Indexed OCR Text
Pages 401-420
٤٠١ كتاب الحيل/ باب ١٤ الحول عند الموهوب له ووجوب زكاتها عليه عند الجمهور وأما الرجوع فلا يكون إلا في الهبة للولد. ٦٩٧٥ - حدثنا أَبُو نُعَيْمِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَيُوبَ السَّخْتِيانِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عَنْهُما قالَ: قَالَ النَّبِيِّ ◌َهَ: ((العائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالكَلْبٍ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ، لَيْسَ لَنا مَثَلُ السَّوْءِ». واحتج البخاري رحمه الله. بقوله: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين قال: (حدّثنا سفيان) الثوري (عن أيوب) السختياني (عن عكرمة) مولى ابن عباس (عن ابن عباس رضي الله عنهما) أنه (قال: قال النبي ◌َلّر): (العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه) زاد مسلم من رواية أبي جعفر محمد بن علي الباقر عنه فيأكله (ليس لنا مثل السوء) بفتح السين أي لا ينبغي لنا معشر المؤمنين أن نتصف بصفة ذميمة يشابهنا فيها أخس الحيوانات في أخس أحواله، وظاهر هذا المثل كما قاله النووي تحريم الرجوع في الهبة بعد القبض وهو محمول على هبة الأجنبي لا ما وهبه لولده، وقال العيني: لم يقل أبو حنيفة هذه المسألة على هذه الصورة بل قال: إن للواهب أن يرجع في هبته إذا كان الموهوب له أجنبيًا وقد سلمها له لأنه قبل التسليم يجوز مطلقًا واستدل لجواز الرجوع بحديث ابن عباس عند الطبراني مرفوعًا: من وهب فيه هبة فهو أحق بهبته ما لم يثب منها. وحديث ابن عمر مرفوعًا عند الحاكم وقال صحيح على شرطهما قال: ولم ينكر أبو حنيفة حديث العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه بل عمل بالحديثين معًا فعمل بالأول في جواز الرجوع، وبالثاني في كراهة الرجوع واستقباحه لا في حرمته وفعل الكلب يوصف بالقبح لا بالحرمة. والحديث سبق في الهبة. ٦٩٧٦ - حدثنا عَبْدُ اللَّه بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا هِشامُ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّه قالَ: إِنَّمَا جَعَلَ النَِّيُّ وَّرِ الشَّفْعَةَ فِي كُلِّ ما لَمْ يُقْسَمْ فَإذا وَقَعَتِ الحُدُودُ وَصُرِّفَتِ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةً. وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: الشُّفْعَةُ لِلْجِوارِ ثُمَّ عَمَدَ إلى ما شَدَّدَهُ فَأَبْطَلَهُ وَقالَ: إنِ اشْتَرى دارًا فَخافَ أنْ يَأْخُذَها الجارُ بِالشُّفْعَةِ فَأَشْتَرِى سَهْمًا مِنْ مِائَةٍ سَهْمٍ، ثُمَّ اشْتَرى الباقيَ وَكانَ لِلْجارِ الشّفْعَةُ فِي السَّهْمِ الأوّلِ وَلا شُفْعَةً لَهُ فِي باقِي الدَّارِ وَلَهُ أنْ يَخْتَلَ فِي ذَلِكَ. وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن محمد) المعروف بالمسندي قال: (حدّثنا هشام بن يوسف) الصنعاني قال: (أخبرنا معمر) هو ابن راشد (عن الزهري) محمد بن مسلم (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف (عن جابر بن عبد اللَّه) الأنصاري رضي الله عنهما أنه (قال: إنما جعل إرشاد الساري/ ج ١٤ / م ٢٦ ٤٠٢ كتاب الحيل/ باب ١٤ النبي ◌َ﴿ الشفعة) بضم الشين المعجمة وسكون الفاء وحكي ضمها وهي لغة الضم وشرعًا حق تملك قهري يثبت للشريك القديم على الحادث فيما ملك بعوض (في كل ما لم يقسم) من العقار وما موصولة بمعنى الذي والصلة جملة لم يقسم والعائد المفعول الذي لم يسم فاعله وهو هنا محذوف أي فيما لم يقسم من العقار كما مر (فإذا وقعت الحدود) جمع حدّ وهو هنا ما تتميز به الأملاك بعد القسمة (وصرفت الطرق) بضم الصاد وكسر الراء مشددة ومخففة أي بينت مصارفها وشوارعها وجواب فإذا قوله: (فلا شفعة) لأنه صار مقسومًا وخرج عن الشركة فصار في حكم الجوار، والمعنى في الشفعة دفع ضرر مؤونة القسمة واستحداث المرافق كالمصعد والمنور والبالوعة في الحصة الصائرة إليه وظاهره أن لا شفعة للجار لأنه نفى الشفعة في كل مقسوم. والحديث سبق في البيوع. (وقال بعض الناس) هو أبو حنيفة رحمه الله تعالى تشرع (الشفعة للجوار) بكسر الجيم المجاورة (ثم عمد) بفتحات أي عمد أبو حنيفة (إلى ما شدده) بالشين المعجمة ولأبي ذر عن الكشميهني إلى ما سدده بالسين المهملة أي من إثبات الشفعة للجار كالشريك (فأبطله. وقال: إن اشترى دارًا) أي أراد شراءها كاملة (فخاف أن يأخذها الجار بالشفعة فاشترى) منها (سهمًا) واحدًا شائعًا (من مائة سهم) فيصير شريكًا لمالكها (ثم اشترى الباقي وكان) بالواو وسقطت لأبي ذر (للجار الشفعة في السهم الأول) فيصير أحق بالشفعة من الجار لأن الشريك في المشاع أحق من الجار (ولا شفعة له) أي للجار (في باقي الدار وله) أي للذي اشترى الدار وخاف أن يأخذها الجار (أن يحتال في ذلك) فناقض كلامه لأنه احتج في شفعة الجار بحديث الجار أحق يسقيه ثم تحيل في إسقاطها بما يقتضي أن يكون غير الجار أحق بالشفعة من الجار وليس فيه شيء من خلاف السنة، لكن المشهور عند الحنفية أن الحيلة المذكورة لأبي يوسف، وأما محمد بن الحسن فقال: يكره ذلك أشدّ الكراهة لما فيه من الضرر لا سيما إن كان بين المشتري والشفيع عداوة ويتضرر بمشاركته. ٦٩٧٧ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّه، حَدَّثَنا سُفْيانُ، عَنْ إبراهيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ الشَّريدِ قالَ: جاءَ المِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى مَنْكِبِي، فَأَنْطَلَقْتُ مَعَهُ إلى سَعْدٍ فَقَالَ أَبُو رافِعٍ لِلْمِسْوَرِ: ألا تَأْمُرُ هَذا أنْ يَشْتَرِيَ مِنِّي بَيْتِي الَّذِي فِي دَارِي فَقالَ: لا أزيدُهُ عَلَى أزْبَعَمِائَةٍ إمّا مُقَطَّعَةٍ وَإمّا مُنَجَّمَةٍ قَالَ: أُعْطِيتُ خَمْسَمِائَةٍ نَقْدًا فَمَنَعْتُهُنَّ، وَلَوْلا أتِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَِّ يَقُولُ: ((الجارُ أَحَقُّ بِصَقَبِهِ ما بِعْتُكَهُ - أوْ قالَ - ما أعْطَيْتُكَهُ)) قُلْتُ لِسُفْيَانَ: إِنَّ مَعْمَرًا لَمْ يَقُلْ هَكذا قالَ: لَكِنَّهُ قالَ لي هَكَذا. وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إذا أرادَ أنْ يَبِيعَ الشُّفْعَةَ، فَلَهُ أنْ يَحْتَالَ حَتَّى يُبْطِلَ الشُّفْعَةَ، فَيَهَبُ البائِعُ لِلْمُشْتَرِي الدَّارَ وَيَحُدُّهَا وَيَدْفَعُها إِلَيْهِ وَيُعَوِّضُهُ المُشْتَرِي أَلْفَ دِرْهَمٍ فَلا يَكُونُ لِلشّفيعِ فيها شُفْعَةٌ. ٤٠٣ كتاب الحيل/ باب ١٤ وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد اللَّه) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن إبراهيم بن ميسرة) بفتح الميم والسين المهملة وسكون التحتية بينهما أنه (قال: سمعت عمرو بن الشريد) بفتح العين والشريد بفتح المعجمة وكسر الراء بعدها تحتية ساكنة فدال مهملة الثقفي (قال: جاء المسور بن مخرمة) بن نوفل القرشي رضي الله عنهما (فوضع يده على منكبي) بفتح الميم وكسر الكاف (فانطلقت معه إلى سعد) بسكون العين ابن أبي وقاص مالك وهو خال المسور بن مخرمة (فقال أبو رافع) أسلم القبطي مولى رسول الله وَلير (للمسور) بن مخرمة (ألا تأمر هذا) يعني سعد بن أبي وقاص (أن يشتري مني بيتي الذي) بالإفراد ولأبي ذر عن الكشميهني بيتي بتشديد التحتية بعد فتح الفوقية اللذين بفتح الذال المعجمة وبعد التحتية نون على التثنية (في داري؟) ولأبي ذر في داره (فقال) سعد: (لا أزيده) في الثمن (على أربعمائة إما مقطعة وإما منجمة) أي مؤجلة على نقدات متفرقة والنجم الوقت المعين والشك من الراوي (قال) أبو رافع (أعطيت) بضم الهمزة (خمسمائة) مفعول ثان