Indexed OCR Text

Pages 461-480

٤٦١
کتاب الأذان/ باب ١٢٩
فيُصَبُّ عليهم ماءُ الحياةِ، فينبتونَ كما تنبُتِ الحَبَّةُ في حَميلِ السَّيلِ. ثمَّ يَفرُغُ اللَّهُ مِنَ القضاءِ بينَ
العبادِ، ويَبقى رجُلٌ بينَ الجنَّةِ والنارِ - هو آخرُ أهلِ النارِ دُخولاً الجَنَّةَ - مُقبِلٌ بوَجههِ قِبَلَ النّارِ،
فيقول: يا ربّ اصرِفْ وَجهي عنِ النّارِ، قد قَشَبَنِي رِيحُها وأحرَقَنِي ذَكاؤُها. فيقولُ: هل عَسَيتَ إنْ
فُعلَ ذُلكَ بِكَ أن تَسألَ غيرَ ذلكَ؟ فيقول: لا وعزَّتِكَ. فيُعطِي اللَّهَ ما يَشاءُ مِن عَهدٍ وميثاقٍ،
فيصرِفُ اللَّهُ وَجهَهُ عنِ النارِ، فإذا أقبَلَ به على الجنَّةِ رأى بهجَتها، سَكتَ ما شاءَ اللَّهُ أن يَسكُت،
ثم قال: يا ربِّ قَدْمْني عندَ بابِ الجنَّةِ. فيقولُ اللهُ له: أليسَ قد أعطيتَ العهودَ والميثاقَ أنْ لا
تَسألَ غيرَ الذي كنتَ سألتَ؟ فيقول: يا ربّ، لا أكونُ أشقى خَلقِكَ. فيقولُ: فما عَسَيتَ إنْ
أُعطيتَ ذلكَ أن لا تَسألَ غيره، فيقولُ: لا، وَعزَّتِكَ لا أسألُ غيرَ ذُلكَ. فيُعطِي ربَّهُ ما شاءَ من
عهدٍ وَمِيثاقٍ، فَيُقدِّمُهُ إلى بابِ الجنَّةِ، فإذا بَلغَ بابَها فرأىْ زَهرتَها وما فيها مِنَ
النَّضرَةِ والسُّرور فيَسكُتُ ما شاءَ اللَّهُ أن يَسكُتَ، فَيَقُول: يا ربِّ أدْخِلْني الجنَّة
فيَقولُ اللَّهُ: وَيحَكَ يا بنَ آدَمَ، ما أغْدَرَكَ! أليسَ قد أعطيتَ العهودَ والميثاقَ أن
لا تَسألَ غيرَ الذي أُعطيتَ؟ فيقولُ: يا ربِّ لا تَجعلني أشقى خَلقِكَ. فَيَضحَكُ اللَّهُ عزَّ
وَجلَّ منه، ثم يأذَنُ له في دخول الجنة، فيقول: تَمنَّ فيتمنى. حتى إذا انقَطَعَ أمنيته قال الله عزَّ
وجل: مِن كذا وكذا - أقبل يُذَكِّرُهُ ربُّهُ - حتى إذا انتهَتْ بهِ الأمانيُّ قال اللَّهُ تعالى: لكَ ذُلكَ وَمِثْلُهُ
مَعَهُ)). قال أبو سعيدِ الْخُدرِيُّ لأبي هريرةَ رضيَ اللَّهُ عنهما: إنَّ رسولَ اللَّهِ وَ لَه قال: قال اللَّهُ:
لكَ ذُلك وَعشْرَةُ أمثالِهِ. قال أبو هريرةَ: لم أحفَظُ مِن رسولِ اللَّهِ وَهَ إلا قَولَهُ: ((لكَ ذُلكَ ومِثلُهُ
معَهُ)). قال أبو سعيدٍ: إني سمعتُهُ يقول: ((ذُلك لكَ وعشرَةُ أمثالِهِ)). [الحديث ٨٠٦ - طرفاه في:
٦٥٧٣، ٧٤٣٧].
(باب فضل السجود). وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع (قال: أخبرنا شعيب) أي
ابن أبي حمزة (عن) ابن شهاب (الزهري قال: أخبرني) بالإفراد (سعيد بن المسيب، وعطاء بن يزيد
الليثي أن أبا هريرة) رضي الله عنه (أخبرهما أن الناس قالوا: يا رسول الله، هل نرى) أي نبصر (ربنا
يوم القيامة؟ قال) عليه الصلاة والسلام:
(هل تمارون) بضم التاء والراء، من المماراة، وهي: المجادلة وللأصيلي: تمارون، بفتح التاء
والراء، وأصله. تتمارون حذفت إحدى التاءين. أي هل تشكون (في) رؤية (القمر ليلة البدر ليس
دونه سحاب)؟ (قالوا: لا يا رسول الله. قال): (فهل تمارون) بضم التاء والراء أو بفتحهما (في
الشمس) ولأبي ذر والأصيلي: في رؤية الشمس (ليس دونها سحاب) (قالوا: لا. قال): وللأصيلي:
قالوا: لا يا رسول الله. قال: (فإنكم ترونه) تعالى (كذلك) بلا مرية ظاهرًا جليًّا ينكشف تعالى لعباده
بحيث تكون نسبة ذلك الانكشاف إلى ذاته المخصوصة، كنسبة الإبصار إلى هذه المبصرات المادّة،

٤٦٢
كتاب الأذان/ باب ١٢٩
لكنه يكون مجرّدًا عن ارتسام صورة المرئي، وعن اتصالى الشعاع بالمرئي، وعن المحاذاة، والجهة،
والمكان لأنها وإن كانت أمورًا رزمة للرؤية عادة، فالعقل يجوّز ذلك بدونها، (ويحشر الناس يوم
القيامة فيقول): الله تعالى، أو: فيقول القائل (من كان يعبد شيئًا فليتبع) بتشديد المثناة الفوقية وكسر
الموحدة، ولأبوي ذر والوقت: فليتبعه، بضمير المفعول مع التشديد والكسر، أو التخفيف مع
الفتح، وهو الذي في اليونينية لا غير (فمنهم من يتبع الشمس، ومنهم من يتبع القمر، ومنهم من
يتبع الطواغيت) جمع طاغوت، الشيطان أو الصنم، أو كل رأس في الضلال أو كل ما عبد من دون
الله، وصدّ عن عبادة الله، أو الساحر، أو الكاهن، أو مردة أهل الكتاب، فعلوت من الطغيان،
قلب عينه ولامه (وتبقى هذه الأمة) المحمدية (فيها منافقوها) يستترون بها كما كانوا في الدنيا،
واتبعوهم لما انكشفت لهم الحقيقة لعلهم ينتفعون بذلك، حتى ﴿ضرب بينهم بسور له باب باطنه
فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب﴾ (فيأتيهم الله عز وجل) أي يظهر لهم في غير صورته، أي:
في غير صفته التي يعرفونها من الصفات التي تبعدهم بها عن الدنيا امتحانًا منه، ليقع التمييز بينهم
وبين غيرهم ممن يعبد غيره تعالى، (فيقول: أنا ربكم) فيستعيذون بالله منه لم يظهر لهم بالصفات
التي يعرفونها بل بما استأثر بعلمه تعالى، لأن معهم منافقين لا يستحقون الرؤية، وهم عن ربهم
محجوبون، (فيقولون: هذا مكاننا) بالرفع خبر المبتدأ الذي هو اسم الإشارة (حتى يأتينا) يظهر لنا
(ربنا، فإذا جاء) ظهر (ربنا عرفناه، فيأتيهم الله) عز وجل، أي: يظهر متجليًّا بصفاته المعروفة
عندهم، وقد تميز المؤمن من المنافق (فيقول: أنا ربكم) فإذا رأوا ذلك عرفوه به تعالى (فيقولون: أنت
ربنا). ويحتمل أن يكون الأوّل قول المنافقين، والثاني قول المؤمنين.
وقيل: الآتي في الأوّل ملك، ورجحه عياض أي: يأتيهم ملك الله، حذف المضاف، وأقيم
المضاف إليه مقامه، وعورض بأن الملك معصوم، فكيف يقول: أنا ربكم.
وأجيب: بأنّا لا نسلم عصمته من هذه الصغيرة، وردّ بأنه يلزم منه أن يكون قول فرعون: أنا
ربكم من الصغائر، فالصواب ما سبق.
(فيدعوهم) ربهم، (فيضرب) بالفاء وضم الياء وفتح الراء مبنيًّا للمفعول، ولأبوي ذر والوقت
وذر والأصيلي وابن عساكر: ويضرب (الصراط بين ظهراني جهنم) بفتح الظاء وسكون الهاء وفتح
النون، أي ظهري، فزيدت الألف والنون للمبالغة، أي على وسط جهنم (فأكون أوّل من يجوز)
بالواو، وفي بعض النسخ: يجيز، بالياء مع ضم أوّله، وهي لغة في: جاز. يقال: جاز بمعنى،
أي: يقطع مسافة الصراط. (من الرسل) عليهم الصلاة والسلام (بأمته، ولا يتكلم) لشدّة الهول
(يومئذ) أي حال الإجازة على الصراط (أحد إلا الرسل، وكلام الرسل يومئذ) على الصراط: (اللهم
سلّم سلّم) شفقة منهم على الخلق ورحمة (وفي جهنم كلاليب) جمع كلوب، بفتح الكاف وضم اللام
(مثل شوك السعدان) بفتح أوّله، نبت له شوك من جيد مراعي الإبل، يضرب به المثل فيقال: مرعى
ولا كالسعدان. (هل رأيتم شوك السعدان؟ قالوا: نعم) رأيناه (قال: فإنها) أي الكلاليب (مثل شوك

