Indexed OCR Text
Pages 261-280
٢٦١ کتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة/ باب ٥ (قد أنزل الله فيكم) وفي اللعان قد أنزل فيك وفي صاحبتك أي زوجته خولة (قرآنًا، فدعا بهما) ولأبي ذر فدعاهما (فتقدما فتلاعنا، ثم قال عويمر: كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها ففارقتها) وفي اللعان فطلّقها (ولم يأمره النبي وَله بفراقها) لأن نفس اللعان يوجب المفارقة وهو مذهب مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة: لا تحصل الفرقة إلا بقضاء القاضي بها بعد التلاعن (فجرت السُّنّة في المتلاعنين) بفتح النون الأولى بلفظ التثنية أن يفترقا فلا يجتمعان بعد الملاعنة أبدًا. قال سهل بن سعد (وقال النبي وَلي: انظروها) أي المرأة الملاعنة (فإن جاءت به) بالولد الذي هي حامل به (أحمر) اللون (قصيرًا مثل وحرة) بفتح الواو والحاء المهملة والراء دويبة فوق العدسة، وقيل حمراء تلزق بالأرض كالوزغة تقع في الطعام فتفسده (فلا أراه) بضم الهمزة فلا أظنه أي عويمرًا (إلاّ قد كذب) عليها (وإن جاءت به أسحم) بفتح الهمزة وسكون السين وفتح الحاء المهملتين أسود (أعين) بفتح الهمزة والتحتية بينهما عين مهملة ساكنة واسع العين (ذا إليتين) بتحتية ثم فوقية كبيرتين والاستعمال أليين بحذف الفوقية (فلا أحسب إلا) أنه (قد صدق) أي عويمر (عليها فجاءت به على الأمر المكروه) وهو كونه أسحم أعين لأنه متضمن لثبوت زناها عادة والضمير في قوله: فإن جاءت به للولد أو الحمل لدلالة السياق عليه كقوله تعالى: ﴿إن ترك خيرًا﴾ [البقرة: ١٨] أي الميت. ومطابقة الحديث للترجمة في قوله: فكره النبي ◌َّلتر المسائل وعابها لأنه أفحش في السؤال فلذا كره ذلك. والحديث سبق في اللعان. ٧٣٠٥ - حدّثنا عَبْدُ الله بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ قَالَ: أخْبَرَني مالِكُ بْنُ أوْسِ النَّصْرِيُّ وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ذَكَرَ لي ذِكْرًا مِنْ ذلِكَ فَدَخَلْتُ عَلى مالِكِ فَسَألْتُهُ فَقالَ: انْطَلَقْتُ حَتّى أدْخُلَ عَلى عُمَرَ أتاهُ حاجِبُهُ يَرْفا فَقالَ: هَلْ لَكَ فِي عُثْمانَ وَعَبْدِ الرَّحْمْنِ وَالزُّبَيْرِ وَسَعْدٍ يَسْتَأْذِنُونَ؟ قالَ: نَعَمْ. فَدَخَلُوا فَسَلَّمُوا وَجَلَسُوا، فَقالَ: هَلْ لَكَ فِي عَلِيٍّ وَعَبّاسٍ فَأَذِنَ لَهُما؟ قَالَ الْعَبّاسُ: يا أميرَ الْمُؤْمِنِينَ أَقْضٍ بَيْنِي وَبَيْنَ الظَّالِمِ أَسْتَبَّا فَقَالَ الرَّهْطُ : عُثْمَانُ وَأَصْحابُهُ يا أميرَ الْمُؤْمِنِينَ أَقْضٍ بَيْنَهُما وَأرِخْ أَحَدَهُما مِنَ الآخَرِ، فَقالَ: أَّتِدُوا أَنْشُدُكُمْ بِالله الَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالأرْضُ هَلْ تَعْلَّمُونَ أنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ قالَ: ((لا نُورَثُ مَا تَرَكْنا صَدَقّة)»؟ يُرِيدُ رَسُولَ اللهِ وَِّ نَفْسَهُ قالَ الرَّهْطُ: قَدْ قالَ ذلِكَ، فَأَقْبَلَ عُمَرُ عَلى عَلِيٍّ وَعَبّاسٍ فَقالَ: أَتْشُدُكُمَا بِالله هَلْ تَعْلَمانِ أنَّ رَسُولَ اللهِ وَّةِ قالَ ذلِكَ؟ قالا: نَعَمْ. قالَ عَمَرُ: فَإِنّي مُحَدِّثُكُمْ عَنْ هذَا الأَمْرِ إِنَّ اللّه كانَ خَصَّ رَسُولَهُ وَّهِ فِي هذَا الْمَالِ بِشَيْءٍ فَلَمْ يَعْطِهِ أَحَدًا غَيْرَهُ، فَإِنَّ اللهَ يَقُولُ: ﴿وما أفاءَ الله عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمُ﴾ [الحشر: ٢] الآيَةَ. فَكانَتْ هذِهِ خالِصَةً لِرَسُولٍ اللهِ وَّهِ ثُمَّ والله ما اخْتَازَها دُونَكُمْ، وَلاَ اسْتَأْثَرَ بِها عَلَيْكُمْ وَقَدْ أعْطاكُمُوهَا وَبَثِّها فيكُمْ، حَتّى بَقِيَ مِنْها هذَا الْمَالُ، وَكَانَ النَّبِيُّ نَّهَ يُنْفِقُ عَلى أَهْلِهِ سَنَّتِهِمْ مِنْ هذا الْمالِ، ثُمَّ يَأْخُذُ ما بَقِيَ فَيَجْعَلُهُ ٢٦٢ کتاب الاعتصام بالكتاب والسنّ/ باب ٥ مَجْعَلَ مالِ اللهِ، فَعَمِلَ النّبِيُّ ◌َهَ بِذلِكَ حَياتَهُ. أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ تَعْلَمُونَ ذلِكَ؟ فَقالُوا: نَعَمْ. ثُمَّ قالَ لِعَلِيِّ وَعَبّاسٍ: أَنْشُدُكُما الله هَلْ تَعْلَمانِ ذلِكَ؟ قالا: نَعَمْ. ثُمَّ تَوَفَّى الله نَبِيَّهُ وََّ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أنا وَلِيُّ رَسُولِ اللهِ وَّرِ فَقَبَضَها أَبُو بَكْرٍ فَعَمِلَ فيها بِمَا عَمِلَ فيها رَسُولُ اللهِ وَّهِ، وَأَنْتُما حينئذٍ وَأَقْبَلَ عَلى عَلِيٍّ وَعَبّاسٍ فَقالَ تَزْعُمانِ أنَّ أبا بَكْرٍ فِيها كَذا وَالله يَعْلَمُ أنَّهُ فيها صادِقٌ بارِّ راشِدٌ تابعٌ لِلْحَقِّ ثُمَّ تَوَفَّى الله أبا بَكْرٍ فَقُلْتُ: أنا وَلِيَّ رَسُولِ اللهِّهِ وَأَبِي بَكْرٍ فَقَبَضْتُها سَنَّتَيْنِ أعْمَلُ فيها بِما عَمِلَ بِهِ رَسُولُ اللهِ وَّهِ وَأَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ جِئْتُماني وَكَلِمَتْكُما عَلى كَلِمَةٍ واحِدَةٍ وَأمْرُكُما جَميعٌ جِئْتَنِي تَسْألُنِي نَصيبَكَ مِنَ ابْنِ أخيكَ وأتاني هذا يَسْألُني نصيبَ أمْرَأْتِهِ مِنْ أبيها فَقُلْتُ: إنْ شِئْتُمَا دَفَعْتُها إِلَيْكُما عَلى أنَّ عَلَيْكُما عَهْدَ الله وَميثاقَهُ، تَعْمَلانِ فيها بِمَا عَمِلَ بِهِ رَسُولُ الله ◌َّهَ وَبِمَا عَمِلَ فيها أبُو بَكْرٍ وَبِما عَمِلْتُ فيها مُنْذُ وَليتُها وَإِلاَّ فَلا تُكَلِّماني فيها فَقُلْتُمَا: أَدْفَعْها إِلَيْنا بِذلِكَ، فَدَفَعْتُها إِلَيْكُما بِذلِكَ، أَنْشُدُكُمْ بِالله هَلْ دَفَعْتُها إلَيْهِما بِذلِكَ؟ قَالَ الرَّهْطُ: نَعَمْ. فأقْبَلَ عَلى عَلِيٍّ وَعَبّاسٍ فَقالَ: أَنْشُدُكُما بِاللهِ هَلْ دَفَعْتُها إِلَيْكُما؟ قالا: نَعَمْ. قَالَ: أَفَتَلْتَمِسانِ مِنّي قَضاءً غيْرَ ذلِكَ فَوَالَّذي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالأرْضُ لا أقْضي فيها قَضاءً غَيْرَ ذلِكَ حَتى تَقُومَ السّاعَةُ فَإِنْ عَجَزْتُما عَنْها فَآذفعاها إلَيَّ فَأَنَا أكفيكماها. وبه قال: (حدثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام قال: (حدّثني) بالإفراد (عقيل) بضم العين وفتح القاف ابن خالد الأيلي (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (مالك بن أوس) بفتح الهمزة وسكون الواو ابن الحدثان بفتح الحاء والدال المهملتين والمثلثة ابن عوف بن ربيعة بن سعيد بن يربوع بن واثلة بن دهمان بن نصر بن معاوية بن كبر بن هوازن (النصري) بالنون المفتوحة والصاد المهملة الساكنة كما في الكواكب وعليها علامة الإهمال في الفرع مصححًا عليها، وضبطها العيني بالضاد المعجمة. وقال: نسبة إلى النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر قال وفي همدان أيضًا النضر بن ربيعة اهـ. وهذا الذي قاله لا أعرفه والمعروف أنه بالمهملة نسبة لجده الأعلى نصر بن معاوية كما مرّ، يقال: إن لأبيه أوس صحبة وكذا قيل لولده مالك. قال ابن شهاب: (وكان محمد بن جبير بن مطعم ذكر لي ذكرًا) بكسر المعجمة وسكون القاف (من ذلك) الحديث الآتي (فدخلت على مالك) أي ابن أوس (فسألته) عن ذلك الحديث (فقال: انطلقت حتى) أي إلى أن (أدخل على عمر) رضي الله عنه عبر بالمضارع في موضع الماضي مبالغة لإرادة استحضار صورة الحال فجلست عنده فبينا أنا جالس (أتاه حاجبه يرفأ) بتحتية مفتوحة فراء ساكنة ثم فاء فألف وقد تهمز. قال في الفتح: وهي روايتنا من طريق أبي ذر، وكان يرفأ من موالي عمر أدرك الجاهلية ولا يعرف له صحبة (فقال) له (هل لك) رغبة (في عثمان) بن ٢٦٣ کتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة/ باب ٥ عفان (وعبد الرحمن) بن عوف (والزبير) بن العوّام (وسعد) بسكون العين ابن أبي وقاص (يستأذنون) في الدخول عليك (قال) عمر (نعم) فأذَنْ لهم (فدخلوا فسلموا وجلسوا) زاد في فرض الخمس ثم جلس يسيرًا (فقال) ولأبي ذر قال (هل لك) رغبة (في) دخول (عليّ) أي ابن أبي طالب (وعباس) عم النبي بَّ؟ قال عمر: نعم (فأذن لهما) فلما دخلا (قال العباس) لعمر (با أمير المؤمنين اقضٍ بيني وبين الظالم استبا) بلفظ التثنية أي تخاشنا في الكلام وتكلما بغليظ القول كالمستبين، وقال الداودي: يعني أن كل واحد منهما يدّعي أنه المظلوم في هذا الأمر، وليس المراد أن عليًّا يسبّ العباس بغير ذلك لأنه كأبيه ولا أن العباس يسب عليًّا بغير ذلك لفضل علي رضي الله عنهما، وأراد بقوله الظالم عليًّا، وليس المراد أنه ظالم للناس وأن الظلم من شيمه وأخلاقه معاذ الله، وإنما يريد الظالم لي في هذا الأمر على ما ظهر له. وفي الخمس: وبين هذا، ولم يقل الظالم، وفي رواية جويرية عند مسلم وبين هذا الكاذب الآثم الغادر الخائن. قال في الفتح: ولم أر في شيء من الطرق أنه صدر من علي في حق العباس شيء بخلاف ما يفهم من قوله في رواية عقيل هذه، وإنما جاز للعباس مثل هذا القول لأن عليًّا كان كالولد له وللوالد ما ليس لغيره فأراد ردعه عما يعتقد أنه مخطىء فيه أو هي كلمة لا يراد بها حقيقتها، وقد كان هذا بمحضر من الصحابة فلم ينكروه مع تشددهم في إنكار المنكر لأنهم فهموا بقرينة الحال أنه لا يريد به الحقيقة (فقال الرهط عثمان وأصحابه) لعمر: (يا أمير المؤمنين اقضٍ بينهما وأرح أحدهما من الآخر فقال) عمر (اتئدوا) بهمزة وصل وتشديد الفوقية بعدها همزة مكسورة فدال مهملة مضمومة تمهلوا واصبروا (أنشدكم) بفتح الهمزة وضم الشين أسألكم رافعًا نشيدتي أي صوتي (بالله الذي بإذنه تقوم السماء) فوق رؤوسكم بغير عمد (والأرض) على الماء تحت أقدامكم ولأبي ذر عن الكشميهني أنشدكم الله بإسقاط حرف الجر (هل تعلمون أن رسول الله وَلفر قال): (لا نورث) أي الأنبياء (ما تركنا) ما موصول مبتدأ والعائد محذوف أي الذي تركناه وخبر المبتدأ (صدقة؟ بريد رسول الله* نفسه) وغيره من الأنبياء لقوله في رواية أخرى: إنّا معاشر الأنبياء. نعم استشكل مع قوله تعالى في زكريا: ﴿يرثني ويرث من آل يعقوب﴾ [مريم: ٦] وقوله: ﴿وورث سليمان داود﴾ [النمل: ١٦] وأجيب: بأن المراد ميراث النبوة والعلم (قال الرهط: قد قال) وَالقر (ذلك فأقبل عمر) رضي الله عنه (على علي وعباس فقال) لهما (أنشدكما بالله هل تعلمان أن رسول الله* قال ذلك؟ قالا: نعم. قال عمر: فإني محدّثكم عن هذا الأمر إن كان الله) وفي نسخة إن الله كان بتشديد النون ونصب الجلالة الشريفة والتقديم والتأخير (خصّ رسول الله ( * في هذا المال) أي الفيء (بشيء لم يعطه أحدًا غيره) وفي مسلم بخاصة لم يخصص بها غيره. وعند أبي داود من طريق أسامة بن يزيد عن ابن شهاب كانت لرسول الله وَ لقر ثلاث صفايا بنو النضير وخيبر وفدك فأما بنو النضير فكانت حبسًا لنوائبه وأما فدك فكانت حبسًا لأبناء السبيل، وأما خيبر فجزأها بين المسلمين ثم قسّم جزءًا لنفقة أهله وما فضل منه جعله في فقراء المهاجرين (فإن الله) تعالى (يقول) ولأبي ذر والأصيلي وابن عساكر قال الله تعالى: (﴿وما﴾) وفي ٢٦٤ کتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة/ باب ٥ التنزيل: وما (﴿أفاء﴾) رد (﴿الله على رسوله منهم﴾) من بني النضير أو من الكفرة (﴿فما أوجفتم﴾ [الحشر: ٦]) أسرعتم يا مسلمون (الآية. فكانت هذه خالصة لرسول الله وَليه) لا حق لغيره فيها (ثم والله ما احتازها) بحاء مهملة ساكنة ثم فوقية فألف فزاي مفتوحة من الحيازة أي ما جمعها (دونكم) ولأبي ذر عن الكشميهني ما اختارها بالخاء المعجمة والراء (ولا استأثر) بالفوقية وبعد الهمزة الساكنة مثلثة فراء أي ما تفرد (بها عليكم وقد أعطاكموها) أي أموال الفيء (وبثّها) بفتح الموحدة والمثلثة المشددة أي فرقها (فيكم حتى بقي منها هذا المال. وكان) بالواو وللكشميهني فكان بالفاء (النبي ◌َّر ينفق على أهله نفقة سنتهم من هذا المال ثم يأخذ ما بقي) منه (فيجعله مجعل مال الله) في السلاح والكراع ومصالح المسلمين (فعمل) بكسر الميم (النبي ◌َّر بذلك حياته. أنشدكم بالله هل تعلمون ذلك؟ فقالوا) ولأبي ذر قالوا (نعم. ثم قال) عمر (لعلّ وعباس: أنشدكما الله) بإسقاط حرف الجر من الجلالة الشريفة ولأبي ذر بإثباته (هل تعلمان ذلك؟ قالا: نعم. ثم توفّى الله نبيه وَله، فقال أبو بكر) رضي الله عنه: (أنا ولي رسول الله (وَله) بتشديد التحتية من ولي (فقبضها) بفتحات (أبو بكر فعمل فيها بما عمل فيها رسول الله وأنتما حينئذ وأقبل على علي عباس فقال: تزعمان أن أبا بكر فيها كذا) وفي رواية مسلم فجئتما تطلب أنت ميراثك من ابن أخيك ويطلب هذا ميراث امرأته من أبيها فقال أبو بكر، قال رسول الله: ((لا نورث ما تركنا صدقة)) فرأيتماه كاذبًا آئمًا غادرًا خائنًا وكأن الزهري كان يحدّث به تارة فيصرح وتارة يكني وهو نظير ما سبق من قول العباس لعلي رضي الله عنهما (والله يعلم أنه) أن أبا بكر (فيها صادق بارّ) بتشديد الراء (راشد تابع للحق، ثم توفى الله أبا بكر) رضي الله عنه (فقلت: أنا ولي رسول الله الو و) ولي (أبي بكر) رضي الله عنه (فقبضتها سنتين) بلفظ التثنية (أعمل فيها) بفتح الميم (بما عمل) بكسرها (به رسول الله صلجر وأبو بكر، ثم جئتماني وكلمتكما على كلمة واحدة) لا مخالفة بينكما (وأمركما جميع) لا تفرق فيه ولا تنازع (جئتني) يا عباس (تسألني نصيبك من ابن أخيك) أي من ميراثه صلوات الله وسلامه عليه (وأتاني هذا) يشير إلى عليّ (يسألني نصيب امرأته) فاطمة (من) ميراث (أبيها) عليه الصلاة والسلام (فقلت) لكما (إن شئتما دفعتها إليكما على أن عليكما عهد الله وميثاقه تعملان) ولأبي ذر لتعملان (فيها بما عمل به رسول الله * وبما عمل فيها أبو بكر وبما عملت فيها منذ) بالنون (وليتها) بفتح الواو وكسر اللام مخففة أي لتتصرفان فيها وتنتفعان منها بقدر حقكما كما تصرف فيها رسول الله وَ لتر وأبو بكر وعمر لا على جهة التمليك إذ هي صدقة محرمة التمليك بعده و لير (وإلاّ فلا تكلماني فيها فقلتما ادفعها إلينا بذلك فدفعتها إليكما بذلك. أنشدكم بالله هل دفعتها إليهما بذلك؟ قال الرهط: نعم فأقبل) عمر ولأبي ذر عن الكشميهني ثم أقبل (على علي وعباس فقال: أنشدكما بالله) بحرف الجر (هل دفعتها إليكما)؟ زاد أبو ذر عن الكشميهني بذلك (قالا: نعم. قال) عمر (أفتلتمسان) أفتطلبان (مني قضاء غير ذلك؟ فوالذي بإذنه تقوم السماء) بغير عمد (والأرض) على الماء (لا أقضي فيها قضاء غير ذلك حتى تقوم الساعة فإن عجزتما عنها فادفعاها إلي فأنا أكفيكماها). ٢٦٥ كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة / باب ٦ ومطابقة الحديث للترجمة في قول الرهط عثمان وأصحابه: اقضٍ بينهما وأرح أحدهما من الآخر فإن الظن بهما أنهما لم يتنازعا إلا ولكلٌ منهما مستند في الحق بيده دون الآخر فأفضى بهما ذلك إلى المخاصمة ثم المجادلة التي لولا التنازع لكان اللائق خلاف ذلك قاله في الفتح. وفي الحديث اتخاذ الحاجب وإقامة الإمام من ينظر على الوقف نيابة عنه والتشريك بين اثنين في ذلك وغير ذلك مما يدرك بالتأمل. وسبق الحديث في باب فرض الخمس بطوله والله تعالى أعلم. ٦ - باب إِثْم مَنْ آوى مُحدِثًا رَوَاهُ عَلِيٍّ عَنِ النَّبِيّ ◌َِّ. (باب إثم من آوى) بفتح الهمزة الممدودة والواو (محدثًا) بضم الميم وكسر المهملة مبتدعًا أو ظالمًا (رواه) أي إثم من آوى محدثًا (علي) أي ابن أبي طالب رضي الله عنه (عن النبي ◌َّر). قال في الفتح: تقدم موصولاً في الباب الذي قبله. قال في عمدة القارىء: ليس في الباب الذي قبله ما يطابق الترجمة وإنما الذي يطابقها ما تقدم في باب الجزية في باب إثم من عاهد ثم غدر قال فيه فمن أحدث فيه حدثًا أو آوى محدثًا فعليه لعنة الله. ٧٣٠٦ - حدثنا مُوسَى بْنُ إسْماعيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْواحِدِ، حَدَّثَنَا عاصِمٌ قَالَ: قُلْتُ لِأَنَسٍ: أَحَرَّمَ رَسُولُ اللهِّهِ الْمَدِينَةَ؟ قالَ: نَعَمْ ما بَيْنَ كَذا إلى كَذا لا يُقْطَعُ شَجَرُها، مَنْ أَحْدَثَ فيها حَدثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ. قالَ عاصِمٌ: فَأَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ أَنَسٍ أَنَّهُ قالَ: أوْ آوى مُحدِثًا. وبه قال: (حدثنا موسى بن إسماعيل) أبو سلمة التبوذكي قال: (حدّثنا عبد الواحد) بن زياد العبدي مولاهم البصري قال: (حدّثنا عاصم) هو ابن سليمان الأحول (قال: قلت لأنس) رضي الله عنه (أحرم رسول الله وَليفي المدينة)؟ بهمزة الاستفهام (قال: نعم ما بين كذا إلى كذا) وفي حديث علّ السابق في باب فضل المدينة من الحج ما بين عائر إلى كذا، واتفقت روايات البخاري كلها على إبهام الثاني وفي مسلم إلى ثور. وسبق ما في ذلك من البحث في فضل المدينة (لا يقطع شجرها) وزاد أبو داود ولا ينفر صيدها (من أحدث فيها حدثًا) مخالفًا للشرع (فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين). والمراد باللعن العذاب الذي يستحقه لا كلعن الكافر وهذا التوعد وإن كان عامًّا في المدينة وغيرها لكنه خص المدينة بالذكر لشرفها إذ هي مهبط الوحي ومنها انتشر الدین. (قال عاصم) أي ابن سليمان بالسند السابق (فأخبرني) بالإفراد (موسى بن أنس أنه قال: أو ٢٦٦ کتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة/ باب ٧ آوى محدثًا). قال الدارقطني عن عاصم عن النضر بن أنس لا عن موسى قال: والوهم فيه من البخاري أو شيخه. قال عياض: وقد أخرجه مسلم على الصواب. قال في الفتح: فإن أراد أنه قال عن النضر فليس كذلك فإنه إنما قال كما أخرجه عن حامد بن عمر عن عبد الواحد عن عاصم عن ابن أنس، فإن كان عياض أراد أن الإبهام صواب فلا يخفى ما فيه، والذي سماه النضر هو مسدد عن عبد الواحد كذا أخرجه في مسنده وأبو نعيم في المستخرج من طريقه، وقد رواه عمرو بن أبي قيس عن عاصم فبينّ أن بعضه عنده عن أنس نفسه، وبعضه عن النضر بن أنس عن أبيه أخرجه أبو عوانة في مستخرجه وأبو الشيخ في كتاب الترهيب جميعًا من طريقه عن عاصم عن أنس. قال عاصم: ولم أسمع من أنس أو آوى محدثًا فقلت للنضر: أسمعت هذا يعني القدر الزائد من أنس؟ قال: لكني سمعته منه أكثر من مائة كرة. والحديث سبق في الحج في الباب المذكور وبالله المستعان على الإكمال. ٧ - باب ما يُذكَرُ مِنْ ذَمِّ الرَّأْي وَتَكَلِّفِ الْقِياسِ ﴿وَلا تَقْفُ﴾ [الإسراء: ٣٦] لا تَقُلْ ﴿مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [هود: ٤٦]. (باب ما يذكر من ذم الرأي) أي الذي على غير أصل من كتاب أو سُنّة أو إجماع (وتكلف القياس) الذي لا يكون على هذه الأصول فإن كان الرأي على أصل منها فمحمود غير مذموم وكذا القياس (﴿ولا تقف﴾ [الإسراء: ٣٦]) بفتح الفوقية وسكون القاف أي (لا تقل ﴿ما ليس لك به علم﴾ [الإسراء: ٤٦]). قاله ابن عباس فيما أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي طلحة عنه، واحتج به المؤلف لما ذكره من ذم التكلف، وسقط قوله لا تقل لأبي ذر. وقال العوفي عن ابن عباس: لا تذم أحدًا بما ليس لك به علم، وقال محمد ابن الحنفية: يعني شهادة الزور. وقال قتادة: لا تقل رأيت ولم تر وسمعت ولم تسمع وعلمت ولم تعلم فإن الله سائلك عن ذلك كله، ولا يصح التشبث به لمبطل الاجتهاد لأن ذا نوع من العلم فإن علمتموهن مؤمنات أقام الشارع غالب الظن مقام العلم وأمر بالعمل به كما في الشهادات. ٧٣٠٧ - حدثنا سَعِيدُ بْنُ تَلِيدٍ، حَدْثَنِ ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ شُرَيْحٍ وَغَيْرُهُ عَنْ أبي الأسْوَدِ، عَنْ عُزْوَةً قَالَ: حَجَّ عَلَيْنا عَبْدُ الله بْنُ عَمْرٍو فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيِّ وَّلـ يَقُولُ: ((إنَّ الله لا يَنْزِعُ الْعِلْم بَعْدَ أنْ أعْطاهُمُوهُ أنَّتِزاعًا، وَلكِنْ يَنْتَزِعُهُ مِنْهُمْ مَعَ قَبْضِ الْعُلَماءِ بِعِلْمِهِمْ، فَيَبْقَى ناسٌ جُهَّالٌ يُسْتَقْتَوْنَ فَيُفْتُونَ بَرَأْيِهِمْ فَيُضِلُونَ وَيَضِلُونَ)). فَحَدَّثْتُ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ وَّهِ ثُمَّ إِنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو حَجَّ بَعْدُ فَقَالَتْ: يَا ابْنَ أُخْتِي أَنْطَلِقْ إلى عَبْدِ الله فَأَسْتَثْبِتْ لي مِنْهُ الَّذِي حَدَّثْتَنِي عَنْهُ، فَجِثْتُهُ فَسَألْتُهُ فَحَدَّثَنِي بِهِ كَتَحْوِ ما حَدَّثَنِي فَأَتَيْتُ عَائِشَةَ فَأَخْبَرْتُها، فَعَجِبَتْ فَقَالَتْ: وَالله لَقَدْ حَفِظَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو. ٢٦٧ كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة/ باب ٧ وبه قال: (حدّثنا سعيد بن تليد) بفتح الفوقية وكسر اللام بوزن عظيم هو سعيد بكسر العين ابن عيسى بن تليد نسبه إلى جده قال: (حدّثني) بالإفراد، ولأبي ذر بالجمع (ابن وهب) عبد الله قال: (حدّثني) بالإفراد (عبد الرحمن بن شريح) بضم المعجمة وفتح الراء بعدها تحتية ساكنة فمهملة الإسكندراني (وغيره) قال الحافظ أبو ذر الهروي: هوعبد الله بن لهيعة وأبهمه المصنف رحمه الله لضعفه عنده واعتمد على عبد الرحمن بن شريح (عن أبي الأسود) محمد بن عبد الرحمن (عن عروة) بن الزبير أنه (قال: حج) مارًا (علينا عبد الله بن عمرو) بفتح العين وسكون الميم (فسمعته يقول: سمعت النبي ◌َّهر يقول): (إن الله لا ينزع العلم) من الناس (بعد أن أعطاهموه انتزاعًا) نصب على المصدرية ولأبي ذر عن الحموي أعطاكموه بالكاف بدل الهاء (ولكن ينتزعه منهم) أو منكم بالكاف (مع قبض العلماء بعلمهم) فيه نوع قلب والتقدير ولكن ينتزعه بقبض العلماء مع علمهم أو المراد بعلمهم بكتبهم بأن يمحى العلم من الدفاتر وتبقى مع على المصاحبة (فيبقى ناس جهّال) بفتح التحتية والقاف من فيبقى (يستفتون) بفتح الفوقية قبل الواو الساكنة أي تطلب منهم الفتوى (فيفتون) بضم التحتية والفوقية (برأيهم فيضلون) بضم التحتية (ويضلون) بفتحها قال عروة: (فحدّثت عائشة) ولأبوي الوقت وذر فحدّثت به عائشة (زوج النبي و ﴿ ثم إن عبد الله بن عمرو حج بعد) أي بعد ذلك السنة أو الحجة (فقالت) له عائشة (يا ابن أختي) أسماء بنت أبي بكر (انطلق إلى عبد الله) بن عمرو (فاستثبت لي منه الذي حدّثتني عنه) بسكون المثلثة، وفي مسلم قالت لي عائشة: يا ابن أختي بلغني أن عبد الله بن عمرو مارّ بنا إلى الحج فالقه فسائله فإنه قد حمل عن النبي ◌ِّ علمًا كثيرًا. قال عروة (فجئته) أي جئت عبد الله بن عمرو (فسألته) عن ذلك (فحدّثني به كنحو ما حذّثني) في المرة الأولى (فأتيت عائشة) رضي الله عنها (فأخبرتها) بذلك (فعجبت) لكونه ما غيّر حرفًا عنه (فقالت: والله لقد حفظ عبد الله بن عمرو) وفي رواية سفيان بن عيينة عند الحميدي قال عروة: ثم لبثت سنة ثم لقيت عبد الله بن عمرو في الطواف فسألته فأخبرني. قال في الفتح: فأفاد أن لقاءه إياه في المرة الثانية كان بمكة، وكأن عروة كان حج في تلك السنة من المدينة وحج عبد الله من مصر فبلغ عائشة، ويكون قولها قد قدم أي من مصر طالبًا مكة لا أنه قدم المدينة إذ لو دخلها للقيه عروة بها، ويحتمل أن تكون عائشة حجّت تلك السنة وحجّ معها عروة فقدم عبد الله بعد فلقيه بأمر عائشة، وعند أحمد عن ابن مسعود قال: هل تدرون ما ذهاب العلم؟ ذهاب العلماء. واستدل بالحديث على جواز خلوّ الزمان عن مجتهد وهو قول الجمهور خلافًا لأكثر الحنابلة وبعد من غيرهم لأنه صريح في رفع العلم بقبض العلماء وفي ترئيس أهل الجهل ومن لازمه الحكم بالجهل، وإذا انتفى العلم ومن يحكم به استلزم انتفاء الاجتهاد والمجتهد، وعورض هذا بحديث لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتي أمر الله. وأجيب: بأنه ظاهر في عدم الخلو لا في نفي الجواز وبأن الدليل الأول أظهر للتصريح بقبض العلم تارة ورفعه أخرى بخلاف الثاني. ٢٦٨ كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة/ باب ٧ ومطابقة الحديث للترجمة في قوله: فيفتون برأيهم. والحديث سبق في باب كيف يقبض العلم من كتاب العلم، وأخرجه مسلم في القدر والترمذي في العلم وابن ماجة في السُّنّة. ٧٣٠٨ - حدثنا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنا أَبُو حَمْزَةَ سَمِعْتُ الأعْمَشَ قالَ: سَأَلْتُ أبا وائِلٍ هَلْ شَهِدْتَ صِفْيْنَ؟ قالَ: نَعَمْ فَسَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ يَقُولُ ح. وَحَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْماعيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوانَةَ، عَنِ الأعْمَشِ، عَنْ أبي وائِلٍ قَالَ: قَالَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ يا أيُّهَا النّاسُ اتَّهِمُوا رَأْيَكُمْ عَلى دِينِكُمْ، لَقَدْ رَأيْتُنِي يَوْمَ أبي جَنْدَلِ وَلَوْ أَسْتَطِيعُ أنْ أَرُدَّ أمْرَ رَسُولِ اللهِ وَّهَ لَرَدَدْتُهُ، وَما وَضَعْنا سُيُوفَنا عَلى عَواتِقِنا إلى أمْرٍ يُفِْعُنا إلاّ أَسْهَلْنَ بِنا إلى أمْرٍ نَعْرِفُهُ، غَيْرَ هذَا الأمْرِ قَالَ: وَقَالَ أَبُو وائِلٍ شَهِدْتُ صَفِينَ وَبِثْسَتُ صِفُونَ. وبه قال: (حدّثنا عبدان) هو عبد الله بن عثمان وعبدان لقبه قال: (أخبرنا أبو حمزة) بالحاء المهملة والزاي محمد بن ميمون السكري قال: (سمعت الأعمش) سليمان بن مهران (قال: سألت أبا وائل) شقيق بن سلمة (هل شهدت) وقعة (صفين) التي كانت بين علي ومعاوية (قال: نعم) حضرتها (فسمعت سهل بن حنيف) بضم الحاء وفتح النون (يقول: ح) لتحويل السند إلى آخر. قال البخاري: (وحدثنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي الحافظ قال: (حدّثنا أبو عوانة) الوضاح اليشكري (عن الأعمش عن أبي وائل) أنه (قال: قال سهل بن حنيف) رضي الله عنه يوم صفين وقد كانوا يتهمونه بالتقصير في القتال يومئذ (يا أيها الناس اتهموا رأيكم) في هذا القتال (على دينكم) فإنما تقاتلون إخوانكم في الإسلام باجتهاد اجتهدتموه. وقال في الفتح: أي لا تعملوا في أمر الدين بالرأي المجرد الذي لا يستند إلى أصل من الدين. وقال ابن بطال: وهذا وإن كان يدل على ذم الرأي لكنه مخصوص بما إذا كان معارضًا للنص فكأنه قال: اتهموا الرأي إذا خالف السُّنّة (لقد رأيتني) أي رأيت نفسي (يوم أبي جندل) بفتح الجيم والدال المهملة بينهما نون ساكنة آخره لام ابن سهيل بن عمرو إذ جاء يرسف في قيوده يوم الحديبية سنة ست عند كتب الصلح على وضع الحرب عشر سنين، ومن أتى من قريش بغير إذن وليه ردّه عليهم (ولو أستطيع أن أردّ أمر رسول الله وَل*) إذ ردّ أبا جندل إلى قريش لأجل الصلح (لرددته) وقاتلت قريشًا قتالاً لا مزيد له، فكما توقفت يوم الحديبية من أجل أني لا أخالف حكم رسول الله وَلر كذلك أتوقف اليوم لأجل مصلحة المسلمين، وقد جاء عن عمر نحو قول سهل ولفظه: اتقوا الرأي في دينكم أخرجه البيهقي في المدخل وأخرجه هو والطبراني مطوّلاً بلفظ: اتهموا الرأي على الدين فلقد رأيتني أردّ أمر رسول الله وَلقوله برأيي اجتهادًا فوالله ما آلو عن الحق وذلك يوم أبي جندل حتى قال لي رسول الله رَالقول: تراني أرضى وتأبى. والحاصل كما قال في فتح الباري: إن المصير إلى الرأي إنما يكون عند فقد النص، وإلى هذا يومىء قول إمامنا الشافعي فيما أخرجه البيهقي بسند صحيح إلى أحمد بن حنبل سمعت ٢٦٩ كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة/ باب ٨ الشافعي يقول: القياس عند الضرورة ومع ذلك فليس القائل برأيه على ثقة من أنه وقع على المراد من الحكم في نفس الأمر وإنما عليه بذل الوسع في الاجتهاد ليؤجر ولو أخطأ وبالله التوفيق، ولأبي ذر: ولو أستطيع أن أرد أمر رسول الله ◌َالفر عليه لرددته. (وما وضعنا سيوفنا على عواتقنا) في الله (إلى أمر يفظعنا) بضم التحتية وسكون الفاء وكسر الظاء المعجمة يوقعنا في أمر فظيع أي شديد في القبح (إلا أسهلن) أي السيوف ملتبسة (بنا) بفتح الهمزة وسكون العين المهملة واللام بينهما هاء مفتوحة آخره نون أي لا أفضين بنا، ولأبي ذر عن الكشميهني إلا أسهلن بها (إلى أمر) سهل (نعرفه) حالاً ومآلاَ فأدخلتنا فيه (غير هذا الأمر) الذي نحن فيه فإنه مشكل حيث عظمت المصيبة بقتل المسلمين وشدة المعارضة من حجج الفريقين إذ حجّة علّ وأتباعه ما شرع من قتال أهل البغي حتى يرجعوا إلى الحق، وحجة معاوية وأتباعه قتل عثمان ظلمًا ووجود قتلته بأعيانهم في العسكر العراقي فعظمت الشبهة حتى اشتد القتال إلى أن وقع التحكيم فكان ما كان. ومطابقة الحديث للترجمة في قوله: اتهموا رأيكم على دينكم ونسب اليوم إلى أبي جندل لا إلى الحديبية لأن ردّه إلى المشركين كان شاقًّا على المسلمين وكان ذلك أعظم ما جرى عليهم من سائر الأمور وأرادوا القتال بسببه وأن لا يردوا أبا جندل ولا يرضوا بالصلح. والحديث سبق في كتاب الجزية. (قال) الأعمش سليمان بالسند السابق (وقال أبو وائل): شقيق بن سلمة (شهدت) أي حضرت وقعة (صفين) بكسر الصاد المهملة والفاء المشددة بعدها تحتية ساكنة فنون لا ينصرف للعلمية والتأنيث بقعة بين الشام والعراق بشاطىء الفرات (وبئست صفون) بضم الفاء بعدها واو بدل الياء أي بئست المقاتلة التي وقعت فيها وإعراب الواقع هنا كإعراب الجمع في نحو قوله تعالى: ﴿كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين وما أدراك ما عليون﴾ [المطففين: ١٨] والمشهور إعرابه بالنون والتحتية ثابتة في أحواله الثلاثة تقول: هذا صفين برفع النون ورأيت صفين ومررت بصفين بفتح النون فيهما. قال في الفتح: ولأبي ذر شهدت صفين وبئست صفين بالتحتية فيهما ولغيره الثاني بالواو وفي رواية النسفي مثله، لكن قال: بئست الصفون بزيادة الألف واللام وبعضهم فتح الصاد والفاء مكسورة مشددة اتفاقًا والله أعلم. ٨ - باب ما كانَ النَّبِيُّ نَّهِ يُسْألُ مِمّا لَمْ يُنْزَلْ عَلَيْهِ الْوَحْيُ فَيَقُولُ: ((لا أدري)) أوْ لَمْ يُجِبْ حَتَى يُْزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ وَلَمْ يَقُلْ بِرَأْېٍ وَلا قِیاسٍ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِما أراكَ الله﴾ [النساء: ١٠٥]. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: سُئِلَ النَِّيِّ نَّهِ عَنِ الرُّوحِ فَسَكْتَ حَتّى نَزَلَتِ الآيَةُ. : ٢٧٠ کتاب الاعتصام بالكتاب والسنة/ باب ٨ (باب ما كان النبي ﴿ يسأل) بضم أوله مبنيًّا للمفعول (مما لم ينزل) مبني للمفعول أيضًا (عليه الوحي) قرآنًا أو غيره (فيقول: لا أدري) كما جاء في أحاديث تأتي إن شاء الله تعالى لكنها ليست على شرط المؤلف (أو لم يجب) عن ذلك (حتى ينزل) بضم أوله وفتح ثالثه (عليه الوحي) بالرفع ببيان ذلك فيجب حينئذ ولأبي ذر عن المستملي حتى ينزل الله عليه الوحي بالنصب على المفعولية (ولم يقل برأي ولا قياس) من عطف المرادف وقيل الرأي التفكر أي لم يقل بمقتضى العقل ولا بالقياس وقيل الرأي أعم لشموله مثل الاستحسان (لقوله تعالى: ﴿بما أراك الله﴾) أي في قوله تعالى: ﴿لتحكم بين الناس بما أراك الله﴾ [النساء: ١٠٥] أي بما علمك الله. (وقال ابن مسعود): عبد الله (سئل النبي ◌َلي عن الروح فسكت حتى نزلت الآية) ﴿ويسألونك عن الروح﴾ [الإسراء: ٨٥] وقوله: الآية ثابت لأبي ذر عن الكشميهني. ٧٣٠٩ - حدثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الله، حَدَّثَنَا سُفْيانُ قالَ: سَمِعْتُ ابْنَ الْمُنْكَدِرِ يَقُولُ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهَ يَقُولُ: مَرِضْتُ فَجاءَنِي رَسُولُ اللهِ وَّهِ يَعُودُونِي وَأَبُو بَكْرٍ وَهُما ماشِيان، فَأَتاني وَقَدْ أُغْمِي عَلَيَّ، فَتَوَضَّأ رَسُولُ اللهِ وَهِ ثُمَّ صَبَّ وَضُوءَهُ عَلَيَّ فَأَفَقْتُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله وَرُبَّما قالَ: سُفْيانُ فَقُلْتُ: أيْ رَسُولَ اللهِ كَيْفَ أقْضي في مالي كَيْفَ أصْنَعُ في مالي؟ قالَ: فَما أجابَني بِشَيْءٍ حَتّى نَزَلَتْ آيَةُ الْمِيراثِ. وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (قال: سمعت ابن المنكدر) محمدًا (يقول: سمعت جابر بن عبد الله) الأنصاري رضي الله عنهما (يقول: مرضت فجاءني رسول الله (وَل﴿ يعودني وأبو بكر) في بني سلمة (وهما ماشيان فأتاني وقد أغمي) أي غشي (علي) والواو للحال (فتوضأ رسول الله وَلفي ثم صب وضوءه) بفتح الواو أي ماء وضوئه (علّ فأفقت) من الإغماء (فقلت: يا رسول الله وربما قال سفيان) بن عيينة (فقلت: أي رسول الله كيف أقضي في مالي كيف أصنع في مالي؟ قال) جابر (فما أجابني) وَلّر (بشيء حتى نزلت آية الميراث) وفي النساء فنزلت: ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ [النساء: ١١] وسبق هناك أن الدمياطي قال: إنه وهم وأن الذي في جابر: ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة﴾ [النساء: ٧٦] كما رواه مسلم وفيه زيادة بحث فأطلبه، ثم وليس في الحديث المعلق ولا الموصول دليل لقول المصنف في الترجمة لا أدري. وقال في الكواكب: في قوله لا أدري حزازة إذ ليس في الحديث ما يدل عليه ولم يثبت عنه ێ ذلك. قال في فتح الباري: وهو تساهل شديد في الإقدام على نفي الثبوت، والظاهر أنه أشار في الترجمة إلى ما ورد في ذلك مما لم يثبت عنده منه شيء على شرطه وإن كان يصلح للحجة على عادته في أمثال ذلك. وفي حديث ابن عمر عند ابن حبان جاء رجل إلى النبي وَلّر فقال: أي البقاع خير؟ قال: ((لا أدري)) فأتاه جبريل فسأله فقال: لا أدري. فقال: سل ربك فانتفض جبريل ٢٧١ كتاب الاعتصام بالكتاب والسنَّة / باب ٩ انتفاضة الحديث ... وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند الدارقطني والحاكم أن رسول الله وَلثم قال: ((ما أدري الحدود كفارة لأهلها أم لا)). وعن المهلب إنما سكت النبي وَّ في أشياء معضلة ليس لها أصل في الشريعة فلا بدّ فيها من الاطّلاع على الوحي، وإلاّ فقد شرع وَلخير لأمته القياس وأعلمهم كيفية الاستنباط في مسائل لها أصول ومعان ليريهم كيف يصنعون فيما لا نص فيه، والقياس هو تشبيه ما لا حكم فيه بما فيه حكم في المعنى، وقد شبه وَّر الحمر بالخيل فقال: ((ما أنزل الله علّ فيها شيئًا غير هذه الآية الفاذة الجامعة ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرًّا يره﴾ [الزلزلة: ٧، ٨])) وقال للمرأة التي أخبرته أن أباها لم يحج: ((أرأيت لو كان على أبيك دين كنت قاضيته فالله أحق بالقضاء)». فهذا هو عين القياس، وتعقبه السفاقسي بأن البخاري لم يرد النفي المطلق وإنما أراد أنه وَ *و ترك الكلام في أشياء، وأجاب بالرأي في أشياء، وقد بوّب لكل ذلك بما ورد فيه وأشار إلى قوله بعد بابين باب من شبه أصلاً معلومًا بأصل مبين. والحديث سبق في تفسير سورة النساء والله أعلم. ٩ - باب تَعْليم النّبِيِّ وَ أُمَّتَهُ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ مِمّا عَلَّمَهُ اللهِ لَيْسَ بِرَأْىٍ وَلا تَمْثِيلٍ (باب تعليم النبي و ﴿ أمته من الرجال والنساء مما علمه الله ليس برأي ولا تمثيل) أي ولا قياس وهو إثبات مثل حكم معلوم في معلوم آخر لاشتراكهما في علة الحكم والرأي أعم. ٧٣١٠ - حدّثنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوانَةً، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ الأصْبَهائِيِّ، عَنْ أبي صالِحٍ ذَكْوانَ، عَنْ أبي سَعيدٍ جاءَتِ امْرَأَةٌ إلى رَسُولِ اللهِوَّرَ فَقالَتْ: يَا رَسُولَ الله ذَهَبَ الرِّجالُ بِحَديثِكَ فَأَجْعَلْ لَنا مِنْ نَفْسِكَ يَوْمًا نَأْتِيكَ فِيهِ تُعَلِّمُنَا مِمّا عَلَّمَكَ الله. فَقَالَ: ((أَجْتَمِعْنَ فِي يَوْمٍ كَذا وَكَذَا فِي مَكانٍ كَذَا وَكَذَا)). فَأَجْتَمَعْنَ فَأَتَاهُنَّ رَسُولُ اللهِوَِّهِ فَعَلَّمَهُنَّ مِمّا عَلَّمَهُ الله، ثُمَّ قالَ: ((ما مِنْكُنَّ امْرَأةٌ تُقَدِّمُ بَيْنَ يَدَيْها مِنْ وَلَدِها ثَلاثَةً، إلاّ كانَ لَها حِجابًا مِنَ النَّارِ)). فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ: يا رَسُولَ الله وَأَثْنَيْنِ؟ قالَ: فَأَعادَتْهَا مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: ((وَآْنَيْنِ وَآلْنَيْنِ وَآقْنَيْنٍ)). وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا أبو عوانة) الوضاح اليشكري (عن عبد الرحمن بن الأصبهاني) هو عبد الرحمن بن عبد الله الأصبهاني الأصل الكوفي (عن أبي صالح ذكوان) الزيات (عن أبي سعيد) الخدري رضي الله عنه أنه قال: (جاءت امرأة) قال الحافظ ابن حجر لم أقف على اسمها، ويحتمل أن تكون هي أسماء بنت يزيد بن السكن (إلى رسول الله داخليه فقالت: يا رسول الله ذهب الرجال بحديثك فاجعل لنا من نفسك) أي من اختيارك لا اختيارنا (يومًا) من الأيام (نأتيك فيه تعلمنا مما علمك الله فقال) وَلخير لهن: ٢٧٢ كتاب الاعتصام بالكتاب والسنَّة / باب ١٠ (اجتمعن) بكسر الميم (في يوم كذا وكذا في مكان كذا وكذا. فاجتمعن) بفتح الميم (فأتاهن رسول الله ﴿ فعلمهن مما علمه الله ثم قال) لهن: (ما منكن امرأة تقدم بين يديها) من التقديم إلى يوم القيامة (من ولدها ثلاثة إلا كان) التقديم (لها حجابًا من النار. فقالت امرأة منهن): هي أم سليم أو أم أيمن أو أم مبشر (يا رسول الله و) من قدم (اثنين) ولأبي ذر عن الكشميهني أو اثنين (قال) أبو سعيد (فأعادتها) أي كلمة أو اثنين (مرتين ثم قال) وَلثر: (واثنين واثنين واثنين) ثلاثًا. ومطابقة الحديث للترجمة في قوله: إلا كان لها حجابًا من النار لأن هذا أمر توفيقي لا يعلم إلا من قِبل الله تعالى ليس قولاً برأي ولا تمثيل قاله في الكواكب. وسبق الحديث في العلم في باب هل يجعل للنساء يومًا على حدته في العلم وفي الجنائز أيضًا. ١٠ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ نَّهِ: ((لا تَزالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتي ظاهِرِينَ عَلَى الْحَقُ، يُقاتِلُونَ وَهُمْ أهْلُ الْعِلْمِ)) (باب قول النبي ◌َّا *: لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق يقاتلون) قال البخاري (وهم أهل العلم) ولأبي ذر وهم من أهل العلم وسقط له يقاتلون، وروى البخاري عن علي بن المديني هم أصحاب الحديث ذكره الترمذي. ٧٣١١ - حدثنا عُبَيْدُ الله بْنُ مُوسى، عَنْ إسْماعيلَ، عَنْ قَيْس، عَنْ الْمُغيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ عَنِ النَّبِّ وَّرَ قالَ: ((لا يَزالُ طائِفَةٌ مِنْ أُمَّتي ظاهِرِينَ حَتى يأْتِيَهُمْ أَمْرُ الله وَهُمْ ظاهِرُون)). وبه قال: (حدّثنا عبيد الله) بضم العين المهملة (ابن موسى) العبسي بالموحدة ثم المهملة الكوفي (عن إسماعيل) بن أبي خالد التابعي (عن قيس) هو ابن أبي حازم (عن المغيرة بن شعبة) رضي الله عنه (عن النبي ◌َّر) أنه (قال): (لا يزال) بالتحتية أوله في الفرع كأصله (طائفة من أمتي ظاهرين) معاونين أو غالبين. زاد في حديث ثوبان عند مسلم على الحق لا يضرهم من خذلهم (حتى يأتيهم أمر الله) بقيام الساعة (وهم ظاهرون) غالبون على من خالفهم. واستشكل بحديث مسلم عن عبد الله بن عمرو: لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس الحديث: وأجيب: بأن المراد من شرار الناس الذين تقوم عليهم الساعة قوم يكونون بموضع مخصوص وبموضع آخر تكون طائفة يقاتلون على الحق، وعند الطبراني من حديث أبي أمامة قيل: يا رسول الله وأين هم؟ قال: ((ببيت المقدس)) والمراد بهم الذين يحصرهم الدجال إذا خرج فينزل عيسى إليهم فيقتل الدجال، ويحتمل أن يكون ذلك عند خروج الدجال أو بعد موت عيسى عليه السلام بعد هبوب الريح التي تهب بعده فلا يبقى أحد في قلبه مثقال ذرة من إيمان إلاّ قبضته ٢٧٣ كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة/ باب ١٠ ويبقى شرار الناس فعليهم تقوم الساعة وهناك يتحقق خلوّ الأرض عن مسلم فضلاً عن هذه الطائفة الكريمة وهذا كما في الفتح أولى ما يتمسك به في الجمع بين الحديثين المذكورين. والحديث سبق في علامات النبوة ويأتي إن شاء الله تعالى في التوحيد بعون الله. ٧٣١٢ - حدثنا إسْماعيلُ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ، أخْبَرَني حُمَيْدٌ قالَ: سَمِعْتُ مُعاوِيَةَ بْنَ أبي سُفْيَانَ يَخْطُبُ قالَ: سَمِعْتُ النَّبِيِّ وَهِ يَقُولُ: ((مَنْ يُرِدِ الله بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَإِنَّما أنا قاسِمْ وَيُعْطِي الله وَلَنْ يَزِالَ أمْرُ هذِهِ الأَمَّةِ مُسْتَقِيمًا حَتّى تَقُومَ السَّاعَةُ، أُوْ حَتَّى يَأْتِيَ أمْرُ الله)). وبه قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس قال: (حدّثنا ابن وهب) عبد الله (عن يونس) بن يزيد الأيلي (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري أنه قال: (أخبرني) بالإفراد (حميد) بضم الحاء المهملة وفتح الميم ابن عبد الرحمن بن عوف (قال: سمعت معاوية بن أبي سفيان) رضي الله عنهما حال كونه (يخطب قال: سمعت النبي وَّ ر يقول): (من يرد الله به خيرًا) أي جميع الخيرات لأن النكرة تفيد العموم أو خيرًا عظيمًا فالتنوين للتعظيم (يفقهه في الدين) والفقه في الأصل الفهم يقال فقه الرجل بالكسر يفقه فقهًا إذا فهم وعلم وفقه بالضم يفقه إذا صار فقيهًا عالمًا وجعله العرف خاصًّا بعلم الشريعة وتخصيصًا بعلم الفروع وإنما خص من علم الشريعة بالفقه لأنه علم مستنبط بالقوانين والأدلة والأقيسة والنظر الدقيق بخلاف علم اللغة والنحو والصرف، روي أن سليمان نزل على نبطية بالعراق فقال لها: هل ههنا مكان نظيف أصلي فيه؟ فقالت: طهر قلبك وصلّ حيث شئت فقال: فقهت أي فهمت، ولو قال علمت لم يقع هذا الموقع. وعن الدارمي عن عمران قال: قلت للحسن يومًا في شيء قاله: يا أبا سعيد ليس هكذا يقول الفقهاء، فقال: ويحك هل رأيت فقيهًا قط إنما الفقيه الزاهد في الدنيا الراغب في الآخرة البصير بأمور دينه المداوم على عبادة ربه (وإنما أنا قاسم) قال القاضي عياض: أي إنما أقسم بينكم فألقى إلى كل واحد ما يليق به (ويعطي الله) كل واحد منكم من الفهم والتفكر والعمل ما أراده. وقال التوربشتي: أعلم وَّ أنه لم يفضل في قسمة ما أوحي إليه أحدًا من أمته على الآخر بل سوّى في البلاغ وعدل في القسمة وإنما التفاوت في الفهم وهو واقع من طريق العطاء ولقد كان بعض الصحابة يسمع الحديث فلا يفهم منه إلا الظاهر الجلي ويسمعه آخر منهم أو من القرن الذي يليهم أو ممن أتى بعده فيستنبط منه كثيرًا، وقال الطيبي: الواو في قوله وإنما إنّا للحال من فاعل يفقهه أو من مفعوله وإذا كان الثاني فالمعنى أن الله يعطي كلاً ممن أراد أن يفقهه استعدادًا لدرك المعاني على ما قدره ثم يلهمني بإلقاء ما هو اللائق باستعداد كل واحد وعليه كلام القاضي إرشاد الساري/ ج ١٥/ م ١٨ ٢٧٤ كتاب الاعتصام بالكتاب والسنَّة/ باب ١١ فإذا كان الأول فالمعنى أني ألقى ما يسنح لي وأسوّي فيه ولا أرجح واحدًا على واحد فالله تعالى يوفق كلاًّ منهم على ما أراد وشاء من العطاء وعليه كلام التوربشتي اهـ. (ولن يزال أمر هذه الأمة مستقيمًا) على الدين الحق (حتى تقوم الساعة أو) قال (حتى يأتي أمر الله) تعالى بالشك من الراوي. ومطابقة الحديث للترجمة في قوله: ولن يزال أمر هذه الأمة مستقيمًا لأن من جملة الاستقامة أن يكون فيهم التفقه والمتفقه، ولا بد منه لترتبط الأخبار المذكورة بعضها ببعض وتحصل جهة جامعة بينهما معنى. والحديث سبق في العلم، وأخرجه مسلم في الزكاة والله سبحانه وتعالى أعلم. ١١ - باب قَوْلِ الله تَعالى: ﴿أُوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ [الأنعام: ٦٥] (باب قول الله) ولأبي ذر باب بالتنوين في قول الله (تعالى: ﴿أو يلبسكم شيعًا﴾ [الأنعام: ٦٥]) أي متفرقين. ٧٣١٣ - حدّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الله، حَدَّثَنا سُفْيانُ قالَ عَمْرٌو: سَمِعْتُ جابِرَ بْنَ عَبْدِ الله رَضِيَ الله عَنْهُما يَقُولُ: لَمّا نَزَلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَِّ ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلى أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٥] قالَ: أَعُوذُ بِوَجْهِكَ ﴿أُوْ مِنْ تَحْتِ أرْجُلِكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٥] قالَ: أعُوذُ بِوَجْهِكَ فَلَمَا نَزَلَتْ: ﴿أُوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قالَ هاتانٍ أهوَنُ أوْ أيْسَرُ. وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (قال عمرو): بفتح العين المهملة ابن دينار (سمعت جابر بن عبد الله رضي الله عنهما يقول: لما نزل على رسول الله ◌َ﴿ ﴿قل هو القادر﴾) الكامل القدرة (﴿على أن يبعث عليكم عذابًا من فوقكم﴾ [الأنعام: ٦٥]) كالمطر النازل على قوم نوح حجارة (قال) إِّ: (أعوذ بوجهك) أي بذاتك من عذابك (﴿أو من تحت أرجلكم﴾ [الأنعام: ٦٥]) كالرجفة والخسفة ويجوز أن يكون الظرف متعلقًا بيبعث وأن يكون متعلقًا بمحذوف على أنه صفة لعذابًا أي عذابًا كائنًا من هاتين الجهتين (قال) وَّه: (أعوذ بوجهك) من عذابك (فلما نزلت: ﴿أو يلبسكم شيعًا﴾) أي يخلطكم فرقًا مختلفين على أهواء شتى كل فرقة مشايعة لإمام ومعنى خلطهم إنشاء القتال بينهم فيختلطون في ملاحم القتال. وشيعًا نصب على الحال وهي جمع شيعة كسدة وسدر، وقيل المعنى يجعلكم فرقًا ويثبت فيكم الأهواء المختلفة (﴿ويذيق بعضكم بأس بعض﴾) بقتل بعضكم بعضًا والبأس السيف والإذاقة استعارة وهي فاشية كقوله تعالى: ﴿ذوقوا مسٌ سقر﴾ [القمر: ٤٨]. ﴿ذق إنك أنت العزيز﴾ [الدخان: ٤٩]. ﴿فذوقوا العذاب﴾ [آل عمران: ١٠٦]. ٢٧٥ کتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة/ باب ١٢ وقال : أذقناهم كؤوس الموت صرفًا وذاقوا من أسنتنا كؤوسا (قال) صلوات الله وسلامه عليه: (هاتان) المحنتان اللبس والإذاقة (أهون أو) قال (أيسر) لأن الفتن بين المخلوقين وعذابهم أهون وأيسر من عذاب الله على الكفر. والحديث سبق في تفسير سورة الأنعام وأخرجه الترمذي في التفسير. ١٢ - باب مَنْ شَبََّ أصْلاَ مَعْلُومًا بِأَضْلٍ مُبَيَّنِ قَدْ بَيِّنَ الله حُكْمَهُمَا لِيَفْهَمَ السّائِلُ. (باب من شبه أصلاً معلومًا بأصل مبين) بفتح التحتية (قد بين الله) ولأبي ذر عن الكشميهني بين رسول الله (حكمهما) بلفظ التثنية ولأبي الوقت حكمهما. قال في الفتح: وفي رواية غير الكشميهني والجرجاني من شبه أصلاً معلومًا بأصل مبين وقد بيّن النبي ◌َّلتر حكمهما بإثبات الواو في قوله وقد بيّن (ليفهم السائل) المراد. ٧٣١٤ - حدّثنا أصْبَغُ بْنُ الْفَرَجِ، حَدْثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ ابْنِ شِهابٍ، عَنْ أبي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ أنَّ أغْرابِيًّا أتَى رَسُولَ اللهِ وَرَ فَقالَ: إِنَّ أَمْرَأْتِي وَلَدَتْ غُلامًا أسْوَدَ وَإِنّي أَنْكَرْتُهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلِ))؟ قالَ: نَعَمْ. قَالَ: ((فَما ألْوانُها)»؟ قالَ: حُمْرٌ. قالَ: ((هَلْ فيها مِنْ أوْرَقَ))؟ قالَ: إنَّ فيها لَوُزْقًا. قالَ: ((فَأَنَّى تُرى ذلِكَ جاءَها)»؟ قالَ: يا رَسُولَ اللهِ عِزْقُ نَزَعَها. قالَ: ((وَلَعَلَّ هذا عِزْقٌ نَزِعَهُ، وَلَمْ يُرَخْصْ لَهُ فِي الانْتِفَاءِ مِنْهُ». وبه قال: (حدّثنا أصبغ بن الفرج) بالمهملة والموحدة والمعجمة في الأول والجيم في الثاني أبو عبد الله المصري قال: (حدّثني) ولأبوي ذر والوقت أخبرني والإفراد في الروايتين (ابن وهب) عبد الله المصري (عن يونس) بن يزيد الأيلي (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن أبي سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف (عن أبي هريرة) رضي الله عنه (أن أعرابيًّا) اسمه ضمضم بن قتادة كما في المبهمات لعبد الغني بن سعيد وعند مسلم وأصحاب السنن أن أعرابيًّا من فزارة بفتح الفاء وتخفيف الزاي هو فزارة بن ذبيان بن بغيض (أتى رسول الله وَلخير فقال): يا رسول الله (إن امرأتي ولدت غلامًا أسود) أي: وإني أنا أبيض ولم أعرف اسم المرأة ولا الغلام، وأسود صفة لغلام وهو لا ينصرف للوزن والصفة (وإني أنكرته) أي استنكرته بقلبي ولا يرد إنه أنكره بلسانه (فقال له رسول الله (صَ﴿): (هل لك من إبل؟ قال) الأعرابي: (نعم. قال) عليه الصلاة والسلام له: (فما ألوانها)؟ ما مبتدأ من أسماء الاستفهام وألوانها خبره (قال) ألوانها (حمر) رفع خبر المبتدأ المقدر (قال) صلوات ٢٧٦ كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة/ باب ١٢ الله وسلامه عليه (هل) ولأبي ذر عن الكشميهني فهل (فيها من أورق) بفتح الهمزة والراء بينهما واو ساكنة آخره قاف قال الأصمعي: الأورق من الإبل الذي في لونه بياض يميل إلى سواد وهو أطيب الإبل لحمًا وليس بمحمود عندهم في عمره وسيره وهو غير منصرف للوصف ووزن الفعل والفاء في فهل عاطفة (قال) الأعرابي: (إن فيها لورقًا) بضم الواو وسكون الراء أن واسمها وخبرها في المجرور واللام هي الداخلة في خبر إن وأصلها لام الابتداء ولكنها أخرت لأجل أنها غير عاملة وأن عاملة وتسمى هذه اللام المزحلقة (قال) عليه الصلاة والسلام (فأنّى ترى) بفتح الفوقية أو بضمها أي تظن (ذلك جاءها) الفاعل ضمير يعود على اللون والمفعول يعود على الإبل وذلك مفعول ثاني وأنى استفهام بمعنى كيف أي كيف أتاها اللون الذي ليس في أبويها (قال) الأعرابي (يا رسول الله عرق نزعها) بكسر العين وسكون الراء بعدها قاف ونزعها بالزاي، والمراد بالعرق هنا الأصل من النسب شبه بعرق الثمرة ومنه فلان معرق في النسب والحسب ومعنى نزعه أشبهه واجتذب منه إليه وأظهر لونه عليه وأصل النزع الجذب فكأنه جذبه إليه، وللكشميهني نزعه. قال أبو هريرة (ولم يرخص له) أي للأعرابي (في الانتفاء منه). أي في انتفاء اللعان ونفي الولد من نفسه. ومطابقة الحديث للترجمة من كونه و # شبه للأعرابي ما أنكره من لون الغلام بما عرف من نتاج الإبل فأبان له بما يعرف أن الإبل الحمر تنتج الأورق وهو الأغبر فكذلك المرأة البيضاء تلد الأسود. وسبق الحديث في اللعان. ٧٣١٥ - حدّثنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوانَةَ، عَنْ أبي بِشْرٍ، عَنْ سَعيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَّاسٍ أَنَّ امْرَأةً جاءَتْ إِلى النَّبِّ نَّهِ فَقَالَتْ: إِنَّ أُمَّي نَذَرَتْ أنْ تَحُجَّ فَمَاتَتْ قَبْلَ أنْ تَحُجَّ أفَأْحُجُ عَنْها؟ قالَ: ((نَعَمْ حُجّي عَنْها، أرَأيْتِ لَوْ كَانَ عَلى أُمُّكِ دَيْنٌ أُكُنْتِ قاضِيَتَهُ»؟ قالتْ: نَعَمْ. قَالَ: ((فَاقْضُوا الَّذِي لَهُ، فَإنَّ الله أحَقُّ بِالْوَفاءِ». وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا أبو عوانة) الوضاح اليشكري (عن أبي بشر) بكسر الموحدة وسكون المعجمة جعفر بن وحشية (عن سعيد بن جبير) الوالبي مولى أبي محمد أحد الأعلام (عن ابن عباس) رضي الله عنهما (أن امرأة) زاد في الحج والنذور عن الميت من كتاب الحج: من جهينة، وفي النسائي هي امرأة سنان بن سلمة الجهني ولأحمد سنان بن عبد الله وهي أصح، وفي الطبراني أنها عمته كذا قاله في المقدمة. وقال في الشرح: إن ما في النسائي لا يفسر به المبهم في حديث الباب لأن في حديث الباب أن المرأة سألت بنفسها. وفي النسائي: إن زوجها سأل، ويحتمل أن تكون نسبة السؤال إليها مجازية (جاءت إلى النبي ◌َّلهم فقالت): يا رسول الله (إن أمي نذرت أن تحج فماتت قبل أن تحج أفأحج عنها)؟ أي أيصح مني أن أكون نائبة عنها فأحج عنها فالفاء الداخلة عليها همزة الاستفهام الاستخباري عاطفة على المحذوف المقدر ولم تسم الأم (قال) وَلِر: ٢٧٧ كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة/ باب ١٣ (نعم حجي عنها أرأيت) أي أخبريني (لو كان على أمك دين) لمخلوق (أكنت قاضيته)؟ عنها (قالت: نعم. قال: فاقضوا) أيها المسلمون الحق (الذي له) تعالى ودخلت المرأة في هذا الخطاب دخولاً بالقصد الأول وقد علم في الأصول أن النساء يدخلن في خطاب الرجال لا سيما عند القرينة المدخلة، ولأبي ذر عن الكشميهني: اقضوا الله (فإن الله) تعالى (أحق بالوفاء). من غيره . ومطابقة الحديث في كونه وَ ل# شبه للمرأة التي سألته عن أمها دين الله بما تعرف من دين العباد غير أنه قال: فدين الله أحق، وقول الفقهاء بتقديم حق الآدمي لا ينافي الأحقية بالوفاء واللزوم لأن تقديم حق العبد بسبب احتياجه، ثم إن عقد هذا الباب وما فيه يدل على صحة القياس والباب السابق يدل على الذم. وأجيب: بأن القياس صحيح مشتمل على جميع شرائطه المقررة في علم الأصول وفاسد بخلاف ذلك فالمذموم هو الفاسد والصحيح لا مذمة فيه بل هو مأمور به، وفي الباب دليل على وقوع القياس منه ريَّ، وقد احتج المزني بهذين الحديثين على من أنكر القياس وما اتفق عليه الجمهور هو الحجة فقد قاس الصحابة فمن بعدهم من التابعين وفقهاء الأمصار. ١٣ - باب ما جاءَ فِي أَجْتِهادِ الْقُضاةِ بِما أَنْزَلَ الله تَعالى لِقَولِهِ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ الله فَأُوْلِئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥] وَمَدَحَ النَّبِيِّي ◌َّهَ صاحِبَ الْحِكْمَةِ حينَ يَقْضِي بِها وَيُعَلِّمُها لا يَتَكَلَّفُ مِنْ قِبَلِهِ وَمُشاوَرَةٍ الْخُلَفَاءِ وَسُؤالِهِمْ أَهْلَ الْعِلْمِ. (باب ما جاء في اجتهاد القضاة) بصيغة الجمع، ولأبي ذر وأبي الوقت القضاء بفتح القاف والضاد والمد وإضافة الاجتهاد إليه والمعنى الاجتهاد في الحكم وفيه حذف تقديره اجتهاد متولي القضاء (بما أنزل الله تعالى) والاجتهاد بذل الوسع للتوصل إلى معرفة الحكم الشرعي (لقوله) تعالى: (﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون﴾ [المائدة: ٤٥]). يجوز أن تكون من شرطية وهو الظاهر وأن تكون موصولة والفاء في الخبر زائدة لشبهه بالشرط (ومدح النبي وَلقر صاحب الحكمة) بفتح الدال والحاء والنبي رفع على الفاعلية وصاحب نصب على المفعولية وبسكون الدال مجرورًا عطفًا على قوله ما جاء في اجتهاد ويكون المصدر مضافًا لفاعله (حين يقضي بها) بالحكمة (ويعلمها) للناس (لا) ولأبي ذر عن الكشميهني: ولا (يتكلف من قبله) بكسر القاف وفتح الموحدة أي من جهته ولأبي ذر عن الكشميهني قبله بتحتية ساكنة بدل الموحدة المفتوحة أي من كلامه (ومشاورة الخلفاء) والقضاة بالجر عطفًا على قوله في اجتهاد القضاة أي وفيما جاء في مشاورة الخلفاء (وسؤالهم أهل العلم). ٧٣١٦ - حدّثنا شِهابُ بْنُ عَبادٍ، حَدَّثَنا إبراهيمُ بْنُ حُمَيْدٍ، عن إسماعيل عَنْ قَيْسٍ، عَنْ ٢٧٨ كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة/ باب ١٣ عَبْدِ الله قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((لا حَسَدَ إلاَّ فِي أَثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتاهُ الله مالاً فَسُلْطَ عَلى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ، وَآخَرُ آتاهُ الله حِكْمَةً فَهُوَ يَقْضِي بِها وَيُعَلِّمَهَا)). وبه قال: (حدّثنا شهاب بن عباد) بفتح العين والموحدة المشددة العبدي الكوفي قال: (حدّثنا إبراهيم بن حميد) بضم الحاء ابن عبد الرحمن الرؤاسي (عن إسماعيل) بن أبي خالد البجلي واسم أبي خالد سعد (عن قيس) هو ابن أبي حازم (عن عبد الله) بن مسعود رضي الله عنه أنه (قال: قال رسول الله (َا﴾): (لا حسد) لا رخصة أو لا غبطة (إلا في اثنتين) خصلتين (رجل) بالرفع (آتاه) بمد الهمزة أعطاه (الله مالاً فسلط) بضم السين وكسر اللام وللكشميهني فسلطه بفتحهما وزيادة هاء بعد الطاء (على هلكته) بفتحات على إنفاقه (في الحق وآخر) ولأبي ذر أو آخر (آتاه الله حكمة) بكسر الحاء المهملة وسكون الكاف والحكمة السنة أو الفقه والعلم بالدين أو ما ينفع من موعظة ونحوها أو الحكم بالحق أو الفهم عن الله ورسوله ووردت أيضًا بمعنى النبوّة (فهو يقضي بها) بالحكمة (ويعلمها) الناس. وفي قوله: فسلطه على هلكته مبالغتان إحداهما التسليط فإنه يدل على الغلبة وقهر النفس المجبولة على الشح البالغ وثانيتهما قوله على هلكته فإنه يدل على أنه لا يبقي من المال باقيًا، ولما أوهم القرينتان الإسراف والتبذير المقول فيهما لا خير في السرف كمله بقوله في الحق كما قيل: لا سرف في الخير، وكذا القرينة الأخرى اشتملت على مبالغات إحداها: الحكمة فإنها تدل على علم دقيق مع إتقان في العمل، وثانيتها: يقضي أي يقضي بين الناس وهي من مرتبته وَيقر، وثالثتها: ويعلمها وهي أيضًا من مرتبة سيد المرسلين قاله في شرح المشكاة. والحديث سبق في باب من قضى بالحكمة في أوائل الأحكام وكذا في العلم والزكاة. ومطابقته للترجمة الثانية ظاهرة. ٧٣١٧ - حدّثنا مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنا أَبُو مُعاوِيَةً، حَدَّثَنَا هِشامٌ، عَنْ أبيهِ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُغْبَةً قالَ: سَأَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَنْ إِمْلاصِ الْمَرْأةِ وَهْيَ الَّتِي يُضْرَبُ بَطْنُها فَتُلْقِي جَنِينًا؟ فَقالَ: أَيُّكُمْ سَمِعَ مِنَ النَّبِيِّ وَّرَ فِيهِ شَيْئًا؟ فَقُلْتُ: أنا فَقالَ: ما هُوَ؟ قُلْتُ: سَمِعْتُ النَِّيِّ نَّهِ يَقُولُ: ((فيهِ غُرَّةٌ عَبْدٌ أوْ أمَةٌ)). فَقَالَ: لَا تَبْرَحْ حَتّى تَجِيئَنِي بِالْمِخْرَجِ فيما قُلْتَ. وبه قال: (حدّثنا محمد) هو ابن سلام كما جزم به ابن السكن ورجحه في الفتح قال: (أخبرنا أبو معاوية) محمد بن خازم بالمعجمتين قال: (حدّثنا هشام عن أبيه) عروة بن الزبير (عن المغيرة بن شعبة) الثقفي شهد الحديبية رضي الله عنه أنه (قال: سأل عمر بن الخطاب) رضي الله عنه الصحابة رضي الله عنهم (عن إملاص المرأة) بكسر الهمزة وسكون الميم آخره صاد مهملة (وهي التي يضرب) بضم أوله مبنيًّا للمفعول (بطنها) نائب الفاعل (فتلقي) بضم الفوقية وكسر القاف (جنينًا) ميتًا ماذا يجب على الجاني فيه؟ (فقال: أيكم سمع من النبي ◌َّر فيه شيئًا) قال المغيرة ٢٧٩ كتاب الاعتصام بالكتاب والسنَّة / باب ١٤ (فقلت: أنا) سمعته (فقال) عمر رضي الله عنه (ما هو)؟ الذي سمعته (قلت: سمعت النبي ◌َلي يقول فيه) في الإملاص وهو الجنين (غرة) بضم الغين المعجمة وفتح الراء مشددة (عبد أو أمة) بالرفع والتنوين في الثلاثة والثاني بدل كل من كل ونكرة من نكرة وعبر وَله عن الجسم كله بالغرة (فقال) عمر للمغيرة: (لا تبرح حتى تجيئني) وللأصيلي حتى تجيء (بالمخرج) بفتح الميم والراء بينهما معجمة وآخره جيم (فيما) وللأصيلي وأبي ذر عن الكشميهني مما (قلت). ٧٣١٨ - فَخَرَجْتُ فَوَجَدْتُ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ فَجِثْتُ بِهِ فَشَهِدَ مَعِي أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيِّ ◌َِلـ يَقُولُ: ((فِيهِ غُرَّةٌ عَبْدٌ أَوْ أمَةٌ)). تابَعَهُ ابْنُ أبِي الزَّنادِ عَنْ أبيهِ، عَنْ عُرْوَةً عَنِ الْمُغِيرَةِ. (فخرجت) من عنده (فوجدت محمد بن مسلمة) الخزرجي البدري (فجئت به) إليه (فشهد معي أنه سمع النبي ◌َله يقول فيه غرة عبد أو أمة) فإن قيل، خبر الواحد حجة يجب العمل به فلم ألزمه بالشاهد؟ أجيب: بأنه للتأكيد وليطمئن قلبه بذلك مع أنه لم يخرج بانضمام آخر إليه عن کونه خبر الواحد. ومطابقة الحديث للشق الثاني من الترجمة ظاهرة، وسبق في آخر الديات في باب جنين المرأة. (تابعه) أي تابع هشام بن عروة في روايته عن أبيه (ابن أبي الزناد) عبد الرحمن (عن أبيه) عبد الله بن ذكوان (عن عروة) بن الزبير (عن المغيرة) بن شعبة فيما وصله المحاملي في الجزء الثالث عشر من فوائد الأصبهاني عنه وفي رواية أبي ذر عن الأعرج عبد الرحمن بن هرمز عن أبي هريرة بدل عروة والمغيرة. قال الحافظ أبو الفضل ابن حجر رحمه الله: وهو غلط والصواب الأول. ١٤ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ وَِّ: ((لَتَتْبَعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُم)) (باب قول النبي وَله: لتتبعن) بلام التأكيد وفتح الفوقية الأولى وتسكين الثانية وفتح الموحدة وضم العين وتشديد النون كذا في الفرع وضبطه في الفتح بفوقيتين مفتوحتين وكسر الموحدة قال وأصله تتبعون (سنن من كان قبلكم) بفتح السين والنون أي طريقتهم في كل منهي عنه وسقط لغیر الکشمیهني كان. ٧٣١٩ - حدثنا أحمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أبي ذِئْبٍ، عَنِ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ وَِّ قالَ: ((لا تَقُومُ السّاعَةُ حَتّى تَأْخُذَ أُمَّتِي بِأخْذِ الْقُرُونِ قَبْلَها شِبْرًا بِشْرٍ، وَذِراعًا بِذِراعٍ». فَقيلَ يَا رَسُولَ الله: كَفَارِسَ وَالرُّومِ؟ فَقالَ: وَمَنِ النَّاسُ إلا أولئِكَ))؟ وبه قال: (حذّثنا أحمد بن يونس) هو أحمد بن عبد الله بن يونس اليربوعي الكوفي قال: (حدّثنا ابن أبي ذئب) محمد بن عبد الرحمن (عن المقبري) سعيد بن أبي سعيد كيسان (عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ◌َلي) أنه (قال): ٢٨٠ كتاب الاعتصام بالكتاب والسنَّة/ باب ١٤ (لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها) بموحدة مكسورة بعدها ألف مهموزة وخاء معجمة ساكنة أي بسيرتهم. وفي رواية الأصيلي على ما حكاه ابن بطال فيما ذكره في الفتح بما الموصولة أخذ بلفظ الماضي وهي رواية الإسماعيلي وفي رواية النسفي مأخذ القرون بميم مفتوحة وهمزة ساكنة والقرون جمع قرن بفتح القاف وسكون الراء الأمة من الناس وفي رواية الإسماعيلي من طريق عبد الله بن نافع عن ابن أبي ذئب الأمم والقرون (شبرا بشبر وذراعًا بذراع) بالذال المعجمة وللكشميهني شبرًا شبرًا وذراعًا ذراعًا (فقيل يا رسول الله) هؤلاء الذين يتبعونهم (كفارس والروم؟ فقال) وَلقر: (ومن الناس) المتبعون المعهودون المتقدمون (إلا أولئك) الفرس والروم وهما جيلان مشهوران من الناس وعينهما لكونهما إذ ذاك أكبر ملوك الأرض وأكثرهم رعية وأوسعهم بلادًا، وكلمة من في قوله: ومن الناس بفتح الميم وكسر النون للساكنين للاستفهام الإنكاري، والحديث من أفراده. ٧٣٢٠ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدِّثَنَا أَبُو عمَرَ الصَّنعانِيُّ مِنَ الْيَمَنِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ، عَنْ أبي سَعيدِ الخُذْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ بَّهِ قَالَ: ((لَتَتْبَعُنَّ سَنَّنَ مَنْ كانَ قَبْلَكُمْ شِبْرَا شِبْرًا وَذِراعًا بِذِراعٍ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُخْرَ ضَبِّ تَبِعْتُمُوهُمْ)). قُلْنا يا رَسُولَ الله: الْيَهُودَ وَالنَّصارى؟ قالَ: ((فَمَنْ))؟ وبه قال: (حدثنا محمد بن عبد العزيز) الرملي قال: (حدّثنا أبو عمر) بضم العين حفص بن ميسرة (الصنعاني من اليمن) لا من صنعاء الشام (عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار) بالتحتية والمهملة مخففة (عن أبي سعيد) سعد بن مالك (الخدري) رضي الله عنه (عن النبي وَلاغير) أنه (قال): (التتبعن سنن من) بفتح السين أي طريق من (كان قبلكم) وسقط لفظ كان لأبي ذر (شبرًا شبرًا وذراعًا بذراع) بباء الجر في بذراع فقط وللكشميهني شبرًا بشبر وذراعًا بذراع كذا في الفرع كأصله وقال في الفتح قوله شبرًا بشبر وذراعًا بذراع، وفي رواية الكشميهني شبرًا شبرًا وذراعًا بذراع عكس الذي قبله (حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم) بضم الجيم وسكون الحاء المهملة والضب بالضاد المعجمة بعدها موحدة مشددة وهو الحيوان البري المعروف يشبه الورد وقد قيل إنه يعيش سبعمائة سنة فصاعدًا ويبول في كل أربعين يومًا قطرة ولا تسقط له سن وخص جحره بالذكر لشدة ضيقه، وهو كناية عن شدة الموافقة لهم في المعاصي لا في الكفر أي أنهم لاقتفائهم آثارهم واتباعهم طرائقهم لو دخلوا في مثل هذا الضيق لوافقوهم (قلنا: يا رسول الله) المتبعون الذين قبلناهم (اليهود) بالرفع والنصب (والنصارى؟ قال) وَ لزر (فمن)؟ هم غير أولئك فمن استفهام إنكاري كالسابق. قال في الفتح: ولم أقف على تعيين القائل ولا ينافي هذا ما سبق من أنهم كفارس والروم لأن الروم نصارى وفي الفرس كان يهود مع أن ذلك كالشبر والذراع والطريق ودخول الجحر على سبيل التمثيل، ويحتمل أن يكون الجواب اختلف بحسب المقام فحيث قيل