Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
کتاب الأحكام/ باب ٢٩
للوجوب في كلام طويل سبق في كتاب المظالم فليراجع، فحكم الحاكم ينفذ ظاهرَ لا باطنًا، فلو
قضى بشيء رتب على أصل كاذب بأن كان باطن الأمر فيه بخلاف ظاهره نفذ ظاهرًا لا باطنًا،
فلو حكم بشهادة زور بظاهري العدالة لم يحصل بحكمه الحل باطنًا سواء المال والنكاح وغيرهما.
أما المرتب على أصل صادق فينفذ القضاء فيه باطنًا أيضًا قطعًا إن كان في محل اتفاق المجتهدين،
وعلى الأصح عند البغوي وغيره إن كان في محل اختلافهم وإن كان الحكم لمن لا يعتقده لتتفق
الكلمة ويتم الانتفاع، فلو قضى حنفي الشافعي بشفعة الجوار أو بالإرث بالرحم حل له الأخذ به
وليس للقاضي منعه من الأخذ بذلك ولا من الدعوى به إذا أرادها اعتبارًا بعقيدة الحاكم ولأن
ذلك مجتهد فيه والاجتهاد إلى القاضي لا إلى غيره، ولهذا أجاز للشافعي أن يشهد بذلك عند من
يرى جوازه وإن كان خلاف اعتقاده، ولو حكم القاضي بشيء وأقام المحكوم عليه بيّنة تنافي
دعوى المحكوم له سمعت وبطل الحكم. وفي الحديث حجة على الحنفية حيث ذهبوا إلى أنه ينفذ
ظاهرًا وباطنًا في العقود والفسوخ حتى لو قضى بنكاح امرأة بشاهدي زور حلّ وطؤها.
وأجاب بعض شرّاح المشارق منهم عن الحديث بأن قوله في الرواية الأخرى فأقضي له بنحو
ما أسمع منه ظاهرًا يدل على أن ذلك فيما كان بسماع الخصم من غير أن يكون هناك بيّنة أو يمين
وليس الكلام فيه، وإنما الكلام في القضاء بشهادة الزور بأن قوله وَلهو: ((فمن قضيت له بحق
مسلم)) الخ. شرطية وهي لا تقتضي صدق المقدّم فيكون من باب فرض المحال نظرًا إلى عدم
جواز إقراره على الخطأ، ويجوز ذلك إذا تعلق به غرض كما في قوله تعالى: ﴿قل إن كان للرحمن
ولد فأنا أول العابدين﴾ [الزخرف: ٨١] والغرض فيما نحن فيه التهديد والتقريع على اللسن
والإقدام على تلحين الحجج في أخذ أموال الناس، وبأن الاحتجاج به يستلزم أنه وَّر يقر على
الخطأ لأنه لا يكون ما قضى به قطعة من النار إلا إذا استمر الخطأ وإلّ فمتى فرض أنه يطلع عليه
فإنه يجب أن يبطل ذلك الحكم ويرد الحق لمستحقه وظاهر الحديث يخالف ذلك فإما أن يسقط
الاحتجاج به ويؤول على ما تقدم وإما أن يستلزم التقرير على الخطأ وهو باطل اهـ.
وأجيب عن الأول: بأنه خلاف الظاهر وكذا الثاني وأما الثالث فإن الخطأ الذي لا يقر عليه
هو الحكم الذي صدر عن اجتهاده فيما لم يوح إليه فيه وليس النزاع فيه، وإنما النزاع في الحكم
الصادر منه بناء على شهادة زور أو يمين فاجرة فلا يسمى خطأ للاتفاق على وجوب العمل
بالشهادة وبالإيمان وإلاّ لكان الكثير من الأحكام يسمى خطأ وليس كذلك.
وفي الحديث: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني
دماءهم وأموالهم)) فحكم بإسلام من تلفظ بالشهادتين ولو كان في نفس الأمر يعتقد خلاف ذلك
وحديث إني لم أومر بالتنقيب على قلوب الناس، وحينئذ فالحجة من الحديث ظاهرة في شمول
الخبر الأموال والعقود والفسوخ، ومن ثم قال الشافعي: إنه لا فرق في دعوى حلّ الزوجة لمن
أقام بتزويجها شاهدي زور وهو يعلم بكذبهما وبين من ادّعى على حر أنه ملكه وأقام بذلك

١٤٢
كتاب الأحكام/ باب ٢٩
شاهدي زور وهو يعلم حريته فإذا حكم له حاكم بأنه ملكه لم يحل له أن يسترقه بالإجماع. وقال
القرطبي: شنعوا على القائل بذلك قديمًا وحديثًا لمخالفته للحديث الصحيح ولأن فيه صيانة المال
وابتذال الفروج وهي أحق أن يحتاط لها وتصان اهـ.
والحديث سبق في المظالم والشهادات والأحكام.
٧١٨٢ - هقثنا إسماعيلُ قالَ: حَدَّثَنِي مالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ
عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ نََّ أنَّها قالَتْ: كَانَ عُتْبَةُ بْنُ أبِي وَقَّاصٍ عَهِدَ إلى أخِيهِ سَعْدِ بْنِ أبِي وَقَّاصٍ أنَّ
ابْنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةً مِنِّي فَأَقْبِضْهُ إِلَيْكَ، فَلَمّا كانَ عامُ الْفَتْحِ أَخَذَهُ سَعْدٌ فَقالَ ابْنُ أخي: قَدْ كانَ عَهِدَ
إِلَيَّ فِيهِ فَقَامَ إِلَيْهِ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةً فَقالَ أخِي وَابْنُ وَلِيدَةِ أبي وُلِدَ عَلى فِراشِهِ فَتَساوَقا إلى رَسُولٍ
اللهَ وَِّ فَقالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ الله ابْنُ أخي كانَ عَهِدَ إلَيَّ فِيهِ وَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: أخي وَابْنُ
وَلِيدَةِ أبي وُلِدَ عَلى فِراشِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةً)) ثُمَّ قالَ رَسُولُ
اللهِ وَهَ: ((الْوَلَدُ لِلْفِراشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ)) ثُمّ قالَ لِسَوْدَةً بِنْتِ زَمْعَةَ: ((أَخْتَجِبِي مِنْهُ)) لِمَا رَأى مِنْ
شَبَهِهِ بِعُتْبَةَ فَمَا رَآهَا حَتّى لَقِيَ الله تَعالَى.
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس قال: (حدّثني) بالإفراد (مالك) هو ابن أنس
الإمام الأعظم (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن عروة بن الزبير) بن العوّام (عن
عائشة) رضي الله عنها (زوج النبي ◌َّفي أنها قالت: كان عتبة بن أبي وقاص) بضم العين وسكون
المثناة الفوقية بعدها موحدة ووقاص بتشديد القاف آخره مهملة وعتبة هو الذي كسر ثنية النبي ◌َيار
في وقعة أُحُد ومات كافرًا (عهد) أي أوصى (إلى أخيه سعد بن أبي وقاص) أحد العشرة (أن ابن
وليدة زمعة) بن قيس بفتح الزاي وسكون الميم وتفتح بعدها عين مهملة مفتوحة أي جاريته ولم
تسم واسم ولدها عبد الرحمن بن زمعة (مني فاقبضه إليك) بهمزة وصل وكسر الموحدة قالت
عائشة (فلما كان عام الفتح أخذه سعد فقال): هو (ابن أخي) عتبة (قد كان عهد إلّ فيه) أن
أستلحقه به (فقام إليه) إلى سعد (عبد بن زمعة فقال): هو (أخي وابن وليدة أبي) أي وابن جاريته
(ولد على فراشه فتساوقا) من التساوق وهو مجيء واحد بعد واحد (إلى رسول الله وَله فقال سعد:
يا رسول الله) هذا (ابن أخي) عتبة (كان عهد إلي فيه) أن أستلحقه به (وقال عبد بن زمعة) هو
(أخي وابن وليدة أبي ولد على فراشه، فقال رسول الله (وَليه):
(هو) أي الولد (لك) أي أخوك (يا عبد بن زمعة) بضم عبد اسم علم منادى وابن زمعة
نعت واجب النصب لأنه مضاف وعبد يجوز فتحه لأنه منعوت بابن مضاف إلى علم (ثم قال
رسول الله: الولد للفراش) أي لصاحب الفراش زوجًا كان أو سيدًا حرة كانت أو أمة لكن الحنفية
يخصونه بالحرة ويقولون إن ولد الأمة المستفرشة لا يلحق سيدها ما لم يقر به (وللعاهر) أي الزاني
(الحجر) أي الخيبة ولا حق له في الولد أو الرجم بالحجارة وضعف بأنه لا يرجم بالحجر إلا إذا

١٤٣
كتاب الأحكام/ باب ٣٠
كان محصنّا (ثم قال) وَيّر (السودة بنت زمعة) أم المؤمنين رضي الله عنها: (احتجبي منه) أي من ابن
زمعة المتنازع فيه ندبًا للاحتياط وقد ثبت نسبه وأخوّته لها في ظاهر الشرع (لما) بالتخفيف (رأى)
عليه السلام (من شبهه بعتبه فما رآها) عبد الرحمن (حتى لقي الله تعالى).
ومناسبة الحديث لسابقه أن الحكم بحسب الظاهر حيث حكم # بالولد لعبد بن زمعة
وألحقه بزمعة، ثم لما رأى شبهه بعتبة أمر سودة أن تحتجب منه احتياطًا، فأشار البخاري إلى
أنه وَ لّ حكم في ابن وليدة زمعة بالظاهر، ولو كان في نفس الأمر ليس من زمعة ولا يسمى
ذلك خطأ في الاجتهاد ولا هو من نوادر الاختلاف.
والحديث سبق في البيوع والمحاربين والفرائض.
٣٠ - باب الْحُكْمِ فِي الْبِرِ وَنَحْوِها
(باب الحكم في البئر ونحوها) كالحوض والدار.
٧١٨٣ - حقلنا إِسْحُقُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أخْبَرَنا سُفْيانُ، عَنْ مَنْصُورٍ
وَالأعْمَشِ عَنْ أبِي وائِلٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ الله قالَ النَّبِيُّ ◌َِّ: ((لا يَخْلِفُ عَلى يَمِينِ صَبْرٍ يَقْتَطِعُ
مالاً، وَهْوَ فيها فاجِرٌ إلاّ لَقِيَ الله وَهْوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ)) فَأَنْزَلَ الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الله
وَأَيْمانِهِمْ ثَمِنًا قَليلاً﴾ [آل عمران: ٧٧] الآيةَ فَجاءَ الأشْعَثُ وعَبْدُ الله يُحدِّثُهُمْ فَقالَ: فِيَّ نَزَلَتْ
وَفِي رَجُلٍ خاصَمْتُهُ فِي بِئْرٍ فَقالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((أَلَكَ بَيْنَةٌ))؟ قُلْتُ: لا، قالَ: ((فَلْيَخْلِفْ)) قُلْتُ: إِذَا
يَخْلِفَ فَنَزِلَتْ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ﴾ الآيَةَ.
وبه قال: (حدّثنا إسحاق بن نصر) هو إسحاق بن إبراهيم بن نصر بالصاد المهملة المروزي
وقيل البخاري قال: (حدّثنا عبد الرزاق) بن همام الصنعاني قال: (أخبرنا سفيان) الثوري (عن
منصور) هو ابن المعتمر (والأعمش) سليمان بن مهران كلاهما (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة أنه
(قال: قال عبد الله) بن مسعود رضي الله عنه (قال النبي ◌َّ):
(لا يحلف) أحد (على) موجب (يمين صبر) بغير تنوين يمين على الإضافة لتاليها كذا في
الفرع كأصله مصححًا عليه لما بينهما من الملابسة السابقة وينوّن فصبر صفة له على النسب أي ذات
صبر ويمين الصبر هي التي يلزم الحاكم الخصم بها وجملة (يقتطع مالاً) في موضع صفة ثانية ليمين
وفي رواية أخرى يقتطع بها مال امرىء مسلم (وهو فيها فاجر) كاذب والجملة في موضع الحال
من فاعل يحلف أو من ضمير يقتطع أو صفة ليمين لأن فيها ضميرين أحدهما للحالف والآخر
لليمين فبذلك صلحت أن تكون حالاً لكل واحد منهما (إلا لقي الله) عز وجل يوم القيامة (وهو
عليه غضبان) بدون صرف للصفة وزيادة الألف والنون والشرط هنا موجود وهو انتفاء فعلانة
ووجود فعلى وذلك في صفات المخلوقين وغضبه تعالى يراد به ما أراده من العقوبة أعوذ بوجه الله