لأعطيت (نقدًا فمنعته) أي البيع (ولولا أني سمعت النبي) ولأبي ذر رسول الله (3 88 يقول): (الجار أحق بصقبه) بفتح الصاد المهملة والقاف وكسر الموحدة بقربه أو بقريبه بأن يتعهده ويتصدق عليه مثلاً قيل: هو دليل لشفعة الجوار. وأجيب: بأنه لم يقل أحق بشفعته وهو متروك الظاهر لأنه يستلزم أن يكون الجار أحق من الشريك وهو خلاف مذهب الحنفية (ما بعتكه) ولأبي ذر عن المستملي ما بعتك بإسقاط الضمير (أو قال: ما أعطيتكه؟) قال علي بن المديني (قلت لسفيان) بن عيينة (أن معمرًا) فيما رواه عبد الله بن المبارك عن معمر بن إبراهيم بن ميسرة عن عمرو بن الشريد عن أبيه أخرجه النسائي (لم يقل هكذا). قال في الكواكب: أي أن الجار أحق بصقبه، بل قال الشفعة. وتعقبه الحافظ ابن حجر فقال: هذا الذي قاله لا أصل له وما أدري مستنده فيه ولفظ رواية معمر الجار أحق بصقبه كرواية أبي رافع سواء فالمراد بالمخالفة على ما رواه معمرًا بدال الصحابي بصحابي آخر وهو المعتمد (قال) سفيان (لكنه) أي إبراهيم بن ميسرة (قال) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي قاله (لي هكذا) وحكى الترمذي عن البخاري أن الطريقين صحيحان وإنما صححهما لأن الثوري وغيره تابعوا سفيان بن عيينة على هذا الإسناد. قال المهلب: مناسبة ذكر حديث أبي رافع أن كل ما جعله النبي وَلِّ حقًّا لشخص لا يجوز لأحد إبطاله بحيلة ولا غيرها. (وقال بعض الناس) هو النعمان أيضًا رحمه الله: (إذا أراد أن يبيع) ولأبي ذر عن الكشميهني أن يقطع (الشفعة) ورجحها القاضي عياض، وقال الكرماني: يجوز أن يكون المراد بقوله أن يبيع الشفعة لازم البيع وهو الإزالة عن الملك (فله أن يحتال حتى يبطل الشفعة فيهب البائع للمشتري الدار ويحدها) بالحاء والدال المهملتين أي يصف حدودها التي تميزها (ويدفعها) أي الدار (إليه) إلى المشتري (ويعوّضه المشتري ألف درهم) مثلاً (فلا يكون للشفيع فيها شفعة) وإنما سقطت الشفعة في هذه الصورة لأن الهبة ليست معاوضة محصنة فاشتبهت الإرث. ٤٠٤ کتاب الحیل/ باب ١٥ ٦٩٧٨ - هذّثنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيانُ، عَنْ إبراهيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الشّريدِ، عَنْ أَبي رافِعِ أنَّ سَعْدًا ساوَمَهُ بَيْتًا بِأَرْبَعِمِائَةٍ مِثْقَالٍ فَقالَ: لَوْلا أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهُ يَقُولُ: ((الجارُ أَحَقُّ بِصَقَبِهِ) لَما أعْطَيْتِكَ. وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إِنِ اشْتَرى نَصيبَ دارٍ فَأرادَ أنْ يُبْطِلَ الشُّفْعَةَ وَهَبَ لابْنِهِ الصَّغِيرِ وَلا يَكُونُ عَلَيْهِ يَمين. وبه قال: (حدّثنا محمد بن يوسف) الفريابي قال: (حدّثنا سفيان) الثوري (عن إبراهيم بن ميسرة) الطائفي نزل مكة (عن عمرو بن الشريد) الثقفي (عن أبي رافع) أسلم مولى رسول الله القوي (أن سعدًا) هو ابن أبي وقاص (ساومه بيتًا بأربعمائة مثقال فقال لولا أني سمعت رسول الله القوي يقول): (الجار أحق بصقبه) بالصاد المهملة (لا) بفتح اللام وتخفيف الميم ولأبي ذر بسقبه بالسين بدل الصاد ما بإسقاط اللام (أعطيتك) بحذف ضمير المفعول ولأبي ذر عن الكشميهني أعطيتكه. (وقال بعض الناس) الإمام أبو حنيفة رحمه الله (إن اشترى نصيب دار فأراد أن يبطل الشفعة وهب) ما اشتراه (لابنه الصغير ولا يكون عليه يمين) في تحقيق الهبة ولا في جريان شروطها وقيد بالصغير لأن الهبة لو كانت للكبير وجب عليه اليمين فيتحيل في إسقاطها بجعلها للصغير ولو وهب لأجنبي فالشفيع أن يحلف الأجنبي أن الهبة حقيقة وأنها جرت بشروطها والصغير لا يحلف. ١٥ - باب اخْتِيالِ العامِلِ لِيُهْدىْ لَهُ (باب) كراهية (احتيال العامل) الذي يتولى في ماله وغيره (ليهدى له) بضم التحتية مبنيًّا للمفعول. ٦٩٧٩ - حدثنا عُبَيْدُ بْنُ إسماعيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسامَةً عَنْ هِشام، عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ قالَ: اسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ رَجُلاً عَلى صَدَقَاتِ بَنِي سُلَيْمِ يُذْعَى ابْنَ اللُّتَبِيَّةِ، فَلَمَا جاءَ حاسَبَهُ قالَ: هذا مالُكُمْ وَهَذا هَدِيَّةٌ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: ((فَهَلاً جَّلَسْتَ فِي بَيْتٍ أَبِيكَ وَأُمْكَ حَتَّى تَأْتِيَكَ هَدِيَّتُكَ، إنْ كُنْتَ صادِقاً) ثُمَّ خَطَبَنا فَحَمِدَ اللهِ وَأَثْنِى عَلَيْهِ ثُمَّ قالَ: ((أمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أُسْتَعْمِلُ الرَّجُلَ مِنْكُمْ عَلَى العَمَلِ مِمَّا وَلأَنِي الله، فَيَأْتِي فَيَقُولُ: هَذا مَالُكُمْ وَهَذا هَدِيَّةٌ أُهْدِيَتْ لِي أَفَلا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمْهِ حَتَّى تَأْتِيَهُ هَدِيَّتُهُ، وَالله لا يَأْخُذُ أحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا بِغَيْرِ حَقُّهِ، إلاّ لَقِيَ الله يَحْمِلُهُ يَوْمَ القِيامَةِ فَلأَعْرِفَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ لَقِيَ اللَّهَ يَحْمِلُ بَعيرًا لَهُ رُغاءٌ، أَوْ بَقَرَةً لَها خُوارٌ، أَوْ شاةً تَيْعَرُ))، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رُئِيَ بَياضُ إِبْطِهِ يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ؟)) بَصْرَ عَيْنِي وَسَمْعَ أُذُني. ٤٠٥ كتاب الحيل/ باب ١٥ وبه قال: (حدّثنا عبيد بن إسماعيل) أبو محمد القرشي الهباري الكوفي من ولد هبار بن الأسود واسمه عبد الله وعبيد لقب غلب عليه قال: (حدّثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة (عن هشام عن أبيه) عروة بن الزبير بن العوّام (عن أبي حميد) بضم الحاء عبد الرحمن أو المنذر (الساعدي) الأنصاري رضي الله عنه أنه (قال: استعمل رسول الله وَ ﴿ رجلاً على صدقات بني سليم) بضم السين وفتح اللام (يدعى) الرجل (ابن اللتبية) بضم اللام وفتح الفوقية وسكونها وكسر الموحدة وتشديد التحتية عبد الله واللتبية اسم أمه قال ابن حجر لم أقف على تسميتها (فلما جاء) وفي الأحكام فلما قدم (حاسبه) النبي وي فر أي أمر من حاسبه (قال: هذا مالكم وهذا هدية) أهديت لي (فقال رسول الله (وَلـ) له: (فهلا) ولأبي ذر عن المستملي فهل بإسقاط الألف وتخفيف اللام (جلست في بيت أبيك وأمك حتى تأتيك هديتك إن كنت صادقًا ثم خطبنا) وَلغر (فحمد الله) عز وجل (وأثنى عليه) بما هو أهله (ثم قال: أما بعد فإني أستعمل الرجل منكم على العمل مما ولاني الله فيأتي فيقول هذا مالكم وهذا هدية أهديت لي أفلا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته والله لا يأخذ أحد منكم شيئًا) من الصدقة (بغير حقه إلا لقي الله يحمله يوم القيامة فلأعرفن أحدًا) بنون التوكيد الثقيلة وبعد اللام همزة أي والله لأعرفن وفي نسخة فلا أعرفن بألف بعد اللام ثم همزة فلا ناهية للمتكلم صورة وفي المعنى نهي لقوله أحدًا (منكم لقي الله) حال كونه (يحمل بعيرًا) على عنقه حال كونه (له رغاء) بضم الراء وفتح الغين المعجمة وبالهمزة ممدودًا صفة لبعير أي صوت (أو) يحمل (بقرة) على عنقه (لها خوار) بضم الخاء المعجمة وفتح الواو المخففة بعدها ألف فراء صوت أيضًا (أو) يحمل على عنقه (شاة تيعر) بفتح الفوقية وسكون التحتية وفتح العين المهملة بعدها راء تصوّت (ثم رفع) وَلجر (يديه) بالتثنية والذي في اليونينية يده بالإفراد (حتى رئي) براء مضمومة فهمزة مكسورة فتحتية ولأبي ذر ريء بكسر الراء بعدها تحتية ساكنة فهمزة (بياض إبطه) بالإفراد وفي نسخة إبطيه بالتثنية حال كونه (يقول: اللهم هل بلغت) ما أمرتني به (بصر عيني وسمع أذني) بفتح الموحدة وسكون الصاد المهملة وفتح الراء وسمع بفتح السين المهملة وسكون الميم وفتح العين كذا في الفرع كأصله وضبطه أكثرهم كذلك فيما قاله القاضي عياض. قال سيبويه: العرب تقول سمع أذني زيدًا ورأي عيني تقول ذلك بضم آخرهما. قال القاضي عياض: وأما الذي في كتاب الحيل فوجهه النصب على المصدر لأنه لم يذكر المفعول بعده، وقال في الفتح: وبصر بفتح الموحدة وضم الصاد وسمع بفتح السين وكسر الميم أي بلفظ الماضي فيهما أي أبصرت عيناي رسول الله و جر ناطقًا رافعًا يديه وسمعت كلامه فيكون من قول أبي حميد، وعلى القول بأنهما مصدران مضافان فمفعول بلغت، ويكون من قول رسول الله وَلثر، لكن عند أبي عوانة من رواية ابن جريج عن هشام بصر عينا أبي حميد وسمع أذناه وحينئذٍ يتعين أن يكون بضم الصاد وكسر الميم، وفي رواية مسلم من طريق أبي الزناد عن عروة قلت لأبي حميد أسمعته من رسول الله وَلَ؟ قال: من فيه إلى أذني، وقوله عيني وأذني ٤٠٦ کتاب الحیل/ باب ١٥ بالإفراد فيهما. وفي مسلم من طريق أبي أسامة بصر وسمع بالسكون فيهما والتثنية في أذنّ وعينيّ وعنده من رواية ابن نمير بصر عيناي وسمع أذناي. قال المهلب: حيلة العامل ليهدى له تقع بأن يسامح بعض من عليه الحق فلذلك قال هلا جلس في بيت أبيه وأمه لينظر هل يهدى له. وقال في فتح الباري ومطابقة الحديث للترجمة من جهة تملكه ما أهدي إنما كان لعلة كونه عاملاً فاعتقد أن الذي أهدي له يستبد به دون أصحاب الحقوق التي عمل فيها فبين له وَالقر أن الحقوق التي عمل لأجلها هي السبب في الإهداء له وأنه لو أقام في منزله لم يهد له شيء فلا ينبغي له أن يستحلها بمجرد كونها وصلت إليه على طريق الهدية فإن ذلك إنما يكون حيث يتمحض الحق له. والحديث سبق في الهبة والنذور والزكاة. ٦٩٨٠ - حدّثنا أبُو نُعَيْم، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِبْراهيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّريدِ، عَنْ أَبِي رافِعٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيِّ نَّهِ: ((الجارُ أَحَقُّ بِصَقَبِهِ». وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إِنِ اشْتَرى دارًا بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، فَلا بَأْسَ أنْ يَخْتَالَ حَتَّى يَشْتَرِيَ الدَّارَ بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَيَنْقُدَهُ تِسْعَةَ آلافٍ دِرْهَمٍ وَتِسْعَمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ وَيَنْقُدَهُ دِينارًا بِما بَقِيَ مِنَ العِشْرِيْنَ الأَلْفَ، فَإِنْ طَلَبَ الشّفيعُ أخْذَها بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَإلاَّ فَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَى الدَّارِ، فَإِنِ اسْتُحِقَّتِ الدَّارُ رَجَعَ المُشْتَرِي عَلَى البائِعِ بِمَا دَفَعَ إِلَيْهِ، وَهُوَ تِسْعَةُ آلافِ دِرْهَم وَتِسْعُمِائَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ دِرْهَمًا وَدينارٌ لأنَّ البَيْعَ حينَ أَسْتُحِقَّ أَنْتَقَضَ الصَّرْفُ فِي الدِّينَارِ، فَإِنَّ وَجَدَ بِهِذِهِ الدَّارِ عَيْبًا وَلَمْ تَسْتَحقَّ فإنّهُ يَرُدُّهَا عَلَيْهِ بِعِشْرِينَ ألْفَ دِرْهَمٍ قَالَ: فَأجازَ هَذَا الخِدَاعَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ وَقَالَ: قَالَ النَّبِيُّ وَّى: ((لا داءَ وَلا خِبْئَةَ وَلا غائِلَةَ)). وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين قال: (حدّثنا سفيان) الثوري (عن إبراهيم بن ميسرة) الطائفي (عن عمرو بن الشريد) الثقفي (عن أبي رافع) اسمه أسلم أنه (قال: قال النبي) ولأبي ذر قال لنا النبي (مَّ): (الجار أحق بصقبه) ولأبي ذر بسقبه بالسين بدل الصاد أي أحق بقريبه بأن يتعهده ويتصدق علیه مثلاً وسبق ما فیه قريبًا. (وقال بعض الناس) الإمام أبو حنيفة النعمان (إن اشترى) أي إن أراد أن يشتري (دارًا بعشرين ألف درهم) مثلاً (فلا بأس أن يحتال) على إسقاط الشفعة (حتى يشتري الدار بعشرين ألف درهم وينقده) بفتح التحتية أي ينقد البائع (تسعة آلاف درهم وتسعمائة درهم وتسعة وتسعين وينقده دينارًا بما) أي بمقابلة ما (بقي من العشرين الألف) ولأبي ذر ألف بإسقاط لام ألف يعني مصارفة عنها (فإن طلب الشفيع أخذها) بسكون الخاء بالشفعة أخذها (بعشرين ألف درهم) وهي ٤٠٧ کتاب الحيل/ باب ١٥ الثمن الذي وقع عليه العقد (وإلاّ) بأن لم يرض أن يأخذها بالعشرين ألفًا (فلا سبيل له على الدار) لسقوط الشفعة لامتناعه من بذل الثمن الذي وقع عليه العقد (فإن استحقت الدار) بضم الفوقية وكسر الحاء المهملة أي ظهرت مستحقة لغير البائع (رجع المشتري على البائع بما دفع إليه وهو تسعة آلاف درهم وتسعمائة وتسعة وتسعون درهما ودينار) لكونه القدر الذي تسلمه منه ولا يرجع عليه بما وقع عليه العقد (لأن البيع) أي المبيع (حين استحق) بضم التاء مبنيًا للمفعول للغير (انتقض) بالضاد المعجمة (الصرف) الذي وقع بين البائع والمشتري (في الدينار) ولأبي ذر في الدار (فإن وجد) بفتح الواو (بهذه الدار) المذكورة (عيبًا ولم تستحق) بالبناء للمجهول أي والحال أنها لم تخرج مستحقة (فإنه يردّها عليه بعشرين ألف درهم) ولأبي ذر بعشرين ألفًا، وهذا تناقض ظاهر لأن الأمة مجمعة وأبو حنيفة معهم على أن البائع لا يردّ في الاستحقاق والردّ بالعيب إلا ما قبض فكذلك الشفيع لا يشفع إلا بما نقد المشتري وما قبضه من البائع لا بما عقد، وأشار إلى ذلك بقوله: (قال) البخاري (فأجاز) أي أبو حنيفة رحمه الله (هذا الخداع بين المسلمين) والخداع بكسر الخاء المعجمة أي الحيلة في إيقاع الشريك في الغبن الشديد إن أخذ بالشفعة أو إبطال حقه بسبب الزيادة في الثمن باعتبار العقد لو تركها. (وقال) البخاري (قال النبي (وَل9) وسقط واو وقال الأولى لأبي ذر (لا داء) ولأبي ذر بيع المسلم لا داء لا مرض (ولا خبثة) بكسر الخاء المعجمة وتضم وسكون الموحدة بعدها مثلثة بأن يكون المبيع غير طيب كأن يكون من قوم لم يحل سبيهم لعهد تقدّم لهم قاله أبو عبيدة. قال السفاقسي: وهذا في عهدة الرقيق. قال في الفتح: وإنما خصه بذلك لأن الخبر إنما ورد فيه (ولا غائلة) بالغين المعجمة مهموزًا ممدودًا لا سرقة ولا إباق. وهذا الحديث سبق في أوائل البيوع في باب إذا بين البيعان ونصحا بلفظ ويذكر عن العدّاء بن خالد قال: كتب لي النبي ◌َ ◌ّ هذا ما اشترى محمد رسول الله وَل* من العدّاء بن خالد بيع المسلم المسلم لا داء ولا خبثة ولا غائلة. قال في الفتح: وسنده حسن وله طرق إلى العدّاء ورواه الترمذي والنسائي وابن ماجة موصولاً لكن فيه أن المشتري العدّاء من محمد رسول الله وَله، وسبق ما في ذلك في الباب المذكور. ٦٩٨١ - حدثنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَخْيَى، عَنْ سُفْيانَ، حَدَّثَنِي إبراهيمُ بْنُ مَيْسَرَة، عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّريدِ، أنَّ أبا رافِعٍ ساوَمَ سَعْدَ بْنَ مالِكِ بَيْتًا بِأَرْبَعِمِائَةٍ مِثْقَالٍ، وَقَالَ: لَوْلا أنّي سَمِعْتُ النَّبِيِّ وَهِ يَقُولُ: ((الجارُ أَحَقُّ بِصَقَبِهِ) ما أعْطَيْتُكَ. وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن سفيان) الثوري أنه قال: (حدّثني) بالإفراد (إبراهيم بن ميسرة) ضدّ الميمنة الطائفي (عن عمرو بن الشريد) بفتح العين والشين المعجمة آخره دال مهملة (أن أبا رافع) مولى رسول الله وي القر اسمه أسلم (ساوم سعد بن مالك) أبا وقاص بن وهيب بن عبد مناف أحد العشرة وأول من رمى بسهم في سبيل ٤٠٨ كتاب الحيل/ باب ١٥ الله (بيتًا) في داره (بأربعمائة مثقال. وقال) أبو رافع بعد