Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١
كتاب الطلاق/ باب ٢١
(الشهر) المعهود (تسع وعشرون).
٥٢٩٠ - حدثنا قُتَيْبَةُ حَدَّثْنَا الَّلْيُثِ عَنْ تَافِعِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ الله عَنْهُمَا كَانَ يَقُولُ فِي
الإيلاءِ الَّذي سَمَّى الله تَعالى: لا يَحِلُّ لأَحَدٍ بَغْدَ الأَجَلِ إِلاَّ أَنْ يُمْسِكَ بِالْمَعْرُوفِ أَوْ يَعْزِمَ
بِالطَّلاَقِ كَمَا أَمَرَ الله عَزَّ وَجَلَّ. وَقَالَ لي إِسْماعيلُ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ تَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَّرَ إِذَا
مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، يُوقَفُ حَتَّى يُطَلِّقَ وَلاَ يَقَعُ عَلَيْهِ الطَّلاَقُ حَتَّى يُطَلْقَ. وَيُذْكَّرُ ذُلِكَ عَنْ عُثْمَانَ
وَعَلِيٍّ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَعَائِشَةَ وَأَثْنَيْ عَشَرَ رَجُلاً مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ وَِّ.
وبه قال: (حدّثنا قتيبة) بن سعيد قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن نافع) مولى ابن
عمر (أن ابن عمر رضي الله عنهما كان يقول في الإيلاء الذي سمى الله تعالى) في الآية السابقة
(لا يحل لأحد بعد الأجل إلا أن يمسك بالمعروف) بأن يطأ (أو يعزم بالطلاق) ولأبي ذر وابن
عساكر: الطلاق بإسقاط الجار (كما أمر الله عز وجل) بقوله: ﴿وإن عزموا الطلاق)
[البقرة: ٢٢٧] فإن امتنع من الفيئة والطلاق طلق عليه القاضي نيابة عنه على الأظهر والثاني لا
يطلق عليه لأن الطلاق في الآية مضاف إليه بل يكرهه ليفيء أو يطلق، وقال الحنفية: إن فاء
بالجماع قبل انقضاء المدة استمرت عصمته وإن مضت المدة وقع الطلاق بنفس مضي المدة قال
المؤلف :
(وقال لي إسماعيل) بن أبي أويس المذكور (حدثني) بالإفراد (مالك) الإمام (عن نافع عن ابن
عمر) رضي الله عنهما أنه قال: (إذا مضت أربعة أشهر) من حين الإيلاء (يوقف) الحكم
والكشميهني يوقفه (حتى) يفيء أو (يطلق) بنفسه (ولا يقع عليه الطلاق) بانقضاء المدة (حتى
يطلق) هو (ويذكر) بضم أوّله وفتح الكاف (ذلك) المذكور من الوقف حتى يطلق (عن عثمان)
فيما وصله الشافعي وابن أبي شيبة من طريق طاوس عنه لكن في سماع طاوس من عثمان نظر
نعم ورد ما يعضده إلا أنه جاء عن عثمان خلافه عند عبد الرزاق والدارقطني (وعلّ) فيما وصله
الشافعي وابن أبي شيبة بسند صحيح (وأبي الدرداء) فيما وصله ابن أبي شيبة وإسماعيل القاضي
بسند صحيح إن ثبت سماع سعيد بن المسيب من أبي الدرداء (وعائشة) فيما أخرجه سعيد بن
منصور بسند صحيح (واثني عشر رجلاً من أصحاب النبي وَل) فيما أخرجه المؤلف في تاريخه
وهو قول مالك والشافعي وأحمد وسائر أصحاب الحديث.
وأجاب الشيخ كمال الدين عن حديثي الباب بما أخرجه ابن أبي شيبة قال: حدّثنا أبو
معاوية عن الأعمش عن حبيب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس وابن عمر قالا: إذا آلى فلم
يفىء حتى مضت أربعة أشهر فهي تطليقة بائنة قال: ورجال هذا السند كلهم أخرج لهم الشيخان
فهم رجال الصحيح فينتهض معارضًا ولم يبق إلا قول من قال بأن أصح الحديث ما في الصحيحين
ثم ما كان على شرطهما إلى آخر ما عرف. قال: وهذا تحكم محض لأنه إذا كان الفرض أن المروي

٦٢
كتاب الطلاق/ باب ٢٢
على نفس الشرط المعتبر عندهما فلم يفته إلا كونه لم يكتب في خصوص أوراق معينة ولا أثر لذلك
وقول البخاري أصح الأسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر لم يوافق عليه فقد قال غيره غيره،
وقال المحققون: إن ذلك يتعذر الحكم به وإنما يمكن بالنسبة إلى صحابي وبلد فيقال أصحها عن
ابن عمر: مالك عن نافع عنه، وعن أبي هريرة: الزهري عن سعيد بن المسيب عنه، وأصح
أسانيد الشاميين الأوزاعي عن حسان بن عطية عن الصحابة ونحو ذلك وأحسن من هذا الوقوف
عن اقتحام هذه فإن في خصوص الموارد ما قد يلزم الوقوف عن ذلك. نعم قد يكون الراوي
المعين أكثر ملازمة لمعين من غيره فيصير أدرى بحديثه وأحفظ له منه على معنى أنه أكثر إحاطة
بأفراد متونه وأعلم بعادته في تحديثه وعند تدليسه إن كان وبقصده عند إبهامه وإرساله ممن لم
يلازمه تلك الملازمة أما في فرد معين فرض أن غيره ممن هو مثله في ملكة النفس والضبط أو
أرفع سمعه منه فأتقنه وحافظ عليه كما حافظ على سائر محفوظاته، ويكون ذلك مقدمًا عليه في
روايته بمعارضة فما هو إلا محض تحكم فإن بعد هذا الفرض لم تبق زيادة الآخر إلا بالملازمة
وأثرها الذي يزيد به على الآخر إنما هو بالنسبة إلى مجموع متونه لا بالنسبة إلى خصوص متن
انتھی.
وقد سبق ما احتجّ به الإمام الشافعي من ظاهر الآية مع قول أكثر الصحابة والترجيح يقع
بالأكثر مع موافقة ظاهر القرآن وقد نقل ابن المنذر عن بعض الأئمة قال: لم نجد في شيء من
الأدلة أن العزيمة على الطلاق تكون طلاقًا ولو جاز لكان العزم على الفيء يكون فيئًا ولا قائل به،
وليس في شيء من اللغة أن اليمين التي لا ينوى بها الطلاق تقتضي طلاقًا والعطف بالفاء على
الأربعة الأشهر يدل على أن التخيير بعد مضي المدة وحينئذٍ فلا يتجه وقوع الطلاق بمجرد مضي
المدة والجواب السابق عن ذلك وإن كان بديعًا لكنه لا يخلو عن شيء من التعسف، ولئن سلمنا
انتهاض حديث ابن أبي شيبة السابق لحديثي الباب فيبقى النظر في هل يستدل بذلك والآية أظهر
في الدلالة لنا على ما لا يخفى.
٢٢ - باب حُكْمِ الْمَفْقُودِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ
وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ إِذَا فُقِدَ فِي الصَّفِّ عِنْدَ الْقِتْالِ تَرَبَّصُ امْرَأَتُهُ سَنَةً. وَاشْتَرَى ابْنُ مَسْعُودٍ
جَارِيَةً وَالْتَمَسِ صَاحِبَهَا سَنَّةٌ فَلَمْ يَجِدُهُ وَفُقِدَ، فَأَخَذَ يُعْطِي الدِّرْهَمَ وَالدْرهَمَيْنٍ وَقَالَ: اللَّهُمَّ عَنْ
فُلانٍ فَإِنْ أَبِى فُلأَنٌ فَلِي وَعَليَّ، وَقَالَ: هَكَذَا فَافْعَلُوا بِاللُّقَطَةِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ. وَقَالَ
الزُّهْرِيُّ فِي الأَسِيرِ يُعْلَمُ مَكَانُهُ: لا تَتَزَوَّجُ امْرَأَتُهُ وَلاَ يُقْسَمُ مُالُهُ، فَإِذَا أَنْقَطَعِ خَبَرُهُ فَسُنَّتُهُ سُنَّةُ
الْمَفْقُودِ .
(باب حكم المفقود في أهله وماله. وقال ابن المسيب): سعيد مما وصله عبد الرزاق (إذا
فقد) الرجل (في الصف عند القتال) في سبيل الله (تربص) بفتح الفوقية وضم الصاد المهملة أصله

