Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١
كتاب الصلاة/ باب ٣١
٣١ - باب التوجُّهِ نحو القبلةِ حيثُ كان
وقال أبو هريرةً: قال النبيُّ وَّرَ: ((استَقْبِلِ القبلةَ وكبِّرْ)).
(باب التوجه) في صلاة الفرض (نحو القبلة) أي جهتها (حيث كان) أي وجد المصلي في سفر
أو حضر. (وقال أبو هريرة) رضي الله عنه مما وصله المؤلف في الاستئذان من جملة حديث المسيء
صلاته (قال النبي ◌َّيقول: استقبل القبلة) حيث كنت (وكبّر) بكسر الباء الموحدة فيهما على الأمر وكبر
بالواو، وللأربعة فكبر، وفي رواية الأصيلي: قام النبي ◌َّر استقبل فكبّر بالميم وفتح الموحدة فيهما.
٣٩٩ - حدثنا عبدُ اللَّهِ بنُ رَجاءٍ قال: حدَّثَنا إسرائيلُ عن أبي إسحق عن البَراءِ بنِ عازِبٍ
رضيَ اللَّهُ عنهما قال: ((كان رسولُ اللَّهِ وَهِ صلَّى نحو بيتِ المقدِسِ سِتَةَ عشرَ - أو سبعةَ عشرَ -
شهرًا، وكان رسولُ اللَّهِ وَهِ يُحبُّ أنْ يُوَجَّهَ إلى الكعبةِ، فأنزَّلَ اللَّهُ: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجهِكَ في
السماءِ﴾ فتَوَجَّهَ نحوَ الكعبةِ، وقال السُّفَهاءُ منَ الناسِ - وهُم اليهودُ - ﴿ما وَلاَهمْ عن قِبلَتِهم التي
كانوا عليها؟ قُلْ للَّهِ المَشرِقُ والمَغرِبُ، يَهدِي من يَشاءُ إلى صِراطٍ مُستَقِيمٍ﴾ فصلّى معَ النبيِّ وَل
رجُلٌ، ثمّ خرَجَ بعد ما صلَّى فمرَّ عَلَى قومٍ مِنَ الأنصارِ في صَلاةِ العَصرِ نحوَ بَيتِ المَقْدِسِ فقال:
هُوَ يَشهدُ أنَّهُ صلَّى معَ رسولِ اللَّهِ وََّ، وَأَنَّهُ تَوَجَّهَ نحوَ الكعبةِ. فَتَحرَّفَ القومُ حتَّى تَوجّهوا نحوَ
الكعبة» .
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن رجاء) بتخفيف الجيم الغداني بضم الغين المعجمة (قال: حدّثنا
إسرائيل) بن يونس بن أبي إسحق عمرو بن عبد الله الكوفي (عن أبي إسحق) عمرو بن عبد الله
السبيعي الكوفي جدّ إسرائيل (عن البراء بن عازب) رضي الله عنهما ثبت ابن عازب عند أبي ذر عن
المستملي (قال):
(كان رسول الله) وللأصيلي النبي (َ﴿ نحو) أي جهة (بيت المقدس) بالمدينة (ستة عشر شهرًا
أو سبعة عشر شهرًا) من الهجرة وكان ذلك بأمر الله تعالى له قاله الطبري، ويجمع بينه وبين حديث
ابن عباس عند أحمد من وجه آخر أنه م # كان يصلّ بمكة نحو بيت المقدس، والكعبة بين يديه
بحمل الأمر في المدينة على الاستمرار باستقبال بيت المقدس، وفي حديث الطبري من طريق ابن
جريج قال: أوّل ما صلّ إلى الكعبة ثم صرف إلى بيت المقدس وهو بمكة فصلّ ثلاث حجج، ثم
هاجر فصلّ إليه بعد قدومه المدينة ستة عشر شهرًا ثم وجّهه الله تعالى إلى الكعبة. (وكان رسول
الله وَ﴿ يجب أن يوجه) بضم أوّله وفتح الجيم مبنيًّا للمفعول أي يؤمر بالتوجّه (إلى الكعبة) وفي
حديث ابن عباس عند الطبري: وكان يدعو وينظر إلى السماء (فأنزل الله عز وجل: ﴿قد نرى تقلّب
وجهك في السماء﴾) [البقرة: ١٤٤] تردد وجهك في جهة السماء تطلعًا للوحي، وكان عليه
الصلاة والسلام يقع في روعه، ويتوقع من ربه أن يحوّله إلى الكعبة لأنها قبلة أبيه إبراهيم، وذلك

٦٢
كتاب الصلاة/ باب ٣١
يدل على كمال أدبه حيث انتظر ولم يسأل قاله البيضاوي (فتوجّه) وَ ل بعد نزول الآية (نحو الكعبة،
وقال السفهاء من الناس وهم اليهود: ما ولاهم) أي ما صرفهم (عن قبلتهم التي كانوا عليها) يعني
بيت المقدس والقبلة في الأصل الحال التي عليها الإنسان من الاستقبال، فصارت عُرفًا للمكان
المتوجّه إليه للصلاة ﴿قل لله المشرق والمغرب﴾ [البقرة: ١٤٢] لا يختصّ به مكان دون مكان بخاصة
ذاتية تمنع إقامة غيره مقامه، وإنما العبرة بارتسام أمره لا بخصوص المكان. ﴿يهدي من يشاء إلى
صراط مستقيم﴾ [البقرة: ١٤٢] وهو ما ترتضيه) الحكمة وتقتضيه المصلحة من التوجّه إلى بيت
المقدس تارة وإلى الكعبة أخرى (فصلى) الظهر (مع النبي وَلير رجل) اسمه عباد بن بشر كما قاله ابن
بشكوال، أو هو عباد بن نهيك بفتح النون وكسر الهاء، (ثم خرج) أي الرجل (بعدما صلّى) أي بعد
صلاته أو بعد الذي صلّ، وللمستملي والحموي: فصلّى مع النبي ◌َ ◌ّ رجال بالجمع ثم خرج أي
بعض أولئك الرجال بعدما صلّ، (فمرّ على قوم من الأنصار في صلاة العصر نحو) أي جهة (بيت
المقدس) وفي رواية الكشميهني في صلاة العصر: يصلّون نحو بيت المقدس (فقال) الرجل: (هو
يشهد أنه صلّى مع رسول الله وَله وأنه) عليه الصلاة والسلام (توجّه نحو الكعبة) وللأربعة: وأنه
نحو الكعبة (فتحرّف القوم حتى توجهوا نحو الكعبة) وعنى بقوله هو يشهد نفسه على طريق التجريد
بأن جرد من نفسه شخصًا، أو على طريق الالتفات، أو نقل الراوي كلامه بالمعنى.
وعند ابن سعد في الطبقات أنه عليه الصلاة والسلام صلى ركعتين من الظهر في مسجده
بالمسلمين، ثم أمر أن يتوجّه إلى المسجد الحرام، فاستدار إليه ودار معه المسلمون، ويقال: إنه عليه
الصلاة والسلام زار أَم بشر بن البراء بن معرور في بني سلمة فصنعت له طعامًا وحانت الظهر
فصلّ وَّر بأصحابه ركعتين، ثم أمر فاستدار إلى الكعبة واستقبل الميزاب فسمي مسجد القبلتين. قال
ابن سعد، قال الواقدي: هذا أثبت عندنا، ولا تنافي بين قوله هنا صلاة العصر وبين ثبوت الرواية
عن ابن عمر في الصبح بقباء المروي عند الشيخين والنسائي لأن العصر ليوم التوجّه بالمدينة،
والصبح لأهل قباء في اليوم الثاني، لأنهم خارجون عن المدينة من سوادها.
واستنبط من حديث الباب قبول خبر الواحد، وجواز النسخ، وأنه لا يثبت فى حق المكلّف
حتى يبلغه. ورواته ما بين بصري وكوفي، وفيه التحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلّف في التفسير
أيضًا ومسلم في الصلاة والترمذي والنسائي وابن ماجة .
٤٠٠ - حدثنا مُسلِمْ قال: حدَّثَنا هِشامٌ قال: حدَّثَنا يحيى بنُ أبي كثيرٍ عن محمدِ بنِ
عبد الرحمنِ عن جابرٍ قال: ((كان رسولُ اللَّهِ وَ يُصلِّي عَلَى راحِلَتِهِ حَيثُ تَوجَّهَتْ. فإذا أرادَ
الفَرِيضةَ نزلَ فاستَقْبلَ القِبلةَ)). [الحديث ٤٠٠ - أطرافه في: ١٠٨٤، ١٠٩٩، ٤١٤٠].
وبه قال: (حدّثنا مسلم) وللأصيلي مسلم بن إبراهيم (قال: حدّثنا هشام) الدستوائي وللأصيلي
هشام بن عبد الله (قال: حدّثنا يحيى بن أبي كثير) بالمثلثة (عن محمد بن عبد الرحمن) بن ثوبان

