Indexed OCR Text

Pages 441-460

٤٤١
كتاب الأذان/ باب ١١٩
الفتوح لسيف عن مسروق، أنه سأل عائشة عن التطبيق فأجابته بما محصله، أنه من صنيع اليهود،
وأن النبي ◌َّل، نهى عنه لذلك، وكان عليه الصلاة والسلام يعجبه موافقة أهل الكتاب فيما لم ينزل
عليه، ثم أمر في آخر الأمر بمخالفتهم.
وفي حديث ابن عمر عند ابن المنذر بإسناد قوي، قال: إنما فعله النبي وَّر مرة، يعني:
التطبيق، فقد ثبت نسخ التطبيق، وأنه كان متقدّمًا.
قال الترمذي التطبيق منسوخ عند أهل العلم لا خلاف بينهم في ذلك إلا ما روي عن ابن
مسعود وبعض أصحابه أنهم كانوا يطبقون اهـ.
قيل: ولعل ابن مسعود لم يبلغه النسخ، واستبعد لأنه كان كثير الملازمة للرسول عليه الصلاة
والسلام، لأنه كان صاحب نعله، يلبسه إياها إذا قام وإذا جلس أدخلها في ذراعه، فكيف يخفى
عليه أمر وضع يديه على ركبتيه، أو لم يبلغه النسخ؟ .
وروى عبد الرزاق عن علقمة والأسود قالا: صلّينا مع عبد الله فطبق، ثم لقينا عمر فصلينا
معه فطبقنا، فلما انصرف قال: ذاك شيء كنا نفعله فترك.
(وأمرنا) بضم الهمزة، مبنيًّا للمفعول، كنون نهينا. والفاعل الرسول مل*، لأنه الذي يأمر
وينهى، فله حكم الرفع (أن نضع أيدينا) من إطلاق الكل على الجزء، أي: أكفّنا (على الركب) شبّه
القابض عليها مع تفريق أصابعهما للقبلة حالة الوضع.
ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين بصري وكوفي ومدني، وفيه التحديث والعنعنة والسماع
والقول، وتابعي عن تابعي عن صحابي، والابن عن الأب، وأخرجه: مسلم وأبو داود والنسائي
والترمذي وابن ماجة .
١١٩ - باب إذا لم يُتِمَّ الرُّكوع
هذا (باب) بالتنوين (إذا لم يتم) المصلي (الركوع) يعيد صلاته ويتم بميم مشدّدة مفتوحة.
٧٩١ - حدّثنا حَفصُ بنُ عمرَ قال: حدَّثنا شُعبةُ عن سُليمانَ قال: سمعتُ زيدَ بْنَ وَهبٍ
قال: ((رأى حُذَيفةُ رَجُلاً لا يُتِمُّ الرُّكوعَ والسجودَ قال: ما صلَّيتَ، ولو مُتَّ مُتَّ على غيرِ الفِطرةِ
التي فَطْرَ اللَّهُ محمدًا وَ)).
وبه قال: (حدّثنا حفص بن عمر) بضم العين، الحوضي (قال: حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن
سليمان) بن مهران الأعمش (قال: سمعت زيد بن وهب) الجهني الكوفي (قال: رأى حذيفة) بن
اليمان، رضي الله عنه (رجلاً) لم يعرف اسمه، لكن عند ابن خزيمة، أنه كندي، (لا يتم الركوع
والسجود) في رواية عبد الرزاق، فجعل ينقر ولا يتم ركوعه (قال) حذيفة للرجل، ولأبي ذر:

٤٤٢
كتاب الأذان/ باب ١٢٠ و ١٢١
فقال: (ما صليت) نفي للحقيقة، كقوله عليه الصلاة والسلام للمسيء صلاته: فإنك لم تصلّ.
واستدل به على وجوب الطمأنينة في الركوع والسجود، وهو مذهب مالك والشافعي وأبي يوسف
وأحمد، أو نفي للكمال كقوله: لا وضوء لمن لم يسم الله، وإليه ذهب أبو حنيفة ومحمد، لأن
الطمأنينة في الركوع والسجود عندهما ليست فرضًا، بل واجبة. (ولو مت) على هذه الحالة، (مت
على غير الفطرة التي فطر الله محمدًا بَّ) زاد الكشميهني، وابن عساكر: عليها، أي على الدين.
وبخه على سوء فعله لیرتدع.
وليس المراد أن تركه لذلك مخرج له من دين الإسلام، فهو كحديث: من ترك الصلاة فقد
کفر، أي يؤديه التهاون بها إلى جحدها، فيكفر.
أو المراد بالفطرة السُّنّة، فهو كحديث: خمس من الفطرة، ويرجحه وروده من وجه آخر بلفظ
سنة محمد .
وميم مت مضمومة، ويجوز كسرها على لغة من يقول: مات يمات، كخاف يخاف، والأصل:
موت بكسر العين، كخوف، فجاء مضارعه على: يفعل بفتح العين. فعلى هذه اللغة يلزم أن يقال
في الماضي المسند إلى التاء مت بالكسر ليس إلا، وهو: أنا نقلنا حركة الواو إلى الفاء بعد سلب
حركتها، دلالة على بنية الكلمة في الأصل.
وهذا الحديث فيه التحديث والعنعنة والسماع والقول، وأخرجه النسائي في الصلاة.
١٢٠ - باب اسْتِواءِ الظَّهرِ في الرُّكوعِ
وقال أبو حُمَيدٍ في أصحابهِ: ركعَ النبيُّ وَ ◌ّهِ ثُمَّ هَصَرَ ظَهرَهُ.
(باب استواء الظهر في) حالة (الركوع) من غير ميل رأس المصلي عن بدنه إلى جهة فوق أو
أسفل.
(وقال أبو حميد) الساعدي، في الحديث المنبّه عليه في باب: وضع الأكف على الركب في
الركوع، (في) حضور (أصحابه) رضي الله عنهم: (ركع النبي ◌َِّ) فوضع يديه على ركبتيه، (ثم
هصر) بفتح الهاء والصاد المهملة، أي أمال (ظهره) للركوع في استواء من رقبته ومتن ظهره من غير
تقويس، وللكشميهني: ثم حنى ظهره بالحاء المهملة والنون الخفيفة، وهما بمعنى.
١٢١ - باب حَدِّ إتمام الرُّكوع والاعتدالِ فيه، والإطْمَأْنِينةِ
وللكشميهني للأربعة هنا: (باب حدّ إتمام الركوع والاعتدال فيه) أي في الركوع (والإطمأنينة)
بكسر الهمزة وسكون الطاء وبعد الألف نون مكسورة ثم مثناة تحتية ثم نون مفتوحة ثم هاء،
وللكشميهني: بضم الطاء. وهي أكثر في الاستعمال، وليس عند غير الكشميهني، هنا باب.

٤٤٣
كتاب الأذان/ باب ١٢١
وإنما الجميع مذكور في ترجمة واحدة إلا أنهم جعلوا التعليق السابق عن أبي حميد في أثنائها
الاختصاصه بالجملة الأولى، فصار: باستواء الظهر في الركوع.
وقال أبو حميد في أصحابه: ركع النبي وَّر ثم هصر ظهره، وحدّ إتمام الركوع والاعتدال فيه
والطمأنينة .
٧٩٢ - حدثنا بَدَلُ بنُ المحبَّرِ قال: حدَّثَنَا شُعبةُ قال: أخبرني الْحَكُمُ عنِ ابنِ أبِي لَيلى عنِ
البَراءِ قال: ((كان رُكوعُ النبيِّ ◌َّهِ وَسُجودُهُ وَبينَ السَّجدَتَينِ وَإِذَا رفعَ منَ الرُّكوعِ - ما خَلا القيامَ
والقعودَ - قريبًا منَ السَّواء)). [الحديث ٧٩٢ - طرفاه في: ٨٠١، ٨٢٠].
وبه قال: (حدّثنا بدل بن المحبر) بموحدة فدال مفتوحتين في الأوّل، وميم مضمومة فحاء
مهملة فموحدة مشدّدة مفتوحتين في الثاني (قال: حدثنا شعبة) بن الحجاج (قال: أخبرني) بالإفراد،
ولأبي ذر: أخبرنا، وللأصيلي: حدّثنا (الحكم) بن عتبة الكوفي (عن ابن أبي ليلى) عبد الرحمن
الأنصاري الكوفي (عن البراء) ولأبي ذر والأصيلي زيادة ابن عازب (قال: كان ركوع النبي ◌َّ) اسم
كان (وسجوده) عطف عليه (وبين السجدتين) عطف على ركوع النبي على تقدير المضاف، أي زمان
ركوعه وسجوده وبين السجدتين، أي: الجلوس بينهما (إذا رفع) أي اعتدل (من الركوع)، ولأبي
ذر: وإذا رفع رأسه من الركوع، أي: وقت رأسه من الركوع، وإذًا هنا لمجرد الزمان منسلخًا عن
الاستقبال، (ما خلا) بمعنى: إلا (القيام) الذي هو للقراءة (و) إلا (القعود) الذي هو للتشهد (قريبًا
من السواء) بفتح السين والمدّ من المساواة.
والاستثناء هنا من المعنى، كأن معناه: كان أفعال صلاته كلها قريبة من السواء، ما خلا القيام
والقعود، فإنه كان يطوّلهما. وفيه إشعار بالتفاوت والزيادة على أصل حقيقة الركوع والسجود وبين
السجدتين، والرفع من الركوع.
وهذه الزيادة لا بدّ أن تكون على القدر الذي لا بدّ منه، وهو الطمأنينة، وهذا موضع المطابقة
بين الحديث والترجمة .
وأما قول البدر الدماميني في المصابيح: إن قوله: قريبًا من السواء لا يطابق الترجمة، لأن
الاستواء المذكور فيها هي الهيئة المعلومة السالمة من الحنوة والحدبة، والمذكور في الحديث، إنما هو
تساوي الركوع والسجود والجلوس بين السجدتين في الزمان، إطالةً وتخفيفًا، فقد سبقه إليه العلاّمة
ناصر الدين بن المنير.
وأجيب: بأن دلالة الحديث، إنما هي على قوله في الترجمة وحدّ إتمام الركوع والاعتدال فيه.
وكأن المعترض لم يتأمل ما بعد حديث أبي حميد من بقية الترجمة.

