Indexed OCR Text

Pages 401-420

٤٠١
کتاب الدعوات/ باب ٦٥
بلى يا رسول الله. قال: ((ما من عبد يقول إذا أصبح لا إله إلا الله)) فذكره ((إلا كتب الله له بها
عشر حسنات ومحا عنه بها عشر سيئات وإلا كن له عند الله عدل عشر رقاب محررين وإلا كان في
جنة من الشيطان حتى يمسي ولا قالها حين يمسي إلا كان كذلك)) قال: فقلت لأبي محمد أنت
سمعتها من أبي أيوب؟ قال: الله لسمعته من أبي أيوب.
ورواه الإمام أحمد أيضًا من طريق عبد الله بن يعيش عن أبي أيوب رفعه: ((من قال إذا صلى
الصبح لا إله إلا الله)) فذكره بلفظ ((عشر مرات كن له كعدل أربع رقاب وكتب له بهن عشر
حسنات ومحي عنه بهن عشر سيئات ورفع له بهن عشر درجات وكن له حرزًا من الشيطان حتى
يمسي وإذا قالها بعد المغرب فمثل ذلك)). وسنده حسن قال الحافظ ابن حجر: واختلاف
الروايات في عدد الرقاب مع اتحاد المخرج يقتضي الترجيح بينها فالأكثر على ذكر أربعة ويجمع بينه
وبين حديث أبي هريرة بذكر عشرة كقولها مائة فيكون مقابل كل عشر مرات رقبة من قبل
المضاعفة فيكون لكل مرة بالمضاعفة رقبة وهي مع ذلك لمطلق الرقاب ومع وصف كون الرقبة من
ولد إسماعيل يكون مقابل العشرة من غيرهم أربعة منهم لأنهم أشرف من غيرهم من العرب
فضلاً عن العجم، وأما ذكر رقبة بالإِفراد في حديث أبي أيوب فشاذ والمحفوظ أربعة كما مرّ.
(قال أبو عبد اللَّه) البخاري: (والصحيح قول عمرو) بفتح العين (قال الحافظ أبو ذر
الهروي: صوابه عمر) بضم العين (وهو ابن أبي زائدة) وفي اليونينية عقب قول أبي ذر قلت وعلى
الصواب ذكره أبو عبد الله البخاري في الأصل أي لما قال قال عمر بن أبي زائدة وحدثنا
عبد الله بن أبي السفر (كما تراه) في محله المذكور (لا عمرو) بفتح العين. قال في فتح الباري:
وعند أبي زيد المروزي في روايته الصحيح قول عبد الملك بن عمرو، وقال الدارقطني: الحديث
حديث ابن أبي السفر عن الشعبي وهو الذي ضبط الإسناد، ومراد البخاري ترجيح رواية عمر بن
أبي زائدة عن أبي إسحاق على رواية غيره عنه، وقوله قال أبو عبد الله الخ ثبت لأبي ذر عن
المستملي وهو في الفرع كأصله على هامشه مخرج له في الفرع بعد قوله، وقال إبراهيم بن يوسف
عن أبيه الخ قبل قوله، وقال موسى: حدثنا وهيب ولم يخرج له في اليونينية.
٦٥ - باب فَضْلِ التَّسْبِيحِ
(باب فضل التسبيح) يعني قول سبحان الله وهو اسم مصدر وهو التسبيح وقيل بل سبحان
مصدر لأنه سمع له فعل ثلاثي وهو من الأسماء اللازمة للإضافة وقد يفرد، وإذا أفرد منع
الصرف للتعريف وزيادة الألف والنون كقوله:
أقول لما جاءني فخره سبحان من علقمة الفاخر
وجاء منونًا کقوله:
سبحانه ثم سبحانا يعودله وقبلنا سبح الجودي والجمد
إرشاد الساري/ ج ١٣ / م ٢٦

٤٠٢
کتاب الدعوات/ باب ٦٥
فقيل صرف ضرورة وقيل هو بمنزله قبل وبعد أن نوى تعريفه بقي على حاله وإن نكر
أعرب منصرفًا .
وهذا البيت يساعد على كونه مصدرًا لا اسم مصدر لوروده منصرفًا، ولقائل القول الأول
أن يجيب عنه بأن هذا نكرة لا معرفة وهو من الأسماء اللازمة النصب على المصدرية فلا يتصرف
والناصب له فعل مقدّر لا يجوز إظهاره، وعن الكسائي أنه منادى تقديره يا سبحانك ومنعه جمهور
النحويين وهو مضاف إلى المفعول أي سبحت الله ويجوز أن يكون مضافًا إلى الفاعل أي نزه الله
نفسه والأول هو المشهور ومعناه تنزيه الله عما لا يليق به من كل نقص.
٦٤٠٥ - حدثنا عَبْدُ اللَّه بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مالِكِ، عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صالِحٍ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ قالَ: ((مَنْ قَالَ: سُبْحَانُ اللهَ وَبِحَمْدِهِ فِي يَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ حُطْتْ خَطايَاهُ،
وَإِنْ كانَتْ مِثْلَ زَبَدَ الْبَحْرِ)).
وبه قال: (حدثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي (عن مالك) الإمام (عن سميّ) مولى أبي
بكر بن عبد الرّحمن المخزومي (من أبي صالح) ذكوان (عن أبي هريرة) رضي الله عنه (أن
رسول الله ﴾﴾ قال):
(من قال: سبحان الله وبحمده) الواو للحال أي سبحان الله متلبسًا بحمدي له من أجل
توفيقه لي للتسبيح (في يوم مائة مرة) متفرقة بعضها أول النهار وبعضها آخره أو متوالية وهو أفضل
خصوصًا في أوله (حطت عنه خطاياه) التي بينه وبين الله (وإن كانت مثل زبد البحر). وهذا
وأمثاله نحو ما طلعت عليه الشمس كنايات عبّر بها عن الكثرة، وقد يشعر هذا بأن التسبيح أفضل
من التهليل من حيث إن عدد زبد البحر أضعاف أضعاف المائة المذكورة في مقابلة التهليل.
وأجيب: بأن ما جعل في مقابلة التهليل من عتق الرقاب يزيد على فضل التسبيح وتكفير
الخطايا إذ ورد أن من أعتق رقبة أعتق الله بكل عضو منها عضوًا منه من النار فحصل بهذا العتق
تكفير جميع الخطايا عمومًا بعدما ذكره خصوصًا مع زيادة مائة درجة، ويؤيده حديث: أفضل الذكر
التهليل وأنه أفضل ما قاله هو والنبيون من قبله، ولأن التهليل صريح في التوحيد والتسبيح
متضمن له ومنطوق سبحان الله تنزيه ومفهومه توحيد ومنطوق لا إله إلا الله توحيد ومفهومه
تنزيه، فيكون أفضل من التسبيح لأن التوحيد أصل والتنزيه ينشأ عنه.
والحديث أخرجه الترمذي في الدعوات والنسائي في اليوم والليلة، وابن ماجة في ثواب
التسبيح .
٦٤٠٦ - حدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ عُمارَةَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ بَّرِ قَالَ: ((كَلِمَتانِ خَفِيفَتَانٍ عَلَى اللِّسَانِ ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ حَبِبَتَانِ إِلَى الرَّحْمن،

٤٠٣
کتاب الدعوات/ باب ٦٦
سُبْحانَ الله الْعَظِيمِ سُبْحانَ الله وَبِحَمْدِهِ)). [الحديث ٦٤٠٦ - طرفاه في: ٦٦٨٢، ٧٥٦٣].
وبه قال: (حدثنا زهير بن حرب) أبو خيثمة النسائي بالنون والمهملة الحافظ نزيل بغداد
قال: (حدثنا ابن فضيل) تصغير فضل محمد الضبي (عن عمارة) بضم المهملة وتخفيف الميم ابن
القعقاع (عن أبي زرعة) هرم بن عمرو بن جرير البجلي الكوفي (عن أبي هريرة) رضي الله عنه
(عن النبي ◌َّ) أنه (قال):
(كلمتان خفيفتان) أي كلامان من إطلاق الكلمة على الكلام والخفة مستعارة من السهولة
(على اللسان ثقيلتان) حقيقة (في الميزان) لأن الأعمال تجسم أو الموزون صحائفها لحديث البطاقة
المشهور (حبيبتان) أي محبوبتان (إلى الرحمن) أي يحب قائلهما فيجزل له من مكارمه ما يليق بفضله
وخص لفظ الرحمن إشارة إلى بيان سعة رحمته حيث يجازي على العمل القليل بالثواب الجزيل
(سبحان الله العظيم سبحان الله وبحمده) كذا هنا بتقديم سبحان الله العظيم على سبحان الله
وبحمده وكرر التسبيح طلبًا للتأكيد واعتناء بشأنه.
ومباحث هذا الحديث من الإِعراب والبديع والمعاني وغير ذلك من اللطائف والأسرار
الشريفة تأتي إن شاء الله تعالى بعون الله وتوفيقه فى آخر الكتاب.
والحديث أخرجه أيضًا في الأيمان والنذور وآخر الكتاب ومسلم في الدعوات والترمذي فيه
أيضًا والنسائي في اليوم والليلة وابن ماجة في ثواب التسبيح.
٦٦ - باب فَضْلِ ذِكْرِ الله عَزَّ وَجَلَّ
(باب فضل ذكر الله عز وجل) باللسان بالأذكار المرغب فيها شرعًا والإكثار منها كالباقيات
الصالحات والحوقلة والحسبلة والبسملة والاستغفار وقراءة القرآن، بل هي أفضل والحديث
ومدارسة العلم ومناظرة العلماء، وهل يشترط استحضار الذاكر لمعنى الذكر أم لا؟ المنقول أنه
يؤجر على الذكر باللسان وإن لم يستحضر معناه نعم يشترط أن لا يقصد به غير معناه والأكمل أن
يتفق الذكر بالقلب واللسان وأكمل منه استحضار معنى الذكر وما اشتمل عليه من تعظيم المذكور
ونفي النقائص عنه تعالى، وقسم بعض العارفين الذكر إلى أقسام سبعة: ذكر العينين بالبكاء،
والأذنين بالإصغاء، واللسان بالثناء، واليدين بالعطاء، والبدن بالوفاء، والقلب بالخوف والرجاء،
والروح بالتسليم والرضا ذكره في الفتح.
٦٤٠٧ - حدّثنا مُحَمَدُ بْنُ الْعَلاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةً؛
عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لا يَذْكُرُ مَثَلُ
الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ» .

٤٠٤
كتاب الدعوات/ باب ٦٦
وبه قال: (حدثنا) ولأبي ذر: حدثني بالإفراد (محمد بن العلاء) أبو كريب الهمداني الحافظ
قال: (حدثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة (عن بريد بن عبد اللَّه) بضم الموحدة وفتح الراء (عن)
جده (أبي بردة) بضم الموحدة وسكون الراء عامر (عن) أبيه (أبي موسى) عبد الله بن قيس
الأشعري (رضي الله عنه) أنه (قال: قال النبي (وَلِ﴾):
(مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر) زاد أبو ذر بعد هذه ربه (مثل الحي والميت) بفتح الميم
والمثلثة في مثل في الموضعين شبه الذاكر بالحي الذي يزين ظاهره بنور الحياة وإشراقها فيه
وبالتصرف التام فيما يريده وباطنه بنور العلم والفهم والإدراك كذلك الذاكر مزين ظاهره بنور
العلم والطاعة وباطنه بنور العلم والمعرفة فقلبه مستقر في حظيرة القدس وسره في مخدع الوصل
وغير الذاكر عاطل ظاهره وباطل باطنه قاله في شرح المشكاة.
والحديث رواه مسلم عن أبي كريب وهو محمد بن العلاء شيخ البخاري فيه بسنده المذكور
بلفظ مثل البيت الذي يذكر الله فيه والبيت الذي لا يذكر الله فيه مثل الحي والميت، وكذا
أخرجه الإسماعيلي وابن حبان في صحيحه عن أبي يعلى عن أبي كريب، فلعل البخاري رواه
بالمعنى فإن الذي يوصف بالحياة والموت حقيقة هو الساكن لا المسكن فهو من باب ذكر المحل
وإرادة الحال.
٦٤٠٨ - حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً
قالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ: ((إِنَّ اللَّهِ مَلائِكَةً يَطُوفُونَ فِي الطُّرُقِ يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ فَإِذَا وَجَدُوا
قَوْمًا يَذْكُرُونَ الله تَنَادَوْا هَلُمُّوا إِلى حاجَتِكُمْ قالَ: فَيَحُفُونَهُمْ بِأَجْنِحَتِهِمْ إِلَى السَّماءِ الدُّنْيا، قالَ:
فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ عَزَّ وَجَلَّ وَهْوَ أَعْلَمُ مِنْهُمْ ما يَقُولُ عِبادِي؟ قالُوا: يَقُولُونَ يُسَبْحُونَكَ وَيُكَبِّرُونَكَ
وَيَحْمَدُونَكَ وَيُمَجِّدُونَكَ، قَالَ: فَيَقُولُ هَلْ رَأَوْنِي؟ قَالَ: فَيَقُولُونَ لا وَالله، ما رَأَوْكَ قالَ: فَيَقُولُ
كَيْفَ لَوْ رَأَوْنِي؟ قَالَ: يَقُولُونَ لَوْ رَأَوْكَ كانُوا أَشَدَّ لَكَ عِبادَةً وَأَشَدَّ لَكَ تَمْجِيدًا وَأَكْثَرَ لَكَ تَسْبِيحًا،
قالَ: يَقُولُ فَما يَسْأَلُونِي؟ قالَ: يَسْأَلُونَكَ الْجَنَّةَ قَالَ: يَقُولُ وَهَلْ رَأَوْها؟ قَالَ: يَقُولُونَ لا والله يا
رَبِّ ما رَأَوْها قالَ: يَقُولُ فَكَيْفَ لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْها؟ قالَ: يَقُولُونَ لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْها كانُوا أَشَدَّ عَلَيْها
حِرْصًا، وَأَشَدَّ لَها طَلَبٌ وَأَعْظَمَ فِيها رَغْبَةً، قالَ: فَمِمَّ يَتَعَوَّذُونَ؟ قالَ: يَقُولُونَ مِنَ النَّارِ، قالَ:
يَقُولُ وَهَلْ رَأَوْها؟ قالَ: يَقُولُونَ لا والله ما رَأَوْها قالَ: يَقُولُ فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْها؟ قالَ: يَقُولُونَ لَوْ
رَأَوْها لَكَانُوا أَشَدَّ مِنْها فِرارًا وَأَشَدَّ لَها مَخافَةً، قالَ: فَيَقُولُ فَأُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ، قالَ:
يَقُوْلُ مَلَكٌ مِنَ الْمَلائِكَةِ فِيهِمْ فُلانْ لَيْسَ مِنْهُمْ إِنَّما جاءَ لِحاجَةٍ قَالَ: هُمُ الْجُلَساءُ لا يَشْقَى بِهِمْ
جَلِيسُهُمْ)). رَواهُ شُعْبَةُ، عَنِ الأَعْمَشِ وَلَمْ يَرْفَعْهُ، وَرَواهُ سُهَيْلٌ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ
النّبِيِّ ◌َێد.

٤٠٥
کتاب الدعوات/ باب ٦٦
وبه قال: (حدثنا قتيبة بن سعيد) سقط ابن سعيد لأبي ذر قال: (حدثنا جرير) بفتح الجيم
ابن عبد الحميد (عن الأعمش) سليمان (عن أبي صالح) ذكوان (عن أبي هريرة) رضي الله عنه أنه
(قال: قال رسول الله وَلخير):
(إن لله ملائكة) زاد الإسماعيلي وابن حبان ومسلم فضلاً بسكون الضاد وضم الفاء جمع
فاضل كنزل ونازل، وقيل بفتح الفاء وسكون الضاد أي زيادة على الحفظة وغيرهم من المرتبين مع
الخلائق لا وظيفة لهم إلا حلق الذكر، وقيل في ضبطها غير ذلك، وهذه اللفظة ليست في
صحيح البخاري هنا في جميع الروايات ولمسلم سيارة فضلاً (يطوفون في الطرق يلتمسون أهل
الذكر) ولمسلم من رواية سهيل يبتغون مجالس الذكر (فإذا وجدوا قومًا يذكرون الله) عز وجل
(تنادوا هلموا) أي تعالوا (إلى حاجتكم قال: فيحفونهم) بفتح التحتية وضم الحاء المهملة يطوفون
ويدورون حولهم (بأجنحتهم إلى السماء الدنيا) قال المظهري: الباء للتعدية يعني يديرون أجنحتهم
حول الذاكرين، وقال الطيبي: الظاهر أنها للاستعانة كما في قولك: كتبت بالقلم لأن حفهم الذي
ينتهي إلى السماء إنما يستقيم بواسطة الأجنحة، ولأبي ذر عن الكشميهني: إلى سماء الدنيا (قال:
فيسألهم ربهم عز وجل وهو أعلم منهم) أي أعلم من الملائكة بحال الذاكرين، ولأبي ذر عن
الكشميهني أعلم بهم أي بالذاكرين والجملة حالية. قال في شرح المشكاة: والأحسن أن تكون
معترضة أو تتميمًا صيانة عن التوهم وفائدة السؤال مع العلم بالمسؤول التعريض بالملائكة وبقولهم
في بني آدم أتجعل فيها من يفسد فيها الخ (ما يقول عبادي؟ قالوا: يقولون) ولأبي ذر قال: تقول
أي الملائكة (يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك) يقولون سبحان الله والله أكبر والحمد لله
(ويمجدونك) بالجيم وزاد في رواية سهيل ويهللونك وفي حديث البزار عن أنس يعظمون آلاءك
ويتلون كتابك ويصلون على نبيك ويسألونك (قال: فيقول) عز وجل (هل رأوني؟ قال: فيقولون
لا والله ما رأوك. قال فيقول) تعالى (كيف)؟ ولغير أبي ذر وكيف (لو رأوني قال: يقولون لو
رأوك كانوا أشد لك عبادة وأشد لك تمجيدًا) وزاد أبو ذر عن الكشميهني وتحميدًا (وأكثر لك
تسبيحًا) وزاد الإسماعيلي وأشد لك ذكرًا (قال: يقول فما يسألوني)؟ ولأبي ذر فيقول فما
يسألونني بزيادة الفاء والنون (قال: يسألونك الجنة. قال: يقول) تعالى (وهل رأوها؟ قال يقولون
لا والله يا رب ما رأوها. قال: يقول) ولأبي ذر فيقول (فكيف لو أنهم رأوها؟ قال: يقولون لو
أنهم رأوها كانوا أشد عليها حرصًا وأشد لها طلبًا وأعظم فيها رغبة قال) تعالى (فممّ يتعوذّون؟
قال يقولون من النار قال يقول) تعالى (وهل رأوها؟ قال: يقولون لا والله ما) ولأبي ذر لا والله
يا رب ما (رأوها. قال: يقول) تعالى (فكيف لو رأوها؟ قال يقولون لو رأوها كانوا أشد منها
فرارًا وأشد لها مخافة) وهذا كله فيه تقريع للملائكة وتنبيه على أن تسبيح بني آدم وتقديسهم أعلى
وأشرف من تقديسهم لحصول هذا في عالم الغيب مع وجود الموانع والصوارف وحصول ذلك
للملائكة في عالم الشهادة من غير صارف (قال فيقول) تعالى (فأشهدكم أني قد غفرت لهم) زاد
في رواية سهيل وأعطيتهم ما سألوا (قال: يقول ملك من الملائكة فيهم فلان ليس منهم إنما

٤٠٦
کتاب الدعوات/ باب ٦٧
جاء لحاجة) وفي رواية سهيل قال: يقولون رب فيهم فلان عبد خطاء إنما مر فجلس معهم
وزاد قال وله قد غفرت.
قال في شرح المشكاة قوله، إنما مرّ مشكل لأن إنما توجب حصر ما بعدها في آخر الكلام
كما تقول إنما يجيء زيد أو إنما زيد يجيء ولم يصرح هنا غير كلمة واحدة، وكذلك قوله وله قد
غفرت يقتضي تقديم الظرف على عامله اختصاص الغفران بالمارّ دون غيره وليس كذلك.
وأجاب: بأن في التركيب الأول تقديمًا وتأخيرًا أي إنما فلان مر أي ما فعل فلان إلا المرور
والجلوس عقبه يعني ما ذكر الله تعالى، ثم قال فإن قلت: لم لم يجعل الضمير في مر بارزًا ليكون
الحصر فيه؟ وأجاب: بأنه لو أريد هذا لوجب الإبراز، ولئن سلم لأدى إلى خلاف المقصود وأن
المرور منحصر في فلان لا يتعدى إلى غيره وهو خلف، وفي التركيب الثاني الواو للعطف وهو
يقتضي معطوفًا عليه أي قد غفرت لهم وله ثم أتبع غفرت تأكيدًا وتقريرًا.
(قال) تعالى (هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم). وسقط لفظ بهم لأبي ذر يعني أن
مجالستهم مؤثرة في الجليس ولمسلم هم القوم لا يشقى بهم جليسهم وتعريف الخبر يدل على
الكمال أي هم القوم كل القوم الكاملون فيما هم فيه من السعادة فيكون قوله لا يشقى بهم
جليسهم استئنافًا لبيان الموجب، وفي هذه العبارة مبالغة في نفي الشقاء عن جليس الذاكرين، فلو
قيل يسعد بهم جليسهم لكان ذلك في غاية الفضل لكن التصريح بنفي الشقاء أبلغ في حصول
المقصود رواه أي الحديث المذكور (شعبة) بن الحجاج (عن الأعمش) سليمان بن مهران بسنده
المذكور (ولم يرفعه) إلى النبي بَلقر هكذا وصله أحمد (ورواه سهيل) بضم السين وفتح الهاء (عن
أبيه) أبي صالح السمان (عن أبي هريرة) رضي الله عنه (عن النبي وَّر) وصله مسلم وأحمد.
٦٧ - باب قَوْلٍ لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلاَّ بِالله
(باب) فضل (قول لا حول ولا قوّة إلا بالله) في إعرابه ونحوه مما تكررت فيه لا النافية
للجنس مع اسمها الوجوه الخمسة المقررة في كتب العربية فتح الأول، وفي الثاني وهو اسم لا
الثانية ثلاثة أوجه: الفتح بناء والنصب والرفع إعرابًا فالفتح على أنه ركب مع لا كالأول والرفع
على إهمال لا الثانية أو إعمالها عمل ليس والنصب على العطف على محل اسم لا الأولى، وإهمال
الثانية ورفع الأول فيمتنع النصب في الثاني ويجوز فيه الفتح بناء بإعمال لا الثانية أو الرفع بإهمالها
أو إعمالها عمل ليس فهي خمسة فتح الأول والثاني معًا ورفعهما معًا وفتح الأول ورفع الثاني
وعكسه وفتح الأول ونصب الثاني.
٦٤٠٩ - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلِ أَبُو الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّه، أَخْبَرَنا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ، عَنْ
أَبِي عُثْمانَ، عَنْ أَبِي مُوسى الأَشْعَرِيِّ قالَ: أَخَذَ النَّبِيِّ نَّهِ فِي عَقَبَةٍ أَوْ قَالَ فِي ثَنِيَّةٍ قَالَ: فَلَمَّا
عَلا عَلَيْهَا رَجُلٌ نَادى فَرَفَعَ صَوْتَهُ لا إِلهَ إِلاَّ الله وَالله أَكْبَرُ قالَ: وَرَسُولُ اللهِ وَّوَ عَلى بَغْلَتِهِ قالَ:

٤٠٧
کتاب الدعوات/ باب ٦٨
((فَإِنَّكُمْ لا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلا غائِيًّا)) ثُمَّ قالَ: ((يا أَبا مُوسى أَوْ يَا عَبْدَ اللَّه، أَلاَ أَدُلُّكَ عَلَى كَلِمَةٍ مِنْ
كَثْزِ الْجَنَّةِ»؟ قُلْتُ: بَلى، قالَ: ((لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلاَّ بِالله)).
وبه قال: (حدثنا محمد بن مقاتل أبو الحسن) المروزي قال: (أخبرنا عبد اللَّه) بن المبارك
المروزي قال: (أخبرنا سليمان) بن طرخان (التيمي) البصري (عن أبي عثمان) عبد الرَّحمن بن ملّ
النهدي (عن أبي موسى الأشعري) رضي الله عنه أنه (قال: أخذ النبي ◌َّ) يمشي (في عقبة أو
قال: في ثنية) أي عقبة والشك من الراوي في أي اللفظين قال: وسقط لفظ في لأبي ذر (قال)
أبو موسى: (فلما علا عليها) على العقبة أو الثنية (رجل نادى فرفع صوته لا إله إلا الله والله أكبر
قال) أبو موسى: (ورسول الله وَّر على بغلته) قال:
(فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا) في إعرابه الوجوه الخمسة في نحو لا حول ولا قوة وزاد
في أخرى فإنكم تدعون سميعًا بصيرًا وهو معكم والذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته
(ثم قال: يا أبا موسى أو) قال: (يا عبد اللَّه) هو اسم أبي موسى (ألا) بالتخفيف (أدلك على
كلمة من كنز الجنة)؟ أي كالكنز في كونها ذخيرة نفيسة يتوقع الانتفاع منها قال أبو موسى:
(قلت: بلى) يا رسول الله (قال: لا حول ولا قوة إلا بالله).
والحديث سبق في باب الدعاء إذا علا عقبة ويأتي إن شاء الله تعالى بقوة الله ومعونته في
كتاب القدر.
٦٨ - باب للَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِائَةُ أَسْم غَيْرَ واحِدٍ
هذا (باب) بالتنوين (الله عز وجل مائة اسم غير واحد) بالتذكير ولأبي ذر واحدة بالتأنيث
باعتبار معنى التسمية .
٦٤١٠ - حدثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّه، حَدَّثَنا سُفْيانُ، قالَ: حَفِظْنَاهُ مِنْ أَبِي الزَّنادِ، عَنِ
الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رِوايَةً قَالَ: لله تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ أَسْمًا مِائَةٌ إِلاَّ واحِدًا، لا يَحْفَظُها أَحَدٌ إِلاَّ
دَخَلَ الْجَنَّةَ وَهُوَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ.
وبه قال: (حدثنا علي بن عبد اللَّه) المديني قال: (حدثنا سفيان) بن عيينة (قال: حفظناه)
أي الحديث (من أبي الزناد) عبد اللَّه بن ذكوان وفي رواية الحميدي في مسنده عن سفيان حدثنا
أبو الزناد (عن الأعرج) عبد الرَّحمن بن هرمز (عن أبي هريرة رضي الله عنه) حال كونه (رواية)
أي عن النبي ◌َّر، وعنه الحميدي قال رسول الله وَلقر. وكذا لمسلم عن عمرو الناقد عن سفيان،
وللمؤلف في التوحيد من رواية شعيب عن أبي الزناد بسنده أن رسول الله وَالخير (قال):
(لله) عز وجل (تسعة وتسعون اسمًا) بالنصب على التمييز وتسعة مبتدأ قدم خبره (مائة) رفع
على البدل (إلا واحدًا) بالتذكير، ولأبي ذر إلا واحدة بالتأنيث. قال ابن بطال: ولا يجوز في

٤٠٨
کتاب الدعوات/ باب ٦٨
العربية، ووجهها ابن مالك باعتبار معنى التسمية أو الصفة أو الكلمة، والحكمة في الإتيان بهذه
الجملة بعد السابقة أن يتقرر ذلك في نفس السامع جمعًا بين جهتي الإجمال والتفصيل ودفعًا
للتصحيف خطأ لاشتباه تسعة وتسعين بسبعة وسبعين. وقال في فتوح الغيب: قوله مائة إلا واحدًا
تأكيد وفذلكة لئلا يزاد على ما ورد كقوله تعالى: ﴿تلك عشرة كاملة﴾ [البقرة: ١٩٦] (لا يحفظها)
لا يقرؤها (أحد) عن ظهر قلبه والحفظ يستلزم التكرار أي تكرار مجموعها وفي الشروط من
أحصاها أي ضبطها أو علمها أو قام بحقها وعمل بمقتضاها بأن يعتبر معانيها فيطالب نفسه بما
تضمنته من صفات الربوبية وأحكام العبودية فيتخلق بها (إلا دخل الجنة) ذكر الجزاء بلفظ الماضي
تحقيقًا لوقوعه وتنبيهًا على أنه وإن لم يقع فهو في حكم الواقع لأنه كائن لا محالة (وهو) تعالى
(وتر) بفتح الواو وكسرها أي فرد ومعناه في حق الله تعالى أنه الواحد الذي لا نظير له في ذاته
(يجب الوتر) من كل شيء أو كل وتر شرعه وأثاب عليه. وقال التوريشتي: أي يثيب على العمل
الذي أتى به وترًا ويقبله من عامله لما فيه من التنبيه على معاني الفردانية قلبًا ولسانًا وإيمانًا
وإخلاصًا ثم إنه أدعى إلى معاني التوحيد.
وهذا الحديث أخرجه مسلم في الدعوات أيضًا وكذا الترمذي لكن من حديث ابن عمر
وسردها ثم قال: هذا حديث غريب حدثنا به غير واحد عن صفوان ولا نعرفه إلا من حديث
صفوان وهو ثقة، وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة ولا يعلم في كثير من الروايات ذكر
الأسماء إلا في هذه الطريق، وقد روي بإسناد آخر عن أبي هريرة فيه ذكر الأسماء وليس له إسناد
صحيح اهـ.
ولم ينفرد به صفوان فأخرجه البيهقي في طريق موسى بن أيوب النصيبي وهو ثقة عن الوليد
أيضًا وسرد الترمذي للأسماء معروف محفوظ، وقد أخرج الحديث الطبراني عن أبي زرعة الدمشقي
عن صفوان بن صالح فخالف في عدة أسماء فقال: القائم الدائم بدل القابض الباسط والشديد
بدل الرشيد والأعلى المحيط مالك يوم الدين بدل الودود المجيد الحكيم، وعند ابن حبان عن
الحسن بن سفيان عن صفوان الرافع بدل المانع، وعند ابن خزيمة في رواية صفوان أيضًا الحاكم
بدل الحكم والقريب بدل الرقيب والمولى بدل الوال والأحد بدل المغني. وعند البيهقي وابن منده
من طريق موسى بن أيوب عن الوليد المغيث بالمعجمة والمثلثة بدل المقيت بالقاف والمثناة، ووقع
بين رواية زهير عن موسى بن عقبة عن الأعرج عن أبي هريرة عند أبي الشيخ وابن ماجة وابن أبي
عاصم والحاكم وبين رواية صفوان عن الوليد مخالفة في ثلاثة وعشرين اسمًا. فليس في رواية
زهير الفتاح القهار الحكم العدل الحسيب الجليل المحصي المقتدر المقدم المؤخر البر المنتقم الغني
النافع الصبور البديع الغفار الحفيظ الكبير الواسع الأحد مالك الملك ذو الجلال والإكرام، وذكر
بدلها الرب الفرد الكافي القاهر المبين بالموحدة الصادق الجميل البادىء بالدال القديم البارّ بتشديد
الراء الوفي البرهان الشديد الواقي بالقاف القدير الحافظ العادل العلي العالم الأحد الأبد الوتر ذو
القوّة.

٤٠٩
کتاب الدعوات/ باب ٦٨
ولم يقع في شيء من طرق الحديث سرد الأسماء إلا في رواية الوليد بن مسلم عند
الترمذي، وفي رواية زهير بن محمد عن موسى بن عقبة عند ابن ماجة والطريقان يرجعان إلى
رواية الأعرج وفيها اختلاف شديد في سرد الأسماء والزيادة والنقص.
ووقع سرد الأسماء أيضًا في طريق ثالثة عند الحاكم في مستدركه وجعفر الفريابي في الذكر
من طريق عبد العزيز بن الحصين عن أيوب عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة، واختلف العلماء
في سرد الأسماء هل هو مرفوع أو مدرج في الخبر من بعض الرواة فذهب إلى الأخير جماعة
مستدلين بخلو أكثر الروايات عنه مع الاختلاف والاضطراب. قال البيهقي: ويحتمل أن يكون
التعيين وقع من بعض الرواة في الطريقين معًا ولذا وقع الاختلاف الشديد بينهما، ولذا ترك
الشيخان تخريج التعيين. وقال الترمذي بعد أن أخرجه من طريق الوليد: هذا حديث غريب حدثنا
به غير واحد عن صفوان ولا نعرفه إلا من حديث صفوان وهو ثقة. وقد روي من غير وجه عن
أبي هريرة ولا نعلم في كثير من الروايات ذكر الأسماء إلا في هذه الطريق، وقد روي بإسناد آخر
عن أبي هريرة فيه ذكر الأسماء وليس له سند صحيح. وقال الداودي: ولم يثبت أن النبي وَل
عين الأسماء المذكورة وليس المراد من الحديث حصر الأسماء في التسعة والتسعين، ففي حديث
ابن مسعود عند أحمد وصححه ابن حبان أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في
كتابك أو علمته أحدًا من خلقك أو استأثرت به علم الغيب عندك. قال القرطبي: ويدل على عدم
الحصر أن أكثرها صفات وصفات الله لا تتناهى وهل الاقتصار على العدد المذكور معقول أو تعبد
لا يعقل معناه، وقيل إن أسماءه تعالى مائة استأثر الله تعالى بواحد منها وهو الاسم الأعظم فلم
يطلع عليه أحدًا فكأنه قيل مائة لكن واحد منها عند الله وجزم السهيلي بأنها مائة على عدد درج
الجنة، والذي يكمل المائة الله. واستدل بهذا الحديث على أن الاسم عين المسمى أو غيره وهي
مسألة مشهورة سبق القول فيها أول هذا المجموع ويأتي إن شاء الله تعالى مزيد لذلك في محله
بعون الله .
واختلف هل الأسماء الحسنى توقيفية بمعنى أنه لا يجوز لأحد أن يشتق من الأفعال الثابتة
لله اسمًا إلا إذا ورد نص به في الكتاب والسنة؟ فقال الإمام فخر الدين: المشهور عن أصحابنا
أنها توقيفية. وقال القاضي أبو بكر والغزالي الأسماء توقيفية دون الصفات قال: وهذا هو المختار،
وقال الشيخ أبو القاسم القشيري في كتاب مفاتيح الحج ومصابيح النهج: أسماء الله تعالى تؤخذ
توقيفًا ويراعى فيها الكتاب والسنّة والإجماع فكل اسم ورد في هذه الأصول وجب إطلاقه في
وصفه تعالى وما لم يرد فيها لا يجوز إطلاقه في وصفه وإن يصح معناه، وقال الزجاج: لا ينبغي
لأحد أن يدعوه بما لم يصف به نفسه فيقول يا رحيم لا يا رفيق ويقول يا قوي لا يا جليد، وقال
الإمام، قال أصحابنا: كل ما صح معناه جاز إطلاقه عليه سبحانه وتعالى فإنه الخالق للأشياء
كلها، ولا يجوز أن يقال يا خالق الذئب والقردة وورد وعلم آدم الأسماء كلها وعلمك ما لم تكن
تعلم ولا يجوز يا معلم قال: ولا يجوز عندي يا محب وقد ورد: ﴿يحبهم ويحبونه﴾ [المائدة: ٥٤].

٤١٠
کتاب الدعوات/ باب ٦٩
فإن قلت: ما ورد في شرح السنة عن أبي أمية قال: إنه رأى الذي بظهر رسول الله وَلقول
فقال: دعني أعالجه فإني طبيب فقال: أنت رفيق والله هو الطبيب هل هو إذن منه وَّل في تسمية
الله تعالى بالطبيب؟ فالجواب: لا لوقوعه مقابلاً لقوله: فإني طبيب مشاكلة وطباقًا للجواب على
السؤال كقوله تعالى: ﴿تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك﴾ [المائدة: ١١٦] وهل يجوز
تفضيل بعض أسماء الله تعالى على بعض، فمنع من ذلك أبو جعفر الطبري وأبو الحسن الأشعري
والقاضي أبو بكر الباقلاني لما يؤدي ذلك إلى اعتقاد نقصان المفضول عن الأفضل وحملوا ما ورد
من ذلك على أن المراد بالأعظم العظيم وأن أسماء الله تعالى عظيمة. وقال ابن حبان: الأعظمية
الواردة المراد بها مزيد ثواب الداعي بها، وقيل الأعظم كل اسم دعا العبد ربه به مستغرقًا بحيث
لا يكون في فكره حالتئذ غير الله فإنه يستجاب له، وقيل الاسم الأعظم ما استأثر الله به وأثبته
آخرون معينًا، واختلفوا فيه فقيل: هو لفظة هو نقله الفخر الرازي عن بعض أهل الكشف،
وقيل: الله، وقيل الله الرحمن الرحيم، وقيل الرحمن الرحيم الحي القيوم، وقيل الحي القيوم، وقيل
الحنان المنان بديع السموات، والأرض ذو الجلال والإكرام رآه رجل مكتوبًا في الكواكب في
السماء، وقيل ذو الجلال والإكرام، وقيل الله لا إله إلا هو الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم
يكن له كفوا أحد، وقيل رب رب، وقيل دعوة ذي النون لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من
الظالمين، وقيل هو الله الله الله الذي لا إله إلا هو رب العرش العظيم. نقله الفخر الرازي عن زين
العابدين أنه سأل الله أن يعلمه الاسم الأعظم فعلمه في النوم، وقيل هو مخفي في الأسماء الحسنى،
وقيل وهو الرابع عشر كلمة التوحيد نقله القاضي عياض اهـ. ملخصًا من الفتح وبالله التوفيق.
٦٩ - باب الْمَوْعِظَةِ ساعَةً بَعْدَ سَاعَةٍ
(باب الموعظة ساعة بعد ساعة) خوف السآمة.
٦٤١١ - حدثنا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنِي شَقِيقٍ، قالَ: كُنَّا
نَنْتَظِرُ عَبْدَ اللَّه إِذْ جاءَ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ فَقُلْنا: أَلا تَجْلِسُ؟ قَالَ: لا، وَلكِنْ أَدْخُلُ فَأُخْرِجُ إِلَيْكُمْ
صاحِبَكُمْ وَإِلاَّ جِئْتُ أَنَا فَجَلَسْتُ، فَخَرَجَ عَبْدُ اللَّه وَهْوَ آَخِذٌ بِيَدِهِ فَقَامَ عَلَيْنَا فَقالَ: أَمَا إِنِّي أُخْبَرُ
بِمَكانِكُمْ، وَلكِنَّهُ يَمْنَعَنِي مِنَ الْخُرُوجِ إِلَيْكُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ لِ كَانَ يَتَخَوَّلُنا بِالْمَوْعِظَةِ فِي الأَيَّامِ
كَراهِيَةَ السَّمَةِ عَلَيْنا.
وبه قال: (حدثنا عمر بن حفص) قال: (حدثنا أبي) حفص بن غياث قال: (حدثنا
الأعمش) سليمان بن مهران قال: (حدثني) بالإفراد (شقيق) أبو وائل بن سلمة (قال: كنا ننتظر
عبد اللَّه) يعني ابن مسعود رضي الله عنه (إذ جاء يزيد بن معاوية) العبسي الكوفي التابعي وليس
له في الصحيحين ذكر إلا في هذا الموضع (فقلنا) له: (ألا) بالتخفيف (تجلس) يا يزيد (قال: لا
ولكن أدخل) منزل ابن مسعود (فأخرج إليكم صاحبكم) عبد الله بن مسعود (وإلاّ) أي وإن لم

٤١١
كتاب الدعوات/ باب ٦٩
أخرجه (جئت أنا فجلست) معكم، وفي مسلم من طريق أبي معاوية عن الأعمش عن شقيق فقلنا
أعلمه بمكاننا فدخل عليه (فخرج عبد الله) بن مسعود (وهو آخذ بيده) بيد يزيد (فقام علينا
فقال): جوابًا لقولهم وددنا أنك لو ذكرتنا كل يوم كما مرّ في العلم (أما) بالتخفيف (إني أخبر)
بفتح الهمزة والموحدة (بمكانكم ولكنه يمنعني من الخروج إليكم) للموعظة (أن رسول الله اله
كان يتخولنا) بالخاء المعجمة يتعهدنا (بالموعظة في الأيام) يعني يذكرنا أيامًا ويتركنا أيامًا (كراهية
السآمة علينا) أي أن تقع منا السآمة رفقًا منه وَّ بنا وحسنًا في التوصل إلى تعليمنا لنأخذ عنه
بنشاط فإن التعليم بالتدريج أدعى إلى الثبات وضمن السآمة معنى المشقة فعداها بعلى والله الموفق.
هذا آخر كتاب الدعاء فرغ منه مؤلفه أحمد القسطلاني بعد صلاة العشاء في الليلة المفسر
صباحها عن يوم الأربعاء الثامن والعشرين من جمادى الآخرة سنة أربع عشرة وتسعمائة أعانه الله
على إتمامه ونفع به والحمد لله وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

بسم الله الرحمن الرحيم
٨١ - كتاب الرقاق
بكسر الراء وبالقافين بينهما ألف جمع رقيق وهو الذي فيه رقة وهي الرحمة ضدّ الغلظة قال
في الكواكب: أي كتاب الكلمات المرققة للقلوب، ويقال للكثير الحياء رق وجهه أي استحيا.
وقال الراغب: متى كانت الرقة في جسم فضدها الصفاقة كثوب صفيق وثوب رقيق، ومتى كانت
في نفس فضدها القسوة كرقيق القلب وقاسيه، وعبّر جماعة منهم النسائي في سننه الكبرى
بقولهم: كتاب الرقائق وكذا في نسخة معتمدة من رواية النسفي عن البخاري والمعنى واحد،
وسميت أحاديث الباب بذلك لأن فيها من الوعظ والتنبيه ما يجعل القلب رقيقًا ويحدث فيه الرقة.
١ - باب ما جاءَ فِي الصِّحَّةُ وَالْفَراغُ وَلا عَيْشَ إِلَّ عَيْشُ الآخِرَةِ
(الصحة والفراغ ولا عيش إلا عيش الآخرة) كذا لأبي ذر عن الحموي وسقط عنده عن
الكشميهني والمستملي الصحة والفراغ، ولأبي الوقت كما في الفتح: باب لا عيش إلا عيش
الآخرة ولكريمة عن الكشميهني (ما جاء في الرقاق وأن لا عيش إلا عيش الآخرة) وزاد في الفرع
كأصله باب ما جاء في الرقاق وأن لا عيش إلا عيش الآخرة وفيهما أيضًا باب لا عيش إلا عيش
الآخرة.
(بسم الله الرحمن الرحيم) وفي الفتح كاليونينية تقديم البسملة على الكتاب.
٦٤١٢ - حدثنا الْمَكْيُّ بْنُ إِبْراهِيمَ، أَخْبَرَنا عَبْدُ اللَّه بْنُ سَعِيدٍ هُوَ ابْنُ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ أَبِيهِ
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عَنْهُما قالَ: قَالَ النَّبِيُّ وَّهِ: ((نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ،
الصّحَّةُ، وَالْفَرَاغُ». قالَ عَبَّاسٌ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا صَفْوانُ بْنُ عِيسى، عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي
مِنْدٍ، عَنْ أَبِهِ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِّ وَّهِ مِثْلَهُ.
وبه قال: (حدثنا المكي بن إبراهيم) التميمي البلخي كذا للأكثر بالألف في أوله وهو اسم

٤١٣
كتاب الرقاق/ باب ١
بلفظ النسب وهو من الطبقة العليا من شيوخ البخاري قال: (أخبرنا عبد الله بن سعيد) بكسر
العين (هو) أي سعيد (بن أبي هند) الفزاري مولى سمرة بن جندب (عن أبيه) سعيد بن أبي هند
(عن ابن عباس رضي الله عنهما) أنه (قال: قال النبي ◌ََّ):
(نعمتان) تثنية نعمة وهي الحالة الحسنة وقال الإمام فخر الدين المنفعة المفعولة على جهة
الإِحسان إلى الغير وزاد الدارمي من نعم الله (مغبون فيهما) أي في النعمتين (كثير من الناس) رفع
بالابتداء وخبره مغبون مقدمًا والجملة خبر نعمتان وهما (الصحة) في البدن (والفراغ) من الشواغل
بالمعاش المانع له عن العبادة والغبن بفتح الغين المعجمة وسكون الموحدة النقص في البيع
وبتحريكها في الرأي أي ضعف الرأي قال في الكواكب: فكأنه قال هذان الأمران إذا لم يستعملا
فيما ينبغي فقد غبن صاحبهما فيهما أي باعهما ببخس لا تحمد عاقبته أو ليس له رأي في ذلك
البتة فقد يكون الإنسان صحيحًا ولا يكون متفرغًا للعبادة لاشتغاله بالمعاش وبالعكس، فإذا اجتمع
الصحة والفراغ وقصر في نيل الفضائل فذلك الغبن كل الغبن لأن الدنيا سوق الأرباح ومزرعة
للآخرة وفيها التجارة التي يظهر ربحها في الآخرة، فمن استعمل فراغه وصحته في طاعة مولاه
فهو المغبوط ومن استعملهما في معصية الله فهو المغبون لأن الفراغ يعقبه الشغل والصحة يعقبها
السقم ولو لم يكن إلا الهرم.
والحديث أخرجه الترمذي في الزهد، والنسائي في الرقائق، وابن ماجة في الرقائق.
(قال عباس) بالموحدة المشددة آخره مهملة ابن عبد العظيم (العنبري) البصري الحافظ أحد
شيوخ البخاري (حدثنا صفوان بن عيسى) الزهري (عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند) ولأبي ذر
هو ابن أبي هند (عن أبيه) سعيد السابق أنه (قال: سمعت ابن عباس عن النبي ◌ِّيرِ مثله) أي مثل
الحديث السابق.
ورواه ابن ماجة عن العباس العنبري.
٦٤١٣ - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، عَنْ أَنَسٍ
عَنِ النَّبِيِّ وَِّ قالَ:
((اللَّهُمَّ لا عَيْشَ إِلَّ عَيْشُ الآخِرَةُ فَأَصْلِحِ الأَنْصارَ وَالْمُهَاجِرَه))
وبه قال: (حدثنا) ولأبي ذر: حدثني (محمد بن بشار) بالموحدة والمعجمة المشددة المفتوحتين
بندار قال: (حدثنا غندر) ولأبي ذر محمد بن جعفر بدل قوله غندر قال: (حدثنا شعبة) بن الحجاج
(عن معاوية بن قرّة) بن أبي إياس المزني (عن أنس) رضي الله عنه (عن النبي) ولأبي ذر عن
المستملي أن النبي (َ﴿ قال): عند حفر الخندق متمثلاً بقول ابن رواحة:
:
(اللهم لا عيش إلا عيش الآخره فأصلح الأنصار والمهاجره)

٤١٤
كتاب الرقاق/ باب ٢
بكسر الجيم وسكون الهاء كهاء الآخرة.
٦٤١٤ - حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ، حَدَّثَنَا الْفُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمانَ، حَدَّثَنَا أَبُو حازِمِ، حَدَّثَنَا
سَهْلُ بْنُ سَعْدِ السَّاعِدِيُّ قالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّهَ بِالْخَنْدَقِّ وَهُوَ يَحْفِرُ وَنَحْنُ نَنْقُلُ التُّرَابَ وَيَمُرُ
بِنا فَقالَ :
اللَّهُمْ لا عَيْشَ إِلاَّ عَيْشُ الآخِرَةُ فَاغْفِرْ لِلأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَةْ
تَابَعَهُ سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ عَنِ النَِّّ ◌َّهِ مِثْلَهُ.
وبه قال: (حدثني) بالإِفراد، ولأبي ذر: حدثنا (أحمد بن المقدام) بكسر الميم وسكون القاف
وبعد الدال المهملة ألف فميم العجلي قال: (حدثنا الفضيل) بضم الفاء وفتح الضاد مصغرًا (ابن
سليمان) النميري بضم النون وفتح الميم بعدها تحتية ساكنة مصغرًا قال: (حدثنا أبو حازم) بالحاء
المهملة والزاي سلمة بن دينار قال: (حدثنا سهل بن سعد الساعدي) رضي الله عنه (قال: كنا مع
رسول الله (َ﴿ بالخندق) ولغير أبي الوقت في الخندق (وهو يحفر) بكسر الفاء فيه (ونحن ننقل
التراب) زاد في مناقب الأنصار على أكتادنا وفسر ثم بما بين الكاهل إلى الظهر (ويمر) وَّ من المرور
ولأبي ذر عن الحموي والمستملي وبصر (بنا فقال):
(اللهم لا عيش إلا عيش الآخره فاغفر للأنصار والمهاجرة)
الرواية الأولى فأصلح الأنصار وهذه فاغفر، وفي أخرى فأكرم، ومطابقته للترجمة ظاهرة
وفيه إشارة إلى تحقير عيش الدنيا لما يعرض له من التكدير والتنغيص وسرعة الزوال.
والحديث سبق في مناقب الأنصار.
(تابعه سهل بن سعد عن النبي ◌َّر مثله). وهذا ثابت في رواية غير أبي ذر ساقط منها
ويحتاج كما قال صاحب التلويح فيما نقله عنه في عمدة القاري إلى نظر طويل. قال غيره: إنه
ليس بموجود في نسخ البخاري قال: فينبغي إسقاطه اهـ.
٢ - باب مَثَلِ الدُّنْيا فِي الآخِرَةِ
وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الأَمْوالِ
وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ
شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ الله وَرِضْوانٌ وَما الْحَياةُ الدُّنْيَا إِلَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد: ٢٠].
(باب مثل الدنيا فى الآخرة) الجار والمجرور يتعلق بمحذوف تقديره مثل الدنيا بالنسبة إلى
الآخرة وكلمة في بمعنى إلى كقوله تعالى: ﴿فردّوا أيديهم في أفواههم﴾ [إبراهيم: ٩] والخبر

٤١٥
كتاب الرقاق/ باب ٢
محذوف تقدير كمثل لا شيء وفي حديث المستورد المروي في مسلم مرفوعًا: ما الدنيا في الآخرة
إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بم يرجع. قال الطيبي: أي مثل الدنيا في جنب
الآخرة وهو تمثيل على سبيل التقريب وإلاّ فأين المناسبة بين المتناهي وغير المتناهي؟
(وقوله تعالى: ﴿إنما الحياة الدنيا لعب﴾) كلعب الصبيان (﴿ولهو﴾) كلهو القيان
(﴿وزينة﴾) كزينة النسوان (﴿وتفاخر بينكم﴾) كتفاخر الأقران (﴿وتكاثر﴾) كتكاثر الرهبان (﴿في
الأموال والأولاد﴾) أي مباهاة بهما التكاثر ادّعاء الاستكثار (﴿كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم
يهيج فتراه مصفرًا﴾) بعد خضرته (﴿ثم يكون حطامًا﴾) متفتتًا شبه حال الدنيا وسرعة تقضيها مع
قلة جدواها بنبات أنبته الغيث فاستوى وقوي وأعجب به الكفار الجاحدون لنعمة الله فيما رزقهم
من الغيث والنبات فبعث عليه العاهة فهاج واصفرّ وصار حطامًا عقوبة لهم على جحودهم كما
فعل بأصحاب الجنة وصاحب الجنتين، وقيل الكفار الزراع. وقال العماد بن كثير: أي أعجب
الزراع نبات ذلك الزرع الذي نبت بالغيث وكما يعجب الزراع ذلك كذلك تعجب الحياة الدنيا
الكفار فإنهم أحرص شيء عليها وأميل الناس إليها ثم يهيج فتراه مصفرًا ثم يكون حطامًا أي يهيج
ذلك الزرع فتراه مصفرًا بعدما كان أخضر نضرًا ثم يصير يبسًا متحطمًا هكذا الحياة الدنيا تكون
أولاً شابة ثم تكتهل ثم تكون عجوزًا شوهاء، والإنسان كذلك يكون في أول عمره وعنوان شبابه
غضًا طريًا لين الأعطاف بهيّ المنظر، ثم إنه يشرع في الكهولة فتتغير طباعه ويفقد بعض قواه ثم
يكبر فيصير شيخًا كبيرًا ضعيف القوى قليل الحركة يعجز عن المشي اليسير ولما كان هذا المثل دالاً
على زوال الدنيا وانقضائها والآخرة كائنة لا محالة حذّر من أمرها ورغّب فيما فيها من الخيرات
فقال: ((وفي الآخرة عذاب شديد﴾) للكفار ((ومغفرة من الله ورضوان﴾) للمؤمنين (﴿وما الحياة
الدنيا إلا متاع الغرور﴾) [الحديد: ٢٠] لمن ركن إليها واعتمد عليها قال ذو النون المصري: يا
معشر المريدين لا تطلبوا الدنيا وإن طلبتموها فلا تحبوها فإن الزاد منها والمقيل في غيرها وسقط
من قوله وزينة الخ في رواية أبي ذر وقال عقب قوله ﴿ولهو﴾ إلى قوله ﴿متاع الغرور﴾.
٦٤١٥ - حدثنا عَبْدُ اللَّه بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدْثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِهِ عَنْ سَهْلٍ
قالَ: سَمِعْتُ النِِّيْ وَ يَقُولُ: ((مَوْضِعُ سَوْطٍ فِي الْجَنَّةِ خيرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَما فِيها، وَلَغَذْوَةٌ فِي سَبِيلٍ
الله - أَوْ رَوْحَةٌ - خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا وَما فِيها)).
وبه قال: (حدثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي قال: (حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم عن
أبيه) أبي حازم سلمة بن دينار (عن سهل) بفتح السين ابن سعد الساعدي رضي الله عنه أنه (قال:
سمعت النبي * يقول):
(موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها ولغدوة) بلام التأكيد (في سبيل الله) شامل
للجهاد وغيره (أو روحة) للتنويع لا للشك (خير من الدنيا وما فيها).

٤١٦
کتاب الرقاق/ باب ٣
٣ - باب قَوْلِ النَِّيِّ نَّهِ ((كُنْ فِي الدُّنْيا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ))
(باب قول النبي ◌ِّير: كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل) سقط لأبي ذر أو عابر
سبیل .
٦٤١٦ - حدثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّه، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمْنِ أَبُو الْمُنْذِرِ الطُّفاوِيَّ،
عَنْ سُلَيْمانَ الأَعْمَشِ، حَدَّثَنِي مُجاهِدٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ عُمَرَ رَضِيَ الله عَنْهُما قالَ: أَخَذَ
رَسُولُ اللهَِّ بِمَنْكِبِي فَقالَ: ((كُنْ فِي الدُّنْيا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عابِرُ سَبِيلٍ)). وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ:
إِذا أَمْسَيْتَ فَلا تَنْتَظِرِ الصَّباحَ، وَإِذا أَصْبَحْتَ فَلا تَنْتَظِرِ الْمَساءَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ، وَمِنْ
حَياتِكَ لِمَوْتِكَ.
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد اللَّه) المديني قال: (حدّثنا محمد بن عبد الرَّحمن أبو المنذر
الطفاوي) بضم الطاء المهملة بعدها فاء فألف فواو فتحتية نسبة إلى بني طفاوة أو موضع بالبصرة
(عن سليمان الأعمش) سقط سليمان لأبي ذر أنه قال: (حدثني) بالإفراد (مجاهد) هو ابن جبر
المفسر (عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما) سقط عبد اللَّه لأبي ذر أنه (قال: أخذ
رسول الله (* بمنكبي) كسر الكاف والموحدة وتخفيف التحتية مجمع العضد والكتف قال في
الفتح: وضبط في بعض الأصول بمنكبي بلفظ التثنية (فقال):
(كن في الدنيا كأنك غريب) قدم بلدًا لا مسكن له فيها يؤويه ولا سكن يسليه خال عن
الأهل والعيال والعلائق التي هي سبب الاشتغال عن الخالق ولما شبه الناسك السالك بالغريب
الذي ليس له مسكن ترقى وأضرب عنه بقوله (أو عابر سبيل) لأن الغريب قد يسكن في بلاد
الغربة ويقيم فيها بخلاف عابر السبيل القاصد للبلد الشاسع وبينه وبينها أودية مردية ومفاوز مهلكة
وهو بمرصد من قطاع الطريق فهل له أن يقيم لحظة أو يسكن لمحة، ومن ثم عقبه بقوله:
(وكان ابن عمر) رضي الله عنهما (يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح وإذا أصبحت فلا
تنتظر المساء) أي سر دائمًا ولا تفتر عن السير ساعة فإنك إن قصرت في السير انقطعت عن
المقصود وهلكت في تلك الأودية هذا معنى المشبه به وأما المشبه فهو قوله (وخذ من) زمن
(صحتك لمرضك) وفي رواية ليث بن أبي سليم عن مجاهد عند أحمد والترمذي لسقمك أي سر
سيرك القصد في حال صحتك بل لا تقنع به، وزد عليه بقدر قوتك ما دامت فيك قوة بحيث
يكون ما بك من تلك الزيادة قائمًا مقام ما لعله يفوت حال المرض والضعف أو اشتغل في الصحة
بالطاعة بحيث لو حصل تقصير في المرض لانجبر بذلك وفي قوله (ومن حياتك لموتك) إشارة إلى
أخذ نصيب الموت وما يحصل فيه من الفتور من السقم يعني لا تقعد في المرض عن السير كل
القعود بل ما أمكنك منه فاجتهد فيه حتى تنتهي إلى لقاء الله وما عنده من الفلاح والنجاح وإلاّ

٤١٧
كتاب الرقاق/ باب ٤
خبت وخسرت، وزاد ليث فإنك لا تدري يا عبد اللَّه ما اسمك غدًا أي هل يقال لك شقي أم
سعيد؟ أو هل يقال لك حي أو ميت؟
وفي حديث ابن عباس عند الحاكم أن النبي ◌َ ◌ّ قال لرجل وهو يعظه: ((اغتنم خمسًا قبل
خمس. شبابك قبل هرمك وصحتك قبل سقمك وغناك قبل فقرك وفراغك قبل شغلك وحياتك
قبل موتك)) فالعاقل إذا أمسى لا ينتظر الصباح وإذا أصبح لا ينتظر المساء بل يظن أن أجلهُ يدركه
قبل ذلك فيعمل ما يلقى نفعه بعد موته ويبادر أيام صحته بالعمل الصالح فإن المرض قد يطرأ
فيمنع من العمل فيخشى على من فرط من ذلك أن يصل إلى المعاد بغير زاد فمن لم ينتهز الفرصة
يندم وما أحسن قول من قال:
إذا هبت رياحك فاغتنمها فإن لكل خافقة سكون
ولا تغفل عن الإحسان فيها فما تدري السكون متى يكون
إذا ظفرت يداك فلا تقصر فإن الدهر عادته يخون
والحديث أخرجه الترمذي.
٤ - باب فِي الأمَلِ وَطُولِهِ
وَقَوْلِ الله تَعالَى: ﴿فَمَنْ زُخْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَّ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ مَتَاعُ
الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] بِمُزَحْزِجِهِ: بِمُبَاعِدِهِ، وَقَوْلِهِ: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَّنَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأَمَلَ
فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: ٣] وَقَالَ عَلِيٍّ: ارْتَحَلَتِ الدُّنْيا مُذْبِرَةً، وَارْتَحَلَتِ الآخِرَةُ مُقْبِلَةً، وَلِكُلِّ
واحِدَةٌ مِنْهُما بَنُونَ فَكُونُوا مِنْ أَبْناءِ الآخِرَةِ، وَلا تَكُونُوا مِنْ أَبْناءِ الدُّنْيَا، فَإِنَّ الْيَوْمَ عَمَلٌ وَلا
حِسَابَ وَغَدًا حِسَابٌ وَلا عَمَلَ.
(باب) بالتنوين (في الأمل وطوله) بفتح الهمزة والميم وهو الرجاء فيما تحبه النفس من طول
عمر وزيادة غنى يقال أمل خيره يأمله أملاً، وكذلك التأميل ومعناه قريب من التمني، وقيل الفرق
بينهما أن الأمل ما تقدم سببه والتمني بخلافه، وقيل الأمل إرادة الشخص تحصيل شيء يمكن
حصوله فإذا فاته تمناه والرجاء تعليق القلب بمحبوب ليحصل في المستقبل والفرق بين الرجاء
والتمني أن التمني يورث صاحبه الكسل ولا يسلك طريق الجهد والجد وبعكسه صاحب الرجاء
فالرجاء محمود والتمني معلول كالأمل إلا للعالم في العلم فلولا طول أمله ما صنف ولا ألّف،
وفي الأمل سر لطيف لأنه لولا الأمل ما تهنى أحد بعيش ولا طابت نفسه أن يشرع في عمل من
أعمال الدنيا، وإنما المذموم منه الاسترسال فيه وعدم الاستعداد لأمر الآخرة.
(وقول الله تعالى) ولأبي ذر وقوله تعالى: (﴿فمن زحزح﴾) بعد (﴿عن النار وأدخل الجنة فقد
ناز﴾) ظفر بالخير، وقيل فقد حصل له الفوز المطلق، وقيل الفوز نيل المحبوب والبعد عن المكروه
إرشاد الساري/ ج ١٣ / م ٢٧

٤١٨
كتاب الرقاق / باب ٤
(﴿وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور)) [آل عمران: ١٨٥] المتاع ما يتمتع به وينتفع والغرور يجوز
أن يكون مصدرًا من قولك غررت فلانًا غرورًا شبه الدنيا بالمتاع الذي يدلس به على المستام ويغر
حتى يشتريه ثم يتبين له فساده ورداءته والشيطان هو المدلس الغرور، وقرأ عبد الله بفتح الغين
وفسّر بالشيطان، ويجوز أن يكون فعولاً بمعنى مفعول أي متاع المغرور أي المخدوع وأصل الغرر
الخدع. قال سعيد بن جبير: هذا في حق من آثر الدنيا على الآخرة وأما من طلب متاع الدنيا
للآخرة فإنها نعم المتاع، وعن الحسن كخضرة النبات ولعب البنات لا حاصل لها فينبغي للإنسان
أن يأخذ من هذا المتاع بطاعة الله تعالى ما استطاع (بمزحزحه) أي (بمباعده) بكسر العين يعني أن
معنى قوله فمن زحزح بوعد وأصل الزحزحة الإزالة ومن أزيل عن شيء فقد بوعد منه وهذا
ثابت هنا لأبي ذر عن المستملي والكشميهني، وسقط لأبي ذر من قوله ﴿وما الحياة الدنيا﴾ إلى قوله
﴿الغرور﴾.
(وقوله) تعالى (﴿ذرهم﴾) أمر إهانة أي اقطع طمعك من ارعوائهم ودع عنك النهي عما هم
عليه بالتذكرة والنصيحة وخلهم (﴿يأكلوا ويتمتعوا﴾) بدنياهم فهي خلاقهم ولا خلاق لهم في
الآخرة (﴿ويلههم الأمل﴾) يشغلهم الأمل عن الأخذ بحظهم من الإِيمان والطاعة (﴿فسوف
يعلمون﴾) [الحجر: ٣] إذا وردوا القيامة وذاقوا وبال صنيعهم وفيه تنبيه على أن إيثار التلذذ
والتنعم وما يؤدي إليه طول الأمل ليس من أخلاق المؤمنين وهذا تهديد ووعيد، وقال بعض
العلماء: ذرهم تهديد وسوف يعلمون تهديد آخر فمتى يهنأ العيش بين تهديدين والآية نسختها آية
القتال، وسقط لأبي ذر ويلههم الخ وقال بعد قوله: ﴿ويتمتعوا﴾ الآية.
(وقال علي) رضي الله عنه من قوله موقوفًا ولأبي ذر: علي بن أبي طالب (ارتحلت الدنيا)
حال كونها (مدبرة وارتحلت الآخرة) حال كونها (مقبلة ولكل واحدة منهما) من الآخرة والدنيا
ولأبي ذر عن المستملي منها (بنون فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا فإن اليوم
عمل). قال في الكواكب فإن قلت: اليوم ليس عملاً بل فيه العمل ولا يمكن تقدير في وإلا
وجب نصب عمل. وأجاب: بأنه جعله نفس العمل مبالغة كقولهم أبو حنيفة فقه ونهاره صائم
(ولا حساب) فيه (وغدًا حساب) بالرفع (ولا عمل) فيه أي فإنه على أن اسم إن ضمير شأن حذف
وهو عندهم قليل أو هو على حذف مضاف إما من الأول وإما من الثاني أي فإن حال اليوم عمل
ولا حساب، أو فإن اليوم يوم عمل ولا حساب. وهذا رواه ابن المبارك في الزهد من طرق عن
إسماعيل بن أبي خالد وزبيد الأيامي عن رجل من بني عامر وسمي في رواية لابن أبي شيبة
مهاجرًا العامري، وكذا في الحلية لأبي نعيم من طريق أبي مريم عن زبيد عن مهاجر بن عمير
قال: قال علي: إن أخوف ما أخاف عليكم اتباع الهوى وطول الأمل فأما اتباع الهوى فيصد عن
الحق وأما طول الأمل فينسي الآخرة، ألا وإن الدنيا ارتحلت مدبرة الحديث. وقال بعض الحكماء:
مما أخذه من قول علّ هذا: الدنيا مدبرة والآخرة مقبلة فعجب لمن يقبل على المدبرة ويدبر عن
المقبلة .

٤١٩
كتاب الرقاق/ باب ٤
٦٤١٧ - حدّثنا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سُفْيَانَ قالَ: حَدَّثَنِي أَبِي
عَنْ مُنْذِرٍ، عَنْ رَبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّه رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ: خَطَّ النَّبِيِّ نَّهَ خَطَّا مُرَبَّعًا،
وَخَطَّ خَطَّا فِي الْوَسَّطِ خَارِجًا مِنْهُ، وَخَطَّ خُطَطًا صِغَارًا إلى هَذَا الَّذِي فِي الْوَسَطِ مِنْ جَانِبِهِ فِي
الْوَسَطِ، وَقالَ: ((هذا الإِنْسانُ وَهذا أَجَلُهُ مُحِيطٌ بِهِ، - أَوْ قَدْ أَحَاطَ بِهِ - وَهذا الَّذِي هُوَ خَارِجْ
وَهذِهِ الْخُطُطُ الصَّغَارُ الأَعْرَاضُ، فَإِنْ أَخْطَأَهُ هذا نَهَشَهُ هذا، وَإِنْ أَخْطَأَهُ هذا نَهَشَهُ هذا)).
وبه قال: (حدثنا صدقة بن الفضل) المروزي الحافظ قال: (أخبرنا يحيى بن سعيد) القطان
وسقط لغير أبي ذر: ابن سعيد (عن سفيان) أنه (قال: حدثني) بالإفراد (أبي) سعيد بن مسروق
الثوري (عن منذر) بضم الميم وسكون النون وكسر الذال المعجمة بعدها راء ابن يعلى الثوري
الكوفي (عن ربيع بن خثيم) بضم المعجمة وفتح المثلثة وربيع بفتح الراء وكسر الموحدة الثوري
(عن عبد اللَّه) بن مسعود (رضي الله عنه) أنه (قال: خطّ النبي ◌َِّ خطًا مربعًا) مستوي الزوايا
(وخط خطًا في الوسط خارجًا منه) أي من الخط المربع (وخط خططًا) بضم الخاء مصححًا عليها
في الفرع وأصله وتكسر وبضم الطاء الأولى وتفتح وهي عن أبي الوقت في نسخة أي خططًا
(صغارًا إلى) جانب (هذا) الخط (الذي في الوسط من جانبه الذي في الوسط). وصورته التي يتنزل
سياق لفظ الحديث عليها .
هكذا
وقيل هكذا
الإنسان
7
وقيل هكذا
(وقال) وَ له. ولأبي ذر فقال بالفاء بدل الواو:
(هذا الإنسان) مبتدأ وخبر أي هذا الخط هو الإِنسان على سبيل التمثيل (وهذا أجله محيط
به) إشارة إلى المربع (أو) قال وير: (قد أحاط به) بالشك من الراوي (وهذا) الخط المستطيل
المنفرد (الذي هو خارج) من وسط الخط المربع (أمله وهذه الخطط) بضم الخاء والطاء الأولى،
ولأبي ذر عن الحموي والمستملي الخطوط (الصغار) أي الشطبات التي في الخط الخارج من وسط
المربع من أسفله أو من أسفله وأعلاه (الأعراض) بالعين المهملة والضاد المعجمة أي الآفات
العارضة له كمرض أو فقد مال أو غيرهما أو المراد بالخطوط المثال لا عدد مخصوص معين (فإن
أخطأه) أي فإن تجاوز عنه (هذا) العرض وسلم منه، ولأبي ذر أخطأ بحذف الضمير وله عن الحموي
والمستملي هذه بالتأنيث (نهشه) بالشين المعجمة أصابه وأخذه (هذا وإن أخطأه هذا) العرض (نهشه)
أخذه (هذا) العرض الآخر وهو الموت، فمن لم يمت بالسبب مات بالأجل، والحاصل أن الإنسان

٤٢٠
کتاب الرقاق/ باب ٥
يتعاطى الأمل ويختلجه الأجل دون الأمل، وسقط لأبي الوقت الهاء من أخطأه في الموضعين،
وعبّر بالنهش وهو لدغ ذوات السم مبالغة في الأخذ.
والحديث أخرجه الترمذي في الزهد والنسائي في الرقاق وابن ماجة في الزهد.
٦٤١٨ - هذّثنا مُسْلِمٌ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ إِسْحُقَ بْنِ عَبْدِ اللَّه بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ
مالِكِ قالَ: خَطَّ النَّبِيِّ وَّهِ خُطُوطًا فَقالَ: ((هذا الأَمَلُ وَهذا أَجَلُهُ، فَبَيْنَما هُوَ كَذلِكَ إِذْ جاءَهُ الْخَطُ
الأَقْرَبُ)).
وبه قال: (حدثنا مسلم) الفراهيدي بالفاء المفتوحة ابن إبراهيم الحافظ البصري قال: (حدثنا
همام) هو ابن يحيى (عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة) زيد بن سهل الأنصاري (عن أنس بن
مالك) رضي الله عنه أنه (قال: خط النبي ◌َلفر خطوطًا فقال):
(هذا الأمل) الذي يؤمله الإِنسان (وهذا أجله) والخط الآخر الإنسان والخطوط الأخر الآفات
التي تعرض له (فبينما) بالميم (هو كذلك) طالب لأمله البعيد (إذ جاءه الخط) الأوسط (الأقرب)
وهو الأجل المحيط به إذ لا شك أن الخيط المحيط هو أقرب من الخط الخارج عنه، وعند البيهقي
في الزهد من وجه آخر عن إسحاق خطّ خطوطًا وخطّ خطًا ناحية ثم قال: هل تدرون ما هذا؟
هذا مثل ابن آدم ومثل التمني، وذلك الخط الأمل بينما يؤمل إذ جاءه الموت. وعند الترمذي من
رواية حماد بن سلمة عن عبيد الله بن أبي بكر بن أنس عن أنس بلفظ: هذا ابن آدم وهذا أجله
ووضع يده عند قفاه ثم بسطها فقال: وثمّ أمله وثمّ أجله أي أن أجله أقرب إليه من أمله.
والحديث أخرجه النسائي في الرقاق.
٥ - باب مَنْ بَلَغَ سِتْنَ سَنَةً فَقَدْ أَعْذَرَ الله إِلَيْهِ فِي الْعُمُرِ
لِقَوْلِهِ: ﴿أَوَ لَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ الَّذِيرُ﴾ [فاطر: ٣٧].
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (من بلغ) من العمر (ستين سنة فقد أعذر الله) عز وجل (إليه
في العمر) وأعذر بالعين المهملة والذال المعجمة والهمزة فيه للإزالة أي أزال الله عذره فلم يبق له
اعتذار كأن يقول: لو مدّ لي في الأجل لفعلت ما أمرت به يقال أعذر إليه إذا بلغه أقصى الغاية
في العذر ومكنه منه، وإذا لم يكن له عذر في ترك الطاعة مع تمكنه منها بالعمر الذي حصل له
فلا ينبغي له حينئذ إلا الاستغفار والطاعة والإقبال على الآخرة بالكلية ونسبة الاعتذار إلى الله
مجازية، والمعنى أن الله تعالى لم يترك للعبد سببًا في الاعتذار يتمسك به (لقوله) عزل: (﴿أو لم
نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر﴾) توبيخ من الله أي فيقول الله تعالى لهم توبيخًا. قال الزجاج:
أي أو لم نعمركم العمر الذي يتذكر فيه من تذكر. وقال أبو البركات النسفي: يجوز أن تكون ما.
نكرة موصوفة أي تعميرًا يتذكر فيه من تذكر. وقال ابن الحاجب: ما لا يستقيم أن تكون نافية من