٦٣
کتاب الطلاق/ باب ٢٢
تتربص فحذفت إحدى التاءين يعني تنتظر (امرأته سنة) وإلى هذا ذهب مالك لكنه فرق بين ما إذا
وقع القتال بدار الحرب أو دار الإسلام.
(واشترى ابن مسعود) عبد الله فيما وصله سفيان بن عيينة في جامعه وسعيد بن منصور
(جارية) بسبعمائة درهم (والتمس) بالواو أي طلب ولأبي ذر وابن عساكر فالتمس (صاحبها سنة)
ليدفع له ثمنها إذ غاب عنه (فلم يجده) وللكشميهني فلم يوجد (وفقد) بضم الفاء وكسر القاف
فخرج بها إلى المساكن (فأخذ يعطي) هم من ثمنها (الدرهم والدرهمين وقال: اللهم) تقبله (عن
فلان) صاحبها (فإن أبى) بالموحدة امتنع كذا للكشميهني ولغيره فإن أتى بالفوقية بدل الموحدة أي
فإن جاء (فلان فلي) الثواب (وعلّ) أن أقضيه ثمنها (وقال) أي ابن مسعود: (هكذا فافعلوا) ولأبي
ذر افعلوا بإسقاط الفاء (باللقطة) بعد تعريفها.
(وقال ابن عباس) فيما وصله سعيد بن منصور (نحوه) أي نحو قول ابن مسعود وهذا
المذكور من قوله واشترى إلى آخره ثابت في رواية المستملي والكشميهني.
(وقال الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب مما وصله ابن أبي شيبة (في الأسير) في أرض
العدو (يعلم مكانه لا تتزوج) بتاءين ولابن عساكر تزوج (امرأته ولا يقسم ماله فإذا انقطع خبره
فسنّته سنّة المفقود) فحكمه حكم المفقود، ومذهب الزهري في امرأة المفقود التربص أربع سنين،
ومذهب الشافعية إن قامت بيّنة بموته أو حكم قاض به بمضي مدة من ولادته لا يعيش فوقها ظنًّا
قسمت ترکته حينئذٍ ثم تعتدّ زوجته.
٥٢٩٢ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ يَخْيَى بْنِ سَعيدٍ عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ
أَنَّ النَّبِيِّ وَّرِ سُئِلَ عَنْ ضُالَّةِ الْغَمِ فَقَالَ: ((خُذْهَا فَإِنَّمَا هِيَ لَكَ أَوْ لِأَخيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ)). وَسُئِلَ عَنْ
ضُالَّةِ الإِبِلِ، فَغَضِبَ وَأَحْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ وَقَالَ: (مَا لَكَ وَلَها، معَهَا الْحِذَاءُ وَالسِّقَاءُ، تَشْرَبُ الْمَاءَ
وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ، حَتَّى يَلْقَاهُا رَبُّها)). وَسُئِلَ عَنِ اللَّقَطَةِ. فَقَالَ: ((أَغْرِفُ وكَاءَهَا وَعِفَاصَها وَعَرِّفْها
سَنَةٌ. فَإِنْ جَاءَ مَنْ يَعْرِفُهَا، وَإِلاَّ فَاخْلطُهَا بِمُالِكَ)). قَالَ سُفْيَانُ: فَلَقِيتُ رَبِيعَةَ بْنَ أَبي
عَبْدِ الرَّحْمُنِ: وَلَمْ أَحْفَظْ عَنْهِ شَيْئًا غَيْرَ هُذَا فَقُلْتُ: أَرَأَيْتَ حَديثَ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ فِي أَمْرٍ
الضَّالَّةِ هُوَ عَنْ زَيْدِ بْنِ خالِدٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ يَحْيِى: وَيَقُولُ رَبيعةُ عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ عَنْ
زَيْدِ بْنِ خالِدٍ، قَالَ سُفْيَانُ: فَلَقِيتُ رَبِيعَةً فَقُلْتُ لَهُ.
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن يحيى بن
سعيد) الأنصاري (عن يزيد) من الزيادة (مولى المنبعث) بضم الميم وسكون النون وفتح الموحدة
وكسر العين المهملة بعدها مثلثة التابعي (أن النبي ◌َّير سئل) بضم السين وكسر الهمزة (عن ضالة
الغنم فقال) ولابن عساكر قال:

٦٤
كتاب الطلاق/ باب ٢٣
(خذها فإنما هي لك) إن أخذتها وعرفتها سنة ولم تجد صاحبها (أو لأخيك) في الدين
ملتقط آخر (أو للذئب) إن تركتها ولم يأخذها غيرك لأنها لا تحمي نفسها (وسئل) وَّر (عن ضالة
الإبل) ما حكمها (فغضب واحمرّت وجنتاه) من الغضب (وقال: ما لك ولها) استفهام إنكاري
(معها الحذاء) بكسر الحاء المهملة وبالذال المعجمة ممدودًا خف تقوى به على السير (والسقاء) بكسر
السين المهملة الجوف (تشرب الماء) قدر ما يكفيها حتى ترد ماء آخر (وتأكل الشجر حتى يلقاها
ربها) مالكها (وسئل) وَّر (عن اللقطة) بفتح القاف على المشهور والفرق بينها وبين الضالة أن
الضالة مختصة بالحيوان (فقال) عليه الصلاة والسلام: (اعرف وكاءها) بكسر الواو والمد الخيط
المشدودة به (وعفاصها) بكسر العين المهملة بعدها فاء فألف فصاد مهملة وعاءها الذي هي فيه
(وعرفها) إذا كانت كثيرة (سنة) لا قليلة والتخصيص بذلك من باب استنباط معنى من النص العام
يخصصه (فإن جاء مَن يعرفها) بسكون العين عددًا وصفة ووعاء ووكاء فادفعها إليه (وإلا فاخلطها)
بهمزة وصل (بمالك) وتصرف فيها على جهة الضمان.
(قال سفيان) بن عيينة (فلقيت ربيعة بن أبي عبد الرحمن) المشهور بالرأي (ولم أحفظ عنه
شيئًا غير هذا فقلت) له: (أرأيت حديث يزيد) أي أخبرني عن حديث يزيد (مولى المنبعث في أمر
الضالة هو عن زيد بن خالد)؟ استفهام محذوف الأداة (قال: نعم) عنه. قال سفيان: (قال يحيى)
يعني ابن سعيد الذي حدَّثني به مرسلاً (ويقول ربيعة) الرأي أنه حدّث به (عن يزيد مولى المنبعث
عن زيد بن خالد. قال سفيان: فلقيت ربيعة) الرأي (فقلت له) القول السابق أرأيت حديث يزيد
إلى آخره. والحاصل كما في الفتح أن يحيى بن سعيد حدّث به عن يزيد مولى المنبعث مرسلاً ثم
ذكر لسفيان أن ربيعة يحدّث به عن يزيد مولى المنبعث عن زيد بن خالد فيوصله فحمل ذلك
سفيان على أن لقي ربيعة فسأله عن ذلك فأقر به. قيل: ومطابقة الحديث للترجمة من جهة أن
الضالة كالمفقود فكما لم يزل ملك المالك فيها فكذلك يجب أن يكون النكاح باقيًا بينهما.
وقد سبق الحديث مرات في اللقطة.
٢٣ - باب الظُّهَارِ
وَقَوْلِ الله تَعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللهِ قَوْلَ الَّتِي تُجْدِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ - إلى قَوْلِهِ - ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ
فَإِطْعَامُ سِتِينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ١] وَقَالَ لي إسْماعيلُ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ عَنْ ظِهَارِ
الْعَبْدِ، فَقَالَ: نَحْوُ ظِهَارِ الْحُرِّ، قَالَ مَالِكٌ: وَصِيَامُ الْعَبْدِ شَهْرَانٍ، وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ الْحُرِّ: ظِهَارُ الْحُرِّ
وَالْعَبْدِ مِنَ الْحُرَّةِ وَالأَمَةِ سَوَاءٌ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ إِنْ ظَاهَرَ مِنْ أَمَتِهِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ إِنَّمَا الظُّهَارُ مِنَ
النِّساءِ، وَفِي الْعَرَبِيَّةِ لِمَا قَالُوا: أَيْ فِيمًا قَالُوا، وَفي بَعْضٍ مَا قَالُوا، وَهُذَا أَوْلى، لأَنَّ الله تَعالى
لَمْ يدُلَّ عَلَى الْمُنْكُرِ وَقَوْلِ الزُّورِ.
(باب الظهار) بكسر المعجمة.

٦٥
كتاب الطلاق/ باب ٢٣
قال الشيخ كمال الدين: هو لغة مصدر ظاهر وهو مفاعلة من الظهر فيصح أن يراد به معانٍ
مختلفة ترجع إلى الظهر معنًى ولفظًا بحسب اختلاف الأغراض فيقال: ظاهرت أي قابلت ظهرك
بظهره حقيقة وإذا غايظته أيضًا وإن لم تدابره حقيقة باعتبار أن المغايظة تقتضي هذه المقابلة وظاهرته
إذا نصرته باعتبار أنه يقال قوي ظهره إذا نصره وظاهر من امرأته وأظهر وتظاهر واظاهر وظهر
وتظهر إذا قال لها أنت عليّ كظهر أمي، وظاهر بين ثوبين إذا لبس أحدهما فوق الآخر على اعتبار
جعل ما يلي به كل منهما الآخر ظهرًا للثوب وغاية ما يلزم كون لفظ الظهر في بعض هذه
التراكيب مجازًا وكونه مجازًا لا يمنع الاشتقاق منه ويكون المشتق مجازًا أيضًا، وقد قيل الظهر هنا
مجاز عن البطن لأنه إنما يركب البطن فكظهر أمي أي كبطنها بعلاقة المجاورة ولأنه عموده لكن لا
يظهر ما هو الصارف عن الحقيقة من النكات وقيل خص الظهر لأن إتيان المرأة من ظهرها كان
حرامًا فإتيان أمه من ظهرها أحرم فكثر التغليظ في الشرع هو تشبيه الزوجة في الحرمة بمحرمه.
(وقول الله تعالى: ﴿قد سمع الله قول التي تجادلك﴾) أي تحاورك (﴿في زوجها﴾) في شأنه
(- إلى قوله -) تعالى: (﴿فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا﴾) [المجادلة: ١] كذا لأبي ذر وعند
ابن عساكر بعد قوله زوجها الآية وحذف ما بعدها.
وعن عائشة فيما رواه الإمام أحمد أنها قالت: الحمد لله الذي وسع سمعه سمع الأصوات
لقد جاءت المجادلة إلى النبي ◌ّ ﴾ تكلمه وأنا في جانب البيت ما أسمع ما تقول فأنزل الله عز
وجل: ﴿قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها﴾ إلى آخر الآية. وكذا رواه البخاري في كتاب
التوحيد معلقًا.
وعند النسائي وابن ماجة عن عائشة أيضًا تبارك الذي أوعى سمعه كل شيء إني أسمع كلام
خويلة بنت ثعلب ويخفى علي بعضه وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله وَ لجر وهي تقول: يا رسول
الله أكل شبابي ونثرت له بطني حتى إذا كبرت سني وانقطع ولدي ظاهر مني اللّهمّ إني أشكو
إليك. قالت: فما برحت حتى نزل جبريل بهذه الآية ﴿قد سمع الله قول التي تجادلك﴾ إلى آخر
الآية، وزوجها هو أوس بن الصامت. قال في النهاية: وفي أسماء الله تعالى السميع وهو الذي
لا يغيب عن إدراكه مسموع وإن خفي فهو يسمع بغير جارحة. وقال الراغب: السمع قوّة في
الأُذن بها تدرك الأصوات فإذا وصف الله تعالى بالسمع فالمراد علمه بالمسموعات، وروي أنها
قالت: إن لي صبية صغارًا إن ضممتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إليّ جاعوا، فقال لها وَلتر: ((ما
عندي في أمرك شيء)» وروي أنه قال لها: ((حرمت عليه)) فقالت أشكو إلى الله فاقتي ووجدي
كلما قال رسول الله وَ لجر: ((حرمت عليه)) هتفت وشكت فهذا هو جدالها. وفي الطبراني من
حديث ابن عباس قال: كان الظهار في الجاهلية يحرم النساء فكان أوّل من ظاهر في الإسلام
أوس بن الصامت وكانت امرأته خويلة الحديث.
وأركان الظهار: زوجان ومشبه به وصيغة.
إرشاد الساري/ ج ١٢ / م ٥

