Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٦١
كتاب الأحكام/ باب ٤٢
ـمسـ
٤٢ - باب بِطانَةِ الإمام وَأهْلِ مَشْورَتِهِ
الْبِطانَةُ: الدُّخَلاءُ.
(باب بطانة الإمام وأهل مشورته) بفتح الميم وضم الشين المعجمة وفتح الراء اسم من
شاورت فلانًا في كذا والمعنى عرضت عليه أمري حتى يدلني على الصواب منه وهو من عطف
الخاص على العام قال البخاري مما نقله عن أبي عبيد:
(البطانة) بكسر الموحدة في قوله تعالى: ﴿لا تتخذوا بطانة من دونكم﴾ [آل عمران: ١١٨]
(الدخلاء) بضم الدال المهملة وفتح الخاء المعجمة ممدود جمع دخيل وهو الذي يدخل على الرئيس
في مكان خلوته ويفضي إليه سره ويصدقه فيما يخبره به مما يخفى عليه من أمور رعيته ويعمل
بمقتضاه. وقال الزمخشري في قوله تعالى: ﴿لا تتخذوا بطانة من دونكم) الآية. بطانة الرجل
ووليجته خصيصه الذي يفضي إليه بحوائجه ثقة به شبه ببطانة الثوب كما يقال فلان شعاري.
٧١٩٨ - هذّثنا أصْبَغُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أخْبَرَني يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ، عَنْ أبي
سَلَمَةَ، عَنْ أبي سَعيدٍ الْخُذْرِيّ، عَنِ النَّبِيِّ بَِّ قالَ: ((ما بَعَثَ الله مِنْ نَبِيِّ وَلا أُسْتَخْلَفَ مِنْ
خَلِيفَةٍ إلاّ كانَتْ لَهُ بِطانَتَانٍ، بِطانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ وَبِطانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ،
فَالْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ الله تعالى)). وَقَالَ سُلَيْمانُ: عَنْ يَحْيِى، أخْبَرَنِي ابْنُ شِهابٍ بِهِذا وَعَنِ ابْنٍ
أبي عَتِيقٍ وَمُوسى عَنِ ابْنِ شِهَابٍ مِثْلَهُ وَقَالَ شُعَيْبٌ: عَنِ الزُّهْرِيّ حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ أبي
سَعِيدٍ قَوْلَهُ: وَقَالَ الأوزاعِيُّ: وَمُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَامٍ حَدَّثَنِي الزَّهْرِيُّ حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةً عَنْ أبي هُرَيرَةً
عَنِ النَّبِيِّ نَ ﴿ وَقَالَ ابْنُ أَبِي حُسَيْنٍ، وَسَعيدُ بْنُ زِيادٍ عَنْ أبي سَلَمَةَ، عَنْ أبي سَعيدٍ قَوْلَهُ وَقَالَ
عُبَيْدُ الله بْنُ أبي جَعْفَرٍ حَدَّثَني صَفْوانُ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أبي أَيُّوبَ قال :: سَمِعْتُ النَِّيِّ نَّهِ .
وبه قال: (حدّثنا أصبغ) بالمهملة والموحدة المفتوحة ثم المعجمة ابن الفرج المصري قال:
(أخبرنا) ولأبي ذر: حدّثنا (ابن وهب) عبد الله المصري قال: (أخبرني) بالإفراد (يونس) بن يزيد
الأيلي (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف (عن أبي
سعيد) سعد بن مالك (الخدري) رضي الله عنه (عن النبي وَلي) أنه (قال):
(ما بعث الله من نبي ولا استخلف) بعده (من خليفة إلا كانت له بطانتان) والبطانة مصدر
وضع موضع الاسم يسمى به الواحد والاثنان والجمع والمذكر والمؤنث (بطانة تأمره بالمعروف) وفي
رواية سليمان بن بلال بالخير بدل قوله بالمعروف (وتحضه عليه) بحاء مهملة مضمومة وضاد
معجمة مشددة ترغبه فيه وتحثه عليه (وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه). وهذا متصوّر في بعض
الخلفاء لا في الأنبياء، فلا يلزم من وجود من يشير عليهم بالشر قبولهم منه للعصمة كما قال:
(فالمعصوم) بالفاء (من عصم الله تعالى) أي من عصمه الله من نزغات الشيطان فلا يقبل بطانة الشر
إرشاد الساري/ ج ١٥ / م ١١

١٦٢
كتاب الأحكام/ باب ٤٢
أبدًا، وهذا هو منصب النبوّة الذي لا يجوز عليهم غيره وقد يكون لغيرهم بتوفيقه تعالى، وفي
الولاة من لا يقبل إلا من بطانة الشر وهو الكثير في زماننا هذا فلا حول ولا قوّة إلا بالله، والمراد
بالبطانتين الوزيران.
وفي حديث عائشة مرفوعًا: ((من ولي منكم عملاً فأراد الله به خيرًا جعل له وزيرًا صالحًا إن
نسي ذكره وإن ذكر أعانه)).
ويحتمل أن يكون المراد بالبطانتين الملك والشيطان، ويحتمل كما قال الكرماني أن يراد
بالبطانتين النفس الأمارة بالسوء والنفس المطمئنة المحرّضة على الخير والمعصوم مَن أعطاه الله نفسًا
مطمئنة أو لكلِّ منهما قوّة ملكية وقوّة حيوانية اهـ.
وقيل المراد بالبطانتين في حق النبي وَلقر الملك والشيطان وإليه الإشارة بقوله عليه الصلاة
والسلام ((ولكن الله أعانني عليه فأسلم)) اهـ.
فيجب على الوالي أن لا يبادر بما يلقى إليه من ذلك حتى يعرضه على كتاب الله وسُنّة نبيه
فما وافقهما اتبعه وما خالفهما تركه، وينبغي أن يسأل الله تعالى العصمة من بطانة الشر وأهله
ويحرص على بطانة الخير وأهله. قال سفيان الثوري: ليكن أهل مشورتك أهل التقوى والأمانة.
والحديث سبق في القدر، وأخرجه النسائي في البيعة والسير.
(وقال سليمان) بن بلال فيما وصله الإسماعيلي (عن يحيى) بن سعيد الأنصاري أنه قال:
(أخبرني) بالإفراد (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (بهذا) الحديث السابق (وعن ابن أبي عتيق)
هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق (وموسى) بن عقبة فيما وصله عنهما البيهقي كليهما
(عن ابن شهاب) الزهري محمد بن مسلم (مثله) أي مثل الحديث السابق. قال في الكواكب:
روى سليمان عن الثلاثة، لكن الفرق بينهما أن المروي في الطريق الأولى هو المذكور بعينه وفي
الثانية هو مثله اهـ.
وتعقبه في الفتح فقال لا يظهر بينهما فرق، والظاهر أن سر الإفراد أن سليمان ساق لفظ
يحيى ثم عطف عليه رواية الآخرين وأحال بلفظهما عليه، فأورده البخاري على وفقه، وتعقبه
العيني فقال: كيف ينفى الفرق ومثل الشيء غير عينه.
(وقال شعيب) هو ابن أبي حمزة فيما وصله الذهلي في الزهريات (عن الزهري) محمد بن
مسلم (حدّثني) بالإفراد (أبو سلمة) بن عبد الرحمن (عن أبي سعيد) الخدري (قوله) نصب بنزع
الخافض أي من قوله لم يرفعه إلى النبي مَلتر.
(وقال الأوزاعي): عبد الرحمن بن عمرو فيما وصله الإمام أحمد (ومعاوية بن سلام) بتشديد
اللام الدمشقي فيما وصله النسائي (حدّثني) بالإفراد، ولأبي ذر: بالجمع (الزهري) قال: (حدّثني)

١٦٣
كتاب الأحكام/ باب ٤٣
بالإفراد (أبو سلمة) بن عبد الرحمن (عن أبي هريرة) رضي الله عنه (عن النبي وَّر) فجعلاه من
حديث أبي هريرة وهو عند شعيب عن أبي سعيد وجعلاه مرفوعًا وهو عنده موقوفًا.
(وقال ابن أبي حسين) بضم الحاء وهو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين النوفلي المكي
(وسعيد بن زياد) بكسر العين وكسر زاي زياد وتخفيف التحتية الأنصاري المدني التابعي الصغير
(عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن (عن أبي سعيد) الخدري (قوله) أي من قوله لا مرفوعًا.
(وقال عبد الله) بفتح العين في الفرع وصوابه بضمها (ابن أبي جعفر) يسار المصري بالميم من
صغار التابعين مما وصله النسائي (حدّثني) بالإفراد (صفوان) بن سليم بضم السين مولى آل عوف
(عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن (عن أبي أيوب) خالد بن زيد الأنصاري أنه (قال: سمعت
النبي وَله). فالحديث بحسب الصورة الواقعة مرفوع من رواية ثلاثة من الصحابة أبي سعيد وأبي
هريرة وأبي أيوب، لكنه على طريقة المحدّثين حديث واحد اختلف على التابعي في صحابيه فجزم
صفوان بأنه عن أبي أيوب، واختلف على الزهري فيه هل هو أبو سعيد أو أبو هريرة؟ وأما
الاختلاف في وقفه ورفعه فلا يقدح لأن مثله لا يقال من قبل الرأي فسبيله الرفع، وتقديم
البخاري لرواية أبي سعيد الخدري الموصولة المرفوعة يؤذن بترجيحها عنده لا سيما مع موافقة ابن
أبي حسين وسعيد بن زياد لمن قال عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي سعيد وإذا لم يبق إلا الزهري
وصفوان، فالزهري أحفظ من صفوان بدرجات قاله في الفتح.
٤٣ - باب كَيْفَ يُبايعُ الإمامُ النّاسَ
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (كيف يبايع الإمام الناس)؟ بالنصب على المفعولية والإمام
فاعل، ولأبي ذر: بنصب الإمام مفعول مقدّم ورفع الناس على الفاعلية والمراد بالكيفية هنا الصيغ
القولية لا الفعلية كما ستراه إن شاء الله تعالى في الأحاديث المسوقة في الباب.
٧١٩٩ - حدّثنا إسماعيلُ، حَدَّثَني مالِكٌ، عَنْ يَحْيِى بْنِ سَعيدٍ قالَ: أَخْبَرَنِي عُبَادَةُ بْنُ
الْوَلِيدِ قالَ: أَخْبَرَني أبي عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصّامِتِ قالَ: بايَعْنا رَسُولَ اللهِوَّهَ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ
فِي الْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ.
وأنْ لا نُنازِعَ الأمْرَ أهْلَهُ وَأنْ نَقُومَ أَوْ نَقُولَ بِالْحَقِّ حَيْثُمَا كُنا لا نخافُ فِي الله لَوْمَةً
لائم.
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس قال: (حدّثني) بالإفراد (مالك) إمام الأئمة ودار
الهجرة ابن أنس الأصبحي (عن يحيى بن سعيد) الأنصاري أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (عبادة بن
الوليد) بضم العين وتخفيف الموحدة (قال: أخبرني) بالإفراد أيضًا (أبي) الوليد (عن) أبيه (عبادة بن

