Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
کتاب الفتن/ باب ٧
وبه قال: (حدّثنا محمد) غير منسوب فجزم الحاكم فيما ذكره الجياني بأنه محمد بن يحيى
الذهلي وقال الحافظ ابن حجر يحتمل أن يكون هو ابن رافع فإن مسلمًا أخرج هذا الحديث عن
محمد بن رافع عن عبد الرزاق وتعقبه العيني فقال هذا الاحتمال بعيد فإن إخراج مسلم عن
محمد بن رافع عن عبد الرزاق لا يستلزم إخراج البخاري كذلك قال: (أخبرنا عبد الرزاق) أبو
بكر بن همام بن نافع الصنعاني أحد الأعلام (عن معمر) بفتح الميمين ابن راشد (عن همام) بفتح
الهاء وتشديد الميم بعدها ابن منبه أنه قال: (سمعت أبا هريرة) رضي الله عنه (عن النبي ◌َّ) أنه
(قال):
(لا يشير أحدكم على أخيه بالسلاح) بإثبات التحتية بعد المعجمة من قوله لا يشير نفي
بمعنى النهي ولبعضهم بإسقاطها بلفظ النهي قال في الفتح وكلاهما جائز (فإنه) أي الذي يشير (لا
يدري لعل الشيطان ينزع في يده) بفتح التحتية وكسر الزاي بينهما نون ساكنة آخره عين مهملة أي
يقلعه من يده فيصيب به الآخر أو يشد يده فيصيبه ولأبي ذر عن الكشميهني ينزغ بفتح الزاي
بعدها غين معجمة أي يحمل بعضهم على بعض بالفساد (فيقع) في معصية تُفضي به إلى أن يقع
(في حفرة من النار) يوم القيامة وفيه النهي عما يُفضي إلى المحذور وإن لم يكن المحذور محققًا سواء
كان ذلك في جدّ أو هزل.
وهذا الحديث أخرجه مسلم في الأدب.
٧٠٧٣ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الله، حَدَّثَنَا سُفْيانُ، قالَ: قُلْتُ لِعَمْرِو يا أبا مُحَمَّدٍ سَمِعْتَ
جَابِرَ بْنَ عَبْدِ الله يَقُولُ: مَرَّ رَجُلٌ بِسِهامٍ فِي الْمَسْجِدٍ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ وَرَ: ((أمْسِكْ بِنِصالِها)).
قالَ: نَعَمْ.
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) بن المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (قال: قلت
لعمرو) هو ابن دينار (يا أبا محمد سمعت) بفتح التاء (جابر بن عبد الله) الأنصاري رضي الله
عنهما (يقول: مرّ رجل) لم أعرف اسمه (بسهام في المسجد فقال له رسول الله وَل﴿):
(أمسك) بهمزة قطع مفتوحة وكسر السين (بنصالها) جمع نصل وهو حديد السهم ويجمع
أيضًا على نصول (قال) عمرو بن دينار جوابًا السؤال سفيان بن عيينة (نعم) سمعته يقول ذلك
وسقط قوله نعم في باب يأخذ بنصول النبل إذا مر في المسجد من كتاب الصلاة، وقول ابن بطال
حديث جابر لا يظهر فيه الإسناد لأن سفيان لم يقل إن عمرًا قال له نعم فبان بقوله نعم في
الرواية الأخرى إسناد الحديث. قال في الفتح: هذا مبني على المذهب المرجوح في اشتراط قول
الشيخ نعم إذا قال له القارىء مثلاً أحدّثك فلان؟ والمذهب الراجح الذي عليه أكثر المحققين أن
ذلك لا يشترط بل يكتفى بسكوت الشيخ إذا كان متيقظًا.

٢٢
کتاب الفتن/ باب ٨
٧٠٧٤ - حدثنا أبو النُّعْمانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ، عَنْ جابِرٍ أنَّ
رَجُلاً مَرَّ فِي الْمَسْجِدِ بِأَسْهُمٍ قَدْ أبْدِى نُصُولَها فَأَمَرَ أنْ يَأْخُذَ بِنُصُولِها لا يَخْدِشُ مُسْلِمًا.
وبه قال: (حدّثنا أبو النعمان) محمد بن الفضل السدوسي قال: (حدّثنا حماد بن زيد) أي
ابن درهم الإمام أبو إسماعيل الأزدي أحد الأعلام (عن عمرو بن دينار) أبي محمد الجمحي
مولاهم المكي (عن جابر) رضي الله عنه (أن رجلاً مرّ في المسجد) النبوي (بأسهم) جمع سهم في
القلة وفيه دلالة على أن قوله في الأول بسهام أنها سهام قليلة (قد أبدى) أي أظهر (نصولها)
وللأصيلي وأبي ذر عن الكشميهني بدا نصولها (فأمر) ◌َ ﴿ الرجل (أن يأخذ بنصولها) أي يقبض
عليها بكفه كما في الرواية اللاحقة وفي نسخة فأمر بضم الهمزة (لا يخدش مسلمًا). بفتح التحتية
وسكون الخاء المعجمة من خدش يخدش أي لا يقشر جلد مسلم، والخدش أول الجراح وهذا
تعليل للأمر بالإمساك على النصال.
٧٠٧٥ - حقّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ عَنْ أبي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي
مُوسى عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ قالَ: ((إذا مَرَّ أحَدُكُمْ فِي مَسْجِدِنا أوْ فِي سُوقِنا وَمَعَهُ نَبْلٌ فَلْيُمْسِكْ عَلى
نِصالِها، أوْ قالَ فَلْيَقْبِضْ بِكَفْهِ أنْ يُصِيبَ أحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْها شَيْءٌ».
وبه قال: (حدّثنا محمد بن العلاء) أبو كريب الهمداني قال: (حدّثنا أبو أسامة) حماد بن
أسامة (عن بريد) بضم الموحدة ابن عبد الله (عن) جدّه (أبي بردة عن) أبيه (أبي موسى) الأشعري
رضي الله عنه (عن النبي ◌ٍِّ) أنه (قال):
(إذا مرّ أحدكم في مسجدنا أو في سوقنا ومعه نبل) بفتح النون وسكون الموحدة السهام
العربية لا واحد لها من لفظها وأو للتنويع لا للشك والواو في قوله ومعه للحال (فليمسك على
نصالها) عدّاه بعلى للمبالغة وإلا فالأصل فليمسك بنصالها (أو قال) مَ لتر (فليقبض بكفه) عليها
وليس المراد خصوص ذلك بل يحرص على أن لا يصيب مسلمًا بوجه من الوجوه كما دل عليه
التعليل بقوله (أن يصيب) بفتح الهمزة أي كراهية أن يصيب ولمسلم لئلا يصيب بها (أحدًا من
المسلمين منها شيء). ولأبي ذر والأصيلي: بشيء بزيادة حرف الجر.
٨ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ ◌ٍَّ:
(لا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارَا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقابَ بَعْضٍ))
(باب قول النبي ◌َّهر: لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض).
٧٠٧٦ - حدثنا عُمَرُ بْنُ حَقْصٍ، حَذْثَنِي أَبِي، حَدَّثَنا الأعْمَشُ، حَدَّثَنَا شَقِيقٌ قالَ: قالَ
عَبْدُ الله قالَ النَّبِيُّ ◌َّرِ: ((سِبابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتالُهُ كُفْرً)).

٢٣
كتاب الفتن/ باب ٨
وبه قال: (حدّثنا عمر بن حفص) قال (حدّثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (أبي) حفص بن
غياث قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان بن مهران قال: (حدَّثنا شقيق) أبو وائل بن سلمة (قال:
قال عبد الله) بن مسعود رضي الله عنه (قال النبي وَل﴾):
(سباب المسلم) بكسر السين وتخفيف الموحدة مصدر مضاف للمفعول يقال سب يسب سبًّا
وسبابًا. قال إبراهيم الحربي: السباب أشد من السب وهو أن يقول في الرجل ما فيه وما ليس فيه
يريد بذلك عيبه، وقال غيره: السباب هنا مثل القتال فيقتضى المفاعلة، ولأحمد عن غندر عن
شعبة سباب المؤمن (فسوق) وهو في اللغة الخروج وفي الشرع الخروج عن طاعة الله ورسوله وهو
في الشرع أشد العصيان قال تعالى: ﴿وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان﴾ [الحجرات: ٧]
ففيه تعظيم حق المسلم والحكم على من سبه بغير حق بالفسق (وقتاله) ومقاتلته (كفر) ظاهره غير
مراد فلا متمسك به للخوارج لأنه لما كان القتال أشد من السباب لأنه مُفضٍ إلى إزهاق الروح عبّر
عنه بلفظ أشد من لفظ الفسق وهو الكفر ولم يرد حقيقة الكفر التي هي الخروج عن الملة بل أطلق
عليه الكفر مبالغة في التحذير معتمدًا على ما تقرر من القواعد، أو المعنى إذا كان مستحلاً أو أن
قتال المؤمن من شأن الكافر أو المراد الكفر اللغوي الذي هو التغطية، لأن حق المسلم على المسلم
أن يعينه وينصره ويكف عنه أذاه فلما قاتله كان كأنه غطى هذا الحق.
والحديث سبق في الإيمان.
٧٠٧٧ - حذّثنا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهالٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أخْبَرَنِي واقِدٌ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ
سَمِعَ النَّبِيِّ وَهِ يَقُولُ: ((لا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقابَ بَعْضٍ)).
وبه قال: (حدّثنا حجاج بن منهال) بكسر الميم الأنماطي البصري قال: (حدّثنا شعبة) بن
الحجاج قال: (أخبرني) بالإفراد (واقد) بالقاف ولأبي ذر واقد بن محمد أي العمري (عن أبيه)
محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر (عن ابن عمر) رضي الله عنهما (أنه سمع النبي وَّر يقول) في
حجة الوداع عند جمرة العقبة:
(لا ترجعوا) بصيغة النهي أي لا تصيروا ولأبي ذر مما في الفتح لا ترجعون (بعدي كفارًا)
بصيغة الخبر (يضرب بعضكم رقاب بعض) برفع يضرب في الفرع كأصله قيل وهو الذي رواه
المتقدمون والمتأخرون وفيه وجوه أن يكون جملة صفة لكفارًا أي: لا ترجعوا بعدي كفارا متّصفين
بهذه الصفة القبيحة يعني ضرب بعضكم رقاب بعض، وأن يكون حالاً من ضمير لا ترجعوا أي
لا ترجعوا بعدي كفارًا حال ضرب بعضكم رقاب بعض، وأن يكون جملة استئنافية كأنه قيل:
كيف يكون الرجوع كفارًا؟ فقال: يضرب بعضكم رقاب بعض. فعلى الأوّل يجوز أن يكون معناه
لا ترجعوا عن الدين بعدي فتصيروا مرتدين مقاتلين بضرب بعضكم رقاب بعض بغير حق على
وجه التحقيق، وأن يكون لا ترجعوا كالكفار المقاتل بعضهم بعضًا على وجه التشبيه بحذف أداته،