٦٦
كتاب الطلاق/ باب ٢٣
فشرط الزوج صحة طلاقه ولو عبدًا أو كافرًا أو خصيًا أو سكران.
والمشبه به كل أنثى محرم أو جزء أنثى محرم بنسب أو رضاع أو مصاهرة لم تكن حلاً للزوج.
والصيغة لفظ يُشعِر بالظهار صريح كأنت أو رأسك عليّ كظهر أمي أو كجسمها أو كناية
كأنت أمي وتلزمه الكفّارة بالعود للآية وهو أن يمسكها بعد الظهار مع إمكان فراقها.
قال البخاري: (وقال لي إسماعيل) بن أبي أويس (حدّثني) بالإفراد (مالك) الإمام (أنه سأل
ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن) حكم (ظهار العبد فقال: نحو ظهار الحر) كالطلاق
(قال مالك: وصيام العبد) في كفارة الظهار (شهران) كالحر واختلف في الإطعام والعتق فذهب
الحنفية والشافعية إلى أن لا يجزئه إلا الصيام فقط وقال ابن القاسم عن مالك إن أطعم بإذن سيده
أجزأه (وقال الحسن بن الحر): بضم الحاء المهملة وتشديد الراء ابن الحكم النخعي الكوفي نزيل
دمشق وليس له في البخاري إلا هذا ولأبي ذر عن المستملي كما في الفتح ابن حي بفتح الحاء
المهملة وتشديد التحتية نسبة لجد أبيه وهو الحسن بن صالح بن حي الهمداني الثوري الفقيه أحد
الأعلام، ولأبي ذر عن المستملي مما في الفرع: الحسن فقط من غير نسب فيحتملهما (ظهار الحر
والعبد من الحرة والأمة سواء) إذا كانت الأمة زوجة فلو قال السيد لأمته: أنت علّ كظهر أمي لم
يصح عند الشافعية لاشتراطهم الزوجية خلافًا للمالكية، واحتجوا بأنه فرج حلال فيحرم بالتحريم
ومنشأ الخلاف هل تدخل الأمة في قوله تعالى: ﴿منكم من نسائهم﴾ [المجادلة: ٢] قال في
التوضيح: ولا شك أنها من النساء لغة لكن العرف تخصيص هذا اللفظ بالزوجات وقد أخرج ابن
الأعرابي في معجمه من طريق همام سئل قتادة عن رجل ظاهر من سريته فقال: قال الحسن وابن
المسيب وعطاء وسليمان بن يسار: مثل ظهار الحرة. (وقال عكرمة) فيما وصله إسماعيل القاضي
بسند لا بأس به: (إن ظاهر) الرجل (من أمته فليس بشيء إنما الظهار من النساء) الحرائر.
وهذا مذهب الحنفية: والشافعية لقوله: ﴿من نسائهم﴾ وليست الأمة من النساء، ولقول ابن
عباس إن الظهار كان طلاقًا ثم أحلّ بالكفارة فكما لا حظّ للأمة في الطلاق لا حظّ لها في
الظهار، واعلم أنه يحرم بالظهار قبل التكفير الوطء والاستمتاع بما بين السرّة والركبة فقط
كالحيض لأن الظهار معنى لا يخلّ بالملك، ولأنه تعالى أوجب التكفير في الآية قبل التماس حيث
قال في الإعتاق والصوم: ﴿من قبل أن تماسا﴾ [المجادلة: ٣] ويقدر مثله في الإطعام حملاً
المطلق على المقيد وروى أبو داود وغيره من حديث أنه وم * قال لرجل ظاهر من امرأته وواقعها
((لا تقربها حتى تكفر) وتجب الكفارة بالعود وهو أن يمسكها زمانًا يمكنه مفارقتها فيه فلم يفعل
لقوله تعالى: ﴿والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا﴾ [المجادلة: ٣] لأن دخول الفاء
في خبر المبتدأ الموصول دليل على الشرطية كقوله: الذي يأتيني فله درهم، ومقصود الظهار وصف
المرأة بالتحريم وإمساكها يخالفه وهل وجبت الكفارة بالظهار والعود أو بالظهار والعود شرط أو
بالعود لأنه الجزء الأخير. أوجه ذكرها في الروضة من غير ترجيح، والأول هو ظاهر الآية الوافق

٦٧
کتاب الطلاق/ باب ٢٣
لترجيحهم أن كفارة اليمين تجب باليمين والحنث جميعًا، ولأن الظهار كما قاله الشيخ كمال الدين
كبيرة فلا يصلح سببًا للكفارة لأنها عبادة أو المغلب فيها معنى العبادة ولا يكون المحظور سببًا
للعبادة فتعلق وجوبها بهما ليخف معنى الحرمة باعتبار العود الذي هو إمساك بمعروف فيكون دائرًا
بين الحظر والإباحة فيصلح سببًا للكفارة الدائرة بين العبادة والعقوبة ثم إن اللام في قوله تعالى:
﴿لما قالوا﴾ متعلقة بيعودون قاله مكي، وزاد وما والفعل مصدر أي لقولهم والمصدر في موضع
المفعول به نحو هذا درهم ضرب الأمير أي مضروبه على أن ذلك يجوز، وإن كانت غير مصدرية
بل لكونها بمعنى الذي أو نكرة موصوفة بل جعلها غير مصدرية أولى لأن المصدر المؤول فرع
المصدر الصريح ووضع المصدر موضع اسم المفعول خلاف الأصل فيلزم الخروج عن الأصل
بشيئين بالمصدر المؤوّل ثم وقوعه موقع اسم المفعول، والمحفوظ إنما هو وضع المصدر الصريح
موضع المفعول لا المصدر المؤوّل، وقيل اللام تتعلق ﴿بتحرير﴾ [المجادلة: ١] وفي الكلام تقديم
وتأخير، والتقدير والذين يظاهرون من نسائهم فعليهم تحرير رقبة لما نطقوا به من الظهار ثم
يعودون للوطء بعد ذلك والعود الصيرورة ابتداء أو بناء فمن الأوّل قوله تعالى: ﴿حتى عاد
كالعرجون القديم﴾ [يَس: ٣٩] ومن الثاني و﴿إن عدتم عدنا﴾ [الإسراء: ٨] ويعدى بنفسه
کقوله: عدته إذا أتيته وصرت إليه أو بحرف الجر بإلى وعلى وفي واللام كقوله تعالى: ﴿ولو ردوا
لعادوا لما نهوا عنه﴾ [الأنعام: ٢٨] ومنه ﴿ثم يعودون لما قالوا﴾ [المجادلة: ٣] أي لنقض ما
قالوا أو لتداركه على حذف المضاف وعن ثعلبة يعودون لتحليل ما حرموا على حذف المضاف أيضًا
غير أنه أراد بما قالوا ما حرموه على أنفسهم بلفظ الظهار تنزيلاً للقول منزلة المقول فيه كقوله:
ونرثه ما يقول أراد المفعول فيه وهو المال والولد، وقال بعضهم: العود للقول عود بالتدارك لا
بالتكرار وتداركه نقضه بنقيضه الذي هو العزم على الوطء ومن حمله على الوطء قال: لأنه المقصود
بالمنع، ويحمل قوله: ﴿من قبل أن يتماسا﴾ أي مرة ثانية. ورأى أكثر العلماء قوله: ﴿من قبل أن
يتماسا﴾ منعًا من الوطء قبل التكفير حتى كأنه قال: لا تماس حتى تكفر.
والحاصل أن يعودون إما أن يجرى على حقيقته أو محمول على التدارك مجازًا إطلاقًا لاسم
المسبب على السبب لأن المتدارك للأمر عائد إليه، وإن ما قالوا إما عبارة عن القول السابق أو عن
مسماه وهو تحريم الاستمتاع وقال ابن عباس: يعودون يندمون فيرجعون إلى الألفة لأن النادم
والتائب متدارك لما صدر عنه بالتوبة والكفارة وأقرب الأقوال إلى هذا ما ذهب إليه الشافعي،
وذلك أن القصد بالظهار التحريم فإذا أمسكها على النكاح فقد خالف قوله ورجع عما قاله فكأنه
قيل والذين يعزمون على المفارقة والتحريم ويتكلمون بذلك القول الشنيع ثم يمسكون عنه زمانًا
أمارة على العود إلى ما كانوا عليه قبل الظهار فكفارة ذلك كذا. وقال داود وأتباعه: المراد يعودون
إلى اللفظ الذي سبق منهم وهو قول الرجل ثانيًا: أنت عليّ كظهر أمي فلا تلزم الكفارة بالقول
الأول وإنما تلزم بالثاني، وقال بهذا أبو العالية وبكير بن الأشج من التابعين وكذا الفراء وقد رده
البخاري فقال:

٦٨
كتاب الطلاق/ باب ٢٤
(وفي العربية) تستعمل اللام في نحو قوله تعالى: (﴿لما قالوا﴾) بمعنى في (أي فيما قالوا،
وفي بعض) بالموحدة المفتوحة وسكون العين المهملة ولابن عساكر وأبي ذر عن الحموي والمستملي
وفي نقض بالنون والقاف والضاد المعجمة فيهما (ما قالوا) والثانية أوجه وأصح أي أنه يأتي بفعل
ينقض قوله الأول وهو العزم على الإمساك المناقض للظهار قال المؤلف: (وهذا أولى) من قول داود
الأصبهاني الظاهري إن المراد من الآية ظاهرها وهو أن يقع العود بالقول بأن يعيد لفظ الظهار فلا
تجب الكفارة إلا به (لأن الله تعالى لم يدل على المنكر) المحرم (وقول الزور) ولابن عساكر: وعلى
قول الزور المشار إليه في الآية بقوله: ﴿وإنهم ليقولون منكرًا من القول﴾ [المجادلة: ٢] أي تنكره
للحقيقة والأحكام الشرعية وزورًا كذبًا باطلاً منحرفًا عن الحق فكيف يقال إنه إذا أعاد هذا اللفظ
الموصوف بما ذكر يجب عليه أن يكفر ثم تحلّ له المرأة وإنما المراد وقوع ضد ما وقع منه من
المظاهرة .
وفي الظهار أحاديث في أبي داود والترمذي والنسائي لم يذكرها المؤلف لأنها ليست على
شرطه والله الموفق والمعين.
٢٤ - باب الإِشْارَةِ فِي الطَّلاَقِ وَالأُمُورِ
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ قَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((لا يُعَذِّبُ الله بِدَمْع الْعَيْنِ، وَلْكِنْ يُعَذِّبُ بِهُذُ))، فَأَشَارَ إِلى
لِسانِهِ. وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مُالِكِ: أَشْارَ النَّبِيُّ وَ إِلَيَّ أَيْ خُذِ النَّصْفَ، وَقَالَتْ أَسْمَاءُ: صَلَّى
النَّبِيِّ نَّه فِي الْكُسُوفِ، فَقُلْتُ لِعَائِشَةَ مَا شَأْنُ النَّاسِ فَأَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا إِلَى الشَّمْسِ، فَقُلْتُ آيَةٌ؟
فَأَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا وَهِيَ تُصَلّي، أَنْ نَعَمْ. وَقَالَ أَنَسّ أَوْمَأَ النَّبِيُّ ◌َهَ بِيَدِهِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ أَنْ يَتَقَدَم وقَالَ
ابْنُ عَباس: أوْمَأَ النَّبِيِّ نَّهِ بِيَدِهِ لا حَرَجَ. وَقَالَ أَبُو قَتَادَةَ: قَالَ النَّبِيَّ وَّهِ فِي الصَّيْدِ لِلْمُخْرِمِ:
أَحَدٌ مِنْكُمْ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْها أوْ أَشَارَ إِلَيْها قَالُوا: لاْ قَالَ: ((فَكُلُوا)) .
(باب) حكم (الإشارة) المفهمة للأصل والعدد من الأخرس وغيره (في الطلاق و) غيره من
(الأمور) الشرعية وقد ذهب الجمهور إلى أن الإشارة إذا كانت مفهمة تقوم مقام النطق فلو قال
لزوجته: أنت طالق وأشار بإصبعين أو ثلاث لم يقع عدد إلا مع نيته عند قوله طالق ولا اعتبار
بالإشارة هنا ولا بقوله أنت هكذا وأشار بما ذكر أو مع قوله هكذا وإن لم ينوِ عددًا فتطلق في
إصبعين طلقتين وفي ثلاثًا ثلاثًا لأن ذلك صريح فيه ولا بد أن تكون الإشارة مفهمة لذلك كما
نقله في الروضة عن الإمام وأقره فلو قالت له: طلقني فأشار بيده أن اذهبي وكان غير أخرس
فالإشارة لغو لأن عدوله إليها عن العبارة يفهم أنه غير قاصد للطلاق وإن قصده بها فهي لا تقصد
للإفهام إلا نادرًا ولا هي موضوعة له بخلاف الكتابة فإنها حروف موضوعة للإفهام كالعبارة ويعتد
بإشارة الأخرس، وإن قدر على الكتابة في طلاق وغيره كبيع ونكاح وإقرار ودعوى وعتق لأن
إشارته قامت مقام عبارته لا في الصلاة فلا تبطل بها ولا في الشهادة فلا تصح بها ولا في حنث

٦٩
كتاب الطلاق/ باب ٢٤
بها فلا يحصل في الحلف على عدم الكلام فإن فهمها كل أحد فصريحة وإن اختص بها فطنون
فكناية تحتاج إلى النية .
ثم أخذ المؤلف يذكر آثارًا وأحاديث تتضمن ذكر إشارات لأحكام مختلفة تنبيهًا منه على أن
الإشارة بالطلاق وغيره قائمة مقام النطق وأنه إذا اكتفى بها عن النطق مع القدرة عليه فمع عدم
القدرة عليه أولى فقال رحمه الله :
(وقال ابن عمر) رضي الله عنهما فيما وصله في الجنائز مطولاً (قال النبي وَلفيه: لا يعذب
الله بدمع العين ولكن يعذب بهذا، فأشار) بالفاء ولأبي ذر وابن عساكر: وأشار (إلى لسانه) فيه أن
الإشارة المفهمة كنطق اللسان.
(وقال كعب بن مالك) فيما وصله في الملازمة (أشار النبي (وَ# إلّ) في دين كان لي على
عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي بيده (أي) وللكشميهني أن (خذ النصف) أي واترك ما عداه
(وقالت أسماء) بنت أبي بكر رضي الله عنهما فيما وصله في الكسوف (صلى النبي وَّر في
الكسوف) فأطال القيام (فقلت لعائشة) وهي قائمة تصلي مع الناس (ما شأن الناس؟ فأومأت)
وللكشميهني فأشارت (برأسها إلى الشمس فقلت) لها (آية. فأومأت) وللكشميهني فأشارت
(برأسها وهي تصلي أن) ولأبي ذر أي (نعم) آية (وقال أنس) مما سبق موصولاً في باب أهل العلم
والفضل أحق بالإمامة من كتاب الصلاة: (أومأ) أي أشار (النبي وَي بيده إلى أبي بكر أن يتقدم)
إلى الصف في الصلاة الحديث الخ، (وقال ابن عباس) فيما وصله في كتاب العلم في باب الفتيا
بإشارة اليد والرأس (أومأ النبي وَ *) لما سئل في حجته عن الذبح قبل الرمي (بيده لا حرج) في
التقديم ولا في التأخير. (وقال أبو قتادة) فيما سبق موصولاً في الحج في باب لا يشير المحرم إلى
الصيد (قال النبي ◌َّيه) لأصحابه (في الصيد للمحرم) لما رأوا حمر وحش في مسيرهم لحجة الوداع
وحمل عليها أبو قتادة فعقرها هل (أحد منكم أمره أن يحمل عليها. وأشار إليها) وفي اليونينية
أحد بمد فوق الهمزة للاستفهام (قالوا: لا، قال: فكلوا) ما بقي من لحمها.
٥٢٩٣ - حدثنا عَبْدُ الله بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو وحَدَّثَنْا إِبراهيمُ
عَنْ خَالِدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: طَافَ رَسُولُ اللهِوَِّ عَلى بَعِيرِهِ، وَكَانَ كُلَّمَا أَتَى عَلَى
الرُّكْنِ أَشَارَ إِلَيْهِ وَكَبَّرَ وَقَالَتْ زَيْنَبُ: قَالَ النَِّيُّ ◌َهِ: ((فُتِحَ مِنْ رَدْمٍ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، مِثْلُ هذِهِ
وَهُذِهِ . وعَقَدَ تِسْعينَ.
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن محمد) المسندي قال: (حدّثنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو)
بفتح العين العقدي قال: (حدّثنا إبراهيم) هو ابن طهمان فيما جزم به المزي وقيل أبو إسحلق
الفزاري (عن خالد) الحذاء (عن عكرمة عن ابن عباس) رضي الله عنهما أنه (قال طاف رسول
الله ◌َي) حال كونه راكبًا (على بعيره وكان كلما أتى على الركن) الذي فيه الحجر الأسود (أشار

٧٠
كتاب الطلاق/ باب ٢٤
إليه) للاستلام بشيء في يده (وكبّر) الحديث إلى آخره (وقالت زينب) بنت جحش فيما سبق
موصولاً في باب علامات النبوة (قال النبي ◌ِّر):
(فتح) بضم الفاء وكسر الفوقية اليوم (من ردم يأجوج ومأجوج) وسقط لأبي ذر من ردم
(مثل هذه وهذه. وعقد تسعين) بتقديم الفوقية على السين وعقد الأصابع نوع من الإشارة
المفهمة .
٥٢٩٤ - حدّثنا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ عَلْقَمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سيرينَ
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً قَالَ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِوََّ: ((فِي الْجُمْعَةِ سَاعَةٌ لا يُؤْافِقُها مُسْلِمٌ قَائِمٌ يُصَلِّي يَسْأَلُ
الله خَيْرًا إِلاَّ أَعْطَاهُ: وَقَالَ: بِيَدِهِ وَوَضَعَ أَنْمُلْتَهُ عَلى بَطْنِ الْوُسْطَى وَالْخِنْصِرِ. قُلْنَا يُزَهِّدُها. قَالَ:
وَقَالَ الأُوَيْسِيُّ.
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال (حدّثنا بشر بن المفضل) بكسر الموحدة
وسكون المعجمة والمفضل بضم الميم وفتح الضاد المعجمة البصري قال: (حدّثنا سلمة بن علقمة)
التميمي بغير ميم في أول سلمة (عن محمد بن سيرين) وسقط لابن عساكر لفظ محمد (عن أبي
هريرة) رضي الله عنه أنه (قال: قال أبو القاسم ◌َّ):
(وفي الجمعة ساعة لا يوافقها مسلم) ولأبي ذر عبد مسلم (قائم يصلي يسأل الله) تعالى (خيرًا
إلا أعطاه) ما لم يسأل حرامًا، وفي رواية لغير أبي ذر: فسأل الله بالفاء بلفظ الماضي، وقوله قائم
وتالييه صفات المسلم أو يصلي حال من مسلم لاتّصافه بقائم ويسأل إما حال مترادفة أو متداخلة
(وقال) أي أشار وَلَّ (بيده) الشريفة (ووضع أنملته على بطن) أصبعه (الوسطى و) بطن
(الخنصر) بكسر الصاد في اليونينية (قلنا يزهدها) بضم التحتية وفتح الزاي وتشديد الهاء الأولى
مكسورة أي يقللها. قال ابن المنير: الإشارة لتقليلها للترغيب فيها والحض عليها ليسارة وقتها
وغزارة فضلها، وقد قيل إن المراد بوضع الأنملة في وسط الكف الإشارة إلى أن ساعة الجمعة
في وسط يومها وبوضعها على الخنصر الإشارة إلى أنها في آخر الأصابع، وفيه إشارة إلى أنها
تتنقل ما بين وسط النهار إلى قرب آخره واختلف في تعيينها على نيف وأربعين قولاً ليجتهد المرء
في العبادة بخلاف ما لو عينت وقد بين أبو مسلم الكجي أن الذي وضع هو بشر بن المفضل
راويه عن سلمة بن علقمة ففي سياق البخاري إدراج (قال: وقال الأويسي) عبد العزيز بن
عبد الله شيخ المؤلف .
٥٢٩٥ - حدثنا إِبْرَاهيمُ بْنُ سَعُدٍ عَنْ شُعْبَةَ بْنِ الْحَجَّاجِ عَنْ هِشْامٍ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ
مَالِكٍ قَالَ: عَذَا يَهُودِيٍّ في عَهْدِ رَسُولِ اللهِ وََّ عَلى جَارِيَةٍ فَأَخَذَ أَوْضُاحًا كَانَتْ عَلَيْهَا، وَرَضَخْ
رَأْسَهَا، فَتِى بِهَا أَهْلُهُا رَسُولَ اللهِ وَّهَ وَهِيَ في آخِرِ رَمَقٍ وَقَدْ أُصْمِتَتْ فَقَالَ لَهُا رَسُولُ اللهِ وٍَّ:
(مَنْ قَتَلَكِ؟ فُلأُنْ))؟ لِغَيْرِ الَّذِي قَتَلَها، فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا أَنْ لا. قَالَ: فَقَالَ لِرَجُلٍ آخَرَ غَيْرِ الَّذِي

