Indexed OCR Text
Pages 501-520
٥٠١
کتاب الأذان/ باب ١٥٥
ويحتمل أن تكون مِن للتبعيض، ولا ينافي ما في الرواية فأشرت لاحتمال أن كلاً منهما أشار
معًا، أو متقدّمًا أو متأخرًا.
(فقام) عليه الصلاة والسلام (فصففنا) بالفاء فصاد مهملة ثم فاءين. وللأصيلي: وصففنا
(خلفه، ثم سلم، وسلمنا حين سلم). هذا موضع الترجمة، وظاهره أنهم سلموا نظير سلامه.
وسلامه: إما واحدة وهي التي يتحلّل بها من الصلاة، وإما هي وأخرى معها، فيحتاج من
استحب تسليمة ثالثة على الإمام بين التسليمتين إلى دليل خاص.
قال التيمي، فيما نقله البرماوي: كان مشيخة مسجد المهاجرين يسلمون واحدة. ولا يردون
على الإمام، ومسجد الأنصار تسليمتين.
وقال مالك: يسلم المأموم عن يمينه، ثم يرد على الإمام. ومن قال بتسليمتين من أهل الكوفة
يجعلون التسليمة الثانية ردًا على الإمام. اهـ.
وقال شيخ المالكية خلیل، في مختصره: ورد مقتدٍ على إمامه، ثم يساوره، وبه أحد، وجھر
بتسليمة التحليل فقط .
قال شارحه: أما سلام التحليل فيستوي فيه الإمام والمأموم والفذ، ويسنّ للمأموم أن يزيد
عليه تسليمتين إن كان على يساره أحد، أولاهما يردها على إمامه، والثانية على مَن على يساره،
ومن السنن الجهر بتسليمة التحليل فقط، قال مالك رحمه الله، ويخفى تسليمة الرد.
١٥٥ - باب الذِّكرِ بعد الصلاةِ
(باب الذكر بعد) الفراغ من (الصلاة) المكتوبة.
٨٤١ - حقثنا إسحقُ بنُ نصرٍ قال: حدَّثَنا عبدُ الرزّاقِ قال: أخبرنا ابنُ جُرَيجٍ قال:
أخبرني عمرو أنَّ أبا مَعْبَدٍ مولى ابنِ عبّاسٍ أخبرَهُ أنَّ ابنَ عبّاسٍ رضيَ اللَّهُ عنهما أخبرَهُ: ((أن رفعَ
الصوتِ بالذِّكرِ - حينَ يَنصرِفُ الناسُ منَ المكتوبةِ - كانَ عَلَى عهدِ النّبِيِّ ◌َِّ)).
وَقال ابنُ عبّاسٍ: «كنتُ أعلمُ إذا انصرَفوا بذلكَ إذا سمعتُه)). [الحديث ٨٤١ - طرفه في:
٨٤٢].
وبه قال: (حدّثنا إسحاق بن نصر) هو إسحق بن إبراهيم بن نصر (قال: حدَّثنا) ولابن
عساكر: أخبرنا (عبد الرزاق) بن همام (قال: أخبرنا ابن جريج) بضم الجيم أوّله وفتح الراء،
عبد الملك بن عبد العزيز، (قال: أخبرني) بالإفراد (عمرو) بفتح العين، ابن دينار (إن أبا معبد)
بفتح الميم وسكون العين وفتح الموحدة آخره دال مهملة، اسمه نافذ (مولى ابن عباس، أخبره أن ابن
٥٠٢
كتاب الأذان/ باب ١٥٥
عباس، رضي الله عنهما، أخبره أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من) الصلاة (المكتوبة
كان على عهد النبي) ولأبي ذر في نسخة، وأبي الوقت: على رسول الله (َ*) أي: على زمانه، فله
حكم الرفع.
وحمل الشافعي، رحمه الله، فيما حكاه النووي، رحمه الله، هذا الحديث على أنهم جهروا به وقتًا
يسيرًا لأجل تعليم صفة الذكر لا أنهم داوموا على الجهر به، والمختار أن الإمام والمأموم يخفيان الذكر
إلا إن احتيج إلى التعليم.
(و) بالإسناد السابق كما عند مسلم، عن إسحق بن منصور، عن عبد الرزاق به (قال ابن
عباس) رضي الله عنهما، وسقط: واو ((وقال)) للأصيلي: (كنت أعلم) أي أظن (إذا انصرفوا بذلك)
أي: أتعلم وقت انصرافهم برفع الصوت (إذا سمعته) أي الذكر.
وظاهره أن ابن عباس لم يكن يحضر الصلاة في الجماعة في بعض الأوقات لصغره، أو كان
حاضرًا لكنه في آخر الصفوف، فكان لا يعرف انقضاءها بالتسليم، وإنما كان يعرفه بالتكبير.
قال الشيخ تقي الدين: ويؤخذ منه أنه لم يكن هناك مبلغ جهير الصوت يسمع من
بعد. اهـ.
وسقط للأصيلي قوله: وقال ابن عباس، رضي الله عنهما.
٨٤٢ - حدثنا عليّ بنُ عبدِ اللهِ قال: حدَّثَنا سُفيانُ قال: حدَّثَنا عمرو قال: أخبرني أبو
مَعبدٍ عنِ ابنِ عبّاسٍ رضيَ اللَّهُ عنهما قال: ((كنتُ أعرفُ انقضاءَ صلاةِ النبيِّ يَّر بالتكبير)).
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني، وسقط لفظ: ابن عبد الله عند الأصيلي، (قال:
حدّثنا سفيان) بن عيينة (قال: حدّثنا عمرو) بفتح العين، ابن دينار، كذا للأبوين وابن عساكر
والأصيلي، بثبوت عمرو، وسقط في بعض النسخ، ولا بدّ من ثبوته، وللأصيلي: عن عمرو،
بدل: حدّثنا (قال: أخبرني) بالإفراد (أبو معبد) مولى ابن عباس (عن ابن عباس، رضي الله عنهما،
قال: كنت أعرف انقضاء صلاة النبي (وَل﴿ بالتكبير) أي بعد الصلاة وفي السابقة بالذكر، وهو أعمّ
من التكبير، والتكبير أخص. أو هذا مفسر للسابق.
(قال عليّ): هو ابن المديني، وفي رواية المستملي والكشميهني: وقال، بالواو، وللأصيلي:
حدّثنا علّ، بدل: قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن عمرو) هو ابن دينار (قال: كان أبو معبد
أصدق موالي ابن عباس)، رضي الله عنهما، التفضيل فيه باعتبار إفراد الخبر، وإلا فنفس الصدق لا
يتفاوت. (قال علّ: واسمه نافذ) بالنون وكسر الفاء آخره معجمة.
وزاد مسلم: قال عمرو، يعني: ابن دينار ذكرت ذلك لأبي معبد فأنكره، وقال: لم أحدّثك
بهذا. قال عمرو: وقد أخبرنيه قبل ذلك، وهذه مسألة معروفة عند أهل علم الحديث، وهي إنكار
٥٠٣
کتاب الأذان/ باب ١٥٥
الأصل تحديث الفرع، وصورتها أن يروي ثقة عن ثقة حديثًا، فيكذبه المروي عنه. وفي ذلك
تفصيل، لأنه إما أن يجزم بتكذيبه له أم لا. وإذا جزم، فتارة يصرّح بالتكذيب، وتارة لم يصرّح به،
فإن لم يجزم بتكذيبه كأن قال: لا أذكره، فاتفقوا على قبوله، لأن الفرع ثقة والأصل لم يطعن فيه،
وإن جزم وصرّح بتكذيبه، فاتفقوا على ردّه، لأن جزم الفرع بكون الأصل حدّثه يستلزم تكذيبه
للأصل في دعواه أنه كذب عليه، وليس قبول قول أحدهما أولى من الآخر، وإن جزم ولم يصرّح
بالتكذيب، كقول معبد: لم أحدّثك بهذا، فسوى ابن الصلاح، تبعًا للخطيب، بينهما أيضًا، وهو
الذي مشى عليه الحافظ ابن حجر رحمه الله في شرح النخبة .
لكن قال في فتح الباري: إن الراجح عند المحدّثين القبول، وتمسك بصنيع مسلم حيث أخرج
حديث عمرو بن دينار هذا مع قول أبي معبد لعمرو: لم أحدثك به. فإن دل على أن مسلمًا كان
يرى صحة الحديث، ولو أنكره راويه. إذا كان الناقل عنه ثقة، ويعضده تصحيح البخاري أيضًا،
وكأنهم حملوا الشيخ على النسيان.
ويؤيده قول الشافعي، رحمه الله، في هذا الحديث بعينه، كأنه نسي بعد أن حدّثه، لكن إلحاق
هذه الألفاظ بالصورة الثانية أظهر، ولعل تصحيح هذا الحديث بخصوصه لمرجح اقتضاه تحسينًا للظن
بالشيخين، لاسيما وقد قيل، كما أشار إليه الإمام فخر الدين في المحصول: إن الردّ إنما هو
عند التساوي، فلو رجح أحدهما عمل به.