٢٤
کتاب الفتن/ باب ٨
وعلى الثاني يجوز أن يكون معناه لا تكفروا حال ضرب بعضكم رقاب بعض لأمر يعرض بينكم
باستحلال القتل بغير حق وأن يكون لا ترجعوا حال المقاتلة لذلك كالكفار في الانهماك في تهييج
الشر وإثارة الفتن بغير إشفاق منكم بعضكم على بعض في ضرب الرقاب، وعلى الثالث يجوز أن
يكون معناه لا يضرب بعضكم رقاب بعض بغير حق فإنه فعل الكفار وأن يكون لا يضرب
بعضكم رقاب بعض كفعل الكفار على ما مرّ وروي بالجزم بدلاً من لا ترجعوا أو جزاء لشرط
مقدّر على مذهب الكسائي أي فإن ترجعوا يضرب بعضكم.
والحديث سبق في أوائل الديات.
٧٠٧٨ - حدثنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا يَخْيَى، حَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ خالدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ سِيرِينَ، عَنْ
عَبْدِ الرَّحْمْنِ بْنِ أبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرَةً، وَعَنْ رَجُلٍ آخَرَ وهُوَ أفْضَلُ فِي نَفْسِي مِنْ
عَبْدِ الرَّحمْنِ بْنِ أبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللهِوَ خَطَبَ النَّاسَ فَقالَ: ((ألا تَدْرُونَ أَيُّ
يَوْمِ هذا»؟ قالُوا: الله وَرَسُولُهُ أعْلَمُ قالَ: حَتَّى ظَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ فَقَالَ: (أَلَيْسَ بَيَوْمٍ
النَّخْرِ))؟ قُلْنا: بَلى. يا رَسُولَ الله قالَ: ((أيُّ بَلَدٍ هذا؟ أَلَيْسَتْ بِالْبَلْدَةِ»؟ قُلْنا: بَلى يا رَسُولَ الله
قالَ: ((فَإِنَّ دِماءَكُمْ وَأَمْوالَكُمْ وَأَغْرَاضَكُمْ وَأَبْشَارَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هذا فِي شَهْرِكُمْ
هذا فِي بَلَدِكُمْ هذا ألا هَلْ بَلَّغْتُ))؟ قُلْنا: نَعَمْ. قَالَ: ((اللَّهُمَّ أَشْهَدْ، فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ، فَإِنَّهُ
رُبَّ مُبَلْغِ يُبَلْغُهُ مَنْ هُوَ أَوْعِى لَهُ، فَكانَ كَذلِكَ قالَ: ((لا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ
رِقَابَ بَعْضٍ)). فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ حُرِّقَ ابْنُ الْحَضْرَمِيِّ حِينَ حَرَّقَهُ جارِيَةُ بْنُ قَدامَةَ قالَ: أشْرِفُوا عَلى
أبِي بَكْرَةَ فَقالُوا: هذا أَبُو بَكْرَةً يَراكَ قالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ: فَحَدَّثَتْنِي أُمِّي عَنْ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: لَوْ
دَخَلُوا عَلَيَّ ما بَهَشْتُ بِقَصَبَةٍ.
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان قال: (حدّثنا
قرة بن خالد) بضم القاف وفتح الراء المشددة السدوسي قال: (حدّثنا ابن سيرين) محمد (عن
عبد الرحمن بن أبي بكرة عن) أبيه (أبي بكرة) نفيع بضم النون وفتح الفاء ابن الحارث الثقفي
وسقط لابن عساكر عن أبي بكرة (وعن رجل آخر) هو حميد بن عبد الرحمن كما في كتاب الحج
في باب الخطبة أيام منى. قال الكرماني: هو ابن عوف، وقال الحافظ ابن حجر: هو الحميري
وكلاهما سمع من أبي بكرة وسمع منه محمد بن سيرين (وهو) أي حميد (أفضل في نفسي من
عبد الرحمن بن أبي بكرة) لأنه دخل في الولايات وكان حميد زاهدًا (عن أبي بكرة) نفيع رضي الله
عنه (أن رسول الله وَلاي خطب الناس) يوم النحر بمنى فقال:
(ألا تدرون) بتخفيف اللام (أي يوم هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم قال حتى ظنتا) وفي باب
الخطبة أيام منى من كتاب الحج فسكت حتى ظننا (أنه سيسميه بغير اسمه فقال: أليس بيوم
النحر)؟ بالموحدة قبل التحتية في يوم (قلنا بلى يا رسول الله قال) وَعليه ولأبي ذر فقال (أي بلد هذا)

٢٥
کتاب الفتن/ باب ٨
بالتذكير (أليست بالبلدة)؟ ولأبي ذر عن الحموي زيادة الحرام بتأنيث البلدة وتذكير الحرام الذي هو
صفتها وذلك أن لفظ الحرام اضمحل منه معنى الوصفية وصار اسمًا والبلدة اسم خاص بمكة
وهي المراد بقوله إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وخصها من بين سائر البلاد
بإضافة اسمه إليها لأنها أحب بلاده إليه وأكرمها عليه وأشار إليها إشارة تعظيم لها دالاً على أنها
موطن بيته ومهبط وحيه (قلنا بلى يا رسول الله قال) وَ ﴿ (فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم) جمع
عرض بكسر العين وهو موضع المدح والذم من الإنسان سواء كان في نفسه أو في سلفه
(وأبشاركم) بفتح الهمزة وسكون الموحدة بعدها معجمة ظاهر جلد الإنسان والمعنى فإن انتهاك
دمائكم وأموالكم وأعراضكم وأبشاركم (عليكم حرام) إذا كان بغير حق (كحرمة يومكم هذا) يوم
النحر (في شهركم هذا) ذي الحجة (في بلدكم هذا) مكة وشبه الدماء والأموال والأعراض
والأبشار في الحرمة باليوم وبالشهر والبلد لاشتهار الحرمة فيها عندهم، وإلاَّ فالمشبه إنما يكون
دون المشبه به ولهذا قدم السؤال عنها مع شهرتها لأن تحريمها أثبت في نفوسهم إذ هي عادة
سلفهم وتحريم الشرع طارىء وحينئذ فإنما شبه الشيء بما هو أعلى منه باعتبار ما هو مقرر
عندهم.
وهذا وإن كان سبق في موضعين العلم والحج فذكره هنا لبعد العهد به، وقال في اللامع
كالكواكب لم يذكر في هذا الرواية أي شهر مع أنه قال بعد في شهركم هذا كأنه لتقرر ذلك
عندهم، وحرمة البلد وإن كانت مقررة أيضًا لكن الخطبة كانت بمنى وربما قصد به دفع وهم من
يتوهم أنها خارجة عن الحرم أو من يتوهم إن البلدة لم تبق حرامًا لقتاله وَّر فيها يوم الفتح،
واختصره الراوي اعتمادًا على سائر الروايات مع أنه لا يلزم ذكره في صحة التشبيه اهـ.
وسقط لابن عساكر لفظ هذا من قوله يومكم هذا. ثم قال ◌َل ◌ّر (ألا) بفتح الهمزة وتخفيف
اللام يا قوم (هل بلغت)؟ ما أمرني به الله تعالى (قلنا: نعم) بلغت (قال: اللهم اشهد فليبلغ
الشاهد) أي الحاضر هذا المجلس (الغائب) عنه وهو نصب مفعول سابقه (فإنه رب مبلغ) بفتح
اللام المشددة بلغه كلامي بواسطة (يبلغه) غيره بكسرها كذا في الفرع بفتح ثم كسر وعليه جرى
في الفتح. وقال في الكواكب بكسرهما، وصوّبه العيني متعقبًا لابن حجر قلت: وكذا هو في
اليونينية بكسر اللام فيهما والضمير الراجع إلى الحديث مفعول أول له (من) بفتح الميم ولأبي ذر
عن الكشميهني لمن (هو أوعى) أحفظ (له) ممن بلغه مفعول ثانٍ فقال محمد بن سيرين (فكان
كذلك) أي وقع التبليغ كثيرًا من الحافظ إلى الأحفظ والذي يتعلق به رب محذوف تقديره يوجد أو
يكون.
(قال) وَله بالسند السابق من رواية محمد بن سيرين عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبي
بكرة (لا ترجعوا) تصيروا (بعدي) بعد موقفي أو بعد موتي (كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض)
برفع يضرب ومر ما فيه قريبًا قال عبد الرحمن بن أبي بكرة (فلما كان يوم حرق) بضم الحاء