٤٤٤
كتاب الأذان/ باب ١٢٢
وأما مطابقة الحديث لقوله: حدّ إتمام الركوع، فمن جهة أنه دل على تسوية الركوع والسجود،
والاعتدال والجلوس بين السجدتين، وقد ثبت في بعض طرقه، عند مسلم: تطويل الاعتدال،
فيؤخذ منه إطالة الجميع والله أعلم.
وقد جزم بعضهم بأن المراد القيام بالاعتدال، وبالقعود الجلوس بين السجدتين، وردّه ابن
القيم في حاشيته على السُّنن، فقال هذا سوء فهم من قائله لأنه قد ذكرهما بعينهما، فكيف
يستثنيهما؟ وهل يحسن قول القائل: جاء زيد وعمرو وبكر وخالد إلاّ زيدًا وعمرًا؟ فإنه متى أراد
نفي المجيء عنهما كان متناقضًا. انتهى.
وتعقب بأن المراد بذكرها إدخالها في الطمأنينة، وباستثناء بعضها، إخراج المستثنى من
المساواة. وقد وقع هذا الحديث في باب الطمأنينة حين يرفع رأسه من الركوع بغير استثناء، وإذا جمع
بين الروايتين ظهر من الأخذ بالزيادة فيهما أن المراد بالقيام المستثنى القيام للقراءة، وبالقعود، القعود
للتشهد كما سبق.
وقد اختلف هل الاعتدال ركن طويل أم قصير، وحديث أنس الآتي في باب الطمأنينة، إن شاء
الله تعالى، أصرح من حديث الباب في أنه طويل، لكن المرجح عند الشافعية أنه قصير تبطل الصلاة
بتطويله، ويأتي البحث في ذلك، إن شاء الله تعالى، في باب الطمأنينة.
ورواة هذا الحديث الخمسة كوفيون إلا بدل بن المحبر فبصري، وفيه التحديث والإخبار
والعنعنة والقول، وشيخ المؤلف من أفراده، ورواية تابعي عن تابعي عن صحابي، وأخرجه المؤلف
أيضًا في الصلاة، وكذا مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي.
١٢٢ - باب أمرِ النبيِّ وَّرِ الذي لا يُتِمُّ ركوعَهُ بالإعادةِ
(باب: أمر النبي ◌َّ الذي لا يتم ركوعه بالإعادة) للصلاة، وفي نسخة باب بالتنوين أمر
بفتحات.
٧٩٣ - حدثنا مسأَّدٌ قال: أخبرني يحيى بنُ سعيدٍ عن عُبيدِ اللَّهِ قال: حدَّثَنا سعيدٌ المقبريُّ
عن أبيه عن أبي هريرةَ: ((أن النبيَّ وََّ دَخْلَ المسجدَ فدخلَ رجُلٌ فصلَّى، ثمَّ جاءَ فسلَّمَ على
النبيِّ ◌َِّ، فردَّ النبيُّ بَّارِ عليه السلامَ فقال: ارجِعْ فصلٌ فإنَّكَ لم تُصلِّ، فصلَّى، ثمَّ جاءَ فسلّمَ
على النبيِّ ◌َ﴿ فقال: ارجِعْ فصلٌ فإنكَ لم تُصلِّ (ثلاثًا) فقال: والذي بَعثَكَ بالحقِّ فما أُحسِنُ
غيرَهُ فعلُمْني. قال: إذا قمتَ إلى الصلاةِ فكبُر، ثم اقرأْ ما تَيسَّرَ معكَ منَ القرآنِ، ثمَّ اركع حتى
تَطمئِنَّ راكعًا، ثم ارفع حتى تَعتَدِلَ قائمًا، ثمَّ اسجُدْ حتى تَطمئِنَّ ساجِدًا، ثمَّ ارفع حتى تَطمئِنَّ
جالسًا، ثمَّ اسجُدْ حتى تَطمئنّ ساجدًا، ثمَّ افعلْ ذُلكَ في صلاتِكَ كلُها».

٤٤٥
کتاب الأذان/ باب ١٢٢
وبه قال: (حدّثنا مسدد) أي ابن مسرهد (قال: أخبرني) بالإفراد، ولأبوي ذر والوقت
والأصيلي وابن عساكر: حدّثنا (يحيى بن سعيد) القطان (عن عبيد الله) بضم العين، ابن عمر
العمري (قال: حدّثنا) وللأربعة: حدّثني (سعيد المقبري، عن أبيه) كيسان الليثي الخندعي، ويحيى
كما قال الدارقطني: حافظ عمدة، لا تقدح مخالفته جميع أصحاب عبيد الله في حديثه هذا، حيث
رووه كلهم عنه، عن سعيد، من غير ذكر أبيه، وحينئذ فالحديث صحيح لا علة فيه، ولا يغتر بذكر
الدارقطني له في الاستدراكات، (عن أبي هريرة)، رضي الله عنه، وللكشميهني: أن أبا هريرة قال:
(إن النبي ◌َ﴿ دخل المسجد) ولأبي ذر عن المستملي والحموي، عن النبي ◌َّ: دخل المسجد (فدخل)
بالفاء، ولأبي ذر: ودخل (رجل) هو خلاد بن رافع الزرقي، جدّ علي بن يحيى بن عبد الله بن
خالد، (فصلى) ركعتين، كما للنسائي، وهل كانتا نفلاً أو فرضًا؟ الظاهر الأول والأقرب أنهما ركعتا
تحية المسجد، (ثم جاء فسلم على النبي ◌َّر، فردّ النبي ◌َّر عليه السلام فقال) له:
وعليك السلام، (ارجع فصل، فإنك لم تصل) نفي للصحة لأنها أقرب لنفي الحقيقة من نفي
الكمال، فهي أولى المجازين، وأيضًا فلما تعذرت الحقيقة وهي نفي الذات، وجب صرف النفي إلى
سائر صفاتها، (فصلى، ثم جاء فسلم على النبي وَّر) في رواية أبي أسامة: فجاء فسلم، وهي أولى،
لأنه لم يكن بين صلاته ومجيئه تراخ (فقال) له عليه الصلاة والسلام بعد قوله: وعليك السلام (ارجع
فصل فإنك لم تصل - ثلاثًا -) أيّ: ثلاث مرات، قال البرماوي: وهو متعلق بصلى وقال، وسلم
وجاء، فهو من تنازع أربعة أفعال، وإنما لم يعلمه أوّلاً لأن التعليم بعد تكرار الخطأ أثبت من التعليم
ابتداء، وقيل تأديبًا له، إذ لم يسأل، واكتفى بعلم نفسه، ولذا لما سأل وقال: لا أحسن، علمه.
وليس فيه تأخير البيان، لأنه كان في الوقت سعة إن كانت صلاة فرض.
(فقال: والذي بعثك بالحق، فما) ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر: ما (أحسن
غيره، فعلمني. قال) عليه الصلاة والسلام، ولأبي الوقت فقال: (إذا قمت إلى الصلاة فكبّر) تكبيرة
الإحرام (ثم اقرأ ما) وللأصيلي: بما (تيسر معك من القرآن)، أي الفاتحة، لأنها ميسرة لكل أحد،
وعند أبي داود ثم اقر بأم القرآن، أو بما شاء الله، ولأحمد وابن حبان: ثم اقرأ بأم القرآن، ثم اقرأ
بما شئت، (ثم اركع حتى تطمئن) حال كونك (راكعًا. ثم ارفع حتى تعتدل) حال كونك (قائمًا) في
رواية ابن نمير عند ابن ماجة، بإسناد على شرط الشيخين: حتى تطمئن قائمًا. فالظاهر أن إمام
الحرمين لم يقف على هذه الرواية، حيث قال: وفي إيجاب الطمأنينة في الرفع من الركوع شيء، لأنها
لم تذكر في حديث: المسيء صلاته. (ثم اسجد حتى تطمئن) حال كونك (ساجدًا، ثم ارفع حتى
تطمئن) حال كونك (جالسًا ثم اسجد حتى تطمئن) حال كونك (ساجدًا، ثم افعل ذلك) المذكور من
كل واحد من التكبير للإحرام، وقراءة الفاتحة، والركوع، والسجود، والجلوس (في) كل ركعة
واحدة من (صلاتك كلها) فرضًا ونفلاً.
ولم يذكر له بقية الواجبات في الصلاة لكونه كان معلومًا عنده.