٤٦٣
کتاب الأذان/ باب ١٢٩
السعدان، غير أنه لا يعلم قدر عظمها إلا الله) تعالى، (تخطف) بفتح الطاء في الأفصح، وقد تكسر،
وللكشميهني: فتختطف بالفاء في أوّله وفوقية بعد الخاء وكسر الطاء، أي تأخذ (الناس) بسرعة
(بأعمالهم) أي بسبب أعمالهم السيئة، أو على حسب أعمالهم، أو بقدرها (فمنهم من يوبق)
بموحدة، مبنيًّا للمفعول، أي: يهلك (بعمله) وقال الطبري: يوثق بالمثلثة، من الوثاق، (ومنهم من
يخردل) بخاء معجمة ودال مهملة، وعن عبيد بالذال المعجمة، أي يقطع صغارًا كالخردل، والمعنى:
أنه تقطعه كلاليب الصراط حتى يهوي إلى النار، وللأصيلي: بالجيم، من الجردلة، بمعنى: الإشراف
على الهلاك (ثم ينجو، حتى إذا أراد الله) عز وجل (رحمة من أراد من أهل النار) أي الداخلين فيها
وهم المؤمنون الخلص، إذ الكافر لا ينجو منها أبدًا، (أمر الله الملائكة أن يخرجوا) منها (من كان يعبد
الله) وحده، (فيخرجونهم) منها، (ويعرفونهم بآثار السجود، وحرم الله) عز وجل (على النار أن تأكل
أثر السجود) أي موضع أثره، وهي الأعضاء السبعة، أو الجهة خاصة لحديث، إن قومًا يخرجون من
النار يحترقون فيها إلا دارات وجوههم، رواه مسلم: وهذا موضع الترجمة .
· واستشهد له ابن بطال بحديث: أقرب ما يكون العبد إذا سجد، وهو واضح. وقال الله تعالى
﴿واسجد واقترب﴾ [العلق: ١٩].
وقال بعضهم: إن الله تعالى يباهي بالساجدين من عبيده ملائكته المقرّبين. يقول لهم: يا
ملائكتي أنا قربتكم ابتداءً، وجعلتكم من خواص ملائكتي، وهذا عبدي جعلت بينه وبين القربة
حجبًا كثيرة، وموانع عظيمة مِن أغراض نفسية، وشهوات حسيّة، وتدبير أهل ومال وأهوال، فقطع
كل ذلك وجاهد حتى سجد واقترب، فكان من المقربين. قال: ولعن الله إبليس لإبائه عن السجود
لعنة أبلسه بها وآيسه من رحمته إلى يوم القيامة . اهـ.
وعورض بأن السجود الذي أمر به إبليس لا تعلم هيئته ولا تقتضي اللعنة اختصاص السجود
بالهيئة العرفية، وأيضًا فإبليس إنما استوجب اللعنة بكفره حيث جحد ما نص الله عليه من فضل
آدم، فجنح إلى قياس فاسد يعارض به النص، ويكذبه، ولعنه الله.
قاله ابن المنير:
(فيخرجون من النار، فكل ابن آدم تأكله النار) أي: فكل أعضاء ابن آدم تأكلها النار (إلا أثر
السجود) أي: مواضع أثره (فيخرجون من النار قد امتحشوا) بالمثناة الفوقية والمهملة المفتوحتين
والشين المعجمة، بالبناء للفاعل، وفي بعض النسخ: امتحشوا، بضم المثناة وكسر الحاء، بالبناء
للمفعول. أي: احترقوا واسودوا. (فيصب عليهم) بضم المثناة مبنيًّا للمفعول، والنائب عن الفاعل
قوله: (ماء الحياة) الذي من شرب منه أو صب عليه لم يمت أبدًا، (فينبتون كما تنبت الحبة) بكسر
الحاء المهملة. بزور الصحراء مما ليس بقوت (في حميل السيل) بفتح الحاء المهملة وكسر الميم، ما جاء
به من طين ونحوه. شبه به لأنه أسرع في الإنبات (ثم يفرغ الله من القضاء بين العباد)، الإسناد فيه

٤٦٤
کتاب الأذان/ باب ١٢٩
مجازي، لأن الله تعالى لا يشغله شأن عن شأن، فالمراد إتمام الحكم بين العباد بالثواب والعقاب،
(ويبقى رجل بين الجنة والنار، وهو آخر أهل النار دخولاً الجنة) حال كونه (مقبلاً بوجهه قبل النار)
بكسر القاف وفتح الموحدة: أي: جهتها. ولغير أبوي ذر والوقت وابن عساكر: مقبل بالرفع، خبر
مبتدأ محذوف، أي: هو مقبل (فيقول: يا رب اصرف وجهي عن النار) وللحموي والمستملي: من
النار (قد) ولأبي ذر: فقد (قشبني) بقاف فشين معجمة مخففة فموحدة مفتوحات، والذي في اللغة
بتشديدة الشين، أي سمني وأهلكني (ريحها)، وكل مسموم قشيب، أي: صار ريحها كالسم في أنفي
(وأحرقني ذكاؤها) بفتح الذال المعجمة والمد، وهو الذي في فرع اليونينية.
قال النووي، وهو الذي وقع في جميع الروايات، أي: أحرقني لهبها واشتعالها وشدة
وهجها، ولأبي ذر، مما في هامش الفرع، وصحح عليه: ذكاها بالفتح والقصر. قال النووي: وهو
الأشهر في اللغة، وذكر جماعة أنهما لغتان. اهـ.
وعورض بأن ذكا النار مقصور يكتب بالألف، لأنه من الواو من قولهم: ذكت النار تذكو
ذكوًا، فأما ذكاء بالمدّ فلم يأت عنهم في النار، وإنما جاء في الفهم.
(فيقول) الله تعالى: (هل عسيت) بفتح السين وكسرها، وهي لغة مع تاء الفاعل مطلقًا، ومع
نا، ومع نون الإناث، نحو: عسينا وعسين، وهي لغة الحجاز، لكن قول الفراء: لست أستحبها
لأنها شاذة یأبی كونها حجازية.
وأجيب بأن المراد بكونها شاذة أي: قليلة بالنسبة إلى الفتح، وإن ثبتت فعند أقلهم جمعًا بين
القولین.
(إن فعل ذلك) الصرف الذي يدل عليه قوله الآتى، إن شاء الله تعالى: اصرف وجهي عن
النار. والهمزة من أن مكسورة حرف شرط، وفعل بضم الفاء وكسر العين، مبنيًّا للمفعول، (بك
أن تسأل) بفتح همزة أن الخفيفة، وتاليها نصب بها (غير ذلك) بالنصب بتسأل. (فيقول) الرجل:
(لا، و) حق (عزتك) لا أسأل غيره، (فيعطي الله) أي الرجل (ما يشاء) بياء المضارعة، ولأبي ذر
والأصيلي وابن عساكر: ما شاء، (من عهد) يمين (وميثاق، فيصرف الله) تعالى (وجهه عن النار،
فإذا أقبل به على الجنة رأى بهجتها) أي: حسنها ونضارتها، وهذه الجملة بدل من جملة: أقبل على
الجنة (سكت ما شاء الله أن يسكت، ثم قال: يا رب قدّمني عند باب الجنة. فيقول الله) عز وجل .
(له: أليس قد أعطيت العهود والميثاق) اسم ليس ضمير الشأن، ولأبي ذر والأصيلي: والمواثيق (أن
لا تسأل غير الذي كنت سألت؟ فيقول: يا رب) أعطيت العهود، لكن كرمك يطمعني (لا أكون
أشقى خلقك). قال الكرماني: أي لا أكون كافرًا، وللكشميهني: لا أكونن.