٢٦
كتاب الفتن/ باب ٨
المهملة (ابن الحضرمي) بفتح الحاء المهملة وسكون الضاد المعجمة وفتح الراء عبد الله بن عمرو،
وقول الدمياطي إن الصواب أحرق بالهمزة المضمومة تعقبه في الفتح بأن أهل اللغة جزموا بأنهما
لغتان أحرقه وحرقه والتشديد للتكثير، وتعقبه العيني فقال: هذا كلام من لا يذوق من معاني
التراكيب شيئًا، وتصويب الدمياطي باب الأفعال لكون المقصود حصول الإحراق، وليس المراد
المبالغة فيه حتى يذكر باب التفعيل (حين حرقه جارية بن قدامة) بالجيم والتحتية وقدامة بضم
القاف ابن مالك بن زهير بن الحصين التميمي السعدي، وكان السبب في ذلك أن معاوية كان
وجه ابن الحضرمي إلى البصرة يستنفرهم على قتال علي رضي الله عنه فوجه عليّ جارية بن قدامة
فحصره فتحصن منه ابن الحضرمي في دار فأحرقها جارية عليه ذكره العسكري، وقال الطبري في
حوادث سنة ثمان وثلاثين من طريق أبي الحسن المدايني، وكذا أخرجه عنه ابن أبي شيبة في أخبار
البصرة أن عبد الله بن عباس خرج من البصرة وكان عاملها لعليّ واستخلف زياد ابن سمية على
البصرة فأرسل معاوية عبد الله بن عمرو بن الحضرمي ليأخذ له البصرة، فنزل في بني تميم
وانضمت إليه العثمانية فكتب زياد إلى علّ يستنجده فأرسل إليه أعين بن ضبيعة المجاشعي فقتل
غيلة فبعث علي بعده جارية بن قدامة فحصر ابن الحضرمي في الدار التي نزل فيها ثم أحرق الدار
عليه وعلى من معه وكانوا سبعين رجلاً أو أربعين وجواب فلما قوله (قال) جارية لجيشه (أشرفوا)
بفتح الهمزة وسكون الشين المعجمة وكسر الراء بعدها فاء (على أبي بكرة) نفيع فانظروا هل هو
على الاستسلام والانقياد أم لا (فقالوا) له: (هذا أبو بكرة يراك) وما صنعت بابن الحضرمي وربما
أنكر عليك بكلام أو بسلاح.
(قال عبد الرحمن) بن أبي بكرة بالسند السابق: (فحدّثتني أمي) هالة بنت غليظ العجلية كما
ذكره خليفة بن خياط وقال ابن سعد اسمها هولة (عن أبي بكرة) نفيع (أنه قال): لما سمع قولهم
ربما أنكر عليك بسلاح أو كلام وكان في علية له (لو دخلوا علي) داري (ما بهشت) بفتح الموحدة
والهاء وسكون الشين المعجمة بعدها فوقية وللحموي والمستملي ما بهشت بكسر الهاء لغتان أي ما
دافعتهم (بقصبة) كأنه قال ما مددت يدي إلى قصبة ولا تناولتها لأدافع بها عني لأني لا أرى قتال
المسلمين فكيف أقاتلهم بسلاح.
والحديث مرّ في الحج.
٧٠٧٩ - حدثنا أحمَدُ بْنُ إِشْكابٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ أبِيهِ عَنْ عِكْرِمَةً عَنِ ابْنِ
عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عَنْهُما قالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((لا تَرْتَدُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقابَ
بَعْضٍ)).
وبه قال: (حدّثنا أحمد بن إشكاب) بكسر الهمزة وسكون الشين المعجمة وبعد الألف
موحدة مصروف الصفار الكوفي قال: (حدّثنا محمد بن فضيل) بضم الفاء وفتح الضاد المعجمة
(عن أبيه) فضيل بن غزوان بفتح الغين وسكون الزاي المعجمتين (عن عكرمة) مولى ابن عباس

٢٧
كتاب الفتن/ باب ٩
(عن ابن عباس رضي الله عنهما) أنه (قال: قال النبي ◌َّالر: لا ترتدّوا) وفي الحج من وجه آخر
عن فضيل لا ترجعوا (بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض) من جزم يضرب أوّله على الكفر
الحقيقي الذي فيه ضرب الأعناق ويحتاج إلى التأويل بالمستحل مثلاً ومن رفعها فكأنه أراد الحال أو
الاستئناف فلا يكون متعلقًا بما قبله، ويحتمل كما قاله في الفتح أن يكون متعلقًا به وجوابه ما
تقدم.
والحديث تقدم من وجه آخر بأتم من هذا في الحج.
٧٠٨٠ - حدثنا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُذْرِكٍ سَمِعْتُ أبا زُرْعَةَ بْنَ
عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ جَدِّهِ جَرِيرٍ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ وَّهِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: (أَسْتَنْصِتِ النَّاسَ)
ثُمَّ قالَ: ((لا تزچِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا یَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقابَ بَعْضٍ)).
وبه قال: (حدثنا سليمان بن حرب) الأزدي الواشحي البصري قاضي مكة قال: (حدّثنا
شعبة) بن الحجاج (عن علي بن مدرك) بضم الميم وكسر الراء بينهما مهملة ساكنة النخعي الكوفي
أنه قال: (سمعت أبا زرعة) هرمًا بفتح الهاء (ابن عمرو بن جرير عن جده جرير) بفتح الجيم ابن
عبد الله البجلي رضي الله عنه أنه (قال: قال لي رسول الله وَلثر في حجة الوداع) عند جمرة العقبة
واجتماع الناس للرمي وغيره.
((استنصت الناس، ثم قال) وَلّ بعد أن أنصتوا (لا ترجعوا) ولابن عساكر وأبي ذر عن
الكشميهني لا ترجعن بنون ثقيلة بعد العين المضمومة (بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض)
أي لا تكن أعمالكم شبيهة بأعمال الكفار في ضرب رقاب المسلمين ومر ما قيل غير ذلك. وقال
المظهري، يعني إذا فارقت الدنيا فاثبتوا بعدي على ما أنتم عليه من الإيمان والتقوى ولا تظلموا
أحدًا ولا تحاربوا المسلمين.
والحديث سبق في العلم.
٩ - باب تَكُونُ فِتْنَةٌ الْقَاعِدُ فِيها خَيْرٌ مِنَ الْقَائِم
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (تكون فتنة القاعد فيها خير من القائم).
٧٠٨١ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا إِنْراهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ
عَبْدِ الرَّحْمْنِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةً قَالَ إبْراهِيمُ: وَحَدَّثَنِي صالِحُ بْنُ كَيْسانَ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ، عَنْ
سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرةَ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((سَتَكُونُ فِتَنَّ الْقَاعِدُ فِيها خَيْرٌ مِنَ
الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ فِيها خَيْرٌ مِنَ الْماشِي، وَالْماشِي فيها خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي مَنْ تَشَرَّفَ لَها تَسْتَشْرِفْهُ فَمَنْ
وَجَدَ فِيها مَلْجَأَ أوْ مَعاذًا فَلْيَعُذْ بِهِ)).

٢٨
كتاب الفتن/ باب ٩
وبه قال: (حدّثنا محمد بن عبيد الله) بضم العين ابن محمد بن زيد مولى عثمان بن عفان
الأموي أبو ثابت القرشي المدني الفقيه قال: (حدّثنا إبراهيم بن سعد) بسكون العين (عن أبيه)
سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف (عن) عمه (أبي سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف (عن
أبي هريرة) رضي الله عنه (قال إبراهيم) بن سعد (وحدثني) بالإفراد (صالح بن كيسان) بفتح
الكاف (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن سعيد بن المسيب) سقط لابن عساكر لفظ
سعيد (عن أبي هريرة) رضي الله عنه أنه (قال: قال رسول الله وَّه: ستكون فتن) بكسر الفاء
وفتح الفوقية بصيغة الجمع ولأبي ذر عن المستملي فتنة بالإفراد (القاعد فيها) أي القاعد في زمن
الفتن أو الفتنة عنها (خير من القائم والقائم فيها خير من الماشي والماشي فيها خير من الساعي)
والمراد من يكون مباشرًا لها في الأحوال كلها يعني أن بعضهم في ذلك أشد من بعض فأعلاهم
الساعي فيها بحيث يكون سببًا لإثارتها ثم من يكون قائمًا بأسبابها وهو الماشي ثم من يكون مباشرًا
لها وهو القائم ثم من يكون مع النظارة ولا يقاتل وهو القاعد كذا قرره الداودي (من تشرف)
بفتح الفوقية والمعجمة والراء المشددة بعدها فاء أي تطلع (لها) بأن يتصدى ويتعرض لها ولا
يعرض عنها (تستشرفه) بالجزم تهلكه بأن يشرف منها على الهلاك يقال أشرف المريض إذا أشفى
على الموت (فمن وجد فيها) ولأبي ذر عن الكشميهني منها (ملجأ) بفتح الميم والجيم بينهما لام
ساكنة آخره همز موضعًا يلتجىء إليه من شرها (أو معاذًا) بفتح الميم وبالذال المعجمة وضبطه
السفاقسي بضم الميم وهو بمعنى الملجأ (فَلْتَعذ به) أي ليعتزل فيه ليسلم من الفتنة.
وهذا الحديث أورده المصنف هنا من رواية سعد بن إبراهيم عن أبيه عن أبي سلمة ومن
رواية ابن شهاب عن أبي سلمة لم يذكر لفظ رواية سعد بن إبراهيم عن أبي سلمة وذكرها مسلم
من طريق أبي داود الطيالسي عن إبراهيم بن سعد، وفي أوله تكون فتنة النائم فيها خير من
اليقظان واليقظان فيها خير من القاعد.
٧٠٨٢ - حدثنا أبُو الْيَمانِ، أَخْبَرَنا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةً بْنُ
عَبْدِ الرَّحْمُنِ أنَّ أبا هُرَيْرَةً قال: قَالَ رَسُولُ اللهِوَهِ: ((سَتَكُونُ فِتَنْ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ،
وَالْقَائِمُ خَيْرٌ مِنَ الْماشِي، وَالْماشِي فِيها خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي، مَنْ تَشَرَّفَ لَها تَسْتَشْرِفْهُ فَمَنْ وَجَدَ
مَلْجأَ أوْ مَعاذًا فَلْيَعُذْ بِهِ».
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن
الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه قال: (أخبرني) بالإفراد (أبو سلمة بن عبد الرحمن) بن
عوف (أن أبا هريرة) رضي الله عنه (قال: قال رسول الله وَّه: ستكون فتن القاعد فيها خير من
القائم والقائم خير من الماشي) في الرواية الأولى والقائم فيها (والماشي فيها خير من الساعي) وزاد
الإسماعيلي من طريق الحسن بن إسماعيل الكلبي عن إبراهيم بن سعد في أوله النائم فيها خير من
اليقظان واليقظان فيها خير من القاعد.