٦٣
كتاب الصلاة/ باب ٣١
العامري المدني وليس له في البخاري عن جابر غير هذا الحديث، وفي طبقته محمد بن
عبد الرحمن بن نوفل، ولم يخرج له البخاري عن جابر شيئًا قاله الحافظ ابن حجر (عن جابر)
الأنصاري رضي الله عنه وللأصيلي جابر بن عبد الله (قال):
(كان رسول الله) وللأربعة النبي (وَلا يصلي) النفل (على راحلته) ناقته التي تصلح لأن ترحل
(حيث توجهت) به أي الراحلة، زاد ابن عساكر وأبو ذر عن الكشميهني به، والمراد توجه صاحب
الراحلة لأنها تابعة لقصد توجّهه، وفي حديث ابن عمر عند مسلم وأبي داود والنسائي: رأيت
رسول الله وَل يصلّ على حمار وهو متوجّه لخيبر، وعند أبي داود والترمذي وقال: حسن صحيح من
حديث جابر: بعثني النبي ◌ّ في حاجة فجئت وهو يصلّ على راحلته نحو المشرق السجود أخفض
(فإذا أراد) ◌َ﴿ أن يصلي (الفريضة نزل) عن راحلته (فاستقبل القبلة) وصلّ، وهذا يدلّ على عدم
ترك استقبال القبلة في الفريضة، وهو إجماع. نعم رخص في شدة الخوف كما سيأتي في محله إن
شاء الله تعالى.
ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين بصري ويماني ومدني، وفيه التحديث والعنعنة، وأخرجه
أيضًا في تقصير الصلاة وفي المغازي ومسلم.
٤٠١ - حدّثنا عُثمانُ قال: حدَّثَنَا جَرِيرٌ عن مَنصورٍ عن إبراهيمَ عن عَلْقَمَّةَ قال: قال عبدُ اللَّهِ
صلَّى النبيُّ وَّه ـ قال إبراهيمُ: لا أدرِي زادَ أو نَقْصَ - فلما سَلْمَ قيل له: ((يا رسولَ اللَّهِ أحَدَثَ في
الصَّلاةِ شيءٌ؟ قال: وما ذاك؟ قالوا: صلَّتَ كذا وكذا. فثَنَى رِجلَيهِ واستقبَلَ القِبلةَ وَسَجدَ ثمَّ
سَلَّم. فلما أقبَلَ علينا بوَجْههِ قال: إنه لو حَدَثَ في الصلاةِ شيءٌ لَنبَّْتُكُمْ بِهِ، وَلكنْ إنَّما أنا بَشرٌ
مِثْلُكُمْ، أنْسى كما تَنْسَونَ، فإذا نَسِيتُ فذَكِّروني، وإذا شَكَّ أحدُكم في صَلاتهِ فليتحرَّ الصوابَ،
فَلْيُتِمَّ عليهِ ثمَّ ليُسلِّمْ، ثمَّ يَسجُدُ سَجْدَتَينٍ)). [الحديث ٤٠١ - أطرافه في: ٤٠٤، ١٢٢٦، ٦٦٧١،
٧٢٤٩].
وبه قال: (حدّثنا عثمان) بن أبي شيبة (قال: حدّثنا جرير) هو ابن عبد الحميد (عن منصور)
هو ابن المعتمر (عن إبراهيم) بن يزيد النخعي (عن علقمة) بن قيس النخعي (قال):
(قال عبد الله) بن مسعود ولأبي ذر عن عبد الله لكنه ضبب عليه في الفرع (صلّ النبي بَّ)
الظهر أو العصر (قال إبراهيم) النخعي: (لا أدري زاد) النبي ◌َّر في صلاته، ولابن عساكر: أزاد
بالهمزة (أو نقص، فلما سلم قيل له: يا رسول الله أحدث) بهمزة الاستفهام وفتح الحاء والدال أي
أوقع (في الصلاة شيء) من الوحي يوجب تغييرها بزيادة أو نقص؟ (قال) عليه الصلاة والسلام:
(وما ذاك) سؤال مَن لم يشعر بما وقع منه، (قالوا: صلّيت كذا وكذا) كناية عمّا وقع أما زائد على
المعهود أو ناقص عنه، (فثنى) عليه الصلاة والسلام بتخفيف النون أي عطف (رجله) بالإفراد بأن

٦٤
کتاب الصلاة/ باب ٣٢
جلس كهيئة قعود المتشهد، وللكشميهني والأصيلي رجليه بالتثنية (واستقبل القبلة وسجد سجدتين ثم
سلم) لم يكن سجوده عليه الصلاة والسلام عملاً بقولهم، لأن المصلّ لا يرجع إلى قول غيره، بل لما
سألهم بقوله: وما ذاك تذكر فسجد أو أن قول السائل: أحدث شكًا فسجد لحصول الشك الذي طرأ
له لا لمجرّد إخبارهم، (فلما أقبل علينا بوجهه قال: إنه لو حدث في الصلاة شيء لنبّأتكم) أي
لأخبرتكم (به) أي بالحدوث وحذف لدلالة قوله لو حدث في الصلاة، واللام في لنبأتكم لام
الجواب، ومفعوله الأول ضمير المخاطبين، والثاني به، والثالث محذوف، وفيه أنه كان يجب عليه
تبليغ الأحكام إلى الأمة، (ولكن إنما أنا بشر مثلكم) أي بالنسبة إلى الاطلاع على بواطن المخاطبين لا
بالنسبة إلى كل شيء (أنسى كما تنسون) بهمزة مفتوحة وسين مخفّفة. قال الزركشي: ومن قيده بضم
أوّله وتشديد ثالثه لم يناسب التشبيه، (فإذا نسيتُ فذكروني) في الصلاة بالتسبيح ونحوه، (وإذا شك
أحدكم) بأن استوى عنده طرفا العلم والجهل (في صلاته فليتحرّ الصواب) أي فليجتهد وعن
الشافعي فليقصد الصواب أي: فليأخذ باليقين وهو البناء على الأقل. وقال أبو حنيفة: معناه البناء
على غالب الظن. ولا يلزم بالاقتصار على الأقل، ولمسلم فلينظر أقرب ذلك إلى الصواب (فليتم) بناءً
(عليه ثم يسلم) وجوبًا (ثم يسجد) للسهو أي ندبًا (سجدتين) لا واحدة كالتلاوة وعبّر بلفظ الخبر
في هذين الفعلين، وبلفظ الأمر في السابقين وهما: فليتحرّ وليتم لأنهما كانا ثابتين يومئذ بخلاف
التحرّي والإتمام، فإنهما ثبتا بهذا الأمر، ولأبي ذر: يسلم بغير لام الأمر، وللأصيلي وليسجد بلام
الأمر وهو محمول على الندب وعليه الإجماع في المسألتين.
ودلالة الحديث على الترجمة من قوله فثنى رجليه واستقبل القبلة .
واستنبط منه جواز النسخ عند الصحابة وأنهم كانوا يتوقعونه، وعلى جواز وقوع السهو من
الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في الأفعال وعليه عامّة العلماء والنظّار كما قاله الشيخ تقي الدين.
ورواته الستّة كلهم كوفيون أئمة أجلاء، وإسناده من أصحّ الأسانيد، وفيه التحديث والعنعنة
والقول، وأخرجه المؤلّف في النذور ومسلم والنسائي وأبو داود وابن ماجة.
ولما فرغ المؤلّف من حكم التوجّه إلى القبلة شرع يذكر حكم مَن سها فصلّ إلى غير القبلة
فقال :
٣٢ - باب ما جاءَ في القِبْلةِ،
ومَن لا يَرَى الإعادةَ عَلَى مَن سَها فصلّىّ إلى غيرِ القبلةِ
وقد سلَّم النبيُّ وَّهِ فِي رَكَعَتَي الظُهرِ وأقبلَ عَلَى الناسِ بوجههِ ثمَّ أتمَّ ما بَقِيَ.
(باب ما جاء في القبلة) غير ما ذكر (ومن لا يرى الإعادة) ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن
عساكر: ومن لم يرَ الإعادة (على من سها فصلّ إلى غير القبلة) الفاء تفسيرية لأنه تفسير لقوله سها

٦٥
كتاب الصلاة/ باب ٣٢
قاله البرماوي كالكرماني وتعقبه العيني فقال فيه بعد، والأولى أن تكون للسببية كقوله تعالى:
﴿فتصبح الأرض مخضرّة﴾ [الحج: ٦٣] وأصل هذه المسألة في المجتهد في القبلة إذا صلّ به فتيقن
الخطأ في الجهة في الوقت أو بعده فإنه يقضي على الأظهر، والثاني لا يجب القضاء لعذره بالاجتهاد،
وبه قال أبو حنيفة وأصحابه وإبراهيم النخعي والثوري، لأن جهة تحرّيه هي التي خوطب بإستقبالها
حالة الاشتباه فأتى بالواجب عليه فلا يعيدها، وقال المالكية يعيد في الوقت المختار وهو مذهب
المدوّنة، وقال أبو الحسن المرداوي من الحنابلة في تنقيح المقنع: ومَن صلّ بالاجتهاد سفرًا فأخطأ لم
يعد . اهـ.
فلو تيقن الخطأ في الصلاة وجب استئنافها عند الشافعية والمالكية ويستدير إلى جهة القبلة ويبني
على ما مضى عند الحنفية وهو قول للشافعية، لأن أهل قباء لما بلغهم نسخ القبلة من بيت المقدس إلى
الكعبة استداروا في الصلاة إليها.
(وقد سلم النبي ◌ِّر في ركعتي الظهر) وللأصيلي ركعتين من الظهر (وأقبل على الناس بوجهه)
الشريف، (ثم أتمّ ما بقي) من الركعتين الأخيرتين.
وهذا التعليق قطعة من حديث أبي هريرة في قصة اليدين المشهور، ووجه ذكره في الترجمة أنه
عليه الصلاة والسلام بانصرافه وإقباله على الناس بوجهه بعد سلامه كان وهو عند نفسه الشريفة في
غير صلاة، فلما مضى على صلاته كان وقت استدبار القبلة في حكم المصلّ، فيؤخذ منه أن من
اجتهد ولم يصادف القبلة لا يعيد.
٤٠٢ - حدثنا عمرو بن عونٍ قال: حدَّثَنا مُشيمٌ عن حُميدٍ عن أنَسٍ قال: قال عمرُ: ((وافَقْتُ
ربّي في ثلاثٍ: فقلتُ يا رسولَ اللَّهِ لو اتخَذْنا مِن مَقام إبراهيمَ مُصَلَّى فنزلَتْ ﴿وانَّخِذوا مِن مَقامِ
إبراهيمَ مُصَلّى﴾، وآيةُ الحِجابِ، قلتُ يا رسولَ اللَّهِ لو أمرت نساءكَ أن يَحتجِبنَ فإنَّهُ يُكلِّمُهِنَّ البَرُّ
والفاجِر، فنزَلَتْ آيَةُ الحِجابِ، واجتَمَعَ نِساءُ النبيِّ بَّهِ في الغَيرةِ عليهِ فقلتُ لهنَّ: عَسى ربُّه إن
طلّقَكُنَّ أن يُبدِلَهُ أزواجًا خيرًا مِنكنَّ، فنزَلَتْ هذه الآية)). [الحديث ٤٠٢ - أطرافه في: ٤٤٨٣،
٤٧٩٠، ٤٩١٦].
حدثنا ابنُ أبي مَريمَ قال: أخبرنا يحيى بنُ أَيُّوبَ قال: حدَّثني حُميدٌ قال: سمعتُ أنسًا
بهذا .
وبه قال: (حدّثنا عمرو بن عون) بالنون أبو عثمان الواسطي البزاز بزايين نزيل البصرة، المتوفى
سنة خمس وعشرين ومائتين (قال: حدّثنا هشيم) بضم الهاء وفتح الشين المعجمة وسكون المثناة ابن
بشير بفتح الموحدة وكسر المعجمة (عن حميد) الطويل (عن أنس) وللأصيلي أنس بن مالك (قال):
إرشاد الساري / ج ٢ / م ٥