١٦٤
كتاب الأحكام/ باب ٤٣
الصامت) رضي الله عنه أنه (قال: بايعنا) بفتح التحتية وسكون العين عاهدنا (رسول الله وَلي) ليلة
الغقبة بمنى (على السمع والطاعة) له (في المنشط) بفتح الميم والشين المعجمة بينهما نون ساكنة .
آخره طاء مهملة مصدر ميمي من النشاط (والمكره) بفتح الميم والراء بينهما كاف ساكنة مصدر
ميمي أيضًا أي في حال نشاطنا وحال عجزنا عن العمل بما نؤمر به. وقال السفاقسي: الظاهر أن
المراد في وقت الكسل والمشقة في الخروج ليطابق قوله في المنشط، ويؤيده ما عند أحمد من رواية
إسماعيل بن عبيد بن رفاعة عن عبادة في النشاط والكسل. وقال في شرح المشكاة: أي عاهدناه
بالتزام السمع والطاعة في حالتي الشدة والرخاء وتارتي الضراء والسراء وإنما عبر عنه بصيغة
المفاعلة للمبالغة والإيذان بأنه التزم لهم أيضًا بالأجر والثواب والشفاعة يوم الحساب على القيام بما
التزموا.
(وأن لا ننازع الأمر) أي أمر الملك والولاية (أهله) فلا نقاتلهم (وأن نقوم أو نقول بالحق
حيثما كنا) والشك هل هي بالميم أو اللام من الراوي (لا نخاف في) نصرة دين (الله لومة لائم)
من الناس واللومة المرة من اللوم. قال في الكشاف: وفيها وفي التنكير مبالغتان كأنه قال لا
نخاف شيئًا قط من لوم أحد من اللّام ولومة مصدر مضاف لفاعله في المعنى، وفيه وجوب
السمع والطاعة للحاكم سواء حكم بما يوافق الطبع أو يخالفه وعدي بايعنا بعلى لتضمنه معنى
عاهد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في كل زمان ومكان الكبار والصغار ولا نداهن فيه أحدًا
ولا نخافه ولا نلتفت إلى الأئمة ونحوهم قاله النووي.
والحديث أخرجه مسلم في المغازي.
٧٢٠١ - حدثنا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا خالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ رَضِي
الله عَنْهُ قالَ: خَرَجَ النَّبِيِّ بَّهِ فِي غَدَاةِ بارِدَةٍ وَالْمُهاجِرُونَ وَالأنْصَارُ يَحْفِرُونَ الْخَنْدَقَ فَقالَ:
آللَّهُمَّ إِنَّ الْخَيْرَ خَيْرُ الآخِرَةُ فَاغْفِرْ للأنْصارِ وَالْمُهاجِرَة
فاجابُوا:
نَحنُ الَّذينَ بايَعُوا مُحَمَّدًا عَلَى الْجِهادِ ما بَقينا أبدا
وبه قال: (حدّثنا عمرو بن علي) بفتح العين وسكون الميم الصيرفي البصري قال: (حدّثنا
خالد بن الحارث) الهجيمي قال: (حدّثنا حميد) الطويل (عن أنس رضي الله عنه) أنه (قال: خرج
النبي # # في غداة باردة والمهاجرون والأنصار يحفرون الخندق) بكسر الفاء وكان ذلك في غزوته
سنة خمس (فقال) * متمثلاً بقول ابن رواحة:
(اللهم إن الخير خير الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة. فأجابوا) النبي ◌َلغير ولأبي ذر فأجابوه
(نحن الذين بايعوا محمدًا).

١٦٥
كتاب الأحكام/ باب ٤٣
صفة للذين لا صفة نحن. وهذا موضع الترجمة (على الجهاد ما بقينا أبدًا). بالتنوين في
محمدًا وأبدًا في اليونينية.
والحديث سبق بأتم من هذا في غزوة الخندق.
٧٢٠٢ - حدثنا عَبْدُ الله بْنُ يُوسُفَ، أخْبَرَنا مالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ دينارٍ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ
عُمَرَ رَضِيَ الله عَنْهُما قالَ: كُنّا إذا بايَعْنا رَسُولَ اللهِ وَّهُ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ يَقُولُ لَنا: ((فِيمَا
اُسْتَطَعْتَ».
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي أبو محمد الكلاعي الدمشقي الأصل قال:
(أخبرنا مالك) الإمام بن أنس المدني (عن عبد الله بن دينار) العدوي مولاهم أبي عبد الرحمن المدني
مولى ابن عمر (عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما) أنه (قال: كنا إذا بايعنا) بسكون العين
(رسول الله وَي على السمع) للأوامر والنواهي (والطاعة) للحاكم يقول لنا أي للمبايع منا (فيما
استطعت) وهذا من شفقته ورحمته بنا جزاه الله عنا أفضل ما جازى نبيًّا عن أمته وللكشميهني فيما
استطعتم بالجمع.
٧٢٠٣ - حدثنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيانَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ دينارٍ قَالَ: شَهِدْتُ
ابْنَ عُمَرَ حَيْثُ أَجْتَمَعَ النّاسُ عَلى عَبْدِ الْمَلِكِ قالَ: كَتَبَ إِنّ أُقِرُّ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لِعَبْدِ الله
عَبْدِ الْمَلِكِ أميرِ الْمُؤْمِنينَ عَلَى سُنَّةِ الله وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، مَا اسْتَطَعْتُ وَإِنَّ بَنِيَّ قَدْ أَقَرُوا بِمِثْلِ ذلِكَ.
[الحديث ٧٢٠٣ - طرفاه في: ٧٢٠٥، ٧٢٧٢].
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن سفيان)
الثوري قال: (حدّثنا عبد الله بن دينار) مولى ابن عمر (قال: شهدت ابن عمر) رضي الله عنهما
(حيث اجتمع الناس على عبد الملك) بن مروان بن الحكم الأموي يبايعونه بالخلافة وكانت الكلمة
قبل ذلك متفرقة إذ كان في الأرض قبل اثنان يدعى لكل منهما بالخلافة وهما عبد الملك بن مروان
وعبد الله بن الزبير، وكان أي ابن الزبير امتنع من مبايعة يزيد بن معاوية، فلما مات ادّعى ابن
الزبير الخلافة فبايعه الناس بها بالحجاز، وبايع أهل الآفاق معاوية بن يزيد بن معاوية فلم يعش إلا
نحو أربعين يومًا ومات فبايع الناس ابن الزبير إلاّ بني أمية ومن يهوى هواهم فبايعوا مروان بن
الحكم ثم مات بعد ستة أشهر وعهد إلى ابنه عبد الملك بن مروان فقام مقامه وجهز الحجاج لقتال
ابن الزبير فحاصره إلى أن قتل رضي الله عنه فلما انتظم الملك لعبد الملك وبايعه ابن عمر (قال)
حين (كتب) له المبايعة (إني أقر) بضم الهمزة وكسر القاف (بالسمع والطاعة لعبد الله عبد الملك
أمير المؤمنين على سُنّة الله وسُنّة رسوله) وَلِّ (ما استطعت) أي قدر استطاعتي (وإن بنيّ) بفتح
الموحدة وكسر النون وتشديد التحتية عبد الله وأبو بكر وأبو عبيدة وبلال وعمر أمهم صفية بنت
أبي عبيد بن مسعود الثقفي، وعبد الرحمن أمه أم علقمة بنت نافس بن وهب، وسالم وعبيد الله

١٦٦
كتاب الأحكام/ باب ٤٣
وحمزة أمهم أم وليد وزيد أمه أم ولد (قد أقروا بمثل ذلك) الذي أقررت به من السمع والطاعة.
زاد الإسماعيلي والسلام. والحديث من أفراده.
٧٢٠٤ - حقثنا يَعْقُوبُ بْنُ إبراهيمَ، حَدَّثَنا هُشَيْمٌ، أخْبَرَنَا سَيّارٌ، عَنِ الشّعْبِيِّ، عَنْ
جَرِيرِ بْنِ عَبْد الله قالَ: بايَعْتُ النِّيِّ ◌َ﴿ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فَلَقْتَني فيما أُسْتَطَعْتُ وَالنَّصْحِ لِكُل
مُسْلِمٍ.
وبه قال: (حدّثنا يعقوب بن إبراهيم) بن كثير بن أفلح العبدي مولاهم أبو يوسف الدورقي
قال: (حدّثنا هشيم) بضم الهاء وفتح الشين المعجمة ابن بشير بفتح الموحدة وكسر المعجمة بوزن
عظيم أبو معاوية بن خازم بمعجمتين الواسطي قال: (أخبرنا سيار) بفتح المهملة والتحتية المشددة
ابن وردان أبو الحكم العنزي (عن الشعبي) عامر بن شراحيل (عن جرير بن عبد الله) بفتح الجيم
البجلي رضي الله عنه أنه (قال: بابعت النبي ◌َّر على السمع) لولي الأمر في أمره ونهيه (والطاعة)
له (فلقنني) أي زاد على سبيل التلقين أن أقول (فيما استطعت) شفقة منه ورأفة (و) على (النصح
لكل مسلم). وذمي بأمره بالإسلام وتعلقاته.
٧٢٠٥ - حدثنا عَمْرُو بْنُ عَليٍّ، حَدَّثَنَا يَحْيِىُ، عَنْ سُفْيَانَ قالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الله بْنُ دينارٍ
قالَ: لَمّا بايَعَ النَّاسُ عَبْدَ الْمَلِكِ كَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ الله بْنُ عُمَرَ إلى عَبْدِ الله عَبْدِ الْمَلِكِ أميرٍ
الْمُؤْمِنِينَ إِنّي أُقِرْ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لِعَبْدِ اللهِ عَبْدِ الْمَلِكِ أميرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى سُنَّةِ الله وَسُنَّةِ رَسُولِهِ،
فِيمَا اسْتَطَعْتُ وَإِنَّ بَنِيَّ قَدْ أَقَرُّوا بِذلِكَ.
وبه قال: (حدّثنا عمرو بن علي) أبو حفص الفلاس الصيرفي أحد الأعلام قال: (حدّثنا
يحيى) بن سعيد القطان (عن سفيان) الثوري أنه (قال: حدثني) بالإفراد (عبد الله بن دينار)
العدوي مولاهم (قال: لما بايع الناس عبد الملك) بن مروان (كتب إليه عبد الله بن عمر) رضي
الله عنهما من ابن عمر (إلى عبد الله عبد الملك أمير المؤمنين إني أقر بالسمع والطاعة لعبد الله
عبد الملك أمير المؤمنين على سُنّة الله وسُنّة رسوله فيما استطعت وأن بنيّ قد أقروا) لك (وبذلك).
وهذا إخبار عن إقرارهم لا إقرار عنهم، وعند الإسماعيلي من وجه آخر عن سفيان بلفظ: رأيت
ابن عمر يكتب وكان إذا كتب يكتب بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني أقر بالسمع والطاعة
لعبد الله عبد الملك، وقال في آخره أيضًا والسلام. والحديث من أفراده.
٧٢٠٦ - حدّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا حَاتِمْ عَنْ يَزِيدَ قالَ: قُلْتُ لِسَلَمَةَ عَلى أَيّ شَيْءٍ
بايَعْتُمُ النَّبِيَّ وَهِ يَوْمَ الْحُدَيِْيَةِ؟ قالَ: عَلَى الْمَوتِ.
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) بن قعنب القعنبي قال: (حدّثنا حاتم) هو ابن
إسماعيل الكوفي سكن في المدينة (عن يزيد) من الزيادة وهو ابن أبي عبيد كما في رواية أبي ذر