٧١
كتاب الطلاق/ باب ٢٤
قَتَلَها فَأَشَارَتْ أَنْ لأَ. فَقَالَ: ((فَفُلاَنٌ)) لِقَاتِلِهَا فَأَشْارَتْ أَنْ نَعَمْ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللهِوَِّ فَرُضِخَ
رَأْسُهُ بَيْنَ حَجَریْنِ .
(حدّثنا إبراهيم بن سعد) بسكون العين القرشي (عن شعبة بن الحجاج) الحافظ أبي بسطام
العتكي (عن هشام بن زيد) أي ابن أنس بن مالك (عن) جده (أنس بن مالك) رضي الله عنه أنه
(قال: عدا) بالمهملتين تعدى (يهودي في عهد رسول الله وَّر) في زمنه وأيامه (على جارية) لم تسم
(فأخذ أوضاحًا) بفتح الهمزة والضاد المعجمة والحاء المهملة حليًّا من الدراهم الصحاح سميت
بذلك لوضوحها وبياضها وصفائها أو هي حلّ من فضة (كانت عليها ورضخ) بالراء والضاد
والخاء المعجمتين المفتوحات كسر (رأسها فأتى بها) بالجارية (أهلها رسول الله وَ ليل وهي) أي والحال
أنها (في آخر رمق) أي نفس وزنًا ومعنّى (وقد أصمتت) بضم الهمزة وسكون الصاد المهملة وكسر
الميم بعدها فوقيتان اعتقل لسانها فلم تستطع النطق لكن مع حضور عقلها (فقال لها رسول
اللهِ وَ الِد) :
(من قتلك)؟ أ (فلان)؟ استفهام محذوف الأداة (لغير الذي قتلها، فأشارت برأسها أن لا)
أي ليس فلان قتلني (قال) وَلقر (فقال) ولأبي ذر ففلان بدل قال: فقال: (لرجل عن رجل آخر
غير الذي قتلها فأشارت) برأسها (أن لا فقال) وَلّ لها: (ففلان) قتلك (لقاتلها فأشارت) برأسها
(أن نعم) قتلني وكلمة أن في المواضع الثلاثة تفسيرية (فأمر به) باليهودي (رسول الله وَّر فرضخ
رأسه بين حجرين) بضم راء فرضخ، واستدل به الشافعية والمالكية والحنابلة على أن القاتل يقتل
فيما قتل به، وقال الحنفية: لا يقتل إلا بالسيف لحديث ((لا قود إلا بالسيف)) وسيكون لنا عودة
إلى هذا المبحث إن شاء الله تعالى في موضعه بعون الله وقوّته.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الديات ومسلم في الحدود وأبو داود والنسائي وابن ماجة في
الديات .
٥٢٩٦ - حدثنا قَبِيصَةُ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ دينارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضَيَ الله عَنْهُمُا
قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ نَّهَ يَقُولُ: ((الْفِتْنَةُ مِنْ هُنَا. وَأَشْارَ إِلَى الْمَشْرِقِ)).
وبه قال: (حدّثنا قبيصة) بن عقبة الكوفي قال: (حدّثنا سفيان) الثوري (عن عبد الله بن
دينار) مولى ابن عمر المديني (عن ابن عمر رضي الله عنهما) أنه (قال: سمعت النبي ◌َّر يقول):
(الفتنة من هنا) بهاء واحدة مضمومة، ولأبي ذر: من ههنا (وأشار إلى المشرق) ومباحث هذا
الحديث تأتي إن شاء الله تعالى في الفتن.
٥٢٩٧ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَميدِ عَنْ أَبِي إِسْحُقَ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ
عَبْدِ الله بْنِ أبي أوْقَى قَالَ: كُنَّا فِي سَفَرٍ مَعَ رَسُولِ اللهِ وََّ، فَلَمَّا غَرَبَتِ الشَّمْسُ قَالَ لِرَجُلٍ:

٧٢
کتاب الطلاق/ باب ٢٤
(أَنْزِلْ فَاجْدَخْ لي)) قَالَ: يَا رَسُولَ الله، لَوْ أَمْسَيْتَ ثُمَّ قَالَ: (آنّزِلْ فَاجْدَحْ)) قال: يا رَسُولَ الله، لَوْ
أَمْسَيْتَ إِنَّ عَلَيْكَ نَهارًا. ثُمَّ قَالَ: ((آنْزِلْ فَاجْدَخْ)) فَنَزَلَ، فَجَدَحَ لَهُ فِي الثَّالِثَةِ، فَشَرِبَ
رَسُولُ اللهِ وََّ، ثُمَّ أَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى الْمَشْرِقِ فَقَالَ ((إِذَا رَأَيْتُمُ اللَّيْلَ قَدْ أقْبَل من هَُهُنَا فَقَدْ أَقْطَرَ
الصَّائِمُ)).
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا جرير عن عبد الحميد) الضبي
القاضي (عن أبي إسحق) سليمان بن فيروز (الشيباني) بالشين المعجمة والموحدة بينهما تحتية ساكنة
وبعد الألف نون مكسورة فتحتية (عن عبد الله بن أبي أوفى) رضي الله عنه أنه (قال: كنا في سفر
مع رسول اللّه ◌َّر) في شهر رمضان في غزوة الفتح (فلما غربت الشمس قال) وَّر (الرجل) هو
بلال :
(انزل فاجدح لي) بهمزة وصل وجيم ساكنة ودال مفتوحة فحاء مهملتين أي حرك السويق
بالماء أو اللبن (قال: يا رسول الله لو أمسيت) بحذف جواب لو أي كنت متمًّا للصوم (ثم
قال) وَله: (انزل فاجدح) أي لي (قال: يا رسول الله لو أمسيت) لابن عساكر (إن عليك نهارًا)
كأنه رأى كثرة الضوء من زيادة الصحو فظن عدم غروب الشمس وأراد الاستكشاف عن حكم
ذلك (ثم قال) عليه الصلاة والسلام: (انزل فاجدح) لم يقل لي إلا في الأولى (فنزل فجدح له في
الثالثة، فشرب رسول الله (َ﴿ ثم أومأ) أشار (بيده) الشريفة (إلى) جهة (المشرق فقال: إذا رأيتم
الليل) أي ظلامه (قد أقبل من ههنا فقد أفطر الصائم) أي دخل وقت فطره فصار مفطرًا حكمًا
وإن لم يفطر حسًّا.
وهذا الحديث قد سبق في الصيام.
٥٢٩٨ - حدثنا عَبْدُ الله بْنُ مَسْلَمَةَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعِ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ
عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيِّ ◌َّرِ: ((لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ نِدَاءُ بِلاَلٍ»، أَوْ
قَالَ: ((أَذَانُهُ مِنْ سَحُورِهِ فَإِنَّمْا يُنَادِي)). أَوْ قَالَ: ((يُؤَذِّنُ لِيَرْجِعَ قَائِمَكُمْ وَلَيْسَ أَنْ يَقُولَ كَأَنَّهُ يَعْنِي
الصُّبْحَ أَوِ الْفَجْرَ)) وَأَظْهَرَ يَزِيدُ يَدَيْهِ ثُمَّ إِحْدَاهُمْا مِنَ الأُخْرِىُ.
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) بفتح الميم واللام بينهما سين مهملة ساكنة ابن قعنب
الحارثي أحد الأعلام قال: (حدّثنا يزيد بن زريع) أبو معاوية البصري (عن سليمان) بن طرخان
التيمي (عن أبي عثمان) عبد الرحمن بن مل النهدي (عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه) سقط
لابن عساكر لفظ عبد الله أنه (قال: قال النبي ◌َّ):
(لا يمنعن أحدًا منكم نداء بلال) - أو قال - (أذانه من سحوره) بفتح السين في الفرع اسم
ما يتسحر به من الطعام والشراب وبالضم المصدر وهو الفعل نفسه وأكثر ما يروى بالفتح (فإنما

