) أي: أصابهما غبار (في سبيل الله) اسم جنس مضاف يفيد العموم، فيشمل
الجمعة، (حرمه الله) كله (على النار).
وجه المطابقة من قوله: أدركني أبو عبس ... ، لأنه لو كان يعدو لما احتمل الوقت المحادثة
لتعذرها مع العدو.
ورواة الحديث ما بين مديني ودمشقي، وليس لأبي عبس في البخاري إلا هذا الحديث، ويزيد
أفراده، وفيه رواية تابعي عن تابعي عن صحابي والتحديث والسماع والقول، وأخرجه المؤلف في
الجهاد، وكذا الترمذي والنسائي.
٩٠٨ - حدثنا آدمُ قال: حدَّثَنا ابنُ أبي ذِئبٍ قال الزُّهريُّ عن سعيدٍ وأبي سَلمةَ عن أبي هريرةَ
رضيَ اللَّهُ عنهُ عنِ النبيِّ وَّهَ: وَحدَّثَنا أبو اليَمانِ قال: أخبرَنا شُعيبٌ عنِ الزُّهريّ قال: أخبرني أبو
سَلمةَ بنُ عبدِ الرَّحمنِ أنَّ أبا هريرةَ قال: سمعتُ رسولَ اللَّهِ وَّهِ يقول: ((إذا أُقيمَتِ الصلاةُ فلا
تَأْتُوها تَسعَونَ، وَأَتُوها تَمشونَ عليكمُ السَّكِينَةُ، فما أدرَكْتم فصلُوا، وَمَا فاتَكم فأتمُّوا)) .
وبه قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس (قال: حدثنا ابن أبي ذئب) عبد الرحمن (قال: حدّثنا) ابن
شهاب (الزهري، عن سعيد) بكسر العين، ابن المسيب (و) عن (أبي سلمة) ابن عبد الرحمن (عن أبي
هريرة، رضي الله عنه، عن النبي ◌َّ).
ثم ساق لهذا سندًا آخر فقال: (وحدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع (قال: أخبرنا شعيب) هو:
ابن أبي حمزة (عن) ابن شهاب (الزهري قال: أخبرني) بالإفراد (أبو سلمة بن عبد الرحمن) رضي الله
تعالى عنه (أن أبا هريرة قال: سمعت رسول الله و # يقول):
(إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها) حال كونكم (تسعون)، لما يلحق الساعي من التعب وضيق
النفس المنافي للخشوع المطلوب، (و) لكن (ائتوها تمشون، عليكم) ولأبي ذر، والأصيلي، وابن
عساكر: وعليكم (السكينة) بالرفع، مبتدأ أخبر عنه بسابقه. والجملة حال من ضمير: وأتوها تمشون
وبالنصب لغير أبي ذر على الإغراء، أي: الزموا السكينة أي: الهيئة والتأني.
والنهي متوجه إلى السعي، لا إلى الإتيان، واستشكل النهي بما في قوله تعالى: ﴿فاسعوا﴾
[الجمعة: ٩].
وأجيب: بأن المراد به في الآية: القصد، أو الذهاب، أو العمل، كما مر.