١٤٤
كتاب الأحكام/ باب ٣١
تعالى من عقابه وغضبه (فأنزل الله) تعالى زاد في الإيمان تصديقه (﴿إن الذين يشترون بعهد الله
وأيمانهم ثمنًا قليلاً﴾) [آل عمران: ٧٧] (الآية). وسقط لغير أبي ذر قوله: ﴿وأيمانهم) الخ.
(فجاء الأشعث) بن قيس الكندي (وعبد الله) بن مسعود (يحدّثهم) زاد في الإيمان فقال: ما
يحدّثكم عبد الله؟ قالوا له: أي كان يحدّثنا بكذا وكذا (فقال) الأشعث: (فيّ) بتشديد الياء (نزلت)
هذه الآية (وفي رجل) اسمه الجفشيش بالجيم والحاء والخاء وبالشينين المعجمتين بينهما تحتية ساكنة
الحضرمي أو الكندي وقيل اسمه جرير (خاصمته في بئر) كانت بيننا فجحدني (فقال النبي ◌َّ)
لي: (ألك بيّنة؟ قلت: لا) يا رسول الله (قال) وَلجر: (فليحلف) بالجزم ولأبي ذر عن الكشميهني
فيحلف بإسقاط اللام والرفع (قلت) يا رسول الله: (إذًا يحلف) إذًا حرف جواب وهي تنصب
الفعل المضارع بشرط أن تكون أولاً فلا يعتمد ما بعدها على ما قبلها ولذا رفعت نحو قولك: أنا
إذًا أكرمك وأن يكون مستقبلاً فلو كان حالاً وجب الرفع نحو قولك لمن قال: جاء الحاج إذًا
أفرح تريد الحالة التي أنت فيها وأن لا يفصل بينها وبين الفعل بفاصل ما عدا القسم والنداء ولا
فإن دخل عليها حرف عطف جاز في الفعل وجهان الرفع والنصب والرفع أكثر نحو قوله تعالى:
﴿وإذَا لا يلبثون خلفك إلا قليلاً﴾ [الإسراء: ٧٦] والفعل هنا في الحديث إن أريد به الحال فهو
مرفوع وإن أريد به الاستقبال فهو منصوب والوجهان في الفرع مصحح عليهما. وزاد في رواية
أخرى ولا يبالي (فنزلت ﴿إن الذين يشترون بعهد الله﴾ الآية). وفي الحديث كما قال ابن بطال:
إن حكم الحاكم في الظاهر لا يحل الحرام ولا يبيح المحظور لأنه ◌َّلتر حذر أمته عقوبة من اقتطع
من حق أخيه شيئًا بيمين فاجرة، والآية المذكورة من أشد وعيد جاء في القرآن.
والحديث سبق في الشرب.
٣١ - باب الْقَضاءِ فِي كَثِيرِ الْمالِ وَقَليلِهِ
وَقَالَ ابْنُ عُبَيْنَةَ: عَنِ ابْنِ شُبْرُمَةَ الْقَضَاءُ فِي قَلِيلِ المالِ وَكَثِيرِهِ سَواءٌ.
(باب القضاء) بإضافة باب للاحقه (في كثير المال وقليله) ولأبي ذر باب بالتنوين القضاء في
كثير المال وقليله سواء بإثبات الخبر المحذوف في غير روايته.
(وقال ابن عيينة) سفيان (عن ابن شبرمة) بضم المعجمة والراء بينهما موحدة ساكنة عبد الله
قاضي الكوفة: (القضاء في قليل المال وكثيره سواء) قال العيني: وهذا ذكره سفيان في جامعه عن
ابن شبرمة. وقال الحافظ ابن حجر: ولم يقع لي هذا الأثر موصولاً.
٧١٨٥ - حدثنا أبُو الْيَمانِ، أخْبَرَنا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أخْبَرَني عُزْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أنَّ زَيْتَبَ
بِنْتَ أبِي سَلَمَةَ أخْبَرَتْهُ عَنْ أُمِّها أُمْ سَلَمَةَ قَالَتْ: سَمِعَ النَِّيُّ وَّهِ جَلَبَةَ خِصامٍ عِنْدَ بابِهِ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ
فَقالَ لَهُمْ: ((إنَّما أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّهُ يَأْتِينِي الْخَصْمُ فَلَعَلَّ بَعْضًا أنْ يَكُونَ أَبْلَغَ مِنْ بَعْضٍ أَقْضي لَهُ بِذلِكَ
وَأَحْسِبُ أَنَّهُ صادِقٌ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقٌّ مُسْلِمٍ فَإِنَّمَا هِيَ قِطْعَةٌ مِنَ النَّارِ فَلْيَأْخُذْها أوْ لِيَدَعْها)).

١٤٥
كتاب الأحكام/ باب ٣٢
وبه قال: (حدثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن
الزهري) محمد بن مسلم أنه قال (أخبرني) بالإفراد (عروة بن الزبير) بن العوّام (أن زينب بنت أبي
سلمة أخبرته عن أمها أم سلمة) هند رضي الله عنها أنها (قالت: سمع النبي وَلير جلبة خصام)
بفتح الجيم واللام والموحدة اختلاط الأصوات ولمسلم جلبة خصم (عند بابه) منزل أم سلمة
(فخرج عليهم) ولأبي ذر عن الكشميهني إليهم فقال (لهم):
(إنما أنا بشر) البشر الخلق يطلق على الجماعة والواحد والمعنى أنه منهم وإن زاد عليهم
بالمنزلة الرفيعة وهو ردّ على من زعم أن من كان رسولاً فإنه يعلم كل غيب حتى لا يخفى عليه
المظلوم من الظالم (وإنه يأتيني الخصم) وفي ترك الحيل من رواية سفيان الثوري وإنكم تختصمون
إلي (فلعلّ بعضًا) منكم (أن يكون أبلغ) أي أقدر على الحجة (من بعض أقضي له بذلك) ولأبي
داود على نحو ما أسمع منه (وأحسب أنه صادق فمن قضيت له بحق مسلم) وكذا ذمي (فإنما
هي) أي الحكومة (قطعة من النار) وللطحاوي والدارقطني فإنما نقطع له بها قطعة من النار إسطامًا
يأتي بها في عنقه يوم القيامة والإسطام بكسر الهمزة وسكون السين وفتح الطاء المهملتين القطعة
فكأنها للتأكيد ولأبي ذر عن الحموي والمستملي من نار (فليأخذها أو ليدعها) أمر تهديد.
ومطابقته للترجمة في قوله فمن قضيت له إذ هو يتناول القليل والكثير. والحديث مرّ قريبًا.
٣٢ - باب بَيْعِ الإمام عَلَى النّاسِ أَمْوالَهُم
وَضِياعَهُمْ وَقَدْ بَاعَ النَّبِيُّ نَّهِ مُدَبَّرًا مِنْ نُعَيْمِ بْنِ النَّحَامِ
(باب) حكم (بيع الإمام على الناس) من السفيه والغائب لتوفية دينه أو الممتنع منه (أموالهم
وضياعهم) عقارهم وغير ذلك وهو من عطف الخاص على العام.
(وقد باع النبي ◌َّه مدبرًا) بتشديد الموحدة المفتوحة (من نعيم بن النحام) بفتح النون والحاء
المهملة المشددة، وهو نعيم بن عبد الله بن أسيد بن عبيد بن عوف بن عويج بن عدي بن كعب
القرشي العدوي المعروف بالنحام قيل له ذلك لأن النبي ◌َّلتر قال له دخلت الجنة، فسمعت نحمة
من نعيم والنحمة السعلة أو النحنحة الممدود آخرها، وسقط قوله مدبرًا للحموي والمستملي قال
العيني: ولفظ الابن زائد، وقال أبو عمر بن عبد البر نعيم بن عبد الله النحام القرشي العدوي.
٧١٨٦ - حدّثنا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا إِسْماعيلُ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلِ،
عَنْ عَطاءٍ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ الله قالَ: بَلَغَ النَّبِيَّ وَّهِ أنَّ رَجُلاً مِنْ أَصْحَابِهِ أعْتَقَ غُلامًا عَنْ دُبُرٍ
لَمْ يَكُنْ لَهُ مالٌ غَيْرُهُ فَبَاعَهُ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ ثُمَّ أَرْسَلَ بِثَمَنِهِ إِلَيْهِ.
وبه قال: (حدّثنا ابن نمير) هو محمد بن عبد الله بن نمير بضم النون مصغرًا قال: (حدّثنا
محمد بن بشر) بكسر الموحدة وسكون الشين المعجمة العبدي الكوفي الحافظ قال: (حدّثنا
إرشاد الساري/ ج ١٥/ م ١٠