قوله أعطيت خمسمائة نقدًا فمنعته (لولا أني سمعت النبي ول# يقول): (الجار أحق بصقبه) بالصاد ولأبي ذر بالسين (ما أعطيتك) البيت. قال في فتح الباري: قوله حدّثنا أبو نعيم حدّثنا سفيان إلى آخره كذا وقع للأكثر هذا الحديث وما بعده متصلاً بباب احتيال العامل وأظنه وقع هنا تقديم وتأخير، فإن الحديث وما بعده يتعلقان بباب الهبة والشفعة، فلما جعل الترجمة مشتركة جمع بين مسائلها، ومن ثم قال الكرماني: إنه من تصرف النقلة، وقد وقع عند ابن بطال هنا باب بلا ترجمة ثم ذكر الحديث وما بعده ثم ذكر باب احتيال العامل، وعلى هذا فلا إشكال لأنه حينئذٍ كالفصل من الباب، ويحتمل أن يكون في الأصل بعد قصة ابن اللتبية باب بلا ترجمة فسقطت الترجمة فقط أو بيّض لها في الأصل. بسم الله الرحمن الرحيم ٩١ - كتاب التعبير ثبتت البسملة هنا للجميع. ١ - باب وَأوَّلُ ما بُدِىءَ بِهِ رَسُولُ اللهِ وَِّ مِنَ الوَخِي الرُّؤْيا الصَّالِحَةُ (كتاب التعبير) أي تفسير الرؤيا وهو العبور من ظاهرها إلى باطنها قاله الراغب. وقال في المدارك: حقيقة عبرت الرؤيا ذكرت عاقبتها وآخر أمرها كما تقول: عبرت النهر إذا قطعته حتى تبلغ آخر عرضه وهو عبره ونحوه أوّلت الرؤيا إذا ذكرت مآلها وهو مرجعها، وقال البيضاوي: عبارة الرؤيا الانتقال من الصور الخيالية إلى المعاني النفسانية التي هي مثالها من العبور وهو المجاوزة اهـ. وعبرت الرؤيا بالتخفيف هو الذي اعتمده الإثبات وأنكروا التشديد، لكن قال الزمخشري عثرت على بيت أنشده المبرد في كتاب الكامل لبعض الأعراب: رأيت رؤياثم عبرتها وكنت للأحلام عبارا وقال غيره: يقال عبر الرؤيا بالتخفيف إذا فسرتها وعبرتها بالتشديد للمبالغة في ذلك، ولأبي ذر كتاب التعبير (وأول ما بدىء به رسول الله) ولأبي ذر عن المستملي باب بالتنوين أوّل ما بدىء به رسول الله (َ* من الوحي) إليه (الرؤيا الصالحة) أي الحسنة أو الصادقة والمراد بها صحتها والرؤيا كالرؤية غير أنها مختصة بما يكون في النوم ففرق بينهما بتاء التأنيث كالقربة والقربى، وقال الراغب: بالهاء إدراك المرئي بحاسة البصر ويطلق على ما يدرك بالتخيل نحو: أرى أن زيدًا سافر، وعلى التفكر النظري نحو: إني أرى ما لا ترون، وعلى الرأي وهو اعتقاد أحد النقيضين من غلبة الظن. وقال ابن الأثير: الرؤيا والحلم عبارة عما يراه النائم في النوم من الأشياء، لكن غلبت الرؤيا على ما يراه من الخير والشيء الحسن وغلب الحلم على ما يراه من الشر ٤١٠ كتاب التعبير/ باب ١ والقبيح، ومنه قوله تعالى: ﴿أضغاث أحلام﴾ [يوسف: ٤٤] وتضم لام الحلم وتسكن، وفي الحديث: الرؤيا من الله والحلم من الشيطان. قال التوربشتي: الحلم عند العرب مستعمل استعمال الرؤيا والتفريق بينهما إنما كان من الاصطلاحات الشرعية التي لم يضعها حليم ولم يهتد إليها حكيم بل سنّها صاحب الشرع للفصل بين الحق والباطل كأنه كره أن يسمي ما كان من الله وما كان من الشيطان باسم واحد فجعل الرؤيا عبارة عما كان من الله والحلم عما كان من الشيطان لأن الكلمة لم تستعمل إلا فيما يخيل للحالم في منامه من قضاء الشهوة مما لا حقيقة له. قال صاحب فتوح الغيب: ولعل التوربشتي أراد بقوله ولم يهتد إليها حكيم ما عرفتها الفلاسفة على ما نقله القاضي البيضاوي في تفسيره الرؤيا انطباع الصورة المنحدرة من أفق المتخيلة إلى الحس المشترك، والصادقة منها إنما تكون باتصال النفس بالملكوت لما بينهما من التناسب عند فراغها من تدبير البدن أدنى فراغ فتتصور بما فيها ما يليق بها من المعاني الحاصلة هناك، ثم إن المتخيلة تحاكيه بصورة تناسبه فترسلها إلى الحس المشترك فتصير مشاهدة، ثم إن كانت شديدة المناسبة لذلك المعنى بحيث لا يكون التفاوت إلا بأدنى شيء استغنت الرؤيا عن التعبير وإلا احتاجت إليه. انتهى. وقال من ينتمي إلى الطب أن جميع الرؤيا تنسب إلى الاخلاط فيقول من غلبت عليه البلغم رأى أنه يسبح في الماء ونحو ذلك لمناسبة الماء طبيعة البلغم ومن غلبت عليه الصفراء رأى النيران والصعود في الجوّ وهكذا إلى آخره. ٦٩٨٢ - حدثنا يَخْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ، وَحَدَّثَني عَبْدُ اللَّه بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ قَالَ الزُّهْرِيُّ فَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا أَنَّها قالَتْ: أوَّلُ مَا بُدِىءَ بِهِ رَسُولُ اللهِ وَلّهِ مِنَ الوَخِرِ الرُّؤْيا الصَّادِقَةُ فِي النَّوْمِ، فَكانَ لا يَرى رُؤْيا إلاّ جاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، فَكَانَ يَأْتِي حِراءَ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ وَهُوَ التَّعَبُّدُ اللَّيَالِيَ ذَواتِ العَدَدِ وَيَتَزَوَّدُ لِذلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إلى خَدِيجَةَ فَتُزَوِّدُهُ لِمِثْلِها حَتَّى فَجِتَهُ الحَقُّ وَهُوَ فِي غارِ حِراءٍ، فَجَاءَهُ المَلَكُ فِيهِ فَقالَ: ((آقْرَأْ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ وَّهِ: مَا أَنَا بِقارِئٍ فَأَخَذَنِي فَغَطّني حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: آقْرَأْ فَقُلْتُ: ما أَنَا بِقَارِىءٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطِّي الثَّانِيَةً حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَني فَقالَ: آقْرَأْ فَقُلْتُ: ما أَنَا بِقَارِىءٍ فَغَطَِّي الثَّالِئَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدَ ثُمَّ أرْسَلَني فَقَالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبُّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ - حَتَّى بَلَغَ - ﴿مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١ -٥]) فَرَجَعَ بِها تَرْجُفُ بَوادِرُهُ حَتَّى دَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ فَقالَ: ((زَّمْلُونِي زَمْلُوني)) فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ فَقالَ: ((يا خَدِيجَةُ ما لي)) وَأَخْبَرَها الخَبَرَ وَقَالَ: ((قَدْ خَشِيتُ عَلى نَفْسي)) فَقالَتْ لَهُ: كَلاَّ أَبْشِرْ، فَوَالله لا يُخْزِيكَ الله أَبَدًا إنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ وَتَصْدُقُ الحَديثَ وَتَحْمِلُ الكَلَّ وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعينُ عَلى نَوائِبِ الحَقِّ، ثُمَّ أَنّطَلَقَتْ بِهِ خَديجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ العُزِّى بْنِ قُصَيِّ وَهُوَ ابْنُ عَمِّ خَدِيجَةَ أخُو ٤١١ كتاب التعبير/ باب ١ أَبيها، وَكَانَ آمْرَأَ تَنَصِّرَ فِي الجاهِلِيَّةِ وَكَانَ يَكْتُبُ الكِتابَ العَرَبِيِّ فَيَكْتُبُ بِالعَرَبِيَّةِ مِنَ الإنْجيلِ ما شَاءَ الله أنْ يَكْتُبَ، وَكَانَ شَيْخَا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ فَقالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: أي ابْنَ عَمِّ أَسْمَعْ مِنَ ابْنِ أخيكَ فَقالَ لَهُ وَرَقَةُ: أَبْنَ أخي ماذَا تَرى؟ فَأَخْبَرَهُ النَّبِيُّ وَّهِ مَا رَأَى فَقالَ وَرَقَةُ: هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلى مُوسى، يَا لَيْتَني فيها جَذَعًا أكُونُ حَيًّا حِينَ يُخْرِجُكَ قَوْمَكَ، فَقالَ رَسُولُ اللهَِّ: ((أوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ؟)) فَقالَ وَرَقَةُ: نَعَمْ لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُ بِمَا جِئْتَ بِهِ إلاَّ عُودِيَ وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا، ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أَنْ تُوُفِّيَ وَفَتَرَ الوَحْيُ فَتْرَةً حَتَّى حَزِنَ النّبِيُّ وَِّ فِيما بَلَغَنا حُزْنَا غَدا مِنْهُ مِرارًا كَيْ يَتَرَدَّى مِنْ رُؤُوسِ شَواهِقِ الجِبالِ فَكُلِّما أُوْفِى بِذِزْوَةِ جَبَلٍ لِكَيْ يُلْقِيَ مِنْهُ نَفْسَهُ تَبَدَّى لَهُ جِبْرِيلُ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ إِنَّكَ رَسُولُ اللهِ حَقًّا، فَيَسْكُنُ لِذلِكَ جَأْثٌهُ وَتَقِرُّ نَفْسُهُ، فَيَرْجِعُ فَإِذا طَالَتْ عَلَيْهِ فَتْرَهُ الوَحِي غَدا لِمِثْلِ ذلِكَ فَإِذا أَوْفِى بِذِرْوَةٍ جَبَلٍ تَبَدَّى لَهُ جِبْرِيلُ فَقالَ لَهُ مِثْلَ ذلِكَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَالِقُ الإصْباحِ ضَوْءُ الشّمْسِ بِالنَّهارِ وَضَوْءُ القَمَرِ بِاللَّيْلِ. وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) نسبه لجده واسم أبيه عبد الله المخزومي المصري قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن عقيل) بضم العين وفتح القاف ابن خالد (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم. قال المؤلف: (وحدّثني) بالإفراد (عبد الله بن محمد) المسندي قال: (حدّثنا عبد الرزاق) بن همام قال: (حدثنا) ولأبي ذر أخبرنا (معمر) هو ابن راشد ولفظ الحديث له لا العقيل (قال الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (فأخبرني) بالإفراد (عروة) بن الزبير بن العوّام والفاء في فأخبرني للعطف على مقدر أي أنه روى له حديثًا وهو عند البيهقي في دلائله من وجه آخر عن الزهري عن محمد بن النعمان بن بشير مرسلاً فذكر قصة بدء الوحي مختصرة ونزول: ﴿اقرأ باسم ربك) إلى قوله: ﴿خلق الإنسان من علق﴾ [العلق: ١، ٢] قال محمد بن النعمان: فرجع رسول الله وَّر بذلك. قال الزهري: فسمعت عروة بن الزبير يقول قالت عائشة فذكر الحديث مطوّلاً ثم عقبه بهذا الحديث (عن عائشة رضي الله عنها أنه قالت: أوّل ما بدىء) بضم الموحدة وكسر المهملة بعدها همزة (به رسول الله يلغي من الوحي الرؤيا الصادقة) التي ليس فيها ضغث، أو التي لا تحتاج إلى تعبير. وفي التعبير للقادري الرؤيا الصادقة ما يقع بعينه أو ما يعبر في المنام أو يخبر به من لا يكذب، وفي باب كيف بدء الوحي الصالحة بدل الصادقة وهما بمعنى واحد بالنسبة إلى أمور الآخرة في حق الأنبياء، وأما بالنسبة إلى أمور الدنيا فالصالحة في الأصل أخص فرؤيا الأنبياء كلها صادقة وقد تكون صالحة وهي الأكثر وغير صالحة بالنسبة للدنيا كما وقع في الرؤيا يوم أحد، وقال (في النوم) بعد الرؤيا المخصوصة به لزيادة الإيضاح أو لدفع وهم من يتوهم أن الرؤيا تطلق على رؤية العين فهي صفة موضحة (فكان) وَلّر (لا يرى رؤيا إلا جاءت) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي إلا جاءته (مثل فلق الصبح) قال القاضي البيضاوي: شبه ما جاءه ٤١٢ كتاب التعبير/ باب ١ في اليقظة ووجده في الخارج طبقًا لما رآه في المنام بالصبح في إنارته ووضوحه والفلق الصبح لكنه لما كان مستعملاً في هذا المعنى وفي غيره أضيف إليه للتخصيص والبيان إضافة العام إلى الخاص، وقال في شرح المشكاة: للفلق شأن عظيم ولذا جاء وصفًا لله تعالى في قوله: ﴿فالق الإصباح﴾ [الأنعام: ٩٦] وأمر بالاستعاذة برب الفلق لأنه ينبىء عن انشقاق ظلمة عالم الشهادة وطلوع تباشير الصبح بظهور سلطان الشمس وإشراقها الآفاق، كما أن الرؤيا الصالحة مبشرة تنبىء عن وفور أنوار عالم الغيب وإنارة مطالع الهدايات بسبب الرؤيا التي هي جزء يسير من أجزاء النبوة (فكان) وَلجر (يأتي حراء) بكسر الحاء المهملة وتخفيف الراء ممدودة مذكر منصرف على الصحيح وقيل مؤنث غير منصرف (فيتحنث) بالحاء المهملة آخره مثلثة في غار (فيه وهو) أي التحنث (التعبد) بالخلوة ومشاهدة الكعبة منه والتفكر أو بما كان يلقى إليه من المعرفة (الليالي ذوات العدد) مع أيامهن والوصف بذوات العدد يفيد التقليل كدراهم معدودة، وقال الكرماني: يحتمل الكثرة إذ الكثير يحتاج إلى العدد وهو المناسب للمقام وإنما كان يخلو عليه الصلاة والسلام بحراء دون غيره لأن جده عبد المطلب أول من كان يخلو فيه من قريش، وكانوا يعظمونه لجلالته وكبر سنّه فتبعه على ذلك فكان يخلو # بمكان جدّه وكان الزمن الذي يخلو فيه شهر رمضان فإن قريشًا كانت تفعله كما كان تصوم يوم عاشوراء (ويتزوّد لذلك) التعبد (ثم يرجع) إذا نفد ذلك الزاد (إلى خديجة) رضي الله عنها (فتزوده) ولأبي ذر عن الكشميهني فتزوّد بحذف الضمير (لمثلها) لمثل الليالي (حتى فجئه الحق) بفتح الفاء وكسر الجيم بعدها همزة أي جاءه الوحي بغتة وكأنه لم يكن متوقعًا للوحي قاله النووي، وتعقبه البلقيني سمي به لأن الله خصصه بالوحي (وهو) وَّر (في غار حراء فجاءه الملك) جبريل عليه السلام وفاء فجاءه تفسيرية أو تعقيبية أو سببية وحتى لانتهاء الغاية أي انتهى توجهه لغار حراء بمجيء جبريل (فيه) في الغار (فقال: اقرأ) وهل سلم قبل قوله اقرأ أم لا؟ الظاهر لا لأن المقصود إذ ذاك تفخيم الأمر وتمويله أو ابتداء السلام متعلق بالبشر لا الملائكة ووقوعه منهم على إبراهيم لأنهم كانوا في صورة البشر فلا يرد هنا ولا سلامهم على أهل الجنة لأن أمور الآخرة مغايرة لأمور الدنيا غالبًا، نعم في رواية الطيالسي إن جبريل سلم أولاً، لكن لم يرد أنه سلم عند الأمر بالقراءة قاله في الفتح (فقال له النبي ◌َّ): (ما أنا بقارىء) ولغير أبي ذر فقلت: ما أنا بقارىء أي ما أحسن أن أقرأ (فأخذني) جبريل (فغطّني) ضمني وعصرني (حتى بلغ مني الجهد) بفتح الجيم ونصب الدال مفعول حذف فاعله أي بلغ الغط مني الجهد وبضم الجيم ورفع الدال أي بلغ مني الجهد مبلغه فاعل بلغ (ثم أرسلني) أطلقني (فقال: اقرأ فقلت ما أنا بقارىء فأخذني فغطّني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ فقلت ما أنا بقارىء فغطني) ولأبي ذر عن الكشميهني فأخذني فغطني (الثالثة حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني) قال في شرح المشكاة قوله ما أنا بقارىء أي حكمي كسائر الناس من أن حصول القراءة إنما هو بالتعلم وعدمه بعدمه فلذلك أخذه وغطّه مرارًا ليخرجه عن حكم سائر الناس ويستفرغ منه البشرية ويفرغ فيه من صفات الملكية (فقال) له حينئذ لما علم المعنى (﴿اقرأ ٤١٣ كتاب التعبير/ باب ١ باسم ربك الذي خلق﴾) كل شيء وموضع باسم ربك النصب على الحال أي اقرأ مفتتحًا باسم ربك قل باسم الله ثم اقرأ (حتى بلغ ﴿ما لم يعلم﴾) [العلق: ١- ٥] ولأبي ذر حتى بلغ: ﴿علّم الإنسان ما لم يعلم﴾ وفيه كما قال الطيبي إشارة إلى رد ما تصوّره ◌َ* من أن القراءة إنما تتيسر بطريق التعليم فقط بل إنها كما تحصل بواسطة المعلم قد تحصل بتعليم الله بلا واسطة فقوله: علم بالقلم إشارة إلى العلم التعليمي وقول: علم الإنسان ما لم يعلم إشارة إلى العلم اللدني ومصداقه قوله تعالى: ﴿إن هو إلا وحي يوحى علمه شديد القوى﴾ [النجم: ٥] (فرجع بها) بالآيات المذكورة حال كونه (ترجف) تضطرب (بوادره) جمع بادرة وهي اللحمة بين العنق والمنكب، وقال ابن بري هي ما بين المنكب والعنق يعني أنها لا تختص بعضو واحد وإنما رجفت بوادره لما فجئه من الأمر المخالف للعادة لأن النبوة لا تزيل طباع البشرية كلها (حتى دخل على خديجة فقال: زملوني زملوني) مرتين أي غطّوني بالثياب ولفوني بها (فزملوه) بفتح الميم (حتى ذهب عنه الروع) بفتح الراء الفزع (فقال: يا خديجة ما لي وأخبرها) ولأبي ذر عن الكشميهني وأخبر (الخبر وقال: قد خشيت على نفسي) أن لا أقوى على مقاومة هذا الأمر ولا أقدر على حمل أعباء الوحي فتزهق نفسي ولأبي ذر عن الحموي والمستملي عليّ بتشديد الياء (فقالت له) خديجة: (كلا) نفي وإبعاد أي لا خوف عليك (ابشر) بخير أو بأنك رسول الله حقًّا (فوالله لا يخزيك الله أبدًا) بضم التحتية وسكون الخاء المعجمة من الخزي ولأبي ذر عن الكشميهني لا يحزنك بالحاء المهملة والنون بدل المعجمة والياء من الحزن (إنك لتصل الرحم) أي القرابة (وتصدق الحديث وتحمل الكل) بفتح الكاف وتشديد اللام الثقل ويدخل فيه الإنفاق على الضيف واليتيم والعيال وغير ذلك (وتقري الضيف) بفتح الفوقية من غير همز أي تهيىء له طعامه ونزله (وتعين على نوائب الحق) حوادثه أرادت أنك لست ممن يصيبه مكروه لما جمع الله فيك من مكارم الأخلاق ومحاسن الشمائل. وفيه دلالة على أن مكارم الأخلاق وخصال الخير سبب للسلامة من مصارع السوء وفيه مدح الإنسان في وجهه في بعض الأحوال لمصلحة تطرأ، وفيه تأنيس من حصلت له مخافة من أمر، وفي دلائل النبوة للبيهقي من طريق أبي ميسرة مرسلاً أنه ﴿ قصّ على خديجة ما رأى في المنام فقالت له: أبشر فإن الله لا يصنع بك إلا خيرًا ثم أخبرها بما وقع له من شق البطن وإعادته فقالت له: أبشر إن هذا والله خير ثم استعلن له جبريل فذكر القصة فقال لها: أرأيتك الذي رأيت في المنام فإنه جبريل استعلن لي بأن ربي أرسله إليّ وأخبرها بما جاء به فقالت: أبشر فوالله لا يفعل الله بك إلّ خيرًا فاقبل الذي جاءك من الله فإنه حق وأبشر فإنك رسول الله. (ثم انطلقت به خديجة حتى أتت به) مصاحبة له (ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي وهو) أي ورقة (ابن عم خديجة) وهو (أخو أبيها) ولابن عساكر فيما ذكره في الفتح أخي أبيها بالجر في أخي صفة للعم ووجه الرفع أنه خبر مبتدأ محذوف وفائدته رفع المجاز في إطلاق العم فيه (وكان) ورقة (امرأً تنصر) دخل في دين النصرانية (في الجاهلية) قبل البعثة المحمدية (وكان يكتب الكتاب العربي) وفي باب بدء الوحي العبراني (فيكتب بالعربية من الإنجيل ما شاء ٤١٤ كتاب التعبير/ باب ١ الله أن يكتب) أي الذي شاء الله كتابته (وكان شيخًا كبيرًا قد عمي فقالت له) لورقة (خديجة: أي ابن عم اسمع من ابن أخيك) محمد وَّر (فقال) له وَّر (ورقة ابن أخي) بنصب ابن منادى مضاف (ماذا ترى؟ فأخبره النبي (وَلجر ما رأى) وفي بدء الوحي خبر ما رأى (فقال) له (ورقة هذا الناموس) جبريل صاحب سر الخير (الذي أنزل) بضم الهمزة (على موسى) بن عمران ◌َّه ولم يقل عيسى مع كونه نصرانيًا لأن نزول جبريل عليه السلام متفق عليه عند أهل الكتابين بخلاف عيسى وَلا ير (يا ليتني فيها) في أيام النبوة ومدّتها (جذعًا) يعني شابًا قويًا والجذع في الأصل للدواب فهو هنا استعارة وهو بالجيم المعجمة المفتوحتين وبالنصب بكان مقدّرة عند الكوفيين أو على الحال من الضمير في فيها وخبر ليت قوله فيها أي ليتني كائن فيها حال الشبيبة والقوّة لأنصرك وأبالغ في نصرتك (أكون) وفي بدء الوحي ليتني أكون (حيًا حين يخرجك قومك) من مكة (فقال رسول الله (صَا﴾): (أ) معاديّ (ومخرجيّ هم) بتشديد الياء المفتوحة وقال ذلك استبعادًا للإخراج وتعجبًا منه فيؤخذ منه كما قال السهيلي إن مفارقة الوطن على النفس شديدة لإظهاره عليه الصلاة والسلام الانزعاج لذلك بخلاف ما سمعه من ورقة من إيذائهم وتكذيبهم له (فقال ورقة) له: (نعم) مخرجوك (لم يأت رجل قط بما) ولأبي ذر عن الكشميهني بمثل ما (جئت به) من الوحي (إلا عودي) لأن الإخراج عن المألوف سبب لذلك (وإن يدركني يومك) بجزم يدركني بأن الشرطية ورفع يومك فاعل يدركني أي يوم انتشار نبوتك (انصرك) بالجزم جواب الشرط (نصرًا) بالنصب على المصدرية (مؤزرًا) من الإزر وهو القوة (ثم لم ينشب) بالشين المعجمة لم يلبث (ورقة أن توفي) بدل اشتمال من ورقة أي لم تلبث وفاته (وفتر الوحي) احتبس ثلاث سنين أو سنتين ونصفًا (فترة حتى حزن النبي (*) بكسر زاي حزن (فيما بلغنا) معترض بين الفعل ومصدره وهو (حزنًا) والقائل هو محمد بن مسلم بن شهاب الزهري من بلاغاته وليس موصولاً، ويحتمل أن يكون بلغه بالإسناد المذكور، والمعنى أن في جملة ما وصل إلينا من خبر رسول الله وَّر في هذه القصة وهو عند ابن مردويه في التفسير بإسقاط قوله: فيما بلغنا ولفظه: فترة حزن النبي ◌َّ منها حزنًا (غدا) بغين معجمة في الفرع من الذهاب غدوة، وفي نسخة عدا بالعين المهملة من العدو وهو الذهاب بسرعة (منه) من الحزن (مرارًا كي يتردّى) يسقط (من رؤوس شواهق الجبال) العالية (فكلما أوفى بذروة جبل) بكسر الذال المعجمة وتفتح وتضم أعلاه (لكي يلقي منه) من الجبل (نفسه) المقدسة إشفاقًا أن تكون الفترة لأمر أو سبب منه فتكون عقوبة من ربه ففعل ذلك بنفسه ولم يرد شرع بالنهي عن ذلك فيعترض به أو حزن على ما فاته من الأمر الذي بشره به ورقة، ولم يكن خوطب عن الله أنك رسول الله ومبعوث إلى عباده. وعند ابن سعد من حديث ابن عباس بنحو هذا البلاغ الذي ذكره الزهري، وقوله: مكث أيامًا بعد مجيء الوحي لا يرى جبريل فحزن حزنًا شديدًا حتى كان يغدو إلى ثبير مرة وإلى حراء أخرى يريد أن يلقي نفسه (تبدى) ظهر (له جبريل فقال: يا محمد إنك رسول الله حقًّا). وفي حديث ابن سعد المذكور: فبينا هو عامد لبعض تلك الجبال إذا سمع ٤١٥ كتاب التعبير/ باب ١ صوتًا فوقف فزعًا ثم رفع رأسه فإذا جبريل على كرسي بين السماء والأرض متربعًا يقول: يا محمد أنت رسول الله حقًا وأنا جبريل (فيسكن لذلك جأشه) بالجيم ثم الهمزة الساكنة ثم الشين المعجمة اضطراب قلبه (وتقرّ) بكسر القاف في الفرع وفي غيره بفتحها (نفسه فيرجع فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك فإذا أوفى بذروة جبل) لكي يلقي منه نفسه (تبدى) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي بدا أي ظهر (له جبريل فقال له مثل ذلك) يا محمد إنك رسول الله حقًا. تنبيه : قال في فتح الباري: قوله هنا فترة حتى حزن النبي ◌َ ﴿ فيما بلغنا هذا وما بعده من زيادة معمر على رواية عقيل ويونس وصنيع المؤلف يوهم أنه داخل في رواية عقيل، وقد جرى على ذلك الحموي في جمعه فساق الحديث إلى قوله وفتر الوحي، ثم قال: انتهى حديث عقيل المفرد عن ابن شهاب إلى حيث ذكرنا، وزاد عند البخاري في حديثه المقترن بمعمر عن الزهري فقال وفتر الوحي فترة حتى حزن فساقه إلى آخره. قال الحافظ ابن حجر والذي عندي أن هذه الزيادة خاصة برواية معمر فقد أخرج طريق عقيل أبو نعيم في مستخرجه من طريق أبي زرعة الرازي عن يحيى بن بكير شيخ البخاري فيه في أول الكتاب بدونه، وأخرجه مقرونًا هنا برواية معمر وبين أن اللفظ لمعمر وكذلك صرح الإسماعيلي أن الزيادة في رواية معمر، وأخرجه أحمد ومسلم والإسماعيلي وغيرهم وأبو نعيم أيضًا من طريق جمع من أصحاب الليث عن الليث بدونها اهـ. وقال عياض: إن قول معمر في فترة الوحي فحزن النبي ◌ّ# فيما بلغنا حزنًا غدا منه مرارًا كي يتردّى من رؤوس شواهق الجبال لا يقدح في هذا الأصل أي ما قرره من عدم طريان الشك عليه وَ﴿ لقول معمر عنه فيما بلغنا ولم يسنده ولا ذكر رواته ولا من حدث به ولا أن النبي وَلهو قاله، ولا يعرف مثل هذا إلا من جهته ويل مع أنه قد يحمل على أنه كان أوّل الأمر أو أنه فعل ذلك لما أحرجه من تكذيب من بلغه كما قال تعالى: ﴿فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفًا﴾ [الكهف: ٦] اهـ. وحاصله أنه ذكر أنه غير قادح من وجهين أحدهما: فيما يتعلق بالمتن من جهة قوله: فيما بلغنا حيث لم يسنده وأنه لا يعلم ذلك إلا من جهة المنقول عنه، والثاني: أنه أوّل الأمر أو أنه فعل ذلك لما أحرجه من تكذيب قومه وفيه بحث إذ عدم إسناده لا يوجب قدحًا في الصحة بل الغالب على الظن أنه بلغه من الثقات لأنه ثقة، لا سيما ولم ينفرد معمر بذلك كما بأن في إطلاق هذا النفي نظرًا فعند ابن إسحاق عن عبيد بن عمير أنه وقع في المنام نظير