٧٣
كتاب الطلاق/ باب ٢٤
ينادي) - أو قال - (يؤذن) - بليل (ليرجع) بفتح الياء وكسر الجيم (قائمكم) بالرفع في الفرع كأصله
على الفاعلية أو بالنصب على المفعولية قال الكرماني: باعتبار أن يرجع مشتق من الرجوع أو
الرجع، ولم يذكر في الفتح غير النصب أي يعود متهجدكم إلى الاستراحة بأن ينام ساعة قبل
الصبح (وليس أن يقول): هو من إطلاق القول على الفعل (كأنه يعني الصبح أو الفجر) بالشك
كالسابق من الراوي والصبح خبر ليس أي ليس الصبح المعتبر أن يكون مستطيلاً من العلو إلى
السفل بل المعتبر أن يكون معترضًا من اليمين إلى الشمال (وأظهر يزيد) بن زريع راويه (يديه)
بالتثنية من الظهور بمعنى العلو أي أعلى يديه ورفعهما طويلاً إشارة إلى صورة الفجر الكاذب (ثم
مد أحدهما من الأخرى) إشارة إلى الفجر الصادق.
وسبق هذا الحديث في الصلاة.
٥٢٩٩ - وقال اللَّيْثُ حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَة عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ هُرْمُزَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهَ: «مَثَلُ الْبَخيلِ وَالْمُنِفِقِ، كَمَثلٍ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمْا جُبَّثَانِ مِنْ حَديدٍ مِنْ لَدُنْ
ثَدْبَيْهِمْا إِلى تَراقيهما، فَأَمَّا الْمُنْفِقُ فَلاَ يُنْفِقُ شَيْئًا إلاَّ مَادَّتْ عَلَى جِلْدِهِ حَتَّى تُجِنَّ بَتَانَهُ وَتَعْفُوَ أَثَرَهُ،
وَأَمَّا الْبَخيِلُ فَلأُ يُريدُ، يُنْفِقُ إِلاَّ لَزِمَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَوْضِعَهَا، فَهُوَ يُوَسِّعُهَا وَلاَ تَتَّبِعُ، وَيُشيرُ بِإِصْبَعِهِ
إِلَىْ حَلْقِهِ» .
(وقال الليث) بن سعد أبو الحارث الإمام صاحب المناقب الجمة قيل كان مغله في العام
ثمانين ألف دينار فما وجبت عليه زكاة فيما وصله المؤلف في باب مثل المتصدق من الزكاة
(حدّثني) بالإفراد (جعفر بن ربيعة) الكندي (عن عبد الرحمن بن هرمز) الأعرج أنه قال: (سمعت
أبا هريرة) رضي الله عنه يقول: (قال رسول الله وَلخيرٍ):
(مثل البخيل والمنفق كمثل رجلين عليهما جبتان) بضم الجيم وتشديد الموحدة (من حديد من
لدن) من عند (ثدييهم) بفتح المثلثة وسكون الدال بعدها تحتيتان أولاهما مفتوحة والأخرى ساكنة
تثنية ثدي ولغير أبي ذر مما في الفتح ثديهما بصيغة الجمع. وصوّب إذ لكل رجل ثديان فيكون
لهما أربعة. وأجيب: بأن التثنية بالنظر لكل رجل ((إلى تراقيهما)) بفتح المثناة الفوقية وكسر القاف
جمع ترقوة العظمان المشرفان في أعلى الصدر من رأس المنكبين إلى طرف ثغرة النحر (فأما المنفق فلا
ينفق شيئًا إلا ماذت) بتشديد الدال من المد وأصلها ماددت بدالين فأدغمت الأولى في الثانية (على
جلده حتى تعجن) بضم الفوقية وكسر الجيم وتشديد النون من الرباعي في أكثر الروايات أي تستر
(بنائه) أي أطراف أصابعه (و) حتى (تعفو أثره) الحادث في الأرض من مشيه لسبوغها كما يمحو
الثوب الذي يجر على الأرض أثر مشي لابسه بمرور الذيل عليه (وأما البخيل فلا يريد ينفق إلا
لزمت) بفتح اللام وكسر الزاي وللكشميهني لزقت بالقاف بدل الميم (كل حلقة) بسكون اللام
(موضعها فهو يوسعها ولا تتسع) ولغير ابن عساكر فلا بالفاء بدل الواو (ويشير بإصبعه) وبالإفراد
(إلى حلقه) وهذا موضع الترجمة على ما لا يخفى.

٧٤
كتاب الطلاق/ باب ٢٥
وهذا الحديث سبق في الزكاة.
٢٥ - باب اللِّعَانِ وَقَوْلِ الله تَعالى:
﴿وَالَّذِينَ يَزْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلاَّ أَنْفُسُهُمْ﴾ إِلى قَوْلِهِ: ﴿إِنْ كانَ مِنَ
الصَّادِقِينَ﴾ فَإِذَا قَذَفَ الأَخْرَسُ آمْرَأَتَهُ بِكِتَابَةٍ أَوْ إِشْارَةٍ أَوْ إِيمَاءِ مَعْرُوفٍ فَهُوَ كَالْمُتَكَلْم، لأَنَّ
النَّبِيَّ وَّرِ قَدْ أَجْازَ الإِشْارَةَ فِي الْفَرَائِضِ، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَهْلِ الْحِجَازِ وَأَهْلِ الْعِلْمِ، وَقَّالَ الله
تَعالى: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ وَقَالَ الضَّحَّاكُ ﴿إِلاَّ رَمْزًا﴾
إِلاَّ إِشَارَةً. وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: لاَ حَدَّ وَلاَ لِعَانَ. ثُمَّ زَعَمَ أَنَّ الطَّلاَقَ بِكِتَابٍ أَو إِشْارَةٍ أَوْ إِيمَاءٍ
جَائِزٌ. وَلَيْسَ بَيْنَ الطَّلاَقِ وَالْقَذْفِ فَرْقٌ. فَإِنْ قَالَ: الْقَذْفُ لا يَكُونُ إِلاَّ بِكَلام، قيلَ لَهُ: كَذْلِكَ
الطَّلاَقُ لا يَجُوزُ إِلاَّ بِكَلامِ، وَإِلاَّ بَطَلَ الطَّلاَقُ وَالْقَذْفُ، وَكَذَلِكَ الْعِثْقُ. وَكَذْلِّكَ الأَصَمُّ يُلأُعِنُ.
وَقَالَ الشَّعْبِيِّ وَقَتَادَةُ: إِذَا قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ فَأَشْارَ بِأَصْابِعِهِ تَبِينُ مِنْهُ بِإِشَارَتِهِ. وَقَالَ إِنْرَاهِيمُ: الأَخْرَسُ
إِذَا كَتَبَ الطَّلاَقَ بِيَدِهِ لَزِمَهُ. وَقَالَ حَمَّدٌ: الأَخْرَسُ وَالأَصَمُّ إِنْ قَالَ بِرَأْسِهِ جازَ.
(باب اللعان) والقذف واللعان مصدر لاعن سماعي لا قياسي، والقياس الملاعنة وهو من
اللعن وهو الطرد والإبعاد يقال منه التعن أي لعن نفسه ولاعن إذ فاعل غيره منه ورجل لعنة بفتح
العين وضم اللام كهمزة إذا كان كثير اللعن لغيره وبسكون العين إذا لعنه الناس كثيرًا الجمع لعن
كصرد ولاعن امرأته ملاعنة ولعانًا وتلاعنّا. والتعنا لعن بعض بعضًا، ولاعن الحاكم بينهما لعانًا
حكم، وفي الشرع كلمات معلومات جعلت حجة للمضطر إلى قذف من لطخ فراشه وألحق العار
به أو إلى نفي ولد سميت لعانًا لاشتمالها على كلمة اللعن تسمية للكل باسم البعض ولأن كلاً من
المتلاعنين يبعد عن الآخر بها إذ يحرم النكاح بها أبدًا، واختير لفظ اللعان على لفظي الشهادة
والغضب وإن اشتملت عليهما الكلمات أيضًا لأن اللعن كلمة غريبة في قيام الحجج من الشهادات
والأيمان والشيء يشهر بما يقع فيه من الغريب، وعليه جرت أسماء السور ولأن الغضب يقع في
جانب المرأة وجانب الرجل أقوى ولأن لعانه متقدم على لعانها والتقدم من أسباب الترجيح.
(وقول الله تعالى) بالجر عطفًا على سابقه المجرور بالإضافة: (﴿والذين يرمون أزواجهم))
يقذفون زوجاتهم بالزنا (﴿ولم يكن لهم شهداء﴾) يشهدون على تصديق قولهم (﴿إلا أنفسهم﴾)
رفع بدل من شهداء أو نعت له على أن إلا بمعنى غير (إلى قوله) عز وجل: (﴿إن كان من
الصادقين﴾) [النور: ٦] وسقط لأبي ذر ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم، وساق في رواية كريمة
الآيات كلها ولما كان قوله يرمون أعم من أن يكون باللفظ أو بالإشارة المفهمة قال: (فإذا قذف
الأخرس امرأته) رماها بالزنا في معرض التعبير (بكتابة) ولأبي ذر عن الكشميهني بكتاب (أو
إشارة) مفهمة باليد (أو بإيماء) بالرأس أو الجفن (معروف فهو كالمتكلم) بالقذف فيترتب عليه

٧٥
كتاب الطلاق/ باب ٢٥
اللعان (لأن النبي ﴿ قد أجاز الإشارة في الفرائض) أي في الأمور المفروضة فإن العاجز عن غير
الإشارة يصلي بالإشارة كالمصلوب (وهو) أي العمل بالإشارة (قول بعض أهل الحجاز وأهل
العلم) أي من غيرهم كأبي ثور (وقال الله تعالى: ﴿فأشارت إليه﴾) أي أشارت مريم إلى عيسى أن
يجيبهم ولما أشارت إليه غضبوا وتعجبوا (﴿قالوا: كيف نكلم من كان﴾) حدث ووجد (﴿في
المهد﴾) المعهود (﴿صبيّا)) [مريم: ٢٩] حال ﴿قال: إني عبد الله﴾ لم أسكتت بأمر الله لسانها
الناطق أنطق الله لها اللسان الساكت حتى اعترف بالعبودية وهو ابن أربعين ليلة أو ابن يوم، روي
أنه أشار بسبابتيه وقال: بصوت رفيع: إني عبد الله. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق ميمون بن
مهران قال لما قالوا لمريم: ﴿لقد جئت شيئًا فَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٧] إلى آخره: إشارة إلى عيسى أن
كلموه فقالوا تأمرنا أن نكلم مَن هو في المهد زيادة على ما جاءت به من الداهية، ووجه
الاستدلال به أن مريم كانت نذرت أن لا تتكلم فكانت في حكم الأخرس فأشارت إشارة مفهمة
اكتفاء بها عن معاودة سؤالها وإن كانوا أنكروا عليها ما أشارت به.
(وقال الضحاك) بن مزاحم الهلالي الخراساني، وقال في الكواكب هو الضحاك بن
شراحيل، وتعقبه في الفتح بأن المشهور بالتفسير إنما هو ابن مزاحم مع وجود الأثر مصرحًا فيه
بأنه ابن مزاحم فيما وصله عبد بن حميد عنه في قوله تعالى: ﴿آيتك ألاّ تكلم الناس ثلاثة أيام﴾
(﴿إلا رمزًا﴾) [آل عمران: ٤١] أي (إلاّ إشارة) وسقط لغير أبي ذر لفظ ((إلا)) واستثنى الرمز وهو
ليس من جنس الكلام لأنه لما أدّى مؤدّى الكلام وفهم منه ما يفهم منه سمي كلامًا وهو استثناء
منقطع .
(وقال بعض الناس) أي الكوفيون مناسبة لقوله وهو قول بعض أهل الحجاز: (لا حدّ ولا
لعان) بالإشارة من الأخرس وغيره إذا قذف زوجته وهو مذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى، وهذا
نقضه البخاري بقوله: (ثم زعم) الكوفيون أو الحنفية (أن الطلاق) إن وقع (بكتاب) من المطلق (أو
إشارة) منه بيده (أو إيماء) بنحو رأسه من غير كلام (جائز) فأقام ذلك مقام العبارة (وليس بين
الطلاق والقذف فرق فإن قال) أي بعض الناس: (القذف لا يكون إلا بكلام قيل له في: كذلك
الطلاق لا يجوز) لا يقع ولأبي ذر: لا يكون (إلا بكلام) وأنت وافقت على وقوعه بغير كلام
فيلزمك مثله في اللعان والحدّ (وإلاّ) بأن لم تعتبر الإشارة فيها كلها (بطل الطلاق والقذف وكذلك
العتق) بالإشارة وحينئذ فالتفرقة بين القذف والطلاق بلا دليل تحكّم، وأجاب الحنفية بأن القذف
بالإشارة ليس كالصريح بل فيه شبهة والحدود تدرأ بها ولأنه لا بد في اللعان من أن يأتي بلفظ
الشهادة حتى لو قال أحلف مكان أشهد لا يجوز، وإشارته لا تكون شهادة وكذلك إذا كانت هي
خرساء لأن قذفها لا يوجب الحدّ لاحتمال أنها تصدقه لو كانت تنطق ولا تقدر على إظهار هذا
التصديق بإشارتها فإقامة الحدّ مع الشبهة لا تجوز انتهى. وأجاب السفاقسي: بأن المسألة مفروضة
فيما إذا كانت الإشارة مفهمة إفهامًا واضحًا لا يبقى معه ريبة (وكذلك الأصم يلاعن) إذا أشير
إليه وفهم.