١٤٦
كتاب الأحكام/ باب ٣٣
إسماعيل) بن أبي خالد الكوفي الحافظ قال: (حدّثنا سلمة بن كهيل) بضم الكاف وفتح الهاء أبو
يجيى الحضرمي من علماء الكوفة (عن عطاء) هو ابن أبي رباح (عن جابر بن عبد الله) رضي الله
عنهما وسقط ابن عبد الله لغير أبي ذر أنه (قال: بلغ النبي وَ﴿ أن رجلاً من أصحابه) هو أبو
مذكور (أعتق غلامًا) اسمه يعقوب كما في مسلم (عن) ولأبي ذر والوقت له عن (دبر) بضم الدال
والموحدة أي علق عتقه بعد موته ولأبي ذر عن الكشميهني عن دين بفتح الدال وسكون التحتية
بعدها نون وهي تصحيف والمشهور الأولى (لم يكن له مال غيره فباعه) النبي ◌َّ من نعيم النحام
(بثمانمائة درهم ثم أرسل) عليه الصلاة والسلام (بثمنه إليه) إلى الذي علق عتقه وإنما باعه عليه
لأنه لم يكن له مال غيره فلما رآه أنفق جميع ماله وأنه تعرض بذلك للتهلكة نقض عليه فعله ولو
كان لم ينفق جميع ماله لم ينقض فكأنه كان في حكم السفيه فلذا باع عليه ماله.
والحديث سبق في البيوع، وأخرجه أبو داود والنسائي في الفتن وابن ماجة.
٣٣ - باب مَنْ لَمْ يَكْتَرِثْ بِطَعْنِ مَن لا يَعْلَمُ فِي الأُمَراءِ حَديثًا
(باب من لم يكترث) بالمثناة الفوقية ثم المثلثة بينهما راء مكسورة من لم يبال ولم يلتفت (بطعن
من) ولأبي الوقت لطعن من (لا يعلم) بفتح التحتية (في الأمراء حديثًا) يعبأ به فلو طعن بعلم
اعتدّ به وإن كان بأمر محتمل رجع إلى رأي الإمام وسقط قوله حديثًا لأبوي الوقت وذر والأصيلي.
٧١٨٧ - حدثنا مُوسَى بْنُ إسْماعيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ دِينارٍ
قالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ الله عَنْهُما يَقُولُ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ بَعْثًا وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أُسامَةَ بْنَ
زَيْدٍ فَطْعِنَ فِي إمارَتِهِ وَقالَ: ((إِنْ تَطْعُنُوا فِي إمارَتِهِ فَقَدْ كُنْتُمْ تَطْعُنُونَ فِي إمارَةِ أَبِيهِ مِنْ قَبْلِهِ، وَآَيْمُ
الله إنْ كانَ لَخَليقًا لِلإِمْرَةِ وَإنْ كانَ لَمِنْ أحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ وَإِنَّ هذا لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ بَعْدَهُ».
وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) أبو سلمة التبوذكي الحافظ قال: (حدّثنا
عبد العزيز بن مسلم) القسملي البصري قال: (حدّثنا عبد الله بن دينار) المدني مولى ابن عمر (قال:
سمعت ابن عمر رضي الله عنهما يقول): ولأبي ذر قال: (بعث رسول الله وَلِّ بعثًا) أي جيشًا إلى
أبنى لغزو الروم مكان قتل زيد بن حارثة وكان في ذلك البعث رؤوس المهاجرين والأنصار منهم
العمران (وأمر عليهم أسامة بن زيد) أي ابن حارثة وكان ذلك في بدء مرضه وّر الذي توفي فيه
(فطعن) بضم الطاء المهملة (في إمارته) بكسر الهمزة وقالوا: يستعمل ويشير هذا الغلام على
المهاجرين والأنصار (وقال) و 98 لما بلغه ذلك ولأبي ذر فقال بالفاء بدل الواو:
(إن تطعنوا) بضم العين في الفرع وزاد في اليونينية فتحها قال الزركشي رجح بعضهم هنا
ضم العين (في إمارته) أي في إمارة أسامة (فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه) زيد (من قبله).
واستشكل بأن النحاة قالوا الشرط سبب للجزاء متقدم عليه وهلهنا ليس كذلك. وأجاب في

١٤٧
كتاب الأحكام/ باب ٣٤
الكواكب بأن مثله يؤول بالأخبار عندهم أي إن طعنتم فيه فأخبركم بأنكم طعنتم من قبل في أبيه
ويلازمه عند البيانيين أي إن طعنتم فيه تأثمتم بذلك لأنه لم يكن حقًّا (وأيم الله) بهمزة وصل (إن
كان) زيد (لخليقًا) بالخاء المعجمة والقاف لجديرًا ومستحقًّا (للإمرة) بكسر الهمزة وسكون الميم
ولأبي ذر عن الكشميهني للإمارة بفتح الميم وألف بعدها فلم يكن لطعنكم مستند فكذا لا اعتبار
بطعنكم في إمارة ولده (وإن كان) زيد (لمن أحب الناس إلي) بتشديد التحتية (وإن) ابنه أسامة (هذا
لمن أحب الناس إلي بعده).
واستشكل كون عمر بن الخطاب عزل سعدًا حين قذفه أهل الكوفة بما هو منه بريء ولم
يعزل ﴿ أسامة وأباه بل بيّن فضلهما. وأجيب: بأن عمر لم يعلم من مغيب سعد ما علمه الله
من زيد وأسامة فكان سبب عزله قيام الاحتمال أو رأى عمر أن عزل سعد أسهل من فتنة يثيرها
من قام عليه من أهل الكوفة.
والحديث سبق في باب بعث النبي وَلهر أسامة بن زيد أواخر المغازي.
٣٤ - باب الأَلَّدُ الْخَصِم وَهُوَ الدَّائِمُ فِي الْخُصُومَةِ
لُدًّا: عُوجًا.
(باب الألد) بفتح الهمزة واللام وتشديد الدال المهملة (الخصم) بفتح المعجمة وكسر المهملة
وفسره المؤلف بقوله (وهو الدائم في الخصومة) أو المراد الشديد الخصومة فإن الخصم من صيغ
المبالغة فيحتمل الشدة والكثرة. وقال تعالى: ﴿وهو ألدّ الخصام﴾ [البقرة: ٢٠٤] أي شديد الجدال
والعداوة للمسلمين والخصام المخاصمة والإضافة بمعنى في لأن أفعل يضاف إلى ما هو بعضه
تقول: زيد أفضل القوم ولا يكون الشخص بعض الحدث فتقديره ألدّ في الخصومة أو الخصام جمع
خصم كصعب وصعاب والتقدير وهو ألدّ الخصوم خصومة (لدًّا: عوجًا) بضم اللام وتشديد الدال
عوجًا بضم العين وسكون الواو بعدها جيم ولأبي ذر عن الكشميهني ألدّ بهمزة قبل اللام المفتوحة
أعوج بهمزة مفتوحة وسكون العين يريد تفسير قوله تعالى في سورة مريم: ﴿وتنذر به قومًا لدًّا﴾
[مريم: ٩٧] قال ابن كثير الحافظ: أي عوجًا عن الحق مائلون إلى الباطل. وقال ابن أبي نجيح
عن مجاهد: لا يستقيمون. وقال الضحاك، الألد: الخصم. وقال القرطبي الألدّ: الكذاب. وقال
الحسن صمًّا. قال في الفتح: وكأنه تفسير باللازم لأن من اعوجّ عن الحق كان كأنه لم يسمع وعن
ابن عباس فجارًا وقيل جدلاء بالباطل.
٧١٨٨ - حدثنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعيدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجِ سَمِعْتُ ابْنَ أبِي مُلَيْكَةَ
يُحَدِّثُ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْها قالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِهِ: ((أبْغَضُ الرِّجالِ إلَى الله الألَدُ
الْخَصِمُ».

١٤٨
كتاب الأحكام/ باب ٣٥
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا يحيى بن سعيد) القطان (عن ابن
جريج) عبد الملك بن عبد العزيز أنه قال: (سمعت ابن أبي مليكة) عبد الله (يحدّث عن عائشة
رضي الله عنها) أنها (قالت: قال رسول الله وَالغر):
(أبغض الرجال) الكفار (إلى الله) الكافر (الألد الخصم) بفتح المعجمة وكسر المهملة المعائذ أو
أبغض الرجال المخاصمين أعم من أن يكون كافرًا أو مسلمًا فإن كان الأول فأفعل التفضيل على
حقيقته في العموم وإن كان مسلمًا فسبب البغض كثرة المخاصمة لأنها تفضي غالبًا إلى ما يذم
صاحبه .
والحديث سبق في المظالم والتفسير.
٣٥ - باب إذا قَضَى الْحاكِمُ بِجَوْرٍ أوْ خِلافِ أهْلِ الْعِلْمِ فَهْوَ رَدٌ
هذا (باب) بالتنوين (إذا قضى الحاكم بجور) أي بظلم (أو خلاف أهل العلم فهو) أي
قضاؤه (ردّ) أي مردود.
٧١٨٩ - حدثنا مَحْمُودٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أخْبَرَنا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيّ، عَنْ سالِمٍ، عَنِ
ابْنِ عُمَرَ بَعَثَ النَّبِيُّ وَِّ خالِدًا ح.
وحدثني نُعَيْمُ بْنُ حَمْادٍ، أَخْبَرَنا عَبْدُ الله أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سالِم عَنْ أَبِيهِ
قالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ وَّهِ خالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إلى بَنِي جَذِيمَةَ فَلَمْ يُحْسِنُوا أنْ يَقُولُوا: أَسْلَمْنَا فَقَالُوا صَبَأْنَا
صَبَأْنَا فَجَعَلَ خالِدٌ يَقْتُلُ وَيَأْسِرُ وَدَفَعَ إلى كُلِّ رَجُلٍ مِنَّا أَسِيرَهُ فَأَمَرَ كُلَّ رَجُلٍ مِنَّا أنْ يَقْتُلَ أسيرَهُ
فَقُلْتُ: وَالله لا أُقْتُلُ أسيري وَلا يَقْتُلُ رَجُلٌ مِنْ أصْحابي أسيرَهُ، فَذَكَّرْنا ذلِكَ لِلنَّبِيِّ وَ فَقالَ:
(اللَّهُمَّ إِنّي أَبْرأُ إِلَيْكَ مِمّا صَنَعَ خالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ)) مَرَّتَيْنِ.
وبه قل: (حدّثنا محمود) هو ابن غيلان بالغين المعجمة المفتوحة أبو أحمد المروزي الحافظ
قال: (حدّثنا عبد الرزاق) بن همام قال: (أخبرنا معمر) بفتح الميمين ابن خالد (عن الزهري)
محمد بن مسلم (عن سالم عن ابن عمر) رضي الله عنهما أنه قال: (بعث النبي ◌َّ خالدًا) وسقط
لأبي ذر قوله عن الزهري الخ (ح) لتحويل السند قال البخاري:
(وحدّثني) بالإفراد (نعيم بن حماد) بضم النون وفتح العين الرفاء بالراء والفاء المشددة
المروزي الأعور ولأبي ذر وحدثني أبو عبد الله نعيم بن حماد ولغير أبي ذر قال أبو عبد الله
البخاري حدّثني نعيم قال: (أخبرنا) ولأبي ذر: حدّثنا (عبد الله) بن المبارك قال: (أخبرنا معمر)
أي ابن خالد (عن الزهري عن سالم عن أبيه) عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه (قال: بعث