١٦٧
كتاب الأحكام/ باب ٤٣
مولى سلمة بن الأكوع أنه (قال: قلت لسلمة) بن الأكوع رضي الله عنه (على أيّ شيء بايعتم
النبي 8 85* يوم الحديبية)؟ بالتخفيف تحت الشجرة (قال) بايعناه (على الموت) أي نقاتل بين يديه
ونصبر ولا نفر وإن قتلنا.
وسبق الحديث بأتم من هذا في باب البيعة على الحرب أن لا يفروا من كتاب الجهاد.
٧٢٠٧ - حدثنا عَبْدُ الله بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أسْماءً، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ مالِكِ عَنِ الزُّهْرِيِّ أنَّ
حُمَّيْدَ بْنَ عَبْدِ الرّحمنِ، أَخْبَرَهُ أنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ أخْبَرَهُ أنَّ الرَّهْطَ الَّذِينَ وَلاَهُمْ عُمَرُ أَجْتَمَعُوا
فَتَشَاوَرُوا قالَ لَهُمْ عَبْدُ الرَّحْمُنِ: لَسْتُ بِالَّذِي أُنَافِسُكُمْ عَلى هذا الأمرِ وَلكِنَّكُمْ إِنْ شِئْتُمْ أَخْتَرْتُ
لَكُمْ مِنْكُمْ فَجَعَلُوا ذلِكَ إلى عَبْدِ الرَّحْمُنِ، فَلَمَّا وَلَّوْا عَبْدَ الرَّحْمُنِ أَمْرَهُمْ فَمَالَ النّاسُ عَلى
عَبْدِ الرَّحْمْنِ حَتّى ما أرى أحَدًا مِنَ النّاسِ يَتْبَعُ أُولئِكَ الرَّهْطَ وَلا يَطَأُ عَقِبَهُ وَمَالَ النّاسُ عَلى
عَبْدِ الرَّحْمُنِ يُشاوِرُونَهُ تِلْكَ اللَّياِي، حَتَّى إذا كانَتِ اللَّيْلَةُ الَّتي أَصْيَحْنا مِنْها فَبَايَعْنا عُثْمانَ قَالَ
الْمِسْوَرُ: طَرَقَّني عَبْد الرَّحْمُنِ بَعْدَ مَجْعٍ مِنَ اللَّيْلِ، فَضَرَبَ الْبَابَ حَتَّى أَسْتَيْقَظْتُ فَقالَ: أراكَ
نَائِمًا فَوَاللَّهِ ما أَكْتَحَلْتُ هذِهِ اللَّيْلَةَ بَكَبيرِ ثَوْمٍ، أَنْطَلِقْ فَادْعُ الزُّبَيْرَ وَسَعْدًا فَدَعَوْتُهُما لَهُ: فَشاوَرَهُما
ثُمَّ دَعاني فَقالَ: ادْعُ لِي عَلِيًّا فَدَعَوْتُهُ فَناجاهُ حَتَّى أَبْهارِ اللَّيْلُ ثُمَّ قَامَ عَلِيٍّ مِنْ عِنْدِهِ، وَهْوَ عَلى
طَمَعِ وَقَدْ كَانَ عَبْدُ الرَّحْمُنِ يَخْشَى مِنْ عَلِيِّ شَيْئًا، ثُمَّ قالَ: ادْعُ لي عُثْمَانَ فَدَعَوْتُهُ فَناجاهُ، حَتّى
فَرَّقَ بَيْنَهُمَا الْمُؤَذِّنُ بِالصُّبْحِ فَلَمَّا صَلّى لِلنّاسِ الصُّبْحَ، وَأَجْتَمَعَ أُولئِكَ الرَّهْطُ عِنْدَ الْمِثْبَرِ، فَأَرْسَلَ
إلى مَنْ كانَ حاضِرًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ وَأرْسَلَ إلى أمَراءِ الأجْنادِ وَكانوا وافَوْا تِلْكَ الْحَجَّةَ
مَعَ عُمَرَ، فَلَمَّا أَجْتَمَعُوا تَشَهَّدَ عَبْدُ الرَّحْمُنِ ثُمَّ قالَ: أمّا بَعْدُ يا عَلِيُّ إنّي قَدْ نَظَرْتُ فِي أَمْرِ النّاسِ
فَلَمْ أَرَهُمْ يَعْدِلُونَ بِعُثْمانَ، فَلا تَجْعَلَنَّ عَلى نَفْسِكَ سَبيلاً فَقالَ: أَبابِعُكَ عَلى سُنَّةِ الله وَرَسُولِهِ
وَالْخَليفَتَيْنِ مِنْ بَعْدِهِ، فَبَايَعَهُ عَبْد الرَّحْمُنِ وَبَايَعَهُ النّاسُ الْمُهاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ وَأُمَراءُ الأجْنادِ
وَالْمُسْلِمُونَ.
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن محمد بن أسماء) الضبعي قال: (حدّثنا جويرية) بن أسماء عم
السابق (عن مالك) الإمام (عن الزهري) محمد بن مسلم (أن حميد بن عبد الرحمن) بن عوف
(أخبره أن المسور بن مخرمة) ابن أخت عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه (أخبره أن الرهط) وهو
ما دون العشرة وقيل إلى ثلاثة (الذين ولاهم عمر) بن الخطاب رضي الله عنه أي عيّنهم للتشاور
فيمن يعقد له الخلافة فيهم وهم كما سبق في باب قصة البيعة من المناقب علي وعثمان والزبير
وطلحة وسعد وعبد الرحمن (اجتمعوا فتشاوروا) فيمن يولونه الخلافة (قال) ولأبي ذر فقال (لهم
عبد الرحمن) بن عوف: (لست بالذي أنافسكم) بضم الهمزة وفتح النون وبعد الألف فاء مكسورة
فسين مهملة أنازعكم (على هذا الأمر) أي الخلافة إذ ليس لي فيها رغبة ولأبي ذر عن الحموي

١٦٨
كتاب الأحكام/ باب ٤٣
والمستملي عن والأولى أوجه، (ولكنكم إن شئتم اخترت لكم منكم) أي ممن سماهم عمر دونه
(فجعلوا ذلك إلى عبد الرحمن فلما ولوا عبد الرحمن أمرهم) في الاختيار منهم (فمال الناس على
عبد الرحمن حتى ما أرى أحدًا من الناس يتبع) بسكون الفوقية وفتح الموحدة (أولئك الرهط ولا
يطأ عقبه) بفتح العين وكسر القاف أي ولا يمشون خلفه وهو كناية عن الإعراض (ومال الناس
على عبد الرحمن) كرّر هذه لبيان سبب الميل وهو قوله (يشاورونه) في أمر الخلافة (تلك الليالي) زاد
الزبيدي في روايته عن الدارقطني في غرائب مالك عن الزهري لا يخلو به رجل ذو رأي فيعدل
بعثمان أحدًا وكرر قوله (حتى إذا كانت الليلة) وللكشميهني تلك الليلة (التي أصبحنا منها فبايعنا)
بسكون العين (عثمان) بن عفان بالخلافة (قال المسور) بن مخرمة (طرقني عبد الرحمن) بن عوف
(بعد هجع من الليل) بفتح الهاء وسكون الجيم بعدها عين مهملة. قال في المصابيح: أي بعد
طائفة منه هذا الذي يفهم من كلام القاضي واقتصر عليه الزركشي، وقال الحافظ مغلطاي: يريد
بالهجوع النوم بالليل خاصة ذكره أبو عبيد. قال العلامة البدر الدماميني وهذا يستدعي أن يكون
قوله من الليل صفة كاشفة بخلاف الأوّل فإنها فيه مخصصة وهو أولى اهـ.
قال في الفتح: وقد أخرجه البخاري في التاريخ الصغير من طريق يونس عن الزهري بلفظ
بعد هجيع بوزن عظيم (فضرب الباب حتى استيقظت) من النوم (فقال) لي: (أراك نائمًا فوالله ما
اكتحلت) ما دخل النوم جفن عيني كما يدخله الكحل (هذه الليلة) ولأبي ذر عن الحموي
والكشميهني هذه الثلاث (بكبير نوم) في رواية سعيد بن عامر عند الدارقطني في غرائب مالك
والله ما حملت فيهما غمضًا منذ ثلاث ولأبي ذر بكثير نوم بالمثلثة بدل الموحدة (انطلق فادع
الزبير) بن العوّام (وسعدًا) أي ابن أبي وقاص (فدعوتهما له فشاورهما) بالشين المعجمة من المشاورة
ولأبي ذر عن المستملي فسارّهما بالسين المهملة وتشديد الراء (ثم دعاني فقال ادع لي عليًّا فدعوته) له
فجاء (فناجاه حتى ابهارّ الليل) بتسكين الموحدة وتشديد الراء انتصف، وفي رواية سعيد بن عامر
المذكورة فجعل يناجيه حتى ترتفع أصواتهما أحيانًا فلا يخفى عليّ شيء مما يقولان ويخفيان أحيانًا
(ثم قام علّ) هو ابن أبي طالب (من عنده وهو) أي علي (على طمع) أن يوليه (وقد كان
عبد الرحمن يخشى من علي شيئًا) من المخالفة الموجبة للفتنة. وقال ابن هبيرة: أظنه أشار إلى
الدعابة التي كانت في علي أو نحوها، ولا يجوز أن يحمل على أن عبد الرحمن خاف من علي على
نفسه (ثم قال: ادع لي عثمان فدعوته) فجاء (فناجاه حتى فرّق بينهما المؤذن بالصبح فلما صلى
للناس الصبح) ولأبي ذر: صلى الناس الصبح.
(واجتمع أولئك الرهط) الذين عينهم عمر للمشورة (عند المنبر) في المسجد النبوي (فأرسل)
عبد الرحمن (إلى من كان حاضرًا من المهاجرين والأنصار وأرسل إلى أمراء الأجناد) معاوية أمير
الشام وعمير بن سعيد أمير حمص، والمغيرة بن شعبة أمير الكوفة، ولأبي موسى الأشعري أمير
البصرة، وعمرو بن العاص أمير مصر ليجمع أهل الحل والعقد (وكانوا وافوا تلك الحجة) قدموا
مكة فحجوا (مع عمر) ورافقوه إلى المدينة (فلما اجتمعوا تشهد عبد الرحمن) وفي رواية