٤٤٦
كتاب الأذان/ باب ١٢٣
فإن قلت: من أين تؤخذ المطابقة بين الترجمة والحديث فإنه لم يقع فيه بيان ما نقصه المصلي
المذكور؟ .
أجيب: بأنه ورد في حديث رفاعة بن رافع، عند ابن أبي شيبة، في هذه القصة: دخل رجل
فصلى صلاة خفيفة لم يتم ركوعها ولا سجودها، فالظاهر أن المؤلف أشار بالترجمة إلى ذلك، وأجاب
ابن المنير بأنه عليه الصلاة والسلام، لما قال له: اركع حتى تطمئن راكعًا إلى آخر ما ذكر له من
الأركان، اقتضى ذلك تساويها في الحكم لتناول الأمر كل فرد منها، فكل من لم يتم ركوعه أو
سجوده، أو غير ذلك مما ذكر مأمور بالإعادة . اهـ.
وهذا الحديث قد سبق في باب: وجوب القراءة للإمام والمأموم.
١٢٣ - باب الدُّعاءِ في الرُّكوعِ
(باب الدعاء في الركوع).
٧٩٤ - حدّثنا حَفصُ بنُ عمرَ قال: حدَّثَنَا شُعبةُ عن مَنصورٍ عن أبي الضُّحى عن مسروقٍ
عن عائشةَ رضيَ اللَّهُ عنها قالت: ((كان النبيُّ نَّهِ يقولُ في رُكوعِهِ وَسُجودهِ: سُبحانَكَ اللّهِمَّ ربَّنا
وبحمدِكَ، اللَّهِمَّ اغفِرْ لي)). [الحديث ٧٩٤ - أطرافه في: ٨١٧، ٤٢٩٣، ٤٩٦٧، ٤٩٦٨].
وبه قال: (حدّثنا حفص بن عمر) بضم العين، الحوضي (قال: حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن
منصور) هو ابن المعتمر السلمي (عن أبي الضحى) بضم الضاد المعجمة وفتح الحاء المهملة مقصورًا،
مسلم بن صبيح، بضم الصاد المهملة وفتح الموحدة آخره مهملة، الكوفي العطار التابعي، المتوفى في
زمن خلافة عمر بن عبد العزيز، (عن مسروق) هو ابن الأجدع الهمداني الكوفي (عن عائشة رضي
الله عنها قالت: كان النبي) وللأصيلي: كان رسول الله (َّر. يقول، في ركوعه وسجوده) امتثالاً لما
أمره الله به في قوله تعالى ﴿فسبح بحمد ربك واستغفره﴾ على أحسن الوجوه وأفضل الحالات في
فرض الصلاة ونفلها .
(سبحانك اللهمَّ) بالنصب بفعل محذوف لزومًا، أي: أسبح سبحانك اللهم (ربنا و) سبحت
(بحمدك) فمتعلق الباء محذوف، أي بتوفيقك وهدايتك لا بحولي وقوتي، ففيه شكر الله تعالى على
هذه النعمة، والاعتراف بها. والواو فيه للحال، أو لعطف الجملة على الجملة، سواء قلنا إضافة
الحمد إلى الفاعل.
والمراد من الحمد لازمه مجازًا، وهو ما يوجب الحمد من التوفيق والهداية، أو إلى المفعول،
ویکون معناه: وسبحت ملتبسًا بحمدي لك.

٤٤٧
کتاب الأذان/ باب ١٢٤
(اللهم) أي يا الله (اغفر لي) ... فيه دلالة الحديث على الترجمة قيل: وإنما نص فيها على
الدعاء دون التسبيح، وإن كان الحديث شاملاً لهما لقصد الإشارة إلى الرد على من كره الدعاء في
الركوع، کمالك رحمه الله .
وأما التسبيح فمتفق عليه، فاهتم هنا بالتنصيص على الدعاء لذلك، واحتج المخالف بحديث
ابن عباس عند مسلم، مرفوعًا: فأما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا فيه في
الدعاء فقمن أن يستجاب لكم.
وأجيب بأنه: لا مفهوم له، فلا يمتنع الدعاء في الركوع كما لا يمتنع التعظيم في السجود،
وإنما سأل عليه الصلاة والسلام المغفرة مع كمال عصمته لبيان الافتقار إلى الله تعالى والإذعان له،
وإظهارًا للعبودية، أو كان عن ترك الأولى أو الإرادة تعليم أمته.
ورواة هذا الحديث ما بين بصري وواسطي وكوفي، وشيخ المؤلف فيه من أفراده، وفيه:
التحديث والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلف: في المغازي. والتفسير، ومسلم وأبو داود والنسائي
وابن ماجة: في الصلاة.
١٢٤ - باب ما يقولُ الإمامُ وَمَن خَلفَهُ إذا رَفِعَ رأْسَهُ منَ الرُّكوع
٧٩٥ - حذّثنا آدمُ قال: حدَّثَنا ابنُ أبي ذِئبٍ عن سعيدِ المُقْبُريّ عن أبي هريرةَ قال: ((كان
النبيُّ وَِّ إذا قالَ سمِعَ اللَّهُ لمن حَمِدَه قال اللهمَّ ربَّنا ولك الحمدُ. وكان النبيُّ وَّهِ إذا ركعَ وإذا
رفعَ رَأْسَهُ يُكبِّرُ، وإذا قامَ منَ السَّجدَتَيْنِ قال: اللَّهُ أكبرُ)).
(باب ما يقول الإمام ومن خلفه) من المقتدين به (إذا رفع رأسه من الركوع). وبه قال: (حدّثنا
آدم) بن أبي إياس (قال: حدّثنا ابن أبي ذئب) محمد بن عبد الرحمن، واسم جدّه أبي ذئب هشام (عن
سعيد المقبري عن أبي هريرة) رضي الله عنه (قال: كان النبي بَّر إذا قال):
(سمع الله لمن حمده)) في حال انتقاله من الركوع إلى الاعتدال، (قال) في حال اعتداله: (اللهم
ربنا) أي: يا الله، يا ربنا. ففيه تكرار النداء. وفي بعض الروايات قال: ربنا (ولك الحمد) بإثبات
الواو .
ونص أحمد، فيما رواه عنه الأثرم، على ثبوتها في عدة أحاديث، وفي بعض الروايات: ربنا
لك الحمد، بحذفها .
قال النووي: لا ترجيح لأحدهما على الآخر.
وقال ابن دقيق العيد: كأن إثباتها دالّ على معنى زائد، لأنه يكون التقدير مثلاً: ربنا استجب
ولك الحمد. فيشتمل على معنى الدعاء ومعنى الخبر.

٤٤٨
کتاب الأذان/ باب ١٢٥
قال في الفتح: وهذا بناء منه على أن الواو عاطفة. وقد قيل: إنها واو الحال، قاله ابن الأثير،
وضعف ما عداه .
ومطابقة الحديث للترجمة من جهة الإمام واضحة من هذا، أما من جهة المأموم فبالقياس عليه
أو اكتفاءً بالحديث الذي قدمه، وهو: إنما جعل الإمام ليؤتم به. أو بضم حديث: صلوا كما
رأيتموني أصلي، إلى حديث الباب.
وفي حديث أبي هريرة: كنا إذا صلينا خلف رسول الله وَّرَ، فقال: سمع الله لمن حمده. قال
من وراءه: سمع الله لمن حمده.
لكن قال الدارقطني: المحفوظ في ذلك فليقل من وراءه: ربنا لك الحمد.
(وكان النبي ◌َّ﴾وإذا ركع وإذا رفع رأسه) أي من السجود لا من الركوع (يكبر) عبر بالجملة
الفعلية المضارعية، لأن المضارع يفيد الاستمرار، أي كان تكبيره ممدودًا من أول الركوع والرفع إلى
آخرهما بخلاف التكبير للقيام، فإنه لا يستمر. ولهذا قال مالك: لا يكبر للقيام من الركعتين حتى
يستوي قائمًا. (وإذا قام من السجدتين قال):
وفي الأولى: بالفعلية. فغاير بينهما للتفنن في الأكم أو لإرادة التعميم، لأن التكبير بتناول
التعريف ونحوه: قال البرماوي، کالکرماني.
وأما قوله في الفتح، الذي يظهر أنه من تصرف الرواة: فقال العيني: إن الذي قاله الكرماني
أولى من نسبة الرواة إلى التصرف في الألفاظ التي نقلت عن الصحابة.
١٢٥ - باب فضلِ ((اللّهمَّ ربَّنا لكَ الحمدُ)).
(باب فضل اللهم ربنا لك الحمد) وللأصيلي: ولك الحمد بالواو، وعزاها في فتح الباري
للكشميهني، ولفظ: باب، ساقط في رواية أبي ذر والأصيلي.
٧٩٦ - حدّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ يوسفَ قال: أخبرنا مالكٌ عن سُمَيِّ عن أبي صالح عن أبي هريرةَ
رضيَ اللَّهُ عنه أنّ رسولَ اللَّهِ نَ ◌ّه قال: ((إذا قال الإمامُ سمعَ اللَّهُ لمن حَمدَه فقولوا: اللّهمَّ ربَّنا لكَ
الحمدُ، فإنه مَن وافَقَ قولُه قولَ الملائكةِ غُفِرَ لهُ ما تقدَّمَ مِن ذَنْبهِ». [الحديث ٧٩٦ - أطرافه في:
٣٢٢٨].
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي (قال: أخبرنا مالك) إمام الأئمة (عن سمي)
بضم المهملة وفتح الميم، مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحرث (عن أبي صالح) ذكوان السمان
(عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله و لي قال):