٤٦٥
کتاب الأذان/ باب ١٢٩
وقال السفاقسي: المعنى: إن أنت أبقيتني على هذه الحالة ولا تدخلني الجنة، لأكونن أشقى
خلقك الذين دخلوها. والألف زائدة في: لا أكون.
(فيقول) الله: (فما عسيت) بكسر السين وفتحها. (إن أعطيت ذلك): التقديم إلى باب الجنة
(أن لا تسأل غيره). بكسر همزة إن الأولى: شرطية، وفتح الثانية: مصدرية وضم همزة أعطيت، ولا
زائدة كهي في ﴿لئلا يعلم أهل الكتاب﴾ [الحديد: ٢٩] أو أصلية.
وما في قوله: فما عسيت نافية، ونفي النفي إثبات، أي: عسيت أن تسأل غيره. وأن لا
تسأل خبر عسى وذلك: مفعول ثان لأعطيت، ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر: أن
تسأل، بإسقاط لا. فما استفهامية، وإنما قال الله تعالى ذلك، وهو عالم كان وما يكون، إظهارًا لما
عهد من بني آدم من نقض العهد، وأنهم أحق بأن لهم ذلك، فمعنى عسى راجع للمخاطب لا إلى
الله تعالى.
(فيقول) الرجل (لا و) حق (عزتك لا أسأل) ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر: لا
أسألك، (غير ذلك فيعطي) الرجل (ربه ما شاء من عهد وميثاق، فيقدمه) الله (إلى باب الجنة، فإذا
بلغ بابها فرأى زهرتها) بفاء العطف على بلغ، كقوله (وما فيها من النضرة) بالضاد المعجمة الساكنة،
أي البهجة (والسرور) تحير، (فيسكت ما شاء الله أن يسكت)، بالفاء التفسيرية، وأن مصدرية أي:
ما شاء الله سكوته حياءً من ربه، وهو تعالى يحب سؤاله لأنه يحب صوته، فيباسطه بقوله: لعلك إن
أعطيت هذا تسأل غيره؟ وهذه حالة المقصر، فكيف حالة المطيع.
وليس نقض هذا العبد عهده جهلاً منه، ولا قلة مبالاة، بل علمًا منه أن نقض هذا العهد أولى
من الوفاء، لأن سؤاله ربه أولى من إبرار قسمه.
قال عليه الصلاة والسلام: من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها، فليكفر عن يمينه،
وليأت الذي هو خير. وجواب إذا محذوف وتقديره نحو: تحير كما مر.
(فيقول: يا رب أدخلني الجنة. فيقول الله) عز وجل: (ويحك) نصب بفعل محذوف، وهي
كلمة رحمة، كما أن ويلك كلمة عذاب (يا ابن آدم ما أغدرك!) صيغة تعجب من الغدر، وهو ترك .
الوفاء (أليس قد أعطيت العهد والميثاق) بفتح الهمزة والطاء مبنيًّا للفاعل وللكشميهني العهود
والمواثيق (أن لا تسأل غير الذي أعطيت)؟ بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول (فيقول: يا رب لا تجعلني
أشقى خلقك. فيضحك الله عز وجل منه) أي من فعل هذا الرجل، وليس في رواية الأصيلي لفظ :
منه. والمراد من الضحك هنا لازمه، وهو كتاب الرضا وإرادة الخير كسائر الإسنادات في مثله مما
يستحيل على الباري تعالى، فإن المراد لوازمها (ثم يأذن له) الله تعالى (في دخول الجنة. فليقول له:
تمنّ، فيتمنى. حتى إذا انقطع) وللأصيلي وأبي ذر عن الكشميهني: انقطعت (أمنيته قال الله عز وجل)
إرشاد الساري/ ج ٢ / ٢ ٣٠

٤٦٦
كتاب الأذان/ باب ١٣٠
له: (زاد من كذا وكذا) أي: من أمانيك التي كانت لك قبل أن أذكرك بها، ولابن عساكر: تمنّ،
بدل: زد (أقبل يذكره ربه عز وجل) الأماني بدل من قوله: قال الله عز وجل زد (حتى إذا انتهت به
الأماني) بتشديد الياء، جمع أمنية (قال الله تعالى) له: (لك ذلك) الذي سألته من الأماني (ومثله معه)
جملة حالية من المبتدأ والخبر.
(قال أبو سعيد الخدري لأبي هريرة رضي الله عنهما: إن رسول الله وَ لخير قال): (قال الله) عز
وجل (لك ذلك وعشرة أمثاله) أي: أمثال ما سألت. (قال أبو هريرة: لم أحفظ من رسول الله وَ لختم
إلا قوله): (لك ذلك ومثله معه) وللحموي والمستملي: لم أحفظه بضمير المفعول. (قال أبو سعيد
الخدري: إني سمعته يقول): (ذلك لك) وللكشميهني لك ذلك (وعشرة أمثاله).
.
ولا تنافي بين الروايتين، فإن الظاهر أن هذا كان أوّلاً، ثم تكرم الله فأخبر به عليه الصلاة
والسلام ولم يسمعه أبو هريرة.
ورواة هذا الحديث الستة ما بين حمصي ومدني، وفيه ثلاثة من التابعين، والتحديث والإخبار
والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلف أيضًا في صفة الجنة ومسلم في الإيمان.
١٣٠ - باب يُبدِي ضَبْعَيهِ وَيُجافي في السُّجودِ
هذا (باب) بالتنوين (يبدي) بضم المثناة التحتية وسكون الموحدة، أي يظهر الرجل المصلي
(ضبعيه) بفتح الضاد المعجمة وسكون الموحدة، تثنية ضبع، أي وسط عضديه أو اللحمتين تحت
إبطيه (ويجافي) أي: يباعد بطنه عن فخذيه (في السجود) وخرج بالرجل المرأة والخنثى فلا يجافيان بل
يضمان بعضهما إلى بعض، لأنه أستر لها وأحوط له.
٨٠٧ - حدثنا يحيى بنُ بُكَيرٍ قال: حدَّثَني بَكرُ بنُ مُضَرّ عن جَعفرٍ عنِ ابنِ هُرمُزَ عن
عبدِ اللهِ بنِ مالك ابنِ بُحَينةَ: ((أنَّ النبيَّ ◌َّ كان إذا صلّى فرَّجَ بينَ يدَيهِ حتى يَبْدوَ بَيَاضُ إبطيه)).
وقال اللَّيثُ: حذَّثني جَعفرُ بنُ ربيعةً نَحوَه.
وبالسند إلى المؤلف قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) ولأبي ذر: يحيى بن عبد الله بن بكير (قال:
حدّثني) بالإفراد. وللأصيلي: حدّثنا (بكر بن مضر) بفتح الموحدة وسكون الكاف في الأوّل، وضم
الميم وفتح المعجمة غير منصرف في الثاني (عن جعفر) هو ابن ربيعة (عن ابن هرمز) عبد الرحمن
الأعرج (عن عبد الله بن مالك ابن بحينة) صفة لعبد الله لأنها أمه لا لمالك، فيكتب ابن بالألف
وتنوين مالك: (أن النبي وَ لّ كان إذا صلى فرج بين يديه) بتشديد الراء، أي نخَّى كل يد عن الجنب
الذي يليها (حتى يبدو بياض إبطيه) لأنه أشبه بالتواضع، وأبلغ في تمكين الجبهة والأنف من
الأرض، مع مغايرته لهيئة الكسلان.

٤٦٧
كتاب الأذان/ باب ١٣١
وفي حديث ميمونة المروي في مسلم: كان ◌َّ يجافي يديه فلو أن بهيمة أرادت أن تمرّ لمرّت.
وفي حديث عائشة مما روي في مسلم أيضًا: كان النبي وَلّ ينهى أن يفترش الرجل ذراعيه
افتراش السبع .
وفي حديث البراء عند مسلم أيضًا، رفعه: إذا سجدت فضع كفّيك وارفع مرفقيك،
وظاهرهما الوجوب .
وقول الحافظ ابن حجر أن حديث أبي هريرة عند أبي داود: شكا أصحاب النبي وَلّر له مشقة
السجود عليهم إذا انفرجوا، فقال: استعينوا بالركب، أي بوضع المرفقين على الركبتين، كما فسره
ابن عجلان أحد رواته، وترجم له أبو داود بالرخصة في ترك التفريج يدل على الاستحباب فيه نظر،
لأن ظاهره الرخصة مع وجود العذر، وهو المشقة عليهم.
لكن في مصنف ابن أبي شيبة، عن ابن عون قال: قلت لمحمد: الرجل يسجد إذا اعتمد
بمرفقيه على ركبتيه؟ قال: ما أعلم به بأسًا، وكان ابن عمر يضم يديه إلى جنبيه إذا سجد، وسأله
رجل: أأضع مرفقيّ على فخذي إذا سجدت؟ فقال: اسجد كيف تيسر عليك.
وقال الشافعي في الأم: يسن للرجل أن يجافي مرفقيه عن جنبيه ويرفع بطنه عن فخذيه.
(وقال الليث) بن سعد: (حدّثني جعفر بن ربيعة، نحوه) وصله مسلم بلفظ: كان إذا سجد
فرج يديه عن إبطيه حتى إني لأرى بياض إبطيه .
١٣١ - باب يَستَقبِلُ بأطرافِ رِجلَيهِ
القبلةَ. قاله أبو خُميدِ الساعديُّ عنِ النبيِّ
صَلىالله
وسيلةً .
هذا (باب) بالتنوين (يستقبل) المصلي حال سجوده (بأطراف رجليه القبلة)، وللأصيلي وأبي
ذر: باب يستقبل القبلة بأطراف رجليه، بأن يجعل قدميه قائمتين على بطون أصابعهما، وعقبيه
مرتفعتين، فيستقبل بظهور قدميه القبلة، ومن ثم ندب ضم الأصابع في السجود لأنها لو تفرقت
انحرفت رؤوس بعضها عن القبلة، (قاله) أي الاستقبال المذكور (أبو حميد)، ولأبوي ذر والوقت
والأصيلي وابن عساكر: الساعدي، (عن النبي ◌ِّ).
وهذا الباب والذي قبله ثبتا في الفرع كأصله وفي كثير من الأصول، وسقطا في بعضهما.
قال الكرماني: لأنهما ذكرا مرة قبل باب: فضل استقبال القبلة، وتعقب بأنه لم يذكر هناك إلا
قوله: باب يبدي ضبعيه ويجافي جنبيه في السجود.
وأما الباب الثاني فلم يذكر هناك ترجمة، فلهذا كان الصواب إثباتهما .