١٤٩
كتاب الأحكام/ باب ٣٦
النبي ◌َّله خالد بن الوليد) رضي الله عنه (إلى بني جذيمة) بفتح الجيم وكسر الذال المعجمة وفتح
الميم قبيلة من عبد قيس داعيًا لهم إلى الإسلام لا مقاتلاً فدعاهم إلى الإسلام (فلم يحسنوا أن
يقولوا أسلمنا فقالوا صبأنا صبأنا) بهمزة ساكنة فيهما أي خرجنا من الشرك إلى دين الإسلام فلم
يكتف خالد إلا بالتصريح بذكر الإسلام وفهم عنهم أنهم عدلوا عن التصريح أنفة منهم ولم ينقادوا
(فجعل خالد يقتل) منهم (ويأسر) بكسر السين (ودفع إلى كلّ رجل منّا أسيره فأمر كل رجل منا
أن يقتل أسيره) قال ابن عمر (فقلت: والله لا أقتل أسيري ولا يقتل رجل من أصحابي) من
المهاجرين والأنصار (أسيره) فقدمنا (فذكرنا ذلك للنبي بَّر فقال):
(اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد) من قتله الذين قالوا صبأنا قبل أن يستفسرهم
عن مرادهم بذلك قال عليه الصلاة والسلام اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد (مرتين). وإنما لم
يعاقبه لأنه كان مجتهدًا واتفقوا على أن القاضي إذا قضى بجور أو بخلاف ما عليه أهل العلم
فحكمه مردود فإن كان على وجه الاجتهاد وأخطأ كما صنع خالد فالإثم ساقط والضمان لازم فإن
كان الحكم في قتل فالدية في بيت المال عند أبي حنيفة وأحمد وعلى عاقلته عند الشافعي وأبي
یوسف ومحمد.
والحديث سبق في المغازي.
٣٦ - باب الإمام يَأْتِي قَوْمًا فَيُصْلِحُ بَيْنَهُمْ
(باب الإمام يأتي قومًا فيصلح) ولأبي ذر عن الكشميهني: ليصلح باللام بدل الفاء أي لإجل
الإصلاح (بينهم).
٧١٩٠ - حدثنا أبو النُّعْمانِ، حَدَّثَنَا حَمَادٌ، حَدَّثَنَا أَبُو حازِمِ الْمَدِينِيُّ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ
السّاعِدِيّ قالَ: كَانَ قِتالٌ بَيْنَ بَنِي عَمْرٍو فَبَلَغَ ذلِكَ النَّبِيِّ نَّهِ فَصَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ أَتَاهُمْ يُصْلِحُ بَيْنَهُمْ
فَلَمَا حَضَرَتْ صَلاةُ الْعَصْرِ فَأَذِّنَ بِلالٌ وَأَقَامَ وَأمَرَ أبا بَكْرٍ فَتَقَدَّمَ وَجاءَ النَّبِيِّ بَّهِ وَأَبُو بَكْرٍ فِي
الصَّلاةِ فَشَقَّ النَّاسَ حَتّى قامَ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ، فَتَقَدَّمَ فِي الصَّفِّ الَّذِي يَليهِ قالَ: وَصَفَّحَ الْقَوْمُ
وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ إذا دَخَلَ فِي الصَّلاةِ لَمْ يَلْتَفِتْ حَتّى يَفْرُغَ فَلَمّا رَأَى النَّصْفِيحَ لا يُمْسَكُ عَلَيْهِ الْتَّفَتَ
فَرَأَى النَّبِيَّ ◌َ﴿َ خَلْفَهُ فَأَوْمَأْ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ◌َ أَنِ أَمْضِهْ، وَأَوْمَأْ بِيَدِهِ هِكَذا وَلَبِثَ أَبُو بَكْرٍ هُنَيَّةً يَحْمَدُ
الله عَلى قَوْلِ النَّبِيِّ وَِّ، ثُمَّ مَشَى الْقَهْقَرِى فَلَمَّا رَأى النَّبِيِّ ◌َِّ ذلِكَ تَقَدَّمَ فَصَلَّى النَّبِيُّ ◌َرُ
بِالنّاسِ فَلَمَا قَضى صَلاتَهُ قالَ: ((يا أبا بَكْرِ ما مَنَعَكَ إذْ أوْمَأْتُ إِلَيْكَ أنْ لا تَكُونَ مَضَيْتَ)) قالَ:
لَمْ يَكُنْ لابْنِ أبي قُحَافَةَ أنْ يَؤُمَّ النَّبِيَِّنَّهِ وَقَالَ لِلْقَوْم: «إذا نابَكُمْ أمْرٌ فَلْيُسَبّح الرّجالُ، وَلْيُصَفْحِ
النِّساءُ».

١٥٠
كتاب الأحكام/ باب ٣٦
وبه قال: (حدّثنا أبو النعمان) محمد بن الفضل قال: (حدّثنا حماد) هو ابن زيد قال: (حدّثنا
أبو حازم) بالحاء المهملة والزاي سلمة (المديني) بالتحتية بعد الدال ولأبي ذر المدني بإسقاطها وفتح
الدال (عن سهل بن سعد الساعدي) رضي الله عنه أنه (قال: كان قتال) بالتنوين (بين بني عمرو)
بفتح العين ابن عوف بالفاء قبيلة (فبلغ ذلك النبي ◌َّير فصلى الظهر ثم أتاهم يصلح بينهم فلما
حضرت صلاة العصر فأذّن بلال) سقط لفظ بلال لأبي ذر، واستشكل الإتيان بالفاء في قوله فأذن
لأنه ليس موضعها سواء كانت لما شرطية أو ظرفية. وأجيب: بأن الجزاء محذوف وهو جاء المؤذن
والفاء للعطف عليه وعند أبي داود عن عمرو بن عوف عن حماد أنه وَ لو قال لبلال: إن حضرت
صلاة العصر ولم آتك فمر أبا بكر فليصلّ بالناس فلما حضرت العصر أذّن بلال (وأقام) الصلاة
(وأمر أبا بكر) رضي الله عنه أن يصلي بالناس كما أمره النبي وَلّر (فتقدم) أبو بكر وصلى بهم.
(وجاء النبي ◌َّيل وأبو بكر في الصلاة فشق الناس حتى قام خلف أبي بكر فتقدّم في الصف الذي
يليه) وليس هو من المنهي عنه لأن الإمام مستثنى من ذلك لا سيما الشارع إذ ليس لأحد التقدّم
عليه ولأنه ليس حركة من حركاته إلا ولنا فيها مصلحة وسُنّة نقتدي بها (قال) سهل (وصفح
القوم) بفتح الصاد المهملة والفاء المشددة بعدها حاء مهملة أي صفقوا تنبيهًا لأبي بكر على
حضوره وَّيه (وكان أبو بكر إذا دخل في الصلاة لم يلتفت حتى يفرغ) منها (فلما رأى التصفيح لا
يمسك عليه) بضم التحتية وسكون الميم مبنيًّا للمفعول (التفت) رضي الله عنه (فرأى النبي وكليه
خلفه) فأراد أن يتأخر (فأومأ إليه النبي ◌َ #) زاد أبو ذر بيده أي أشار إليه بها (أن امضه) أمر
بالمضي والهاء للسكت أي امض في صلاتك (وأومأ بيده هكذا) أي أشار إليه بالمكث في مكانه
(ولبث أبو بكر) في مكانه (هنية) بضم الهاء وفتح النون والتحتية المشددة زمانًا يسيرًا حال كونه
(يحمد الله) ولأبي ذر عن الكشميهني فحمد الله (على قول النبي بَّر ثم مشى القهقرى) رجع إلى
خلف (فلما رأى النبي ◌َّر ذلك) الذي فعله أبو بكر (تقدم) إلى موضع الإمامة (فصلّ النبي ◌َليل
بالناس فلما قضى صلاته قال):
(يا أبا بكر ما منعك إذ) بسكون الذال (أومأت) أشرت (إليك) أن تمكث في مكانك (أن لا
تكون مضيت) في صلاتك فيه (قال) أبو بكر رضي الله عنه (لم يكن لابن أبي قحافة أن يؤمّ
النبي وَل98) ولم يقل لم يكن لي أو لأبي بكر هضمًا لنفسه وتواضعًا وأبو قحافة كنية والد أبي بكر
رضي الله عنهما (وقال) وَليل (للقوم: إذا نابكم) أي أصابكم ولأبوي ذر والوقت والأصيلي: ربكم
أي حدث لكم (أمر فليسبح الرجال) أي يقولوا سبحان الله (وليصفح النساء) أي يصفقن بأن
يضربن بأيديهن على ظهر الأخرى.
وفي الحديث جواز مباشرة الحاكم الصلح بين الخصوم وجواز ذهاب الحاكم إلى موضع
الخصوم للفصل بينهم إذا اضطر الأمر لذلك.
والحديث سبق في الصلاة في باب من دخل ليؤم الناس.