٦٦
كتاب الصلاة/ باب ٣٢
(قال عمر) بن الخطاب وللأصيلي رضي الله عنه: (وافقت ربيّ في ثلاث) أي وافقني ربي فيما
أردت أن يكون شرعًا، فأنزل القرآن على وفق ما رأيت، لكن لرعاية الأدب أسند الموافقة إلى نفسه
كذا قال العيني كابن حجر وغيره، لكن قال صاحب اللامع: لا يحتاج إلى ذلك، فإن مَن وافقك فقد
وافقته انتھی.
قال في الفتح: أو أشار به إلى حدث رأيه وقدم الحكم، وقوله في ثلاث أي قضايا أو أمور ولم
يؤنّث مع أن الأمر مذكر لأن التمييز إذا لم يكن مذكورًا جاز في لفظ العدد التذكير والتأنيث، وليس
في تخصيصه العدد بالثلاث ما ينفي الزيادة، فقد روي عنه موافقات بغلت الخمسة عشر: أسارى
بدر، وقصة الصلاة على المنافقين، وتحريم الخمر. ويحتمل أن يكون ذلك قبل الموافقة في غير
الثلاث، ونوزع فيه لأن عمر أخبر بهذا بعد موته وَلَر فلا يتجه ما ذكر من ذلك.
(قلت) ولغير الأربعة فقلت: (يا رسول الله لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى) بين يدي القبلة
يقوم الإمام عنده بحذف جواب لو أو هي للتمني فلا تفتقر إلى جواب، وعند ابن مالك هي لو
المصدرية أغنت عن فعل التمني (فنزلت ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾ [البقرة: ١٢٥] وآية
الحجاب) برفع آية على الابتداء والخبر محذوف أي كذلك أو على العطف على مقدر أي هو اتخاذ
مصلّ، وآية الحجاب وبالنصب على الاختصاص وبالجرّ عطفًا على مقدّر، أي اتخاذ مصلّ من مقام
إبراهيم وهو بدل من قوله ثلاث (قلت يا رسول الله لو أمرت نساءك أن يحتجبن فإنه يكلّمهنّ البرّ)
بفتح الموحدة صفة مشبهة (والفاجر) الفاسق وهو مقابل البر (فنزلت آية الحجاب): ﴿يا أيها النبي قل
لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهنّ من جلابيبهنّ﴾ [الأحزاب: ٥٦] (واجتمع نساء
النبي وَ﴿ في الغيرة عليه) بفتح الغين المعجمة وهي الحمية والأنفة (فقلت لهنّ: عسى ربه إن طلقكنّ
أن يبدله أزواجا خيرًا منكنّ) ليس في ما يدل على أن في النساء خيرًا منهنّ لأن المعلّق بما لم يقع لا
يجب وقوعه (فنزلت هذه الآية).
وبه قال: (حدّثنا ابن أبي مريم) سعيد بن محمد بن الحكم كذا في رواية كريمة ولأبي ذر عن
المستملي، قال أبو عبد الله أي المؤلف: وحدّثنا ابن أبي مريم، ولابن عساكر قال محمد أي المؤلّف
أيضًا. وقال ابن أبي مريم، وللأصيلي وأبي ذر عن الحموي والكشميهني، وقال ابن أبي مريم:
(أخبرنا يحيى بن أيوب) الغافقي (قال: حدّثني) بالإفراد (حميد) الطويل (قال: سمعت أنسًا) أي ابن
مالك (بهذا) أي بالحديث المذكور سندًا ومتنا، وفائدة إيراد هذا الإسناد ما فيه من التصريح بسماع
حميد من أنس، فحصل الأمن من تدليسه، واستشكل بأن يحيى بن أيوب لم يحتج به البخاري، وإن
خرّج له في المتابعات. وأجيب: بأن هذه من جملة المتابعات ولم ينفرد يحيى بن أيوب بالتصريح
المذكور، فقد أخرجه الإسماعيلي من رواية يوسف القاضي عن أبي الربيع الزهراني عن هشيم أخبرنا
حميد حدّثنا أنس قاله في الفتح.

٦٧
كتاب الصلاة/ باب ٣٢
٤٠٣ - حدثنا عبدُ اللَّهِ بنُ يوسُفَ قال: أخبرنا مالكُ بنُ أنسٍ عن عبدِ اللهِ بنِ دِينارٍ عن
عبدِ اللَّهِ بنِ عمرَ قال: ((بَينا الناسُ بقُباءٍ في صلاةِ الصبح إذ جاءَهُم آتٍ فقال: إنَّ رسولَ اللَّهِ وَل
قد أُنزِلَ عليهِ الليلةَ قُرآنٌ، وقد أُمِرَ أن يَستقبِلَ الكعبةَ، فاستقبَلوها. وكانت وُجوهُهمْ إلى الشَّامِ
فاستَداروا إلى الكعبةِ)). [الحديث ٤٠٣ - أطرافه في: ٤٤٨٨، ٤٤٩٠، ٤٤٩١، ٤٤٩٣، ٤٤٩٤،
٧٢٥١].
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي (قال: أخبرنا مالك بن أنس) وسقط قوله ابن
أنس عند الأصيلي وابن عساكر (عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر) بن الخطاب رضي الله
عنهما (قال) :
(بينا الناس بقباء) بالمد والتذكير والصرف على الأشهر أي بينا الناس بمسجد قباء وهم (في
صلاة الصبح) ولا منافاة بين قوله هنا الصبح وقوله في حديث البراء العصر إذ المجيء إلى بني حارثة
داخل المدينة وإلى بني عمرو بن عوف بقباء وقت الصبح، وقوله: بنا أضيف إلى المبتدأ والخبر
وجوابه قوله: (إذ جاءهم) أي أهل قباء (آت) بالمد هو عباد بن بشر بتشديد الموحدة لأن القصد
البعض، وفي رواية الأصيلي القرآن بأل التي للعهد أي قوله تعالى: ﴿قد نرى تقلّب وجهك في
السماء﴾ [البقرة: ١٤٤] الآيات وأطلق الليلة على بعض اليوم الماضي وما يليه مجازًا، (وقد أمر)
رسول الله وَ# بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول (أن) أي بأن (يستقبل) أي باستقبال (الكعبة فاستقبلوها)
بفتح الموحدة عند جمهور الرواة على أنه فعل ماضٍ، (وكانت وجوههم إلى الشام) تفسير من الراوي
للتحوّل المذكور، والضمير في فاستقبلوها ووجوههم لأهل قباء أو للنبي بَّرَ ومَن معه، وفي رواية
الأصيلي فاستقبلوها بكسر الموحدة بصيغة الأمر لأهل قباء، ويؤيده ما عند المؤلّف في التفسير، وقد
أمر أن يستقبل الكعبة ألا فاستقبلوها، (فاستداروا إلى الكعبة) بأن تحوّل الإمام من مكانه في مقدّم
المسجد إلى مؤخره، ثم تحوّلت الرجال حتى صاروا خلفه، وتحوّل النساء حتى صرن خلف الرجال،
واستشكل هذا لما فيه من العمل الكثير في الصلاة. وأُجيب باحتمال وقوعه قبل التحريم أو لم تتوال
الخطا عند التحويل بل وقعت مفرقة.
واستنبط من الحديث أن الذي يؤمر به عليه الصلاة والسلام يلزم أمته، وأن أفعاله يؤتسى بها
كأقواله حتى يقوم دليل على الخصوصية، وأن حكم الناسخ لا يثبت في حق المكلّف حتى يبلغه
وقبول خبر الواحد ووجه استدلال المؤلف به أنهم صلّوا إلى القبلة المنسوخة التي هي غير القبلة
الواجب استقبالها جاهلين بوجوبه ولم يؤمروا بالإعادة. ورواة هذا الحدیث أئمة مشهورون، وفیه
التحديث والأخبار والعنعنة والقول، وأخرجه في التفسير ومسلم والنسائي في الصلاة.