٢٩
كتاب الفتن/ باب ١٠
والحسن بن إسماعيل وثقه النسائي وهو من شيوخه وعند أحمد وأبي داود من حديث ابن
مسعود النائم فيها خير من المضطجع وهو المراد باليقظان في الرواية السابقة وفيه والماشي فيها خير
من الراكب والمراد بالأفضلية في هذه الخيرية من يكون أقل شرًّا ممن فوقه على التفصيل السابق.
(من تشرف لها تستشرفه) قال التوربشتي أي من تطلع لها دعته إلى الوقوع فيها والتشرف
التطلع واستعير هنا للإصابة بشرها أو أريد به أنها تدعوه إلى زيادة النظر إليها وقيل إنه من
استشرفت الشيء أي علوته يريد من انتصب لها صرعته وقيل هو من المخاطرة والإشفاء على
الهلاك أي من خاطر بنفسه فيها أهلكته. قال الطيبي ولعل الوجه الثالث أولى لما يظهر من معنى
اللام في لها وعليه كلام الفائق وهو قوله أي من غالبها غالبته (فمن وجد ملجأ أو معاذًا فَلْيَعذ به)
بفتح الميمين ومعناهما واحد كما مرّ.
وفيه التحذير من الفتن وأن شرها يكون بحسب الدخول فيها والمراد بالفتن جميعها، أو المراد
ما ينشأ عن الاختلاف في طلب الملك حيث لا يعلم المحق من المبطل وعلى الأول، فقالت طائفة
بلزوم البيوت، وقال آخرون بالتحول عن بلد الفتنة أصلاً، ثم اختلفوا فمنهم من قال إذا هجم
عليه في شيء من ذلك يكف يده ولو قتل، ومنهم من قال يدافع عن نفسه وماله وأهله وهو
معذور إن قتل أو قتل.
١٠ - باب إِذَا الْتَقى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِما
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (إذا التقى المسلمان بسيفيهما) فالقاتل والمقتول في النار.
٧٠٨٣ - حدّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنا حَمَّادٌ عَنْ رَجُلٍ لَمْ يُسَمِهِ، عَنِ الْحَسَنِ
قالَ: خَرَجْتُ بِسِلاحِي لَيَالِيَ الْفِتْنَةِ فَأَسْتَقْبَلَنِي أَبُو بَكْرَةً فَقالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قلتُ: أُرِيدُ نُصْرَةَ ابْنِ عَمْ
رَسُولِ اللهِوَ﴿ قَالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إذا تَواجَهَ الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِما فَكِلاهُما مِنْ أهْلِ النَّارِ»
قِيلَ: فَهذا الْقَاتِلُ فَما بالُ الْمَقْتُولِ؟ قالَ: ((إنَّهُ أرادَ قَتْلَ صاحِبِهِ». قالَ حَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ: فَذَكَرْتُ هذا
الْحَدِيثَ لأَيُّوبَ وَيُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ وَأَنَا أُرِيدُ أنْ يُحَدِّثانِي بِهِ فَقالاَ: إنَّما رَوى هذا الْحَدِيثَ الْحَسَنُ
عَنِ الأخْتَفِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ أَبِي بَكْرَةً.
وبه قال (حدّثنا عبد الله بن عبد الوهاب) أبو محمد الحجبي بفتح الحاء المهملة والجيم
والموحدة المكسورة البصري قال: (حدّثنا حماد) بفتح الحاء المهملة والميم المشددة ابن زيد بن درهم
الإمام أبو إسماعيل الأزدي الأزرق (عن رجل لم يسمِّهِ) حماد قال الحافظ ابن حجر: هو عمرو بن
عبيد شيخ المعتزلة وكان سيىء الضبط هكذا جزم المزي في التهذيب بأنه المبهم في هذا الموضع
وجوّز غيره كمغلطاي أي يكون هو هشام بن حسان القردوسي وفيه بعد اهـ. (عن الحسن)
البصري أنه (قال: خرجت بسلاحي ليالي الفتنة) التي وقعت بين علّ وعائشة وهي وقعة الجمل

٣٠
كتاب الفتن/ باب ١٠
ووقعة صفين (فاستقبلني أبو بكرة) نفيع بن الحارث الثقفي سقط هنا الأحنف بن قيس بين الحسن
وأبي بكرة كما يأتي قريبًا إن شاء الله تعالى (فقال) لي (أين تريد) زاد مسلم يا أحنف (قلت) له
(أريد نصرة ابن عم رسول الله (*) يعني عليًّا رضي الله عنه (قال) أبو بكرة (قال: رسول
الله ◌َ﴿) ولمسلم فقال لي يا أحنف ارجع فإني سمعت رسول الله وَله يقول:
(إذا تواجه المسلمان بسيفيهما) بفتح الفاء بعدها تحتية ساكنة أي ضرب كلٍّ منهما وجه الآخر
أي ذاته (فكلاهما) القاتل والمقتول (من أهل النار) أي سيستحقانها وقد يعفو الله عنهما أو ذلك
محمول على من استحل ذلك، ولأبي ذر عن الكشميهني في النار (قيل: فهذا القاتل) يستحق النار
(فما بال المقتول)؟ فما ذنبه حتى يدخلها والقائل ذلك هو أبو بكرة (قال) وَلقوله: (إنه أراد) ولأبي
الوقت قد أراد (قتل صاحبه) وفي الإيمان أنه كان حريصًا على قتل صاحبه أي جازمًا بذلك
مصممًا عليه وبه استدل من قال بالمؤاخذة بالعزم وإن لم يقع الفعل. وأجاب من لم يقل بذلك إن
في هذا فعلاً وهو المواجهة بالسلاح ووقوع القتال ولا يلزم من كون القاتل والمقتول في النار أن
يكونا في مرتبة واحدة فالقاتل يعذب على القتال والقتل والمقتول يعذب على القتال فقط فلم يقع
التعذيب على العزم المجرد.
وبالسند السابق هنا (قال حماد بن زيد فذكرت هذا الحديث لأيوب) السختياني (ويونس بن
عبيد) بضم العين ابن دينار القيسي البصري (وأنا أريد أن يحدّثاني به فقالا: إنما روى هذا الحديث
الحسن) البصري (عن الأحنف) بفتح الهمزة وسكون الحاء المهملة وفتح النون بعدها فاء (ابن
قيس) السعدي التميمي البصري واسمه الضحاك والأحنف لقبه وشهر به (عن أبي بكرة) نفيع
يعني أن عمرو بن عبيد الرجل الذي لم يسم في السند السابق أخطأ حيث أسقط الأحنف بين
الحسن وأبي بكرة. نعم وافقه قتادة كما عند النسائي من وجهين عنه عن الحسن عن أبي بكرة إلا
أنه اقتصر على الحديث دون القصة. قال في الفتح: فكأن الحسن كان يرسله عن أبي بكرة فإذا
ذكر القصة أسنده.
وسقط قوله الحديث من قوله هذا الحديث لابن عساكر.
١٠٠٠ - حدثنا سُلَيْمانُ، حَدَّثَنَا حَمَّدٌ بِهِذا وَقَالَ مُؤَمَّلٌ: حَدَّثَنَا حَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ
وَيُونُسُ وَهِشامٌ وَمُعَلَّى بْنُ زِيادٍ عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ الأخْتَفِ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ بَّهِ. وَرَوَاهُ
مَعْمَرٌ، عَنْ أَيُّوبَ وَرَواهُ بَكْارُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي بَكْرَةً. وَقَالَ غُنْدَرٌ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ،
عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ رِبْعِيْ بْنِ حِراشٍ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ وَلَمْ يَرْفَعْهُ سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ .
وبه قال: (حدّثنا سليمان) بن حرب الواشحي قال: (حدّثنا حماد) أي ابن زيد بن درهم
(بهذا) الحديث المذكور على الموافقة لرواية حماد بن زيد عن أيوب ويونس بن عبيد. (وقال مؤمل)
بالهمزة وفتح الميم الثانية المشددة. قال العيني: كالكرماني هو ابن هشام أي اليشكري بتحتية