٤٦٨
كتاب الأذان/ باب ١٣٢ و١٣٣
١٣٢ - باب إذا لم يُتِمَّ السجودَ
هذا (باب) بالتنوين (إذا لم يتم) المصلي (السجود) ولأبي ذر سجوده.
٨٠٨ - حدثنا الصَّلتُ بنُ محمدٍ قال: حدَّثنا مَهديٍّ عن واصلٍ عن أبي وائلٍ عن حُذَيفةَ
((رأىْ رجُلاً لا يُتِمُّ رُكوعَهُ ولا سُجودَهُ. فلما قَضى صلاتَهُ قال له حُذيفةُ: ما صلَّيتَ. قال وَأحسِبُهُ
قال: ولو مُثَّ مُتَّ عَلَى غيرِ سُنَّةِ محمدٍ وََّ)).
وبه قال: (حدّثنا الصلت بن محمد) البصري الخاركي، نسبة إلى خارك، بالخاء المعجمة والراء،
من سواحل البصرة (قال: حدّثنا مهدي) الأزدي، وللأصيلي: مهدي بن ميمون، (عن واصل)
الأحدب (عن أبي وائل) بالهمز: شقيق بن سلمة، (عن حذيفة) بن اليمان رضي الله عنه (أنه رأى
رجلاً) حال كونه (لا يتم ركوعه ولا سجوده، فلما قضى صلاته) أي أدّاها (قال له حذيفة: ما
صليت) نفى الصلاة عنه لأن الكل ينتفي بانتفاء الجزء، فانتفاء إتمام الركوع والسجود مستلزم
لانتفائهما المستلزم لانتفاء الصلاة. (قال) أبو وائل: (وأحسبه) بالواو أي حذيفة ولأبي ذر: فأحسبه
(قال: ولو) بواو قبل اللام، ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر والأصيلي: لو (مت)، وللحموي
والمستملي: لمت (على غير سُنّة محمد بَّهُ) أي طريقته.
١٣٣ - باب السُّجودِ على سَبعةِ أعظُم
(باب السجود على سبعة أعظم).
٨٠٩ - حدثنا قَبِيصةُ قال: حدَّثَنا سُفيانُ عن عَمرِو بن دِينارٍ عن طاوُسٍ عنِ ابنِ عبّاسِ ((أُمِرَ
النبيُّ نَّهِ أَن يَسجُدَ على سبعة أعضاءٍ، ولا يَكُفَّ شَعرًا، ولا ثَوبًا: الجبهةِ، واليَدَينِ، والرُّكبتَينِ،
والرّجلَينِ)). [الحديث ٨٠٩- أطرافه في: ٨١٠، ٨١٢، ٨٢٥، ٨١٦].
وبالسند إلى المؤلف قال: (حدّثنا قبيصة) بفتح القاف وكسر الموحدة وبالصاد المهملة، ابن
عقبة بن عامر الكوفي (قال: حدّثنا سفيان) الثوري (عن عمرو بن دينار عن طاوس) هو ابن كيسان
(عن ابن عباس) رضي الله عنهما: (أمر النبي) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول، أي أمر الله النبي، وهو
يقتضي الوجوب، وعرف ابن عباس هذا بإخباره عليه الصلاة والسلام له أو لغيره، ولابن عساكر
أنه قال: أمر النبي (# أن يسجد على سبعة أعضاء)، عبر في الترجمة بسبعة أعظم، فسمى كل
واحد عظمًا باعتبار الجملة. وإن اشتمل كل واحد على عظام، ويجوز أن يكون من باب تسمية
الجملة باسم بعضها، نعم. وقع في رواية الأصيلي هنا: على سبعة أعظم (ولا يكف) أي ولا يضم
ولا يجمع (شعرًا) لرأسه (ولا ثوبًا) بيديه عند الركوع والسجود في الصلاة، وهذا ظاهر الحديث
وإليه مال الداودي.

٤٦٩
کتاب الأذان/ باب ١٣٣
وردّه القاضي عياض بأنه خلاف ما عليه الجمهور، فإنهم كرهوا ذلك للمصلي سواء فعله في
الصلاة أو خارجها، والنهي هنا محمول على التنزيه، والحكمة فيه أن الشعر والثوب يسجد معه، أو
أنه إذا رفع شعره أو ثوبه عن مباشرة الأرض أشبه المتكبر.
وقوله: يكف بضم الكاف والفعل منصوب عطفًا على المنصوب السابق، وهو أن يسجد، أي
أمره الله أن يسجد، وأن لا يكفه وهذا هو الذي في الفرع، ويجوز رفعه على أن الجملة مستأنفة،
وهي معترضة بين المجمل، وهو قوله: سبعة أعضاء، والمفسر وهو قوله: (الجبهة) بالكسر عطف
بيان لقوله: سبعة أعضاء، وكذا ما بعدها عطف عليها، وهو قوله: (واليدين) أي، وباطن الكفّين
(والركبيتن و) أطراف أصابع (الرجلين). فلو أخلّ المصلي بواحد من هذه السبعة بطلت صلاته.
نعم، في السجود على اليدين والركبتين والرجلين قولان عند الشافعية، صحح الرافعي
الاستحباب فلا يجب، لأنه لو وجب وضعها لوجب الإيماء بها عند العجز عن وضعها، كالجبهة
ولا يجب الإيماء، فلا يجب وضعها. واستدل له بعضهم بحديث المسيء صلاته حيث قال فيه:
ویمکن جبهته .
وأجيب بأن غايته أنه مفهوم لقب، والمنطوق مقدم عليه، وليس هو من باب تخصيص
العموم. وصحح النووي الوجوب لحديث الباب وهو مذهب أحمد وإسحق، ويكفي وضع جزء من
كل واحد منها .
والاعتبار في اليدين بباطن الكفين سواء الأصابع والراحة، وفي الرجلين ببطون الأصابع، ولا
يجب كشف شيء منها إلا الجبهة .
نعم: يسن كشف اليدين والقدمين لأن في سترهما منافاة للتواضع، ويكره كشف الركبتين لما
يحذر من كشف العورة، فإن قلت: ما الحكمة في عدم وجوب كشف القدمين؟
أجيب: بأن الشارع وقت المسح على الخف بمدة يقع فيها الصلاة بالخف، فلو وجب كشف
القدمين لوجب نزع الخف المقتضي لنقض الطهارة، فتبطل الصلاة. وعورض بأن المخالف له أن
يقول يخص لابس الخف لأجل الرخصة .
٨١٠ - حدثنا مُسْلمُ بنُ إبراهيمَ قال: حدَّثَنا شُعبةُ عن عمرٍو عن طاوُسٍ عنِ ابنِ عبّاسٍ
رضيَ اللَّهُ عنهما عنِ النبيِّ وَ ◌َّ قال: ((أُمِرْنا أن نَسجُدَ على سَبعةِ أعظُم ولا نَكُفَّ ثَوبًا ولا شَعرا)).
وبه قال: (حدّثنا مسلم بن إبراهيم) الفراهيدي (قال: حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن عمرو)
هو ابن دينار (عن طاوس) هو ابن كيسان (عن ابن عباس) أيضًا، رضي الله عنهما (عن النبي ◌َل
قال)

٤٧٠
كتاب الأذان/ باب ١٣٤
(أمرنا) بضم الهمزة أي: أنا وأمتي (أن نسجد على سبعة أعظم) أي أعضاء كما في الرواية
الأخرى (ولا نكف ثوبًا ولا شعرًا) بنصب نكف ورفعها كما مرّ.
٨١١ - حدثنا آدمُ قال: حدَّثَنا إسرائيلُ عن أبي إسحقَ عن عبدِ اللهِ بنِ يَزِيدَ الْخَطْمِيّ قال:
حدّثنا البراءُ بنُ عازِبٍ - وهوَ غيرُ كَذوبٍ - قال: ((كنّا نُصلِّ خَلْفَ النبيِّ ◌ََّ، فإذا قال: سمعَ اللَّهُ لمن
حَمِدَه لم يَخْنِ أحدٌ منّا ظَهِرَهُ حتّى يَضَعَ النبيُّ وَّ جَبهتَهُ على الأرضِ)).
وبه قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس (قال: حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني، بالإفراد، وللأصيلي:
أخبرنا، بالجمع (إسرائيل) بن يونس (عن أبي إسحق) عمرو بن عبد الله بفتح العين فيهما، الكوفي
(عن عبد الله بن يزيد الخطمي) بفتح الخاء المعجمة وسكون الطاء المهملة وكسر الميم، وسقط لفظ:
الخطمي في رواية أبي ذر والأصيلي (قال: حدّثنا البراء بن عازب، وهو غير كذوب قال: كنا نصلي
خلف النبي ◌َّ، فإذا قال): (سمع الله لمن حمده لم يحن) بفتح الياء وكسر النون وضمها أي لم يقوّس
(أحد منا) ولابن عساكر: أحدنا (ظَهره حتى يضع النبي بَّر جبهته) الشريفة (على الأرض).
هذا موضع الترجمة، وخص الجبهة بالذكر لأنها أدخل في الوجوب من بقية الأعضاء السبعة
ولذا لم يختلف في وجوب السجود بها .
واختلف في غيرها من بقية الأعضاء وليس فيه ما ينفي الزيادة في غيره، أو أن العادة وضع
الجبهة إنما هو بالاستعانة بالستة الأعضاء الأخرى غالبًا .
١٣٤ - باب السُّجودِ على الأنفِ
(باب السجود على الأنف).
وسقط للأصيلي الباب والترجمة.
٨١٢ - حدثنا مُعلَّى بنُ أسَدٍ قال: حدَّثَنَا وُهَيبٌ عن عبدِ اللَّهِ بنِ طاوُسٍ عن أبيه عنِ ابنِ
عبّاسٍ رضيَ اللَّهُ عنهما قال: قال النبيُّ ◌ََّ: «أُمِرْتُ أن أسجُدَ على سَبعةِ أعظُم: على الجبهةِ
- وأشارَ بيدهِ على أنفهِ - واليَدَينِ والرُّكبتَينِ وأطرافِ القَدَمَينِ. ولا نَكفِتَ الثيابَ والشَّعَرَ)).
وبه قال: (حدّثنا معلى بن أسد) العمي البصري، ولابن عساكر: المعلى بزيادة أل (قال: حدّثنا
وهيب) بضم الواو وفتح الهاء ابن خالد الباهلي البصري (عن عبد الله بن طاوس عن أبيه) طاوس
(عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال النبي (وَلّ):
(أمرت) بضم الهمزة (أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة) أي: أسجد على الجبهة، حال
كون السجود على سبعة أعظم، فلفظ على الثانية متعلق بمحذوف كما مرّ، والأولى متعلقة بأمرت.