١٥١
كتاب الأحكام/ باب ٣٧
٣٧ - باب يُسْتَحَبُ لِلْكاتِبِ أنْ يَكُونَ أمينًا عاقِلاً
(باب) بالتنوين (يستحب للكاتب) للحكم (أن يكون أمينًا) في كتابته بعيدًا من الطمع
مقتصرًا على أجرة المثل (عاقلاً) غير مغفل لئلا يخدع.
٧١٩١ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ الله أبُو ثابتٍ، حَدَّثَنا إبراهيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ،
عَنْ عُبَيْدِ بْنِ السَّاقِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ قَالَ: بَعَثَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ لِمَقْتَل أهْلِ الْمَامَةِ، وَعِنْدَهُ عُمَرُ
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إنَّ عُمَرَ أتاني فَقالَ: إِنَّ الْقَتْلَ قَدِ اسْتَحَرَّ يَوْمَ الْيَمامَةِ بِقُرّاءِ الْقُرْآنِ، وَإِنّي أخْشى أنْ
يَسْتَحِرَّ الْقَتْلُ بِقُرَاءِ الْقُرْآنِ فِي الْمَواطِنِ كُلُّها، فَيَذْهَبَ قُرآنٌ كَثيرٌ، وَإِنّي أرى أنْ تَأْمُرَ بِجَمْعِ الْقُرْآنِ
قُلْتُ: كَيْفَ أَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللهِ وََّ؟ فَقَالَ عُمَرُ: هُوَ واللَّهِ خَيْرٌ، فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ
يُراجِعُنِي فِي ذلِكَ حَتّى شَرَحَ الله صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ لَهُ صَدْرَ عُمَرَ، وَرَأيْتُ فِي ذلِكَ الَّذِي رَأى
عُمَّرُ قالَ زيْدٌ: قالَ أَبُو بَكْرٍ وَإِنَّكَ رَجُلٌ شابًّ عاقِلٌ لا نَتَّهِمُكَ قَدْ كُنْتَ تَكْتُبُ الْوَحْيَ لِرَسُولٍ
الله ◌َ فَتَتَّبِعِ الْقُرْآنَ فَأَجْمَعْهُ قالَ زَيْدٌ: فَوَالله لَوْ كَلَّفَنِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الْجِبالِ ما كانَ بِأثْقَلَ عَلَيَّ
مِمّا كَلِّفَنِي مِنْ جَمْعِ الْقُرْآنِ، قُلْتُ: كَيْفَ تَفْعَلانِ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللهِ وََّ؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: هُوَ
وَالله خَيْرٌ فَلَمْ يَزَلْ يَحُثُّ مُراجَعَتِي حَتّى شَرَحَ اللهِ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ الله لَهُ صَدْرَ أَبِي بَكُرٍ
وَعُمَرَ، وَرَأيْتُ فِي ذلِكَ الَّذِي رَأْيًا فَتَتَبَّعْتُ الْقُرْآنَ أجْمَعُهُ مِنَ الْعُسُبِ وَالرِّقاعِ وَاللَّخافِ وَصُدُورٍ
الرِّجالِ، فَوَجَدْتُ آخِرَ سُورَةِ التّوْبَةِ ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] إلى آخِرِها
مَعَ خُزَيْمَةً أَوْ أَبِي خُزَيْمَةً فَالْحَقْتُها فِي سُورَتِها وَكانَتِ الصَّحُفُ عِنْدَ أبي بَكْرٍ حَياتَهُ حَتّى تَوَفَّاهُ الله
عَزَّ وَجَلَّ، ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ حَياتَهُ حَتّى تَوَفَّهُ الله، ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ. قالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ الله
اللّخافُ: يَعْنِي الْخَزَفَ.
وبه قال: (حدّثنا محمد بن عبيد الله) بضم العين ابن محمد بن زيد(أبو ثابت) مولى عثمان بن
عفان القرشي المدني الفقيه قال: (حدّثنا إبراهيم بن سعد) بسكون العين ابن إبراهيم بن
عبد الرحمن بن عوف (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن عبيد بن السباق) بضم العين
في الأوّل وفتح المهملة والموحدة المشددة وبعد الألف قاف الثقفي (عن زيد بن ثابت) الأنصاري
الخزرجي كاتب الوحي رضي الله تعالى عنه أنه (قال: بعث إلي) بتشديد الياء (أبو بكر) الصديق
رضي الله عنه (لمقتل) ولأبي ذر عن الحموي مقتل بإسقاط اللام والنصب (أهل اليمامة) من اليمن
وبها قتل مسيلمة ومن القراء سبعون أو سبعمائة (وعنده عمر) بن الخطاب رضي الله عنه (فقال) لي
(أبو بكر: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحرّ) بالسين المهملة الساكنة بعدها فوقية فحاء
مهملة فراء مشددة اشتدّ وكثر (يوم اليمامة بقرّاء القرآن) وسقط للكشميهني قد من قوله قد استحر
(وإني أخشى أن يستحر) يشتد (القتل بقرّاء القرآن في المواطن كلها فيذهب قرآن كثير وإني أرى أن

١٥٢
كتاب الأحكام/ باب ٣٧
تأمر بجمع القرآن) قال أبو بكر لزيد (قلت) لعمر (كيف أفعل شيئًا لم يفعله رسول الله وَّه فقال)
لي (عمر: هو) أي جمعه (والله خير). واستشكل التعبير بخير الذي هو أفعل التفضيل لأنه يلزم من
فعلهم هذا أن يكون خيرًا من تركه في الزمن النبوي وأجيب: بأنه خير بالنسبة لزمانهم والترك
كان خيرًا في الزمن النبوي لعدم تمام النزول واحتمال النسخ إذ لو جمع بين الدفتين وسارت به
الركبان إلى البلدان ثم نسخ لأدى ذلك إلى اختلاف عظيم قال أبو بكر: (فلم يزل عمر يراجعني
في ذلك حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر عمر ورأيت في ذلك الذي رأى عمر قال زيد
قال) لي (أبو بكر) رضي الله عنه: (وإنك) يا زيد وللكشميهني إنك (رجل) بإسقاط الواو وأشار
بقوله (شاب) إلى حدّه ونظره وقوّة ضبطهِ (عاقل لا نتهمك قد كنت تكتب الوحي لرسول الله(وَلاغير)
ذكر له أربع صفات مقتضية لخصوصيته بذلك. كونه شابًا فيكون أنشط لذلك، وكونه عاقلاً
فيكون أوعى له، وكونه لا يتهم فتركن النفس إليه، وكونه كان كاتب الوحي فيكون أكثر ممارسة
له. وقول ابن بطال عن المهلب إنه يدل على أن العقل أجلّ الخصال المحمودة لأنه لم یوصف زيد
بأكثر من العقل وجعله سببًا لائتمانه ورفع التهمة عنه، تعقبه في الفتح بأن أبا بكر ذكر عقب
الوصف المذكور قد كنت تكتب الوحي، فمن ثم اكتفى بوصفه بالعقل لأنه لو لم تثبت أمانته
وكفايته وعقله لما استكتبه النبي ◌َّ﴿ الوحي، وإنما وصفه بالعقل وعدم الاتهام دون ما عداهما
إشارة إلى استمرار ذلك له وإلاّ فمجرد قوله لا نتهمك مع قوله عاقل لا يكفي في ثبوت الأمانة
والكفاية فكم من بارع في العقل والمعرفة وجدت منه الخيانة (فتتبع القرآن فاجمعه) بالفاء ولأبي ذر
واجمعه (قال زيد: فوالله لو كلفني) أبو بكر (نقل جبل من الجبال ما كان) نقله (بأثقل عليّ) بتشديد
الياء (مما كلفني به) أبو بكر (من جمع القرآن. قلت): أي للعمرين (كيف تفعلان شيئًا لم يفعله
رسول الله وَ﴾. قال أبو بكر) رضي الله عنه: (هو والله خير فلم يزل يحث) بالمثلثة بعد المهملة
المضمومة ولأبي ذر يجب (مراجعتي) بالموحدة بدل المثلثة وضم أوله (حتى شرح الله صدري للذي
شرح الله له صدر أبي بكر وعمر ورأيت في ذلك الذي رأيا فتتبعت القرآن) حال كوني (أجمعه من
العسب) بضم العين والسين المهملتين آخره موحدة جريد النخل العريض المكشوط عنه الخوص
المكتوب فيه (والرقاع) بالراء المكسورة والقاف وبعد الألف عين مهملة جمع رقعة من جلد أو ورق
وفي رواية أخرى وقطع الأديم (واللخاف) باللام المشددة المكسورة والمعجمة وبعد الألف فاء
الحجارة الرقيقة أو الخزف كما في هذا الباب (وصدور الرجال) الذين حفظوه وجمعوه في
صدورهم في حياته 98 كاملاً كأبي بن كعب ومعاذ بن جبل (فوجدت آخر سورة التوبة ﴿لقد
جاءكم رسول من أنفسكم﴾ [التوبة: ١٢٨، ١٢٩] إلى آخرها مع خزيمة) بن ثابت بن الفاكه
بالفاء والكاف المكسورة الأنصاري الأوسي الذي جعل النبي وَ ل* شهادته شهادة رجلين (أو أبي
خزيمة) بن أوس بن يزيد وهو مشهور بكنيته الأنصاري النجاري بالشك. وعند أحمد والترمذي
من رواية عبد الرحمن بن مهدي عن إبراهيم بن سعد مع خزيمة بن ثابت، وفي رواية شعيب في
آخر سورة التوبة مع خزيمة الأنصاري، وفي مسند الشاميين من طريق أبي اليمان عند الطبراني

١٥٣
کتاب الأحكام/ باب ٣٨
خزيمة بن ثابت الأنصاري، لكن قول من قال مع أبي خزيمة أصح، وقد اختلف فيه على الزهري
فمن قائل مع أبي خزيمة ومن قائل مع خزيمة ومن شاك فيه يقول خزيمة أو أبي خزيمة، والأرجح
أن الذي وجد معه آخر سورة التوبة أبو خزيمة بالكنية والذي معه آية الأحزاب خزيمة. وعند أبي
داود في كتاب المصاحف من طريق ابن إسحق حدّثني يحيى بن عباد عن أبيه عباد بن عبد الله بن
الزبير قال: أتى الحارث بن خزمة إلى عمر بهاتين الآيتين ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم﴾ [التوبة:
١٢٨ - ١٢٩] إلى آخر السورة فقال: أشهد أني سمعتهما من رسول الله وَلّر ووعيتهما فقال عمر:
وأنا أشهد لقد سمعتهما. وخزمة قال في الإصابة: بفتح المعجمة والزاي ابن عدي بن أبي غنم بن
سالم الخزرجي الأنصاري (فألحقتها في سورتها. وكانت الصحف) التي كتبوا فيها القرآن ولأبي ذر
عن الکشمیھني فکانت بالفاء بدل الواو (عند أبي بكر) رضي الله عنه (حياته حتى توفاه الله عز
وجل، ثم عند عمر حياته حتى توفاه الله ثم عند حفصة بنت عمر) رضي الله عنهما.
(قال محمد بن عبيد الله) بضم العين ابن محمد بن زيد مولى عثمان بن عفان شيخ البخاري
المذكور أول هذا الباب (اللخاف) المذكور في الحديث (يعني) به: (الخزف) بالخاء والزاي المعجمتين
ثم فاء وفي الحديث اتخاذ الحاكم الكاتب وأن يكون الكاتب عاقلاً فطنًا مقبول الشهادة، ومراجعة
الکاتب للحاكم في الرأي ومشاركته له فيه.
والحديث سبق في براءة وغيرها.
٣٨ - باب كِتاب الْحاكِم إلى عُمَّالِهِ وَالْقاضي إلى أُمنائِهِ
(باب كتاب الحاكم إلى عماله) بضم العين وتشديد الميم جمع عامل وهو من يوليه على بلد
يجمع خراجها أو زكاتها ونحو ذلك (و) كتاب (القاضي إلى أمنائه) بضم الهمزة جمع أمين وهو من
يوليه في ضبط أموال الناس كالجباة.
٧١٩٢ - حدثنا عَبْدُ الله بْنُ يُوسُفَ، أخْبَرَنا مالِك، عَنْ أبي لَيْلى ح حَدَّثَنا إسْماعيلُ،
حَدَّثَنِي مالِكٌ، عَنُ أبِي لَيْلَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ سَهْلٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أبِي حَثْمَةَ أنَّه
أخْبَرَهُ هُوَ وَرِجال مِنْ كُبَراءِ قَوْمِهِ أَنَّ عَبْدَ الله بْنَ سَهْلٍ وَمُحَيِّصَةً خَرَجا إلى خَيْبَرَ مِنْ جَهْدِ أصابَهُمْ
فَأُخْبِرَ مُحَيِّصَةُ أنَّ عَبْدَ الله قُتِلَ وَطُرِحَ فِي فَقيرٍ - أوْ عَيْنٍ - فَأْتِى يَهُودَ فَقالَ: أَنْتُمْ وَالله قَتَلْتُمُوهُ
قالُوا: ما قَتَلْناهُ وَالله، ثُمَّ أَقْبَلَ حَتَّى قَدِمَ عَلى قَوْمِهِ فَذَكَرَ لَهُمْ وَأَقْبَلَ هُوَ وَأخُوهُ حُوَيِّصَةُ، وَهْوَ
أكْبرُ مِنْهُ وَعَبْدُ الرّحمنِ بْنُ سَهْلٍ، فَذَهَبَ لِيَتَكَلَّمَ وَهْوَ الَّذِي كَانَ بِخَيْبَرَ فَقالَ لِمُحَيِّصَةَ: ((كَبُرْ كَبُرْ))
يُريدُ السِّنَّ. فَتَكَلَّمَ حُوَيِّصَةُ ثُمَّ تَكَلَّمَ مُحَيِّصَةُ فَقالَ رَسُولُ اللهِوَلّى: ((إمّا أنْ يَدُوا صاحِبَكُمْ، وَإِمّا
أَنْ يُؤْذِنُوا بِحَرْبٍ)) فَكَتَبَ رَسُولُ اللهِّهِ إِلَيْهِمْ بِه فَكُتِبَ ما قَتَلْنَاهُ فَقَالَ رَسُولُ اللهِوَهْ لِحُوَيْصَةَ
وَمُحَيِّصَةَ وَعَبْدِ الرَّحمْنِ: ((أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُونَ دَمَ صاحِبِكُمْ)) قالُوا: لا قالَ: ((أَفَتَحْلِفُ لَكُمْ