٣١
كتاب الفتن/ باب ١١
ومعجمة أبو هشام البصري وقال الحافظ ابن حجر في المقدمة والشرح: هو ابن إسماعيل أبو
عبد الرحمن البصري نزيل مكة أدركه البخاري ولم يلقه لأنه مات سنة ست ومائتين وذلك قبل أن
يرحل البخاري ولم يخرج عنه إلا تعليقًا وهو صدوق كثير الخطأ قاله أبو حاتم الرازي قال: وقد
وصل هذه الطريق الإسماعيلي من طريق أبي موسى محمد بن المثنى قال: حدّثنا مؤمل بن إسماعيل
قال: (حدّثنا حماد بن زيد) السابق قال: (حدّثنا أيوب) السختياني (ويونس) بن عبيد (وهشام) هو
ابن حسان الأزدي مولاهم الحافظ (ومعلى بن زياد) بضم الميم وفتح العين المهملة واللام المشددة
القرشي (عن الحسن) البصري (عن الأحنف) بن قيس (عن أبي بكرة) نفيع (عن النبي ◌َيرٍ).
وأخرجه الإمام أحمد عن مؤمل عن حماد عن الأربعة فكأن البخاري أشار إلى هذه الطريق قاله في
الفتح.
(ورواه) أي الحديث المذكور (معمر) بفتح الميمين بينهما عين مهملة ساكنة ابن راشد الأزدي
مولاهم (عن أيوب) السختياني فيما وصله مسلم والنسائي والإسماعيلي بلفظ عن أيوب عن الحسن
عن الأحنف بن قيس عن أبي بكرة سمعت رسول الله﴿ فذكر الحديث دون القصة.
(ورواه بكار بن عبد العزيز عن أبيه) عبد العزيز بن عبد الله بن أبي بكرة وليس له ولا
لابنه بكار في البخاري إلا هذا الحديث (عن أبي بكرة) نفيع ووصله الطبراني بلفظ سمعت رسول
الله وَالقر أن فتنة كائنة القاتل والمقتول في النار إن المقتول قد أراد قتل القاتل.
(وقال غندر): محمد بن جعفر (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن منصور) هو ابن المعتمر (عن
ربعي بن حراش) بكسر الحاء المهملة آخره شين معجمة والراء مخففة الأعور الغطفاني التابعي
المشهور وسقط ابن حراش لابن عساكر (عن أبي بكرة) نفيع (عن النبي (وَل9) ووصله الإمام أحمد
مرفوعًا بلفظ: ((إذا التقى المسلمان حمل أحدهما على صاحبه السلاح فهما على جرف جهنم فإذا قتله
وقعا فيها جميعًا)). (ولم يرفعه سفيان) الثوري (عن منصور) أي ابن المعتمر بالسند المذكور إلى
النبي ◌َّر، ووصله النسائي بلفظ قال: إذا حمل الرجلان المسلمان السلاح أحدهما على الآخر فهما
على جرف جهنم فإذا قتل أحدهما الآخر فهما في النار، ولا يلزم من ذلك استمرار البقاء في
النار.
وهذا الوعيد المذكور محمول على من قاتل بغير تأويل سائغ بل لمجرد طلب الملك، وعند
البزار في حديث: القاتل والمقتول في النار زيادة وهي إذا اقتتلتم على الدنيا فالقاتل والمقتول في
النار.
١١ - باب كَيْفَ الأمْرُ إذا لَمْ تَكُنْ جَماعَةٌ
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (كيف الأمر إذا لم تكن) توجد (جماعة) مجتمعون على خليفة.
٧٠٨٤ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ جابِرٍ، حَدَّثَنِي

٣٢
كتاب الفتن/ باب ١١
بُسْرُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ الْحَضْرَمِيُّ أنَّهُ سَمِعَ أبا إذْرِيسَ الْخَوْلانِيَّ أَنَّهُ سَمِعَ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمانِ يَقُولُ: كانَ
النَّاسُ يَسْألُونَ رَسُولَ اللهِ وَّهَ عَنِ الْخَيْرِ وَكُنْتُ أسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ مَخافَةً أَنْ يُدْرِكَنِي فَقُلْتُ: يا رَسُولَ
الله إنَّا كُنَّا فِي جاهِلِيَّةٍ وَشَرِّ، فَجَاءَنَا الله بِهِذا الْخَيْرِ فَهَلْ بَعْدَ هذا الْخَيْرِ مِنْ شَرِّ؟ قالَ: (نَعَمْ)).
قُلْتُ: وَهَلْ بَعْدَ ذلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرِ؟ قالَ: ((نَعَمْ وَفِيهِ دَخَنٌ)). قُلْتُ: وَمَا دَخَنتُهُ؟ قالَ: ((قَوْمٌ
يَهْدُونَ بِغَيْرِ هَذْيٍ، تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ)). قُلْتُ: فَهَلْ بَعْدَ ذلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرِّ؟ قالَ: ((نَعَمْ دُعاةٌ
عَلى أَبْوابٍ جَهَنَّمَ مَنْ أجابَهُمْ إِلَيْها قَذَفُوهُ فِيها)». قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ صِفْهُمْ لَنا؟ قالَ: ((هُمْ مِنْ
جِلْدَتِنا، وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنا». قُلْتُ: فَمَا تَأْمُرُنِي إِنْ أَدْرَكَنِي ذلِكَ؟ قالَ: تَلْزَمُ جَماعَةَ الْمُسْلِمِينَ
وَإِمَامَهُمْ)). قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلا إمامٌ))؟ قالَ: ((فَأَعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّها، وَلَوْ أنْ
تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلى ذلِكَ)).
وبه قال: (حدّثنا محمد بن المثنى) أبو موسى العنزي قال: (حدّثنا الوليد بن مسلم) الحافظ
أبو العباس عالم أهل الشام قال: (حدّثنا ابن جابر) عبد الرحمن بن يزيد قال: (حدّثني) بالإفراد
(بسر بن عبيد الله) بضم الموحدة وسكون السين المهملة وضم العين (الحضرمي) بفتح الحاء المهملة
وسكون الضاد المعجمة (أنه سمع أبا إدريس) عائذ الله (الخولاني) بفتح الخاء المعجمة وسكون الواو
(أنه سمع حذيفة بن اليمان يقول: كان الناس يسألون رسول الله وَ﴿ عن الخير وكنت أسأله عن
الشر) قال في شرح المشكاة أي الفتنة ووهن عُرا الإسلام واستيلاء الضلال وفشو البدعة (مخافة)
أي لأجل مخافة (أن يدركني) وكلمة أن مصدرية (فقلت: يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر)
من كفر وقتل ونهب وإتيان فواحش (فجاءنا الله بهذا الخير) ببعثك وتشييد مباني الإسلام وهدم
قواعد الكفر والضلال (فهل بعد هذا الخير) الذي نحن فيه (من شر؟ قال) وَعليه :
(نعم) قال حذيفة (قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال) وَل قول: (نعم وفيه دخن) بفتح
المهملة والمعجمة بعدها نون مصدر دخنت النار تدخن إذا ألقي عليها حطب رطب فإنه يكثر
دخانها وتفسد أي فساد واختلاف وفيه إشارة إلى كدر الحال وأن الخير الذي يكون بعد الشر ليس
خالصًا بل فيه كدر قال حذيفة (قلت) يا رسول الله (وما دخنه؟ قال: قوم يهدون) بفتح أوله (بغير
هدي) بتحتية واحدة منونة ولأبي ذر عن الحموي والمستملي هديي بزيادة الإضافة بعد الأخرى أي
بغير سنتي وطريقتي (تعرف منهم) الخير فتقبل والشر (وتنكر) وهو من المقابلة المعنوية. قال
القاضي عياض: المراد بالشر الأول الفتن التي وقعت بعد عثمان وبالخير الذي بعده ما وقع في
خلافة عمر بن عبد العزيز وبالذين تعرف منهم وتنكر الأمراء بعده فكان فيهم من يتمسك بالسُّنّة
والعدل وفيهم من يدعو إلى البدعة ويعمل بالجور، ويحتمل أن يراد بالشر زمان قتل عثمان وبالخير
بعده زمان خلافة علي رضي الله عنه والدخن: الخوارج ونحوهم، والشر بعده زمان الذين يلعنونه
على المنابر وقيل: وتنكر خبر بمعنى الأمر أي أنكروا عليهم صدور المنكر عنهم قال حذيفة:

٣٣
كتاب الفتن/ باب ١٢
(قلت) يا رسول الله (فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم دعاة على أبواب جهنم) بضم الدال
من دعاة أي جماعة يدعون الناس إلى الضلالة ويصدّونهم عن الهدي بأنواع من التلبيس وأطلق
عليهم ذلك باعتبار ما يؤول إليه حالهم كما يقال لمن أمر بفعل محرم وقف على شفير جهنم (من
أجابهم إليها قذفوه) بالذال المعجمة (فيها) في النار. قال حذيفة (قلت يا رسول الله صفهم لنا.
قال: هم من جلدتنا) بكسر الجيم وسكون اللام من أنفسنا وعشيرتنا (ويتكلمون بألسنتنا) أي من
العرب وقيل من بني آدم وقيل إنهم في الظاهر على ملتنا وفي الباطن مخالفون (قلت) يا رسول الله
(فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال) عليه الصلاة والسلام: (تلزم جماعة المسلمين وإمامهم) بكسر
الهمزة أميرهم أي وإن جار، وعند مسلم من طريق أبي الأسود عن حذيفة تسمع وتطيع وإن
ضرب ظهرك وأخذ مالك، وعند الطبراني من رواية خالد بن سبيع فإن رأيت خليفة فالزمه وإن
ضرب ظهرك (قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال) صلوات الله وسلامه عليه (فاعتزل
تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة) بفتح الفوقية والعين المهملة والضاد المعجمة. المشددة
قال التوريشتي: أي تمسك بما يصبرك وتقوى به عزيمتك على اعتزالهم ولو بما لا يكاد يصح أن
يكون متمسكًا، وقال الطيبي: هذا شرط تعقب به الكلام تتميمًا ومبالغة أي اعتزل الناس اعتزالاً
لا غاية بعده ولو قنعت فيه بعضّ الشجرة افعل فإنه خير لك (حتى يدركك الموت وأنت على
ذلك) العضّ وهو كناية عن شدة المشقة كقولهم: فلان يعضّ على الحجارة من شدة الألم أو المراد
اللزوم كقوله في الحديث الآخر: ((عضوا عليها بالنواجذ)) والمراد كما قال الطبري من الخير لزوم
الجماعة الذين في طاعة من اجتمعوا على تأميره فمن نكث بيعته خرج عن الجماعة، فإن لم يكن
ثمّ إمام وافترق الناس فرقًا فليعتزل الجميع إن استطاع خشية الوقوع في الشر وهل الأمر للندب أو
الإيجاب الذي لا يجوز لأحد من المسلمين خلافه لحديث ابن ماجة عن أنس مرفوعًا: ((إن بني
إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقة وإن أمتي ستفترق على اثنتين وسبعين فرقة كلها في النار
إلاّ واحدة وهي الجماعة)) والجماعة التي أمر الشارع بلزومها جماعة أئمة العلماء لأن الله تعالى
جعلهم حجة على خلقه وإليهم تفزع العامة في أمر دينها وهم المعنيون بقوله: إن الله لن يجمع
أمتي على ضلالة. وقال آخرون: هم جماعة الصحابة الذين قاموا بالدين وفرّقوا عماده، وثبتوا
أوتاده. وقال آخرون: هم جماعة أهل الإسلام ما كانوا مجتمعين على أمر واجب على أهل المِلَل
اتباعه فإذا كان فيهم مخالف منهم فليسوا مجتمعين.
والحديث سبق في علامات النبوّة وأخرجه مسلم في الفتن وكذا ابن ماجة.
١٢ - باب مَنْ كَرِهَ أنْ يُكَثِّرَ سَوادَ الْفِتَنِ وَالظُّلْم
(باب من كره أن يكثر) بتشديد المثلثة (سواد) أي أشخاص أهل (الفتن و) أشخاص أهل
(الظلم).
إرشاد الساري/ ج ١٥/ م ٣