قال الحافظ ابن حجر: وهذا الحديث من أمثلة هذا، مع أنه قد حكي عن الجمهور من الفقهاء
في هذه الصورة القبول، وعن بعض الحنفية، ورواية عن أحمد: الرد قياسًا على الشاهد، وبالجملة
فظاهر صنيع ابن حجر اتفاق المحدّثين على الردّ على صورة التصريح بالكذب، وقصر الخلاف على
هذه، وفيه نظر. فإن الخلاف موجود، فمن متوقفٍ، ومن قائل بالقبول مطلقًا، وهو اختيار ابن
السبكي تبعًا لأبي المظفر بن السمعاني، وقال به أبو الحسين بن القطان وإن كان الآمدي والهندي
حكيا الاتفاق على الردّ من غير تفصيل وهو مما يساعد ظاهر صنيع الحافظ ابن حجر في الصورة
الثانية وينازع في الثالثة .
ويجاب بأن الاتفاق في الثانية والخلاف في الثالثة إنما هو بالنظر للمحدثين خاصة وهذه الجملة
من قوله قال علي إلى آخرها ثابتة في أوّل الحديث اللاحق عند الأصيلي وفي آخره عند الثلاثة الأبوين
وابن عساكر .
٨٤٣ - حدثنا محمدُ بنُ أبي بكرٍ قال: حدَّثَنا مُعتَمِرٌ عن عُبَيدِ اللَّهِ عن سُمَيٍّ عن أبي
صالحٍ عن أبي هريرةَ رضيَ اللَّهُ عنه قال: ((جاءَ الفقراءُ إلى النبيِّ وَّهِ فقالوا: «ذَهبَ أهلُ الدُّثورِ
مِنَ الأموالِ بالدَّرَجاتِ العُلى وَالنَّعيمِ المُقيم: يُصلُونَ ما نُصلِّي، ويصومونَ كما نصومُ، ولهم فَضلٌ
مِن أموالٍ يَحُجُّونَ بها ويَعتمِرون، ويُجاهِدونَ ويتصدَّقون. قال: ألاَ أُحدِّثُكم بأمرٍ إن أخذتُم بهِ
٥٠٤
کتاب الأذان/ باب ١٥٥
أدركتم من سبَقَكم، ولم يُدرِككم أحدٌ بعدَكم، وكنتم خيرَ مَن أنتم بينَ ظَهرانَيْه، إلا مَن عمِلَ مِثلَهُ:
تُسبِّحونَ وَتحمَدونَ وتكبِّرونَ خلفَ كلِّ صلاةٍ ثلاثا وثلاثينَ، فاختلَفْنا بَينَنا: فقال بعضُنا نُسبِحُ ثلاثًا
وثلاثين، ونحمدُ ثلاثًا وثلاثين، ونكبِّرُ أربعًا وثلاثين. فرجعتُ إليهِ، فقال: تقول سبحانَ اللَّهِ
والحمدُ للهِ واللَّهُ أكبرُ حتى يكونَ منهنَّ كلِّهنَّ ثلاثٌ وثلاثون)). [الحديث ٨٤٣ - طرفه في:
٦٣٢٩].
وبالسند إلى المؤلف قال: (حدّثنا محمد بن أبي بكر) بن عليّ بن عطاء بن مقدّم المقدّمي
البصري (قال: حدّثنا معتمر) هو ابن سليمان بن طرخان البصري، ولابن عساكر: المعتمر (عن
عبيد الله) بضم العين، ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب المدني، (عن سميّ)
بضم السين المهملة وفتح الميم، مولى أبي بكر بن عبد الرحمن (عن أبي صالح) ذكوان السمان (عن
أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: جاء الفقراء) فيهم أبو ذر كما عند أبي داود، وأبو الدرداء كما عند
النسائي (إلى النبي ◌َّر، فقالوا: ذهب أهل الدثور) بضم الدال المهملة والمثلثة، جمع: دثر، بفتح
الدال وسكون المثلثة (من الأموال) بيان للدثور وتأكيد له، لأن الدثور يجيء بمعنى المال الكثير،
وبمعنى الكثير من كل شيء (بالدرجات العلا) في الجنة، أو المراد: علوّ القدر عنده تعالى (وبالنعيم
المقيم) الدائم المستحق بالصدقة، (يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم)، زاد في حديث أبي
الدرداء، عند النسائي في: اليوم والليلة: ويذكرون كما نذكر وللبزار من حديث ابن عمر: وصدّقوا
تصديقنا، وآمنوا إيماننا (ولهم فضل الأموال) بالإضافة، ولأبي ذر عن الكشميهني: ولهم فضل من
أموال، وللأصيلي: فضل الأموال (يحجون بها ويعتمرون، ويجاهدون ويتصدقون) في رواية ابن
عجلان عن سميّ عند مسلم: ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ولا نعتق.
(قال) عليه الصلاة والسلام، وللأصيلي وأبي ذر: فقال:
(ألا أحدثكم بما) أي بشيء (إن أخذتم أدركتم) بذلك الشيء، وضبب في اليونينية على قوله:
أحدثكم، ولأبي ذر في نسخة، والأصيلي: ألا أحدثكم بأمرٍ إن أخذتم به أدركتم (من سبقكم) من
أهل الأموال في الدرجات العلا، والجملة في موضع نصب مفعول أدركتم، وسقط قوله: بماء في
أكثر الرويات. وكذا قوله: به، وقد فسر الساقط في الرواية الأخرى، وسقط أيضًا قوله: من
سبقكم، في رواية الأصيلي.
والسبقية المذكورة رجح ابن دقيق العيد أن تكون معنوية، وجوّز غيره أن تكون حسية، قال
الحافظ: والأوّل أولى . اهـ.
(ولم يدرككم أحد بعدكم) لا من أصحاب الأموال ولا من غيرهم، (وكنتم خير من أنتم بين
ظهرانيه) بفتح النون مع الإفراد، ولأبي ذر والأصيلي وابن عساكر: بين ظهرانيهم، أي: من أنتم
بينهم (إلا مَن عمل) من الأغنياء (مثله) فلستم خيرًا.
٥٠٥
کتاب الأذان/ باب ١٥٥
لأن هذا هو نقيض الحكم الثابت للمستثنى منه، وانتقاء خيرية المخاطبين بالنسبة إلى من عمر
مثل عملهم صادق بمساواتهم لهم في الخيرية، وبها يُجاب عن استشكال ثبوت الأفضلية في خير مع
التساوي في العمل المفهوم من قوله: أدركتم، وهو أحسن من التأويل: بإلا مَن عمل مثله. وزاد:
بغيره من فعل البر، أشار إليه البدر الدماميني، لكن لا يمتنع أن يفوق الذكر مع سهولته الأعمال
الشاقّة الصعبة من الجهاد، ونحوه، وإن ورد: أفضل العبادات أحمزها، لأن في الإخلاص في الذكر
من المشقة، ولا سيما الحمد في حال الفقر، ما يصير به أعظم الأعمال. وأيضًا فلا يلزم أن يكون
الثواب على قدر المشقة، في كل حال، فإن ثواب كلمة الشهادتين مع سهولتها، أكثر من العبادات
الشاقة .
وإذا قلنا إن الاستثناء يعود على كل من السابق والمدرك، كما هو قاعدة الشافعى، رحمه الله،
في أن الاستثناء المتعقب للجمل عائد على كلها، يلزم قطعًا أن يكون الأغنياء أفضل: إذ معناه: إن
أخذتم أدركتم إلا مَن عمل مثله فإنكم لا تدركون.
(تسبّحون، وتحمدون، وتكبرون خلف كل صلاة) أي مكتوبة. وعند المصنف في الدعوات:
دبر كل صلاة، ورواية: خلف، مفسرة لرواية: دبر، وللفريابي من حديث أبي ذر: إثر كل صلاة،
أي: تقولون كل واحد من الثلاثة (ثلاثا وثلاثين) فالمجموع لكل فرد فرد، والأفعال الثلاثة تنازعت
في الظرف، وهو: خلف، و: في ثلاثًا وثلاثين، وهو مفعول مطلق، وقيل المراد المجموع
للجميع .
فإذا وزع كان لكل واحد من الثلاثة أحد عشر، ويبدأ بالتسبيح لأنه يتضمن نفي النقائص عنه
تعالى، ثم ثنى بالتحميد لأنه يتضمن إثبات الكمال له، إذ لا يلزم من نفى النقائص إثبات الكمال،
ثم ثلث بالكبير إذ لا يلزم من نفي النقائص. وإثبات الكمال نفي أن يكون هناك كبير آخر.
وقد وقع في رواية ابن عجلان تقدیم التكبير على التحميد، ومثله لأبي داود من حديث أم
حكيم، وله في حديث أبي هريرة: يكبر ويحمد ويسبح، وهذا الاختلاف يدل على أن لا ترتيب فيه،
ويستأنس له بقوله في حديث: ((الباقيات الصالحات لا يضرك بأيّهنّ بدأت)). لكن ترتيب حديث
الباب الموافق لأكثر الأحاديث أولى لما مر.