١٥٤
کتاب الأحكام/ باب ٣٨
يَهُودُ))؟ قالُوا: لَيْسُوا بِمُسْلِمِينَ فَوَدَاهُ رَسُولُ اللهِوَهُ مِنْ عِنْدِهِ مِائَةَ نَاقَةٍ حَتَّى أُدْخِلَتِ الدّارَ. قالَ
سَهْلٌ: فَرَكَضَتْنِي مِنْها ناقَةٌ .
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) الدمشقي ثم التنيسي الكلاعي الحافظ قال: (أخبرنا
مالك) هو ابن أنس الإمام (عن أبي ليلى) بفتح اللامين بينهما تحتية ساكنة (ح) للتحويل قال
المؤلف :
(حدّثنا) ولأبي ذر والأصيلي وحدّثنا بواو العطف (إسماعيل) بن أبي أويس قال: (حدّثني)
بالإفراد (مالك) الإمام (عن أبي ليلى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سهل) بسكون الهاء بعد فتح
السين الأنصاري المدني ويقال اسمه عبد الله (عن سهل بن أبي حثمة) بفتح الحاء المهملة وسكون
المثلثة ابن ساعدة بن عامر الأنصاري الخزرجي المدني صحابي صغير (أنه أخبره هو ورجال من
كبراء قومه) أي عظمائهم (أن عبد الله بن سهل) أي ابن زيد بن كعب الحارثي (ومحيصة) بضم
الميم وفتح الحاء المهملة وتشديد التحتية المكسورة وفتح الصاد المهملة ابن مسعود بن كعب الحارثي
(خرجا إلى خيبر من جهد) فقر شديد (أصابهم) ليمتارا تمرًا (فأخبر) بضم الهمزة وكسر الموحدة
(محيصة أن عبد الله) بن سهل (قتل وطرح) بضم أولهما (في فقير) بفتح الفاء وكسر القاف أي في
حفيرة. قال في الصحاح: والفقير حفير يحفر حول الفسيلة إذا غرست تقول منه فقرت للودية
تفقيرًا (أو) قال: طرح في (عين) بالشك من الراوي. وعند محمد بن إسحق فوجد في عين قد
كسرت عنقه وطرح فيها (فأتى) محيصة (يهود فقال) لهم: (أنتم والله قتلتموه) قاله لقرائن قامت
عنده أو نقل إليه بخبر يوجب العلم (قالوا): مقابلة لليمين باليمين (ما قتلناه والله ثم أقبل) محيصة
(حتى قدم على قومه فذكر لهم) ذلك (وأقبل) ولأبي ذرّ فأقبل بالفاء بدل الواو محيصة (هو وأخوه
حويصة) بضم الحاء المهملة وفتح الواو وتشديد التحتية مكسورة بعدها صاد مهملة على رسول
الله وَلّ (وهو) أي حويصة (أكبر منه) أي من أخيه محيصة (عبد الرحمن بن سهل) أخو المقتول
(فذهب) أي محيصة (ليتكلم وهو الذي كان بخيبر فقال لمحيصة): ولغير أبي ذر فقال النبي وَّلـ
لمحيصة في رواية أخرى فذهب عبد الرحمن يتكلم فيجوز أن يكون كلٍّ من عبد الرحمن ومحيصة
أراد أن يتكلم فقال عليه الصلاة والسلام: (كبر كبر) أي قدم الأكبر (يريد السن فتكلم حويصة)
الذي هو أسن (ثم تكلم محيصة) أخوه وفي القسامة فقالوا: يا رسول الله انطلقنا إلى خيبر فوجدنا
أحدنا قتيلاً (فقال رسول الله (وَلايد):
(إما أن يدوا صاحبكم) بفتح التحتية وتخفيف الدال المهملة أي إما أن يعطي اليهود دية
صاحبكم (وإما أن يؤذنوا بحرب، فكتب رسول الله وَ ل# إليهم به) أي إلى أهل خيبر بالخبر الذي
نقل إليه (فكتب) بضم الكاف في الفرع كأصله وفي غيرهما بفتحها. قال في الكواكب: أي كتب
الحيّ المسمى باليهود قال وفيه تكلف. وقال في الفتح. أي الكاتب عنهم لأن الذي يباشر الكتابة
واحد. قال العيني: وفيه تكلف وللأصيلي وأبي ذر عن الكشميهني فكتبوا أي اليهود (ما قتلناه).

١٥٥
کتاب الأحكام/ باب ٣٩
وهذه الرواية أوجه وعلى رواية كتب بالضم يكون ما قتلناه في موضع رفع وزاد في رواية ولا
علمنا قاتله (فقال رسول الله وَله لحويصة ومحيصة وعبد الرحمن) أخي المقتول (أتحلفون) بهمزة
الاستفهام (وتستحقون دم صاحبكم) أي بدل دم صاحبكم فحذف المضاف أو صاحبكم معناه
غريمكم فلا يحتاج إلى تقدير والجملة فيها معنى التعليل لأن المعنى أتحلفون لتستحقوا وقد جاءت
الواو بمعنى التعليل في قوله تعالى: ﴿أو يوبقهن بما كسبوا ويعف عن كثير﴾ [الشورى: ٣٤]
المعنى ليعفو.
واستشكل عرض اليمين على الثلاثة وإنما هي لأخي المقتول خاصة. وأجاب في الكواكب:
بأنه كان معلومًا عندهم الاختصاص به وإنما أطلق الخطاب لهم لأنه كان لا يعمل شيئًا إلا
بمشورتهما إذ هو کالولد لهما.
(قالوا) ولأبي ذر فقالوا (لا) نحلف (قال) وَلّ لهم (أفتحلف لكم يهود) أنهم ما قتلوه
(قالوا) يا رسول الله (ليسوا بمسلمين) وفي الأحكام قالوا لا نرضى بأيمان اليهود وفي رواية أبي
قلابة ما يبالون أن يقتلونا أجمعين ثم يحلفون (فوداه) بتخفيف الدال المهملة من غير همز فأعطى ديته
(رسول الله وَلخر من عنده مائة ناقة حتى أدخلت) النوق (الدار. قال سهل) أي ابن أبي حثمة
(فركضتني منها ناقة). وفي رواية محمد بن إسحاق فوالله ما أنسى ناقة بكرة منها حمراء ضربتني
وأنا أحوزها. وفي القسامة فوداه مائة من إبل الصدقة ولا تنافي بينهما لاحتمال أن يكون اشتراها
من إبل الصدقة والمال الذي اشترى به من عنده أو من مال بيت المال المرصد للمصالح لما في ذلك
من مصلحة قطع النزاع وإصلاح ذات البين وجبرًا لخاطرهم وإلا فاستحقاقهم لم يثبت، وقد حكى
القاضي عياض عن بعضهم تجويز صرف الزكاة في المصالح العامة وتأوّل الحديث عليه.
واستشكل وجه المطابقة بين الحديث والترجمة لأنه ليس في الحديث أنه وَ ل# كتب إلى نائبه
ولا أمينه وإنما كتب إلى الخصوم أنفسهم. وأجاب ابن المنير: بأنه يؤخذ من مشروعية مكاتبة
الخصوم جواز مكاتبة النوّاب في حق غيرهم بطريق الأولى، والحديث سبق في القسامة.
٣٩ - باب هَلْ يَجُوزُ لِلْحائِمِ
أن يَبْعَثَ رَجُلاً وَخْدَهُ لِلنَّظَرِ فِي الأُمُورِ؟
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (هل يجوز للحاكم أن يبعث رجلاً حال كونه وحده للنظر) أي
لأجل النظر ولأبي ذر عن المستملي والكشميهني ينظر (في الأمور)؟ المتعلقة بالمسلمين وجواب
الاستفهام في الحديث.
٧١٩٣ - ٧١٩٤ - حدثنا آدَمُ، حَدَّثَنا ابْنُ أبي ذِئْبٍ، حَدَّثَنا الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ الله بْنِ
عَبْدِ الله، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ، وَزَيْدِ بْنِ خالِدِ الْجُهَنِيِّ قالا: جاءَ أغْرابِيَّ فَقالَ: يا رَسُولَ الله أَقْضٍ