٣٤
كتاب الفتن/ باب ١٢
٧٠٨٥ - حدّثنا عَبْدُ الله بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا حَيْوَةُ وَغَيْرُهُ قالا: حَدَّثَنَا أَبُو الأسْوَدِ وَقالَ اللَّيْثُ:
عَنْ أبِي الأسْوَدِ قالَ: قُطِعَ عَلى أهْلِ الْمَدِينَةِ بَعْثٌ فَأَكْتُتِبْتُ فِيهِ فَلَقِيتُ عِكْرِمَةَ فَأخْبَرْتُهُ فَنَهَانِي أَشَدَّ
النَّهْي ثُمَّ قَالَ: أخْبَرَنِي ابْنُ عَبّاسٍ أنَّ أُناسًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ كانُوا مَعَ الْمُشْرِكِينَ يُكَثِّرُونَ سَوادَ
الْمُشْرِكِينَ عَلَى رَسُولِ اللهِوَّهَ فَيَأْتِي السَّهْمُ فَيُزْمِى فَيُصِيبُ أحَدَهُمْ فَيَقْتُلُهُ أوْ يَضْرِبُهُ فَيَقْتُلُهُ فَأَنْزَلَ
الله تَعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٧].
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يزيد) المقرىء التجيبي قال: (حدّثنا حيوة) بفتح الحاء المهملة
والواو بينهما تحتية ساكنة ابن شريح (وغيره قالا: حدّثنا أبو الأسود) محمد بن عبد الرحمن الأسدي
يتيم عروة، وأما المبهم في قوله وغيره فقال في الفتح: كأنه يريد ابن لهيعة فإنه رواه عن أبي
الأسود (وقال الليث) بن سعد الإمام (عن أبي الأسود قال) أي أبو الأسود (قطع) بضم القاف
وكسر الطاء المهملة أي أفرد (على أهل المدينة بعث) بفتح الموحدة وسكون العين المهملة جيش منهم
ومن غيرهم للغزو ليقاتلوا أهل الشام في خلافة عبد الله بن الزبير على مكة (فاكتتبت فيه) في
البعث واكتتبت بضم الفوقية مبنيًّا للمفعول (فلقيت عكرمة) مولى ابن عباس (فأخبرته) أني اكتتبت
في ذلك البعث (فنهاني) عن ذلك (أشد النهي، ثم قال: أخبرني ابن عباس) رضي الله عنهما (أن
ناسًا) بالهمزة (من المسلمين) منهم عمرو بن أمية بن خلف، والحارث بن زمعة وغيرهما مما ذكرته
في تفسير سورة النساء (كانوا مع المشركين يكثرون سواد المشركين على رسول الله ويله فيأتي السهم
فيرمي) بضم التحتية وفتح الميم به، قيل هو من المقلوب أي فيرمي بالسهم فيأتي ويحتمل أن تكون
الفاء الثانية زائدة كما في سورة النساء فيأتي السهم يرمى به (فيصيب أحدهم فيقتله أو يضربه
فيقتله) وقوله أو يضربه عطف على فيأتي لا على فيصيب والمعنى يقتل إما بالسهم وإما بضرب
السيف ظالمًا بسبب تكثيره سواد الكفار وإنما كانوا يخرجون مع المشركين لا لقصد قتال المسلمين
بل لإيهام كثرتهم في عيون المسلمين فلذا حصلت لهم المؤاخذة فرأى عكرمة أن من خرج في
جيش يقاتلون المسلمين يأثم وإن لم يقاتل ولا نوى ذلك (فأنزل الله تعالى: ﴿إن الذين توفاهم
الملائكة ظالي أنفسهم﴾ [النساء: ٩٧]) بخروجهم مع المشركين وتكثيرهم سوادهم حتى قتلوا
معهم.
وهذا الحديث كما قالهُ مغلطاي المصري فيما نقله في الكواكب مرفوع لأن تفسير الصحابي
إذا كان مسندًا إلى نزول الآية فهو مرفوع اصطلاحًا، وعند أبي يعلى من حديث ابن مسعود
مرفوعًا: من كثر سواد قوم فهو منهم ومن رضي عمل قوم كان شريك من عمل به فمن جالس
أهل الفسق مثلاً كارهًا لهم ولعملهم ولم يستطع مفارقتهم خوفًا على نفسه أو لعذر منعه فيرجى له
النجاة من إثم ذلك بذلك.
والحديث مرّ في التفسير وأخرجه النسائي في التفسير أيضًا.

٣٥
كتاب الفتن/ باب ١٣
١٣ - باب إذا بَقِيَ فِي حُثالَةٍ مِنَ النَّاسِ
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (إذا بقي) المسلم (في حثالة من الناس) بضم الحاء المهملة
بعدها مثلثة خفيفة فألف فلام فهاء تأنيث الذين لا خير فيهم وجواب إذا محذوف أي ماذا يصنع.
٧٠٨٦ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أخْبَرَنا سُفْيانُ، حَدَّثَنا الأعْمَشُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ،
حَدَّثَنَا حُذَيْفَةُ قالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِوَّهِ حَدِيثَيْنِ رَأيْتُ أَحَدَهُمَا وَأَنَا أَنْتَظِرُ الآخَرَ حَدَّثَنَا «أنَّ الأمانَةً
نَزَلَتْ فِي جِذْرٍ قُلُوبِ الرّجالِ، ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ)). وَحَدَّثَنَا عَنْ رَفْعِها
قالَ: ((يَنامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الأمانَةُ مِنْ قَلْبِهِ، فَيَظِلُّ أَثَرُها مِثْلَ أَثَرِ الْوِكْتِ، ثُمَّ يَنامُ النَّوْمَةَ
فَتُقْبَضُ فَيَبْقَى فِيها أثَرَها مِثْلُ أَثَرِ الْمَجْلِ كَجَمْرٍ دَخْرَجْتَهُ عَلَى رِجْلِكَ فَنَفِطَ فَتَراهُ مُنْتَبِرًا وَلَيْسَ فِيهِ
شَيْءٌ وَيُصْبِحُ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَ فَلا يَكادُ أحَدٌ يُؤَدِّي الأمانَةَ فَيُقالُ: إنَّ فِي بَنِي فُلانٍ رَجُلاً أَمِينًا،
وَيُقالُ لِلرَّجُلِ: ما أعْقَلَهُ وَما أَظْرَفَهُ وَما أَجْلَدَهُ وَما فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ حَبَّةٍ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمانٍ، وَلَقَدْ أتى
عَلَيَّ زَمانٌ وَلا أُبالِي أَيَّكُمْ بايَعْتُ، لَئِنْ كانَ مُسْلِمًا رَدَّهُ عَلَيَّ الإسْلامُ وَإِنْ كانَ نَصْرانِيًّا رَدَّهُ عَلَيَّ
ساعِيهِ، وَأمَّا الْيَوْمَ فَمَا كُنْتُ أُبَايِعُ إلاَّ فُلانًا وَفُلانً)».
وبه قال: (حدّثنا محمد بن كثير) بالمثلثة العبدي قال: (أخبرنا) ولابن عساكر: حدّثنا
(سفيان) الثوري قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان الكوفي (عن زيد بن وهب) بفتح الواو وسكون
الهاء الجهني قال: (حدّثنا حذيفة) بن اليمان رضي الله عنه (قال: حدّثنا رسول الله وَ له حديثين)
في ذكر الأمانة ورفعها (رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر، حدّثنا) وَّر (أن الأمانة) المذكورة في قوله
تعالى: ﴿إنا عرضنا الأمانة﴾ [الأحزاب: ٧٢] وهي عين الإيمان أو كل ما يخفى ولا يعلمه إلا الله
من المكلف أو المراد بها التكليف الذي كلف الله تعالى به عباده أو العهد الذي أخذه عليهم (نزلت
في جذر قلوب الرجال) بفتح الجيم وكسرها لغتان وسكون الذال المعجمة بعدها راء في أصل
قلوبهم (ثم علموا من القرآن) بفتح العين وكسر اللام مخففة بعد نزولها في أصل قلوبهم (ثم علموا
من السُّنّة) كذا بإعادة ثم يعني أن الأمانة لهم بحسب الفطرة ثم بطريق الكسب من الشريعة وفيه
إشارة إلى أنهم كانوا يتعلمون القرآن قبل أن يتعلموا السُّنّة. (وحدّثنا) صلوات الله وسلامه عليه
(عن رفعها) عن ذهابها أصلاً حتى لا يبقى من يوصف بالأمانة، وهذا هو الحديث الثاني الذي
ذكر حذيفة أنه ينتظره (قال):
(ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه) بضم الفوقية وسكون القاف وفتح الموحدة (فيظل
أثرها) بالظاء المعجمة (مثل أثر الوكت) بفتح الواو وسكون الكاف بعدها مثناة فوقية سواد في
اللون يقال: وكت البسر إذا بدت فيه نقطة الإرطاب (ثم ينام النومة فتقبض) أي الأمانة من قلبه
(فيبقى فيها) وسقط قوله فيها لابن عساكر (أثرها مثل أثر المجل) بفتح الميم وسكون الجيم وقد
تفتح بعدها لام غلظ الجلد من أثر العمل (كجمر) بالجيم المفتوحة والميم الساكنة (دحرجته على