١٦٩
كتاب الأحكام/ باب ٤٤
عبد الرحمن بن طهمان جلس عبد الرحمن على المنبر (ثم قال: أما بعد يا علي إني قد نظرت في أمر
الناس فلم أرهم يعدلون بعثمان) أي لا يجعلون له مساويًا بل يرجحونه على غيره (فلا تجعلن على
نفسك) من اختياري لعثمان (سبيلاً) ملامة إذا لم يوافق الجماعة (فقال) عبد الرحمن مخاطبًا لعثمان:
(أبايعك على سُنّة الله ورسوله) ولأبي ذر عن الكشميهني وسُنّة رسوله (والخليفتين) أبي بكر وعمر
(من بعده) فقال عثمان نعم (فبايعه عبد الرحمن وبايعه الناس المهاجرون) ولأبي ذر والمهاجرون بواو
العطف وهو من عطف الخاص على العام (والأنصار وأمراء الأجناد) المذكورون (والمسلمون). وفي
الحديث إن الجماعة الموثوق بديانتهم إذا عقدوا عقد الخلافة لشخص بعد المشاورة والاجتهاد لم يكن
لغيرهم أن يحل ذلك العقد إذ لو كان العقد لا يصح إلا باجتماع الجميع لكان لا معنى لتخصيص
هؤلاء الستة، فلما لم يعترض منهم معترض بل رضوا دل ذلك على صحته، وفيه أن على من أسند
إليه ذلك أن يبذل وسعه في الاختيار ويهجر أهله وليله اهتمامًا بما هو فيه حتى يكمله.
٤٤ - باب مَنْ بایَعَ مَرَّتَیْنِ
(باب من بايع مرتين) في حالة واحدة للتأكيد.
٧٢٠٨ - حدثنا أبُو عَاصِم، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةً قَالَ: بايَعْنَا النَّبِيِّ وَِّ تَحْتَ
الشّجَرَةِ فَقالَ لي: ((يا سَلَمَةُ أَلَا تُبايعُ))؟ قُلْتُ: يا رَسُولَ الله قَدْ بايَعْتُ فِي الأوَّلِ قالَ: ((وَفِي
الثَّانِي)).
وبه قال: (حدّثنا أبو عاصم) الضحاك بن مخلد النبيل (عن يزيد بن أبي عبيد) بضم العين
مولى سلمة (عن سلمة) بن الأكوع رضي الله عنه أنه (قال: بايعنا) بسكون العين (النبي ◌َّ) بيعة
الرضوان (تحت الشجرة) التي بالحديبية (فقال) عليه الصلاة والسلام (لي):
(يا سلمة ألا) بالتخفيف (تبايع؟ قلت: يا رسول الله قد بايعت في) الزمن (الأول) بفتح
الهمزة وتشديد الواو (قال) عليه الصلاة والسلام (وفي الثاني) أي وفي الزمن الثاني تبايع أيضًا
ولأبي ذر عن الكشميهني في الأولى أي في الساعة أو الطائفة قال: وفي الثانية. وأراد كما قال
الداودي أن يؤكد بيعة سلمة لعلمه بشجاعته وعنائه في الإسلام وشهرته بالثبات فلذلك أمره
بتكرير المبايعة ليكون له في ذلك فضيلة.
وتقدم في باب البيعة في الحرب من كتاب الجهاد من رواية المكي بن إبراهيم عن يزيد بن
أبي عبيد عن سلمة الحديث بأتم من هذا السياق، وفيه: بايعت النبي وَّ ثم عدلت إلى ظل
شجرة فلما خف الناس قال: يا ابن الأكوع ألا تبايع؟ وقال في آخره فقلت له: يا أبا مسلم على
أي شيء كنتم تبايعون يومئذٍ؟ قال: على الموت.
وهذا الحديث هو الحادي والعشرون من الثلاثيات.

١٧٠
كتاب الأحكام/ باب ٤٥ و٤٦
٤٥ - باب بَيْعَةِ الأغراب
(باب بيعة الأعراب) على الإسلام والجهاد.
٧٢٠٩ - حدثنا عَبْدُ الله بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مالِكِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَّدِرِ، عَنْ جابِرِ بْنِ
عَبْدِ الله رَضِيَ الله عَنْهُما أنَّ أعْرابِيًّا بايَعَ رَسُولَ اللهِوَه عَلَى الإِسْلامِ فَأصابَهُ وَعْكٌ فَقالَ: أَقِلْنِي
بَيْعَتِي فَأَبِى ثُمَّ جاءَهُ فَقالَ: أَقِلْنِي بَيْعَتِي فَأَبِى، فَخَرَجَ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: «الْمَدِينَةُ كَالْكِيرِ تَنْفِي
خَبْثَها وَيَنْصَعُ طِيبُها)).
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي (عن مالك) الإمام (عن محمد بن المنكدر) بن
عبد الله المدني الحافظ (عن جابر بن عبد الله) السلمي بفتحتين الأنصاري (رضي الله عنهما أن
أعرابيًّا) لم يسم وعند الزمخشري في ربيع الأبرار أنه قيس بن أبي حازم. قال الحافظ ابن حجر في
المقدمة: وفيه نظر. قال في الشرح: لأنه تابعي كبير مشهور صرحوا بأنه هاجر فوجد النبي ◌َّه
قد مات فإن كان محفوظًا فلعله آخر وافق اسمه واسم أبيه وفي الذيل لأبي موسى في الصحابة
قيس بن أبي حازم المنقري ويحتمل أن يكون هو هذا (بايع رسول الله وسلم على الإسلام فأصابه
وعك) بفتح الواو وسكون العين حمى أو ألمها أو رعدتها (فقال) يا رسول الله (أقلني بيعني فأبى)
فامتنع النبي * أن يقيله لأنه لا يعين على معصية وظاهره طلب الإقالة من نفس الإسلام،
ويحتمل أن يكون من شيء من عوارضه كالهجرة وكانت إذ ذاك واجبة فمن خرج من المدينة
كراهية فيها أو رغبة عنها كما فعل هذا الأعرابي فهو مذموم (ثم جاءه) وَلفي الأعرابي المرة الثانية
(فقال: أقلني بيعتي فأبى) وفي رواية الثوري عن ابن المنكدر أنه أعاد ذلك ثلاثًا (فخرج) الأعرابي
من المدينة راجعًا إلى البدو (فقال رسول الله (صل*):
(المدينة كالكير) بكسر الكاف بعدها تحتية ساكنة فراء ما ينفخ الحداد فيه (تنفي) بفتح الفوقية
وسكون النون وكسر الفاء (خبثها) بفتح المعجمة والموحدة والمثلثة رديئها الذي لا خير فيه (وينصع)
بفتح التحتية وسكون النون وفتح الصاد بعدها عين مهملتين ويظهر (طيبها) بكسر الطاء المهملة
وسكون التحتية مرفوع فاعل ينصع، ولأبي ذر عن الكشميهني: وتنصع بالفوقية بدل التحتية طيبها
بكسر الطاء وتسكين التحتية منصوب على المفعولية.
والحديث يأتي في الاعتصام إن شاء الله تعالى بعون الله، وأخرجه مسلم في المناسك
والترمذي في المناقب والنسائي في البيعة والسِّيّر.
٤٦ - باب بَيْعَةِ الصَّغِيرِ
(باب) حكم (بيعة الصغير).
٧٢١٠ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الله، حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ هُوَ ابْنُ أبِي