٦٨
كتاب الصلاة/ باب ٣٣
٤٠٤ - حدثنا مُسدَّدٌ قال: حدَّثَنا يحيى عن شُعبةَ عنِ الحَكْمِ عن إبراهيمَ عن علقمةً عن
عبدِ اللَّهِ قال: صلَّى النبيُّ بَيرِ الظُّهرَ خمسًا، فقالوا: أزيد في الصلاة؟ قال: وما ذاك؟ قالوا:
صَلَّيْتَ خمسًا، فَثَنِى رِجَلَيهِ وسَجدَ سَجْدتَينٍ)).
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد (قال: حدّثنا يحيى) القطان (عن شعبة) بن الحجاج
(عن الحكم) بن عتيبة (عن إبراهيم) النخعي (عن علقمة) بن قيس النخعي (عن عبد الله) بن مسعود
رضي الله عنه (قال):
(صلّ النبي ◌َّر الظهر خمسًا) أي خمس ركعات، (فقالوا: أزيد في الصلاة، قال) عليه الصلاة
والسلام (وما ذاك) أي ما سبب هذا السؤال؟ (قالوا صلّيت خمسًا) قال (فثنى) عليه الصلاة والسلام
أي عطف (رجليه) بالتثنية ولابن عساكر رجله بالإفراد (وسجد سجدتين) للسهو.
ولما فرغ المؤلف من بيان أحكام القبلة شرع في بيان أحكام المساجد فقال:
٣٣ - باب حَكِّ البُزاقِ باليدِ منَ المسجدِ
(باب حك البزاق) بالزاي لغة كالصاد والسين (باليد من المسجد) سواء كان بآلة أم لا .
٤٠٥ - حدثنا قتيبةُ قال: حدَّثَنا إسماعيلُ بنُ جَعفرٍ عن حُميدٍ عن أنسٍ أنَّ النبيَّ وَِّ رأى
نُخامَةٌ في القِبلةِ فشقَّ ذُلكَ عليهِ حتّى رُئِيَ في وجههِ، فقامَ فحكَّهُ بيدهِ فقال: ((إنَّ أحدكم إذا قامَ في
صلاتِه فإنهُ يُناجي ربَّهُ - أو إنَّ ربَّهُ بينهُ وبينَ القِبلةِ . فلا يَبزُقَنّ أحدُكمْ قِبَلَ قِبلتهِ، ولكنْ عن يَسارِهِ
أو تحتَ قَدَمَيْهِ)) ثمَّ أخذَ طرَفَ رِدائِهِ فبصَقَ فيهِ، ثمَّ ردَّ بعضَهُ عَلَى بعضٍ فقال: ((أو يَفعلُ هكذا)).
وبه قال: (حدّثنا قتيبة) بن سعيد الثقفي (قال: حدّثنا إسماعيل بن جعفر عن حميد) الطويل
(عن أنس) وللأصيلي عن أنس بن مالك رضي الله عنه.
(أن النبي ◌َّجه رأى نخامة) بالميم مع ضم النون وهي ما يخرج من الصدر أو من الرأس (في)
الحائط الذي في جهة (القبلة فشق ذلك عليه) وير (حتى رئي) بضم الراء وكسر الهمزة وفتح الياء،
وللأصيلي وأبي ذر عن الكشميهني حتى ريء بكسر الراء وسكون الياء آخره همزة أي شوهد (في
وجهه) أثر المشقة وفي رواية النسائي فغضب حتى احمرّ وجهه، (فقام) عليه الصلاة والسلام (فحكه)
أي أثر النخامة (بيده فقال) عليه الصلاة والسلام ولابن عساكر وقال: (إن أحدكم إذا قام في صلاته)
بعد شروعه فيها (فإنه يناجي ربّه) من جهة مساررته بالقرآن والإذكار، فكأنه يناجيه تعالى والربّ
تعالى يناجيه من جهة لازم ذلك وهو إرادة الخير فهو من باب المجاز لأن القرينة صارفة عن إرادة
الحقيقة إذ لا كلام محسوسًا إلاّ من جهة العبد، (أو إن) بفتح الهمزة وكسرها كما في اليونينية، ولأبي

٦٩
كتاب الصلاة/ باب ٣٣
ذر عن الحموي والمستملي وإن (ربه) بواو العطف أي اطّلاع ربّه على ما (بينه وبين القبلة) إذ ظاهره
مُحال لتنزيه الرب تعالى عن المكان، فيجب على المصلّ إكرام قبلته بما يكرم به من يناجيه من
المخلوقين عند استقبالهم بوجهه، ومن أعظم الجفاء وسوء الأدب أن تتنخم في توجهك إلى رب
الأرباب، وقد أعلمنا الله تعالى بإقباله على مَن توجّه إليه قاله ابن بطال. (فلا يبزقن) بنون التوكيد
الثقيلة وللأصيلي فلا يبزق (أحدكم قبل) بكسر القاف وفتح الموحدة أي جهة (قبلته) التي عظمها الله
تعالى فلا تقابل بالبزاق المقتضي للاستخفاف والاحتقار، والأصح أن النهي للتحريم (ولكن) يبزق
(عن يساره) أي لا عن يمينه فإن عن يمينه كانت الحسنات كما رواه ابن أبي شيبة بسند صحيح (أو
تحت قديمه) بالتثنية، ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر قدمه أي اليسرى كما في حديث أبي هريرة
في الباب الآتي. قال النووي: هذا في غير المسجد أما فيه فلا يبزق إلاّ في ثوبه (ثم أخذ) عليه
الصلاة والسلام (طرف ردائه فبصق فيه ثم ردّ بعضه على بعض فقال أو يفعل هكذا) عطف على
المقدر بعد حرف الاستدراك أي ولكن ليبزق عن يساره أو يفعل هكذا، وفيه البيان بالفعل لأنه أوقع
في النفس، وليست لفظة أو هنا للشك بل للتنويع أي هو مخيّر بين هذا وهذا، لكن سيأتي أن
المصنّف حمل هذا الأخير على ما إذا بدره البزاق وحينئذ فأو للتنويع.
وأخرج هذا الحديث المؤلّف في كفّارة البزاق في المسجد وفي باب إذا بدره البزاق وفي
غيرهما، وكذا مسلم والترمذي وأبو داود والنسائي.
٤٠٦ - حقثنا عبدُ اللَّهِ بنُ يوسُف قال: أخبرنا مالكٌ عن نافعٍ عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرَ أنَّ
رسولَ اللَّهِ وَ﴿َ رأى بُصاقًا في جِدارِ القِبلةِ فحكَّهُ، ثمَّ أقبلَ عَلَى النّاسِ فقال: ((إذا كان أحدُكم
يُصلّي فلا يَبصُقْ قِبَلَ وَجههِ، فإنَّ اللَّهَ قِبَلَ وَجههِ إذا صلَّى)). [الحديث ٤٠٦- أطرافه في: ٧٥٣،
١٢١٣، ٦١١١].
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي (قال: أخبرنا مالك) الإمام (عن نافع) مولى ابن
عمر (عن عبد الله بن عمر) بن الخطاب رضي الله عنهما:
(أن رسول الله وَ لّ رأى بصاقًا) وهو ما يسيل من الفم (في جدار القبلة) ولأبي ذر عن المستملي
في جدار المسجد (فحكّه) أي البصاق (ثم أقبل على الناس فقال: إذا كان أحدكم يصلّ فلا يبصق
قبل) بكسر القاف وفتح الموحدة أي قدام (وجهه) ويبصق بالجزم على النهي (فإن الله) أي القصد منه
تعالى أو ثوابه عز وجل أو عظمته (قبل وجهه) أي المصلّ (إذا صلّى)، وهذا التعليل يرشد إلى أن
البصاق في القبلة حرام سواء كان في المسجد أم لا .
٤٠٧ - حدّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ يُوسفَ قال: أخبرنا مالكٌ عن هِشام بن عُروةَ عن أبيهِ عن عائشة
أُمّ المؤمنينَ أن رسولَ اللَّهِوَهَ رأى في جِدَارِ القِبلةِ مُخاطًا - أو بُصاقًا أو نُخامَةٌ - فحكّه.

٧٠
كتاب الصلاة/ باب ٣٤
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي (قال: أخبرنا مالك) هو ابن أنس الأصبحي
(عن هشام بن عروة عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة أم المؤمنين) رضي الله عنها (أن رسول
الله وَّ رأى في جدار القبلة مخاطًا) هو السائل من الأنف (أو بصاقًا) من الفم (أو نخامة) من الصدر
وهي النخاعة أو النخاعة بالعين من الصدر وبالميم من الرأس (فحكّه) أي الذي رآه في الجدار.
٣٤ - باب حَكِّ المُخاطِ بالْحَصى منَ المسجدِ
وقال ابنُ عبّاسٍ: إن وَطِئْتَ عَلَى قَذَرٍ رَطْبٍ فاغسِلْهُ، وإنْ كان يابِسًا فلا.
(باب حك المخاط بالحصى) أو نحوه وللأصيلي بالحصباء (من المسجد) لما كان المخاط فيه
الزوجة يكون لها جرم في الغالب يحتاج في زواله إلى معالجة بنحو الحصى ترجم له. (وقال ابن
عباس) رضي الله عنهما مما وصله ابن أبي شيبة بسند صحيح (إن وطئت على قدر) بالذال المعجمة
طاهر أو نجس (رطب فاغسله وإن كان يابسًا فلا) تغسله لأنه لا يضرّك وطؤه.
٤٠٨ و٤٠٩ - حدثنا موسى بنُ إسماعيلَ قال: أخبرنا إبراهيمُ بنُ سَعدٍ أخبرنا ابنُ شِهابٍ
عن حُميدِ بنِ عبد الرَّحمنِ أن أبا هريرةَ وَأبا سَعيدٍ حدَّثاهُ أن رسولَ اللَّهِ ﴿ ﴿ رأىْ نُخامةً في جِدارٍ
المسجدِ فتَناوَلَ حَصاةً فحَكْها فقال: ((إذا تَنخَّمَ أحدُكم فلا يَتنخَّمنَّ قِبَلَ وَجههِ ولا عن يمينهٍ،
ولْيَبْصُقْ عن يَسارِهِ أو تحتَ قَدمِه اليُسْرَى)). [الحديث ٤٠٨ - طرفاه في: ٤١٠، ٤١٦]. [الحديث
٤٠٩ - طرفاه: ٤١١، ٤١٤].
وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) المنقري التبوذكي البصري (قال: أخبرنا) ولأبوي ذر
والوقت والأصيلي حدّثنا (إبراهيم بن سعد) بسكون العين ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف
القرشي المدني (قال: أخبرنا) وفي رواية حدّثنا (ابن شهاب) الزهري (عن حميد بن عبد الرحمن) بن
عوف القرشي الزهري (أن أبا هريرة) عبد الرحمن بن صخر (وأبا سعيد) سعد بن مالك الخدري
رضي الله عنهما (حدّثاه):
(أن رسول الله وَ ﴿ رأى نخامة في جدار المسجد) النبوي (فتناول حصاة فحكّها) بالكاف أي
النخامة ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر فحثَّها) بالمثناة الفوقية بدل الكاف ومعناها واحد،
(فقال) عليه الصلاة والسلام: (إذا تنخم أحدكم) أي رمى بالنخامة (فلا يتنخمن قبل وجهه ولا عن
يمينه) فإن عن يمينه ملكًا، وعند ابن أبي شيبة بسند صحيح فعن يمينه كاتب الحسنات، (وليبصق
عن يساره أو تحت قدمه اليسرى) ووجه دلالة الحديث على الترجمة أن المخاط والنخامة حكمهما
واحد لأنهما من الفضلات الطاهرة.
ورواته كلهم مدنيون إلاّ موسى بن إبراهيم فبصري، وفيه التحديث والأخبار والعنعنة،
وأخرجه أيضًا في الصلاة وكذا مسلم.