٣٦
كتاب الفتن/ باب ١٤
رجلك فنفط) بكسر الفاء بعد النون المفتوحة (فتراه منتبرًا) بضم الميم وسكون النون وفتح الفوقية
وكسر الموحدة منتفخًا (وليس فيه شيء) وقال: فنفط بالتذكير ولم يقل فنفطت باعتبار العضو
(ويصبح الناس يتبايعون) السلع ونحوها بأن يشتريها أحدهم من الآخر (فلا يكاد أحد يؤدي
الأمانة) لأن من كان موصوفًا بالأمانة سلبها حتى صار خائنًا (فيقال: إن في بني فلان رجلاً أمينًا
ويقال للرجل ما أعقله) بالعين المهملة والقاف (وما أظرفه) بالظاء المعجمة (وما أجلده) بالجيم (وما
في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان) وإنما ذكر الإيمان لأن الأمانة لازمة له لا أن الأمانة هي
الإيمان. قال حذيفة رضي الله عنه (ولقد أتى عليّ) بتشديد الياء (زمان) كنت أعلم فيه أن الأمانة
موجودة في الناس (ولا أبالي أيكم بايعت) أي بعت واشتريت غير مبالٍ بحاله (لئن) بفتح اللام
وكسر الهمزة (كان مسلمًا رده علي الإسلام) بتشديد التحتية من علي ولأبي ذر من الكشميهني
إسلامه فلا يخونني بل يحمله إسلامه على أداء الأمانة فأنا واثق بأمانته (وإن كان نصرانيًا) أو يهوديًا
(ردّه علّ ساعيه) الذي أقيم عليه فهو يقوم بولايته ويستخرج منه حقي (وأما اليوم) فقد ذهبت
الأمانة وظهرت الخيانة فلست أثق بأحد في بيع ولا شراء (فما كنت أبايع إلاّ فلانًا وفلانًا). أي
أفرادًا من الناس قلائل ممن أثق بهم فكان يثق بالمسلم لذاته وبالكافر لوجود ساعيه وهو الحاكم
الذي يحكم عليه وكانوا لا يستعملون في كل عمل قلّ أو جلّ إلا المسلم فكان واثقًا بإنصافه
وتخليصه حقه من الكافر إن خانه بخلاف الوقت الأخير وفيه إشارة إلى أن حال الأمانة أخذ في
النقص من ذلك الزمان، وكانت وفاة حذيفة أول سنة ست وثلاثين بعد قتل عثمان بقليل فأدرك
بعض الزمن الذي وقع فيه التغيير.
وهذا الحديث سبق بعينه سندًا أو متنا في باب رفع الأمانة من كتاب الرقاق.
١٤ - باب التَّعَرُّبِ فِي الْفِتْنَةِ
(باب التعرب) بفتح العين المهملة وضم الراء المشددة بعدها موحدة الإقامة بالبادية والتكلف
في صيرورته أعرابيًّا ولأبي ذر التغرب بالغين المعجمة (في الفتنة) ولكريمة التعزب بالعين المهملة
والزاي ومعناه يعزب عن الجماعات والجهات ويسكن البادية، قال صاحب المطالع: وجدته بخطي
في البخاري بالزاي وأخشى أن يكون وهما.
٧٠٨٧ - حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنا حاتِمْ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ
الأكْوَعِ أنَّهُ دَخَلَ عَلَى الْحَجَّاجِ فَقالَ: يَا ابْنَ الأْوَعِ أَرْتَدَدْتَ عَلى عَقِبَيْكَ تَعَرَّبْتَ؟ قالَ: لا وَلكِنَّ
رَسُولَ اللهِ وَ﴿ أَذِنَّ لِي فِي الْبَدْوِ.
وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ قَالَ: لَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّنَ خَرَجَ سَلَمَةُ بْنُ الأكْوَعِ إلَى الرَّبَذَةِ
وَتَزَوَّجَ هُناكَ أمْرَأَةً وَوَلَدَتْ لَهُ أوْلادًا، فَلَمْ يَزَلْ بِها حَتَّى أقْبَلَ قَبْلَ أنْ يَمُوتَ بِلَيَالٍ فَنَزَلَ الْمَدِينَةَ.

٣٧
كتاب الفتن/ باب ١٤
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) أبو رجاء البلخي قال: (حدّثنا حاتم) بالحاء المهملة وبعد
الألف فوقية مكسورة ابن إسماعيل الكوفي (عن يزيد) من الزيادة (ابن أبي عبيد) بضم العين
مصغرًا مولى سلمة بن الأكوع (عن سلمة بن الأكوع) السلمي (أنه دخل على الحجّاج) بن يوسف
الثقفي لما ولي إمرة الحجاز بعد قتل ابن الزبير سنة أربع وسبعين (فقال) له: (يا ابن الأكوع
ارتددت على عقبيك تعربت) بالعين المهملة والراء أي تكلفت في صيرورتك أعرابيًّا، وقوله على
عقبيك بلفظ التثنية مجاز عن الارتداد يريد أنك رجعت في الهجرة التي فعلتها لوجه الله تعالى
بخروجك من المدينة فتستحق القتل، وكان من رجع بعد الهجرة إلى موضعه بغير عذر يجعلونه
كالمرتد، وأخرج النسائي من حديث ابن مسعود مرفوعًا: ((لعن الله آكل الربا وموكله» الحديث
وفيه: والمرتد بعد هجرته أعرابيًّا. قال بعضهم: وكان ذلك من جفاء الحجاج حيث خاطب هذا
الصحابي الجليل رضي الله عنه بهذا الخطاب القبيح من قبل أن يستكشف عن عذره وقيل أراد قتله
فبين الجهة التي يريد أن يجعله مستحقًّا للقتل بها (قال) ابن الأكوع مجيبًا للحجاج: (لا) لم أسكن
البادية رجوعًا عن هجرتي (ولكن) بتشديد النون (رسول الله يغ لي أذن لي) في الإقامة (في البدو)
وعند الإسماعيلي من طريق حماد بن مسعدة عن يزيد بن أبي عبيد عن سلمة أنه استأذن رسول
الله ◌َلو في البداوة فأذن له (وعن يزيد بن أبي عبيد) مولى سلمة بالسند السابق أنه (قال: لما قتل
عثمان بن عفان) رضي الله عنه (خرج سلمة بن الأكوع) رضي الله عنه من المدينة (إلى الربذة)
بفتح الراء والموحدة والمعجمة موضع البادية بين مكة والمدينة (وتزوّج هناك امرأة وولدت له أولادًا
فلم يزل بها) بالربذة وللكشميهني هناك بها (حتى أقبل قبل أن يموت بليال فنزل المدينة) وسقطت
الفاء من فنزل في رواية المستملي والسرخسي، وفي رواية حتى قبل أن يموت بإسقاط أقبل وهو
الذي في اليونينية وفيه حذف كان بعد حتى وقبل قوله قبل وهي مقدرة وهو استعمال صحيح
وفيه أن سلمة لم يمت بالبادية بل بالمدينة ويستفاد منه كما في الفتح أن مدة سكنى سلمة بالبادية
نحو الأربعين سنة لأن قتل عثمان رضي الله عنه كان في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين وموت
سلمة سنة أربع وسبعين على الصحيح.
والحديث أخرجه مسلم في المغازي والنسائي في البيعة.
٧٠٨٨ - حدّثنا عَبْدُ الله بْنُ يُوسُفَ، أخْبَرَنا مالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمْنِ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ أَبِي
صَعْصَعَةَ، عَنْ أبِيهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ رَضِيَ الله عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: («يُوشِكُ
أنْ يَكُونَ خَيْرَ مالِ الْمُسْلِمِ غَثَمَّ يَتْبَعُ بِها شَعَفَ الْجِبالِ، وَمَواقِعَ الْقَطْرِ يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَزِ» .
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي الكلاعي الحافظ قال: (أخبرنا مالك) هو ابن
أنس الأصبحي إمام الأئمة (عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي صعصعة) عمرو بن زيد بن عوف
الأنصاري ثم المازني (عن أبيه) عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي الحارث بن أبي صعصعة، وسقط ابن
أبي الحارث هنا من الرواية (عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله وَليه):

٣٨
كتاب الفتن/ باب ١٥
(يوشك) بكسر الشين المعجمة وفتحها قال الجوهري: لغة رديئة أي يقرب (أن يكون خير
مال المسلم غنم) نكرة موصوفة مرفوعة على الأشهر في الرواية اسم يكون مؤخرًا وخير مال المسلم
خبرها مقدمًا وفائدة تقديم الخبر الاهتمام إذ المطلوب حينئذ الاعتزال وليس الكلام في الغنم فلذا
أخرها (يتبع بها) بسكون الفوقية أي يتبع بالغنم (شعف الجبال) بفتح الشين المعجمة والعين المهملة
والفاء رؤوسها للمرعى والماء (ومواقع) نزول (القطر) بالقاف المفتوحة المطر في الأودية والصحارى
أي العشب والكلأ حال كونه (يفرّ بدينه) أي بسبب دينه (من الفتن) وفيه فضيلة العزلة لمن خاف
على دينه، فإن لم يكن فالجمهور على أن الاختلاط أولى لاكتساب الفضائل الدينية والجمعة
والجماعات وغيرها كإعانة وإغاثة وعيادة، وقال قوم: العزلة أفضل لتحقق السلامة بشرط معرفة
ما يتعين واختار النووي الخلطة لمن لا يغلب على ظنه الوقوع في المعصية، فإن أشكل الأمر
فالعزلة، وقيل يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال.
والحديث أخرجه مسلم في المغازي والنسائي في البيعة.
١٥ - باب التَّعَوُّذِ مِنَ الْفِتَنِ
(باب التعوّذ من الفتن).
٧٠٨٩ - حدّثنا مُعاذُ بْنُ فَضالَةَ، حَدَّثَنَا هِشامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ الله عَنْهُ قالَ:
سَأَلُوا النَّبِيَّ وََّ حَتَّى أَخْفَوَهُ بِالْمَسْأَلَةِ فَصَعِدَ النَّبِيُّ وَِّ ذاتَ يَوْمِ الْمِنْبَرَ فَقالَ: ((لا تَسْأَلُونِي عَنْ
شَيْءٍ إِلاَّ بَيِّنْتُ لَكُمْ)) فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ يَمِينًا وَشِمالاً فَإذا كُلِّ رَجُلٍ رَأْسُهُ فِي ثَوْبِهِ يَبْكِي فَأَنْشَأْ رَجُلٌ
كانَ إذا لاحى يُذْعى إلى غَيْرِ أبِيهِ فَقالَ: يا نَبِيَّ الله مَنْ أَبِي؟ فَقالَ: ((أَبُوكَ حُذَافَةُ)). ثُمَّ أَنْشَأ عُمَرُ
فَقالَ: رَضِينا بِاللَّهِ رَبَّا وَبِالإِسْلامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولاً، نَعُوذُ بِالله مِنْ سُوءِ الْفِتَنِ فَقالَ النَّبِيُّ ◌َِّ:
((مَا رَأيْتُ فِي الْخَيْرِ وَالشّرّ كَالْيَوْمٍ قَطْ، إنّهُ صُوْرَتْ لِي الْجَنَّةُ وَالنَّارِ حَتَّى رَأيْتُهُما دُونَ الْحَائِطِ)) قالَ
قَتَادَةُ: يُذْكَرُ هذا الْحَدِيثُ عِنْدَ هذه الآيَةِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ
تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١].
وبه قال: (حدّثنا معاذ بن فضالة) بفتح الفاء والمعجمة أبو زيد البصري قال: (حدّثنا هشام)
الدستوائي (عن قتادة) بن دعامة (عن أنس رضي الله عنه) أنه (قال: سألوا النبي ◌َّ حتى أحفوه
بالمسألة) بفتح الهمزة وسكون الحاء المهملة وفتح الفاء وسكون الواو أي ألّوا عليه في السؤال
وبالغوا (فصعد) بكسر العين (النبي بَّر ذات يوم المنبر) ولأبي ذر على المنبر (فقال):
(لا تسألوني) أي اليوم كما في الرواية الأخرى في كتاب الدعاء (عن شيء) من الغيب (إلاّ
بينت) ، (لكم) قال أنس (فجعلت أنظر) إلى الصحابة (يمينًا وشمالاً فإذا كل رجل) حاضر منهم
(رأسه) ولأبي ذر عن الكشميهني: لافّ رأسه بألف بعد اللام وتشديد الفاء ونصب رأسه (في ثوبه

٣٩
كتاب الفتن/ باب ١٥
يبكي فأنشأ رجل) بدأ الكلام (كان إذا لاحى) بفتح الحاء المهملة جادل وخاصم أحدًا (يدعى)
بضم التحتية وسكون الدال وفتح العين المهملتين ينسب (إلى غير أبيه فقال: يا نبي الله من أبي؟
فقال) عليه الصلاة والسلام: (أبوك حذافة) بضم الحاء المهملة وفتح الذال المعجمة وبعد الألف فاء
فهاء تأنيث أي ابن قيس واسم الرجل قيل قيس بن حذافة، وقيل خارجة، وقيل عبد الله. قال
في الفتح: وهو المعروف. قلت: وصرح به البخاري في باب ما يكره من كثرة السؤال من كتاب
الاعتصام (ثم أنشأ عمر) بن الخطاب رضي الله عنه لما رأى ما بوجه النبي وَله من الغضب (فقال)
شفقة على المسلمين (رضينا بالله ربًّا وبالإسلام دينا وبمحمد) وَلّر (رسولاً) أي رضينا بما عندنا من
كتاب الله وسُنّة رسول الله وَلَه واكتفينا به عن السؤال (نعوذ بالله من سوء الفتن) بضم السين
المهملة بعدها واو ساكنة فهمزة، ولأبي ذر عن الكشميهني من شر الفتن (فقال النبي ◌َلهو: ما
رأيت في الخير والشر كاليوم) يومًا مثل هذا اليوم (قط إنه) بكسر الهمزة (صورت لي الجنة والنار
حتى رأيتهما) رؤيا عين (دون الحائط) أي بيني وبين الحائط وهو حائط محرابه وَلقر وسقط قوله لي
في رواية غير الكشميهني.
(قال قتادة) بن دعامة بالسند السابق (يذكر) بضم أوله وفتح الكاف (هذا الحديث) رفع
ولأبي ذر عن الكشميهني فكان قتادة يذكر هذا الحديث بفتح الياء من يذكر وضم الكاف والحديث
نصب على المفعولية (عند هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبدَ لكم
تسؤكم﴾ [المائدة: ١٠١]) الآية أي: لا تسألوا رسول الله صل* عن أشياء إن تظهر لكم تغمكم
وإن تسألوا عنها في زمن الوحي تظهر لكم وهما كمقدمتين ينتجان ما يمنع السؤال وهو أنه مما
يغمهم والعاقل لا يفعل ما يغمه.
٧٠٩٠ - وقال عَبَّاسُ النَّرْسِيُّ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعِ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ أنَّ أَنَسًا
حَدَّثَهُمْ أَنَّ نَبِيَّ اللهِ وَّرَ بِهِذا وَقَالَ: كُلُّ رَجُلٍ لافَّا رَأْسَهُ فِي ثَوْبِهِ يَيْكِي وَقَالَ عائِذًا بِالله مِنْ سُوءٍ
الْفِتَنِ أوْ قالَ: أعُوذُ بِالله مِنْ سُوءِ الْفِتَنِ.
(وقال عباس) بالموحدة والمهملة ابن الوليد بن نصر الباهلي (النرسيّ) بالنون المفتوحة والراء
الساكنة والسين المهملة المكسورة مما وصله أبو نعيم في مستخرجه (حدّثنا يزيد بن زريع) قال:
(حدّثنا سعيد) هو ابن أبي عروبة قال: (حدّثنا قتادة) بن دعامة (أن أنسًا) رضي الله عنه (حذّثهم
أن نبي الله(وَل بهذا) الحديث السابق (وقال) أنس (كل رجل) كان هناك حال كونه (لاقًّا) بالفاء
(رأسه في ثوبه يبكي) خوفًا من عقوبة الله لكثرة سؤالهم له وَّر وتعنتهم عليه ففيه زيادة قوله لاقًّا
رأسه فدل على أن زيادتها في الأوّل وهم من الكشميهني قاله في الفتح. (وقال) كل رجل منهم
(عائذًا بالله) أي حال كونه مستعيذًا بالله (من سوء الفتن). بالسين المهملة والواو ثم الهمزة ولابن
عساكر من شر الفتن بالشين المعجمة والراء (أو قال: أعوذ بالله من سوء الفتن) بضم السين

٤٠
كتاب الفتن/ باب ١٦
وسكون الواو ولأبي ذر من سوأى الفتن بفتح المهملة وبعد الواو الساكنة همزة مفتوحة ممدودة قال
في فتح الباري: بيّن أنه في رواية سعيد بالشك في سوء وسوأى قال المؤلف:
٧٠٩١ - وقال لِي خَلِيفَةُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ وَمُعْتَمِرٌ عَنْ أبِيهِ، عَنْ قَتَادَةً
أنَّ أنَسَا حَدَّثَهُمْ عَنِ النَّبِيِّ بَّهِ بِهذا وَقَالَ: عائِذَا بِالله مِنْ شَرِّ الْفِتَنِ.
(وقال لي خليفة) بن خياط في المذاكرة (حدّثنا يزيد بن زريع) قال: (حدّثنا سعيد) هو ابن
أبي عروبة (ومعتمر عن أبيه) سليمان بن طرخان (عن قتادة) بن دعامة (أن أنسًا حدّثهم عن
النبي ﴾ بهذا) الحديث. (وقال: عائذًا بالله من شر الفتن) بالشين المعجمة والراء المشددة
واستعاذته 9 من الفتن تعليم لأمته وفيه منقبة لعمر بن الخطاب رضي الله عنه.
١٦ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ وَِّ: ((الْفِتْنَةُ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ))
(باب قول النبي ◌ِّر: الفتنة من قبل المشرق) بكسر القاف وفتح الموحدة أي من جهة
المشرق .
٧٠٩٢ - حدّثنا عَبْدُ الله بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا هِشامٌ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ،
عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ وَِّ أنَّهُ قَامَ إلى جَنْبِ الْمِثْبَرِ فَقالَ: ((الْفِتْنَةُ هُهُنا، الْفِتْنَةُ هُهُنا، مِنْ
حَيْثُ يَطْلُّعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ - أوْ قالَ - قَرْنُ الشّمْسِ» .
وبه قال: (حدّثنا) ولغير أبي ذر: حدّثني بالإفراد (عبد الله بن محمد) المسندي قال: (حدّثنا
هشام بن يوسف) الصنعاني (عن معمر) بفتح الميمين هو ابن راشد (عن الزهري) محمد بن مسلم
(عن سالم عن أبيه) عبد الله بن عمر رضي الله عنهما (عن النبي بَي أنه قام إلى جنب المنبر) وفي
الترمذي من طريق عبد الرزاق عن معمر أن النبي وَّر قام على المنبر (فقال):
(الفتنة هلهنا الفتنة هلهنا) بالتكرار مرتين (من حيث يطلع قرن الشيطان) بضم اللام من
يطلع ولمسلم من طريق فضيل بن غزوان عن سالم بلفظ: إن الفتنة تجيء من ههنا وأومأ بيده نحو
المشرق من حيث يطلع قرنا الشيطان بالتثنية وقد قيل: إن له قرنين على الحقيقة، وقيل: إن قرنيه
ناحينا رأسه أو هو مثل أي حينئذ يتحرك الشيطان ويتسلط أو قرنه أهل حزبه (أو قال قرن
الشمس) أي أعلاها، وقيل: إن الشيطان يقرن رأسه بالشمس عند طلوعها لتقع سجدة عبدتها له.
والحديث أخرجه الترمذي في الفتن.
٧٠٩٣ - حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثُ، عَنْ نافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ الله عَنْهُما أنَّهُ
سَمِعَ رَسُولَ اللهِ وَ﴿ وَهْوَ مُسْتَقْبِلٌ الْمَشْرِقَ يَقُولُ: ((ألا إنَّ الْفِتْنَةَ هُهُنا مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ
الشَّيْطانِ».