٤٧١
کتاب الأذان/ باب ١٣٥
(وأشار) عليه الصلاة والسلام (بيده على أنفه) كأنه ضمن أشار معنى: أمرّ بتشديد الراء، فلذا
عدّاه بعلى دون: إلى.
ووقع في بعض الأصول من رواية كريمة هنا بلفظ: إلى بدل: على وعند النسائي من طريق
سفيان بن عيينة، عن ابن طاوس قال: ووضع يده على جبهته، وأمرّها على أنفه، وقال: هذا واحد
أي أنهم كالعضو الواحد، لأن عظم الجبهة هو الذي منه عظم الأنف، والألزم أن تكون الأعضاء
ثمانية وعورض بأنه يلزم منه أن يكتفي بالسجود على الأنف، كما يكتفي بالسجود على بعض
الجبهة .
وأجيب: بأن الحق أن مثل هذا لا يعارض التصريح بذكر الجبهة وإن أمكن أن يعتقد أنهما
كعضو واحد، فذاك في التسمية والعبارة لا في الحكم الذي دلّ عليه الأمر وعند أبي حنيفة يجزىء
أن يسجد عليه دون جبهته، وعند الشافعية والمالكية والأكثرين: يجزىء على بعض الجبهة. ويستحب
على الأنف.
قال الخطابي: لأنه إنما ذكر بالإشارة فكان مندوبًا، والجبهة هي الواقعة في صريح اللفظ فلو
ترك السجود على الأنف جاز ولو اقتصر عليه وترك الجبهة لم يجز.
وقال أبو حنيفة، وابن القاسم: له أن يقتصر على أيهما شاء.
وقال الحنابلة وابن حبيب: يجب عليهما الظاهر، الحديث.
وأجيب: بأن ظاهره أنهما في حكم عضو واحد كما مرّ، وقوله: وأشار بيده إلى آخره جملة
معترضة بين المعطوف عليه، وهو: الجبهة، والمعطوف وهو قوله:
(واليدين) أي باطن الكفّين (والركبتين وأطراف) أصابع (القدمين، ولا نكفت الثياب و) لا
(الشعر) بفتح النون وسكون الكاف وكسر الفاء آخره مثناة فوقية والنصب، وهو بمعنى: الكف في
السابقة، ومنه ﴿ألم نجعل الأرض كفاتًا﴾ [المرسلات: ٢٥] أي كافتة. اسم لما يكفت، أي: يضم
ويجمع .
١٣٥ - باب السُّجودِ على الأنفِ والسُّجودِ على الطِّينِ
(باب السجود على الأنف) حال كونه (في الطين) كذا للأصيلي وابن عساكر وأبي الوقت وأبي
ذر عن الحموي والكشميهني، زاد المستملي: والسجود على الطين، والأول أحسن لئلا يلزم التكرار.
٨١٣ - حدثنا موسى قال: حدَّثَنَا هَمّامٌ عن يحيى عن أبي سلمةَ قال: انطَلَقتُ إلى أبي سعيدٍ
الخُدرِيِّ فقلتُ ألا تَخرُجُ بنا إلى النَّخلِ نَتحدَّث؟ فخرجَ. فقال: «قلتُ حدِثْني ما سَمعتَ مِنَ
النبيِّ وَّر في ليلةِ القَدْرِ؟ قال: اعتَكَفَ رسولُ اللَّهِ وَهِ عَشْرَ الأُوَلِ من رَمضانَ واعتَكَفْنا معَهُ، فأتاهُ

٤٧٢
کتاب الأذان/ باب ١٣٥
جبريلُ فقال: إنَّ الذي تَطْلُبُ أمامَكَ. فاعتَكَفَ العَشرَ الأوسَطَ فاعتَكفْنا معَهُ، فأتاهُ جبريلُ فقال: إنَّ
الذي تَطلُبُ أمامَك. قام النبيُّ رَِّ خطيبًا صَبيحةَ عِشرينَ مِن رمضانَ فقال: مَن كان اعتكَف معَ
النبيِّ وَّرَ فَلْيَرجِعْ فإنِّي أُرِيتُ ليلةَ القَدْرِ، وإني نُسّيتُها، وإنها في العَشْرِ الأواخِرِ في وِتْرٍ، وإني
رأيتُ كأني أسجُدُ في طينٍ وماء. وكان سَقفُ المسجدِ جَريدَ النَّخلِ وما نَرَى في السماءِ شيئًا،
فجاءَتْ قَزْعةٌ فَأُمْطِرْنا، فصلَّى بنا النبيُّ وََّ حتى رأيتُ أثرَ الطينِ والماءِ على جَبهةِ رسولِ اللَّهِ وَه
وَأْرِنَبَتِهِ تَصدِيقَ رُؤیاهُ» .
وبه قال (حدّثنا موسى) بن إسماعيل التبوذكي (قال: حدّثنا همام) هو: ابن يحيى (عن
يحيى) بن أبي كثير (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف (قال: انطلقت إلى أبي سعيد) سعد بن
مالك (الخدري) رضي الله عنه (فقلت،: ألا تخرج بنا إلى النخل) وللأصيلي: ألا تخرج إلى النخل،
حال كوننا (نتحدث) بالجزم، في الفرع ولأبي ذر نتحدث، بالرفع (فخرج، فقال): ولأبي ذر
والأصيلي: قال (قلت) وللأصيلي، وأبي الوقت فقلت: (حدّثني ما سمعت من النبي ◌ِّ في ليلة
القدر، قال: اعتكف رسول الله) وللأصيلي: النبي (وَ لفر عشر الأول) بضم الهمزة وتخفيف الواو،
بإضافة العشر لتاليه، وللأصيلي وابن عساكر وأبي ذر وأبي الوقت: العشر الأول، وفي بعض النسخ
كما في المصابيح: اعتكف رسول الله وَّلتر الأوّل، بغير موصوف، والهمزة مفتوحة (من رمضان،
واعتكفنا معه، فأتاه جبريل) عليه الصلاة والسلام (فقال: إن الذي تطلب) هو (أمامك) بفتح الميم
الثانية أي قدامك. (فاعتكف العشر الأوسط) كذا في أكثر الروايات، والمراد بالعشر: الليالي، وكان
من حقها أن توصف بلفظ التأنيث، ووصفت بالمذكر على إرادة الوقت، أو الزمان، أو التقدير
الثلث، كأنه قال:
ليالي العشر التي هي الثلث الأوسط من الشهر (فاعتكفنا) بالفاء، ولأبوي ذر والوقت
والأصيلي وابن عساكر: واعتكفنا (معه فأتاه جبيريل) عليه الصلاة والسلام (فقال) له: (إن الذي
تطلب) هو (أمامك قام) كذا لأبي ذر، وللأصيلي: فقام، وفي رواية: ثم قام (النبي ◌َّ) حال كونه
(خطيبًا صبيحة عشرين) نصب على الظرفية، أي في صبيحة عشرين (من رمضان، فقال) عليه
الصلاة والسلام:
(من اعتكف مع النبي بَّ) أي معي، فهو من باب الالتفات من التكلم للغيبة، (فليرجع) إلى
الاعتكاف (فإني أُريت) بهمزة مضمومة قبل الراء على البناء لغير معين من الرؤيا، أي أعلمت، أو
من الرؤية. وللحموي والمستملي: فإني رأيت، أي: أبصرت (ليلة القدر) وإنما رأى علامتها، وهي
السجود في الماء والطين (وإني نسيتها) بضم النون وتشديد السين المهملة المكسورة، وفي بعض
النسخ: أنسيتها، بهمزة مضمومة. ففي الروايتين أنه نسيها بواسطة، ولأبي ذر: نسيتها بفتح النون
وتخفيف السين: أي نسيتها من غير واسطة، والمراد أنه نسي علم تعيينها في تلك السنة (وأنها في