١٥٦
كتاب الأحكام/ باب ٣٩
بَيْنَنا بِكِتابِ الله فَقامَ خَصْمُهُ فَقالَ: صَدَقَ فَأَقْضِ بَيْنَنا بِكِتابِ الله فَقالَ الأعْرابِيُّ: إنَّ أَبْني كانَ
عَسيفًا عَلى هذا فَزَنى بِأمْرَأْتِهِ فَقالُوا لي: عَلى أَبْنِكَ الرَّجْمُ، فَفَدَيْتُ أَبْنِي مِنْهُ بِمِائَةٍ مِنَ الْغَنَمِ
وَوَلِيدَةٍ، ثُمَّ سَألْتُ أهْلَ الْعِلْمِ فَقالُوا: إنَّما عَلَى أَبْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عامِ، فَقالَ النَّبِيِّ ◌َّ:
(لأقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتابِ اللهِ، أَمَّا الْوَلِيدَةُ وَالْغَتَمُ فَرَدِّ عَلَيْكَ وعَلَى أَبْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عامٍ وَأَمّا
أَنْتَ يا ◌ُنَيْسُ)) لِرَجُلِ ((فَاغْدُ عَلَى آمْرَأَةِ هذا فَأَرْجُمْها)) فَغَدا عَلَيْها أُتَيْسٌ فَرَجَمَها.
وبه قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس قال: (حدّثنا ابن أبي ذئب) محمد بن عبد الرحمن بن
المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب واسمه هشام قال: (حدّثنا الزهري) محمد بن مسلم (عن عبيد الله)
بضم العين (ابن عبد الله) بن عتبة بن مسعود أحد الفقهاء السبعة (عن أبي هريرة) عبد الرحمن بن
صخر (وزيد بن خالد الجهني) رضي الله عنهما أنهما (قالا: جاء أعرابي) واحد الأعراب وهم
سكان البوادي (فقال: يا رسول الله اقضٍ بيننا بكتاب الله) أي بما تضمنه أو بحكم الله المكتوب
على المكلفين (فقام خصمه) هو في الأصل مصدر خصمه يخصمه إذا نازعه وغالبه ثم أطلق على
المخاصم وصار اسمًا له فلذا يطلق على المفرد والمذكر وفروعهما ولم يسم الخصم وزاد في رواية
وكان أفقه منه (فقال: صدق) يا رسول الله وفي رواية نعم (فاقض بيننا بكتاب الله). قال
البيضاوي: إنما تواردا على سؤال الحكم بكتاب الله مع أنهما يعلمان أنه لا يحكم إلا بحكم الله
ليفصل بينهما بالحق الصرف لا بالمصالحة والأخذ بالأرفق لأن للحاكم أن يفعل ذلك برضا
الخصمين (فقال الأعرابي: إن ابني كان عسيفًا) فعيل بمعنى مفعول كأسير بمعنى مأسور وقيل
بمعنى فاعل كعليم بمعنى عالم أي أجيرًا (على) خدمة (هذا) أو على بمعنى عند أي عنده أو بمعنى
اللام أي أجيرًا لهذا (فزنى بامرأته) معطوف على كان عسيفًا ولم تسم المرأة (فقالوا لي: على ابنك
الرجم) بالرفع ولأبي ذر عن الحموي والمستملي أن على ابنك الرجم بزيادة ونصب الرجم اسمها
(ففديت ابني منه) من الرجم (بمائة من الغنم ووليدة) فعيلة بمعنى مفعولة أمة (ثم سألت أهل
العلم فقالوا) لي (إنما على ابنك جلد مائة وتغريب عام، فقال النبي (َّ):
(لأقضين بينكما بكتاب الله) أي بحكم الله وهو أولى من التفسير بما تضمنه القرآن لأن
الحكم فيه التغريب والتغريب ليس مذكورًا فيه. نعم يحتمل أن يكون أراد ما كان متلوًّا فيه،
ونسخت تلاوته وبقي حكمه وهو: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتّة نكالاً من الله لكن يبقى
التغريب (أما الوليدة والغنم فرد) أي مردودة (عليك) فأطلق المصدر على المفعول كقوله تعالى:
﴿هذا خلق الله﴾ [لقمان: ١١] أي مخلوقه (وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام). مصدر غرب
مضاف إلى ظرفه لأن التقدير أن يجلد مائة وأن يغرب عامًا وليس هو ظرفًا على ظاهره مقدّرًا بفي
لأنه ليس المراد التغريب فيه حتى يقع في جزء منه بل المراد أن يخرج فيلبث عامًا فيقدّر يغرب
بيغيب أي يغيب عامًا وهذا يتضمن أن ابنه كان غير محصن واعترف بالزنا فإن إقرار الأب عليه
غير مقبول نعم إن کان من باب الفتوی فیکون معناه إن کان ابنك زنی وهو بکر فحده ذلك (وأما

١٥٧
كتاب الأحكام/ باب ٤٠
أنت يا أنيس) بضم الهمزة وفتح النون مصغرًا (الرجل) من أسلم وهو ابن الضحاك (فاغد) بالغين
المعجمة (على امرأة هذا) أي انتها غدوة أو امش إليها (فارجمها) إذا اعترفت (فغدا عليها أنيس)
فاعترفت (فرجمها). وفي رواية الليث: فاعترفت فأمر بها رسول الله بَّ فرجمت، وظاهره كما في
الفتح أن ابن أبي ذئب اختصره فقال: فغدا عليها أنيس فرجمها أو فرجمها أنيس لأنه كان حاكمًا في
ذلك، وعلى رواية الليث يكون رسولاً ليسمع إقرارها وتنفيذ الحكم منه عليه الصلاة والسلام.
واستشكل من حيث كونه اكتفى في ذلك بشاهد واحد. وأجيب: بأنه ليس في الحديث
نص بانفراده بالشهادة فيحتمل أن غيره شهد عليها، واستدل به على وجوب الأعذار والاكتفاء فيه
بشاهد واحد، وأجاب القاضي عياض باحتمال أن يكون ذلك ثبت عند النبي ◌َّهر بشهادة هذين
الرجلين.
قال في الفتح: والذي تقبل شهادته من الثلاثة والد العسيف فقط، وأما العسيف والزوج
فلا. قال: وغفل بعض من تبع القاضي عياضًا فقال: لا بدّ من هذا الحمل وإلا لزم الاكتفاء
بشهادة واحد في الإقرار بالزنا ولا قائل به، ويمكن الانفصال عن هذا بأن أنيسًا بعث حاكمًا
فاستوفى شروط الحكم ثم استأذن في رجمها فأذن له في رجمها وكيف يتصوّر من الصورة المذكورة
إقامة الشهادة عليها من غير تقدم دعوى عليها ولا على وكيلها مع حضورها في البلد غير متوارية
إلا أن يقال إنها شهادة حسيّة؟ فيجاب: بأنه لم يقع هناك صيغة الشهادة المشروطة في ذلك. وقال
المهلب: فيه حجة لمالك في جواز إنفاذ الحاكم رجلاً واحدًا في الأعذار وفي أن يتخذ واحدًا يثق
به يكشف له عن حال الشهود في السر كما يجوز له قبول الفرد فيما طريقه الخبر لا الشهادة،
والحكمة في إيراد البخاري الترجمة بصيغة الاستفهام كما نبه عليه في فتح الباري الإشارة إلى
خلاف محمد بن الحسن مما نقله ابن بطال عنه حيث قال: لا يجوز للقاضي أن يقول: أقر عندي
فلان بكذا الشيء يقضي به عليه من قتل أو مال أو عتق أو طلاق حتى يشهد معه على ذلك
غيره، وادّعى أن مثل هذا الحكم الذي في حديث الباب خاص بالنبي ◌َّ قال: وينبغي أن يكون
في مجلس القاضي أبدًا عدلان يسمعان من يقر ويشهدان على ذلك فينفذ الحكم بشهادتهما.
والحديث سبق في الصلح والأيمان والنذور والمحاربين والوكالة.
٤٠ - باب تَرْجَمَةِ الْحُكْامِ وَهَلْ يَجُوزُ تُرْجُمانٌ واحِدٌ؟
(باب ترجمة الحكام) بصيغة الجمع ولأبي ذر عن الكشميهني الحاكم والترجمة تفسير الكلام
بلسان غير لسانه يقال ترجم كلامه إذا فسره بلسان آخر (وهل يجوز ترجمان واحد)؟ بفتح الفوقية
وضمها قال أبو حنيفة وأحمد يكفي واختاره البخاري وآخرون وقال الشافعي وأحمد في رواية عنه
إذا لم يعرف الحاكم لسان الخصم لا يقبل فيه إلا عدلان كالشهادة وقال أشهب وابن نافع عن
مالك يترجم له ثقة مسلم مأمون واثنان أحب إليّ.

١٥٨
كتاب الأحكام/ باب ٤٠
٧١٩٥ - وقال خارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ: عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ إِنَّ النَّبِيَّ وَّهِ أَمَرَهُ أنْ يَتَعَلَّمَ
كِتَابَ الْيَهُودِ حَتَّى كَتَبْتُ لِلنَّبِيِّ وَ كُتُبَهُ وَأقْرَأْتُهُ كُتُبَهُمْ إذا كَتَبُوا إِلَيْهِ وَقَالَ عُمَرُ: وَعِنْدَهُ عَلِيٍّ
وَعَبْدُ الرَّحْمْنِ وَعُثْمانُ ماذا تَقُولُ هذِهِ؟ قالَ عَبْدُ الرّحمَنِ بْنُ حاطِبٍ فَقُلْتُ: تُخْبِرُكَ بِصاحِبِهِما
الَّذِي صَنَعَ بِهِما وَقَالَ أَبُو جَمْرَةَ: كُنْتُ أُتَرْجِمُ بَيْنَ ابْنِ عَبَّاسِ وَبَيْنَ النّاسِ. وَقَالَ بَعْضُ النّاسِ:
لا بُدَّ لِلْحَاكِمِ مِنْ مُتَرْجِمَيْنِ.
(وقال خارجة بن زيد بن ثابت) فيما وصله البخاري في تاريخه (عن) أبيه (زيد بن ثابت)
رضي الله عنه (أن النبي ◌َّر أمره أن يتعلم كتاب اليهود) أي كتابتهم يعني خطهم ولأبي ذر عن
الكشميهني كتاب اليهودية بياء النسبة (حتى كتبت للنبي زَّل قر كتبه) إليهم (وأقرأته كتبهم) أي التي
يكتبونها (إذا كتبوا إليه) وقد وصله مطوّلاً في الذبائح بلفظ قال: أتى بي النبي وَّر مقدمه المدينة
فأعجب بي فقيل له: هذا غلام من بني النجار قد قرأ مما أنزل الله عليك بضع عشرة سورة
فاستقرأني فقرأت ق فقال لي: تعلم كتاب اليهود فإني لا آمن يهود على كتابي فتعلمته في نصف
شهر حتى كتبت له إلى يهود وأقرأ له إذا كتبوا إليه.
(وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه (و) الحال أن (عنده عليّ) أي ابن أبي طالب
(وعبد الرحمن) بن عوف (وعثمان) بن عفان رضي الله عنهم (ماذا تقول هذه)؟ المرأة وكانت
حاضرة عندهم (قال عبد الرحمن بن حاطب) بالحاء والطاء المهملتين بينهما ألف آخره موحدة ابن
أبي بلتعة مترّما عنها لعمر عن قولها إنها حملت من زنا من عبد اسمه برغوس بالراء والغين
المعجمة والسين المهملة لأنها كانت نوبية بضم النون وكسر الموحدة وتشديد التحتية أعجمية من
جملة عتقاء حاطب (فقلت) يا أمير المؤمنين (تخبرك بصاحبهما الذي صنع بهما) وصله عبد الرزاق
وسعيد بن منصور نحوه ولأبي ذر بصاحبها الذي صنع بها.
(وقال أبو جمرة): بالجيم المفتوحة وسكون الميم نصر بن عمران الضبعي البصري (كنت
أترجم بين ابن عباس رضي الله عنهما (وبين الناس) زاد النسائي فيما وصله عنه فأتته امرأة
فسألته عن نبيذ الجرّ فنهى عنه الحديث. وسبق في كتاب العلم عند المؤلف.
(وقال بعض الناس): محمد بن الحسن وكذا الشافعي (لا بدّ للحاكم من مترجمين) بكسر
الميم بصيغة الجمع قال ابن قرقول لأنه لا بد له عمن يتكلم بغير لسانه وذلك يتكرر فيتكرر
المترجمون وروي بفتح الميم بصيغة التثنية وهو المعتمد كما في الفتح.
٧١٩٦ - حدثنا أَبُو الْيَمانِ، أخْبَرَنا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أخْبَرَنِي عُبَيْدُ الله بْنُ عَبْدِ الله أنَّ
عَبْدَ الله بْنَ عَبّاسٍ أخْبَرَهُ أنَّ أبا سُفْيانَ بْنَ حَرْبٍ أخْبَرَهُ أنَّ هِرَقْلَ أرْسَلَ إلَيْهِ فِي رَكْبٍ مِنْ قُرَيْشٍ