ما وقع له في اليقظة من الغط والأمر بالقراءة وغير ذلك. قال في الفتح: وفي كون ذلك يستلزم وقوعه في اليقظة حتى يتوقعه نظر فالأولى ترك الجزم بأحد الأمرين. * ٤١٦ كتاب التعبير/ باب ٢ قال الهروي: سبق وروينا أيضًا من طريق الدولابي مما في سيرة ابن سيد الناس عن يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب عن يونس بن يزيد عن الزهري عن عروة عن عائشة الحديث وفيه: ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي حتى حزن رسول الله ولي﴿ فيما بلغنا حزنًا إلخ. فاعتضدت كل رواية الأخرى، وكل من الزهري ومعمر ثقة وعلى تقدير الصحة لا يكون قادحًا كما ذكره عياض، لكن لا بالنسبة إلى أنه في أول الأمر لاستقرار الحال فيه مدة بل بالنسبة إلى ما أحرجه من التكذيب إذ لا شيء فيه قطعًا بدليل قوله تعالى: ﴿فلعلك باخع نفسك على آثارهم﴾ [الكهف: ٦] أي قاتل نفسك أسفًا وكان التعبير بقوله حصل له ذلك لما أحرجه أحسن من قوله فعل لأن الحزن حالة تحصل للإنسان يجدها من نفسه بسبب لا أنه من أفعاله الاختيارية. وحديث الباب أخرجه المؤلف في باب بدء الوحي. (قال) ولأبي ذر وقال (ابن عباس) رضي الله عنهما فيما وصله الطبري من طريق علي بن طلحة عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى: ﴿فالق الإصباح﴾ [الأنعام: ٩٦] الإصباح (ضوء الشمس بالنهار وضوء القمر بالليل) واعترض على المؤلف بأن ابن عباس فسر الإصباح لا لفظ فالق الذي هو المراد هنا، لأن المؤلف ذكره عقب هذا الحديث لما وقع فيه فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، والإصباح مصدر سمي به الصبح أي شاق عمود الصبح عن سواد الليل أو فالق نور النهار. نعم قال مجاهد كما سبق في تفسير ﴿قل أعوذ برب الفلق﴾ [الفلق: ١] الفلق: الصبح. وأخرج الطبري عنه أيضًا في قوله فالق الإصباح. قال: إضاءة الصبح، وعلى هذا فالمراد بفلق الصبح إضاءته فالله سبحانه وتعالى يفلق ظلام الليل عن غرّة الصباح فيضيء الوجود ويستنير الأفق ويضمحل الظلام ويذهب الليل، وقول ابن عباس هذا ثابت في رواية أبي ذر عن المستملي والكشميهني وكذا النسفي، ولأبي زيد المروزي عن الفربري. ٢ - باب رُؤْيَا الصَّالِحِينَ وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللهَ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرَامَ إنْ شاءَ الله آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ٢٧]. (باب رؤيا الصالحين) والإضافة للفاعل وفي نسخة الصالحة وعليها يحتمل أن يكون الرؤيا بالتعريف (وقوله) بالجر عطفًا على السابق ولأبي ذر وقول الله (تعالى: ﴿لقد صدق الله رسوله الرؤيا﴾) أي صدقه في رؤياه ولم يكذبه تعالى الله عن الكذب وعن كل قبيح علوًّا كبيرًا وقال في فتوح الغيب هذا صدق بالفعل وهو التحقيق أي حقق رؤيته وحذف الجار وأوصل الفعل كقوله: ﴿صدقوا ما عاهدوا الله عليه﴾ [الأحزاب: ٢٣] (﴿بالحق)) متلبسًا به فإن ما رآه كائن لا محالة في وقته المقدر له وهو العام القابل ويجوز أن يكون بالحق صفة مصدر محذوف أي صدقًا متلبسًا ٤١٧ کتاب التعبير/ باب ٢ بالحق وهو القصد إلى التمييز بين المؤمن المخلص وبين من في قلبه مرض وأن يكون قسمًا إما بالحق الذي هو نقيض الباطل أو بالحق الذي هو من أسمائه وجوابه (﴿لتدخلن المسجد الحرام﴾) وعلى الأول هو جواب قسم محذوف (﴿إن شاء الله﴾) حكاية من الله تعالى قول رسوله لأصحابه وقصه عليهم أو تعليم لعباده أن يقولوا في غداتهم مثل ذلك متأذّبين بأدب الله ومقتدين بسنته (﴿آمنين﴾) حال والشرط معترض (﴿محلقين﴾) حال من الضمير في آمنين (﴿رؤوسكم)) أي جميع شعورها (﴿ومقصرين﴾) بعض شعورها (﴿لا تخافون﴾) حال مؤكدة (﴿فعلم ما لم تعلموا﴾) من الحكمة في تأخير فتح مكة إلى العام القابل (﴿فجعل من دون ذلك﴾) من دون فتح مكة (﴿فتحًا قريبًا﴾) [الفتح: ٢٧] وهو فتح خيبر لتستروح إليه قلوب المؤمنين إلى أن يتيسر الفتح الموعود وتحققت الرؤيا في العام القابل. وقد روي أنه لتر أري وهو بالحديبية أنه دخل مكة هو وأصحابه محلقين فلما نحر الهدي بالحديبية قال أصحابه: أين رؤياك: فنزلت رواه الفريابي وعبد بن حميد والطبري من طريق ابن أبي نجيح، وسقط لأبي ذر في روايته (﴿محلقين﴾) إلى آخرها وقال بعد قوله: ﴿آمنين) إلى قوله: ﴿فتحًا قريبًا﴾. ٦٩٨٣ - حدّثنا عَبْدُ اللَّه بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مالِكِ، عَنْ إِسْحُقَ بْنِ عَبْدِ اللَّه بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ﴿ِ قالَ: ((الرُّؤْيَا الحَسَنَةُ مِنَ الرَّجُلِ الصَّالِحِ جُزْءٌ مِنْ سِنَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ) [الحديث ٦٩٨٣ - طرفه في: ٦٩٩٤]. وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) بن قعنب القعنبي (عن مالك) الإمام الأعظم (عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة) الأنصاري المدني (عن أنس بن مالك) رضي الله عنه (أن رسول الله وَ﴿قال): (الرؤيا الحسنة) أي الصالحة (من الرجل الصالح) وكذا المرأة الصالحة غالبًا (جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوّة) مجازًا لا حقيقة لأن النبوّة انقطعت بموته و طيه وجزء النبوّةِ لا يكون نبوة كما أن جزء الصلاة لا يكون صلاة. نعم إن وقعت من النبي ◌َّه فهي جزء من أجزاء النبوّة حقيقة. وقيل: إن وقعت من غيره عليه السلام فهي جزء من علم النبوّة لأن النبوّة وإن انقطعت فعلمها باق، وقول مالك رحمه الله لما سئل أيعبر الرؤيا كل أحد فقال أبالنبوة تلعب، ثم قال: الرؤيا جزء من النبوّة فلا يلعب بالنبوة أجيب عنه: بأنه لم يرد أنها نبوة باقية وإنما أراد أنها لما أشبهت النبوّة من جهة الإطلاع على بعض الغيب لا ينبغي أن يتكلم فيها بغير علم. وأما وجه كونها ستة وأربعين جزءًا فأبدى بعضهم له مناسبة وذلك أن الله أوحى إلى نبيه والخير في المنام ستة أشهر ثم أوحى إليه بعد ذلك في اليقظة بقية مدة حياته، ونسبتها إلى الوحي في المنام جزء من ستة وأربعين جزءًا لأنه عاش بعد النبوة ثلاثًا وعشرين سنة على الصحيح، فالستة الأشهر نصف سنة فهي جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، وتعقبه الخطابي بأنه قاله على سبيل إرشاد الساري/ ج ١٤ / م ٢٧ ٤١٨ کتاب التعبير/ باب ٢ الظن إذ إنه لم يثبت في ذلك خبر ولا أثر، ولئن سلمنا أن هذه المدة محسوبة من أجزاء النبوة لكنه يلحق بها سائر الأوقات التي كان يوحى إليه فيها منامًا في طول المدة كما ثبت كالرؤيا في أحد ودخول مكة وحينئذ فيتلفق من ذلك مدة أخرى تزاد في الحساب فتبطل القسمة التي ذكرها. وأجيب: بأن المراد وحي المنام المتتابع كما وقع في غضون وحي اليقظة فهو يسير بالنسبة إلى وحي اليقظة فهو مغمور في جانب وحي اليقظة فلم يعتبر به اهـ. وأما حصر العدد في الستة والأربعين فقال المازري هو مما أطلع الله عليه نبيه وَّر وقال ابن العربي: أجزاء النبوة لا يعلم حقيقتها إلا نبي أو ملك وإنما القدر الذي أراد # أن يبينه أن الرؤيا جزء من أجزاء النبوة في الجملة لأن فيها إطلاعًا على الغيب من وجه ما وأما تفصيل النسبة فيختص بمعرفته درجة النبوة. وقال المازري أيضًا: لا يلزم العالم أن يعرف كل شيء جملة وتفصيلاً فقد جعل الله حدًا يقف عنده فيه ما يعلم المراد به جملة وتفصيلاً، ومنه ما يعلمه جملة لا تفصيلاً وهذا من هذا القبيل. وفي مسلم من حديث أبي هريرة جزء من خمسة وأربعين، وله أيضًا عن ابن عمر جزء من سبعين جزءًا، وللطبراني عنه جزء من ستة وسبعين وسنده ضعيف، وعند ابن عبد البر من طريق عبد العزيز بن المختار عن ثابت عن أنس مرفوعًا: جزء من ستة وعشرين، وعند الطبري في تهذيب الآثار عن ابن