٤٤٩
كتاب الأذان/ باب ١٢٦
(إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده. فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد) وللأصيلي: ولك الحمد،
بالواو. وقال النووي: فيكون متعلقًا بما قبله، أي: سمع الله لمن حمده. ربنا استجب دعاءنا، ولك
الحمد على هدایتنا .
وفيه رد على أن ابن القيم حيث جزم بأنه لم يرد الجمع بين اللهم والواو في ذلك.
واستدل بهذا الحديث المالكية والحنفية على أن الإمام لا يقول ربنا لك الحمد، وعلى أن المأموم
لا يقول: سمع الله لمن حمده. لكون ذلك لم يذكر في هذه الرواية، وأنه عليه الصلاة والسلام قسم
التسميع والتحميد، فجعل التسميع الذي هو طلب التحميد للإمام، والتحميد الذي هو طلب
الإجابة للمأموم.
ويدل له قوله عليه الصلاة والسلام في حديث أبي موسى الأشعري عند مسلم: وإذا قال:
سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا لك الحمد، يسمع الله لكم. ولا دليل لهم في ذلك، لأنه ليس في
حديث الباب ما يدل على النفي، بل فيه أن قول المأموم: ربنا لك الحمد يكون عقب قول الإمام:
سمع الله لمن حمده. ولا يمتنع أن يكون الإمام طالبًا ومجيبًا، فهو كمسألة التأمين السابقة.
وقد ثبت أنه بَيّر جمع بينهما، وقد قال عليه الصلاة والسلام: صلوا كما رأيتموني أصلي،
فيجمع بينهما الإمام والمنفرد عند الشافعية والحنابلة وأبي يوسف ومحمد والجمهور. والأحاديث
الصحيحة تشهد لذلك، وزاد الشافعية: أن المأموم يجمع بينهما أيضًا.
(فإنه من وافق قوله قول الملائكة) أي: فمن وافق حمده حمد الملائكة، (غفر له ما تقدم من
ذنبه).
وهو نظير ما تقدم في مسألة التأمين، وظاهره أن الموافقة في الحمد في الصلاة لا مطلقًا.
١٢٦ - باب
(باب) بالتنوين من غير ترجمة، كذا للجميع. قاله الحافظ ابن حجر، وعزاه البرماوي لبعض
النسخ بعد أن قال: باب القنوت. ولفظ: باب ساقط كالترجمة عند الأصيلي، والراجح إثباته كما أن
الراجح حذفه من الذي قبله، لأن الأحاديث المذكورة فيه لا دلالة له فيها على فضل: اللهم ربنا لك
الحمد إلا بتكلف فالأولى أن يكون بمنزلة الفصل من الباب الذي قبله.
٧٩٧ - حدّثنا مُعاذُ بنُ فَضالةَ قال: حدَّثَنا هِشامٌ عن يحيى عن أبي سَلمةَ عن أبي هريرةً
قال: ((لأُقَرِّبَنَّ صلاةَ النبيِّ وَّهُ. فكانَ أبو هريرةَ رضيَ اللَّهُ عنهُ يَقنُتُ في الركعةِ الأخرى من صلاةِ
الظُّهرِ، وصلاةِ العِشاءِ وصلاةِ الصُّبحِ بعدما يقولُ سمعَ اللَّهُ لمن حمِدَه. فيدعو للمؤمنينَ وَيَلعَنُ
إرشاد الساري/ ج ٢ / م ٢٩

٤٥٠
كتاب الأذان/ باب ١٢٦
الكفّار)). [الحديث ٧٩٧ - أطرافه فى: ٨٠٤، ١٠٠٦، ٢٩٣٢، ٣٣٨١، ٤٥٦٠، ٤٥٩٨،
٦٢٠٠، ٦٣٩٣، ٦٩٤٠].
وبه قال: (حدّثنا معاذ بن فضالة) بفتح الفاء والضاد المعجمة البصري (قال: حدّثنا هشام)
الدستوائي (عن يحيى) بن أبي كثير (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن، ولمسلم من طريق معاذ بن
هشام، عن أبيه، عن يحيى، حدّثني أبو سلمة (عن أبي هريرة) رضي الله عنه أنه (قال: لأقربن) لكم
(صلاة النبي ◌ِّر) من التقريب مع نون التوكيد الثقيلة، أي لأقربكم إلى صلاته، أو لأقرب صلاته
إليكم وللطحاوي لأرينكم (فكان) بالفاء التفسيرية، ولابن عساكر: وكان (أبو هريرة رضي الله عنه
يقنت في الركعة الأخرى) بضم الهمزة وسكون الخاء وفتح الراء، ولأبي ذر عن الكشميهني: في
الركعة الآخرة (من) ثلاث صلوات: (صلاة الظهر، وصلاة العشاء، وصلاة الصبح، بعدما يقول:
سمع الله لمن حمده) فيه القنوت بعد الركوع في الاعتدال وقال مالك: يقنت قبله دائمًا (فيدعو
للمؤمنين، ويلعن الكفار) الغير المعينين، أما المعين فلا يجوز لعنه حيًّا كان أو ميتًا إلا من علمنا
بالنصوص موته على الكفر: كأبي لهب.
وظاهر سياق الحديث أنه مرفوع إلى النبي وَّر، وليس موقوفًا على أبي هريرة، لقوله لأقربن
لكم صلاة النبي ◌َّ ثم فسره بقوله: فكان أبو هريرة إلى آخره.
وقيل المرفوع منه وجود القنوت لا وقوعه في الصلوات المذكورة ويدل له ما في رواية شيبان
عن يحيى عند المؤلف في تفسيره سورة النساء، من تخصيص المرفوع بصلاة العشاء لكن لا ينفي هذا
كونه وَلّ قنت في غير العشاء. فالظاهر أن جميعه مرفوع.
ورواة الحديث ما بين بصري ودستوائي ويماني ومدني، وفيه التحديث والعنعنة والقول،
وشيخ المؤلف فيه من أفراده، أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي في الصلاة.
٧٩٨ - حدثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبي الأسودِ قال: حدَّثَنا إسماعيلُ عن خالدِ الحَذّاءِ عن أبي قِلابةَ
عن أنَسٍ رضيَ اللَّهُ عنه قال: ((كان القنوتُ في المغربِ والفجرِ)). [الحديث ٧٩٨- طرفه في:
١٠٠٤].
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن أبي الأسود) هو جد أبيه، نسب إليه لشهرته به، واسم أبيه:
محمد بن حميد البصري، المتوفى سنة ثلاث وعشرين ومائتين (قال: حدّثنا إسماعيل) بن علية بضم
العين وفتح اللام وتشديد المثناة التحتية (عن خالد الحذاء) سقط: الحذاء لابن عساكر (عن أبي قلابة)
بكسر القاف، عبد الله بن زيد بن عمرو الجرمي (عن أنس)، وللأصيلي زيادة: ابن مالك (رضي الله
عنه، قال: كان القنوت) في أول الأمر، أي: في الزمن النبوي، فله حكم الرفع (في) صلاة
(المغرب) وصلاة (الفجر) ثم ترك في غير صلاة الفجر، وبقية مباحث ذلك تأتي إن شاء الله تعالى في
الوتر .