٤٧٣
کتاب الأذان/ باب ١٣٦
العشر الأواخر في وتر) جمع آخره، قال في المصابيح وهذا جارٍ على القياس، قال ابن الحاجب: ولا
يقال هنا جمع لأخرى لعدم دلالتها على التأخير الوجودي، وهو مراد وفيه بحث . اهـ. (وإني رأيت
كأني أسجد في طين وماء).
(وكان سقف المسجد جريد النخل وما نرى في السماءِ شيئًا) من السحاب (فجاءت قزعة)
بفتح القاف والزاي المعجمة والعين المهملة وقد تسكن الزاي، قطعة من سحاب رقيقة (فأمطرنا) بضم
الهمزة وكسر الطاء (فصلى بنا النبي بَّر، حتى رأيت أثر الطين والماء) ولابن عساكر: أثر الماء والطين
(على جبهة رسول الله) وللأصيلي: على جبهة النبي (َّ﴿ وأرنبته) بفتح الهمزة وسكون الراء وفتح
النون والموحدة، طرف أنفه. وحمله الجمهور على الأثر الخفيف، لكن يعكر عليه قوله في بعض
طرقه: ووجهه ممتلىء طينًا وماءً .
وأجاب النووي بأن الامتلاء المذكور لا يستلزم ستر جميع الجبهة، وقول الخطابي فيه دلالة على
وجوب السجود على الجبهة والأنف، ولولا ذلك لصانهما عن لثق الطين.
تعقبه ابن المنير بأن الفعل لا يدل على الوجوب، فلعله أخذنا بالأكمل وأخذه من قوله: صلوا
كما رأيتموني أصلي معارض بأن المندوب في أفعال الصلاة أكثر من الواجب، فعارض الغالب ذلك
الأصل . اهـ.
وكان ما ذكر من أثر الطين والماء (تصديق رؤياه) عليه الصلاة والسلام وتأويلها. وضبطه
البرماوي والعيني كالكرماني بالرفع بتقدير: هو. وفي الفرع وأصله، بالنصب فقط.
وزاد في رواية ابن عساكر: قال أبو عبد الله، أي المؤلف، كان الحميدي، أي شيخه، يحتج
بهذا الحديث، يقول: لا يمسح الساجد جبهته من أثر الأرض.
وأخرج المؤلف الحديث في الصلاة والصوم والاعتكاف، ومسلم في الصوم، وأبو داود في
الصلاة، والنسائي في الاعتكاف، وابن ماجة في الصوم.
١٣٦ - باب عَقْدِ الثياب وشدِّها
ومَن ضَمَّ إليه ثوبَهُ إذا خافَ أن تنكشِفَ عَورَتُهُ
(باب عقد الثياب وشدها) عند الصلاة. (ومن ضم إليه ثوبه) من المصلين (إذا خاف)
وللأصيلى: مخافة (أن تنكشف عورته) أي خوف انكشاف عورته وهو في الصلاة، وهذا يومىء إلى
أن النهي الوارد عن كفّ الثياب في الصلاة محمول على حالة غير الاضطرار.

٤٧٤
كتاب الأذان/ باب ١٣٧
٨١٤ - حدثنا محمدُ بنُ كثيرٍ قال: أخبرَنا سُفيانُ عن أبي حازِمٍ عن سَهلِ بنِ سَعدٍ قال:
((كان الناسُ يُصلُّونَ مِعَ النبيِّ وَِّ وهم عاقِدو أُزُرِهم مِنَ الصُّغَرِ عَلَى رِقابِهم، فقيلَ للنساءِ لا ترفعنَ
رؤوسَكنَّ حتَّى يَستَويَ الرجالُ جُلوسًا».
وبه قال: (حدّثنا محمد بن كثير) بالمثلثة (قال: أخبرنا سفيان) الثوري (عن أبي حازم) بالحاء
المهملة، سلمة بن دينار (عن سهل بن سعد) الساعدي (قال: كان الناس يصلون مع النبي بَّر وهم
عاقدو) بالرفع خبر المبتدأ مضاف إلى (أزرهم) بضم الهمزة والزاي: وبسكونها في اليونينية وكسر
الراء، جمع إزار. وسقطت نون عاقدون للإضافة. وللحموي والمستملي: عاقدي بالياء نصبًا على
الحال. أي وهم مؤتزرون حال كونهم عاقدي أزرهم، فسدّ مسدَّ الخبر، أو خبر كان محذوفة، أي:
هم كانوا عاقدي أزرهم (من الصغر) أي من أجل صغر أزرهم (على رقابهم، فقيل للنساء: لا
ترفعن رؤوسكن حتى يستوي الرجال جلوسًا) أي جالسين نهاهنّ أن يرفعن رؤوسهن قبل الرجال
خوف أن يقع بصرهنّ على عوراتهم.
١٣٧ - باب لا يَكُفُّ شَعَرًا
هذا (باب) بالتنوين (لا يكف) بضم الفاء، كذا في فرع اليونينية، كهي وهو الذي ضبطه
الحافظ ابن حجر في روايته، قال: وهو الراجح، ويجوز الفتح.
وقال الدماميني والبرماوي: بفتح الفاء عند المحدثين وضمها عند المحققين من النحاة، وكذا لا
يكف ثوبه في الصلاة أي في الترجمة الآتية.
والمعنى: لا يضم المصلي (شعرًا) من رأسه في صلاته.
٨١٥ - حدّثنا أبو النُّعمانِ قال: حدَّثنا حَمّادٌ - وهوَ ابن زيدٍ - عن عمرِو بنِ دِينارٍ عن طاوُسٍ
عنِ ابنِ عبّاسٍ قال: ((أَمِرَ النبيُّ وَِّ أن يَسجُدَ على سَبعةِ أعظُم، ولا يَكُفَّ ثوبَهُ ولا شَعَرَهُ».
وبه قال: (حدّثنا أبو النعمان) محمد بن الفضل السدوسي (قال: حدّثنا حماد وهو ابن زيد)
وللأصيلي وابن عساكر: حماد بن زيد، ولأبي ذر هو ابن زيد (عن عمرو بن دينارٍ، عن طاوس، عن
ابن عباس) رضي الله عنهما (قال: أمر النبي وَلَّ) بضم الهمزة وكسر الميم (أن يسجد على سبعة
أعظم): الجبهة واليدين والركبتين وأطراف القدمين، (ولا يكف ثوبه ولا شعره) الذي في رأسه.
ومناسبة هذه الترجمة لأحكام السجود من جهة أن الشعر يسجد مع الرأس إذا لم يكف أو
يلف، وجاء في حكمة النهي عن ذلك أن غرزة الشعر يقعد فيها الشيطان حالة الصلاة، كما سنن
أبي داود بإسناد جيد مرفوعًا.

٤٧٥
كتاب الأذان/ باب ١٣٨ و١٣٩
١٣٨ - باب لا يَكُفّ ثوبَهُ في الصلاةِ
٨١٦ - حدثنا موسى بنُ إسماعيلَ قال: حدَّثَنا أبو عَوانةَ عن عمرٍو عن طاوُسٍ عنِ ابنِ
عبّاسٍ رضيَ اللَّهُ عنهما عن النبيِّ وَلَه قال: ((أُمِرتُ أن أسجُدَ عَلَى سبعةٍ، لا أكُفُّ شَعَرًا ولا ثَوبًا)).
هذا (باب) بالتنوين (لا يكف) بالضم أو النصب المصلي، (ثوبه في الصلاة).
وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي، وسقط لفظ: إسماعيل عند ابن عساكر
(قال: حدّثنا أبو عوانة) الواضح اليشكري (عن عمرو) هو ابن دينار (عن طاوس عن ابن عباس
رضي الله عنهما، عن النبي ◌َّ قال):
(أُمرت) بضم الهمزة (أن أسجد على سبعة) ولابن عساكر: أعظم (لا أكف شعرًا) من رأسي
(ولا ثوبًا).
١٣٩ - باب التَّسبيح والدُّعاءِ في السُّجودِ
(باب التسبيح والدعاء في السجود).
٨١٧ - حدّثنا مسدَّدٌ قال: حدَّثَنا يحيى عن سُفيانَ قال: حدَّثني منصورٌ عن مُسْلمٍ عن
مَسروقٍ عن عائشةَ رضيَ اللهُ عنها أنَّها قالت: ((كان النبيُّ نََّهِ يُكثِرُ أن يقولَ في رُكوعِهِ وَسُجودهِ :
سُبحانكَ اللّهمَّ ربَّنا وَبِحمدِكَ، اللّهِمَّ اغفِرْ لي. يَتَأوَّلُ القرآنَ)).
وبه قال: (حدّثنا مسدد) أي ابن مسرهد (قال: حدّثنا يحيى) القطان (عن سفيان) الثوري
(قال: حدّثني) بالإفراد (منصور) ولأبي ذر والأصيلي: منصور بن المعتمر (عن مسلم) زاد الأصيلي:
هو ابن صبيح، أي بضم الصاد المهملة وفتح الموحدة آخره مهملة أبي الضحى، بضم الضاد المعجمة
والقصر (عن مسروق، عن عائشة رضي الله عنها، أنها قالت: كان النبي وَلّ يكثر أن يقول في
ركوعه وسجوده:
(سبحانك اللّهمَّ ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي).
(يتأول القرآن) أي يفعل ما أمر به فيه، أي في قوله تعالى: ﴿فسبح بحمد ربك واستغفره﴾
[النصر: ٣] أي سبح بنفس الحمد لما تضمنه الحمد من معنى التسبيح الذي هو التنزيه لاقتضاء الحمد
نسبة الأفعال المحمود عليها إلى الله تعالى. فعلى هذا يكفي في امتثال الأمر الاقتصار على الحمد أو
المراد فسبح ملتبسًا بالحمد. فلا يمتثل حتى يجمعهما وهو الظاهر.