٧١
كتاب الصلاة/ باب ٣٥
٣٥ - باب لا يبصُقْ عن يَمينِهِ في الصلاةِ
هذا (باب) بالتنوين (لا يبصق) أي المصلّ (عن يمينه في الصلاة).
٤١٠ و٤١١ - حدثنا يحيى بنُ بُكَيرٍ قال: حدَّثَنا الليثُ عن عُقَيلٍ عنِ ابنِ شِهابٍ عن
حُمَيدِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ أن أبا هريرة وأبا سَعيدٍ أخبراهُ أن رسولَ اللَّهِ ﴿ ﴿ رأى نُخامةً في حائطِ
المسجدٍ، فتناولَ رسولُ اللهِ وَ ﴿ حَصاةً فحَتَّها ثمَّ قال: ((إذا تَنَخَّمَ أحدُكم فلا يَتَنخَّمْ قِبَلَ وَجهه ولا
عن يَمِينِهِ، ولْيَبْصُقْ عن يَسارِهِ أو تحتَ قَدَمِهِ اليُسرَى)).
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) بضم الموحدة وفتح الكاف (قال: حدّثنا الليث) بن سعد
(عن عقيل) بضم العين وفتح القاف ابن خالد (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم (عن حميد بن
عبد الرحمن) بن عوف (أن أبا هريرة وأبا سعيد) الخدري رضي الله عنهما (أخبراه) في الحديث.
السابق حدّثاه .
(إن رسول الله ◌َي رأى نخامة في حائط المسجد) وفي السابق في جدار المسجد (فتناول رسول
الله اَللّ حصاة فحتّها) بالتاء (ثم قال) عليه الصلاة والسلام: (إذا تنخم أحدكم فلا يتنخم) وفي
الفرع: إذا تنخمن فلا يتنخمن بنون مكتوبة فوقها معها (قبل وجهه) بكسر القاف وفتح الموحدة (ولا
عن يمينه وليبصق عن يساره أو تحت قدمه اليسرى).
ومطابقة الحديث للترجمة في قوله فلا يتنخم قبل وجهه ولا عن يمينه وحكم النخامة والبصاق
واحد بدليل قوله في حديث أنس الآتي إن شاء الله تعالى قريبًا: لا يتفلن بعد رؤيته عليه الصلاة
والسلام النخامة في القبلة .
٤١٢ - حدثنا حَفصُ بنُ عُمرَ قال: حدَّثَنَا شُعبةُ قال: أخبرَني قَتادةُ قال: سمعتُ أنَسًا قال:
قال النبيُّ بََّ لا يَتْفِلَنَّ أحدُكم بينَ يدَيهِ ولا عن يَمينِهِ، وَلكنْ عن يَسارِهِ أو تحتَ رِجلهِ).
وبه قال: (حدّثنا حفص بن عمر) بضم العين ابن الحرث الحوضي (قال: حدّثنا شعبة) بن
الحجاج (قال: أخبرني) بالإفراد (قتادة) بن دعامة (قال: سمعت أنسًا) وللأصيلي أنس بن مالك
(قال).
(قال النبي) في رواية رسول الله (وَّر: لا يتفلن) بكسر الفاء في الفرع ويجوز الضم أي لا
يبزقن (أحدكم بين يديه ولا عن يمينه ولكن عن يساره أو تحت رجله) أي اليسرى، والتفل شبيه
بالبزق لأن الأوّل البزق ثم التفل ثم النفث ثم النفخ وليس في هذا الحديث تقييد بحالة الصلاة إلاّ
في رواية آدم الآتية إن شاء الله تعالى، وحديث أنس السابق في باب حك البصاق باليد من المسجد،
وكأنه جنح إلى أن المطلق محمول على المقيد، وقد جزم النووي، بالمنع منه في الجهة اليمنى داخل
الصلاة وخارجها سواء كان في المسجد أو غيره، ويؤيّده ما رواه عبد الرزّاق وغيره عن ابن مسعود

٧٢
كتاب الصلاة/ باب ٣٦
أنه كره أن يبصق عن يمينه وليس في صلاة، عن عمر بن عبد العزيز أنه نهى ابنه عنه مطلقًا، وعن
معاذ بن جبل أنه قال: ما بصقت عن يميني منذ أسلمت، ونقل عن مالك أنه قال: لا بأس به يعني
خارج الصلاة، وكأن الذي خصّه بحالة الصلاة أخذه من عّة النهي المذكورة في رواية همام عن أبي
هريرة حيث قال: فإن عن يمينه ملكًا .
٣٦ - باب لِيَبْزُقْ عن يَسارِهِ أو تحتَ قَدَمِه اليُسرَى
هذا (باب) بالتنوين (ليبزق) بالزاي ولأبي ذر عن الكشميهني ليبصق بالصاد (عن يساره أو تحت
قدمه اليسرى).
٤١٣ - حدثنا آدمُ قال: حدَّثَنَا شُعبةُ قال: حدَّثَنا قتادةُ قال سمعتُ أنَسَ بنَ مالكِ قال: قال
النبيُّ وَّرَ: ((إنَّ المُؤْمِنَ إذا كان في الصلاةِ فإنَّما يُناجي ربَّهُ، فلا يَبْزُقَنَّ بين يديهِ ولا عن يمينهِ،
ولكنْ عن يَسارِهِ أو تحتَ قَدَمِهِ)).
وبه قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس (قال: حدّثنا شعبة) بن الحجاج (قال: حدّثنا قتادة) بن
دعامة (قال: سمعت أنس بن مالك) رضى الله عنه (قال):
(قال النبي ◌َّله إن المؤمن إذا كان في الصلاة فإنما يناجي ربه) عز وجل والمناجاة قبل العبد
حقيقة ومن قبل الرب إقباله تعالى عليه بالرحمة والرضوان، (فلا يبزقن) بالزاي والنون (بين يديه ولا
عن يمينه ولكن عن يساره أو تحت قدمه) أي اليسرى حتى يطابق للترجمة، وقيد الترجمة السابقة
بالصلاة والقدم باليسرى، وهنا أطلق الترجمة والقدم في الحديث، فيحمل كل مطلق منهما على
مقيده وفي إسناده التحديث والتصريح بسماع قتادة من أنس.
٤١٤ - حدثنا عليٍّ قال: حدّثَنا سُفيانُ حدَّثنا الزُّهْريُّ عن حُمَيدِ بنِ عبدِ الرحمن عن أَبي
سَعِيدٍ ((أنَّ النبيَّ وَّ أَبْصَرَ نُخامةٌ في قِبلةِ المسجدِ فحكّها بحَصاةٍ. ثمَّ نَهى أن يَبْزُقَ الرجُلُ بينَ يدَيهِ
أو عن يمينهِ، وَلكنْ عن يَسارهِ أو تَحْتَ قَدَمِهِ اليُسرَى. وعن الزهريُ سَمع حُميدًا عن أبي
سَعِيد ... نَحوَه.
وبه قال: (حدّثنا) ولابن عساكر أخبرنا (علي) وللأصيلي علي بن عبد الله بن المديني (قال:
حدّثنا) ولابن عساكر أخبرنا (قال: حدّثنا الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (عن حميد بن
عبد الرحمن) بن عوف الزهري المدني لا الطويل (عن أبي سعيد) الخدري رضي الله عنه، ولابن
عساكر كما في الفرع عن أبي هريرة بدل أبي سعيد. قال الحافظ ابن حجر: وهو وهم.
(أن النبي وَلّ أبصر نخامة في قبلة المسجد فحكها) بالكاف (بحصاة) وللمستملي بحصى (ثم
نهى أن يبزق الرجل بين يديه أو عن يمينه ولكن) يبزق (عن يساره أو تحت قدمه اليسرى) كذا

٧٣
كتاب الصلاة/ باب ٣٧ و ٣٨
للأكثرين ولأبي الوقت وتحت بواو العطف والأولى هي المطابقة للترجمة (وعن الزهري سمع حميدًا) هو
ابن عبد الرحمن السابق (عن أبي سعيد الخدري (نحوه) فيه التصريح بسماع الزهري من حميد.
٣٧ - باب كَفّارةِ البُزاقِ في المسجدِ
(باب كفّارة) خطيئة (البزاق) بالزاي (في المسجد) بدفنه .
٤١٥ - حدثنا آدمُ قال: حدَّثَنَا شُعبةُ قال: حدَّثَنَا قَتادةُ قال: سمعتُ أَنَسَ بنَ مالكِ قال: قال
النبيُّ نَّهِ: ((البُزاقُ في المسجدِ خَطِيئَةٌ، وكفّارتُها دَفْنُها)).
وبه قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس (قال: حدّثنا شعبة) بن الحجاج (قال: حدّثنا قتادة) بن
دعامة (قال: سمعت أنس بن مالك) رضي الله عنه (قال):
(قال النبي ◌َّر البزاق) بالزاي (في المسجد خطيئة) بالهمزة أي إثم (وكفّارتها) أي الخطيئة
(دفنها) في تراب المسجد ورمله وحصبائه إن كان وإلاّ فيخرجها، وقوله في المسجد ظرف للفعل فلا
يشترط كون الفاعل فيه حتى لو بصق مَن هو خارج المسجد فيه يتناوله النهي. قال القاضي عياض،
إنما يكون خطيئة إن لم يدفنه فمن أراد دفنه فلا. ويؤيده حديث أبي أمامة عند أحمد والطبراني بإسناد
حسن مرفوعًا: (من تنخع في المسجد فلم يدفنه فسيئة وإن دفنه فحسنة) فلم يجعله سيئة إلاّ بقيد عدم
الدفن، وردّه النووي فقال: هو خلاف صريح الحديث قال: وحاصل النزاع إن ههنا عمومين
تعارضا، وهما قوله: البزاق في المسجد خطيئة، وقوله وليبصق عن يساره أو تحت قدمه، فالنووي
يجعل الأول عامًّا ويخصّ الثاني بما إذا لم يكن في المسجد والقاضي يجعل الثاني عامًا ويخصّ الأوّل
بمن لم يرد دفنها، وتوسط بعضهم فحمل الجواز على ما إذا كان له عذر كأن لم يتمكّن من الخروج
من المسجد والمنع على ما إذا لم يكن له عذر.
وفي هذا الحديث التحديث والقول والتصريح بسماع قتادة من أنس، وأخرجه مسلم في
الصلاة وكذا أبو داود.
٣٨ - باب دَفنِ النُّخامةِ في المسجدِ
(باب دفن النخامة في المسجد) جائز.
٤١٦ - حدّثنا إسحق بنُ نَصرِ قال: حدّثَنا عبدُ الرزّاقِ عن مَعْمرٍ عن هَمّامَ سَمع أبا هُرِيرَةَ
عنِ النبيِّ وَِّ قال: ((إذا قامَ أحَدُكم إلى الصلاةِ فلا يَبصُقْ أمامَهُ، فإنَّما يُناجي اللَّهَ ما دامَ في
مصلاّهُ، ولا عن يَمِينِهِ فإنَّ عن يَمِينِهِ مَلَكًا. وَلْيَبصُقْ عن يَسارِهِ أو تحتَ قَدَمِهِ فَيَدْفُنها)).