٤٥١
كتاب الأذان/ باب ١٢٦
ورواة هذا الحديث كلهم بصريون، وشيخ المؤلف فيه من أفراده، وفيه التحديث والعنعنة
والقول.
٧٩٩ - حدثنا عبدُ اللَّهِ بنُ مَسلمةَ عن مالكِ عن نُعيمِ بنِ عبدِ اللَّهِ المُجْمِرِ عن عليٍّ بنِ
يحيى بنِ خَلاّدِ الزُّرَقِيِّ عن أبيهِ عن رِفاعةَ بنِ رافعِ الزُّرَقَيِّ قال: ((كنّا يومًا نُصلّ وراءَ النبيِّ ◌َِه
فلما رَفعَ رأْسَهُ منَ الرَّكعةِ قال: ((سَمعَ اللَّهُ لمن حُمِدَه، قال رَجُلٌ وَراءَهُ: ربَّنا ولكَ الحمدُ حمدًا
كثيرًا طيِّبًا مباركًا فيه. فلما انصرَفَ قال: مَنِ المتكلِّمُ؟ قال: أنا. قال: رأيتُ بِضعةً وثلاثينَ مَلَكًا
يَبْتَدِرونَها أيُّهم يكتُبها أوَّلُ)) .
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي (عن مالك) إمام دار الهجرة (عن نعيم بن
عبد الله المجمر) بضم الميم الأولى، وكسر الثانية والخفض، صفة لنعيم وأبيه (عن علي بن يحيى بن
خلاد الزرقي) بضم الزاي وفتح الراء الأنصاري المدني، المتوفى سنة تسع وعشرين ومائة، وفي رواية
ابن خزيمة: إن علي بن يحيى حدّثه (عن أبيه) يحيى بن خلاد الذي حنكه رسول الله وَ لقوله (عن
رفاعة بن رافع) بكسر الراء وتخفيف الفاء وبعد الألف عين مهملة في الأول، وبالراء المفتوحة وبالفاء
في الآخر (الزرقي) أيضًا أنه (قال: كنا يومًا) من الأيام (نصلي) ولأبي ذر: كنا نصلي يومًا (وراء
النبي) وللأصيلي: وراء رسول الله (َّ) المغرب (فلما رفع رأسه) أي: فلما شرع في رفع رأسه (من
الركعة قال):
(سمع الله لمن حمده) وأتمه في الاعتدال. (قال رجل) هو رفاعة بن رافع: قال في المصابيح:
وهل هو راوي الحديث أو غيره يحتاج إلى تحرير. اهـ.
قلت جزم الحافظ ابن حجر بأنه راوي الحديث، وكذا قال ابن بشكوال، وهو في الترمذي.
وإنما كنى عن نفسه لقصد إخفاء عمله.
ونقل البرماوي عن ابن مندة أنه جعله غير راوي الحديث. وأن الحاكم جعله معاذ بن رفاعة،
فوهم في ذلك.
ولأبوي ذر والوقت: فقال رجل: (ربنا) وللكشميهني: فقال رجل من ورائه: ربنا (ولك
الحمد) بالواو (حمدًا) منصوب بفعل مضمر دل عليه قوله: لك الحمد (كثيرًا طيبًا) خالصًا عن الرياء
والسمعة (مباركًا) أي كثير الخير (فيه) زاد في رواية رفاعة بن يحيى: كما يحب ربنا ويرضي وفيه من
حسن التفويض إلى الله تعالى ما هو الغاية في القصد.
(فلما انصرف) عليه الصلاة والسلام من الصلاة (قال) تليفون :
(من المتكلم)؟ بهذه الكلمات زاد رفاعة بن يحيي: في الصلاة، فلم يتكلم أحد. ثم قالها
الثانية، فلم يتكلم أحد، ثم قالها الثالثة (قال) رفاعة بن رافع (أنا) المتكلم بذلك، أرجو الخير.

٤٥٢
کتاب الأذان/ باب ١٢٦
فإن قلت: لم أخر رفاعة إجابة الرسول ◌َ # حتى كرر سؤاله ثلاثًا مع وجوب إجابته عليه، بل
وعلى غيره ممن سمع، فإنه عليه الصلاة والسلام عمّم السؤال، حيث قال: من المتكلم؟.
أجيب: بأنه لما لم يعين واحدًا بعينه، لم تتعين المبادرة بالجواب من المتكلم ولا من واحد بعينه،
وكأنهم انتظروا بعضهم ليجيب، وحملهم على ذلك خشية أن يبدو في حقه شيء ظنًا منهم أنه أخطأ
فیما فعل، ورجوا أن يقع العفو عنه.
ويدل له ما في رواية سعيد بن عبد الجبار عن رفاعة بن يحيى، عند ابن نافع، قال رفاعة :
فوددت أني خرجت من مالي، وأني لم أشهد مع رسول الله وَّر تلك الصلاة. الحديث.
وكأنه عليه الصلاة والسلام لما رأى سكوتهم فهم ذلك فعرفهم أنه لم يقل بأسًا، ويدل لذلك
حديث مالك بن ربيعة عند أبي داود قال: من القائل الكلمة؟ فلم يقل بأسًا؟ (قال) عليه الصلاة
والسلام:
(رأيت بضعة) بتاء التأنيث، وللحموي والمستملي: بضعًا (وثلاثين ملكًا) أي على عدد حروف
الكلمات: أربعة وثلاثين، لأن البضع بكسر الباء وتفتح ما بين( الثلاث والتسع، ولا يختص بما دون
العشرين خلافًا للجوهري، والحديث يرد عليه، فأنزل الله تعالى بعدد حروف الكلمات ملائكة في
مقابلة كل حرف ملكًا تعظيمًا لهذه الكلمات، وأما ما وقع في حديث أنس عند مسلم، فالموافقة فيه
كما أفاده في الفتح بالنظر لعدد الكلمات على اصطلاح النحاة، ولفظه: لقد رأيت اثني عشر ملكًا
(يبتدرونها) أي: يسارعون إلى الكلمات المذكورة (أيهم) بالرفع مبتدأ خبره (يكتبها أول) بالبناء على
الضم لنيّة الإضافة ويجوز أن يكون معربًا بالنصب على الحال وهو غير منصرف، والوجهان في فرع
اليونینیة کھي.
قال في المصابيح وأي استفهامية تتعلق بمحذوف دلّ عليه: يبتدرونها، والتقدير يبتدرونها
ليعلموا أيّهم يكتبها أول، أو ينظرون أيّهم يكتبها. ولا يصح أن يكون متعلقًا: بيبتدرون، لأنه ليس
من الأفعال التي تعلق بالاستفهام، ولا مما يحكى به.
فإن قلت: والنظر أيضًا ليس من الأفعال القلبية والتعليق من خواصها، فكيف ساغ لك
تقدیرہ؟
وأجاب بأن في كلام ابن الحاجب وغيره من المحققين ما يقتضي أن التعليق لا يخص أفعال
القلوب المتعدية إلى اثنين، بل يخص كل قلبي، وإن تعدى إلى واحد: كعرف، والنظر ههنا يحمل
على نظر البصيرة، فيصح تعليقه: واقتصر الزركشي حيث جعلها استفهامية على أن المعلق هو:
يبتدرون، وإن لم يكن قلبيًّا، وهذا مذهب مرغوب عنه . اهـ.
ويجوز نصب: أيّهم، بتقدير ينظرون، والمعنى أن كل واحد منهم يسرع ليكتب هذه الكلمات
قبل الآخر ويصعد بها إلى حضرة الله تعالى لعظم قدرها.

٤٥٣
کتاب الأذان/ باب ١٢٧
ورواة هذا الحديث كلهم مدنيون، وفيه رواية الأكابر عن الأصاغر، لأن نعيمًا أكبر سنًّا من
علي بن يحيى. وأقدم سمعًا منه، وفيه ثلاثة من التابعين، والتحديث والعنعنة والقول، وأخرجه
أبو داود والنسائي.
١٢٧ - باب الإِطمأنينةِ حينَ يرفعُ رأسَهُ منَ الزُّكوعِ
وقال أبو حُمَيدٍ: رَفعَ النِبِيُّ وَّه واستَوَى حتى يَعودَ كلُّ فَقارِ مكانَهُ.
(باب الإطمأنينة) بكسر الهمزة قبل الطاء الساكنة، وفي بعضها بضم الهمزة، وللكشميهني:
الطمأنينة، بضم الطاء بغير الهمز (حين يرفع) المصلي (رأسه من الركوع).
(وقال أبو حميد) الساعدي، ما يأتي موصولاً، إن شاء الله تعالى، في باب: سنة الجلوس
للتشهد؛ (رفع النبي ◌َّ﴾ رأسه) من الركوع (واستوى) بالواو، ولأبي ذر: فاستوى، أي: قائمًا (حتى
يعود كل فقار مكانه) بفتح الفاء والقاف الخفية، خرزات الصلب: وهي مفاصله، والواحدة فقارة.
وقد حصلت المطابقة بين هذا التعليق والترجمة بقوله: واستوى أي قائمًا. نعم: في رواية
كريمة: واستوى جالسًا، وحينئذ فلا مطابقة. لكن المحفوظ سقوطها.
وعزاه في الفرع وأصله للأصيلي وأبي ذر فقط، وعلى تقدير ثبوتها فيحتمل أنه عبر عن السكون
بالجلوس، فيكون من باب: ذكر الملزوم وإرادة اللازم.
٨٠٠ - حقثنا أبو الوَلِيدِ قال: حدَّثَنا شُعبةُ عن ثابتٍ قال: ((كان أنسٌ يَنعَتُ لنا صلاةً
النبيِّ ◌َ ﴿ فكان يُصلِّي، وإذا رَفعَ رَأْسَهُ منَ الركوعِ قامَ حتى نقولَ قد نَسِيَ)). [الحديث ٨٠٠ طرفه
في: ٨٢١].
وبه قال: (حدّثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك الطيالسي (قال: حدّثنا شعبة) بن الحجاج
(عن ثابت) البناني (قال: كان أنس) ولأبي ذر والأصيلي: كان أنس بن مالك رضي الله عنه (ينعت)
بفتح العين، أي يصف (لنا صلاة النبي بَّر، فكان يصلي، فإذا) بالفاء، ولغير أبي ذر والأصيلي،
وإذا (رفع رأسه من الركوع قام حتى نقول) بالنصب، أي: إلى أن نقول (قد نسي) وجوب الهوي إلى
السجود، أو أنه في صلاة، أو ظن أنه وقت القنوت من طول قيامه، وهذا صريح في الدلالة على
أن الاعتدال ركن طويل، بل هو نص فيه، فلا ينبغي العدول عنه لدليل ضعيف، وهو قولهم: لم
يسنّ فيه تكرير التسبيحات كالركوع والسجود، ووجه ضعفه أنه قياس في مقابلة النص، فهو فاسد.
وقد اختار النووي جواز تطويل الركن القصير خلافًا للمرجح في المذهب، واستدل لذلك
بحديث حذيفة عند مسلم: أنه وَلّر قرأ في ركعة بالبقرة وغيرها، ثم ركع نحوًا مما قرأ؛ ثم قام بعد
أن قال: ربنا لك الحمد، قيامًا طويلاً قريبًا مما ركع.