٤٧٦
كتاب الأذان/ باب ١٤٠
وفي رواية الأعمش عن أبي الضحى كما في التفسير عند المؤلف: ما صلى النبي ◌َّ صلاة
بعد أن نزلت عليه ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ إلا يقول فيها، الحديث. وهو يقتضي مواظبته عليه
الصلاة والسلام على ذلك.
واستدل به على جواز الدعاء في الركوع والسجود والتسبيح في السجود، ولا يعارضه قوله،
عليه الصلاة والسلام، المروي في مسلم وأبي داود والنسائي أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما
السجود فاجتهدوا فيه في الدعاء. لكن يحتمل أن يكون أمر في السجود بتكثير الدعاء الإشارة قوله:
فاجتهدوا فيه في الدعاء.
والذي وقع في الركوع من قوله: اللهم اغفر لي، ليس بكثير، فلا يعارض ما أمر به في
السجود، وفيه تقديم الثناء على الدعاء.
١٤٠ - باب المُكثِ بينَ السجدَتَينِ
(باب المكث بين السجدتين) ولأبي ذر عن الحموي بين السجود.
٨١٨ - حدّثنا أبو النُّعمانِ قال: حدَّثَنَا حَمّادٌ عن أيُوبَ عن أبي قلابةَ «أنَّ مالكَ بنَ الحُوَيرِثِ
قال لأصحابهِ: ألاَ أُنْبِّئُكُمْ صلاةَ رسولِ اللَّهِ مَ﴿ - قال وذاك في غيرِ حينٍ صَلاةٍ - فقامَ، ثمَّ ركعَ
فكِّرَ، ثمَّ رَفعَ رَأْسَهُ فقامَ هُنَيَّةً، ثمَّ سجدَ، ثمَّ رَفعَ رَأْسَهُ هُنَيَّةً - فصلَّى صلاةَ عمرو بنِ سَلِمةَ شَيخِنا
هذا - قال أيُّوبُ: كان يَفعلُ شيئًا لم أرَهم يفعلونَهُ، كان يَقعدُ في الثالثةِ أو الرّابعة».
وبه قال: (حدّثنا أبو النعمان) السدوسي (قال: حدّثنا حماد) ولأبي ذر والأصيلي: حماد بن زيد
(عن أيوب) السختياني (عن أبي قلابة) عبد الله بن زيد الجرمي (أن مالك بن الحويرث) بضم الحاء
المهملة وفتح الواو آخره مثلثة (قال لأصحابه: ألا أنبئكم صلاة رسول الله) وللأصيلي: صلاة
النبي (اَلر).
الإنباء يتعدى بنفسه، قال تعالى ﴿من أنبأك هذا﴾ وبالباء قال تعالى: ﴿قل أونبئكم بخير من
ذلكم﴾ [آل عمران: ١٥] (قال) أبو قلابة (وذاك) أي الإنباء الذي دل عليه: أنبئكم (في غير حين
صلاة) من الصلوات المفروضة.
(فقام) أي: مالك، فأحرم بالصلاة (ثم ركع فكبر ثم رفع رأسه) من الركوع (فقام هنية) بضم
الهاء وفتح النون وتشديد المثناة التحتية أي قليلاً (ثم سجد، ثم رفع رأسه هنية) هذا موضع الترجمة،
لأنه يقتضي الجلوس بين السجدتين قدر الاعتدال.
قال أبو قلابة: (فصلى صلاة عمرو بن سلمة) بكسر اللام (شيخنا هذا) بالجر عطف بيان
لعمرو والمجرور بالإضافة، أي: کصلاته.

٤٧٧
كتاب الأذان/ باب ١٤٠
(قال أيوب) السختياني بالسند المسوق إليه: (كان) أي الشيخ المذكور (يفعل شيئًا لم أرهم
يفعلونه، كان يقعد) أي يجلس آخر (الثالثة و) (الرابعة) كذا في الفرع، والرابعة بغير ألف، وعزاها
ابن التين لأبي ذر، وقال وأراه غير صحيح . اهـ. ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر والأصيلي مما في
الفرع وأصله أو الرابعة، بالشك من الراوي أيهما قال: والمتردّد فيه واحد، لأن المراد بدء الرابعة،
لأن الذي بعدها جلوس التشهد وذلك انتهاء الثالث.
وفيه استحباب جلسة الاستراحة، وبه قال الشافعي وإن خالفه الأكثر.
٨١٩ - قال: فأتّينا النبيَّ نَّ فَأَقَمنا عِندَهُ فقال: ((لو رَجْعتُمْ إلى أهلِيكم، صَلُّوا صَلاةَ كذا في
حِين كذا، صلُّوا صلاةَ كذا في حينٍ كذا، فإذا حَضَرَتِ الصلاةُ فَلْيُؤَذِّنْ أحدُكم، وَلْيَؤُمَّكم أكبرُكم» .
(قال) ابن الحويرث: أسلمنا أو أرسلنا قومنا (فأتينا النبي بَلتز، قأقمنا عنده) زاد في رواية ابن
عساكر: شهرًا (فقال) عليه الصلاة والسلام:
(لو) أي إذا، أو إن (رجعتم إلى أهليكم) بسكون الهاء. ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر
والأصيلي: أهاليكم بفتح الهاء ثم ألف بعدها (صلوا صلاة كذا، في حين كذا، صلوا) وللأصيلي
وابن عساكر: وصلوا، بزيادة واو قبل الصاد (صلاة كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن
أحدكم وليؤمكم أكبركم).
٨٢٠ - حدثنا محمدُ بنُ عبدِ الرَّحيم قال: حدَّثَنا أبو أحمدَ محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ الزُّبَيرُّ قال:
حدَّثَنا مِسْعَرٌ عنِ الحَكْمِ عن عبدِ الرَّحمُنِ بنِ أبي ليلى عنِ الْبَراءِ قال: ((كان سُجودُ النّبِيِّ وَّل
ورُكوعُهُ وَقُعودُهُ بينَ السجدَتَيْنِ قَرِيبًا منَ السواءِ».
وبه قال: (حدّثنا محمد بن عبد الرحيم) المعروف بصاعقة (قال: حدّثنا أبو أحمد محمد بن
عبد الله الزبيري) بضم الزاي وفتح الموحدة وبالراء بعد المثناة التحتية (قال: حدّثنا مسعر) بكسر الميم
وسكون المهملة، ابن كدام (عن الحكم) بفتح الحاء والكاف، ابن عتيبة الكوفي (عن عبد الرحمن بن
أبي ليلى، عن البراء) بن عازب أنه (قال كان سجود النبي بَّر) اسم كان وتاليه معطوف عليه، وهو
قوله: (وركوعه وقعوده بين السجدتين) أي: كان زمان سجوده وركوعه وجلوسه بين السجدتين
(قريبًا من السواء) بالمدّ أي المساواة.
قال الخطابي: هذا أكمل صفة صلاة الجماعة، وأما الرجل وحده فله أن يطيل في الركوع
والسجود أضعاف ما يطيل بين السجدتين وبين الركوع والسجدة.
٨٢١ - حدثنا سُليمانُ بنُ حَربٍ قال: حدَّثَنَا حَمّادُ بنُ زيدٍ عن ثابتٍ عن أنسٍ رَضِيَ اللَّهُ عنه
قال: ((إني لا آلو أن أُصلِّيَ بكم كما رأيتُ النبيَّ ◌َهَ يصلّي بنا - قال ثابتٌ: كان أنسٌ يُصنَعُ شيئًا لم