١٧١
کتاب الأحكام/ باب ٤٧
أيُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عُقَيْلِ زُهْرَةُ بْنُ مَعْبَدٍ، عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ الله بْنِ هِشام، وَكانَ قَدْ أَذْرَكَ
النَّبِيِّ وَّهِ وَذَهَبَتْ بِهِ أُمُّهُ زَيْتَبُ ابْنَةُ حُمَيْدٍ إلى رَسُولِ اللهِوَّهِ فَقالَتْ: يَا رَسُولَ الله بايِعْهُ فَقالَ
النَّبِيُّ ◌ََّ: (هُوَ صَغِيرٌ)) فَمَسَحَ رَأْسَهُ وَدَعا لَهُ وَكانَ يُضَحِّي بِالشّاةِ الْوَاحِدَةِ عَنْ جَمِيعِ أهْلِهِ.
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) بن المديني قال: (حدّثنا عبد الله بن يزيد) أبو
عبد الرحمن مولى آل عمر بن الخطاب قال: (حدّثنا سعيد) بكسر العين (هو ابن أبي أيوب)
مقلاص الخزاعي البصري (قال: حدثني) بالإفراد (أبو عقيل) بفتح العين وكسر القاف (زهرة بن
معبد) بفتح الميم والموحدة بينهما عين مهملة (عن جده عبد الله بن هشام) الصحابي (وكان قد
أدرك النبي ( 18 وذهبت به أمه زينب ابنة) ولأبي ذر بنت (حميد) بضم الحاء المهملة وفتح الميم ابن
زهير بن الحارث بن أسد بن عبد العزى بن قصي (إلى رسول الله وَلافر فقالت: يا رسول الله بايعه)
بكسر التحتية وسكون العين (فقال النبي ◌َّ):
(هو صغير) أي لا تلزمه البيعة (فمسح) وَلتر (رأسه) أي رأس زهرة (ودعا له) فعاش ببركة
دعائه وَ لخير زمانًا كثيرًا بعد الزمن النبوي (وكان) عبد الله بن هشام (يضحي بالشاة الواحدة عن
جميع أهله) قال في الفتح: وهذا الأثر الموقوف صحيح بالسند المذكور إلى عبد الله، وإنما ذكره
البخاري مع أن من عادته أن يحذف الموقوفات غالبًا لأن المتن يسير.
والحديث طرف من حديث سبق في كتاب الشركة.
٤٧ - باب مَنْ بَايَعَ ثُمَّ اسْتقالَ الْبَيْعَةَ
(باب من بايع ثم استقال البيعة) أي طلب الإقالة منها.
٧٢١١ - حدثنا عَبْدُ الله بْنُ يُوسُفَ، أخْبَرَنَا مالِكٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُتْكّدِرِ، عَنْ جابِرِ بْنِ
عَبْدِ الله أنَّ أغرابِيًّا بايَعَ رَسُولَ اللهِ وَ﴿ عَلَى الإسْلامِ، فَأصابَ الأغرابِيَّ وَغْكٌ بِالْمَدِينَةِ، فَأَتَى
الأغرابِيُّ إلى رَسُولِ اللهِ وَ هِ فَقالَ: يا رَسُولَ الله أَقِلْنِي بَيْعَتِي، فَأَبِى رَسُولُ اللهِ وَهِ ثُمَّ جَاءَ فَقالَ:
أقِلْنِي بَيْعَتِي فَأَبِى، ثُمَّ جَاءَهُ فَقَالَ: أَقِلْنِي بَيْعَتِي فَأَبِى، فَخَرَجَ الأعْرابِيُّ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: ((إنَّما
الْمَدِينَةُ كَالْكِيرِ تَثْفِي خَبَثَها وَبَنْصَعُ طِيبُها)).
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن محمد بن
المنكدر) الحافظ (عن جابر بن عبد الله) الأنصاري رضي الله عنهما (أن أعرابيًّا بايع رسول الله القوي
على الإسلام فأصاب الأعرابي وعك) بسكون العين حمى (بالمدينة فأتى الأعرابي إلى رسول الله الخير
فقال: يا رسول الله أقلني بيعتي) لم يرد الارتداد عن الإسلام إذ لو أراده لقتله وحمله بعضهم على
الإقامة بالمدينة (فأبى رسول الله وَ﴿) أن يقيله لأنه لا يحلّ للمهاجر أن يرجع إلى وطنه (ثم جاء)
ثانيًا (فقال) يا رسول الله (أقلني بيعتي فأبى) عليه الصلاة والسلام أن يقيله (ثم جاءه) بهاء الضمير

١٧٢
كتاب الأحكام/ باب ٤٨
في هذه الثالثة (فقال: أقلني بيعتي فأبى) عليه الصلاة والسلام أن يقيله (فخرج الأعرابي) من
المدينة (فقال رسول الله وَلفح):
(إنما المدينة) بزيادة إنما الساقطة في الرواية السابقة قريبًا في باب بيعة الأعراب (كالكير
تنفي خبثها) رديئها (وينصع) بالتحتية (طيبها) بكسر الطاء وسكون التحتية، ولأبي ذر وتنصح
بالفوقية فتاليها نصب كما سبق. والمعنى إذا نفت الخبث تميز الطيب واستقر فيها وروي تنصع
بضم الفوقية من أنصع إذا أظهر ما في نفسه وتاليه مفعوله قاله العيني.
وقال في الفتح: وطيبها للجميع بالتشديد وضبطه القزاز بكسر أوله والتخفيف، ثم
استشكله فقال: لم أر للنصوع في الطيب ذكرًا، وإنما الكلام يتضوّع بالضاد المعجمة وزيادة الواو
الثقيلة قال: ويروى ينضخ بمعجمتين، وأغرب الزمخشري في الفائق فضبطه بموحدة وضاد معجمة
وقال: هو من أبضعه بضاعة إذا دفعها إليه بمعنى أن المدينة تعطي طيبها لمن سكنها، وتعقبه
الصغاني بأنه خالف جميع الرواة في ذلك. وقال ابن الأثير: المشهور بالنون والصاد المهملة.
والحديث سبق قريبًا.
٤٨ - باب مَنْ بَايَعَ رَجُلاً لا يُبَايِعُهُ إلاَّ لِلُّنْيا
(باب من بايع رجلاً) أي إمامًا (لا يبايعه إلا للدنيا) ولا يقصد طاعة الله في مبايعته.
٧٢١٢ - حدثنا عَبْدَانُ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الأعْمَشِ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً
قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَهُ: (ثَلاثَةٌ لا يُكَلِّمُهُمُ الله يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمْ رَجُلٌ
عَلى فَضْلٍ ماءٍ بِالطَّرِيقِ يَمْنَعُ مِنْهُ ابْنَ السَّبِيلِ، وَرَجُلٌ بَايَعَ إمامًا لا يُبَايِعُهُ إلاَّ لِدُنْيَاهُ إنْ أَعْطاهُ ما
يُرِيدُ وَفى لَهُ وَإِلاَّ لَمْ يَفِ لَهُ، وَرَجُلٌ يُبَايِعُ رَجُلاً بِسِلْعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ فَحَلَفَ بِاللهِ لَقَدْ أُعْطِيَ بِها كَذا
وَكَذَا فَصَدَّقَهُ فَأَخَذَهَا وَلَمْ يُعْطَ بِها)).
وبه قال: (حدّثنا عبدان) هو لقب عبد الله بن عثمان بن جبلة المروزي (عن أبي حمزة) بالحاء
- المهملة والزاي محمد بن ميمون السكري (عن الأعمش) سليمان بن مهران (عن أبي صالح) ذكوان
السمان (عن أبي هريرة) رضي الله عنه أنه (قال: قال رسول الله والفر):
(ثلاثة) من الناس (لا يكلمهم الله يوم القيامة) كلامًا يسرّهم ولكن بنحو قوله ﴿اخسؤوا
فيها﴾ [المؤمنون: ١٠٨] أو لا يكلمهم بشيء أصلاً. والظاهر أنه كناية عن غضبه عليهم (ولا
يزكيهم) ولا يثني عليهم (ولهم عذاب أليم) على ما فعلوه. أحدهم (رجل) كان (على فضل ماء)
زائد عن حاجته (بالطريق) وفي رواية أبي معاوية بالفلاة وهي المراد بالطريق هنا (يمنع منه) أي من
الزائد (ابن السبيل) أي المسافر، وفي باب إثم من منع ابن السبيل من الماء من طريق
عبد الواحد بن زياد رجل كان له فضل ماء بالطريق فمنعه من ابن السبيل، والمقصود واحد وإن

٠١٧٣
كتاب الأحكام/ باب ٤٩
تغاير المفهومان لتلازمهما لأنه إذا منعه من الماء فقد منع الماء منه قاله الحافظ ابن حجر رحمه الله.
وقال ابن بطال: فيه دلالة على أن صاحب البئر أولى من ابن السبيل عند الحاجة فإذا أخذ حاجته
لم يجز له منع ابن السبيل. (و) الثاني (رجل بايع إمامًا) أي عاقده (لا يبايعه) لا يعاقده (إلا لدنياه)
ولأبي ذر لدنيا بغير ضمير ولا تنوين وللأصيلي للدنيا بلامين (إن أعطاه) منها (ما يريد وفى)
بتخفيف الفاء (له) ما عاقده عليه (وإلا) أي وإن لم يعطه ما يريد (لم يفِ له) فوفاؤه بالبيعة لنفسه
لا لله، وإنما استحق هذا الوعيد الشديد لكونه غش إمام المسلمين ومن لازم غش الإمام غش
الرعية لما فيه من السبب إلى إثارة الفتنة، ولا سيما إن كان ممن يتبع على ذلك. وقال الخطابي:
الأصل في مبايعة الإمام أن يبايع على أن يعمل بالحق ويقيم الحدود ويأمر بالمعروف وينهى عن
المنكر فمن جعل مبايعته لما يعطاه دون ملاحظة المقصود في الأصل فقد خسر خسرانًا مبينًا ودخل
في الوعيد المذكور وحاق به إن لم يتجاوز الله عنه. (و) الثالث (رجل يبايع) بكسر التحتية بعد
الألف ولأبي ذر عن الكشميهني بايع (رجلاً) بلفظ الماضي (بسلعة بعد العصر فحلف بالله لقد
أعطي) بضم الهمزة وكسر الطاء (بها) أي بسبب السلعة أو في مقابلتها. وفي اليونينية الرفع
والكسر ثم الفتح فيهما وفي هامشها ما نصه في نسختي الحافظين أبي ذر وأبي محمد الأصيلي من
أول الأحاديث التي تكررت في حلف المشتري لقد أعطي بضم الهمزة وكسر الطاء وضم مضارعه
كذلك وجدته مضبوطًا حيث تكرر (كذا وكذا) ثمنًا عنها (فصدقه) المشتري (فأخذها) منه بما
حلف عليه كاذبًا اعتمادًا على قوله (و) الحال أنه (لم يعط) الحالف (بها) ذلك القدر المحلوف عليه،
وخص بعد العصر بالذكر لشرفه بسبب اجتماع ملائكة الليل والنهار فيه وهو وقت ختام الأعمال
والأمور بخواتيمها. وعند مسلم: وشيخ زاٍ وملك كذاب وعائل مستكبر، وعنده أيضًا من
حديث أبي ذر المنان الذي لا يعطي شيئًا إلا منه والمسبل إزاره، وفي الشرب من البخاري ويأتي إن
شاء الله تعالى بعون الله في التوحيد ورجل حلف على يمين كاذبة بعد العصر ليقتطع بها مال رجل
مسلم فتحصل تسع خصال، ويحتمل أن تبلغ عشرًا لما في حديث أبي ذر المذكور والمنفق سلعته
بالحلف الفاجر لأنه مغاير للذي حلف لقد أعطي بها كذا وكذا لأن هذا خاص بمن يكذب في
أخبار المشتري، والذي قبله أعم منه فيكون خصلة أخرى قاله في الفتح.
والحديث سبق في الشرب.
٤٩ - باب بَيْعَةِ النِّساءِ
رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ◌َّ.
(باب بيعة النساء. رواه) أي ذكر بيعة النساء (ابن عباس) رضي الله عنهما فيما سبق في
العيدين (عن النبي ◌َّه) ﴿يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك﴾ [الممتحنة: ١٢] الآية. ثم قال
حين فرغ منها أنتن على ذلك.