١٥٩
كتاب الأحكام/ باب ٤١
ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمانِهِ: قُلْ لَهُمْ إِنّي سائِلٌ هذا فَإنْ كَذَبَنِي فَكَذِّبُوهُ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فَقَالَ لِلتَّرْجُمانِ: قُلْ
لَهُ إِنْ كانَ ما تَقُولُ حَقًّا فَسَيَمْلِكُ مَوْضِعَ قَدَمَيَّ هاتَيْنِ.
وبه قال: (حدثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن
الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه قال: (أخبرني) بالإفراد (عبيد الله) بضم العين (ابن
عبد الله) بن عتبة بن مسعود (أن عبد الله بن عباس) رضي الله عنهما (أخبره أن أبا سفيان بن
حرب أخبره أن هرقل) قيصر ملك الروم (أرسل إليه) حال كونه (في) أي مع (ركب من قريش)
ثلاثين رجلاً (ثم قال) هرقل (الترجمانه: قل لهم إني سائل هذا) أي عن النبي وَّر (فإن كذبني)
بالتخفيف أي نقل إلي كذبًا (فكذبوه) بالتشديد (فذكر الحديث. فقال) هرقل (للترجمان: قل له) أي
لأبي سفيان (إن كان ما تقول) من أوصافه الشريفة (حقًّا فسيملك) بضم اللام في اليونينية مع
كشط تحت اللام (موضع قدمي هاتين). أرض بيت المقدس أو أرض ملكه.
واستشكل دخول هذا الحديث هنا من جهة أن فعل هرقل الكافر لا يحتجّ به. وأجيب: بأنه
يؤخذ من صحة استدلاله فيما يتعلق بالنبوّة والرسالة أنه كان مطّلعًا على شرائع الأنبياء فتحمل
تصرفاته على وقف الشريعة التي كان متمسكًا بها، وأيضًا تقرير ابن عباس وهو من الأئمة الذين
يقتدى بهم على ذلك، ومن ثم احتج باكتفائه بترجمة أبي جمرة له فالأمران راجعان لابن عباس
أحدهما من تصرفه والآخر من تقريره، فإذا انضم إلى ذلك نقل عمر ومن معه من الصحابة ولم
ينقل عن غيره خلافه قويت الحجة. واختلف هل يكفي ترجمان واحد؟ قال محمد بن الحسن:
لا بدّ من رجلين أو رجل وامرأتين. وقال الشافعي: هو كالبينة. وعن مالك روايتان، ونقل
الكرابيسي عن مالك والشافعي الاكتفاء بترجمان واحد فيرجع الخلاف إلى أنها أخبار أو شهادة قاله
في فتح الباري.
٤١ - باب مُحاسَبَةِ الإمام عُمَّالَهُ
(باب محاسبة الإمام عماله) بضم العين جمع عامل ولأبي ذر مع عماله.
٧١٩٧ - حدثنا مُحمَّدٌ أخبَرَنا عَبْدَةُ، حَدَّثَنا هِشامُ بْنُ عُزْوَةَ، عَنْ أبيهٍ عَنْ أبي حُمَيْدٍ
السّاعِدِيِّ أنَّ النَّبِيَّ وَّهِ أَسْتَعَمَلَ ابْنَ الأَتْبِيَّةِ عَلى صَدَقَاتِ بَنِي سُلَيْم، فَلَمَا جاءَ إلى رَسُولِ اللهِ وَّ
وَحَاسَبَهُ قَالَ: هَذَا الَّذِي لَكُمْ وَهذِهِ هَدِيَّةٌ أُهْدِيَتْ لِي فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((فَهَلاَ جَلَسْتَ فِي بَيْتِ
أبيكَ وَبَيْتِ أُمْكَ حَتّى تَأْتِيَكَ هَدِيَّتُكَ إنْ كُنْتَ صادِقًا)) ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ فَخَطَبَ النّاسَ وَحَمِدَ
الله وَأَثْنِى عَلَيْهِ ثُمَّ قالَ: ((أمّا بَعْدُ فَإِنِّي أُسْتَعْمِلُ رِجالاً مِنْكُمُ عَلى أُمُورٍ مِمَا وَلاَتِي الله فَيَأْتِي
أحَدُكُمْ فَيَقُولُ: هذا لَكُمْ وَهذِهِ هَدِيَّةٌ أُهْدِيَتْ لِي فَهَلاَ جَلَسَ فِي بَيْتِ أبيهِ وَبَيْتِ أُمِّهِ حَتّى تَأْتِيَهُ
هَدِيَّتُهُ إنْ كانَ صادِقًا فَوَالله لا يَأْخُذُ أحَدُكُمْ مِنْها شيْئًا)» قالَ هِشامٌ: ((بِغَيْرِ حَقِّهِ إلاّ جاءَ الله يَحْمِلُهُ

١٦٠
كتاب الأحكام/ باب ٤١
يَوْمَ الْقِيامَةِ ألا فَلأَغْرِفَنَّ ما جاءَ الله رَجُلٌ بِبَعيرِ لَهُ رُغاءٌ، أوْ بَقَرَةٍ لَها خُوارٌ، أوْ شاةٍ تَيْعَرَ)) ثُمَّ رَفَعَ
يَدَيْهِ حَتْى رَأيْتُ بَيَاضَ إِنْطَيْهِ ((ألا هَلْ بَلَّغْتَ))؟
وبه قال: (حدّثنا محمد) هو ابن سلام قال: (أخبرنا عبدة) بن سليمان قال: (حدّثنا
هشام بن عروة عن أبيه) عروة بن الزبير (عن أبي حميد) بضم الحاء المهملة وفتح الميم (الساعدي)
رضي الله عنه (أن النبي ◌َّ- استعمل ابن الأتبية) بضم الهمزة بعدها مثناة فوقية مفتوحة فموحدة
مكسورة فتحتية مشددة. وفي رواية اللتبية باللام المضمومة بدل الهمزة وفتح المثناة الفوقية. قال
القاضي عياض: وضبطه الأصيلي بخطه في باب هدايا العمال بضم اللام وسكون المثناة وكذا قيده
ابن السكن وقال: إنه الصواب واسمه عبد الله واللتبية أمه (على صدقات بني سليم) بضم السين
وفتح اللام (فلما جاء إلى رسول الله) ولأبي ذر إلى النبي (مَ﴿ وحاسبه) على ما قبض وصرف
(قال) لرسول الله ويليخر (هذا الذي لكم وهذه) وللكشميهني وهذا (هدية أهديت لي فقال رسول الله)
ولأبي ذر النبي (َّر) له:
(فهلا) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي ألا بفتح الهمزة وتشديد اللام وهما بمعنى (جلست
في بيت أبيك وبيت أمك حتى تأتيك هديتك إن كنت صادقًا) في دعواك (ثم قام رسول الله وَّم
فخطب الناس وحمد الله) ولأبي ذر فحمد الله بالفاء بدل الواو (وأثنى عليه ثم قال: أما بعد) أي
بعدما ذكر من حمد الله والثناء عليه (فإني أستعمل رجالاً منكم على أمور مما ولآني الله فيأتي أحدكم)
ولأبي ذر أحدهم (فيقول هذا لكم وهذه هدية أهديت لي فهلا) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي إلا
(جلس في بيت أبيه وبيت أمه حتى تأتيه هديته إن كان صادقًا فوالله لا يأخذ أحدكم منها) من
الصدقة التي قبضها (شيئًا، قال هشام) أي ابن عروة (بغير حقه إلا جاء الله يحمله) أي الذي أخذه
(يوم القيامة) ولم يقع قوله قال هشام عند مسلم في رواية ابن نمير عن هشام بدون قوله بغير
حقه. قال في الفتح: وهو مشعر بإدراجها (ألا) بفتح الهمزة وتخفيف اللام (فلأعرفن) اللام
جواب القسم ولأبي ذر عن المستملي فلا أعرفن بألف بعد فلا بلفظ النفي (ما جاء الله رجل)
يحتمل أن تكون ما موصولة بمعنى من أطلقت على صفة من يعقل وهو الجائي ورجل فاعل مقدر
أي جاءه رجل ويحتمل أن تكون مصدرية أي فلأعرفن مجيء رجل إلى الله (ببعير له رغاء) بضم
الراء وتخفيف المعجمة ممدود صوت (أو بقرة لها خوار) بضم الخاء المعجمة وتخفيف الواو صوت
(أو شاة تيعر) بفتح الفوقية وسكون التحتية وفتح العين المهملة بعدها راء تصوّت (ثم رفع) إقليم
(يديه) بالتثنية (حتى رأيت بياض إبطيه) وفي باب هدايا العمال حتى رأينا عفرتي إبطيه والعفرة
بضم المهملة وسكون الفاء بياض ليس بالناصع قائلاً (ألا) بالتخفيف (هل بلغت). حكم الله إليكم
وأعادها في الباب المذکور ثلاثًا.
وفيه مشروعية محاسبة العمال ومنعهم من قبول الهدية ممن لهم عليه حكم وسبق الحديث في
باب هدايا العمال وغيره.