٧٦
كتاب الطلاق/ باب ٢٥
(وقال الشعبي) عامر بن شراحيل (وقتادة) بن دعامة السدوسي فيما وصله ابن أبي شيبة
(إذا قال) الأخرس لامرأته: (أنت طالق فأشار بأصابعه تبين) تطلق (منه) طلاقًا بائنًا (بإشارته)
بأصابعه الثلاث البينونة الكبرى وأراد بقوله إذا قال القول باليد فأطلق القول على الإشارة أو المراد
قول الناطق أنت طالق وإشارته للعدد بالطلاق كما مرّ تقريره في أول الباب الذي قبل هذا.
(وقال إبراهيم) النخعي مما وصله ابن أبي شيبة: (الأخرس إذا كتب الطلاق بيده لزمه) وقال
الشافعي إذا كتب الطلاق سواء كان ناطقًا أو أخرس ونواه لزمه فلو كتب ولم ينو أو نوى فقط
فلا، (وقال حماد): هو ابن أبي سليمان شيخ الإمام أبي حنيفة (الأخرس والأصم إن قال): أي إن
أشار كلٍّ منهما (برأسه) فيما يسأل عنه (جاز) أي نفذ ما أشار إليه وأقيمت الإشارة مقام العبارة.
٥٣٠٠ - حدّثنا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا لَيْثْ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعيدِ الأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مُالِكِ
يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِوََّ: ((أَلا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ دُورِ الأَنْصَارِ))؟ قَالُوا: بَلَى يُا رَسُولَ اللهِ، قَالَ:
(بَنُو النَّجَّارِ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ بَنُو عَبْدِ الأَشْهَلِ، ثُمَّ الَّذِينِ يَلُوَنْهُمْ بَنُو الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، ثُمَّ
الَّذِينَ يَلُونَهُمْ بَنُو سَاعِدَةَ. ثُمَّ قَالَ بَيَدِهِ فَقَبَضَ أَصْابِعَهُ، ثُمَّ بَسَطَهُنَّ كَالرَّامِي بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: وَفي
كُلِّ دُورِ الأَنْصَارِ خَيْرٌ)) .
وبه قال: (حدّثنا قتيبة) بن سعيد البغلاني قال: (حدّثنا ليث) هو ابن سعد الإمام ولأبي
ذر: الليث (عن يحيى بن سعيد الأنصاري أنه سمع أنس بن مالك) رضي الله عنه (يقول قال
رسول الله (صَالچ) :
(ألا) بالتخفيف (أخبركم بخير دور الأنصار) أي خير قبائلهم من إطلاق المحل وإرادة الحال
(قالوا: بلى) أخبرنا (يا رسول الله، قال) خيرهم (بنو النجار) تيم الله بن ثعلبة بن عمرو بن
الخزرج (ثم الذين يلونهم) وهم (بنو عبد الأشهل ثم الذين يلونهم) وهم (بنو الحرث بن
الخزرج) بن عمرو بن مالك بن الأوس بن حارثة (ثم الذين يلونهم) وهم (بنو ساعدة) بن
كعب بن الخزرج الأكبر وهو أخو الأوس وهما ابنا حارثة بن ثعلبة (ثم قال): أشار ◌َّ (بيده
فقبض أصابعه) كالذي يكون بيده شيء فيضم أصابعه عليه (ثم بسطهن كالرامي بيده) لم كان قبض
عليه (ثم قال: وفي كل دور الأنصار خير) وإن تفاوتت مراتبه فخير الأولى أفعل تفضيل وهذه
اسم .
ومطابقة الحديث للترجمة في قوله ثم قال بيده على ما لا يخفى.
وهذ الحديث سبق في مناقب الأنصار لكنه لم يقل فيه ثم قال لبيد، فقبض أصابعه ثم
بسطهن كالرامي بيده، وأورده هنا عن أنس بغير واسطة وهناك عنه عن أبي أسيد الساعدي
وكلاهما صحيح.

٧٧
كتاب الطلاق/ باب ٢٥
٥٣٠١ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ أَبُو حَازِمِ: سَمِعْتُ مِنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ
السَّاعِدِيِّ صَاحِبٍ رَسُولِ اللهِوَهِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: (بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهْذِهِ مِنْ هُذِهِ)).
أَوْ قَالَ ((كَهاتَيْنِ))، وَقَرَنَ بَيْنَ السَّبَّبَةِ وَالْوُسْطُى.
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (قال أبو حازم)
سلمة بن دينار الأعرج وعند الإسماعيلي عن أبي حازم وصرح الحميدي فيما أخرجه أبو نعيم
بالتحديث عن سفيان فقال: حديث أبو حازم قال: (سمعت من سهل بن سعد الساعدي صاحب
رسول الله ◌َي) فيه تنبيه على تعظيمه بالصحبة (يقول: قال رسول الله الخلي﴾):
(بعثت) بضم الموحدة وكسر العين (أنا والساعة) بالرفع وفي الفرع وبه وبالنصب معًا في
اليونينية لكن قال أبو البقاء العكبري: في إعراب المسند لا يجوز إلا بالنصب على أنه مفعول معه
قال: ولو قرىء بالرفع لفسد المعنى إذ لا يقال بعثت والساعة ولا هو في موضع المرفوع لأنها لم
توجد بعد، وأجاز غيره الوجهين، بل جزم القاضي عياض بأن الرفع أحسن وهو عطف على
ضمير المجهول في بعثت قال: ويجوز النصب، وذكر توجيه أبي البقاء، وزاد أو على إضمار فعل
يدل عليه الحال نحو: فانتظروا كما قدر فى نحو: جاء البرد والطيالسة فاستعدوا؛ وأجيب عن
الذي اعتلّ به أبو البقاء أولاً أن يضمن بعثت معنى يجمع إرسال الرسول ومجيء الساعة نحو
جئت، وعن الثاني بأنها نزلت منزلة الموجود مبالغة في تحقق مجيئها ويرجح النصب ما سبق في
تفسير والنازعات بلفظ بعثت والساعة فإنه ظاهر في المعية، والمراد بعثت أنا والقيامة (كهذه من
هذه) أي كقرب السبابة من الوسطى (أو) قال (كهاتين) بالشك من الراوي (وقرن بين) أصبعه
(السبابة) وأصبعه (الوسطى) وزاد في رواية أبي ضمرة عند ابن جرير وقال: ((ما مثلي ومثل الساعة
إلا كفرسي رهان)) وعند أحمد والطبراني وسنده جيد في حديث بريدة: ((بعثت أنا والساعة إن
كادت لتسبقني)) وفي حديث المستورد بن شداد عند الترمذي ((بعثت في نفس الساعة سبقتها كما
سبقت هذه لهذه)) لأصبعه السبابة والوسطى، وقوله: نفس بفتح الفاء وهو كناية عن القرب أي
بعثت عند تنفسها. وعند الطبري من حديث جابر بن سمرة أشار بالمسبحة والتي تليها وهو
يقول: ((بعثت أنا والساعة كهذه من هذه)) قال القرطبي في المفهم: ومعنى الحديث تقريب أمر
الساعة وسرعة مجيئها فعلى النصب يكون وجه التشبيه انضمام السبابة والوسطى وعلى الرفع يحتمل
هذا، ويحتمل أن يكون وجه التشبيه هو التفاوت الذي بين الأصبعين المذكورتين في الطول ولبعض
السلف في تعيين ذلك كلام افتضح فيه بمرور زمان طويل بعده ولم يقع ما قاله فالصواب
الإعراض عن ذلك.
وستكون لنا بقوة الله تعالى وفضله عودة إلى البحث في ذلك في كتاب الرقاق مع فرائد
الفوائد إن شاء الله تعالى.
وقد مرّ هذا الحديث في تفسير سورة النازعات.

٧٨
كتاب الطلاق/ باب ٢٥
٥٣٠٢ - حدثنا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا جَبَلَةُ بْنُ سُحَيْم سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: قَالَ
النَّبِيُّ وَّهِ: ((الشَّهْرُ هُكَذَا وَهُكَذَا وَهُكَذَا))، يَعْنِي ثَلاَئِينَ ثُمَّ قَالَ: ((وَهْكَذَا وَهُكَذَا وَهُكَذَا)) يَعْني
تِسْعًا وَعِشِرِينَ يَقُولُ مَرَّةً ثَلاثينَ وَمَرَّةً تِسْعًا وَعِشْرِينَ.
وبه قال: (حدّثنا آدم) بن إياس قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج قال: (حدّثنا جبلة بن
سحيم) بفتح الجيم والموحدة واللام وسحيم بضم السين وفتح الحاء المهملتين وسكون التحتية
الكوفي قال: (سمعت ابن عمر) رضي الله عنهما (يقول قال النبي (ِ﴿):
(الشهر هكذ وهكذا وهكذا) بالتكرار ثلاثًا قال الراوي: (يعني) بَّرِ (ثلاثين) يومًا (ثم قال)
عليه الصلاة والسلام (وهكذا وهكذا وهكذا) ثلاثًا وسقطت الثالثة لأبي ذر، وقال بعد الثانية ثلاثًا
قال الراوي: (يعني) وَلجر (تسعًا وعشرين) وعند مسلم الشهر هكذا وهكذا وعقد الإبهام في الثالثة
والشهر هكذا وهكذا يعني تمام ثلاثين أي أشار أوّلاً بأصابع يديه العشر جميعًا مرتين وقبض الإبهام
في الثالثة وهذا هو المعبر عنه بتسع وعشرين، وأشار بهما مرة أخرى بثلاث مرات وهو المعبر عنه
بثلاثين (يقول مرة ثلاثين ومرة تسعًا وعشرين).
وهذا الحديث سبق في الصوم.
٥٣٠٣ - حدّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعيدٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ عَنْ قَيْسٍ عَنْ أَبي
مَسْعُودٍ قَالَ: وَأَشْارَ النَّبِيِّي وَ بِيَدِهِ نَحْوَ الْيَمَنِ: ((الإِيمَانُ هُهُنا - مَرَّتَيْنِ - أَلاَ وَإِنَّ الْقَسْوَةَ وَغِلَظَ
الْقُلُوبِ فِي الْقَدَّادِينَ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ رَبِيعَةً وَمُضَرًا.
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (محمد بن المثنى) العنزي قال: (حدّثنا
يحيى بن سعيد) القطان (عن إسماعيل) بن أبي خالد (عن قيس) هو ابن أبي حازم (عن أبي
مسعود) عقبة بن عمرو البدري ولأبي ذر عن ابن مسعود قال عياض: وهو وهم. قال الحافظ ابن
حجر: وهو كما قال فقد تقدم كذلك في بدء الخلق والمناقب والمغازي من طرق عن إسماعيل
بلفظ حدّثني قيس عن عقبة بن عمرو أبي مسعود أنه (قال: وأشار النبي ◌َّ بيده نحو اليمن).
(الإيمان) في باب خير مال المسلم غنم نحو اليمن فقال: الإيمان (هلهنا مرتين) الإذعان
أهله إلى الإيمان من غير كبير مشقة على المسلمين بخلاف غيرهم ومن اتّصف بشيء وقوي إيمانه
به نسب ذلك الشيء إليه إشعارًا بكمال حاله فيه أو المراد مكة إذ هي من تهامة وتهامة من أرض
اليمن (ألا) بالتخفيف (وإن القسوة وغلظ القلوب) بكسر الغين المعجمة وفتح اللام وبالظاء المعجمة
(في الفدادين) بفتح الفاء والدال المهملة المشددة وبعد الألف دال أخرى مخففة جمع فداد الشديد
الصوت لاشتغالهم عن أمر الدين المفضي لقساوة القلب (حيث يطلع قرنا الشيطان) جانبا رأسه
لأنه ينتصب في محاذاة مطلع الشمس فإذا طلعت كانت بين قرنيه فتقع سجدة عبدة الشمس له
(ربيعة ومضر) بدل من الفدادين.

٧٩
كتاب الطلاق/ باب ٢٦
وفي باب خير مال المسلم في ربيعة ومضر وهو متعلق بالفدادين أي القسوة في ربيعة
ومضر وهما قبيلتان مشهورتان.
٥٣٠٤ - حدثنا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ أَخْبَرَنْا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَهْلٍ قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَ﴿: (أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ هُكَذُ))، وَأَشْارَ بِالسَّيَّبَةِ وَالْوُسْطُى وَفَرَّجَ بَيْنَهُمَا شَيْئًا.
[الحديث ٥٣٠٤ - أطرافه في: ٦٠٠٥].
وبه قال: (حدّثنا عمرو بن زرارة) بفتح العين في الأول وضم الزاي وتخفيف الراءين بينهما
ألف النيسابوري قال: (أخبرنا عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه عن سهل) هو ابن سعد الساعدي
أنه قال: (قال رسول الله وَ﴾):
(وأنا) بإثبات الواو في وأنا في اليونينية (وكافل اليتيم) القائم بمصالحه (في الجنة هكذا)
(وأشار بالسبابة) بتشديد الموحدة الأولى وسميت سبابة لأنهم كانوا إذا تسابوا أشاروا بها وهي
الأصبع التي تلي الإبهام ولأبي ذر عن المستملي والكشميهني بالسباحة بالحاء المهملة بدل الموحدة
الثانية لأنه يشار بها عند التسبيح وتحرّك في التشهد عند التهليل إشارة إلى التوحيد (والوسطى وفرج
بينهما شيئًا) قليلاً إشارة إلى أن بين درجته و #وس ودرجة كافل اليتيم قدر تفاوت ما بين السبابة
والوسطى.
وبقية مباحث هذا الحديث تأتي إن شاء الله تعالى بعونه.
٢٦ - باب إِذا عَرَّضَ بِنَفْي الْوَلَدِ
(باب) بالتنوين (إذا عرض) الرجل (بنفي الولد) الذي تأتي به زوجته والتعريض ذكر شيء
يفهم منه شيء آخر لم يذكر ويفارق الكناية بأنها ذكر شيء بغير لفظه الموضوع يقوم مقامه.
٥٣٠٥ - حدّثنا يَخْيَى بْنُ قَزَعَةَ حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنِ أبِنِ شِهَابٍ عَنْ سَعيدٍ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبي
هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِيِّ ◌َهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، وُلِدَ لي غُلأُمْ أَسْوَدُ، فَقَالَ: ((هَلْ لَكَ مِنْ
إِيلٍ))؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: ((مَا أَلْوَانُها)؟ قَالَ حُمْرٌ. قَالَ: ((هَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ))؟ قَالَ: نَعَم. قَالَ:
((فَأَنَّى ذُلِكَ))؟ قالَ: لَعَلَّهُ نَزَعَهُ عِرْقُ، قَالَ: ((فَلَعَلَّ أَبْنَكَ هُذَا نَزَعَهُ». [الحديث ٥٣٠٥- أطرافه
في: ٦٨٤٧، ٧٣١٤].
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن قزعة) بفتح القاف والزاي والعين المهملة المكي المؤذن قال:
(حدّثنا مالك) الإمام (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن سعيد بن المسيب عن أبي
هريرة) رضي الله عنه (أن رجلاً) وعند أبي داود من رواية ابن وهب أن أعرابيًّا من فزارة، وكذا
عند مسلم وأصحاب السنن من رواية سفيان بن عيينة عن ابن شهاب واسم هذا الأعرابي

٨٠
كتاب الطلاق/ باب ٢٦
ضمضم بن قتادة كما عند عبد الغني بن سعيد في المبهمات له (أتى النبي ◌َّله فقال: يا رسول الله
ولد في غلام أسود) لم أعرف اسم المرأة ولا الغلام، وزاد في كتاب الاعتصام من طريق ابن وهب
عن يونس وإني أنكرته أي استنكرته بقلبي ولم يرد أنه أنكره بلسانه وإلا لكان صريحًا لا تعريضًا
لأنه قال غلام أسود أي وأنا أبيض أي فكيف يكون مني (فقال) النبي ◌َّ له:
(هل لك من إبل؟ قال: نعم، قال) عليه الصلاة والسلام: (ما ألوانها؟ قال): ألوانها (حمر)
بضم الحاء المهملة وسكون الميم (قال) وَ ل جر (هل فيها من أورق) غير منصرف للوصف ووزن الفعل
كأحمر قال في القاموس: ما في لونه بياض إلى سواد وهو من أطيب الإبل لحمًا لا سيرًا وعملاً،
وقال غيره: الذي فيه سواد ليس بحالك بأن يميل إلى الغبرة ومنه قيل للحمامة ورقاء ومن في
قوله من أورق زائدة (قال: نعم، قال) عليه الصلاة والسلام له (فأنى ذلك) بفتح النون المشددة
أي من أين أتاه اللون الذي ليس في أبويه (قال) الرجل (لعله نزعة عرق) بكسر العين المهملة
وسكون الراء بعدها قاف ونزعه بالنون والزاي والعين المهملة أي قلبه وأخرجه من ألوان فحله
ولقاحه، وفي المثل العرق نزاع والعرق الأصل مأخوذ من عرق الشجرة ومنه قولهم فلان عريق
في الأصالة يعني أن لونه إنما جاء لأن في أصوله البعيدة ما كان فيه هذا اللون، ولأبوي ذر
والوقت والأصيلي وابن عساكر: لعل بغير هاء عرق بالرفع، وقد جزم بعضهم بأن الصواب
النصب أي لعل عرقًا نزعه، وقال الصغاني: يحتمل أن يكون بالهاء فسقطت، ووجهه ابن مالك
باحتمال أنه حذف منه ضمير الشأن، وقال في المصابيح: اسم لعل ضمير نصب محذوف ومثله
عندهم قليل بل صرح بعضهم بضعفه. (قال) وَّر (فلعل ابنك هذا نزعه) أي العرق.
وفائدة الحديث المنع عن نفي الولد بمجرد الأمارات الضعيفة، بل لا بد من تحقق كأن رآها
تزني أو ظهور دليل قويّ كأن لم يكن وطئها أو أتت بولد قبل ستة أشهر من مبدأ وطئها أو لأكثر
من أربع سنين، بل يلزمه نفي الولد لأن ترك نفيه يتضمن استلحاقه واستلحاق من ليس منه حرام
كما يحرم نفي من هو منه.
وفي حديث أبي داود وصححه الحاكم على شرط مسلم: أيما امرأة أدخلت على قوم من
ليس منهم فليست من الله في شيء ولم يدخلها جنته، وأيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه
احتجب الله منه يوم القيامة وفضحه على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فنص في الأول على المرأة
وفي الثاني على الرجل، ومعلوم أن كلاً منهما في معنى الآخر ولا يكفي مجرّد الشيوع لأنه قد
يذكره غير ثقة فيستفيض فإن لم يكن ولد فالأولى أن يستر عليها ويطلقها إن كرهها.
وفي الحديث أن التعريض بالقذف ليس قذفًا، وبه قال الجمهور، واستدل به إمامنا الشافعي
لذلك وعن المالكية يجب به الحدّ إذا كان مفهومًا.
وهذ الحديث أخرجه أيضًا في المحاربين.