١٧٤
كتاب الأحكام/ باب ٤٩
٧٢١٣ - حدثنا أبُو الْيَمانِ، أخْبَرَنا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنِ
ابْنِ شِهَابٍ أخْبَرَنِي أَبُو إذرِيسَ الْخَوْلانِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ يَقُولُ: قالَ لَنَا رَسُولُ اللهَِ
وَنَحْنُ فِي مَجْلِسٍ: ((تُبابِعُونِي عَلى أنْ لا تُشْرِكُوا بِالله شَيْئًا وَلا تَسْرِقُوا وَلا تَزْنُوا، وَلا تَقْتُلُوا
أوْلادَكُمْ وَلا تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ، وَلا تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ فَمَنْ وَفى مِنْكُمْ
فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ، وَمَنْ أصابَ مِنْ ذلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ فِي الدُّنْيَا فَهْوَ كَفَّارَة لَهُ، وَمَنْ أصابَ مِنْ ذلِكَ
شَيْئًا فَسَتَرَهُ اللهِ فَأَمْرُهُ إلَى الله إنْ شاءَ عاقَبَهُ، وَإِنْ شاءَ عَفَا عَنْهُ)) فَبَايَعْناهُ عَلى ذلِكَ.
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة الحافظ
(عن الزهري) محمد بن مسلم. (وقال الليث) بن سعد الإمام فيما وصله الذهلي في الزهريات كما
في المقدمة (حدّثني) بالإفراد (يونس) بن يزيد الأيلي (عن ابن شهاب) الزهري (أخبرني) بالإفراد
(أبو إدريس) عائذ الله بن عبد الله (الخولاني) بفتح الخاء المعجمة وبعد اللام ألف نون الدمشقي
قاضيها (أنه سمع عبادة بن الصامت) رضي الله عنه (يقول: قال لنا رسول الله وَ﴾) وسقط لفظ
لنا لأبي ذر (ونحن في مجلس) ولأبي ذر في المجلس.
(تبايعوني) تعاقدوني (على) التوحيد (أن لا تشركوا بالله شيئًا) أي على ترك الإشراك وهو عام
لأنه نكرة في سياق النهي كالنفي (ولا تسرقوا) بحذف المفعول ليدل على العموم (ولا تزنوا ولا
تقتلوا أولادكم) نهي عما كانوا يفعلونه من وأدهم بناتهم خشية الفاقة وهو أشنع القتل لأنه قتل
وقطيعة رحم (ولا تأتوا ببهتان) بكذب يبهت سامعه أي يدهشه لفظاعته كالرمي بالزنا (تفترونه)
تختلقونه (بين أيديكم وأرجلكم) خصهما بالافتراء لأن معظم الأفعال يقع بهما إذ كانت هي
العوامل والحوامل للمباشرة والسعي وقد يعاقب الرجل بجناية قولية فيقال هذا بما كسبت يداك.
وقال في الكواكب: المراد الأيدي وذكر الأرجل تأكيدًا، وقيل المراد بما بين الأيدي والأرجل
القلب لأنه الذي يترجم اللسان عنه فلذلك نسب إليه الافتراء كأن المعنى لا ترموا أحدًا بكذب
تزوّرونه في أنفسكم ثم تبهتون صاحبكم بألسنتكم (ولا تعصوا في معروف) عرف من الشارع
حسنه نهيًا وأمرًا (فمن وفى) بالتخفيف ويشدد (منكم) بأن ثبت على العهد (فأجره على الله) فضلاً
(ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب) به (في الدنيا فهو كفارة له ومن أصاب من ذلك شيئًا) غير
الشرك (فستره الله) عليه في الدنيا (فأمره إلى الله إن شاء عاقبه) بعدله (وإن شاء عفا عنه) بفضله
(فبايعناه على ذلك).
قال ابن المنير فيما نقله عنه في فتح الباري: أدخل البخاري حديث عبادة بن الصامت في
ترجمة بيعة النساء لأنها وردت في القرآن في حق النساء فعرفت بهن ثم استعملت في الرجال اهـ.
ووقع في بعض طرقه عن عبادة قال: أخذ علينا رسول الله وال﴿ل كما أخذ على النساء أن لا
نشرك بالله شيئًا ولا نسرق ولا نزني الحديث. وحديث الباب سبق في الإيمان أوائل الكتاب.

١٧٥
كتاب الأحكام/ باب ٤٩
٧٢١٤ - حدثنا مَحْمُودٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ
عائِشَةَ قالَتْ: كَانَ النَّبِيَّ وَّوَ يُبَايِعُ النِّساءَ بِالْكَلامِ بِهذِهِ الْآيَةِ ﴿ولا يُشْرِكُنَ بِاللهِ شَيْئًا﴾
[الممتحنة: ١٢]. قالَتْ: وَمَا مَسَّتْ يَدُ رَسُولِ اللهِ وَهِ يَدَ آَمْرَأَةٍ إلاَّ امْرَأَةً يَمْلِكُها.
وبه قال: (حدّثنا محمود) هو ابن غيلان أبو أحمد العدوي مولاهم المروزي قال: (حدّثنا
عبد الرزاق) هو ابن همام الحافظ أبو بكر الصنعاني قال: (أخبرنا معمر) هو ابن راشد الأزدي
مولاهم عالم اليمن (عن الزهري) محمد بن مسلم (عن عروة) بن الزبير (عن عائشة) رضي الله
عنها أنها (قالت: كان النبي وَ ل﴿ يبايع النساء بالكلام) من غير مصافحة باليد كما جرت العادة
بمصافحة الرجال عند المبايعة (بهذه الآية) هي قوله تعالى: (﴿ولا يشركن بالله شيئًا﴾
[الممتحنة: ١٢]. قالت) عائشة (وما مست يد رسول الله وَلفي يد امرأة) زاد في رواية أخرى قطّ
(إلا امرأة يملكها) بنكاح أو ملك يمين، وروى النسائي والطبري من طريق محمد بن المنكدر أن
أميمة بنت رقيقة بقافين مصغرًا أخبرته أنها دخلت في نسوة تبايع فقلن يا رسول الله ابسط يدك
نصافحك. فقال: ((إني لا أصافح النساء ولكن سآخذ عليكن)) فأخذ علينا حتى بلغ ﴿ولا يعصينك
في معروف﴾ [الممتحنة: ١٢] فقال: ((فيما أطقتن واستطعتن)) فقلنا الله ورسوله أرحم بنا من
أنفسنا. قال في الفتح: وقد جاءت أخبار أخرى أنهن كن يأخذن بيده عند المبايعة من فوق ثوب
أخرجه يحيى بن سلام في تفسيره عن الشعبي.
وحديث الباب أخرجه الترمذي.
٧٢١٥ - حدثنا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوارِثِ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ حَفْصَةَ، عَنْ أُمْ عَطِيَّةً قَالَتْ:
بَايَعْنَا النَّبِيَّ ◌َ﴿ فَقَرَأْ عَلَيَّ ﴿أنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئًا﴾ [الممتحنة: ١٢] وَنَهانا عَنِ النِّياحَةِ،
فَقَبَضَتِ امْرَأَةٌ مِنَّا يَدَها فَقَالَتْ فُلانَةُ أسْعَدَتْنِي وَأَنَا أُرِيدُ أنْ أجْزِيَها فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا فَذَهَبَتْ ثُمَّ رَجَعَتْ
فَمَا وَفَتِ امْرَأَةٌ إلاَّ أُمْ سُلَيْمٍ وَأُمُ الْعَلَاءِ وَأَبْنَةُ أَبِي سَبْرَةَ امْرَأْهُ مُعاذٍ أوِ آبْنَةُ أَبِي سَبْرَةَ وَامْرَأَةُ مُعاذٍ.
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد بن مسربل الأسدي البصري الحافظ أبو الحسن
قال: (حدّثنا عبد الوارث) بن سعيد التميمي مولاهم البصري التنوري (عن أيوب) بن أبي تميمة
السختياني (عن حفصة) بنت سيرين أم الهذيل البصرية الفقيهة (عن أم عطية) نسيبة بنون مضمومة
وسين مهملة وبعد التحتية الساكنة موحدة مصغرًا بنت الحارث الأنصارية أنها (قالت بايعنا) بسكون
العين (النبي ◌َّهه فقرأ علي) بتشديد الياء ولأبي ذر عن الكشميهني علينا بلفظ الجمع قوله تعالى في
سورة الممتحنة (﴿أن لا يشركن بالله شيئًا﴾ [الممتحنة: ١٢] ونهانا عن النياحة) على الميت (فقبضت
امرأة) لم تسم أو هي أم عطية أبهمت نفسها (منّا) من المبايعات (يدها) عن المبايعة فيه إشعار بأنهن
كن يبايعن بأيديهن لكن لا يلزم من مد اليد المصافحة فيحتمل أن يكون بحائل من ثوب ونحوه
كما مرّ والمراد بقبض اليد التأخر عن القبول (فقالت) يا رسول الله (فلانة) لم تسم (أسعدتني) أي