قال سميّ: (فاختلفنا بيننا) أي: أنا وبعض أهلي، هل كل واحد ثلاثًا وثلاثين أو المجموع
(فقال بعضنا: نسبح ثلاثا وثلاثين، ونحمد ثلاثًا وثلاثين ونكبر أربعًا وثلاثين)، قال سميّ: (فرجعت
إليه) أي، أبي صالح.
والقائل أربعًا وثلاثين بعض أهل سميّ، أو القائل، فاختلفنا، أبو هريرة.
والضمير في: فرجعت له، وفي إليه، للنبي بَطّ، والخلاف بين الصحابة وهم القائلون:
أربعًا وثلاثين، كما هو ظاهر الحديث، لكن الأول أقرب لوروده في مسلم، ولفظه: قال سميّ:
٥٠٦
كتاب الأذان/ باب ١٥٥
فحدثت بعض أهلي هذا الحديث. فقال: وهمت. فذكر كلامه، قال: فرجعت إلى أبي صالح، إلا أن
مسلمًا لم يوصل هذه الزيادة .
(فقال) النبي ◌َّر، أو أبو صالح (تقول):
(سبحان الله والحمد الله، والله أكبر، حتى يكون) العدد (منهن كلهن ثلاثًا وثلاثين). وهل
العدد للجميع أو المجموع؟ .
ورواية ابن عجلان ظاهرها أن العدد للجميع، ورجحه بعضهم للإتيان فيه بواو العطف.
والمختار أن الإفراد أولى لتميزه باحتياجه إلى العدد، وله على كل حركة لذلك، سواء كان بأصابعه أو
بغيرها ثواب لا يحصل لصاحب الجمع منه إلا الثلث، ثم إن الأفضل الإتيان بهذا الذكر متتابعًا في
الوقت الذي عين فيه، وهل إذا زيد على العدد المنصوص عليه من الشارع يحصل ذلك الثواب
المترتب عليه أم لا؟
قال بعضهم: لا يحصل، لأن لتلك الأعداد حكمة وخاصية، وإن خفيت علينا، لأن كلام
الشارع لا يخلو عن حكم، فربما يفوت بمجاوزة ذلك العدد والمعتمد الحصول لأنه قد أتى بالمقدار
الذي رتب على الإتيان به ذلك الثواب، فلا تكون الزيادة مزيلة له بعد حصوله بذلك العدد، أشار
إليه الحافظ زين الدين العراقي.
وقد اختلفت الروايات في عدد هذه الأذكار الثلاثة.
ففي حديث أبي هريرة، ثلاثًا وثلاثين، كما مرّ. وعند النسائي من حديث زيد بن ثابت خمسًا
وعشرين، ويزيدون فيها: لا إله إلاّ الله خمسًا وعشرين وعند البزار من حديث ابن عمر: إحدى
عشرة، وعند الترمذي والنسائي من حديث أنس: عشرًا، وفي حديث أنس في بعض طرقه: سنًّا،
وفي بعض طرقه أيضًا مرة واحدة.
وعند الطبراني، في الكبير، من حديث زميل الجهني، قال: كان رسول الله وَله إذا صلّ
الصبح قال: وهو ثان رجليه: ((سبحان الله وبحمده، وأستغفر الله إنه كان توّابًا)) سبعين مرة، ثم
يقول: ((سبعين بسبعمائة)). الحديث.
وعند النسائي، في اليوم والليلة، من حديث أبي هريرة مرفوعًا: ((من سبح دبر كل صلاة
مكتوبة مائة، وكبّر مائة وحمد مائة، غفرت له ذنوبه وإن كانت أكثر من زبد البحر)).
وهذا الاختلاف يحتمل أن يكون صدر في أوقات متعددة، أو هو وارد على سبيل التخيير، أو
يختلف باختلاف الأحوال.
وقد زاد مسلم في رواية ابن عجلان عن سميّ، قال أبو صالح: فرجع فقراء المهاجرين إلى
رسول الله وَّر، فقالوا: سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا، فقالوا مثله.
٥٠٧
كتاب الأذان/ باب ١٥٥
فقال رسول الله وَلَ﴿ ﴿ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء﴾. [المائدة: ٥٤].
قال المهلب: في حديث أبي هريرة: ((فضل الغني)) نصًّا لا تأويلاً إذا استوت أعمالهم
المفروضة، فللغني حينئذ من فضل عمل البر ما لا سبيل للفقير إليه، وتعقبه ابن المنير بأن الفضل
المذكور فيه خارج عن محل الخلاف، إذ لا يختلفون في أن الفقير لم يبلغ فضل الصدقة، وكيف
يختلفون فيه وهو لم يفعل الصدقة، وإنما الخلاف إذا قابلنا مزية الفقير بثواب الصبر على مصيبة شظف
العيش، ورضاه بذلك، بمزية الغني بثواب الصدقات، أيهما أكثر ثوابًا اهـ.
ويأتي إن شاء الله تعالى مباحث هذه المسألة في: كتاب الأطعمة.
ورواة حديث الباب ما بين بصري ومدني، وفيه التحديث والعنعنة والقول، وأخرجه مسلم
أيضًا: في الصلاة، والنسائي: في اليوم والليلة.
٨٤٤ - حدثنا محمدُ بنُ يوسُفَ قال: حدَّثَنَا سُفيانُ عن عبد الملك بنِ عُميرٍ عن وَرّادٍ كاتبٍ
المغيرةِ بنِ شُعبةَ قال: ((أملى عليَّ المغيرةُ بنُ شعبةَ - في كتابٍ إلى مُعاويةَ - أن النبي ◌ِّ كان
يقول في دُبُرِ كلْ صلاةٍ مَكتوبةٍ: لا إلهَ إلاّ اللَّهُ وحدَهُ لا شرِيكَ له، لهُ المُلكُ ولَهُ الحمدُ وهوَ على
كلِّ شيءٍ قَدير. اللّهمَّ لا مانعَ لما أعطيتَ، ولا مُعطِيَ لما مَنعتَ، ولا يَنفَعُ ذا الجَدِّ مِنكَ الجَدُّ».
وقال شُعبةُ عن عبدِ الملكِ بهذا عنِ الحَكَمِ عنِ القاسمِ بنِ مُخَيمِرةَ عن وَرَّادِ بهذا.
وقال الحسنُ: الجَدُّ غِنَى. [الحديث ٨٤٤ أطرافه في: ١٤٧٧، ٢٤٠٨، ٥٩٧٥، ٦٣٣٠،
٦٤٧٣، ٦٦١٥، ٧٢٩٢].
وبه قال: (حدّثنا محمد بن يوسف) الفريابي (قال: حدّثنا سفيان) الثوري (عن عبد الملك بن
عمير) بضم العين وفتح الميم (عن وراد) بفتح الواو وتشديد الراء آخره دال مهملة (كاتب المغيرة)
بالإضافة، ولأبي ذر: كاتب للمغيرة (بن شعبة قال: أملى عليّ المغيرة بن شعبة) سقط: ابن شعبة في
رواية أبي ذر والأصيلي، (ـ في كتاب إلى معاوية -) وكان المغيرة إذ ذاك أميرًا على الكوفة من قبل
معاوية، وكان السبب في ذلك أن معاوية كتب إليه اكتب إلّ بحديث سمعته من رسول الله وَ لاته،
فكتب إليه (أن النبي ◌َلغز كان يقول في دبر كل صلاة) بضم الدال والموحدة وقد تسكن، أي: عقب
كل صلاة (مكتوبة).
(لا إله إلاّ الله) بالرفع على الخبرية للا، أو على البدلية من الضمير المستتر في الخبر المقدّر، أو
من اسم: لا، باعتبار محله قبل دخولها، أو أن إلا بمعنى: غير، أي: لا إله إلّ الله في الوجود،
لأنّا لو حملنا: إلا، على الاستثناء لم تكن الكلمة توحيدًا محضًا.
٥٠٨
کتاب الأذان/ باب ١٥٥
وعورض: بأنه على تأويل: إلاَّ، بغير، يصير المعنى نفي: إله، مغاير له، ولا يلزم من نفي
مغاير الشيء إثباته هنا، فيعود الإشكال.
وأجيب بأن إثبات: الإله كان متفقًا عليه بين العقلاء، إلاّ أنهم كانوا يثبتون الشركاء والأنداد،
فكان المقصود بهذه الكلمة نفي ذلك، وإثبات الإله من لوازم المعقول، سلمنا: أن لا إله إلاّ الله،
دلّت على نفي سائر الآلهة، وعلى إثبات الإلهية لله تعالى، إلاّ أنها بوضع الشرع، لا بمفهوم أصل
اللغة . اهـ.
وقد يجوز النصب على الاستثناء أو الصفة لاسم: لا إذا كانت بمعنى غير، لكن المسموع
الرفع.
قال البيضاوي في آية ﴿لو كان فيهما آلهة إلاّ الله﴾ [الأنبياء: ٢٢] أي غير الله وصف: بإلاً،
لما تعذر الاستثناء لعدم شمول ما قبلها لما بعدها ودلالته على ملازمة الفساد لكون الآلهة فيهما دونه.