٧٤
كتاب الصلاة/ باب ٣٩
وبه قال: (حدّثنا إسحاق بن نصر) نسبة إلى جدّه واسم أبيه إبراهيم (قال: حدّثنا) ولأبوي ذر
والوقت أخبرنا (عبد الرزاق) صاحب المؤلّف ابن همام الصنعاني (عن معمر) هو ابن راشد وللأصيلي
أخبرنا معمر (عن همام) هو ابن منبه بن كامل الصنعاني أخو وهب أنه (سمع أبا هريرة) رضي الله
تعالى عنه (عن النبي ◌َّ) أنه (قال):
(إذا قام أحدكم إلى الصلاة) أي شرع فيها (فلا يبصق) بالصاد والجزم على النهي (أمامه) بفتح
الهمزة قدامه (فإنما) وللكشميهني فإنه (يناجي الله) عز وجل (ما دام في مصلاه) ظاهره تخصيص
المنع بحالة الصلاة، لكن التعليل بتأذي المسلم يقتضي المنع مطلقًا ولو لم يكن في الصلاة، نعم هو
في الصلاة أشد إثمًا مطلقًا، وفي جدار القبلة أشد إثمًا من غيرها من جدار المسجد (ولا) يبصق
(عن يمينه فإن عن يمينه ملكًا) يكتب الحسنات لأن الصلاة هي أمها، فلا دخل لكاتب السيئات
الكائن عن اليسار فيها، وأن لكل أحد قرينًا وموقفه يساره كما في الطبراني، فلعل المصلّ إذا تفل
يقع على قرينه وهو الشيطان ولا يصيب الملك منه شيء (وليبصق عن يساره أو تحت قدمه) اليسرى
في غير المسجد أما في المسجد ففي ثوبه لأنه قد قال إنه خطيئة فلم يأذن فيه فلو تعذّر في جهة
اليسار لوجود مصل فيها بصق تحت قدمه وفي ثوبه (فيدفنها) بالرفع وهو الذي في الفرع خبرًا لمبتدأ
محذوف أي فهو يدفنها، وبالنصب جواب الأمر، وبالجزم عطفًا على الأمر أي فيغيب البصقة
بالتعميق في باطن أرض المسجد إذا كانت غير متنجسة بحيث يأمن الجالس عليها من الإيذاء، فلو
كان المسجد غير ترابي فليدلكها بشيء حتى يذهب أثرها البتّة.
ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين بخاري وصنعاني وبصري، وفيه التحديث والإخبار
والعنعنة .
٣٩ - باب إذا بَدرَهُ البزاقُ فلْيأخذ بطرَفِ ثَوبِهِ
هذا (باب) بالتنوين (إذا بدره) أي غلب على المصلي (البزاق) بالزاي لم يقدر على دفعه (فليأخذ
بطرف ثوبه) وقد أنكر الشمس السروجي أن يقال بدره بل بدرت إليه وبادرته . وأجاب الزركشي
والبرماوي والدماميني وابن حجر نصرة للمؤلف بأنه من باب المغالبة أي بادر البزاق فبدره أي غلبه
في السبق، قال الدماميني: وهذا غير منكر، وتعقب العيني ذلك على ابن حجر كعادته فقال: هذا
كلام من لم يمس شيئًا من علم التصريف فإن في المغالبة يقال بادرني فبادرته، ولا يقال بادرت كذا
فبدرني، والفعل اللازم في باب المغالبة يجعل متعديًا بلا حرف صلة يقال: كارمني فكرمته وليس هنا
باب المغالبة حتى يقال بدره انتهى.
٤١٧ - حدّثنا مالكُ بنُ إسماعيلَ قال: حدَّثَنَا زُهَيرٌ قال: حَدَّثَنَا حُميدٌ عن أنَسٍ أَنَّ النبيَّ وَّ
رأى نُخامةً في القِبلةِ فحَكَّها بيَدِهِ، وَرُِيَ منهُ كراهيةٌ - أو رُئِيَ كراهِيتُهُ لذلك وشِدّتَهُ عليه - وقال:

٧٥
كتاب الصلاة/ باب ٤٠
((إنَّ أحدكم إذا قامَ في صلاتِه فإنَّما يُناجي ربَّه - أو رَبَّ بينَهُ وبينَ قِبلتهِ - فلا يَبْزُقَنَّ في قبلتهِ ولكنْ
عن يَسارِهِ أو تحتَ قَدَمِهِ)). ثم أخَذَ طَرَفَ رِدائِهِ فبَزَق فيهِ وردَّ بعضَهُ على بعضٍ، قال: ((أو يَفعَلُ
هکذا».
وبه قال: (حدّثنا مالك بن إسماعيل) النهدي الكوفي (قال: حدّثنا زهير) بالتصغير ابن معاوية
الكوفي الجعفي (قال: حدّثنا حميد) الطويل (عن أنس) رضي الله عنه وللأصيلي عن أنس بن مالك:
(أن النبي وَلتر رأى نخامة في القبلة) أي في جهة حائطها (فحكها بيده) بالكاف أي النخامة،
وللأصيلي فحكه أي أثر النخامة أو البصاق، (ورئي) بضم الراء ثم همزة مكسورة ثم ياء مفتوحة،
ولأبي ذر عن الكشميهني والأصيلي، وريء بكسر الراء ثم ياء ساكنة ثم همزة مفتوحة (منه) عليه
الصلاة والسلام (كراهية أو رئي) بضم الراء ثم همزة مكسورة فياء مفتوحة (كراهيته) عليه الصلاة
والسلام (لذلك) أي الفعل والشك من الراوي وكراهية مرفوع برئي المبني للمفعول (وشدته عليه)
رفع عطفًا على كراهية أو جر عطفًا على قوله لذلك. (وقال) عليه الصلاة والسلام: (إن أحدكم إذا
قام في صلاته فإنما يناجي ربه) بكلامه وذكره ويناجيه ربه بلازم ذلك من إرادة الخير، قال النووي:
وهو إشارة لإخلاص القلب وحضوره وتفريغه لذكر الله تعالى (أو ربه) تعالى مبتدأ خبره (بينه وبين
قبلته) والجملة عطف على الجملة الفعلية قبلها، ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر في نسخة وبين
القبلة، وليس المراد ظاهر ذلك إذ هو محال لتنزيه الرب تعالى عن المكان، فيجب تأويله بنحو ما مرّ
في باب حك البزاق باليد (فلا يبزقن) أحدكم (في قبلته ولكن) يبزق (عن يساره أو تحت قدمه)
اليسرى، (ثم أخذ) عليه الصلاة والسلام (طرف ردائه فبزق فيه) بالزاي (ورد بعضه على بعض،
قال) عليه الصلاة والسلام، وللأصيلي وابن عساكر فقال: (أو يفعل هكذا).
فإن قلت: ليس في الحديث مطابقة للترجمة لأنه لم يذكر في الحديث بدر البزاق أجيب: بأنه
أشار إلى ما في بعض طرق الحديث عند مسلم من حديث جابر، فإن عجلت به بادرة فليقل بثوبه
هكذا، ثم طوى بعضه على بعض. واستنبط من الحديث أن على الإمام النظر في أحوال المساجد
وتعاهدها ليصونها عن المؤذيات وأن البصق في الصلاة والتنحنح غير مفسد لها، لكن الأصح عند
الشافعية والحنابلة أن التنحنح والنفخ إن ظهر من كلِّ منهما حرفان أو حرف مفهم كق من الوقاية أو
مدة بعد حرف بطلت الصلاة. وإلاَّ فلا تبطل مطلقًا لأنه ليس من جنس الكلام، وعن أبي حنيفة
ومحمد تبطل بظهور ثلاثة أحرف.
٤٠ - باب عِظة الإمام الناسَ في إتمام الصلاةِ وَذِكرِ القِبلةِ
(باب عظة الإمام) أي وعظه (الناس) بالنصب على المفعولية (في) أي بسبب ترك (إتمام الصلاة
وذكر القبلة) بجر ذكر عطفًا على عظة.

٧٦
كتاب الصلاة/ باب ٤٠
٤١٨ - حدثنا عبدُ اللَّهِ بنُ يوسُفَ قال: أخبرنا مالكٌ عن أبي الزناد عن الأعرجِ عن أبي
هُرِيرةَ أن رسولَ اللّهِ وَ لَّ قال: ((هل تَرَونَ قِبلتي هاهنا؟ فواللهِ ما يَخفى عليَّ خُشوعُكم ولا
رُكوعُكم، إنِّي لأرَاكم من وراءِ ظَهري)) [الحديث ٤١٨ - طرفه في: ٧٤١].
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي الكلاعي الدمشقي الأصل (قال: أخبرنا مالك)
الإمام (عن أبي الزناد) بكسر الزاي وتخفيف النون عبد الله بن ذكوان القرشي المدني (عن الأعرج)
عبد الرحمن بن هرمز المدني (عن أبي هريرة) رضي الله عنه.
(أن رسول الله) ولأبي الوقت عن النبي (وَ* قال: هل ترون) بفتح التاء والاستفهام إنكاري
أي أتحسبون (قبلتي هلهنا) وأنني لا أرى إلاّ ما في هذه الجهة (فوالله ما يخفى علي خشوعكم) أي في
جميع الأركان أو المراد في سجودكم لأن فيه غاية الخشوع وبالسجود صرح في مسلم (ولا) يخفى علي
(ركوعكم) إذا كنت في الصلاة مستدبرًا لكم فرؤيتي لا تختص بجهة قبلتي هذه، وإذا قلنا أن
الخشوع المراد به الأعمّ فيكون ذكر الركوع بعده من باب ذكر الأخص بعد الأعم (إني لأراكم) بفتح
الهمزة بدل من جواب القسم وهو قوله ما يخفى إلخ أو بيان له (من وراء ظهري) رؤية حقيقية
أختصّ بها عليكم والرؤية لا يشترط لها مواجهة ولا مقابلة، وإنما تلك أمور عادية يجوز حصول
الإدراك مع عدمها عقلاً أو كانت له عليه الصلاة والسلام عينان بين كتفيه مثل سم الخياط يبصر بهما
لا تحجبهما الثياب أو غير ذلك مما ذكرته في المواهب اللدنية بالمنح المحمدية، وهذا الحديث أخرجه
مسلم في الصلاة.
٤١٩ - حدثنا يحيى بنُ صالح قال: حدَّثنا فُلَيحُ بنُ سُليمانَ عن هِلالِ بنِ عليٍّ عن أنسٍ بنِ
مالكِ قال: صلَّى لنا النبيُّ بِّهِ صلاةٌ، ثمَّ رَقِيَ المِنْبَرَ فقال في الصلاةِ وفي الرُّكوع: ((إني لأراكمْ
من وَرائي كما أراكم)). [الحديث ٤١٩ - طرفاه في: ٧٤٢، ٦٦٥٥].
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن صالح) الوحاظيّ بضم الواو وتخفيف المهملة ثم معجمة الحمصي،
المتوفى سنة اثنتين وعشرين ومائتين وقد جاوز السبعين (قال: حدّثنا فليح بن سليمان) بضم الفاء
وفتح اللام وسكون المثناة التحتية آخره مهملة، المتوفى سنة ثمان وستين ومائة (عن هلال بن علي)
الفهري المدني (عن أنس بن مالك) الأنصاري رضي الله عنه (قال):
(صلّى بنا) بالموحدة ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر صلّ لنا أي لأجلنا (النبي)
ولأبي ذر رسول الله (48* صلاة) بالتنكير للإبهام، (ثم رقي) بفتح الراء وكسر القاف وفتح الياء
ويجوز فتح القاف على لغة طيء أي صعد (المنبر) بكسر الميم (فقال في) شأن (الصلاة وفي الركوع إني
لأراكم من ورائي كما أراكم) أي من أمامي، وأفرد الركوع بالذكر اهتمامًا به لكونه أعظم الأركان
لأن المسبوق يدرك الركعة بتمامها بإدراكه الركوع أو لكون التقصير كان فيه أكثر، وإطلاق الرؤية من
| ورائه يقتضي عمومه في الصلاة وغيرها، نعم السياق يقتضي أن ذلك في الصلاة فقط والكاف كما

٧٧
كتاب الصلاة/ باب ٤١
أراكم للتشبيه فالمشبّه به الرؤية المقيدة بالقدام والمشبه بالوراء. وقد أخرج المؤلّف هذا الحديث في
الرقاق أيضًا.
٤١ - باب هل يُقالُ مَسجدُ بني فُلانٍ؟
هذا (باب) بالتنوين (هل يقال) أي هل يجوز أن يضاف مسجد من المساجد إلى بانيه أو ملازم
الصلاة فيه أو نحو ذلك. فيقال: (مسجد بني فلان) والجمهور على الجواز خلافًا لإبراهيم النخعي
لقوله تعالى: ﴿وأن المساجد لله﴾ [الجن: ١٨] وحديث الباب يرد عليه وأجيب عن الآية بحمل
الإضافة فيها إلى الله تعالى على الحقيقة، وإلى غيره على سبيل المجاز للتمييز والتعريف لا للملك.
٤٢٠ - حدّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ يوسُفَ قال: أخبرنا مالكٌ عن نافع عن عبدِ اللَّهِ بنِ عُمرَ أنَّ
رسولَ اللَّهِ وَ﴿ل سابَقِ بينَ الخَيلِ التي أُضْمِرَتْ مِنَ الحَفْياءِ، وَأمَدُها ثَنِيّةُ الوَداعِ. وسابَقَ بينَ الخَيلِ
التي لم تُضمَّرْ من الثنِيَّةِ إلى مسجدٍ بني زُرَيقٍ، وَأنَّ عبدَ اللهِ بنَ عُمَر كان فيمن سابَقَ بها.
[الحديث ٤٢٠ - أطرافه في: ٢٨٦٨، ٢٨٦٩، ٢٨٧٠ ٧٣٣٦].
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي (قال: أخبرنا مالك) هو ابن أنس الأصبحي
إمام دار الهجرة (عن نافع) مولى ابن عمر (عن عبد الله بن عمر) بن الخطاب رضي الله عنهما.
(أن رسول الله وَّر سابق بين الخيل التي أضمرت) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول أي ضمرت بأن
أدخلت في بيت وجلل عليها بجل ليكثر عرقها فيذهب رهلها ويقوى لحمها ويشتدّ جريها، وقيل
غير ذلك مما سيأتي إن شاء الله تعالى في محله، وكان فرسه الذي سابق به يسمى السكب بالكاف وهو
أوّل فرس ملكه وكانت المسابقة (من الحفياء) بفتح المهملة وسكون الفاء مع المدّ قال السفاقسي:
وربما قرىء بضم الحاء مع القصر وهو موضع بقرب المدينة (وأمدها) بفتح الهمزة والميم أي غايتها
(ثنية الوداع) بالمثلثة وبينها وبين الخفياء خمسة أميال أو ستة أو سبعة. (وسابق) عليه الصلاة والسلام
(بين الخيل التي لم تضمر) بفتح الضاد المعجمة وتشديد الميم المفتوحة، وفي رواية لم تضمر بسكون
الضاد وتخفيف الميم (من) المذكورة (إلى مسجد بني زريق) بضم الزاي المعجمة وفتح الراء وسكون
المثناة التحتية آخره قاف ابن عامر، وإضافة المسجد إليهم إضافة تمييز لا ملك كما مرّ (وأن
عبد الله بن عمر) بن الخطاب (كان فيمن سابق بها) أي بالخيل أو بهذه المسابقة، وهذا الكلام إما من
قول ابن عمر عن نفسه كما تقول عن نفسك العبد فعل كذا أو هو من مقول نافع الراوي عنه.
واستنبط منه مشروعية تضمير الخيل وتمرينها على الجري وإعدادها لإعزاز كلمة الله تعالى ونصرة دينه
قال تعالى: ﴿وأعدّوا لهم ما استطعتم﴾ [الأنفال: ٦٠] الآية وجواز إضافة أعمال البر إلى أربابها
ونسبتها إليهم ولا يكون ذلك تزكية لهم.
وقد أخرج المؤلّف الحديث أيضًا في المغازي وأبو داود في الجهاد والنسائي في الخيل.

٧٨
كتاب الصلاة/ باب ٤٢
٤٢ - باب القسمةِ وتعليقِ القِنْوِ في المسجدِ
قال أبو عبدِ اللَّهِ: القِنوُ العِذْقُ، والاثنانِ قِنوانٍ، والجماعةُ أيضًا قِنوانٌ. مِثلُ صِنْوِ وَصنْوانِ.
(باب القسمة) للشيء (وتعليق القنو) بكسر القاف وسكون النون (في المسجد) اللام للجنس
والجار متعلق بقوله القسمة وتعليق (قال أبو عبد الله) أي البخاري رحمه الله: (القنو) هو (العذق)
بكسر المهملة وسكون المعجمة وهي الكباسة بشماريخه وبسره وأما بفتح العين الهملة فالنخلة،
(والاثنان قنوان) كفعلان بكسر الفاء والنون (والجماعة أيضًا قنولن) بالرفع والتنوين وبه يتميز عن
المثنى كثبوت نونه عند إضافته بخلاف المثنى فتحذف (مثل صنو وصنوان) في الحركات والسكنات
والتثنية والجمع والصاد فيهما مكسورة وهو أن تبرز نخلتان أو ثلاثة من أصل واحد، فكل واحدة
منهنّ صنو واحد، والاثنان صنوان بكسر النون، والجمع صنوان بإعرابها، ولم يذكر المؤلف جمعه
لظهوره من الأوّل. وهذا التفسير من قوله قال إلخ ثابت عند أبي ذر وابن عساكر وأبي الوقت ساقط
لغیرهم.
٤٢١ - وقال إبراهيمُ عن عبدِ العزيزِ بنِ صُهيبٍ عن أنَسٍ رضيَ اللَّهُ عنه قال: أُتِيَ النبيُّ وَهُ
بمالٍ مِنَ الْبَخْرَينِ فقال: انْتُروهُ في المسجدِ، وكان أكثرَ مالٍ أُتِيَ به رسولُ اللَّهِ وَّهِ، فخرَجَ رسولُ
اللَّهِ وَ إلى الصلاةِ ولم يَلتَفِتْ إليهِ، فلما قَضى الصلاةَ جاءَ فجلسَ إليهِ، فما كان يَرَى أحدًا إلاّ
أعطاهُ. إذ جاءَه العبّاسُ فقال: يا رسولَ اللَّهِ أعْطِني، فإنِّي فادَيتُ نَفسِي وفادَيتُ عَقِيلاً. فقال له
رسولُ اللَّهِ وَه: خُذْ فحثا فِي ثَوبِهِ، ثمَّ ذَهبَ يُقِلُهُ فلم يَستطِعْ، فقال: يا رسولَ اللَّهِ اؤْمُرْ بَعضَهم
يَرفَعْهُ إليّ. قال: لا. قال: فارفَعْهُ أنتَ عَليَّ. قال: لا. فنثَرَ منهُ، ثمَّ ذَهَبَ يُقِلُّهُ فقال: يا رسولَ
اللَّهِ أؤْمُزْ بَعضهم يَرْفَعْهُ عليَّ. قال: لا. قال: فارفَعْه أنتَ عَليَّ. قال: لا. فتَثَرَ مِنْهُ. ثمَّ اخْتَمَلَهُ
فَألْقَاهُ على كاهِلِه، ثم انْطَلَقَ، فما زالَ رسولُ اللَّهِ وَلَهَ يُتْبِعُهُ بَصَرَهُ - حَتّى خَفيَ عَلَيْنا - عَجَبًا مِن
حِرْصهِ. فما قام رسولُ اللَّهِ وَ ﴿ وَثَمَّ مِنها دِرْهمْ. [الحديث ٤٢١ - طرفاه في: ٣٠٤٩، ٣١٦٥].
(وقال إبراهيم يعني ابن طهمان) بفتح الطاء المهملة وسكون الهاء ابن شعبة الخراساني وسقط
اسم أبيه في رواية الأربعة، وإثباته هو الصواب كما قاله ابن حجر ليزول الاشتباه، وقد وصله أبو
نعيم في المستخرج والحاكم في المستدرك من طريق أحمد بن حفص بن عبد الله النيسابوري عن
إبراهيم بن طهمان (عن عبد العزيز بن صهيب) بضم الصاد وفتح الهاء (عن أنس رضي الله عنه
قال) :
(أتي رسول الله (وَلقه) بضم أتي مبنيًّا للمفعول (بمال) وكان مائة ألف كما عند ابن أبي شيبة من
طريق حميد مرسلاً وكان خراجًا (من البحرين) بلدة بين بصرة وعمان (فقال) عليه الصلاة والسلام:
(انثروه) بالمثلثة أي صبوه (في المسجد وكان أكثر مال أتي به رسول الله وَ ل﴿ فخرج رسول الله بَل إلى

٧٩
كتاب الصلاة/ باب ٤٣
الصلاة ولم يلتفت إليه) أي إلى المال، (فلما قضى الصلاة جاء فجلس إليه فما كان يرى أحدًا إلاّ
أعطاه) منه (إذ جاءه) (العباس) عمه (رضي الله عنه) قال في المصابيح: المعنى والله أعلم فبينما هو
على ذلك إذ جاءه العباس (فقال: يا رسول الله أعطني) فإني فاديت نفسي يوم بدر (وفاديت عقيلاً)
بفتح العين المهملة وكسر القاف ابن أخي أي حين أسرنا يوم بدر (فقال له) أي للعباس (رسول
الله:(شيء: خذ. فحثى) بالمهملة والمثلثة من الحثية وهي ملء اليد (في ثوبه) أي حتى العباس في ثوبه
نفسه، (ثم ذهب) رضي الله عنه (يقله) بضم الياء أي يرفعه (فلم يستطع) حمله (فقال: يا رسول الله
أؤمر بعضهم يرفعه إليّ) بياء المضارعة والجزم جوابًا للأمر أي فإن تأمره يرفعه أو بالرفع استئنافًا أي:
هو يرفعه والضمير المستتر فيه يرجع إلى البعض، والبارز إلى المال الذي حثاه في ثوبه، وأؤمر بهمزة
مضمومة فأخرى ساكنة، وتحذف الأولى عند الوصل وتصير الثانية ساكنة، وهذا جار على الأصل.
وللأصيلي مُر على وزن على فحذف منه فاء الفعل لاجتماع المثلين في أوّل كلمة، وهو مؤدّ إلى
الاستثقال فصار أمر فاستغنى عن همزة الوصل لتحرّك ما بعدها فحذفت، ولأبي ذر في نسخة يرفعه
بالموحدة المكسورة وسكون الفاء. (قال) عليه السلام (لا) آمر أحدًا يرفعه. (قال: فارفعه أنت علّ)
قال: (لا) أرفعه وإنما فعل عليه السلام ذلك معه تنبيهًا له على الاقتصاد وترك الاستكثار من المال،
(فنثر) العباس (منه ثم ذهب يقله) فلم يستطع حمله (فقال) العباس (يا رسول الله اؤمر) وللأصيلي مر
(بعضهم يرفعه) بالجزم أو الرفع (قال: لا) آمر (قال: فارفعه أنت عليّ، قال) عليه الصلاة والسلام
(لا) أرفعه (فنثر منه) العباس (ثم احتمله فألقاه على كاهله) ما بين كتفيه، (ثم انطلق) رضي الله عنه
(فما زال رسول الله وَلخير يتبعه) بضم أوله وسكون ثانيه وكسر ثالثه من الاتباع أي ما زال النبي ◌ّ.
يتبع العباس (بصره حتى خفي علينا عجبًا من حرصه) بفتح العين والنصب مفعولاً مطلقًا، (فما قام
رسول الله (ص) من ذلك المجلس (وثم) بفتح المثلثة أي وهناك (منها) أي من الدراهم (درهم) جمادة
حالية من مبتدأ مؤخر وهو درهم وخبره منها، ومراده نفي أن يكون هناك درهم فالحال قيد للمنفي
لا للنفي، فالمجموع منتفٍ بانتفاء القيد لانتفاء المقيد وإن كان ظاهره نفي القيام حالة ثبوت الدراهم
قاله البرماوي والعيني نحوه، ولم يذكر المؤلّف حديثًا في تعليق القنو، لكن قال ابن الملقن: أخذه من
جواز وضع المال في المسجد بجامع أن كلاًّ منهما وضع لأخذ المحتاجين منه، وأشار بذلك إلى
حديث عوف بن مالك الأشجعي عند النسائي بإسناد قوي أنه وَلقر خرج وبيده عصًا وقد علق رجل
هنو حشف فجعل يطعن في ذلك القنو ويقول: لو شاء ربّ هذه الصدقة لتصدّق بأطيب من هذا
وليس على شرطه .
٤٣ - باب مَن دَعا لِطَعام في المَسجدِ، ومَن أجاب منه
(باب من دعا) بفتح الدال والعين، ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر: من دُعي
بضم الدال وكسر العين (لطعام في المسجد) الجار متعلق بدعا وعدى دعا هنا باللام الإرادة
الاختصاص، فإذا أريد الانتهاء عدى بإلى نحو: ﴿والله يدعو إلى دار السلام﴾ [يونس: ٣٥] أو

٨٠
كتاب الصلاة/ باب ٤٤
معنى الطلب عدى بالباء نحو: دعا هرقل بكتاب رسول الله 8 فتختلف صلة الفعل بحسب
اختلاف المعاني المرادة، (ومن أجاب فيه) أي في المسجد، وللأربعة منه بدل فيه، فمن للابتداء
والضمير للمسجد، وللكشميهني إليه أي إلى الطعام.
٤٢٢ - حدثنا عبدُ اللَّهِ بنُ يوسُفَ أخبرنا مالكٌ عن إسحق بنِ عبدِ اللَّه سمعَ أنَسًا قال:
(وجدتُ النبيَّ وََّ في المسجدِ معه ناسٌ، فقمتُ، فقال لي: آرْسَلَكَ أبو طلحةً؟ قلتُ: نعم.
فقال: لِطعام؟ قلتُ: نعم. قال لمن معه: قوموا. فانطَلَقَ وانطَلَقْتُ بينَ أيدِيهم)) [الحديث ٤٢٢-
أطرافه في: ٣٥٧٨، ٥٣٨١، ٥٤٥٠، ٦٦٨٨].
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي (قال: أخبرنا مالك) هو ابن أنس الأصبحي
(عن إسحاق بن عبد الله) ولأبوي ذر والوقت والأصيلي زيادة ابن أبي طلحة كما في الفرع وهو ابن
أخي أنس لأمه (سمع) وللأصيلي أنه سمع (أنسًا) وفي رواية أنس بن مالك رضي الله عنه.
(وجدت) أي يقول وجدت ولابن عساكر قال وجدت أي أصبت (النبي (ّلي) حال كونه (في
المسجد) المدني حال كونه (معه ناس) ولأبي الوقت ومعه بالواو (فقمت فقال لي) وَ لهو: (أأرسلك أبو
طلحة) زيد بن سهل أحد النقباء ليلة العقبة زوج أم أنس، المتوفى بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين على
الأصح، وقول ابن الملقن آرسلك بالمد وهو علم من أعلام نبوّته لأن أبا طلحة أرسله بغتة. تعقبه فى
المصابيح فقال: لا يظهر هذا مع وجود الاستفهام إذ ليس فيه أخبار البتّة، وفي بعض الأصول
أرسلك بغير همزة الاستفهام. (قلت) وللأصيلي وابن عساكر فقلت (نعم) أرسلن (فقال) عليه الصلاة
والسلام، ولأبي ذر قال (لطعام) بالتنكير، وفي رواية للطعام (قلت: نعم، فقال) بفاء قبل الفاخـ،
ولأبي ذر والأصيلي قال: (لمن معه) ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر في نسخة لمن حوله فالنصب
على الظرفية أي لمن كان حوله: (قوموا فانطلق) عليه الصلاة والسلام إلى بيت أبي طلحة، وفي بعض
الأصول فانطلقوا أي النبي بَل ومن معه (وانطلقت بين أيديهم).
وهذا الحديث أخرجه في علامات النبوّة والأطعمة والإيمان والنذور، ومسلم في الصلاة
والأطعمة، وأخرجه أبو داود والترمذي والنسائي.
٤٤ - باب القَضاءِ واللِّعانِ في المسجدِ بينَ الرِّجالِ والنساءِ
(باب) حكم (القضاء و) حكم (اللعان في المسجد) زاد في غير روايةب المستملي (بين الرجال
والنساء) وهو الذي في الفرع من غير عزو، وسقطت في رواية المستملي إذ هي حشو كما لا يخفى.
وقوله: واللعان بعد قوله انقضاء من عطف الخاص على العامّ، لأن القضاء أعمّ من أن يكون في
اللعان وغيره، وسمي لعانًا لأن فيه لعن نفسه في الخامسة فهو من باب تسمية الكل باسم البعض.