٤٥٤
کتاب الأذان/ باب ١٢٧
قال النووي: الجواب عن هذا الحديث صعب، والأقوى جواز الإطالة بالذكر.
٨٠١ - حدثنا أبو الوليدِ قال: حدَّثنا شُعبةُ عنِ الْحَكَمِ عنِ ابنِ أبي ليلى عنِ البَراءِ رضيَ اللَّهُ
عنهُ قال: ((كانَ رُكوعُ النبيِّ وَّ وَسُجودُه وإذا رَفعَ رَأْسَهُ منَ الركوعِ وَبَيْنَ السَّجدَتَينِ قريبًا منَ
السَّواءِ)).
وبه قال: (حدّثنا أبو الوليد) الطيالسي (قال: حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن الحكم عن ابن أبي
ليلى، عن البراء) بن عازب (رضي الله عنه، قال: كان ركوع النبي (َّ) اسم كان وتاليه عطف
عليه. وهو قوله: (وسجوده، وإذا رفع) أي اعتدل (من الركوع)، ولكريمة: وإذا رفع رأسه من
الركوع (و) جلوسه (بين السجدتين قريبًا من السواء) بالفتح والمدّ وسابقه نصب خبر كان.
والمراد أن زمان ركوعه وسجوده واعتداله وجلوسه متقارب.
قال بعضهم: وليس المراد أنه كان يركع بقدر قيامه، وكذا ؛السجود والاعتدال، بل المراد أن
صلاته كانت معتدلة، فكان إذا أطال القراءة أطال بقية الأركان، وإذا أخفها أخف بقية الأركان، فقد
ثبت أنه قرأ في الصبح: بالصافّات، وثبت في السُّنن عن أنس أنهم حزروا في السجود قدر عشر
تسبيحات، فيحمل على أنه إذا قرأ بدون الصافات اقتصر على دون العشر، وأقله كما ورد في السُّنن
أيضًا ثلاث تسبيحات. اهـ من الفتح.
ولم يقع في هذه الطريق الاستثناء الذي في باب: استواء الظهر، وهو قوله: ما خلا القيام
والقعود.
٨٠٢ - حدثنا سُليمانُ بنُ حربٍ قال: حدَّثَنا حمّادُ بنُ زيدٍ عن أيُّوبَ عن أبي قِلابةَ قال:
((كان مالكُ بنُ الحُوَيرثِ يُرينا كيفَ كان صلاةُ النبيِّ وََّ، وذاك في غيرِ وقتٍ صلاةٍ: فقامَ فأمكنَ
القيامَ ثمّ ركعَ فأمكَّنَ الرُّكوعَ، ثم رفعَ رْسَهُ فأنصتَ هُنيَّةً. قال فصلَّى بِنا صلاةَ شيخِنا هذا أبي
بُرَيدٍ، وكان أبو بُرَيدِ إذا رفعَ رأْسَهُ منَ السجدةِ استَوَى قاعدًا، ثمَّ نَهضَ)).
وبه قال: (حدّثنا سليمان بن حرب) الواشحى (قال: حدّثنا حماد بن زيد) بن درهم (عن
أيوب) السختياني (عن أبي قلابة) عبد الله بن زيد (قال: كان) وللكشميهني: قال قام (مالك بن
الحويرث) الليثي (يرينا) بضم أوله من الإراءة (كيف كان صلاة النبي رَّر، وذاك) أي الفعل (في
غير وقت صلاة) لأجل التعليم، ولأبي ذر والأصيلي: في غير وقت الصلاة بالتعريف (فقام فأمكن
القيام) أي مكن بالتشديد (ثم ركع فأمكن الركوع، ثم رفع رأسه فانصب) بهمزة وصل وتشديد
الموحدة، كأنه كنى عن رجوع أعضائه من الانحناء إلى القيام بالانصباب، والذي في اليونينية
بتخفيف الموحدة، ولابن عساكر والأصيلي وأبوي الوقت وذر، عن الكشميهني: فأنصت، بهمزة
قطع آخره مثناة فوقية بدل الموحدة من الإنصات: أي سكت (هنية) بضم الهاء وفتح النون وتشديد

٤٥٥
کتاب الأذان/ باب ١٢٨
المثناة التحتية، قليلاً. فلم يكبر للهوي في الحال، وللإسماعيلي: فانتصب قائمًا، وهو أوضع في
المراد كما لا يخفى.
(قال أبو قلابة: فصلى بنا) مالك (صلاة شيخنا) أي كصلاة شيخنا (هذا) عمرو بن سلمة
بكسر اللام الجرمي (أبي بريد) بضم الموحدة وفتح الراء المهملة، وصوّبه أبو ذر كما في الفرع
وأصله، وكذا ضبطه مسلم في كتاب الكنى وللحموي والمستملي: أبي يزيد، بالمثناة التحتية والزاي
المعجمة، غیر منصرف، وجزم به الجياني.
وقال الحافظ عبد الغني بن سعيد: لم أسمعه من أحد إلا بالزاي، لكن مسلم أعلم في أسماء
المحدثين.
قال أبو قلابة (وكان أبو بريد) أو أبو يزيد (إذا رفع رأسه من السجدة الآخرة استوى) حال
كونه (قاعدًا) للاستراحة (ثم نهض) أي قام.
وهذا الحديث قد سبق في باب: من صلى بالناس وهو لا يريد إلا أن يعلمهم، مع اختلاف
في المتن والإسناد، ومطابقته للترجمة في قوله: ثم رفع رأسه فانصب هنية.
١٢٨ - باب يَهوِي بالتكبيرِ حينَ يَسْجُدُ
وقال نافعٌ: كان ابنُ عمرَ يَضَعُ يَدَيهِ قبلَ رُكبتَيهِ .
هذا (باب) بالتنوين (يهوي) بفتح أوله وضمه وكسر ثالثه أي ينحط أو يهبط المصلي. (بالتكبير
حين يسجد).
(وقال نافع) مولى ابن عمر، مما وصله ابن خزيمة والطحاوي وغيرهما، من طريق عبد العزيز
الدراوردي، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، قال: (كان ابن عمر) بن الخطاب إذا سجد (يضع
يديه) أي كفيه (قبل) أن يضع (ركبتيه) هذا مذهب مالك، قال: لأنه أحسن في خشوع الصلاة
ووقارها، واستدل به بحديث أبي هريرة المروي في السنن بلفظ: إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما
يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه، وعورض بحديث عن أبي هريرة أيضًا، أخرجه الطحاوي لكن
إسناده ضعيف.
ومذهب الثلاثة وفاقًا للجمهور: يضع ركبتيه قبل يديه، لأن الركبتين أقرب للأرض. واستدل
له بحديث وائل بن حجر المروي في السُّنن، وقال الترمذي: حديث حسن، ولفظه قال: رأيت
النبي ێ إذا سجد وضع ركبتيه قبل یدیه.
قال الخطابي وهو أثبت من حديث تقديم اليدين، وأرفق بالمصلي، وأحسن في الشكل، ورأي
العین .

٤٥٦
کتاب الأذان/ باب ١٢٨
وقال الدارقطني: قال ابن أبي داود: وضع الركبتين قبل اليدين تفرد به شريك القاضي عن
عاصم بن کلیب، وشريك ليس بالقوي فيما ينفرد به.
وقال البيهقي: هذا الحديث يعدّ في إفراد شريك هكذا ذكره البخاري وغيره من حفّاظ
المتقدمين، وفي المعرفة، قال همام: وحدّثنا شقيق، يعني أبا الليث، عن عاصم بن كليب، عن أبيه،
عن النبي وَل بهذا مرسلاً، وهو المحفوظ.
وعن أبي هريرة، عن النبي وَ لّر قال: إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه
قبل ركبتيه. رواه أبو داود والنسائي بإسناد جيد، ولم يضعفه أبو داود.
وعن سعد بن أبي وقاص قال: كنا نضع اليدين قبل الركبتين فأمرنا بالركبتين قبل اليدين،
رواه ابن خزيمة في صحيحه، وادعى أنه ناسخ لتقديم اليدين، قال في المجموع: ولذا اعتمده.
أصحابنا، ولكن لا حجة فيه لأنه ضعيف ظاهر الضعف، بين البيهقي وغيره ضعفه، وهو من رواية
يحيى بن سلمة بن كهيل، وهو ضعيف باتفاق الحفاظ، ولذا قال النووي: لا يظهر ترجيح أحد
المذهبين على الآخر من حيث السُّنّة.
لكن قال الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام: من أحاديث الأحكام، حديث أبي هريرة: إذا
سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه، أقوى من حديث وائل: رأيت
رسول اللّه ◌َ*و إذا سجد، وضع ركبتيه قبل يديه. لأن لحديث أبي هريرة شاهدًا من حديث ابن
عمر، صححه ابن خزيمة، وذكره البخاري معلقًا موقوفًا اهـ.
ومراده بذلك قوله هنا، وقال نافع إلخ، فإن قلت: ما وجه مطابقة هذا الأثر للترجمة؟ أجيب:
من جهة اشتمالها عليه لأنها في الهوي بالتكبير إلى السجود، فالهوي فعل، والتكبير قول. فكما أن
أبي هريرة الآتي، إن شاء الله تعالى في هذا الباب يدل على القول، كذلك أثر ابن عمر هذا يدل على
الفعل، والحاصل أن للهوي إلى السجود صفتين: صفة قولية، وأخرى فعلية. فأثر ابن عمر أشار إلى
الصفة الفعلية، وحديث أبي هريرة إليهما معًا.
٨٠٣ - حدثنا أبو اليَمانِ قال: حدَّثَنا شُعَيبٌ عنِ الزُّهريِّ قال: أخبرني أبو بكرِ بنُ
عبدِ الرحمنِ بنِ الحارثِ بنِ هشامٍ وأبو سَلمةَ بنُ عبدِ الرحمنِ أنَّ أبا هريرةً كان يُكبِّرُ في كلِّ صلاةٍ
منَ المكتوبةِ وغيرِها في رَمضانَ وغيرِهِ فَيُكبِّرُ حينَ يَقومُ، ثمَّ يُكبِّرُ حينَ يَركَعُ، ثمَّ يقولُ سَمِعَ اللَّهُ
لمَنْ حَمِدَه، ثمَّ يقولُ ربَّنا ولكَ الحمدُ قبلَ أن يَسجُدَ، ثمَّ يقولُ اللَّهُ أكبرُ حينَ يَهوي ساجدًا، ثمّ
يُكبِّرُ حينَ يَرفعُ رَأْسَهُ منَ السجودِ، ثمَّ يكبُرُ حينَ يَسجِدُ، ثمَّ يُكبِّرُ حينَ يَرفَعُ رَأْسَهُ منَ السُّجودِ ثم
يُكبِّرِ حينَ يقومُ منَ الجُلوسِ في الاثنتينِ، ويَفعل ذلكَ في كلِّ ركعةٍ حتى يَفْرُغُ منَ الصلاةِ، ثمَّ

٤٥٧
كتاب الأذان/ باب ١٢٨
يقولُ حينَ يَنصَرِفُ: والذي نفسِي بيدِه، إني لأقرَبُكم شَبَهًا بصلاةِ رسولِ اللَّهِ ﴿. إنْ كانت هذهِ
لَصلاتهُ حتی فارق الدنيا)».
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع (قال: حدّثنا) ولأبي ذر والأصيلي وابن عساكر
أخبرنا (شعيب) أي ابن أبي حمزة (عن) ابن شهاب (الزهري، قال: أخبرني) بالإفراد (أبو بكر بن
عبد الرحمن بن الحرث بن هشام، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة) رضي الله عنه: (كان
يكبر) أي حين استخلفه مروان على المدينة، كما عند النسائي (في كل صلاة من المكتوبة وغيرها من
رمضان وغيره) وسقط وغيره في بعضها (فيكبر حين يقول) للإحرام (ثم يكبر حين يركع) أي: حين
يشرع في الانتقال إلى الركوع، ويحده حتى يصل إلى حد الراكعين، ثم يشرع في تسبيح الركوع، (ثم
يقول: سمع الله لمن حمده) في الرفع، من الركوع، ويمدّه حتى ينتصب قائمًا (ثم يقول: ربنا ولك
الحمد) بالواو في الاعتدال (قبل أن يسجد، ثم يقول: الله أكبر، حين يهوي ساجدًا) بفتح المثناة
التحتية وسكون الهاء وكسر الواو، ولأبي ذر يهوي بضمها، أي يبتدىء به من حين الشروع في
الهوي بعد الاعتدال، حتى يضع جبهته على الأرض، ثم يشرع في تسبيح السجود (ثم يكبر حين
يرفع رأسه من السجود) حتى يجلس، ثم يشرع في دعاء الجلوس (ثم يكبر جين يسجد) الثانية (ثم
يكبر حين يرفع رأسه من السجود، ثم يكبر حين يقوم من الجلوس في) الركعتين (الاثنتين) يشرع
فيه من حين ابتداء القيام إلى الثالثة بعد التشهد الأول، (ويفعل ذلك) المذكور من التكبير وغيره (في
كل ركعة حتى يفرغ من الصلاة، ثم يقول حين ينصرف) منها: (والذي نفسي بيده إني لأقربكم شبهًا
بصلاة رسول الله ◌َ﴿، إن كانت) بكسر همزة إن المخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، واسم
كان قوله (هذه) أي الصلاة التي صليتها (لصلاته) عليه الصلاة والسلام، خبر كان واللام للتأكيد،
(حتى فارق الدنيا) وَالتر .
٨٠٤ - قالا: وقال أبو هريرةَ رضيَ اللَّهُ عنه: ((وكان رسولُ اللَّهِ وَل ◌ِ حِينَ يَرفعُ رَأْسَهُ يقولُ:
سَمِعَ اللَّهُ لمن حَمِدَه ربَّنا ولك الحمد - يَدعو لِرجالٍ فيُسمِيهم بأسمائهم فيقول: اللهمَّ أنجٍ
الوَليدَ بنَ الوَليدِ وَسَلمةَ بنِ هِشَامٍ وَعَيّاشَ بنَ أبي ربيعةَ والمستضعَفِينَ منَ المؤمِنِينَ اللهمَّ اشدُدْ
وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، واجعَلْها عليهم سِنِينَ كسِني يوسفَ. وأهلُ المشرقِ يومَئِذٍ مِن مُضَرَ مُخالِفُونَ
ـه)).
(قالا) أي: أبو بكر بن عبد الرحمن، وأبو سلمة بن عبد الرحمن المذكوران بالإسناد السابق
إليهما: (وقال: أبو هريرة رضي الله عنه: وكان رسول الله وَّر حين يرفع رأسه) من الركوع (يقول)
(سمع الله لمن حمده) وفي الاعتدال: (ربنا ولك الحمد) بالواو فيجمع بينهما (يدعو) خبر آخر لكان،
أو عطف بدون حرف العطف اختصارًا، وهو جائز معروف في اللغة، وقال العيني: الأوجه أن

٤٥٨
کتاب الأذان/ باب ١٢٨
يكون حالاً من ضمير يقول أي يقول حال كونه يدعو (الرجال) من المسلمين، واللام تتعلق بيدعو
(فيسميهم بأسمائهم).
استدل به وبما يأتي علي أن تسمية الرجال بأسمائهم فيما يدعى لهم وعليهم لا تفسد الصلاة.
(فيقول) عليه الصلاة والسلام:
(اللهم أنج الوليد بن الوليد) بن المغيرة المخزومي، أخا خالد بن الوليد، وهمزة أنج قطع
مفتوحة مجزوم بالطلب، وكسر لالتقاء الساكنين (و) أنج (سلمة بن هشام) بفتح اللام، أخا أبي
جهل بن هشام (و) أنج (عياش بن أبي ربيعة) أخا أبي جهل لأمه، وعياش بفتح العين وتشديد المثناة
التحتية، وكل هؤلاء الذين دعا لهم عليه الصلاة والسلام نجوا من أسر الكفار ببركة دعائه عليه
الصلاة والسلام (و) أنج (المستضعفين من المؤمنين) من باب عطف العام على الخاص. ثم يقول وليه
(اللهم اشدد) بهمزة وصل، وقول العيني: بضم الهمزة محمول على الابتداء بها (وطأتك) بفتح الواو
وسكون الطاء وفتح الهمزة، من الوطء. وهو شدة الاعتماد على الرجل، والمراد اشدد بأسك أو
عقوبتك (على) كفار قريش أولاد (مضر) فالمراد القبيلة، ومضر بميم مضمومة وضاد معجمة غير
منصرف، وهو ابن نزار بن معد بن عدنان (واجعلها) قال الزركشي: الضمير للوطأة أو للأيام وإن
لم يسبق له ذكر لما دل عليه المفعول الثاني الذي هو سنين.
قال في المصابيح: ولا مانع من أن يجعل عائدًا على السنين لا إلى الأيام التي دلّت عليها سنين،
وقد نصوا على جواز عود الضمير على المتأخر لفظًا ورتبةً إذا كان مخبرًا عنه بخبر يفسره، مثل ﴿إن
هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن فيه﴾ من هذا القبيل. انتهى.
أي واجعل السنين (عليهم سنين) جمع سنة، والمراد بها هنا زمن القحط (كسني يوسف)
الصديق عليه السلام السبع الشداد في القحط، وامتداد زمان المحنة والبلاء، وبلوغ غاية الجهد
والضراء، وأسقط نون سنين للإضافة جريًا على اللغة الغالبة فيه. وهي إجراؤه مجرى جمع المذكر
السالم، لكنه شاذ لكونه غير عاقل، ولتغيير مفرده بكسر أوّله. ولهذا أعربه بعضهم بحركات على
النون، كالمفرد كقوله:
دعاني من نجد فإن سنينه لعبن بنا شيبًا وشيَّبننا مُردا
وليس قوله: سنين عند أبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر كما في الفرع وأصله.
(وأهل المشرق يومئذٍ من مضر مخالفون له) عليه الصلاة والسلام.
ورواة هذا الحديث ما بين حمصي ومدني، وفيه التحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه أبو داود
والنسائي في الصلاة.

٤٥٩
کتاب الأذان/ باب ١٢٨
٨٠٥ - حدّثنا عليُّ بنُ عبدِ اللَّهِ قال: حدَّثَنا سُفيانُ غيرَ مرَّةٍ عنِ الزُّهريِّ قال: سمعتُ
أنسَ بنَ مالكِ يَقولُ: ((سَقطَ رسولُ اللَّهِ وَهَ عن فَرسٍ - وربما قال سفيانُ مِن فَرَسٍ - فجُحِشَ شِقْهُ
الأيمنُ، فَدَخَلْنا عليه نَعودُهُ، فحَضَرَتِ الصلاةُ فصلَّى بنا قاِدًا وَقَعَدْنا. وقال سُفيانُ مرَّةً: صلَّينا
قعودًا، فلمَّا قَضَى الصلاةَ قال: إنما جُعلَ الإمامُ لِيُؤْتمَّ به، فإذا كَبَّرَ فكبروا، وإذا رَكعَ فاركَعوا،
وإذا رَفعَ فارفَعوا، وإذا قال سَمِعَ اللَّهُ لمن حَمِدَه فقولوا: ربَّنا ولكَ الحمدُ، وإذا سَجَدَ فاسجدوا.
قال سُفيانُ: كذا جاءَ به مَعمر؟ قلتُ: نعم. قال: لقد حَفِظَ. كذا قال الزُّهريُّ ولك الحمدُ،
حفِظتُ من شِقِّهِ الأيمَنِ. فلما خرَجنا من عندِ الزّهريِّ قال ابنُ جُرَيجٍ وأنا عنده: فجُحِشَ ساقُهُ
الأیمنُ».
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني البصري (قال: حدّثنا سفيان) بن عيينة (غير مرة)
تأكيد لروايته (عن) ابن شهاب (الزهري، قال: سمعت أنس بن مالك) رضي الله عنه (يقول: سقط
رسول الله وَّ ر عن فرس وربما قال سفيان) بن عيينة: (من) بدل عن، وللأصيلي: وربما قال من
(فرس) فأسقط لفظ سفيان، (فجحش) بضم الجيم وكسر الحاء آخره شين معجمة، أي خدش (شقه
الأيمن، فدخلنا عليه) حال كوننا (نعوده، فحضرت الصلاة، فصلى بنا) عليه الصلاة والسلام حال
کونه (قاعدًا، وقعدنا) بالواو، وللأصيلي: فقعدنا.
(وقال سفيان) بن عيينة (مرة: صلينا قعودًا) مصدر أو جمع قاعدًا (فلما قضى) عليه الصلاة
والسلام (الصلاة) أي فرغ منها، (قال) عليه الصلاة والسلام:
(إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا
قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد) بالواو، أي بعد قوله: سمع الله لمن حمده (وإذا
سجد فاسجدوا).
(كذا) ولغير أبي ذر والأصيلي: قال سفيان، أي لعلي المديني مستفهمًا له بهمزة مقدرة قبل
قوله: كذا (جاء به معمر) بفتح الميمين، ابن راشد البصري، قال علي: (قلت: نعم) جاء به معمر.
كذا قال الحافظ ابن حجر، كأن مستند علّ في ذلك رواية عبد الرزاق عن معمر، فإنه من مشايخه
بخلاف معمر فإنه لم يدركه، وإنما يروي عنه بواسطة وكلام الكرماني يوهم خلاف ذلك. انتهى.
قلت: بل صرّح به البرماوي حيث قال: فابن المديني كما يرويه عن سفيان، عن الزهري،
يرويه عن معمر عن الزهري.
وما قاله الحافظ يردّه .

٤٦٠
کتاب الأذان/ باب ١٢٩
(قال) سفيان: والله (لقد حفظ) معمر عن الزهري حفظًا صحيحًا متقنًا. (كذا قال الزهري)
أي: كما قال معمر: (ولك الحمد) بالواو وفيه إشارة إلى أن بعض أصحاب الزهري لم يذكر الواو.
وأراد سفيان بهذا الاستفهام تقرير روايته برواية معمر له، وفيه تحسين حفظه.
قال سفيان بن عيينة (حفظت) ولابن عساكر: وحفظت أي: من الزهري أنه قال: فجحش
(من شقه الأيمن، فلما خرجنا من عند) ابن شهاب (الزهري، قال ابن جريج) عبد الملك بن
عبد العزيز (أنا عنده) أي عند الزهري: فقال: (فجحش ساقه الأيمن) بلفظ: الساق بدل الشق، فهو
عطف على مقدّر، أو جملة حالية من فاعل قال مقدّرًا. أي: قال الزهري وأنا عنده: ويحتمل أن
يكون هذا مقول سفيان لا مقول ابن جريج والضمير حينئذٍ راجع للزهري. قاله البرماوي كالكرماني.
قال في فتح الباري: وهذا أقرب إلى الصواب، ومقول ابن جريج هو: فجحش إلخ ...
ورواة هذا الحديث ما بين بصري ومكي ومدني، وفيه التحديث والعنعنة والسماع، وسبق في
باب: إنما جعل الإمام ليؤتم به، والله أعلم.
١٢٩ - باب فَضلِ السُّجودِ
٨٠٦ - حقّثنا أبو اليمانِ قال: أخبرنا شُعيبٌ عن الزُّهريِّ قال: أخبرني سعيدُ بنُ المسيَّبِ
وعطاءُ بنُ يَزِيدَ الليثيُّ أنَّ أبا هريرةَ أخبرَهما ((أنَّ الناسَ قالوا: يا رسولَ اللَّهِ، هل نَرَى رَبَّنا يومَ
القِيامةِ؟ قال: هل تُمارونَ في القمرِ ليلةَ البدرِ ليس دُونَهُ سَحابٌ؟ قالوا: لا يا رسولَ اللَّهِ. قال:
فهل تُمارونَ في الشمسِ ليس دونَها سحابٌ؟ قالوا: لا. قال: فإنكم تَرَونَهُ كذلكَ، يُحشَرُ الناسُ
يومَ القيامةِ فيقولُ: مَن كانَ يَعبُدُ شيئًا فَلْيَّبغ، فمنهم من يتبعُ الشمسَ، ومنهم مَن يَتَّبِعُ القمرَ،
ومنهم مَن يتَبعُ الطواغيتَ، وتبقى هذهِ الأُمَّةُ فيها مُنافِقوها، فيأْتِيهمُ اللَّهُ فيقولُ: أنا ربُّكم،
فيقولون: هذا مكانُنا حتى يأْتِيَنا ربّنا، فإذا جاءَ ربُّنا عرفناه. فيأتيهمُ اللَّهُ فيقولُ: أنا ربُّكم،
فيقولونَ: أنتَ ربُّنا، فيدعوهم فيُضرَبُ الصراطُ بينَ ظَهرانَيْ جَهِنَّمَ، فأكونُ أولَ مَن يَجوزُ منَ
الرُّسُلِ بِأُمَتِهِ، ولا يتكلّمُ يومَئِذٍ أحدٌ إلّ الرُّسُلُ، وكلامُ الرُّسُلِ يومَئِذٍ: اللَّهِمَّ سَلُمْ سَلِّمْ. وفي جَهِنَّمَ
كَلاليبُ مِثْلُ شَوكِ السَّعدانِ، هل رأيتُم شَوكَ السَّعدانِ؟ قالوا: نعم. قال: مثلُ شَوكِ السعدانِ، غيرَ
أنهُ لا يَعلمُ قَدْرَ عِظَمِها إلاّ اللَّهُ، تَخْطَفُ الناسَ بأعمالِهِمْ: فمنهم مَن يُوبَقُ بعمَلهِ، ومنهم مَن
يُخَزْدَلُ ثمَّ يَنجو. حتى إذا أرادَ اللَّهُ رحمةَ مَن أرادَ مِن أهل النارِ أمَرَ اللَّهُ الملائكةَ أن يُخرِجوا مَن
كانَ يَعْبُدُ اللَّهَ، فيُخرِجونهِمْ، وَيَعرِفونَهم بآثارِ السجودِ، وحرَّمَ اللَّهُ عَلَى النارِ أن تَأْكلَ أثرَ السجودِ.
فيخرُجونَ منَ النارِ، فكلُّ ابنٍ آدَمَ تَأْكلُه النارُ إلاّ أثرَ السجودِ، فيخرُجونَ مِنَ النارِ قدِ امتَحشوا،