عباس جزء من خمسين، وللترمذي من طريق أبي رزين العقيلي جزء من أربعين، وللطبري من حديث عبادة جزء من أربعة وأربعين والمشهور ستة وأربعين. قال في الفتح ويمكن الجواب عن اختلاف الأعداد أنه بحسب الوقت الذي حدث فيه وَل قول بذلك كأن يكون لما أكمل ثلاث عشرة سنة بعد مجيء الوحي إليه حدث بأن الرؤيا جزء من ستة وعشرين إن ثبت الخبر بذلك وذلك وقت الهجرة ولما أكمل عشرين حدث بأربعين ولما أكمل اثنتين وعشرين حدث بأربعة وأربعين ثم بعدها بخمسة وأربعين ثم حدث بستة وأربعين في آخر حياته، وأما ما عدا ذلك من الروايات بعد الأربعين فضعيف ورواية الخمسين تحتمل أن تكون لجبر الكسر ورواية السبعين للمبالغة وما عدا ذلك لم يثبت اهـ. وقلما يصيب مؤوّل في حصر هذه الأجزاء، ولئن وقع له الإصابة في بعضها لما تشهد له الأحاديث المستخرج منها لم يسلم له ذلك في بقيتها والتقييد بالصالح جرى على الغالب فقد يرى الصالح الأضغاث، ولكنه نادر لقلة تمكن الشيطان منه بخلاف العكس وحينئذ فالناس على ثلاثة أقسام: الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ورؤياهم كلها صدق وقد يكون فيها ما يحتاج إلى تعبير، والصالحون والأغلب على رؤياهم الصدق وقد يقع فيها ما لا يحتاج إلى تعبير ومن عداهم يكون في رؤياهم الصدق، والأضغاث وهم على ثلاثة مستورون فالغالب استواء الحال في حقهم وفسقة والغالب على رؤياهم الأضغاث ويقل فيها الصدق وكفار ويندر في رؤياهم الصدق جدًّا قاله المهلب فيما ذكره في الفتح. ٤١٩ کتاب التعبیر/ باب ٣ فإن قلت: لم عبّر بلفظ النبوة دون لفظ الرسالة؟ أجيب: بأن السر فيه أن الرسالة تزيد على النبوة بالتبليغ بخلاف النبوة المجردة فإنها إطلاع على بعض المغيبات وكذلك الرؤيا. والحديث أخرجه النسائي وابن ماجة في التعبير. ٣ - باب الرُّؤْيا مِنَ الله هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (الرؤيا من الله) تعالى، وسقط لفظ باب لغير أبي ذر. ٦٩٨٤ - حدثنا أحمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَىُ هُوَ ابْنُ سَعيدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أبا سَلَمَةَ قالَ: سَمِعْتُ أبا قَتَادَةً عَنِ النَِّّ وَّهِ قالَ: ((الرُّؤْيَا مِنَ اللَّهِ، وَالحُلُمُ مِنَ الشَّيْطانِ)). وبه قال: (حدّثنا أحمد بن يونس) هو أحمد بن عبد الله بن يونس اليربوعي الكوفي قال: (حدّثنا زهير) بن معاوية أبو خيثمة الكوفي قال: (حدّثنا) بالجمع ولأبي ذر حدّثني (يحيى هو ابن سعيد) ولأبي ذر وهو ابن سعيد أي الأنصاري (قال: سمعت أبا سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف (قال: سمعت أبا قتادة) الحارث بن ربعي الأنصاري رضي الله عنه (عن النبي وَلي) أنه (قال): (الرؤيا) يراها الشخص في النوم مما يسره (من الله) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي الصادقة وله عن الكشميهني الصالحة (والحلم من الشيطان) بضم الحاء المهملة وسكون اللام. وقال السفاقسي بضمهما وهو ما يراه النائم من الأمر الفظيع المهول. قال ابن نفيس في شامله: قد تحدث الأحلام لأمر في المأكول وذلك بأن يكون كثير التبخير أو التدخين فإذا تصعد ذلك إلى الدماغ وصادف انفتاح البطن الأوسط منه وهو من شأنه أن يكون متفتحًا حال النوم حرّك ذلك البخار أو الدخان أرواح الدماغ وغيرها عن أوضاعها فيعرض عن ذلك أن تختلط الصور التي في مقدم الدماغ بعضها ببعض وينفصل بعضها من بعض فيحدث من ذلك صور ليست على وفق الصور الواردة من الحواس والقوة التي تدرك تلك الصور حينئذ ويلزم ذلك أن يحكم على تلك الصور بمعان تناسبها، فتكون تلك المعاني لا محالة مخالفة للمعاني المعهودة فلذلك تكون الأحلام حينئذ مشوشة فاسدة، وقد تحدث الأحلام لأمر مهمّ يتفكر فيه في اليقظة فيستمر عمل القوة المفكرة في ذلك فيكون أكثر ما يرى متعلقًا به، وهذا مثل الصنائع والفكر في العلوم وكثيرًا ما يكون الفكر صحيحًا لأن القوة تكون حينئذ قد قويت بما عرض لها من الراحة، ولأجل توفر الأرواح حينئذ على القوى الباطنة، فلذلك كثيرًا ما ينحل حينئذ مسائل مشكلة وشبه معطلة وكثيرًا ما تستنتج الفكرة حينئذ مسائل لم تخطر أوّلاً بالبال وذلك لتعلقها بالفكرة المتقدمة في اليقظة وهذه الوجوه من الأحلام لا اعتبار لها في التعبير، وأكثر من تصدق أحلامه من يتجنب الكذب فلا يكون لمخيلته عادة بوضع الصور والمعاني الكاذبة، ولذلك الشعراء يندر جدًا صدق أحلامهم لأن الشاعر من عادته التخيل لما ليس واقعًا وأكثر فكره إنما هو في وضع الصور والمعاني الكاذبة اهـ. ٤٢٠ کتاب التعبير/ باب ٣ وإضافة الحلم إلى الشيطان لكونه على هواه ومراده أو لأنه الذي يخيل فيه ولا حقيقة له في نفس الأمر أو لأنه يحضره لا أنه يفعله إذ كل مخلوق لله تعالى، وأما إضافة الرؤيا وهي اسم للمرئيّ المحبوب إلى الله تعالى فإضافة تشريف وظاهره إن المضافة إلى الله لا لها يقال حلم والمضافة إلى الشيطان لا يقال لها رؤيا وهو تصرف شرعي وإلاّ فالكل يسمى رؤيا. وفي حديث آخر الرؤيا ثلاث فأطلق علی کل رؤیا. حديث الباب سبق في الطب وأخرجه مسلم والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجة. ٦٩٨٥ - حدّثنا عَبْدُ اللَّه بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي ابْنُ الهادِ، عَنْ عَبْدِ اللّه بْنِ خَبَّبٍ عَنْ أَبِي سَعيدٍ الخُذْرِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيِّ لَهِ يَقُولُ: ((إذا رَأى أحَدُكُمْ رُؤْيا يُحِبُّها فَإِنَّمَا هِيَ مِنَ اللّه فَلْيَحْمَّدِ الله عَلَيْها، وَلْيُحَدِّثْ بِها وَإِذا رَأَى غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يَكْرَهُ فَإِنَّمَا هِيَ مِنَ الشَّيْطانِ فَلْيَسْتَعِذْ مِنْ شَرِّها وَلا يَذْكُرْها لأَحَدٍ فَإِنَّها لا تَضُرُّهُ». وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (حدثنا الليث) بن سعد الإمام قال: (حدّثني) بالإفراد (ابن الهاد) بغير تحتية بعد المهملة وهو يزيد بن عبد الله بن أسامة بن عبد الله بن شداد بن الهاد الليثي (عن عبد الله بن خباب) بخاء معجمة مفتوحة وموحدتين الأولى مشددة بينهما ألف الأنصاري. (عن أبي سعيد) سعد بن مالك (الخدري) رضي الله عنه (إنه سمع النبي ◌َّ- يقول): (إذا رأى أحدكم) في منامه (رؤيا يحبها فإنما هي من الله فليحمد الله عليها وليحدث بها) وفي مسلم حديث فإن رأى رؤيا حسنة فليبشر ولا يخبر إلا من يجب، وفي الترمذي من حديث أبي رزين ولا يقصها إلا على واد، وفي أخرى ولا يحدث بها إلا لبيبًا أو حبيبًا، وفي أخرى لا تقص الرؤيا إلاّ على عالم أو ناصح. قيل: لأن العالم يؤوّلها على الخير مهما أمكنه، والناصح یرشد إلى ما ينفع، واللبيب العارف بتأويلها، والحبيب إن عرف خيرًا قاله وإن جهل أو شك سكت، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: وليتحدث بزيادة فوقية بعد التحتية وفتح الدال المهملة (وإذا رأى غير ذلك مما يكره فإنما هي من الشيطان) لأنه الذي يخيل فيها أو أنها تناسب صفته من الكذب والتهويل وغير ذلك بخلاف الرؤيا الصادقة فأضيفت إلى الله إضافة تشريف وإن كان الجميع بخلق الله وتقديره كما أن الجميع عباد الله وإن كانوا عصاة قال تعالى: ﴿إن عبادي ليس لك عليهم سلطان﴾ [الحجر: ٤٢] و﴿عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم﴾ [الزمر: ٥٣] (فليستعذ) بالله عز وجل (من شرها) أي من شر الرؤيا (ولا يذكرها لأحد) وفي مستخرج أبي نعيم حديث وإذا رأى أحدكم شيئًا يكرهه فلينفث ثلاث مرات ويتعوذ بالله من شرها. وفي باب الحلم من الشيطان عند المؤلف فليبصق عن يساره، ولمسلم عن يساره حين يهب من نومه ثلاث مرات وعند المؤلف في