١٧٦
كتاب الأحكام/ باب ٤٩
أقامت معي في نياحة على ميت لي تراسلني (وأنا أريد أن أجزيها) بفتح الهمزة وسكون الجيم بعدها
أن أكافئها على إسعادها (فلم يقل وَّلي لها شيئًا) بل سكت (فذهبت ثم رجعت) قيل: إنما سكت
عليه الصلاة والسلام لأنه عرف أنه ليس من جنس النياحة المحرمة، أو ما التفت إلى كلامها حيث
بيّن حكم النياحة لهن، أو كان جوازها من خصائصها. وعند النسائي في رواية أيوب فأذهب
فأسعدها ثم أجيئك فأبايعك. قال: اذهبي فأسعديها قالت فذهبت فساعدتها ثم جئت فبايعته. قال
النووي: وهذا محمول على الترخيص لأم عطية خاصة وللشارع أن يخص من العموم ما شاء اهـ.
وأورد عليه غير أم عطي كما سبق في تفسير سورة الممتحنة فلا خصوصية لأم عطية،
واستدل به بعض المالكية على أن النياحة ليست حرامًا وإنما المحرم ما كان معه شيء من أفعال
الجاهلية من نحو شق جيب وخمش وجه. وفي المسألة أقوال: منها أنه كان قبل التحريم، ومنها أن
قوله في الرواية الأخرى إلا آل فلان فليس فيه نص على أنها تساعدهم بالنياحة فيمكن أن
تساعدهم بنحو البكاء الذي لا نياحة معه، وأقرب الأجوبة أنها كانت مباحة ثم كرهت كراهة تنزيه
ثم كراهة تحريم.
قالت أم عطية: (فما وفت امرأة) بتخفيف الفاء بترك النوح ممن بايع معي (إلا أم سليم)
بنت ملحان والدة أنس (وأم العلاء) امرأة من الأنصار المبايعات قاله ابن عبد البر ونسبها غيره
فقال بنت الحارث بن ثابت بن خارجة بن ثعلبة (وابنة أبي سبرة) بفتح السين المهملة وسكون
الموحدة (امرأة معاذ) أي ابن جبل (أو ابنة أبي سبرة وامرأة معاذ) بواو العطف، وفي باب ما ينهى
من النوح والبكاء في كتاب الجنائز فما وفت منا امرأة غير خمس نسوة أم سليم وأم العلاء وابنة
أبي سبرة امرأة معاذ وامرأتين أو بنت أبي سبرة وامرأة معاذ وامرأة أخرى والشك من الراوي هل
ابنة أبي سبرة هي امرأة معاذ أو هي غيرها. قال في الفتح: والذي يظهر لي أن الرواية بواو
العطف أصح لأن امرأة معاذ هي أم عمرو بنت خلاد بن عمر السلمية ذكرها ابن سعد، فعلى هذا
فابنة أبي سبرة غيرها. وفي الدلائل لأبي موسى من طريق حفصة عن أم عطية وأم معاذ بنت أبي
سبرة، وفي رواية ابن عون عن ابن سيرين عن أم عطية فما وفت غير أم سليم وأم كلثوم وامرأة
معاذ بن أبي سبرة كذا فيه والصواب ما في الصحيح امرأة معاذ بنت أبي سبرة ولعل بنت أبي سبرة
يقال لها أم كلثوم وإن كانت الرواية التي فيها أم معاذ محفوظة فلعلها أم معاذ بن جبل وهي هند
بنت سهل الجهنية ذكرها ابن سعد أيضًا وعرف بمجموع هذا النسوة الخمس المذكورات في الجنائز
وهن أم سليم وأم العلاء وأم كلثوم وأم عمرو وهند إن كانت الرواية محفوظة وإلا فالخامسة أم
عطية كما في الطبراني من طريق عاصم عن حفصة عن أم عطية فما وفت غيري وغير أم سليم،
لكن أخرج إسحاق بن راهويه في مسنده من طريق هشام بن حسان عن حفصة عن أم عطية
قالت: كان فيما أخذ علينا أن لا ننوح الحديث. وفي آخره وكانت لا تعد نفسها لأنه لما كان يوم
الحرة لم تزل النساء بها حتى قامت معهن فكانت لا تعد نفسها لذلك ففيه ردّ للسابق ويجمع بأنها
تركت عدّ نفسها من يوم الحرة.

١٧٧
كتاب الأحكام/ باب ٥٠
٥٠ - باب مَنْ نَكَثَ بَيْعَةً
وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبابِعُونَ اللهَ يَدُ اللهَ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإنَّما
يَتْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهِ اللهِ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ١٠].
(باب من نكث بيعة) بالمثلثة أي نقضها ولأبي ذر عن الكشميهني بيعته بزيادة الضمير (وقوله
تعالى: ﴿إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله﴾) قال في الكشاف لما قال إنما يبايعون الله أكده
توكيدًا على طريقة التخييل فقال: (﴿يد الله فوق أيديهم﴾) يريد أن يد رسول الله وي طير التي تعلو
يدي المبايعين هي يد الله والله سبحانه وتعالى منزه عن الجوارح وعن صفات الأجسام وإنما المعنى
تقرير أن عقد الميثاق مع الرسول كعقده مع الله من غير تفاوت بينهما كقوله تعالى: ﴿من يطع
الرسول فقد أطاع الله﴾ [النساء: ١٨٠] اهـ.
وفي اختصاص الفوقية تتميم معنى الظهور وقال أبو البقاء إنما يبايعون خبر إن ويد الله
مبتدأ وما بعده الخبر والجملة خبر لإن أو حال من ضمير الفاعل في يبايعون أو مستأنف (﴿فمن
نكث﴾) نقض العهد ولم يف بالبيعة (﴿فإنما ينكث على نفسه﴾) فلا يعود ضرر نكثه إلا عليه
(﴿ومن أوفى بما عاهد الله عليه﴾) يقال وفيت بالعهد وأوفيت به أي وفى في مبايعته (﴿فسيؤتيه
أجرًا عظيمًا﴾) [الفتح: ١٠] أي الجنة وسقط لأبي ذر من قوله يد الله إلى آخرها.
٧٢١٦ - حدثنا أبُو نُعَيْم، حَدَّثَنَا سُفْيَاهُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنكَدِرِ قَالَ: سَمِعْتُ جابِرًا قالَ:
جاءَ أغرابِيٍّ إلَى النَّبِيِّ نَّهِ فَقالَ: بابِعْنِي عَلَى الإسْلامِ فَبَايَعَهُ عَلَى الإسْلامِ ثُمَّ جاءَ الْغَد مَحْمُومًا
فَقَالَ: أَقِلْنِي فَأَبِى، فَلَمَّا وَلَّى قَالَ: ((الْمَدِينَةُ كَالْكِيرِ تَنْفِي خَبَثَهَا وَيَنْصَعُ طِيبُها».
وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن محمد بن
المنكدر) أنه قال: (سمعت جابرًا) هو ابن عبد الله الأنصاري السلمي بفتح السين واللام له ولأبيه
صحبة رضي الله عنهما أنه (قال: جاء أعرابي) لم يسم وقيل قيس بن أبي حازم ورد بما سبق في
باب بيعة الأعراب قريبًا (إلى النبي ◌َّ﴿ فقال): يا رسول الله (بايعني على الإسلام فبايعه) عليه
الصلاة والسلام (على الإسلام ثم جاء الغد) ولأبي ذر عن الكشميهني من الغد (محمومًا فقال
أقلني) بيعتي على الإقامة بالمدينة ولم يرد الارتداد عن الإسلام إذ لو أراده لقتله كما مر قريبًا (فأبي)
فامتنع وَّر أن يقيله لأن الخروج من المدينة كراهة له حرام (فلما ولى) الأعرابي (قال) النبي ◌َّ:
(المدينة كالكير) الذي يتخذه الحداد مبنيًّا من الطين أو الكير الزق والكور ما بني من الطين
(تنفي خبثها) بفتح المعجمة والموحدة وهو ما تبرزه النار من الجواهر المعدنية فيخلصها بما يميزه
عنها من ذلك وأنث ضمير الخبث لأنه نزل المدينة منزلة الكير فأعاد الضمير إليها (وينصع) بفتح
التحتية (طيبها) بكسر الطاء والرفع، ولأبي ذر: وتنصع بالفوقية فطيبها منصوب. قال في شرح
إرشاد الساري/ ج ١٥/ م ١٢

١٧٨
كتاب الأحكام/ باب ٥١
المشكاة: ويروى بفتح الطاء وكسر الياء المشددة وهي الرواية الصحيحة وهي أقوم معنى لأنه ذكر
في مقابلة الخبث وأية مناسبة بين الكير والطيب، وقد شبه وَ لقر المدينة وما يصيب ساكنيها من
الجهد والبلاء بالكير وما يوقد عليه في النار فيميز به الخبيث من الطيب فيذهب الخبيث ويبقى
الطيب فيه أزكى ما كان وأخلص، وكذلك المدينة تنفي شرارها بالحمى والوصب والجوع وتطهر
خیارها وتزکیهم.
ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرة وعند الطبراني بسند جيد عن ابن عمر مرفوعًا مَن أعطى
بيعة ثم نكثها لقي الله وليست معه يمينه. وعند أحمد من حديث أبي هريرة رفعه الصلاة كفارة إلا
من ثلاث الشرك بالله ونكث الصفقة الحديث، وفيه تفسير نكث الصفقة أن تعطي رجلاً بيعتك ثم
تقاتله .
٥١ - باب الاستخلافِ
(باب الاستخلاف) أي تعيين الخليفة عند موته خليفة بعده أو يعين جماعة ليتخيروا منهم
واحدًا.
٧٢١٧ - هذّثنا يَخْيَى بْنُ يَحْيِى، أخْبَرَنا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلالٍ، عَنْ يَخيى بْنِ سَعِيدٍ قالَ:
سَمِعْتُ الْقاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ قال: قالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ الله عَنْها: وَارَأْسَاهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ:
((ذاكِ لَوْ كَانَ وَأَنَا حَيٍّ فَأَسْتَغْفِرُ لَكِ وَأَدْعُو لَكِ))، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: وَاتُكْلِياهُ وَالله إنِّي لأُئُكَ تُحِبُّ
مَوْتِي وَلَوْ كانَ ذلِكَ لَظَلْتَ آخِرَ يَوْمِكَ مُعَرِّسًا بِبَعْضٍ أزْوَاجِكَ فَقالَ النَّبِيُّ وَلِ: (بَلْ أَنَا وَارَأْساه
لَقَدْ هَمَمْتُ أوْ أرَدْتُ أنْ أُرْسِلَ إلى أبِي بَكْرٍ وَأَبْنِهِ فَأَعْهَدَ أنْ يَقُولَ الْقَائِلُونَ أوْ يَتَمَنَّى الْمُتَمَنُونَ»،
ثُمَّ قُلْتُ: يَأْبَى اللهِ وَيَدْفَعُ الْمُؤْمِنُونَ أَوْ يَدْفَعُ اللهَ وَيَأْبَى الْمُؤْمِنُونَ.
وبه قال: (حدّثنا يحيى) بن أبي بكر أبو زكريا الحنظلي قال: (أخبرنا سليمان بن بلال عن
يحيى بن سعيد) الأنصاري أنه قال: (سمعت القاسم بن محمد) أي ابن أبي بكر الصديق (قال:
قالت عائشة رضي الله عنها) في أول ما بدا برسول الله ﴿ وجعه الذي توفي فيه متفجعة من
وجع رأسها وارأساه (فقال رسول الله(مَ﴾) لها (ذاك) بكسر الكاف أي موتك كما يدل عليه
السياق (لو كان وأنا حي) الواو للحال (فأستغفر لك وأدعو لك) بكسر الكاف فيهما (فقالت
عائشة) مجيبة له عليه الصلاة والسلام (واثكلياه) بضم المثلثة وسكون الكاف وكسر اللام مصححًا
عليها في الفرع كأصله ولأبي ذر عن الكشميهني واثكلاه بإسقاط الياء بعد اللام (والله إني لأظنك
تحب موتي) فهمت ذلك من قوله لها لو كان وأنا حي (ولو كان ذلك لظللت) بكسرِ اللام بعد
المعجمة وسكون اللام بعدها أي لدنوت وقربت (آخر يومك) حال كونك (معرسًا) بكسر الراء
مشددة بانيًا (ببعض أزواجك فقال النبي والتر: بل أنا وارأساه) إضراب عن كلامها أي اشتغلي
بوجع رأسي إذ لا بأس بك فأنت تعيشين بعدي عرف ذلك بالوحي ثم قال عليه الصلاة