٤٧٨
كتاب الأذان / باب ١٤١
أرَكم تَصنعونَهُ - كان إذا رَفعَ رَأْسَهُ منَ الرُّكوعِ قامَ حتى يقولَ القائلُ قد نَسِيَ، وَبينَ السَّجدَتَيْنِ حتى
يقولَ القائلُ قد نَسِيّ)».
وبه قال: (حدّثنا سليمان بن حرب) الواشحي (قال: حدّثنا حماد بن زيد) هو ابن درهم (عن
ثابت) البناني (عن أنس) رضي الله عنه، ولأبي ذر والأصيلي زيادة: ابن مالك (قال: إني لا آلو) بمدّ
الهمزة وضم اللام، أي: لا أقصر (أن أصلي بكم كما رأيت النبي ◌َّر يصلي بنا قال ثابت: كان
أنس) ولأبي ذر والأصيلي: كان أنس بن مالك (يصنع شيئًا في صلاته لم أركم تصنعونه) في
صلاتكم (كان إذا رفع رأسه من الركوع قام) فيمكث معتدلاً (حتى يقول القائل: قد نسي) بفتح
النون (و) يمكث جالسًا (بين السجدتين، حتى يقول القائل: قد نسي) أي من طول قيامه .
قال في فتح الباري: وفيه إشعار بأن من خاطبهم ثابت كانوا لا يطيلون بين السجدتين، ولكن
السُّنّة إذا ثبتت لا يبالي من تمسك بها مخالفة من خالفها.
١٤١ - باب لا يَفْتَرِشُ ذِراعَيهِ في السُّجودِ
وَقال أبو حُمَيْدٍ : سَجِدَ النبيُّ وَّهَ وَوَضعَ يَدَيْهِ غيرَ مُفتَرِشٍ ولا قابِضهما.
هذا (باب) بالتنوين (لا يفترش) بالرفع في الفرع كأصله على النفي، وهو بمعنى النهي،
ويجوز الجزم على النهي، أي: لا يبسط المصلي (ذراعيه) أي ساعديه على الأرض، ويتكىء عليهما
(في السجود وقال أبو حميد) الساعدي، في حديثه الآتي مطوّلاً إن شاء الله تعالى بعد ثلاثة أبواب:
(سجد النبي ◌َّي، ووضع يديه) على الأرض حال كونه (غير مفترش) بأن وضع كفّيه على الأرض
وأقل ساعديه غير واضعهما على الأرض (ولا قابضهما) بأن ضمهما إليه غير مجافيهما عن جنبيه،
وتسميه الفقهاء بالتخوية.
٨٢٢ - حدثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ قال: حدَّثَنا محمدُ بنُ جَعفرٍ قال: حدَّثَنا شعبةُ قال: سمعتُ
قَتادةَ عن أنس بنِ مالكِ عنِ النبيّ وَّه قال: ((اعتَدِلوا في السُّجودِ، ولا يَبْسُطْ أحدُكم ذِراعَيهِ انبساطَ
الكلب)).
وبالسند السابق أوّل الكتاب قال المؤلف: (حدّثنا محمد بن بشار) بموحدة مفتوحة فمعجمة
مشددة ويقال له بندار (قال: حدّثنا محمد بن جعفر) المعروف بغندر (قال: حدّثنا) ولأبي ذر: أخبرنا
(شعبة) بن الحجاج (قال: سمعت قتادة) بن دعامة (عن أنس بن مالك) رضي الله عنه، صرّح في
الترمذي بسماع قتادة له من أنس (عن النبي ◌َّر، قال):

٤٧٩
کتاب الأذان/ باب ١٤٢
(اعتدلوا) أي: توسطوا بين الافتراش والقبض (في السجود، ولا يبسط)، بمثناة تحتية فموحدة
ساكنة من غير نون ولا مثناة فوقية (أحدكم ذراعيه) فينبسط (انبساط الكلب) بنون ساكنة فموحدة
مكسورة. كذا في رواية ابن عساكر في الكلمتين.
وللأكثرين: ولا ينبسط بنون ساكنة بعد المثناة التحتية فموحدة مفتوحة، من باب: ينفعل،
انبساط الكلب، بتسكين النون وكسر الموحدة، كرواية ابن عساكر. وللحموي: ولا يبتسط بموحدة
ساكنة بعد المثناة التحتية، فمثناة فوقية مفتوحة من غير نون، من باب: يفتعل، ابتساط الكلب،
بموحدة ساكنة فمثناة مكسورة من غير نون.
والحكمة فيه أنه أشبه بالتواضع، وأبلغ في تمكين الجبهة من الأرض، وأبعد من هيئات
الكسالى، فإن المنبسط يشبه الكسالى، ويشعر حاله بالتهاون، لكن لو تركه صحّت صلاته. نعم،
يكون مسيئًا مرتكبًا لنهي التنزيه والله أعلم.
والحديث أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي.
١٤٢ - باب مَنِ استَوَى قاعدًا في وِترٍ مِن صلاتِهِ ثُمَّ نَهضَ
(باب من استوى قاعدًا) للاستراحة (في وتر) أي في الركعة الأولى أو الثالثة (من صلاته، ثم
نهض) قائمًا .
٨٢٣ - حدثنا محمدُ بنُ الصّبّاحِ قال: أخبرَنا هُشَيمٌ قال: أخبرَنا خالدٌ الحذاءُ عن أبي قِلابةً
قال: أخبرنا مالكُ بنُ الحُوَيرِيثِ اللَّيثيُّ («أنه رأى النبيَّ وَلَ يُصلِّي، فإذا كان في وترٍ من صلاتهِ لم
يَنهضْ حتى يَستَويَ قاعدًا».
وبه قال: (حدّثنا محمد بن الصباح) بفتح المهملة وتشديد الموحدة، الدولابي (قال: أخبرنا
هشيم) بضم الهاء وفتح الشين المعجمة، ابن بشير، بفتح الموحدة (قال: أخبرنا خالد الحذاء، عن أبي
قلابة) عبد الله بن زيد (قال: أخبرنا) وفي رواية لأبي ذر: أخبرني (مالك بن الحويرث الليثي، أنه
رأى النبي ◌َّ يصلي، فإذا كان في وتر من صلاته لم ينهض) إلى القيام (حتى يستوي قاعدًا)
للاستراحة .
وبذلك أخذ الشافعي، وطائفة من أهل الحديث، ولم يستحبها الأئمة الثلاثة كالأكثر.
واحتج الطحاوي له بخلو حديث أبي حميد عنها، فإنه ساقه بلفظ: قام ولم يتورك، وكذا
أخرجه أبو داود.
وأجابوا عن حديث ابن الحويرث: بأنه، عليه الصلاة والسلام، كانت به علّة فقعد لأجلها،
لا أن ذلك من سُنّة الصلاة، ولو كانت مقصودة لشرع لها ذكر مخصوص.

٤٨٠
كتاب الأذان/ باب ١٤٣
وأجيب: بأن الأصل عدم العلة، وأما الترك فلبيان الجواز على أنه لم تتفق الرواة عن أبي حميد
على نفيها، بل أخرج أبو داود أيضًا من وجه آخر عنه إثباتها، وبأنها جلسة خفيفة جدًّا، فاستغنى
فيها بالتكبير المشروع للقيام.
ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين بغدادي، وهو شيخ المؤلف، وما بين واسطي وبصري،
وفيه التحديث والإخبار والعنعنة والقول، وأخرجه أبو داود والترمذي والنسائي في الصلاة.
١٤٣ - باب كيفَ يَعتمِدُ عَلَى الأرضِ إذا قامَ منَ الرَّكعةِ
هذا (باب) بالتنوين (كيف يعتمد) المصلي (على الأرض إذا قام من الركعة) أي: أي ركعة
كانت، وللمستملي والكشميهني: من الركعتين، أي: الأولى والثالثة.
٨٢٤ - حدّثنا مُعَلَّى بنُ أسَدٍ قال: حدَّثَنا وُهَيبٌ عن أيوبَ عن أبي قلابةَ قال: ((جاءَنا
مالكُ بنُ الْحُوَيرِ فصلَّى بنا في مسجدِنا هذا فقال: إني لأُصلِّي بكم وما أُريدُ الصلاةَ، وَلكن
أُريدُ أن أُرِيَكُم كيف رأيتُ النبيَّ نَّهِ يُصلِي. قال أيوبُ: فقلتُ لأبي قِلابةً وكيفَ كانت صلاتُهُ؟
قال: مِثلَ صلاةٍ شَيخِنا هذا - يعني عمروَ بنَ سَلِمةَ - قال أيوبُ: وكان ذُلكَ الشيخُ يُتِمُّ التكبيرَ،
وإذا رَفعَ رأْسَهُ عنِ السجدةِ الثانيةِ جلسَ واعتمدَ على الأرضِ، ثُمَّ قامَ)).
وبه قال: (حدّثنا معلى بن أسد) العمي (قال: حدّثنا) ولابن عساكر: أخبرنا (وهيب) بضم
الواو، مصغرًا، ابن خالد (عن أيوب) السختياني (عن أبي قلابة) عبد الله بن زيد الجرمي (قال:
جاءنا مالك بن الحويرث، فصلى بنا في مسجدنا هذا، فقال) ولابن عساكر: قال: (إني لأصلي بكم،
وما أريد الصلاة، ولكن) بغير نون الوقاية، وللأصيلي وأبي ذر والحموي والمستملي: ولكنني،
بإثباتها، ولابن عساكر: لكن بحذف الواو والياء، (أريد أن أريكم كيف رأيت النبي) ولأبوي ذر
والوقت والأصيلي وابن عساكر: رأيت رسول الله (َةٍ يصلي).
(قال أيوب) السختياني: (فقلت لأبي قلابة: وكيف كانت صلاته؟ قال): كانت (مثل صلاة
شيخنا هذا، يعني عمرو بن سلمة). بكسر اللام (قال أيوب: وكان ذلك الشيخ يتم التكبير) أي
يكبر عند كل انتقال غير الاعتدال، ولا ينقص من تكبيرات الانتقالات شيئًا، أو كان يمدّه من أوّل
الانتقال إلى آخره (وإذا) بالواو، ويروى: فإذا (رفع رأسه عن السجدة الثانية) وللمستملي
والكشميهني: في، بدل عن، ولأبي ذر في بعض نسخه من السجدة (جلس واعتمد على الأرض)
بباطن كفّيه، كما يعتمد الشيخ العاجن إذا عجن الخمير (ثم قام).