والمراد ملازمته لكونها مطلقًا أو معه، حملاً لها على غير، كما استثنى: بغير، حملاً لها عليها. ولا
يجوز الرفع على البدل لأنه متفرع على الاستثناء، ومشروط بأن يكون في كلام غير موجب.
وقد أشبعنا القول في مباحث ذلك في أوّل كتاب الإيمان عند قوله: ((بني الإسلام على خمس:
شهادة أن لا إله إلاّ الله)).
ثم اعلم أنه: لا خلاف أن في قولك: قام القوم إلاَّ زيدًا، مخرجًا، ومخرجًا منه، وأن المخرج
ما بعد إلا، والمخرج منه ما قبلها. ولكن قبل إلّ شيئان: القيام والحكم به.
والقاعدة أن ما خرج من نقيض دخل في النقيض الآخر.
واختلفوا هل زيد مخرج من القيام أو من الحكم به؟ والذي عليه محققو النحاة والفقهاء: أنه
مخرج من القيام، فيدخل في عدم القيام، فهو غير قائم، وقيل: مخرج من الحكم بالقيام فيدخل في
عدم الحكم، فهو غير محكوم عليه، وهو قول قوم من الكوفيين، ووافقهم الحنفية.
فعندنا: أن الاستثناء من النفي إثبات ومن الإثبات نفي. وعندهم: أن المستثنى غير محكوم
عليه بشيء ومن حجج الجمهور الاتفاق على حصول التوحيد بقولنا: لا إله إلاّ الله. وذلك إنما
يتمشى على قولنا: أن المستثنى محكوم عليه، لا على قولهم: إنه مسكوت عنه. فافهمه.
قاله ابن هشام:
(وحده) بالنصب على الحال أي: لا إله منفردًا وحده (لا شريك له) عقلاً ونقلاً.
أما أوّلاً: فلأن وجود إلهين محال، إذ لو فرضنا وجودهما لكان كلٌّ منهما قادرًا على كل
المقدورات، فلو فرضنا أن أحدهما أراد تحريك زيد والآخر تسكينه، فإما أن يقع المرادان، وهو محال
٥٠٩
کتاب الأذان/ باب ١٥٥
لاستحالة الجمع بين الضدين، أو لا يقع واحد منهما، وهو محال لأن المانع من وجود مراد كل
واحد منهما حصول مراد الآخر ولا يمتنع وجود مراد هذا إلاّ عند وجود مراد الآخر وبالعكس،
فلو امتنعا معًا لوجدا معًا وذلك محال، لوجهين:
الأول: أنه لما كان كل واحد منهما قادرًا على ما لا نهاية له امتنع كون أحدهما أقدر من
الآخر، بل يستويان في القدرة، فيستحيل أن يصير مراد أحدهما أولى بالوقوع من الآخر، إذ يلزم
ترجيح أحد المتساويين من غير مرجح، وهذا محال.
الثاني: أنه إن وقع مراد أحدهما دون الآخر، فالذي يحصل مراد إله قادر، والذي لا يحصل
مراده عاجز، فلا يكون إله قادر، والذي لا يحصل مراده عاجز، فلا يكون إلهًا.
وأما ثانيًا: فلقوله تعالى: ﴿وإلهكم إله واحد لا إله إلاّ هو الرحمن الرحيم﴾ [البقرة: ١٦٣]
﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص: ١] ﴿لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد﴾ [النحل: ٥١]
﴿هو الأوّل والآخر﴾ [الحديد: ٣]. والأوّل: هو الفرد السابق وذلك يقتضي أن لا شريك له وهو
تأكيد لقوله: وحده، لأن المتصف بالوحدانية لا شريك له.
(له الملك) بضم الميم أي: أصناف المخلوقات، (وله الحمد) زاد الطبراني من طريق أخرى عن
المغيرة: يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، بيده الخير (وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما
أعطيت) أي الذي أعطيت (ولا معطي لما منعت) أي: الذي منعته.
وزاد في مسند عبد بن حميد من رواية معمر؛ عن عبد الملك بن عمير، بهذا الإسناد: ((ولا
راد لما قضیت)).
وقد أجاز البغداديون، كما نبّه عليه صاحب المصابيخ، ترك تنوين الاسم المطوّل، فأجازوا: لا
طالع جبلاً، أجروه في ذلك مجرى المضاف، كما أجرى مجراه في الإعراب.
قال ابن هشام: وعلى ذلك يتخرج الحديث، وتبعه الزركشي في تعليق العمدة، قال
الدماميني: بل يتخرج الحديث على قول البصريين أيضًا، بأن يجعل مانع اسم: لا، مفردًا مبنيًّا معها،
إما لتركيبه معها تركيب خمسة عشر، وإما لتضمنه معنى من الاستغراقية، على الخلاف المعروف في
المسألة. والخبر محذوف، أي: لا مانع مانع لما أعطيت، واللام للتقوية. فلك أن تقول: تتعلق،
ولك أن تقول: لا تتعلق.
وكذا القول في: ولا معطي لما منعت، وجوز الحذف ذكر مثل المحذوف، وحسنه دفع
التكرار، فظهر بذلك أن التنوين على رأي البصريين ممتنع، ولعل السرّ في العدول عن تنوينه إرادة
التنصيص على الاستغراق، ومع التنوين يكون الاستغراق ظاهرًا لا نصًا.
٥١٠
كتاب الأذان/ باب ١٥٦
فإن قلت: إذا نون الاسم كان مطولاً، ولا، عاملة، وقد تقرر أنها عند العمل ناصّة على
الاستغراق.
قلت: خص بعضهم الاستغراق بحالة البناء من جهة تضمن معنى: من الاستغراقية، ولو
سلّم ما قلته لم يعين عملها في هذا الاسم المنصوب حتى يكون النص على الاستغراق حاصلاً،
لاحتمال أن يكون منصوبًا بفعل محذوف، أي لا نجد ولا نرى مانعًا ولا معطيًا، فعدل إلى البناء
لسلامته من هذا الاحتمال . اهـ.
(ولا ينفع ذا الجد منك الجد) بفتح الجيم فيهما أي: لا ينفع ذا الغنى عندك غناه، إنما ينفعه
العمل الصالح. فمن، في: ملك بمعنى البدل، كقوله تعالى: ﴿أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة﴾
[التوبة: ٣٨] أي: بدل الآخرة.
(وقال شعبة) مما وصله السراج في سنده، والطبراني: في الدعاء، وابن حبّان (عن عبد الملك)
في رواية أبي ذر، والأصيلي زيادة: ابن عمير (بهذا) الحديث السابق، أي: رواه عنه كما رواه سفيان
عنه (و) قال شعبة، أيضًا (عن الحكم) بن عتيبة، مما وصله السراج والطبراني وابن حبان، وثبتت
واو: وعن الحكم لابن عساكر (عن القاسم بن مخيمرة) بضم الميم وفتح المعجمة وسكون المثناة وكسر
الميم بعدها مفتوحة، (عن وراد بهذا) الحديث أيضًا، ولفظه كلفظ عبد الملك بن عمير، إلاّ أنهم قالوا
فيه: كان إذا قضى صلاته وسلم قال: إلخ (وقال الحسن) البصري، مما وصله ابن أبي حاتم، من
طريق أبي رجاء، وعبد بن حميد من طريق سليمان التيمي، كلاهما عن الحسن، أنه قال في قوله
تعالى ﴿وأنه تعالى جدّ ربنا﴾ [الجن: ٣] (جدُّ غنى) بالرفع بلا تنوين على سبيل الحكاية، مبتدأ خبره
غنى، أي: الجد تفسيره غنى، ولكريمة: الجد غنى، وسقط هذا الأثر في رواية الأصيلي وابن
عساكر، وتعليق الحكم مؤخر عن تعليق الحسن في رواية أبي ذر، ومقدّم عليه في رواية كريمة، وهو
الأصوب. لأن قوله: عن الحكم، معطوف على قوله: عن عبد الملك، وقوله: قال الحسن: جد
غنى، معترض بين المعطوف والمعطوف عليه .
ورواة هذا الحديث الخمسة كوفيون إلاّ محمد بن يوسف، وفيه التحديث والعنعنة والقول،
وأخرجه المؤلف أيضًا في الاعتصام، والرقاق، والقدر والدعوات، ومسلم وأبو داود والنسائي في:
الصلاة .
١٥٦ - باب يَستقبِلُ الإمامُ الناسَ إذا سَلَّمَ
هذا (باب) بالتنوين (يستقبل الإمام الناس) بوجهه (إذا سلم) من الصلاة.
٥١١
كتاب الأذان/ باب ١٥٦
٨٤٥ - حدثنا موسى بنُ إسماعيلَ قال: حدَّثَنا جَرِيرُ بنُ حازم قال: حدَّثَنا أبو رجاءٍ عن
سَمُرَةَ بنِ جُنْدَبٍ قال: ((كان النبيُّ وَ لَهَ إذا صلى صلاةٌ أقبلَ عليها بوجههِ)). [الحديث ٨٤٥ أطرافه
في: ١١٤٣، ١٣٨٦، ٢٠٨٥، ٢٧٩١، ٣٢٣٦، ٣٣٥٤، ٤٦٧٤، ٦٠٩٦، ٧٠٤٧].
وبالسند إلى المؤلف قال: (حدّثني موسى بن إسماعيل) التبوذكي، (قال: حدّثنا جرير بن
حازم) بالحاء المهملة والزاي (قال: حدّثنا أبو رجاء) بتخفيف الجيم ممدودًا، عمران بن تميم العطاردي
(عن سمرة بن جندب) بضم الميم وضم الدال المهملة وفتحها، رضي الله عنه (قال: كان النبي وَلّ
إذا صلى صلاة) أي فرغ منها (أقبل علينا بوجهه) الشريف.
ابن المنير: استدبار الإمام للمأمومين إنما هو لحق الإمامة، فإذا انقضت الصلاة زال السبب،
فاستقبالهم حينئذ يرفع الخيلاء والترفّع على المأمومين. اهـ.
وقيل: الحكمة فيه تعريف الداخل بأن الصلاة انقضت، إذ لو استمر على حاله لأوهم أنه في
التشهد مثلاً .
٨٤٦ - حدثنا عبدُ اللَّهِ بنُ مَسلمةَ عن مالكِ عن صالح بن كيسانَ عن عُبَيدِ اللَّهِ بن
عبد الله بن عُتبةَ بنِ مَسعود عن زيدِ بنِ خالدٍ الْجُهَنيِّ أنه قال: ((صلَّى لنا رسولُ اللَّهِ وَّةِ صلاةَ
الصبحِ بالْحُدَيْبِيةِ - على أثَرِ سماءٍ كانت منَ الليلةِ - فلما انصرفَ أقبلَ عَلَى الناسِ فقال: هل تَدرونَ
ماذا قال ربُّكم؟ قالوا: اللَّهُ ورسولهُ أعلمُ. قال: أصبحَ مِن عبادي مُؤمنٌ بي وكافرٌ: فأما من قال:
مُطِرْنا بفَضلِ اللَّهِ وَرحمتهِ فذلكَ مُؤْمِنٌ وَكافرٌ بالكوكبِ، وَأَمَّا مَن قال: بِنَوءِ كذا وكذا فَذْلكَ كافرٌ
بي ومؤمنٌ بالكوكب)). [الحديث ٨٤٦ - أطرافه في ١٠٣٨، ٤١٤٧، ٧٥٠٣].
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي، وللأصيلي: قال عبد الله بن مسلمة (عن
مالك) إمام دار الهجرة (عن صالح بن كيسان، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود)
بتصغير العبد في الأوّل، وضم العين وإسكان المثناة الفوقية في الثالث (عن زيد بن خالد الجهني،
أنه قال: صلّ لنا) أي لأجلنا (رسول الله) وللأصيلي وأبي ذر: صلى لنا النبي (لَ﴾ صلاة الصبح
بالحديبية) بحاء مضمومة ودال مفتوحة مهملة مخففة الياء عند بعض المحققين، وهو الذي في الفرع،
مشددة عند أكثر المحدثين.
موضع على نحو مرحلة من مكة، سمي ببئر هناك، وبه كانت بيعة الرضوان تحت الشجرة سنة
ست من الهجرة.
(على أثر سماءٍ كانت) بضمير التأنيث، عائد إلى سماء، وإثر بكسر الهمزة وإسكان المثلثة في
الفرع، ويجوز فتحهما، أي: على أثر مطر كانت (من الليلة) ولأبي ذر من الليل (فلما انصرف) عليه
الصلاة والسلام من الصلاة (أقبل على الناس) بوجهه الشريف (فقال) لهم:
٥١٢
كتاب الأذان/ باب ١٥٦
(هل تدرون ماذا قال ربكم) استفهام على سبيل التنبيه.
(قالوا: الله ورسوله أعلم) بما قال.
(قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر) الكفر الحقيقي، لأنه قابله بالإيمان حقيقة .
لأنه اعتقد ما يفضي إلى الكفر، وهو اعتقاد أن الفعل للكوكب. وأما من اعتقد أن الله هو
خالقه ومخترعه، وهذا ميقات له وعلامة بالعادة، فلا يكفر. أو المراد كفر النعمة لإضافة الغيث إلى
الكوكب. قال الزركشي: والإضافة في عبادي للتغليب وليست للتشريف، كهي في قوله: ﴿إِن
عبادي ليس لك عليهم سلطان﴾ [الحجر: ٤٢] لأن الكافر ليس من أهله.
وتعقبه في المصابيح فقال: التغليب على خلاف الأصل، ولم لا يجوز أن تكون الإضافة لمجرد
الملك .
(فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي وكافر بالكوكب) بالتنوين،
وللأربعة: مؤمن، بغير تنوين. وثبت قوله: لأبي ذر وسقطت لغيره، وسقطت واو: وكافر، لابن
عساكر وأبي ذر: (وأما من قال: بنوء كذا وكذا) بفتح النون وسكون الواو في آخر همزة، أي :
بكوكب كذا وكذا، سمى نجوم منازل القمر أنواء، وسمى نوءًا لأنه ينوء طالعًا عند مغيب مقابله
بناحية المغرب.
وقال ابن الصلاح: النوء ليس نفس الكوكب، بل مصدر ناء النجم إذا سقط وقيل: نهض
وطلع، وبيانه أن ثمانية وعشرين نجمًا معروفة المطالع في أزمنة السنة وهي المعروفة بمنازل القمر،
يسقط في كل ثلاث عشرة ليلة نجم منها في المغرب مع طلوع مقابله في المشرق، فكانوا ينسبون
المطر للغارب، وقال الأصمعي: للطالع، فتسمية النجم نوءًا تسمية للفاعل بالمصدر.
وللکشمیهني: مطرنا بنوء كذا وكذا، (فذلك كافر بي ومؤمن بالكوكب). وسقطت الواو
لأبوي ذر والوقت وابن عساكر، وقد أجاز العلماء أن يقال: مطرنا في نوء كذا.
٨٤٧ - حدثنا عبدُ اللَّهِ سمعَ يزيدَ قال: أخبرَنا حُميدٌ عن أنس قال: ((أخّرَ رسولُ اللَّهِ وَل
الصلاةَ ذاتَ ليلةٍ إلى شطرِ الليلِ، ثمَّ خرج علينا، فلما صلَّى أقبلَ علينا بوَجههِ فقال: إنَّ الناسَ قد
صلَّوا ورقدوا، وإنكم لن تزالوا في صلاةٍ ما انتظرتُم الصلاةَ».
وبه قال: (حدّثنا عبد الله) أي ابن منير، كما في رواية أبي ذر وابن عساكر، بصيغة اسم
الفاعل من أثار، وللأصيلي وأبي الوقت: أبي المنير بالألف واللام، لأن الاسم إذا كان في الأصل
صفة يجوز فيه الوجهان، أنه (سمع يزيد) زاد الأصيلي وأبو ذر: ابن هارون (قال: أخبرنا حميد) بضم
الحاء وفتح الميم (عن أنس) وللأصيلي زيادة: ابن مالك (قال: أخر رسول الله) ولأبي ذر والأصيلي:
٥١٣
كتاب الأذان/ باب ١٥٧
النبي (َ﴿ الصلاة ذات ليلة) من باب إضافة المسمى الى اسمه، أو لفظة: ذات، مقحمة (إلى شطر
الليل) الأول (ثم خرج علينا، فلما صلى) أي فرغ من الصلاة (أقبل علينا بوجهه) الشريف (فقال):
(إن الناس) الغير الحاضرين في المسجد (قد صلوا ورقدوا، وإنكم لن) بالنون (تزالوا في)
ثواب (صلاة ما انتظرتم الصلاة) أي: مدة انتظارها.
١٥٧ - باب مُكثِ الإمام في مُصلاَهُ بعدَ السلام
(باب مكث الإمام في مصلاه بعد السلام) من الصلاة .
٨٤٨ . وقال لنا آدمُ حدَّثَنَا شُعبةُ عن أيُّوبَ عن نافعٍ قال: ((كان ابنُ عمرَ يُصلِّي في مكانِهِ
الذي صلَّى فيه الفريضةَ، وَفعَلهُ القاسمُ، وَيُذكَرُ عن أبي هُرَيرةَ رَفعَهُ: لا يَتطوَّعُ الإمامُ في مكانِهِ .
ولم يصحّ)).
وبالسند إلى المؤلف قال: (وقال لنا آدم) بن أبي إياس.
وعادة المؤلف أن يستعمل هذا اللفظ في المذاكرة، وهي أحطّ رتبة، وعلى ذلك مشى
الكرماني، وتبعه البرماوي والعيني، قال في الفتح: وليس بمطّرد، فقد وجدت كثيرًا مما قال فيه
ذلك قد أخرجه في تصانيف أخرى بصيغة التحديث، وإنما عبّر بذلك ليغاير بينه وبين المرفوع كما
عرفته بالاستقرار من صنيعه، وتعقبه العيني بأنه: لا يلزم من كونه وجده ... إلخ. أن يكون المؤلف
أسند هذا الأثر في تصنيف آخر بصيغة التحديث . اهـ.
(حدّثنا) وللأصيلي: أخبرنا (شعبة) بن الحجاج (عن أيوب) السختياني (عن نافع) مولى ابن
عمر (قال: كان ابن عمر) بن الخطاب (يصلي) النفل (في مكانه الذي صلى فيه الفريضة)، ولأبي ذر
عن الحموي فريضة.
ورواه ابن أبي شيبة من وجه آخر، عن أيوب، عن نافع، قال: كان ابن عمر يصلي سبحته
مكانه .
(وفعله) أي: صلاة النفل في موضع الفرض، (القاسم) بن محمد بن أبي بكر الصديق، رضي
الله عنهم، وهذا وصله ابن أبي شيبة .
(ويذكر) بضم أوّله مبنيًّا للمفعول، مما وصله أبو داود، وابن ماجة لكن بمعناه، (عن أبي
هريرة رفعه) بفتحات في الفرع، أي: إلى رسول الله وَّر، وفي غير الفرع: رفعه، بفتح فسكون
فضم، مصدر مضاف للفاعل، مرفوع نائبًا عن الفاعل في يذكر، ومفعوله جملة (لا يتطوع الإمام)
بضم العين أو مجزوم بلا، وكسر لالتقاء الساكنين (في مكانه) الذي صلى فيه الفريضة.
إرشاد الساري/ ج ٢ / م ٣٣
٥١٤
کتاب الأذان/ باب ١٥٧
(ولم يصح). ولابن عساكر: ولا يصح هذا التعليق لضعف إسناده واضطرابه، تفرد به
لیث بن أبي سليم، وهو ضعيف واختلف عليه فيه.
وفي الباب عن المغيرة بن شعبة مرفوعًا أيضًا مما رواه أبو داود بإسناد منقطع بلفظ: لا يصلي
الإمام في الموضع الذي صلى فيه حتى يتحوّل عن مكانه.
ولابن أبي شيبة بإسناد حسن عن علي، قال: من السُّنّة أن لا يتطوّع الإمام حتى يتحوّل عن
مكانه .
وكأن المعنى في كراهة ذلك خشية التباس النافلة بالفريضة على الداخل.
٨٤٩ - حدّثنا أبو الوليدِ حدَّثَنا إبراهيمُ بنُ سَعدِ حدَّثَنَا الزُّهريُّ عن هندٍ بنتِ الحارثِ عن أُمْ
سلمةَ ((أنَّ النبيَّ وَّرِ كان إذا سلَّمَ يَمكُثُ في مكانِهِ يَسيرًا. قال ابنُ شِهابٍ: فنرى - واللهُ أعلمُ .
لكي يَنفُذَ من يَنصرِفُ مِنَ النِّساءِ».
وبه قال: (حدّثنا أبو الوليد) أي هشام بن عبد الملك كما في رواية أبوي الوقت وذر (قال:
حدّثنا إبراهيم بن سعد) بسكون العين (قال: حدّثنا) ابن شهاب (الزهري عن هند بنت الحرث)
بالمثلثة، التابعية، بالصرف وعدمه في هند لكون علم أنثى على ثلاثة أحرف، ساكن في الوسط ليس
أعجميًّا، ولا منقولاً من مذكر لمؤنث، لكن المنع أولى، (عن أم سلمة) رضي الله عنها، (أن
النبي ◌َّه كان إذا سلم) من الصلاة (يمكث في مكانه) الذي صلى فيه (يسيرًا).
(قال ابن شهاب) الزهري بالإسناد المذكور: (فنرى) بضم النون أي فنظن (والله أعلم) أن مكثه
عليه الصلاة والسلام في مكانه كان (لكي ينفذ) بفتح أوّله وضم ثالثه والذال معجمة، أي: يخرج
(من ينصرف من النساء) قبل أن يدركهن من ينصرف من الرجال، ومقتضى هذا أن المأمومين إذا
كانوا رجالاً فقط أنه لا يستحب هذا المکث.
٨٥٠ - وقال ابنُ أبي مريمَ أخبرَنا نافعُ بنُ يزيدَ قال: أخبرَني جعفرُ بنُ ربيعةَ أنَّ ابنَ شهابٍ
كتبَ إليهِ قال: حدَّتَتْني هندُ بنتُ الحارثِ الفِراسِيَّةُ عن أُمّ سلمةَ زوج النبيِّ وََّ ـ وكانت مِن
صَواحباتِها - قالت: ((كان يُسَلِّمُ فينصرِفُ النساءُ فيَدخُلنَ بُيوتَهنَّ مِن قبلِ أن يَنصَرِفَ رسولُ
اللَّهِ وَّ). وقال ابنُ وَهبٍ عن يونُسَ عنِ ابنِ شِهابٍ أخبرَتْني هندُ الفِراسِيَةُ. وَقال عثمانُ بنُ عمرَ
أخبرَنا يونُسُ عنِ الزُّهريِّ حدَّثَتْني هندُ الفِراسيةُ. وَقال الزُّبَيدِيُّ أخبرَني الزهريُّ أن هندَ بنتَ الحارثِ
القرشيةَ أخبرَتهُ - وكانت تحتَ مَعبَدِ بنِ المقدادِ وَهوَ حليفُ بني زهرةَ - وكانت تدخلُ على أزواج
النبي ◌َّهُ. وَقال شُعيبٌ عن الزّهريِّ حدَّثثني هندُ القرشيةُ. وَقال ابنُ أبي عَتيقِ عنِ الزُّهريُّ عن هندٍ
الفِراسيةِ. وَقال الليثُ حدَّثني يحيى بنُ سعيدٍ حدَّثْهُ عن ابنِ شهابٍ عنِ امرأةٍ من قريشٍ حدَّثَتْهُ عنِ
النبيِّ {ێو.
٥١٥
کتاب الأذان/ باب ١٥٧
(وقال ابن أبي مريم) مما وصله في الزهريات: (أخبرنا نافع بن يزيد، قال: أخبرني) بالإفراد
ولأبوي ذر والوقت والأصيلي: حدّثني (جعفر بن ربيعة، أن ابن شهاب) الزهري (كتب إليه، قال:
حدثتني هند بنت) ولأبوي ذر والوقت ابنة (الحرث الفراسية) بكسر الفاء وتخفيف الراء وكسر السين
المهملة وتشديد المثناة التحتية، نسبة إلى بني فراس، بطن من كنانة (عن أم سلمة زوج النبي وَليل،
وكانت من صواحباتها) هو من جمع الجمع المكسر جمع سلامة وهو مسموع في هذه اللفظة (قالت:
كان) النبي ◌ُّ (يسلم، فينصرف النساء فيدخلن بيوتهن من قبل أن ينصرف رسول الله وَله).
أفادت هذه الرواية الإشارة إلى أقل مقدار كان يمكثه عليه الصلاة والسلام ..
(وقال ابن وهب) عبد الله، مما وصله النسائي عن محمد بن سلمة عنه (عن يونس) بن يزيد
(عن ابن شهاب) الزهري: (أخبرتني هند الفراسية) وفي رواية: القرشية، بالقاف والشين المعجمة
من غير ألف.
(وقال عثمان بن عمر) مما سيأتي موصولاً، إن شاء الله تعالى بعد أربعة أبواب. (أخبرنا
يونس) بن يزيد (عن) ابن شهاب (الزهري، حدثتني هند الفراسية) ولأبوي ذر والوقت، والأصيلي،
وابن عساكر: القرشية، بالقاف والشين المعجمة .
(وقال) محمد بن الوليد (الزبيدي) بضم الزاي وفتح الموحدة، مما وصله الطبراني في مسند
الشاميين، من طريق عبد الله بن سالم، عنه: (أخبرني) بالإفراد: ابن شهاب (الزهري أن هند بنت
الحرث) ولأبوي ذر والوقت والأصيلي: أن هندًا (القرشية) بالقاف والشين المعجمة من غير ألف،
نسبة لقريش، ومراد المؤلف بذلك التنبيه على أنه اختلف في نسبة هند، ولا مغايرة بين النسبتين،
لأن كنانة جماع قرشي (أخبرته وكانت تحت معبد ابن المقداد) بفتح الميم وسكون العين وفتح الموحدة
في الأوّل، وكسر الميم في الثاني، ابن الأسود الكندي المدني الصحابي (وهو) أي معبد (حليف بني
زهرة) بحاء مهملة مفتوحة (وكانت) هند (تدخل على أزواج النبي (وَّر) ورضي عنهن.
(وقال شعيب) هو ابن حمزة، مما وصله في الزهريات (عن الزهري) أنه قال: (حدّثتني هند
القرشية) بالقاف والشين المعجمة .
(وقال ابن أبي عتيق) بفتح العين، هو محمد بن عبد الله بن أبي عتيق، مما وصله في الزهريات
أيضًا (عن الزهري، عن هند الفراسية) بالفاء والسين المهملة.
(وقال الليث) بن سعد (حدّثني) بالإفراد (يحيى بن سعيد) بكسر العين، الأنصاري، أنه
(حدّثه عن ابن شهاب) ولأبوي ذر والوقت، والأصيلي، وابن عساكر: حدّثه ابن شهاب، (عن
امرأة)، وللكشميهني: أن امرأة (من قريش) هي هند بنت الحرث المذكورة (حدّثته عن النبي (وَليّ)
وهذا غير موصول لأن هندًا تابعية.
٥١٦
كتاب الأذان/ باب ١٥٨
وفي قوله: امرأة من قريش، الرد على من زعم أن قوله: القرشية بالقاف والشين المعجمة،
تصحيف من الفراسية بالفاء والسين المهملة .
قال في الفتح: واستنبط من مجموع الأدلة أن للإمام أحوالاً، لأن الصلاة إما أن تكون مما
يتنفل بعدها أو لا. فإن كان الأوّل، فاختلف: هل يتشاغل قبل التنفل بالذكر المأثور ثم يتنفل؟
وبذلك أخذ الأكثرون لحديث معاوية. وعند الحنفية: يكره له المكث قاعدًا يشتغل بالدعاء، والصلاة
على النبي ◌َّ، والتسبيح قبل أن يصلي السُّنّة. لأن القيام إلى السُّنّة بعد أداء الفريضة أفضل من
الدعاء والتسبيح والصلاة، ولأن الصلاة مشتقة من المواصلة، وبكثرة الصلاة يصل العبد إلى
مقصوده هـ. من المحيط .
وأما الصلاة التي لا يتنفل بعدها: كالعصر، فيتشاغل الإمام ومن معه بالذكر المأثور، ولا
يتعين له مكان، بل إن شاؤوا انصرفوا وذكروا، وإن شاؤوا مكثوا وذكروا.
وعلى الثاني: إن كان للإمام عادة أن يعلمهم أو يعظهم فيستحب أن يقبل عليهم جميعًا، وإن
كان لا يزيد على الذكر المأثور، فهل يقبل عليهم جميعًا أو ينتقل فيجعل يمينه من قبل المأمومين
ويساره من قبل القبلة ويدعو؟ جزم بالثاني أكثر الشافعية .
ويحتمل أنه إن قصر زمن ذلك يستمر مستقبلاً للقبلة من أجل أنها أليق بالدعاء. ويحمل الأوّل
على ما لو أطال الذكر والدعاء . اهـ. والله الموفق.
١٥٨ - باب من صلَّى بالناسِ فذكرَ حاجةٌ فتخطّاهم
(باب من صلى بالناس فذكر حاجة فتخاطهم) بعد أن سلم وترك المكث.
٨٥١ - حدثنا محمدُ بنُ عُبيدٍ قال: حدَّثَنا عيسى بنُ يونُسَ عن عمرَ بنِ سعيدٍ قال: أخبرني
ابنُ أبي مليكة عن عُقبةَ قال: ((صليتُ وَراءَ النبيِّ وَّرَ بِالمدينةِ العصرَ، فسلَّمَ، ثمَّ قامَ مُسرِعًا
فتَخطَّى رِقَابَ الناسِ إلى بعضٍ حُجَرٍ نسائه، فَفَزِعَ الناسُ من سُرعَتِهِ، فخرَجَ عليهم فرأى أنهم
عَجِبوا من سُرعتهِ فقال: ذكرتُ شيئًا مِن تِبْرٍ عندَنا، فكرِهتُ أن يَحبِسَني، فأمرتُ بقِسْمتِهِ)).
[الحديث ٨٥١ - أطرافه في: ١٢٢١، ١٤٣٠، ٦٢٧٥].
وبالسند إلى المؤلف، قال: (حدّثنا محمد بن عبيد) بضم العين، العلاف، ولابن عساكر: ابن
ميمون (قال: حدّثنا عيسى بن يونس) بن أبي إسحق السبيعي، كان يغزو سنة ويحج أخرى توفي
سنة سبع وثمانين ومائة، (عن عمر بن سعيد) بضم العين وفتح الميم في الأوّل. وكسر العين في
الثاني، ابن أبي حسن النوفلي المكي (قال: أخبرني ابن أبي مليكة) بضم الميم (عن عقبة) بن الحرث
النوفلي، أبي سروعة، بكسر السين وفتحها (قال: صلّيت وراء النبي ◌ِّر بالمدينة، العصر، فسلم ثم
٥١٧
کتاب الأذان/ باب ١٥٩
قام) كذا للكشميهني، وفي رواية الحموي والمستملي: فسلم فقام، حال كونه (مسرعًا؛ فتخطى) بغير
همز، أي تجاوز (رقاب الناس إلى بعض حجر نسائه).
فيه أن للإمام أن ينصرف متى شاء، وأن التخطّي لما لا غنى عنه مباح، وأن من وجب عليه
فرض فالأفضل مبادرته إليه.
(ففزع الناس) بكسر الزاي: أي خافوا (من سرعته) وكانت هذه عادتهم، إذا رأوا منه عليه
الصلاة والسلام، غير ما يعهدونه، خشية أن ينزل فيهم شيء فيسوءهم، (فخرج) ◌َّر من الحجرة
(عليهم) ولابن عساكر، إليهم (فرأى أنهم عجبوا) وللكشميهني: أنهم قد عجبوا (من سرعته، فقال)
عليه الصلاة والسلام:
(ذكرت) بفتح الذال والكاف، أو بالضم والكسر، وأنا في الصلاة (شيئًا من تبر) بكسر المثناة
شيئًا من ذهب أو فضة غير مضوغ، أو من ذهب فقط. وفي رواية أبي عاصم: تبرّا من الصدقة
(عندنا، فكرهت أن يحبسني) أي: يشغلني التفكّر فيه عن التوجه والإقبال على الله تعالى (فأمرت
بقسمته) بكسر القاف والمثناة الفوقية بعد الميم، ولأبي ذر وابن عساكر: بقسمة القاف من غير مثناة،
وفي رواية أبي عاصم: فقسمته .
ويؤخذ منه أن عروض الذكر في الصلاة في أجنبي عنها من وجوه الخير، وإنشاء العزم في
أثنائها على الأمور المحمودة، لا يفسدها، ولا يقدح في كمالها.
واستنبط منه ابن بطال: أن تأخر الصدقة يحبس صاحبها يوم القيامة في الموقف.
ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين كوفي ومكي، وفيه التحديث والإخبار والعنعنة والقول،
وشيخ البخاري من أفراده، وأخرجه أيضًا في الصلاة والزكاة والاستئذان، والنسائي في الصلاة.
١٥٩ - باب الإِنِفِتالِ وَالاِنِصِرافِ عنِ اليمينِ وَالشّمالِ
وكان أنسٌ يَنفتِلُ عن يمينِهِ وعن يَسارهِ، وَيَعيبُ على مَن يَتوخَّى - أو مَن يَعمِدُ - الانفتال عن
یمینه .
(باب الانفتال) لاستقبال المأمومين (والانصراف) لحاجته (عن اليمين والشمال) أي عن يمين
المصلي وعن شماله، فالألف واللام عوض عن المضاف إليه.
(وكان أنس) ولأبي ذر: أنس بن مالك، مما وصله مسدد في مسنده الكبير، من طريق سعيد
عن قتادة، قال: كان أنس (ينفتل) أي ينصرف (عن يمينه وعن يساره، ويعيب على من يتوخى)
بالخاء المعجمة المشددة، أي يقصد ويتحرى (- أو من يعمد - الانفتال عن يمينه) بفتح المثناة التحتية
وسكون العين وكسر الميم، شك من الراوي. وفي رواية أبي ذر: أو من تعمد، بفتح المثناة الفوقية
٥١٨
کتاب الأذان/ باب ١٥٩
والعين والميم المشدّدة، ولابن عساكر والأصيلي: أو يعمد، بفتح المثناة التحتية وسكون العين وكسر
الميم مع إسقاط : من.
فإن قلت: هذا يخالف ما في مسلم من طريق إسماعيل بن عبد الرحمن السدي، قال: أنسًا
كيف أنصرف إذا صليت، عن يميني أو عن يساري؟
قال: أمّا أنا، فأكثر ما رأيت رسول الله وَ لّ ينصرف عن يمينه.
أجيب بأن أنسًا إنما عاب من يعتقد تحثّم ذلك ووجوبه، وأما إذا استوى الأمران، فجهة
اليمين أولى، لأنه عليه الصلاة والسلام: كان أكثر انصرافه لجهة اليمين، كما سيأتي في الحديث
الآتي، إن شاء الله تعالى، ويجب التیامن في شأنه کله.
٨٥٢ - حدثنا أبو الوليدِ قال: حدَّثنا شعبةُ عن سليمانَ عن عمارةَ بنِ عُميرٍ عنِ الأسودِ قال:
قال عبدُ اللَّهِ: ((لا يَجعل أحدُكم للشيطانِ شيئًا من صلاتهِ يرَى أنَّ حقًّا عليه أن لا ينصَرِفَ إلاّ عن
يَمِينِهِ، لقد رأيتُ النبيَّ رَ ﴿ كثيرًا ينصرِفُ عن يَسارهِ)) .
وبه قال: (حدّثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك (قال: حدّثنا) ولأبي ذر: أخبرنا (شعبة) بن
الحجاج، (عن سليمان) بن مهران الأعمش (عن عمارة بن عمير) بضم العين فيهما، (عن
الأسود) بن يزيد النخعي (قال: قال عبد الله) بن مسعود، رضي الله عنه: (لا يجعل) وللكشميهني:
لا يجعلن، بنون التوكيد، (أحدكم للشيطان شيئًا) ولمسلم: جزءًا (من صلاته يرى) بفتح أوّله، أي:
يعتقد، ويجوز الضم أي: يظن (أن حقًّا عليه أن لا ينصرف إلاّ عن يمينه) بيان لما قبله، وهو الجعل
أو استئناف بياني. كأنه قيل: كيف يجعل للشيطان شيئًا من صلاته؟ فقال: يرى أن حقًّا عليه إلى
آخره.
وقوله: أن لا ينصرف، في موضع رفع خبر أن، واستشكل بأنه معرفة، إذ تقديره عدم
الانصراف، فكيف يكون اسمها نكرة وهو معرفة؟
وأجيب: بأن النكرة المخصوصة كالمعرفة، أو من باب القلب، أي: يرى أن عدم الانصراف
حق عليه. قاله البرماوي تبعًا للكرماني.
وتعقبه العيني فقال: هذا تعسف، والظاهر أن المعنى: يرى واجبًا عليه عدم الانصراف إلاّ عن
يمينه والله (لقد رأيت النبي ◌َّ كثيرًا) حال كونه (ينصرف عن يساره).
واستنبط ابن المنير منه: أن المندوب ربما انقلب مكروهًا إذا خيف على الناس أن يرفعوه عن
رتبته، لأن التيامن مستحب. لكن لما خشي ابن مسعود أن يعتقد وجوبه، أشار إلى كراهته.
٥١٩
كتاب الأذان/ باب ١٦٠
قال أبو عبيدة لمن انصرف عن يساره: هذا أصاب السُّنّة، يريد والله أعلم، حيث لم يلزم
التيامن على أنه سُنّة مؤكدة أو واجب، وإلا فما يظن أن التياسر سُنّة حتى يكون التيامن بدعة، إنما
البدعة في رفع التيامن عن رتبته. قاله في المصابيح.
ورواة هذا الحديث ما بين كوفي وواسطي وبصري، وفيه التحديث والإخبار والعنعنة، وثلاثة
من التابعين، وأخرجه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجة: في الصلاة. والله أعلم.
١٦٠ - باب ما جاءَ في الثُّومِ النّيءٍ وَالبَصَلِ وَالْكُرّاتِ
وقول النبيِّ وََّ: ((مَن أكلَ الثُّومَ أوِ البصلَ مِنَ الجوعِ أو غيرِهِ فلا يَقْرِبَنَّ مسجدَنا)).
(باب ما جاء في) أكل (الثوم النيء) بنون مكسورة فمثناة تحتية فهمزة ممدودة، وقد تدغم،
وهو مجرور، صفة لسابقه المضموم المثلثة، أي غير النضيج (و) ما جاء في أكل (البصل والكراث)
بضم الكاف وتشديد الراء آخره مثلثة .
(وقول النبي وَله) بجرّ لام القول عطفًا على المجرور السابق، ومقول قوله عليه الصلاة
والسلام (من أكل الثوم أو البصر) أي: النيء (من الجوع، أو غيره) كالأكل للتشهي، والتأدم بالخبز
(فلا يقربن مسجدنا) بنون التأكيد المشددة.
وليس هذا لفظ حديث، بل هو من تفقه المصنف، وتجويزه لذكر الحديث بالمعنى.
والتقييد: بالجوع أو غيره، مأخوذ من كلام الصحابي في بعض طرق حديث جابر، المروي في
مسلم، ولفظه: نهى رسول الله بَّر عن أكل البصل والكراث، فغلبتنا الحاجة، فأكلنا منه ...
الحديث. والحاجة تشمل الجوع وغيره.
وأصرح منه ما في حديث أبي سعيد: ثم بعد أن فتحت خيبر فوقعنا في هذه البقلة والناس
جياع ... الحديث.
٨٥٣ - حدّثنا مسدَّدٌ قال: حدَّثَنا يحيى عن عُبيدِ اللَّهِ قال: حدَّثني نافعٌ عنِ ابنِ عمرَ رضيَ
اللَّهُ عنهما ((أنَّ النبيَّ وَ قال في غزوةِ خَيبرَ: مَن أكل مِن هذهِ الشجرةِ - يَعني الثُّومَ - فلا يَقرَبنَّ
مَسجدَنا)). [الحديث ٨٥٣- أطرافه في: ٤٢١٥، ٤٢١٧، ٤٢١٨، ٥٥٢١، ٥٥٢٢].
وبالسند إلى البخاري رحمه الله قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد (قال: حدّثنا يحيى) بن
سعيد القطان (عن عبيد الله) بضم العين، ابن عمر العمري (قال: حدثني) بالإفراد (نافع) مولى ابن
عمر (عن ابن عمر) بن الخطاب (رضي الله عنهما، أن النبي ◌َّ قال، في غزوة خيبر) سنة سبع من
الهجرة:
٥٢٠
كتاب الأذان/ باب ١٦٠
(من أكل من هذه الشجرة) (يعني الثوم) يحتمل أن يكون القائل: يعني، هو عبيد الله
العمري، كما قاله الحافظ ابن حجر رحمه الله (فلا يقربن مسجدنا) بنون التأكيد المشددة أي: المكان
الذي أعدّه ليصلي فيه مدة إقامته بخيبر، أو المراد بالمسجد: الجنس، والإضافة إلى المسلمين ويدل له
رواية أحمد عن يحيى القطان فيه بلفظ: فلا يقربن المساجد: وحكم رحبة المسجد حكمه لأنها منه،
ولذا كان عليه الصلاة والسلام إذا وجد ريحها في المسجد أمر بإخراج مَن وجدت منه إلى البقيع، كما
ثبت في مسلم عن عمر رضي الله عنه، ويلحق بالثوم کل ذي ربح کریه.
وألحق بعضهم به من بفيه بخر، أو لجرحه رائحة، وكالمجذوم والأبرص، وأصحاب الصنائع
الكريهة: كالسماك، وتاجر الكتان، والغزل.
وعورض بأن آكل الثوم أدخل على نفسه باختياره هذا المانع، بخلاف: الأبخر والمجذوم،
فكيف يلحق المضطر بالمختار . اهـ.
وزاد مسلم من رواية ابن نمير عن عبيد الله: حتى ذهب ريحها. وسمى الثوم بالشجرة،
والشجرة ما كان على ساق له وما لا ساق له يسمى نجمًا. كما أن اسم كلٌّ منهما قد يطلق على
الآخر، ونطق أفصح الفصحاء من أقوى الدلائل.
٨٥٤ - حدثنا عبدُ اللَّهِ بنُ محمدٍ قال: حدَّثَنا أبو عاصمٍ قال: أخبرنا ابنُ جُرَيجٍ قال:
أخبرني عَطاءٌ قال: سمعتُ جابرَ بنَ عبدِ اللهِ قال: قال النبيُّ ◌ََّ: ((مَن أكلَ مِن هُذهِ الشجرةِ
- يُرِيدُ الثُومَ - فلا يَغْشانا في مَساجِدنا)». قلت: ما يَعني بهِ؟ قال: ما أُراهُ يَعني إلاّ نيئَهُ. وقال
مَخْلَدُ بنُ يَزِيدَ عنِ ابنِ جُرَيجٍ: إلاّ نَتَنَهُ. [الحديث ٨٥٤ أطرافه في: ٨٥٥، ٥٤٥٢، ٧٣٥٩].
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن محمد) أي: ابن اليمان الجعفي المسندي المتوفى سنة تسع وعشرين
ومائتين (قال: حدّثنا أبو عاصم) الضحاك بن مخلد النبيل، شيخ المؤلف، وربما روى عنه بواسطة
كما هنا (قال: أخبرنا ابن جريج) عبد الملك (قال: أخبرني) بالإفراد (عطاء) هو ابن أبي رباح (قال:
سمعت جابر بن عبد الله) الأنصاري (قال: قال النبي ◌َّ):
(من أكل من هذه الشجرة) (يريد الثوم) يحتمل أن يكون الذي فسر هو ابن جريج كما قاله
الحافظ ابن حجر، رحمه الله تعالى. (فلا يغشانا) بألف بعد الشين المعجمة إجراء للمعتل مجرى
الصحيح، کقوله:
إذا العجوز غضبت فطلق ولا ترضاها ولا تملق
أو الألف من إشباع فتحية يغشنا، أو خبر بمعنى النهي، أي: فلا يأتنا (في مساجدنا)
وللحموي والمستملي: مسجدنا، بالإفراد.