١٧٩
كتاب الأحكام/ باب ٥١
والسلام: (لقد هممت أو) قال: (أردت) بالشك من الراوي (أن أرسل إلى أبي بكر) الصديق (وابنه
فأعهد) بفتح الهمزة وبالنصب عطفًا على أرسل أي أوصي بالخلافة لأبي بكر كراهية (أن يقول
القائلون) الخلافة لنا أو لفلان (أو يتمنى المتمنون) أن تكون الخلافة لهم فأعينه قطعًا للنزاع
والأطماع وقد أراد الله أن لا يعهد ليؤجر المسلمون على الاجتهاد (ثم قلت: يأبى الله) إلا أن
تكون الخلافة لأبي بكر (ويدفع المؤمنون) خلافة غيره (أو يدفع الله) خلافة غيره (ويأبى المؤمنون)
إلاّ خلافته. فالشك من الراوي في التقديم والتأخير، وفي رواية لمسلم: أدعو إلى أبا بكر أكتب
كتابًا فإني أخاف أن يتمنى متمنُّ ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر، وفي رواية للبزار معاذ الله أن
يختلف الناس على أبي بكر ففيه إشارة إلى أن المراد الخلافة وهو الذي فهمه البخاري من حديث
الباب وترجم به.
والحديث سيق في الطب.
٧٢١٨ - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا سُفْيانُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُزْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ
عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ قَالَ: قِيلَ لِعُمَرَ ألا تَسْتَخْلِفُ؟ قالَ: إنْ أَسْتَخْلِفْ فَقَدٍ أَسْتَخْلَفَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي
أَبُو بَكْرٍ، وَإِنْ أَتْرُكُ فَقَدْ تَرَكَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي رَسُولُ اللهِ وَِّ، فَأَثْنَوْا عَلَيْهِ فَقالَ: راغِبٌ وَراهِبٌ
وَدِذِتُ أنّي نَجَوْتُ مِنْها كَفَافًا لا لِي وَلا عَلَيَّ لا أَتَحَمَّلُها حَيَّا وَمَيْتًا.
وبه قال: (حدّثنا محمد بن يوسف) الفريابي قال: (أخبرنا سفيان) الثوري (عن هشام بن
عروة عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عبد الله بن عمر) بن الخطاب رضي الله عنهما أنه (قال: قيل
لعمر) لما أصيب (ألا) بالتخفيف (تستخلف)؟ خليفة بعدك على الناس (قال: إن أستخلف فقد
استخلف من هو خير مني أبو بكر) أي حيث استخلفه (وإن أترك) أي الاستخلاف (فقد ترك)
التصريح بالتعيين فيه (من هو خير مني رسول الله ( *) فأخذ عمر رضي الله عنه وسطًا من
الأمرين فلم يترك التعيين بمرة ولا فعله منصوصًا فيه على الشخص المستخلف وجعل الأمر في
ذلك شورى بين من قطع لهم بالجنة وأبقى النظر للمسلمين في تعيين من اتفق عليه رأي الجماعة
الذين جعلت الشورى فيهم (فأثنوا) أي الحاضرون من الصحابة (عليه) على عمر خيرًا (فقال) عمر
(راغب) في حسن رأي فيه (وراهب) بإثبات الواو وسقطت من اليونينية أي راهب من إظهار ما
يضمره من كراهيته، أو المعنى راغب فيما عندي وراهب مني، أو المراد الناس راغب في الخلافة
وراهب منها فإن وليت الراغب فيها خشيت أن لا يُعان عليها، وإن وليت الراهب منها خشيت أن
لا يقوم بها. وقال عياض: هما وصفان لعمر أي راغب فيما عند الله وراهب من عقابه فلا أعول
على ثنائكم وذلك يشغلني عن العناية بالاستخلاف عليكم (وددت أني نجوت منها) أي من الخلافة
(كفافًا) بفتح الكاف وتخفيف الفاء (لا لي) خيرها (ولا عليّ) شرها (لا أتحملها) أي الخلافة (حيًّا
وميتًا) ولأبي ذر ولا ميتًا فلا أعين لها شخصًا بعينه فأتحملها في حال الحياة والممات.

١٨٠
كتاب الأحكام/ باب ٥١
وفي الحديث جواز عقد الخلافة من الإمام المتولي لغيره بعده وإن أمره في ذلك جائز على
عامة المسلمين لإطباق الصحابة ومن بعدهم معهم على العمل بما عهده أبو بكر لعمر، وكذا لم
يختلفوا في قبول عهد عمر إلى الستة وهو شبيه بإيصاء الرجل على ولده ليكون نظره فيما يصلح
أتم من غيره فكذلك الإمام، وقال النووي وغيره أجمعوا على انعقاد الخلافة بالاستخلاف وعلى
انعقادها بأهل الحل والعقد لإنسان حيث لا يكون هناك استخلاف غيره وعلى جواز جعل الخليفة
الأمر شورى بين عدد مخصوص أو غيره.
٧٢١٩ - حدثنا إبْراهِيمُ بْنُ مُوسى، أخْبَرَنا هِشامٌ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أخْبَرَنِي
أَنَسُ بْنُ مالِكِ رَضِيَ الله عَنْهُ أنَّهُ سَمِعَ خُطْبَةَ عُمَرَ الآخِرَةَ حِينَ جَلَسَ عَلَى الْمِثْبَرِ وَذلِكَ الْغَدَ مِنْ
يَوْمِ تُوُفِّيَ النَِّيِّ وَّهِ فَتَشَهِّدَ وَأَبُو بَكْرٍ صامِتٌ لا يَتَكَلَّمُ قال: كُنْتُ أرْجُو أنْ يَعِيشَ رَسُولُ اللهِ وَلـ
حَتَّى يَذْبُرَنا، يُرِيدُ بِذلِكَ أنْ يَكُونَ آخِرَهُمْ فَإِنْ يَكُ مُحَمَّدٌ وَِّ قَدْ ماتَ فَإِنَّ الله تَعالى قَدْ جَعَلَ بَيْنَ
أَظْهُرِكُمْ نُورًا تَهْتَدُونَ بِهِ هَدَى الله مُحَمَّدًا بَّهِ وَإِنَّ أبا بَكْرِ صاحِبُ رَسُولِ اللهِوَّهِ ثَانِ اثْنَيْنِ، فَإِنَّهُ
أُوْلَى الْمُسْلِمِينَ بِأُمُورِكُمْ فَقُومُوا فَبَايِعُوهُ، وَكانَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ قَدْ بايَعُوهُ قَبْلَ ذلِكَ فِي سَقِيفَةِ بَنِي
ساعِدَةً، وَكانَتْ بَيْعَةُ الْعَامَّةِ عَلَى الْمِنْبَرِ قَالَ الزُّهْرِيُّ: عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكِ سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ لأيِي
بَكْرٍ يَوْمَئِذٍ: أَصْعَدِ الْمِنْبَرَ فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَبايَعَهُ النَّاسُ عامَّةٌ. [الحديث ٧٢١٩-
طرفه في: ٧٢٦٩].
وبه قال: (حدّثنا إبراهيم بن موسى) بن يزيد الفراء الصغير أبو إسحلق الرازي قال:
(أخبرنا هشام) هو ابن يوسف الصنعاني (عن معمر) هو ابن راشد (عن الزهري) محمد بن مسلم
أنه قال: (أخبرني) بالإفراد (أنس بن مالك رضي الله عنه أنه سمع خطبة عمر الآخرة) نصب صفة
خطبة (حين جلس على المنبر) وكانت كالاعتذار عن قوله في الخطبة الأولى الصادرة منه يوم مات
النبي ◌َّه إن محمدًا لم يمت وأنه سيرجع وكانت خطبته الآخرة بعد عقد البيعة لأبي بكر في سقيفة
بني ساعدة (وذلك الغد) نصب على الظرفية أي إتيانه بالخطبة في الغد (من يوم) بالتنوين (توفي
النبي ◌َّر فتشهد) عمر (وأبو بكر) أي والحال أن أبا بكر (صامت لا يتكلم. قال) عمر: (كنت
أرجو أن يعيش رسول الله ﴿ حتى يدبرنا) بفتح التحتية وضم الموحدة بينهما دال مهملة ساكنة
(يريد) عمر (بذلك أن يكون) النبي وَلقر (آخرهم) موتًا وفي رواية عقيل عن ابن شهاب عند
الإسماعيلي حتى يدبر أمرنا بتشديد الموحدة ثم قال عمر (فإن يك محمد بَ ي قد مات فإن الله تعالى
قد جعل) ولأبي ذر فإن الله جعل (بين أظهركم نورًا) أي قرآنًا (تهتدون به هدى الله محمدًاً وَلي) أي
به كذا في غير ما فرع من فروع اليونينية، وفي بعض الأصول وعليه شرح العيني كابن حجر
رحمهما الله تعالى تهتدون به بما هدى الله محمدًا بَّار، وفي كتاب الاعتصام وهذا الكتاب الذي
هدى الله به رسولكم فخذوا به تهتدوا لما هدى الله به رسوله وَ لجر (وإن أبا بكر صاحب رسول
الله ◌َل) قدم الصحبة لشرفها ولما شاركه فيها غيره عطف عليها ما انفرد به وهو كونه ﴿ثاني اثنين
: